Полный текст (1 232 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
مفعول ولا منوي وجوبه, فلا يجب أن يكون متعينا لأجل علم الله تعالى بأنه هو الذي يفعل ويختار وإنما يتعين بالفعل, وقبل أن يفعل فليس بواقع. وإذا كان ذلك كذلك سقط ما تعلقوا به.
يقال لهم: لو كان ما قلتموه واجبا لوجب تعين رقبة من جملة الرقاب التي في ملك المكفر إذا علم الله سبحانه أنه إنما يعتق ⦗٢٠٤⦘ رقبة منها بعينها, وأنه يتعين وجوبها بإيقاع العتق عليها, وهذا خلاف الإجماع, لأنه لا أحد يقول: إن الواجب من هذه الرقاب ما علم الله سبحانه أن العتق يقع عليها دون غيرها حتى لو اعتق المكفر غيرها لم تجزئه, ولم تكن واجبة، فبطل ما قلتموه.
ثم يقال لهم: لو كان علم الله تعالى بإيقاعه يوجب تعيينه ووجوبه دون غيره لم يستنكر أن يكون غيره الذي ليس بواجب لو فعل حالا محله ونائبا منا به. كما زعم بعض الفقهاء أن الصلاة في أول الوقت نقل, وأنها تنوب مناب الفرض. وكما كان المنهي عنه حالا محل المأمور به. وإذا كان كذلك. وكانت الأمة قد أجمعت على أن التكفير بكل واحد من الكفارات مجزئ وواقع موقع الوجوب, وجب أن لا يضر تعيين الواحدة بالوجوب عند الله عو وجل, وفي معلومة.
فإن قالوا: فقد أجمعت الأمة على أن المكفر بكل واحدة منها لو فعلها هي الفرض الواجب. ولا يصح أن يقال إنها نفل أو معصية نائبة مناب الفرض.
стр. 597
يقال لهم: فهذا الذي يدل على فساد قولكم بأن تقدم علم الله سبحانه باختيار المكلف لأحدهما يعين وجوبه عنده تعالى, وفي معلومة، فبطل ما قلتموه من كل وجه.
والأولى الجواب بما قدمناه, لأنه إذا كانت الكفارة إنما يتعين وجوبها بعلم الله بالتلبس بها, فمحال أن يتلبس بغير ما في المعلوم أنه يتلبس به حتى يقال إنه لو وقع كذلك لناب مناب المعلوم المتلبس به, ولأنه إذا تعين بالتلبس به, فلا سيء منها يوقعه إلا وهو المعلوم التلبس به, ومعلوم أنه يتلبس به. فلا يتصور التلبس من ذلك بما ليس بمعلوم, فوجب الاعتماد على ما قلناه.
فصل من فصول القول في ذلك
واعلموا- رحمكم الله- أن المخير فيه المعتزلة على ثلاثة أقسام:
فقسم منه مخير فيه. وقد أريد فعله منفردا من الآخر, وكره الجمع بينه وبين الآخر, كالتخيير في عقد الإمامة وعقد الزوجية, وما جرى مجرى ذلك من كل محرم الجمع بين اثنين منه.
والقسم الثاني منه: مخير فيه. وقد أراد الله سبحانه ⦗٢٠٥⦘ الجمع بين فعله كالكفارات الثلاث, فإذا جمع بينها في الفعل كان الواجب منها واحدا. وهذا الضرب عندهم وإن أراد الله سبحانه الجمع بينه فيما كره ترك اثنين منه. وإذا وقع مع الثلاث, كان كله مرادا. فلذلك قالوا: إن الواجب منه إذا وقع واحدا, واثنان منه ندب. ويجب على هذا القول أن يكون الواجب من ذلك ما تقدر
стр. 598
إرادته والكراهة لتركه, وما أريد ضمه إليه ولم يكره تركه هو النفل. وهذا القول منهم نقض ظاهر لقولهم: إن الكفارات الثلاث واجبة كلها قبل الفعل لتساوي حالها في تعلق مصلحة المكلف بكل واحدة على وجه واحد, لأنه قول يوجب كون جميعها واجبا إذا وقعت ومرادة. ومكروها ترك جميعها إلى رابع سواها ومكروها ترك واحد منها بفعل الآخر, لأنه واجب كوجوب تركه سواء قبحت على هذا الأصل كونه تعالى مويدا لجميعها إذا فعلت على وجه واحد, وكارها للجمع بين تروكها برابع سواها, أو بأن لا يفعل جملة بغير ترك لها إن كان في فعل العبد مالا ترك له, أو ما يجوز أن يخلو منه ومن تركه. ويجب أيضا كونه. كارها لترك كل شيء منها بفعل آخر لاستوائها في الوجوب. وذلك يقتضي وجوب الجمع بينها. ويبطل معنى التخيير على ما بيناه من قبل.
والقسم الثالث: مخير في الجمع بينه. وقد أراد الواحد منها. ولم يرد الآخر ولم يكرهه, وذلك عندهم نحو التخيير بين ستر العورة وترك سترها. فإن كثيرا منهم يقول: إنه وإن خير في ذلك, فإنه قد أراد ستر العورة, ولم يكره ترك ذلك, ولم يرده, وهذا قول يوجب أن يكون سترها نفلا مرادا فعله, وإن لم يكره تركه. وقد بينا نحن فيما سلف أنه تعالى يريد من المكلف فعل ما يعلم انه يقع منه من الجمع بين ما يحل جمعه, أو الجمع بين ما ما يحرم جمعه, أو أن لا يفعل من ذلك شيئا إذا كان المعلوم أنه لا يفعل شيئا منه. فأغنى عن هذا التفصيل.
стр. 599
باب
القول فيما يعلم به التخيير بين الأفعال
فإن قيل: فبأي شيء يعلم التخيير بين الفعلين؟
قيل له: إذا علم أنهما متباينان غير ممتنعين ولا أحدهما. وأن وقت تكليفهما واحد. وعلم مع ذلك تساوي حالهما في الحكم بأن يكونا تدبين أو واجبين على بيناه من قبل وعلم أنه لم يؤمر بالجمع بينهما.
فإن قيل ⦗٢٠٦⦘ وما القول الذي به يعلم التخيير بين الأفعال؟
قيل له: قد يعلم ذلك بأن يقول ﵇: إن فعلت هذا أجزأك (وإن فعلت هذا أجزأك) وهذا ينوب مناب هذا, ويقوم مقامه. وهذا فرضك إن فعلته وهذا- أيضا- فرضك إن فعلته بدلا منه. وإن فعلت هذا فلا ضيق ولا حرج. وإن فعلت هذا فكذاك, وأمثال هذا من ألفاظ التخيير.
وقد يقع من فعله ﵇ ما يجرى مجرى البيان بقوله نحو القراءة بحرف. والقراؤة تارة بغيره. والمسح تارة ببعض الرأس وبكله أخرى عند مجيز ذلك. والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم مرة وتركه أخرى. وجمع الناس للتراويح تارة وتركه أخرى. وليس القصد من هذا تصحيح مسألة بعينها في باب التخيير, ولكن بيان ما علم أنه يفعل تارة ويفعل غيره أخرى, ويتركه ويفعله على وجه الإتباع لحكم الشرع. فإن هذا ربما كان أوضح في الكشف عن التخيير من القول وربما حل محله.
وقد يعلم التخيير بين الفعلين بأن يرد التعبد بفعلهما في وقت واحد مع العلم بتضادهما في العقل أو الحكم. فإذا قيل للمكلف قم واقعد, وانطق واسكت عقيب أمرك في وقت واحد وعلم تضاد ذلك علم أنه على التخيير لا على الجمع,
стр. 600
لأن من حكم ما أمر به على الجمع أن يكون ممكنا جائزا, والجمع بين الضدين محال ممتنع. وليس هذا من التعبد في حكم الشرع.
وأما ما يجري مجرى التضاد في حكم الشرع, لا في قضية العقل من حيث يحرم الجمع بينهما, فيجب جمل الأمر بهما على التخيير إذا تساوت الحال في نفس المكلف للفعل أو المجتهد المفتي, وهذا نحو الواجب بقوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وقد ثبت بالإجماع والتوقيف تحريم الاعتداد بالجمع بين الحيض والطهر. وأنت الواجب الاعتداد بأحدهما على حسب ما يؤدي إليه الاجتهاد.
وكذلك حكم إلحاق الفرع بالأصل مع تقاوم الأشباه بأصلين متضادين في أن العالم المتقاوم ذلك في نفسه مخير في الرد إلى أيهما شاء. ومحرم عليه الرد إليهما. وكذلك حكم العامي في الفتاوى المتضادة في حادثة في أنه مخير في الأخذ بقول أي العلماء شاء ⦗٢٠٧⦘ إذا اعتدلوا عنده في العدالة ومنزلة الاجتهاد فيجب تأمل هذا الباب وإجراؤه على ترتيب ما وصفناه.
стр. 601
باب
القول في الفصل بين التخيير والترتيب في التكليف
فإن قال قائل: فما الفصل بين الواجب على الترتيب من الكفارات وغيرها وبين الواجب على التخيير.
قيل له: الفصل بينهما أن المخير بين أفعال له العدول عن كل واحد منها إلى الآخر بغير عذر هو عدم أحدهما أو تعذر الوصول إليه أو لحوق الكلفة والمشقة في فعله.
والواجب على الترتيب لا يجوز في حكم الشرع والعدول عن بعضه إلى بعض الذي هو الثاني المرتب على الأول مع وجود الأول, وإمكان التوصل إليه, وعدم الأعذار, وهذا نحو قوله تعالى: ﴿فتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ وما يجري مجرى ذلك مما يجب بعضه عند عدم البعض, أو تعذره بالأعذار الجارية مجرى العدم.
فصل: فإن قال قائل: فما قولكم في المكلف إذا جمع بين الكفارات المرتبة في الفعل, نحو الجمع بين المسح والغسل عند من رأى التخيير في ذلك. وبين العتق والإطعام والصيام, أتقولون إن ذلك مما الجمع بينه مأمور به أمر ندب, أوليس بمأمور به.
يقال له: هذا على ضربين:
فضرب منه مرتب قد حظر الشرع الجمع بينه, نحو الجمع بين نكاح الحرة والأمة مع وجود الطول.
стр. 602
ومنه: ما الجمع بينه مندوب إذا وقع ومثاب على بعضه ثواب الواجب, وعلى بعضه ثواب الندب, فيكون المخير فيه بغير ترتيب. وذلك نحو التكفير بالعتق والصيام والإطعام.
فإن قيل: فإذا جمع بين ذلك, فهل أراد الله الجمع بينه محظورا كان الجمع أو مباحا أو مندوبا إليه؟
قيل له: أجل, لأنه قد دلت الدلالة بما قد بيناه في أصول الديانات أنه لا يجوز حدوث شيء من المكلف أو غيره مما حل أو حرم أو أبيح أو حظر أو جمع بينه أو فرق إلآ وهو مراد الله سبحانه. ولا معتبر عندنا بقول القدرية في هذا الباب.
стр. 603
باب
القول هل يقتضي الأمر إجزاء المأمور به أولا ؟
اختلف الناس في هذا الباب
فقال الكل من الفقهاء وعامة أهل العلم إنه يقتضي كون المأمور به? مجزئا إذا فعل على وجه ما تناوله الأمر.
وقال بعض المتكلمين: إنه لا يدل على إجزائه. وقد كنا قلنا في مواضع من الأمالي وغيرها إن الأشبه أن لا يجزئ وفسرنا ذلك بأنه لا يدل على أن مثل الفعل الذي وقع لا يلزم بعده. وأنه لا يمتنع أن يلزم مثل الواجب فيما بعد وإن فعل بحسب مقتضاه الأمر. ولكنه مع ذلك لا بد أن يعرض فيه سبب يوجب قضاءه بعد فعله. ومتى عري من كل سبب يوجب القضاء كان ما وجب بعده فرضا مبتدأ لا يوصف بأنه قضاء بسبب فساد وأمر عرض فيما قبله.
والذي يجب تحصيله وحصر الكلام عليه في هذا الباب أن يقال إن ما يفعل نحو الأمر به والإيجاب له على ضربين:
فضرب منه واجب مجزئ يدل الأمر به مع وقوعه على الصفات والشرائط التي يتناوله الأمر عليها واستكمالها على إجزائه وصحته.
стр. 604
والضرب الآخر واجب فعله نحو الإيجاب له والأمر بهو قد دخله مع ذلك ضرب من الخلل إما لشيء من قبل المكلف اكتسبه أو لشيء دخل عليه من غير جهته, أو لأجل شيء كان منه قبل التلبس بالفعل المأمور به
فأما الأمر الدال على أجزاء المأمور وصحته على تأويل إن فعل مثل متعلقة الممأمور به لا يجب فيما بعد على سبيل القضاء له, وهي الصلاة المفعولة في وقتها بطهارة ونية واستكمال شرائطها وحصول أسباب وجوبها بأمر مبتدأ به, لا لأجل ترك شيء وجب قبلها, ولا لأجل صلاة لزمت لأجل فواتها. ولا لفساد فرض من الصوات لزمت من أجلها, وليس بين الأمة خلاف في أن ما وجب على هذه السبيل فهو فرض مبتدأ صحيح ليس بقضاء لشيء. ولا مما يجب قضاؤه إذا فعل عاريا من جميع العوارض والأسباب. وإذا كان كذلك, وجب أن يدل الأمر بما هذه سبيله على إجزاء المأمور به, إذا وقع مع حصول أسباب وجوبه واستكمال شرائطه, وأن لا يجب قضاؤه, وأن لا يكون في نفسه قضاء لشيء فات أو فسد. وهذا واجب لا محيص منه.
فإن قال قائل: فهل يستحيل ⦗٢٠٩⦘ عندكم في حكمة الله وطريقة التكليف أن يأمر الله سبحانه بالفعل عند أسباب تحصل وشرائط يقع عليها, فيفعل عند أسبابه وعلى شرائطه. ثم يأمر بفعل آخر مثله بعده على صفته وشرائطه.
قيل له: لا يستحيل ذلك في حكمته تعالى, ولكن لا يكون المفعول الثاني بالأمر بالثاني لترك الأول ولفواته ولا لخلل المأمور به الأول على الوجوه والشرائط التي ذكرناها ولا لفواته ولا لالخلل لحقه ودخل فيه يصير من أجله قضاء للأول, بل يكونان فرضين مبتدأين لا تعلق لأحدهما بالآخر, ولا يكون
стр. 605
الثاني مفعولا لترك فرض قبله وفساده ولسبب عرض فيه.
وأما الواجب الذي لا يدل الأمر به على إجزائه إذا وقع فهو الذي وقع وقد دخل فيه ضرب من الفساد الذي يلحق الواجب, وهذا الفساد يكون بوجهين:
أحدهما كسب للعبد, والآخر مدخول عليه بالفساد, لا من قبله.
فالأول: نحو إفساده الحج بالوطء, وما يجري مجراه الذي يجب عليه المضي في فاسده وفعل مثله بعده وقضاءه. وليس لأحد أن يقول ما أنكرتم أن يكون المعنى في فاسد الحج غير واجب من حيث وجب قضاؤه, بهده, لأن وجوب قضائه بعده لا يبقى وجوبه. وإنما الذي يبقي وجوبه سقوط الذم والعقاب بتركه. وقد اتفق على أنه قد ورد الذم والعقاب بترك المضي في فاسد الحج, كما يستحق ذلك بإفساده وتركه إذا تضيق وجوبه, فثبت وجوب المضي في فاسده, ولا يجب أن يقال الذي يدل على وجوب المضي في فاسد الحج استحقاق الثواب عليه, لأنه لا يمتنع ثبوت واجب على سبيل القضاء والابتداء. وإن لم يجعل الله عليه ثوابا. وإن أوجب الذم والعقاب بتركه. ولأن النفل من القرب عليه ثواب وإن لم يكن واجبا. فوجب الاعتماد على ما بدأنا به.
فصل: وأما الفاسد بسبب مدخول على العبد, فنحو الصلاة عند تضييق وقتها وفرضها, مع الظن بكون المصلي متطهرا, ونسيانه الحدث هذا- أيضا- مما قد اتفق على وجوبه, وأنه إذا ذكر بعد فعلها ⦗٢١٠⦘ أنه كان محدثا غير متطهر لزمه قضاؤها. وبسبب وجوب القضاء تركه التطهر على سبيل السهو عن ذلك, والسهو ليس من كسبه ومقدوراته. وإن أجري في الحكم مجرى ما يفسد به الحج وغيره
стр. 606
من فرائضه بفعل من كسب معتمد مقصود. والذي يدل على وجوب الصلاة على من هذه حالة في ظن التطهر, وإجماع الأمة على أنه عاص ومستحق للذم على ترك الصلاة, وإن كان محدثا مع ظنه الطهارة ولو لم تجب عليه. والحال هذه لم يكن عاصيا بتركها فصح ما قلناه.
فصل: واعلموا- رحمكم الله- أنه ليس مرادنا بالقول إن من الأوامر مالا يدل على إجزاء المأمور به أن منها مالا يدل على أنه حسن طاعة مثاب فاعله ومتقرب به. وإنما مرادنا بذلك أنه لا يدل عله على سبيل الوجوب, والحال ما وصفناها على سقوط فرض مثله بعده. وكذلك إذا قلنا أن من النهي مالا يدل على فساد المنهي عنه. وليس مرادنا بذلك أنه لا يدل على قبحه إذا كان نهي تحريم, وعلى أنه معصية مستحق عليه الذم والعقاب. وإنما نعني بذلك أنه لا يدل بكونه منهيا عنه على أنه غير مجزئ في الشيء ولا واقعا موقع الصحيح نحو الصلاة في الدار المغصوبة, وما نذكره في أحكام النهي.
ومراد الفقهاء بقولهم: إن الأمر يدل على إجزاء المأمور به, والنهي يدل على أنه غير مجزئ أن ما وقع مأمورا به سقط فرض مثله بعد فعله. وما وقع منهيا عنه لم يقع مجزئا ونائبا عن المأمور به. وهذا ليس بمستمر لما ذكرناه من قبل.
стр. 607
باب
القول في أن الأمر يتناول الذكر والأنثى والحر والعبد
والمؤمن والكافر
واعلموا- رحمكم الله- أنه قد اختلف العلماء في كيفية القول في هذا الباب. فذهب المحققون من الذاهبين إلى إثبات صيغة العموم من الفقهاء والمتكلمين إلى وجوب استغراق اللفظ العام لجميع ما يتناوله الاسم إذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ و ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ونحوه ⦗٢١١⦘ لأن الاسم عندهم واقع على جميع هذه الأصناف.
وهذا هو الصحيح إن ثبت القول بالعموم لشمول الاسم لجميعهم. فأما إن لم يثبت ذلك ووجب القول بالوقف فالوجه القول بأنه قول صالح لاستغراق جميعهم ولفريق منهم دون فريق, على ما نبينه في باب القول بالوقف.
وقال بعض المثبتين للعموم أن العبد لا يدخل في الخطاب بالعبادات مع
стр. 608
كونه عبدا.
واعتلوا لذلك بأنه مملوك ممنوع تصرفه. وليس يصح أن يستحق عليه تصريف خالقه في العبادة له لأجل ملك مالكه لتصرفه عليه, فوجب خروجه من الخطاب. وهذا باطل، لأن ملك سيده لتصرفه لا يخرجه عن استكمال صفة المكلفين من كمال عقله وآلته ودخوله تحت الاسم وسيده لا يملك عليه من تصرفه إلا قدر ما يملكه خالقه تعالى الذي هو أملك به, وهو سبحانه لم يملكه تصرفه في أوقات صلاته. وتضييق فرائض الله عليه بل لا يملك عليه التصرف في هذه الأوقات, هذا اتفاق. وإذا كان ذلك سقط ما قالوه. فيجب أن لا يخرج العبد عن اللفظ الموضوع له وللحر إلا بدليل يوجب ذلك, وهو غير ما قالوه.
وقد يكون من الأدلة على ذلك أن يكون العبد طفلا أو مجنونا أو عاجزا أو بصفة من لا يصلح تكليفه. وكل من هذه حالة من حر أو عبد مستثنى من الخطاب, وخارج عن التكليف.
وقد يكون من الأدلة على ذلك أن يكون الخطاب ورادا بأمر لا يصح ويتأتي من العبد بحكم الشرع فيه, وذلك نحو الإمامة الكبرى وعقدها, وكل ولاية وأمر لا يصح من العبد في حكم الشرع, فهو لذلك مستثنى من الخطاب المراد به أهل هذه العقود والأحكام.
وقد يكون من الأدلة على ذلك أن يكون خطابا يتعلق بتنفيذ أحكام الأملاك وما يتعلق بالمال, فلا يدخل العبد فيه. عند من رأي من أهل العلم أن العبد لا يملك بحال من الأحوال. ومن لم يقل ذلك وجب أن يدخله تحت الخطاب بحق الاسم.
стр. 609
فأما علل من قال إن الكافر لا يدخل تحت الخطاب العام فيه وفي غيره فسنذكرها ونعترضها من بعد إن شاء الله.
واعلموا- رحمكم الله- تعالى ⦗٢١٢⦘ أن الخطاب لأهل كل دين وصفة ونعت يختصون به دون من سواهم يجوز ويصح أن يراد به من ليس له ذلك النعت والوصف إذا صار من أهله, وانتقل عن صفته التي كان عليها, نحو أن يصير العبد حرا والمؤمن كافرا. والكافر مؤمنا. فكذلك القول في كل صفة صح خروج الموصوف عنها إلى صفة من يتناوله الخطاب.
فأما الصفات التي لا يصح خروج الموصوف عنها فليست من هذا الباب في شيء. نحو كون الذكر ذكرا, والأنثى أنثى, والأب أبا والولد ولدا. وسائر أهل الأنساب, لأن هذه صفات لا يمكن الخروج عنها.
وإذا نزل الخطاب في زمن النبي ﷺ بقوله: (يا أيها الذين آمنوا, ويا أيها المسلمون، وأتباع النبي ﷺ وأمثال ذلك, فظاهره يقتضي توجهه إلى من حصل إذ ذاك بهذه الصفات, وإن أريد به من يحدث من بعده ويكون عليها, فبدليل يقترن بالخطاب. وتوقيف يقال فيه إنه متناول للموجودين الحاصلين على هذه الصفات ومن سيكون ويحصل عليها إلى يوم القيامة, وبهذا التوقيف وأمثاله صار الخطاب بالإيمان والعبادات خطابا لأهل عصر النبي ﷺ , وأهل كل عصر إلى حين انقطاع التكليف. فأما دخول الكافر في قوله: يا أيها الذين آمنوا، وأمثاله فمحال, لأنه ليس ممن يتناوله الاسم مع بقائه على الكفر, فإن صار مؤمنا صح دخوله تحت الخطاب.
стр. 610
باب
القول في بيان دخول النساء في خطاب الرجال
وقد قال كثير ممن قال بالعموم إنه ظلا يجوز دخول النساء تحت مجرد خطاب الذكور.
قال- أيضا- ذلك من لم يقم بالعموم, وهذا هو الصحيح الذي به نقول وقد قاله الشافعي وغيره من العلماء وأهل اللغة, وأورده في قوله
стр. 611
تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ﴾. قال: وإنما يتناول ذلك الرجال دون النساء.
والحجة لهذا القول اتفاق أهل اللغة على أن للواحدة من النساء والاثنتين منهن, والجمع أسماء تخصهن دون الرجال نحو قوله: مؤمنة ومسلمة ومؤمنات ومسلمات ⦗٢١٣⦘ وفعلت وفعلتا وفعلن. وإذا كان ذلك كذلك كن مخصوصات باسم التأنيث, والرجال مخصوصون بأسماء التذكير, ولذلك قال سبحانه: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ والْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ- إلى قوله- والذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذَّاكِرَاتِ﴾ فلم يقتصر في الجمع بين النساء والرجال في الخطاب على لفظ التذكير, بل فرق بينهن وبين الرجال بالاسم الموضوع لكل فريق منهم.
وأما من قال: إنهن يدخلن في خطاب الرجال, لأجل اتفاق أهل اللغة على أنه إذا اجتمع التذكير والتأنيث غلب التذكير, فإنه قول صحيح, غير أنه لا يوجب دخول النساء في خطاب الرجال إذا لم يذكرون معهم. لأن أهل اللغة لم يقوموا إن إطلاق اسم التذكير يجب أن يدخل فيه المؤنث نحو الظاهر من غير أن يتقدم علم باجتماعهما, وحمل ظاهر التذكير على المذكر هو الواجب إلا أن يقوم دليل على أنه قد أريد به المؤنث أيضا. فإن علم جمعهما في الذكر غلب التذكير, وإذا ذكرن مع الرجال وجب خروجهن من الخطاب بمثل ما يجب خروج بعض الرجال منه, نحو الجنون والعجز والطفولية, والأمور المزيلة للتكليف. وقد يكون الدليل المخرج لهن من الخطاب مع لحوق الاسم بهن أن يكون واردا بحكم لا
стр. 612
يصح من النساء في حكم الشرع, نحو ما يجب من ذكر الإمامة والقضاء وغير ذلك من الولايات والأمور التي حكم الشرع بأنهن ليس من أهلها, أو ورود توقيف بأنهن مستثنيات من الخطاب.
فصل: ولا خلاف- أيضا- في أنه إذا قال سبحانه: يا أيها الرجال البالغون, والعاقلون وذوي الأبصار والألباب, وما جرى مجرى ذلك لم يدخل فيه الأطفال, لأن الاسم غير جار عليهم, وإن بلغوا بعد الطفولية, واستكملوا صفات التكليف صح دخولهم تحت الاسم على ما بيناه من قبل.
стр. 613
باب/
الكلام في أن النبي ﷺ داخل في
كل خطاب باسم يتناوله وغيره من الأمة
واعلموا- رحمكم الله- أن الواجب في هذا الباب لو ثبت القول بالعموم وجوب دخول النبي ﷺ في كل خطاب يتناوله وغيره من الأمة, نحو قوله تعالى: يا عبادي, ويا أيها الناس, ويا أيها الذين آمنوا, ويا أولي الألباب, ويا أهل البصائر, ونحو ذلك, لأنه ﵇ مستحق لجميع هذه الأسماء، وأحق بأكثرها من جميع أمته, فيجب بحكم الظاهر دخوله تحت الاسم.
ولا وجه لاعتلال من أخرجه من حكم هذا الخطاب. لأجل أنه قد خص بفرائض وعبادات فرق فيها بينه وبين الأمة, لأن تخصصه بذلك بالأدلة التي أوجبت إفراده بها لا يمنع من دخوله معهم, أو صحة دخوله معهم على القول بالوقف في الأسماء العامة أو الصالحة للعموم على قول أهل الوقف.
يبين هذا ويوضحه أنه قد فرق بين الحائض والطاهر والمقيم والمسافر والحر والعبد في كثير من أحكام العبادات, ثم لم يمنع ذلك من دخول الجميع تحت
стр. 614
الاسم العام الشامل لهم عند أصحاب العموم أو صلاح دخول سائرهم فيه عند أهل الوقف, وإنما يعلم إفراده بما أفرد به من الحكم بخطاب موضوع له دون غيره, نحو قوله سبحان ﴿خَالِصَةً لَّكَ﴾ وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ وقوله تعالى ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ وأمثال ذلك, أو بتوقيفه ﵇, على أنه مفرد بالحكم، أو على خروجه منه مع لحوق الاسم به, فيجب إذا كان ذلك كذلك دخوله مع الأمة في الخطاب العام فيه وفيهم, أو الصالح لاشتماله عليه وعليهم.
فإن قيل: قد أوجبتم بهذا أن يكون موروثا بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ وأمثال ذلك.
قيل له: هذا واجب بحق الظاهر عند القائلين بالعموم. وإنما وجب العدول عنه ⦗٢١٥⦘ بتوقيفه على أنه وغيره من الأنبياء ﵈ لا يورثون. وقد أوضحنا صحة هذه في الكلام في فدك وأن النبي ﷺ لا يورث في
стр. 615
كتب الإمامة بما يغني الناظر فيه.
وأما القائلون بالوقف, فإنهم يقولون يصلح توجه هذا الخطاب إليه وإلى غيره. وإنما خرج من صلاح توجيهه إليه بقوله ﷺ :" نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة"
فصل: وكل خطاب ورد بذكره واسمه ﵇ الخاص له, أو بالكناية عنه, فإن حكمه ومتضمنة مقصور عليه, بحق الظاهر, إلا أن يدل على مساواة غيره له من الأمة فيه دليل. وهذا نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ﴾ وقوله سبحانه: يا أيها النبي إذا نكحت أو طلقت فانكح من العدد كذا أو طلق كذا ونحوه. وكل ما ورد من هذا الخطاب وأمثاله, فهو مقصور عليه بحق ظاهره, ولا وجه لإدخال غيره من أمته فيه إلا بدليل يوجب التسوية بينهما في الحكم, وبمثل هذا وجب قصر خطاب زيد على زيد دون عمرو. وخطاب المؤمن عليه دون الكافر, وخطاب العبد عليه دون الحر, وخطاب الذكر عليه دون الأنثى. بحق ظاهر الاسم.
فصل: فأما اعتلال من اعتل لوجوب دخول أمته معه ﵇ في الخطاب والأحكام الواردين على هذا الوجه بأن ما يثبت أنه شرع للنبي صلى الله عليه
стр. 616
وسلم وجب كونه شرعا للأمة فإنه باطل لأنه اعتلال بنفس المذهب. وقد ثبت أن الشرع في الأصل قد ورد بأمور وأحكام خص النبي ﷺ بها دون أمته, وأحكام خصت الأمة بها دون النبي ﷺ , فليس لأحد أن يقول: الأصل في هذا الباب دخوله معهم في الحكم إلا أن يستثنيه إلا أن يدخل غيره فيه بدليل. وفي تقاوم القولين دليل على سقوطهما, وحمل كل لفظ ورد على موجب ظاهرة ومقتضاه. وإنما دخلت الأمة في حكم قوله تعالى: ﴿اأَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ? فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ لأنه تعالى ابتدأ بذكره تعظيما له وتخصصا, وثني بذكره باسم الجمع فحمل عليه وعليهم, لأن حقيقة الجمع لا تتأتى فيه وحده ﵇.
وأما قوله سبحانه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ فظاهره خطاب له. وإنما حمل على أن المراد به الأمة للعلم بأنه خارج على وجه الوعيد والتحذير لهم مع سبق العلم بأنه ﵇ لا يشرك لقوله تعالى: ﴿ولَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى العَالَمِينَ﴾ وأمثال ذلك. وأما قوله سبحانه: ﴿وامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إن وهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ﴾
стр. 617
مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ فقول ظاهره يوجب إفراده ﵇ بجعل المرأة زوجة له بلفظ الهبة وقولها وهبت نفسي لك يا رسول الله, لأنه لا يمكن أن يكون أراد بقوله خالصة لك أنها زوجة لك دون غيرك. لأن هذا حكم كل زوجة لمؤمن في أنها ليست بزوجة لغيره, فثبت أن مثل هذا الخطاب لا يحتمل دخول غيره فيه, فلا وجه لحمل من حمل قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَّكَ﴾ من أهل العراق على أن المراد به أنها خالصة لك بغير مهر أو خالصة لك: أي أنها لا تحل لأحد من بعدك, لأنه لم يجر للصداق ذكر في الخطاب. وإنما جرى ذكر الهبة في قوله: وهبت نفسها للنبي, فوجب أنها تحل له وحده بلفظ الهبة. وكذلك فلا معنى لقولهم إن المراد بقوله خالصة لك أنها لا تحل لآحد بعدك, لأن هذه حال جميع أزواجه بلفظ الهبة كن أزواجا أو بلفظ النكاح. وهذه جملة كاشفة عن الواجب في هذا الباب.
стр. 618
باب
القول في أن الكافر مخاطب بالعبادات أم لا ؟
واعلموا- رحمكم الله- أنه لا خلاف بين سلف الأمة وفقهائها والدهماء من خلفها في أن الكافر مخاطب مأمور بمعرفة الله جل وعز وتصديق رسله ﵈ والإيمان بهم.
وقد قال قوم بعد هذا الإجماع أن العلم بالله تعالى وصدق رسله ⦗٢١٦⦘ يقع اضطرارا وابتداء في النفس. فالمكلف لذلك غير مأمور به.
وزعم آخرون من أهل الأهواء أن العلم بذلك اكتساب, ولكنه غير مأمور به لشبه ليس هذا موضع ذكرها.
وزعم الجاحظ أن العلم بذلك يقع اضطرارا في طباع نامية بعد النظر والاستدلال. وان من لم يقع له العلم بالتوحيد والنبوة بعد نظره فإنه معذور غير كافر ولا ملوم, وليس بذي طبع نام.
стр. 619
وزعم عبيد الله بن الحسن العنبري البصري أن كل من أداه اجتهاده إلى شيء من المذاهب في أصول الدين وفروعه فقد أصاب.
واختلف في معنى قوله أصاب اختلافا سنذكره في باب الكلام في الاجتهاد من هذا الكتاب إن شاء الله.
والصحيح من هذه الجملة أن الكافر مكلف لمعرفة الله تعالى وصدق رسله ومأمور بذلك وغير مضطر إليه ابتداء وإلهاما, ولا بعد نظر. وقد دللنا على هذه
стр. 620
الجملة في أصول الديانات بما يغني الناظر فيه إن شاء الله.
فصل: وقد اختلف الناس بعد هذه الجملة في تكليف الكافر العبادات, نحو الصلاة والزكاة والحج، وترك المحظورات.
فقال الجمهور منهم: إنه مخاطب بالصلوات وجميع فرائض الدين وترك جميع المحظورات. ومخاطب بذلك كخطاب المؤمن, ولكنه مخاطب بفعل ذلك على شرط ما تصح مما سنذكره. وهذا هو الصحيح الذي نذهب إليه.
وقال كثير من الفقهاء والمتكلمين: إن الكافر غير مخاطب بالعبادات, وإن كان مخاطبا بالمعرفة والإقرار.
وقد قلنا من قبل إن الكافرين لا يجب أن يدخلوا مع المؤمنين, (لا) يصلح أن يدخلوا إلا في خطاب واسم موضوع لهم وللمؤمنين أو صالح لهم جميعا نحو
стр. 621
وقوله: يا أيها الناس, ويا عبادي, ويا أولي الأبصار والألباب, وأمثال ذلك.
واعلموا- رحمكم الله- إننا لم نوجب خطاب الكافر بالعبادات بقضية العقل وإيجابه لخطابهم بذلك, لأنه قد كان يجوز فيه وضع هذه العبارات عنهم إذا كانوا كافرين وإلزامها المؤمنين, ويجوز- أيضا- اختلاف عبادات المؤمنين فيها، وقد ورد الشرع ⦗٢١٨⦘ فيهم بهذا الجائز فخولت بين فرض الحائض والطاهر والمقيم والمسافر والحر والعبد والذكر والأنثى مع تساويهم في فرض الإيمان والتصديق على جميعهم. ولا شك- أيضا- أنه قد كان جائزا إسقاط العبادات عن الكافرين وإلزامها للمؤمنين. وإنما يوجب تعبدهم بها من ناحية السمع والتوقيف فقط.
فإن قال قائل: وما الدليل على ذلك من جهة السمع؟
قيل له: قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ، ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ وأخبر سبحانه عنهم بحصول العذاب عليهم بترك الصلاة والإطعام, والخوض في لغو القول تحذيرا للمؤمنين من مواقعة مثل ما سلكهم في سقر.
فإن قالوا: ما أنكرتم أن لا يكون في الآية دليل على ما قلتم, لأجل أنه لم يخبر هو سبحانه عن نزول العذاب بهم لترك الصلوات. وإنما أخبر عنهم أنهم قالوا ذلك, وقولهم ليس بحجة ولا دليل.
يقال لهم: هذا باطل، لأن الأمة متفقة، وجميع أهل التأويل على أن الله تعالى مصدق لهم في هذا القول, وأنه إنما أخبرنا به عنهم تحذيرا لسائر المكلفين من تروك الصلوات والإطعام. والخوض بالباطل, وترغيبا في فعل ذلك, ولو كانوا
стр. 622
كاذبين في قولهم هذا لوجب تكذيبهم فيه, وبيان خطئهم، ولم يكن في ذكره ترغيب في فعل الصلاة. لأنهم إن لم يكونوا معاقبين بترك هذه العبادات المذكورة كانوا مظلومين بالعقاب على ما ليس بذنب من أفعالهم, وكأنهم قالوا إنما سلكنا في سقر ما ليس يحرم. ومثل هذا لا يقع بع ترغيب للمؤمنين ولا ترهيب, بل هو حقيق بالرد والنكير على أن الله تعالى أخبر عنهم بالعقاب على نسق تروك جميع هذه العبادات إلى قوله تعالى: ﴿وكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ فيجب أن يكونوا غير معذبين على ذلك, لأن هذا قول لهم, لا لله تعالى. وذلك باطل باتفاق، فسقط ما قالوه.
فإن قال: ما أنكرتم أن يكون العقاب إنما يستحق على التكذيب بيوم الدين فقط, فلما ضامه ترك الصلاة غلظ العقاب (عليهم.
قيل لهم: لا يجوز تغليظ العقاب) بفعل مباح وترك صلاة لا تجب لأنه تغليظ لعقاب الذنب بما ليس بذنب, وكذلك لا يجوز العقاب على المباح من الأفعال ⦗٢١٩⦘
فصل: فإن قالوا: ما أنكرتم أن يكونوا إنما عوقبوا على ترك الصلاة والإطعام, والخوض بالباطل لإخراجهم أنفسهم بالكفر الذي فعلوه عن صحة العلم بقبح ترك الصلاة والإطعام.
يقال لهم: هذا باطل لأمرين:
أحدهما: أنه خلاف الظاهر، لأن الخبر ورد عنهم بأن العذاب كان على ترك الصلاة والإطعام, لا على ترك العلم بقبح ذلك, لأن ترك العلم بقبح ترك الصلاة, ليس هو نفس ترك الصلاة. ولا وجه لترك الظاهر بغير حجة.
стр. 623
والوجه الآخر: إنه كان يجب أن يكون عقاب الكافر الذي يفعل القتل والخوض بالباطل, مثل عقاب الكافر الذي لم يفعل ذلك, لأنهما جميعا قد أخرجا أنفسهما بفعل الكفر عن صحة العلم بقبح القتل, وترك الصلاة، وقبح كل قبيح, وفي الاتفاق على تفاصيل عقاب من فعل هذه الأمور على عقاب من لم يفعلها ممن لم يقتل ولم يزن أقوى دليل على سقوط ما قالوه.
ويقال لهم: ويجب- أيضا- على اعتلالكم هذا أن لا يستحق الكافر العقاب على ترك الصلاة, لأنها لا تصح منه مع كفره, ولا على ترك فعل العلم بقبحها لأنه مع الجهل بالله سبحانه وصدق رسله ﵈ قد أخرج نفسه عن صحة فعل العلم بقبح ترك الصلاة, لأن قبح ذلك لا يعلم إلا من جهة السمع باتفاق, دون قضية العقل. فإذا جهل خالقه سبحانه خرج عن صحة فعل العلم بقبح تركها. ومتى خرج عن ذلك خرج عن كونه مكلفا للعلم بقبحه, كما أنه لما خرج بكفره عن صحة فعل التقرب بالصلاة خرج عن صحة التكليف بفعلها, ولا جواب عن ذلك.
(وكذلك فيجب على موضوع هذه العلة أن يكون من ترك النظر والاستدلال على التوحيد والنبوة معذورا في ترك المعرفة لذلك، لأنه بترك النظر قد أخرج نفسه عن صحة كونه عالما بما فرض عليه من معرفة التوحيد وصدق النبوة, وإذا أجمع المسلمون قاطبة على بطلان ذلك بطل ما اعتلوا به)
وإذا قال منهم قائل: ما أنكرتم أن يكونوا إنما أرادوا بقولهم لم نك من المصلين أي لم نك من المؤمنين المصدقين بوجوب الصلاة, وإن يجري ذلك مجرى قوله ﵇: " نهيت عن قتل المصلين" ولم يرد بذلك النهي عن قتل من
стр. 624
فعل الركوع والسجود. وإنما أراد نهيت عن قتل المؤمنين المقربين بجملة الشرع الذي منه الصلاة.
يقال لهم: هذا- أيضا- غير جائز المصير إليه, لأنه خلاف الظاهر, لأن جمع المصلين اسم لفاعلي الصلاة دون المصدقين بوجوبها, وكذلك لا يقال في المصدق بوجوب الشرع والصلاة إنه مصلي وإن ترك الصلاة، فعلم بهذا أن ⦗٢٢٠⦘ تسمية العالم بوجوب الصلاة مصليا ومن أهل الصلاة إنما يجري عليه مجازا واتساعا، ولا وجه لترك الظاهر إلى المجاز بغير دليل, فسقط ما قالوه.
ومما يدل على ذلك- أيضا- قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إلاَّ مَن تَابَ﴾ فأخبر سبحانه بتضاعف عقاب الجامع بين الشرك والقتل والزنا, ولو لم يكن الكافر مأمورا بترك القتل والزنا ومتقربا بالترك لهما إلى الله تعالى واجتنابهما لوجهه سبحانه لم يتضعف عذابه على عذاب مشرك لا قتل ولا زنا, ولما كان نص هذه الآية وإجماع الأمة بخلاف ذلك ثبت أنه عاص بالقتل والزنا مع المقام على كفره, ولن يعصي إلا بفعل ما نهي عنه وطولب بتركه واجتنابه. وقد علم أنه لا يصح التقرب منه بترك الزنا وتجنبه لوجه الله تعالى إلا بعد معرفته وتصديق رسله, فعلم أنه مأمور بتركه على هذا الوجه بشريطة تقديم فعل الإيمان والتصديق وكذلك هو مأمور بترك جميع المحظورات, وفعل العبادات بهذه الشريطة. وهذا واضح.
стр. 625
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ أنه يضاعف له العذاب على كل ذنب فعل مما ذكر في الآية. ولم يرد تضاعفه على الجمع بينهما.
يقال له: هذا باطل من قبل أن ظاهر هذه الآية يقتضي تضاعف العذاب على الجمع بين الشرك والزنا والقتل وتعاظم العذاب الجامع بين ذلك. ولو أراد تضاعف العذاب على كل واحد من ذلك لأفرده بالذكر, وتضاعف العذاب عليه فكان يجب أن يقال: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر, ومن يفعل ذلك يضاعف له العذاب. وينسق عليه الزنا والقتل, ليعلم بذلك تضاعف العذاب على كل ذنب منها. وإذا جمعها في الذكر وقال: ومن يفعل ذلك يلق آثاما يضاعف له العذاب. اقتضى الظاهر أن يضاعف العذاب على الجمع بينهما المعطوف عليه بقوله: ومن يفعل ذلك بعد ذكرها بهذا, فبطل ما قالوه على أن الظاهر يعطي إن كان الأمر على ما قالوه أن المنفرد بفعل كل واحد منها يضاعف له العذاب. والجامع بينها يضاعف- أيضا- له ذلك, وهو أحق به لعظم جرمه. وإذا كان ذلك كذلك ثبت ما قلناه. ⦗٢٢١⦘
فإن قالوا: ما أنكرتم أن يكون إنما يضاعف العذاب على الجامع بين هذه الذنوب من أهل الشرك, لإخراجه نفسه عن صحة العلم بقبح القتل والزنا, ولا لأجل مقامه على الشرك والإنكار.
يقال لهم: لو كان ذلك كذلك لتضاعف العذاب بنفس الكفر، وإن لم يفعل المشرك قتلا ولا زنا لإخراجه نفسه بالشرك عن صحة العلم بقبح ذلك حتى لا يكون بين الجامع بين هذه الذنوب من أهل الشرك وبين المنفرد بالشرك فرق,
стр. 626
وهذا باطل بما قدمناه.
ومما يدل على ذلك إجماع الأمة على أن الكافر مأثوم ومعاقب ملوم على تكذيب الرسل ﵈, وجحد نبوتهم وقتلهم وقتالهم ومعذب بذلك, كما أنه معذب على الكفر بالله . وهذا مما لا اختلاف فيه. ولا يمكن أحدا أن يقول إنهم غير مأمورين بتصديق الرسل ﵈ ولا معذبين ولا عاصين بتكذيبهم وقتالهم وقتلهم وإن استجاز بعضهم أن يقول إنهم غير معذبين ولا عاصين بترك الصلاة والصيام وشرائع الإسلام. وإذا ثبت أنهم عصاة بتكذيب الرسل وقتلهم وقتالهم, وثبت باتفاق أنه لا يصح منهم العلم بصدق الرسل وصحة معجزاتهم وتحريم قتالهم إلا بعد معرفة الله سبحانه، وكونه منفردا بالقدرة على ما ظهر من آياتهم وجب أن يكونوا مأمورين بالعلم بصدقهم وصحة آياتهم بشريطة تقديم معرفة الله تعالى. وما هو مختص بالقدرة عليه. وكذلك هم مأمورون بالعبادات وترك المحظورات بهذه الشريطة. وهذا مما لا سبيل لهم إلى دفعه. وهذه النكتة مبطلة لشبههم التي يعتمدون عليها في إحالة تكليف الكافر للعبادات مع المقام على الكفر.
فصل: ذكر ما تعلق به المخالفون في هذا الباب والجواب عنه.
وقد اعتمدوا في إحالة تكليف الكافر العبادات بأنها لا تصح منه على وجه القربة إلى الله سبحانه مع المقام على كفره, فاستحال لذلك أمره بها, وهذا ساقط ومنتقض بالاتفاق على أن المحدث مأمور بفعل الصلاة, وقد اتفق على استحالة وقوع الصلاة منه على وجه القربة مع كونه محدثا، ولكنه لما صح منه
стр. 627
إزالة الحدث بالطهارة. وكان له إلى سبيل صح تكليفه فعلها بشريطة إزالة الحدث, وأمثال هذا الشرع كثير, كذلك الكافر مأمور بفعل العبادات بهذه الشريطة, وله إلى معرفة الله وإزالة الكفر سبيل, فبطل ما قالوه ⦗٢٢٢⦘
ويدل على فساد هذا الاعتلال أنه يوجب إسقاط فرض تصديق الرسل وقتالهم ورد شرائعهم, لأجل أنه لا يصح باتفاق منهم معرفة صدق الرسل وصحة آياتهم وتحريم تكذيبهم والرد عليهم مع الكفر والجهل بمرسلهم ﵎. وهذا خروج عن الإجماع. وقد بينا أن الأمة متفقة على أنهم مأمورون بتصديقهم بشريطة تقديم المعرفة. وذلك صحيح متأت منهم, فسقط ما قالوه سقوطا ظاهرا.
واستدلوا- أيضا-٠ على سقوط العبادات عن الكافرين بأن قالوا: لو كانت واجبة عليهم في حال الكفر لوجب عليهم قضاؤها إذا أسلموا, كما يجب ذلك على تارك الصلاة من المسلمين المخاطبين بها إذا تركها, وأكدوا هذا الدليل بأن قالوا: إنما يجب قضاء الفرض لأنه لم يفعل فقط. ولذلك تساوت حال تارك الصلاة من المسلمين عامدا وساهيا, وكذلك يجب إذا ترك الكافر الصلوات وغيرها أن يلزمه قضاؤها.
قالوا: على أن تارك الصلاة جاحدا لوجوبها بالكفر أسوأ حالا وأعظم من تاركها من المسلمين مع العلم بوجوبها. فإذا وجب قضاؤها على المسلمين عامدا أو ساهيا كان وجوب ذلك مع الكفر والجحد بالترك لها أولى.
فيقال لهم: ما قلتموه غير لازم، لأننا نبين فيما بعد أن القضاء لكل عبادة وجبت بخروج وقتها على المسلم والكافر فرض مبتدأ ثان غير واجب بحق الأمر الأول. وإذا كان ذلك كذلك لم يجب القضاء على مسلم ولا كافر فيما فرطا فيه متى لم يرد أمر ثاني بوجوب قضاء ما مضى وقته. ومما يوضح ذلك ويبين أن القضاء لم يجب لأجل ترك المقضي, وإنما يجب بفرض ثان أن القضاء قد
стр. 628
يسقط مع تقدم وجوب المقضي, ويجب وإن لم يجب المقضي. فلهذا قالت الأمة: إن قضاء الصيام واجب على الحائض وأن يلزمها الصيام مع الحيض. وأن قضاء الجمعة غير واجب على من فاتته, أو اعتمد تركها مع الاتفاق على وجوبها عليه. فثبت بهذا أنه ليس القضاء لأجل ترك فعل المقضي. ولا تقدم وجوبه, وإنما يوجبه أمر ثان. وإن اعتل معتل منهم في سقوط العبادات عن ⦗٢٢٣⦘ الكافر بأنها لو كانت واجبة عليه لوجب عليه الزكاة مع إسلامه. فلما اتفق على سقوطها دل ذلك على أنه غير مخاطب بها في حال كفره. وهذا باطل, لأننا قد دللنا بما سلف على أنه مخاطب بالزكاة وسائر العبادات وإخراجها, وأداؤها مع إسلام الكافر ممكن مثاب باتفاق الكل. ولو بقي عليه الوجوب للزمه للإخراج. ولكان ذلك صحيحا منه باتفاق. وإنما بم يلزمه ذلك لأن الله تعالى خفف محنته وأسقط ذلك عنه. ولو لم يسقطه لكان واجبا.
فإن قالوا: الإجماع على سقوطه يدل على أنه كان غير مخاطب به.
قيل لهم: هذا باطل وفي هذه الدعوى وقع النزاع, وليس بين الأمة خلاف في أنه يجوز ورود السمع بإسقاط ما كان وجب وتقدم فرضه. وهذا منه، فبطل ما قالوه.
فإن قيل: فبأي دليل أسقطتم عنه ما علمتم تقدم وجوبه عليه؟
قيل لهم: بإجماع الأمة على سقوط ذلك عنه وكونه غير واجب عليه. فعلمنا بتلك الأدلة كونه مخاطبا بها. وبهذا الإجماع علمنا سقوطها عنه, ولا جواب عن ذلك, وعلى هذا الذي قلناه دل قول الله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم
стр. 629
مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ وعموم هذا عند مثبتي العموم يقتضي غفران جميع ما سلف وسقوط كل ما كان واجبا عليهم وكذلك قوله ﵇: " الإسلام يجب ما قبله" ومعناه أن يقطع وجوب ما كان وجب من الفرائض والعقاب والذم إلا ما قام دليله, لأن الجب إنما هو القطع, فثبت بذلك ما قلناه وسقط ما اعتلوا به. وأما الكافر إذا أسلم مع بقاء الوقت, فهو مخاطب بالصلاة لبقاء وقتها, وبمثابة الطفل إذا بلغ والحائض إذا طهرت. وليس ذلك بمشبه لوجوب الزكاة وتعلقها في ذمته وصحة إخراجه لها, لأن الإخراج لما وجب منها لا وقت له محصور, وإنما يجري ذلك مجرى الواجب من قضاء الدين, فافترق الأمران.
واستدل بعضهم على ذلك ممن يقول إن المرتد يجب عليه قضاء العبادات من الصيام والصلاة وغير ذلك إذا رجع إلى الإسلام مما تركه أيام ردته بأنه لو كان الكافر الأصلي واجبا عليه هذه العبادات لجرى مجرى المرتد في وجوب القضاء عليه, ولما افترقا في هذا الباب علم أن المرتد مخاطب مع ردته بها. وأن الكافر الأصلي غير مخاطب بها.
يقال لهم: أما هذا الاعتلال فساقط ⦗٢٢٤⦘ على قول من لا يوجب على المرتد قضاء شيء من ذلك. ومن قال من هذا الفريق بوجوب الحج عليه إذا عاد إلى الإسلام لا يجعل هذا الحج قضاء، وإنما يجعله حجة الإسلام وفرضا مبتدأ, لأنه قد أبطل حجه وعمله بردته، واستؤنفت عليه الفرائض عند إسلامه فزالت المعارضة عنهم بالحج.
стр. 630
ثم يقال لهم: قد بينا فيما مضى أن القضاء فرض ثان على كل من وجب عليه من كافر أصلي ومرتد ومسلم سها أو فرط أو اعتمد, وإذا كان ذلك كذلك سقط ما قلتموه. ولو أن الله سوى بين الكافر الأصلي عند إسلامه وبين المرتد عند إسلامه ومفارقته ردته في وجوب القضاء لوجب عليهما وجوبا متساويا, ولا يجب عليه تعالى متى تفضل على الكافر الأصلي بإسقاط قضاء العبادات إسقاطها عن المرتد. ولا وجه لقول من قال من أصحاب الشافعي إن المرتد إنما وجب عليه قضاء العبادات التي تركها في حالة ردته, لأنه قد كان مسلما ملتزما لأحكام المسلمين فلزمته لذلك وإن ارتد لالتزامه ذلك, لأن هذا باطل ولا يلزم العبد الفرض لالتزامه له, وإنما يلزمه لإيجاب الله سبحانه ذلك عليه, ولو لم يلتزم العبد ما ألزمه الله لم يخرج بذلك عن أن يكون لازما له. ولو التزم ما لم يلزمه الله تعالى لم يلزمه ذلك. فلا وجه لقولهم إن المرتد التزم أحكام المسلمين. هذا على أن لم يلتزم العبادات في حال ردته وتركه لها,
стр. 631
وإنما التزم ذلك في حال إسلامه وخرج عن التزامه في حال ردته وتركه لها. فسقط ما قالوه.
ثم يقال لهم: إنكم قد نقضتم بهذا القول اعتلالكم في أن الكافر غير مخاطب بالعبادات نقضا ظاهرا لأنكم إذا زعمتم أن المرتد قد لزمته العبادات مع ردتهم وهو في حال الردة مشرك بالله تعالى وغير عارف به. وإنما يخاطب بها بشرط مفارقة الردة والعود إلى الإيمان وجب- أيضا- أن يكون الكافر الأصلي مخاطبا بها بهذه الشريطة. فهذا نقض منكم ظاهر، وتسليم لما قلناه. ⦗٢٢٥⦘
стр. 632
باب
القول في الأمر بالشيء نهي عن ضده أم لا ؟
اختلف الناس في هذا الباب:
فقال جميع أهل الحق النافين لخلق القرآن: أن أمر الله سبحانه بالشيء على غير وجه التخيير بينه وبين ضده وهو نفس النهي عن ضده وغير ضده- أيضا- مما نهي المكلف عنه. وهو أمر بكل ما أمر الله به على اختلافه وتغاير أوقاته وأمر لكل مكلف, وأنه شيء واحد ليس بمتبعض. ولا متغاير. وقد ذكرنا هذه الجملة, وما يتصل بها في الكلام في أصول الديانات.
وقال- أيضا- جميع أهل الحق: أن الأمر بالشيء على وجه الإيجاب والمنع من التخيير هو نفس النهي عن ضده.
стр. 633
ومنهم من لم يشترط في كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده كونه أمرا واجبا, لأحل قوله إن الأمر بالشيء على وجه الندب نهي عن ضده على سبيل ما هو أمر به. وهذا هو الذي نقوله ونذهب إليه. وقد دللنا من قبل على ذلك في باب أن الندب مأمور به بما يغني عن رده.
ويجب على كل من قال إن الأمر بالشيء نهي عن ضده أن يشترط فيه أنه نهي عن ضده وضد البدل منه, الذي هو ترك لهما, إذا كان أمرا على غير وجه التخيير. وأنما يجب اشتراط ذلك لأجل أنه قد ثبت بما بينته آنفا. وما ذكرنا منه طرفا سالفا أن الأمر بالشيء على جهة التخيير بينه وبين البدل منه, ليس بنهي عن تركه الذي هو مخير بينه وبينه, نحو الكفارات الثلاث, لأنه مخير فيها. وكذلك حكم الصلاة الموسع وقتها, الذي المكلف عند كثير من الناس مخير بين تقديمها وبين فعل العزم على أدائها إن بقي بشريطة التكليف, والأمر بما هذه حالة من الواجبات نهي عن ترك المأمور به وترك البدل عنه ولو لم يكن في الواجبات ما يسقط إلى بدل يقوم مقامه لم يحتج إلى هذا الشرط. وهذه الزيادة في اللفظ, وليس يمكن أيقال في هذا أن ترك الصلاة في أول الوقت هو نفس الترك للعزم على أدائها فيما بعد. ولذلك ما صح أن يترك الصلاة في أول الوقت من يترك العزم على أدائها فيكون عاصيا مأثوما وأن يتركها من لا يترك هذا العزم. فلو مات قبل تضييق الوقت لم يكن مأزروا ولا مأثوما مع فعل العزم على أدائها.
فصل: وقد اختلف القائلون بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده هل هو نهي عنه من جهة اللفظ أو من جهة المعنى؟
стр. 634
فقال جميع من قال إن للأمر صيغة وللنهي صيغة تخالفها ⦗٢٢٦⦘ إنه نهي عنه من جهة المعنى دون اللفظ.
وقال من أنكر صيغتها: إنه نهي عنه على الحقيقة.
ولا وجه لقول من قال إنه نهي عنه في المعنى دون اللفظ, لأنه لا صيغه ولا لفظ للأمر والنهي.
وقالت القدرية وكل قائل بخلق القرآن: إن أمر الله تعالى بالشيء غير نهيه عن ضده. وكذلك أمر الآمر منا ونهيه, وأنه ليس ينهي عنه في لفظ ولا معنى هذا جملة الخلاف في هذا الباب.
فصل: وأما النهي عن الشيء فإنه لا بد أن يكون أمرا بالدخول في ضده إن كان ذا ضد واحد, أو بعض أضداده إن كانت له أضداد. ويكون أمرا بضده أو ببعض أضداده على سبيل ما هو نهي عنه إما على وجه الإيجاب أو الندب, ولا بد- أيضا- أن يكون الأمر بالشيء على غير وجه التخيير نهيا عن جميع أضداده وتروكه المخرجة عنه. ولا يجوز أن يقال: إن الأمر بالشيء نهي عن
стр. 635
جميع أضداده من غير أن يقال إذا كان أمرا به على غير وجه التخيير، لأجل أننا قد بينا فيما سلف أنه قد يخبر المأمور بين فعل الشيء وضده, كما يخير بين فعله وفعل خلافه. ولا يمكن أن يكون الأمر بالشيء على وجه التخيير بينه وبين ضده نهيا عن ضده, على ما بيناه سالفا.
وليس لما يهذون به في هذا الباب من قولهم لو أمكن أن يكون الأمر بالشيء نهيا عن جميع أضداده لصح وأمكن أن يكون النهي عنه أمرا بالدخول في جميع أضداده أو في ضدين منها, بل إنما يجب أن يكون النهي عنه أمرا بالدخول في ضده الواحد أو بعض أضداده وجه, فالعكس في هذا باطل غير واجب. والفصل بين الأمرين إنه إنما جاز أن يكون الأمر بالشيء على غير وجه التخيير نهيا عن جميع أضداده نحريما أو ندبا, لأجل حصول العلم بالإجماع لجواز خلو الفاعل للفعل في حال كونه متلبسا به من جميع أضداده وامتناع وجود فعله معها أو مع شيء منها, وذلك نحو الفاعل للكون في المكان التارك بفعله جميع الأكوان المضادة له في الجهات والأماكن المتغايرة. ولا يمكن إذا ترك الكون في المكان المعين دخوله في فعل الكون في مكانين والمصير إلى جهتين. هذا باطل ومعلوم فساده بأول في العقل. فلم يجب قياس الأمر على النهي في هذا الباب. وهذا الذي ذكرناه هو المفسد لقول من قال: إنه لو كان الأمر بالشيء نهيا ⦗٢٢٧⦘ عن ضده لوجب أن يكون الأمر بمأمور به من ثلاث أضياء متضادة نهيا عن ضده. وأن يكون النهي عن الضد الثاني أمرا بالضد الثالث, لأنه إذا وجب أن يكون الأمر بالشيء نهيا عن جميع أضداده لم يجز أن يكون الآمر به والمستدعي أمرا بشيء من أضداده مع الأمر به فبطل، ما قالوه.
следующие страницы →