← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17883

التقريب والإرشاد (الصغير)

الباقلاني

Полный текст (1 232 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وإنما التزم ذلك في حال إسلامه وخرج عن التزامه في حال ردته وتركه لها. فسقط ما قالوه. ثم يقال لهم: إنكم قد نقضتم بهذا القول اعتلالكم في أن الكافر غير مخاطب بالعبادات نقضا ظاهرا لأنكم إذا زعمتم أن المرتد قد لزمته العبادات مع ردتهم وهو في حال الردة مشرك بالله تعالى وغير عارف به. وإنما يخاطب بها بشرط مفارقة الردة والعود إلى الإيمان وجب- أيضا- أن يكون الكافر الأصلي مخاطبا بها بهذه الشريطة. فهذا نقض منكم ظاهر، وتسليم لما قلناه. ⦗٢٢٥⦘

стр. 632

باب القول في الأمر بالشيء نهي عن ضده أم لا ؟ اختلف الناس في هذا الباب: فقال جميع أهل الحق النافين لخلق القرآن: أن أمر الله سبحانه بالشيء على غير وجه التخيير بينه وبين ضده وهو نفس النهي عن ضده وغير ضده- أيضا- مما نهي المكلف عنه. وهو أمر بكل ما أمر الله به على اختلافه وتغاير أوقاته وأمر لكل مكلف, وأنه شيء واحد ليس بمتبعض. ولا متغاير. وقد ذكرنا هذه الجملة, وما يتصل بها في الكلام في أصول الديانات. وقال- أيضا- جميع أهل الحق: أن الأمر بالشيء على وجه الإيجاب والمنع من التخيير هو نفس النهي عن ضده.

стр. 633

ومنهم من لم يشترط في كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده كونه أمرا واجبا, لأحل قوله إن الأمر بالشيء على وجه الندب نهي عن ضده على سبيل ما هو أمر به. وهذا هو الذي نقوله ونذهب إليه. وقد دللنا من قبل على ذلك في باب أن الندب مأمور به بما يغني عن رده. ويجب على كل من قال إن الأمر بالشيء نهي عن ضده أن يشترط فيه أنه نهي عن ضده وضد البدل منه, الذي هو ترك لهما, إذا كان أمرا على غير وجه التخيير. وأنما يجب اشتراط ذلك لأجل أنه قد ثبت بما بينته آنفا. وما ذكرنا منه طرفا سالفا أن الأمر بالشيء على جهة التخيير بينه وبين البدل منه, ليس بنهي عن تركه الذي هو مخير بينه وبينه, نحو الكفارات الثلاث, لأنه مخير فيها. وكذلك حكم الصلاة الموسع وقتها, الذي المكلف عند كثير من الناس مخير بين تقديمها وبين فعل العزم على أدائها إن بقي بشريطة التكليف, والأمر بما هذه حالة من الواجبات نهي عن ترك المأمور به وترك البدل عنه ولو لم يكن في الواجبات ما يسقط إلى بدل يقوم مقامه لم يحتج إلى هذا الشرط. وهذه الزيادة في اللفظ, وليس يمكن أيقال في هذا أن ترك الصلاة في أول الوقت هو نفس الترك للعزم على أدائها فيما بعد. ولذلك ما صح أن يترك الصلاة في أول الوقت من يترك العزم على أدائها فيكون عاصيا مأثوما وأن يتركها من لا يترك هذا العزم. فلو مات قبل تضييق الوقت لم يكن مأزروا ولا مأثوما مع فعل العزم على أدائها. فصل: وقد اختلف القائلون بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده هل هو نهي عنه من جهة اللفظ أو من جهة المعنى؟

стр. 634

فقال جميع من قال إن للأمر صيغة وللنهي صيغة تخالفها ⦗٢٢٦⦘ إنه نهي عنه من جهة المعنى دون اللفظ. وقال من أنكر صيغتها: إنه نهي عنه على الحقيقة. ولا وجه لقول من قال إنه نهي عنه في المعنى دون اللفظ, لأنه لا صيغه ولا لفظ للأمر والنهي. وقالت القدرية وكل قائل بخلق القرآن: إن أمر الله تعالى بالشيء غير نهيه عن ضده. وكذلك أمر الآمر منا ونهيه, وأنه ليس ينهي عنه في لفظ ولا معنى هذا جملة الخلاف في هذا الباب. فصل: وأما النهي عن الشيء فإنه لا بد أن يكون أمرا بالدخول في ضده إن كان ذا ضد واحد, أو بعض أضداده إن كانت له أضداد. ويكون أمرا بضده أو ببعض أضداده على سبيل ما هو نهي عنه إما على وجه الإيجاب أو الندب, ولا بد- أيضا- أن يكون الأمر بالشيء على غير وجه التخيير نهيا عن جميع أضداده وتروكه المخرجة عنه. ولا يجوز أن يقال: إن الأمر بالشيء نهي عن

стр. 635

جميع أضداده من غير أن يقال إذا كان أمرا به على غير وجه التخيير، لأجل أننا قد بينا فيما سلف أنه قد يخبر المأمور بين فعل الشيء وضده, كما يخير بين فعله وفعل خلافه. ولا يمكن أن يكون الأمر بالشيء على وجه التخيير بينه وبين ضده نهيا عن ضده, على ما بيناه سالفا. وليس لما يهذون به في هذا الباب من قولهم لو أمكن أن يكون الأمر بالشيء نهيا عن جميع أضداده لصح وأمكن أن يكون النهي عنه أمرا بالدخول في جميع أضداده أو في ضدين منها, بل إنما يجب أن يكون النهي عنه أمرا بالدخول في ضده الواحد أو بعض أضداده وجه, فالعكس في هذا باطل غير واجب. والفصل بين الأمرين إنه إنما جاز أن يكون الأمر بالشيء على غير وجه التخيير نهيا عن جميع أضداده نحريما أو ندبا, لأجل حصول العلم بالإجماع لجواز خلو الفاعل للفعل في حال كونه متلبسا به من جميع أضداده وامتناع وجود فعله معها أو مع شيء منها, وذلك نحو الفاعل للكون في المكان التارك بفعله جميع الأكوان المضادة له في الجهات والأماكن المتغايرة. ولا يمكن إذا ترك الكون في المكان المعين دخوله في فعل الكون في مكانين والمصير إلى جهتين. هذا باطل ومعلوم فساده بأول في العقل. فلم يجب قياس الأمر على النهي في هذا الباب. وهذا الذي ذكرناه هو المفسد لقول من قال: إنه لو كان الأمر بالشيء نهيا ⦗٢٢٧⦘ عن ضده لوجب أن يكون الأمر بمأمور به من ثلاث أضياء متضادة نهيا عن ضده. وأن يكون النهي عن الضد الثاني أمرا بالضد الثالث, لأنه إذا وجب أن يكون الأمر بالشيء نهيا عن جميع أضداده لم يجز أن يكون الآمر به والمستدعي أمرا بشيء من أضداده مع الأمر به فبطل، ما قالوه.

стр. 636

وبهذا- أيضا- يبطل قول من قال لو كان ذلك كذلك لوجب إّا كان المأمور به واحدا من ثلاثة أضداد أن يكون الأمر به نهيا عن ضده الثاني. وأن يكون النهي عن الضد الثاني أمرا بالثالث, وأنه يجب أن يكون الثالث من الأضداد مأمورا به بالنهي عن ضده, ومنهيا عنه بالأمر بفعل ضده, لأن هذا بعد ممن ظنه لأننا قد بينا أن الأمر بالشيء ليس بنهي عن ضد واحد من أضداده أو عن جملة منها. وإنما يجب أن يكون نهيا عن جميعها, فكيف يظن أنه نهي عن واحد منها دون الثالث له ضدان، أحدهما مأمور به والأمر به يوجب النهي عن الثالث, والآخر منهي عنه والنهي عنه يقتضي الأمر بالثالث. هذا كله فاسد، لأنه مبني على أن الأمر بالشيء نهي عن بعض أضداده. وليس الآمر على ما توهموه. فصل: والذي يدل على أن الأمر بالشيء من كلام الله سبحانه خاصة هو نفس النهي عن ضده وغير ضده ما أقمناه من الأدلة على أن كلام الله سبحانه شيء واحد ليس بأشياء متغايرة. فوجبت فيه هذه القضية. وما يدل على ذلك- أيضا- أنه إذا ثبت أن الآمر منا بالشيء يجب عند أمره به كونه ناهيا (عن ضده وتركه, ولو خرج عن كونه ناهيا) عن تركه لخرج عن كونه أمرا به, ولم يقم مع ذلك دليل يلجئ إلى جعل النهي عن ضد الشيء معنى غير الأمر به ومقترنا إليه, وجب لذلك أن يكون نفس الأمر بالشيء هو النهي عن ضده، كما أنه إذا وجب متى وجد الفعل للشيء أن يكون الفاعل له تاركا لضده. ومتى وجد كون الجسم في مكان وجب أن يكون مفرغا لغيره.

стр. 637

ومتى كان قريباً مما دنا منه كان بعيدا مما نأى عنه, وجب لذلك أن يكون القرب من الشيء هو نفس البعد عن غيره. وأن يكون الكون ⦗٢٢٨⦘ في المكان هو الخروج عن غيره, وأن يكون الفعل للشيء هو بعينه ترك لضده. هذا مستمر لا شبهة فيه. ولو أمكن أن يقال أن النهي عن الشيء معنى يقارن الأمر بضده وهو غيره من غير حجة توجب ذلك والحال ما ذكرنا لجاز أن يقال إن فعل الشيء غير ترك ضده. وأنه معنى يقارن الترك ضده. وكذلك الخروج عن المكان ليس هو نفس الكون في غيره ولكنه معنى يقارنه. ولما بطل هذا بطل ما قالوه. وبهذه الطريقة يعلم أن هو هلة للحكم فهو وحده علته دون معنى يقارنه, لأننا إذا كنا قد علمنا أنه متى وجدت القدرة وجب كون القادر قادرا. ولو عدمت لخرج بعدمها عن هذا الحكم, ولم يقم مع ذلك دليل يلجئ إلى كونه قادرا لمعنى يقارن القدرة يجب وجوده عند وجودها وعدمه عند عدمها وجب أن يكون وحدها هي العلة في كون القادر قادرا, وهذه طريقة مستمرة، فصح ما قلناه. ويدل على ذلك- أيضا- إنه لو كان للأمر بالشيء معنى غير النهي عن ضده لم يخل من أحد ثلاثة أمور: أما أن يكون مثل الأمر به أو ضده أو خلافه وليس بضده. فإن كان مثله استغنى الأمر به عن نهي عن ضد هو مثله ومن جنسه أو خلافه, لأن مثله ساد مسده ونائب منابه.

стр. 638

وإن كان ضده استحال أن يكون الآمر بالشيء ناهيا عن ضده في حال أمره به. لأنه لا يجتمع ذلك له إلا باجتماع ضدين. وهذا باطل، لأننا قد علمنا أن كل آمر بشيء فإنه ناه عن ضده لا محالة. فكيف يكون الأمر بالشيء ضد النهي عن ضده. وإن كان خلافه وليس بمثل لله ولا ضد صح وجود كل واحد منهما مع ضد الآخر أو وجود أحدهما مع ضد الآخر. لأن هذا حكم كل خلافين ليسا بمثلين ولا ضدين. وذلك يوجب صحة وجود الأمر بالشيء مع وجود ضد الأمر بضده. وضد الأمر بضده هو الأمر به. فيكون الأمر بالشيء أمرا بضده مع الأمر به, وذلك محال, لأنه يوجب أن يوجد الأمر بالشيء مع ضد الأمر به? وضد الأمر به هو النهي عنه, حتى يكون الآمر بالشيء ناهيا عنه. وهذا محال، فثبت أن الأمر بالشيء هو نفس النهي عن ضده. ويبين هذه الجملة أنه إذا كان السواد والحركة والحياة والقدرة خلافين ليسا بضدين ولا مثلين أمكن وجود السواد مع ضد الحركة وهو السكون. ووجود الحركة مع ضد السواد من الألوان. وأمكن وجود الحياة مع ضد القدرة، وهو العجز. وإن لم يجز وجود القدرة مع ضد الحياة من الموت. فبان بهذا أن هذه سبيل كل خلافين من الأجناس ليسا بضدين ولا مثلين. فصل ذكر شبه المخالفين في هذا الباب وقد اعتمدوا في ذلك على أنه لما كانت صيغة الأمر بالشيء خلاف صيغة النهي. وكان الأمر هو القول إفعل القيام. وصيغة النهي عن ضده أن لا يفعل

стр. 639

القعود استحال أن يكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده. وهذا باطل من وجهتين: أحدهما: ما بيناه فيما سلف من أنه لا ضيغة لهما, فبطل ما قالوه. والوجه الآخر: إنه لوثبت لهما صيغة يصح أن يقال إن الأمر بالشيء هو نفس النهي عن ضده من جهة المعنى لا من جهة اللفظ. لأن أهل اللغة قد وضعوا قولهم قد أمرتك بالشيء وأوجبته عليك لإفهام وجوبه, وإفهام النهي عن تركه معقول من قولهم أوجبت عليك القيام ما يعقل من قولهم وحظرت عليك القعود, وكل ضد للقيام. فإن قال ذلك على أثر قول أوجبت عليك القيام فمن جهة التأكيد. وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾ لأنه لو جرده عن قوله: وذروا البيع، لفهم منه تحريم كل ما ضاد السعي إلى الصلاة من بيع وغيره. وإنما خص البيع بالذكر، لأنه معظم الشغل وأكثره. وإلا فهو وغيره في هذا بمعنى قوله:" وذروا ما يشغل عنه ويمنع منه" فبطل ما قالوه. وهذا جار مجرى مفهومات الخطاب التي لم تذكر بأخص أسمائها, نحو ما ذكرنا من قوله ﴿فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ وقوله تعالى: ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. ومفهوم هذا غير منطوق به.

стр. 640

ويقال لسائر المعتزلة ومن وافقهم على أن كلام الله سبحانه وكلام خلقه ليس بشيء أكثر من الأصوات والصيغ التي منها صيغة الأمر والنهي. وأن الآمر بالشيء على طريق الإيجاب ناه عن ضده لا محالة فهو يقارنه. خبرونا إذا قال القائل: قد أوجبت عليك القيام وحتمته أليس قد نهى عن ضده لا محالة؟ فلابد من الإقرار بذلك. فيقال لهم: فما هو النهي عن ضده, ولم نسمع من الأمر سوى الأمر به أهو معنى في النفس أم نفس الأمر به؟ فإن قالوا: هو نفس الأمر به وافقوا. وإن قالوا هو معنى في النفس تركوا مذهبهم في حقيقة الكلام. وإن قالوا: هو معنى غير هذه الأصوات، وليس بمعنى في النفس لم يجدوا إلى ذكر شيء سبيلا. وإن قالوا: هو الكراهة لضد المأمور به أبطلوا باتفاق، لأن النهي قول والكراهة ليست بقول باتفاق. وهذا ما لا جواب لهم عنه. وقد استدلوا على ذلك بأنه لو كان الأمر بالشيء نهيا عن ضده لكان له متعلقان: أحدهما مأمور به والآخر منهي عنه, ولوجب أن يتعلق بشيئين على جهة العكس. وهذا زعم باطل, لأن كل ماله تعلق من الصفات لا يصح أن يتعلق إلا بمتعلق واحد على وجه واحد. وهذا- أيضا- باطل, لأننا قد بينا في الكلام في أصول الديانات بطلان هذا الذي بنوا عليه. وأن صفات القديم سبحانه خاصة تتعلق بكل ما يصح أن تتعلق به صفاتنا. وبينا ذلك- أيضا- بأنهم قد نقضوا هذا بقولهم: إن القدرة الواحدة تكون قدرة على الشيء وعلى

стр. 641

مثله وضده وخلافه. وأوضحنا أن نفس الإرادة للشيء كراهة لضده، وأنها تتعلق بشيئين وتكون متعلقة بأحدهما على العكس من تعلقها بالآخر, فبطل ما قالوه. واستدلوا- أيضا- على ذلك بأن قالوا: لو جاز أن يكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده لوجب- أيضا- أن يكون العلم بالشيء جهلا بضده, والقدرة على الشيء عجزا عن ضده. وهذا باطل، لأنه ⦗٢٣١⦘ معارضة اللفظ باللفظ دون اعتبار معنى. وإنما قلنا إن الأمر بالشيء نهي عن ضده لعلمنا بأن كل آمر بشيء فهو ناه عن ضده. فلو كان العلم بالشيء جهلا بضده, والقدرة عليه عجزا عن ضده لاستحال أن يعلم الشيء من يعلم ضده, وأن يقدر عليه من يقدر على ضده. ولما بطل ذلك بطل ما قالوه. ويقال لهم: أو ليس كل آمر بالشيء ناهيا عن ضده, ولا يجب أن يكون كل عالم بالشيء جاهلا بضده وكل قادر عليه عاجزا عن ضده؟ فإذا قالوا: أجل قيل لهم: فقد بطل ما عولتم عليه.

стр. 642

باب القول في الأمر هل هو على الفور أو على التراخي ؟ أو يصح أن يقال فيه بالوقف, وإن كان على التراخي, هل لتراخيه غاية محدودة أم لا؟ وما يتصل بذلك اعلموا- رحمكم الله- أن أول ما يجب في هذا الباب أن يقال إن الأمر المختلف في وجوب تعجيل مضمونة أو تأخيره أو جواز الوقف في ذلك إنما هو الأمر الذي ليس على الدوام والتكرار, وإنما يكون أمرا بفعل واحد أو جملة من الأفعال, لأنه قد اتفق على أن ما يجب على الدوام والتكرار فإنه واجب في جميع الأوقات من عقيب الأمر إلى ما بعده. فصل: وقد ذكر عن بعض من يقول بالوقف في الألفاظ المحتملة أن القول بالوقف في الأمر المتعلق بالفعل الواحد أو جملة من الأفعال واجب, وأنه يحتمل الفور والتراخي، وأنه بمنزله سائر الألفاظ المحتملة. والوجه عندنا في ذلك القول بأنه على التراخي دون الفور والوقف.

стр. 643

والدليل على فساد القول بالوقف في ذلك أمور: أحدهما: إن المتوقف إنما يتوقف في ذلك لطلب الدليل على جواز تأخيره وزوال المأثم بذلك. وليس يتوقف لطلب الدليل على سلامة تقديم الفعل من المأثم والعقاب, والقول بأن تقديم إيقاعه حرام, لأن من قال بالفور والتراخي جميعا يقول إن تقديم فعله حسن جميل. والقائلون بوجوب تقديمه يقولون يأثم بالتأخير. والقائلون بالتراخي يقولون: إنه إذا قدمه فقد أدى الواجب وبرئت ذمته. والأحوط له في إحازة ⦗٢٣٢⦘ الثواب تقديمه, لأنه لا يأمن الموت إن أخره. وإذا كان ذلك ثبت أن مقدم فعله فاعل للمأمور به بإجماع الأمة قبل القائل بهذا, فبطل ما قالوه.

стр. 644

ويبين هذا- أيضا- أنه لو وجب الوقف في ذلك لكان المقدم لفعله عقيب الأمر مع اعتقاد وجوبه وبراءة ذمته به مخطئا ملوما مأثوما, لأنه لا يعلم ذلك بل يجوز أن يكون المراد به به التأخير. وهذا- أيضا- خلاف الإجماع فلو احتمل الأمر في أصل الوضع الفور والتراخي لكان هذا الإجماع من الأمة, على أن تقديم فعله ليس بمحظور ولا حرام موجبا لحمله بدليل السمع, على أن سائر الأوقات وقت له من عقيب الأمر إلى ما بعده. ويقال لمن ركب أن تقديم فعله حرام لموضع الاحتمال فيه فأنت إذا قائل بأنه إنما يجب أن يفعل لا محالة في وقت يكون بعد عقيب الأمر. فإن قال: أجل خالف الإجماع الذي وصفناه. وقيل له - أيضا- أفيجوز أن يتعرى الأمر طول عمر المكلف من بيان وقته أم لا يجوز ذلك؟ فإن قال ذلك جائز. قيل له: فهو إذا حرام على المكلف فعله في سائر الأوقات، لأنه عار فيها من دليل وجوب فعله في كل وقت منها, كما أنه عار من ذلك في حال عقيب الأمر. وهذا يوجب التوقف عن فعله في كل حال. وأن يكون إيقاعه فيها حراما وبمثابة إيقاعه عقيب الأمر به, وذلك خلاف الإجماع وإسقاط للتكليف وجعل الأمر محرما- أبدا- لإيقاع الفعل. وذلك باطل. وإن قال: لا يجوز أن يؤخر بيانه في الحال التي تلي عقيب الأمر، وأنه واجب في الذمة إلى حين موت المكلف, أو واجب إيقاعه في وقت محدود معين. قيل له: فما معنى الوقف مع البيان لحال المأمور به وأنه في الذمة أو مؤقت بوقت محدود. والوقف لا يسوغ مع البيان مع أن هذا البيان يجب أن يكون مع الأمر وحين وروده ليتبين به حال عقيب الأمر. وأنه حال له أم لا, كما يجب عنده أن يبين في الحال التي تلي عقيب الأمر ليعلم حكمه من تعلقه/ في الذمة أو

стр. 645

توقيته، ولا مخرج من ذلك. وإن قال قائل: يجوز تأخير بيان ذلك أوقاتاً كثيرة. قيل له: يجوز ذلك الشهور والسنين الكثيرة، وإلا فما الفصل، وهذا يوجب صحة الوقف فيه أبداً، وتحريم الإقدام عليه في كل وقت، وذلك باطل. ومما يبين فساد هذا القول ودعواه على أهل اللغة في أصل الوضع علمنا باتفاق أهل اللغة على مدح المسارع إلى ما يؤمر به واعتقادهم فيه امتثال المأمور به. هذا معلوم من حالهم وحكم مواضعتهم قبل مجيء الشرع، وقولهم: فلان ممن يسارع إلى المرسوم وإلى امتثال للأمور به ولا يبطئ ولا يتأخر عما يؤمر به، ولأجل هذا قال كثير من الناس بوجوبه على الفور دون التراخي. وإن لم يقصد أهل اللغة عندنا إلى ما ادعوه، ولكنهم قصدوا إلى زيادة مدح من يسارع إلى امتثال الماس به ويبادر إليه. وإن كان له تأخيره. وعلى هذا دل قوله تعالى: ﴿وسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ وقوله سبحانه: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ في أمثال هذه الآي، فوجب بذلك بطلان القول بالوقف، وانه على التراخي من عقيب الأمر إلى ما بعده أو الفور. فإذا دللنا على فساد القول بالفور صح القول بالتراخي. ونحن تذكر من بعد إقامة الدليل على فساد القول بالفود بذكر حال الواجب

стр. 646

على التراخي وما يتضيق منه، وما لا يتضيق، وحال ماله وقع متسع ممتد. وهل يجب بأول الوقت أو في آخره. وهل له بدل إذا ترك دقت التسعة أم لا؟ وما يتصل بهذه الفصول والأبواب إن شاء الله. فصل: والذي يدل على أنه على التراخي أنه إذا قال: صل أو افعل إن كان للأمر صيغة أو علم أنه أمر بالفعل ولم يذكر وقتاً له. فكل الأوقات تصلح أن تكون وقتاً له من عقيب الأمر إلى ما بعده. ولم يكن في نفس الأمر توقيت للفعل بوقت معجل ولا مؤجل، ولا كان /ص ٢٣٤ العقل يقتضي تعجيله دون تأخيره، أو لتأخيره دون تعجيله، وإنما يقتضي أن لا يقع إلا في وقت ما أو ما تقرر تقدير الوقت وجب لذلك أن تكون سائر الأوقات وقتاً له في دقت الأمر إلى ما بعدمه ولم يكن قول من قال هو على الفور والتعجيل بأولي من قول من قال هو على المهلة والتأخير. أو واجب قي الخامس أو العاشر من حال الأمر، مع أن ذلك أجمع مما لم يقتضه مجرد الأمر ولا قضية عقل ولا سمع. وفي تكافؤ هذه الدعاوي دليل على فسادها وصحة ما قلناه. ويكشف هذا ويوضحه إنه إذا قال: صل، أو اضرب رجلاً وكان الفعل لابد أن يقع عند المخالف في مكان، وكان كل شخص يصلح ويصبح إيقاع الضرب عندهم فيه، ولم يعين بقوله إضرب شخصاً من شخص، وجب أن يكون سائر الأشخاص محلاً للضرب، وأن يكون المأمور مخيراً في إيقاعه في أيهم شاء. وكذلك إذا قال له صل، ولم يعرفه توقيتاً له، وسائر الأوقات صالحة له وجب لا محالة أن يكون كلها وقتاً له. ولم يتعين وجوبه والاقتضاء له في بعضها

стр. 647

دون بعض إلا بدليل. فإن قالوا: إذا قال اضرب ولم يعين له شخصا من شخص، فكأنه قال: اضرب من شئت. قيل لهم: وكذلك إذا قال: صل، ولم يعين له وقتاً، فكأنه قال: صل أي وقت شئت، ولا مخلص من ذلك. وإن قالوا: الفعل يختص الزمان، فلا يصلح أن يكون سائر الأزمان وقتاً له، وتخيير المكلف لإيقاعه فيها. قيل لهم: هذا باطل، لأنه ليس في الحوادث ما يختص زماناً بعينه لما قد بيناه في أصول الديانات. فبطل ما قالوه. بل لو قيل إن الفعل الموقع في المكان يختص المكان، ومحال وجوده مبتدأ ومعاداً في غيره لكان أولى، وذلك هو الصواب لما بيناه في غير هذا الكتاب. وإذا ثبت ذلك لم يجز أن يكون/ ص ٢٣٥ الأشخاص كلها مكانا للفعل الواحد، وإن خير المكلف في فعلها في أيها شاء، فسقط ما قالوه. وإن قالوا: ما أنكرتم أن يكون للعقل قد عين وقت الفعل، ووجوب تعجيله، والسمع أيضاً من حيث دلاً علي أن الأمر على الوجوب، والواجب لا يجوز تأخيره، لأن تجويز ذلك فيه يدخله في باب الندب. يقال لهم: ما قلتموه باطل من وجوه: أحدها: إنه ليس الأمر على ما ادعيتم، لأننا قد بينا قيما سلف إنه لا دليل

стр. 648

في عقل ولا سمع على أن مجرد الأمر على الوجوب فأغنى ذلك عن رده. والوجه الأخر أنه لو سلم لكم ذلك لم يوجب العقل تقديم فعل الواجب من حيث كان ووجباً. لأن الواجب قد يكون معجلاً ويكون متراخياً ومؤجلاً يكون مضيقاً وموسعاً بوقت ممتد. وقد ينص على توسعته على ما سنشرحه فيما بعد. وإذا ثبت ذلك لم يكن الوجوب موجباً للتعجيل. والوجه الآخر: إننا إنما نمنع أن يكون موجب اللغة والوضع يوجب تعجيل المأمور به ولم ننكر قيام دليل على ذلك من عقل أو سمع. وإن قام على ذلك دليل قلنا به، ولم يبطل ذلك ما قلناه من أن مجرد الأمر لا يوجب ذلك في اللغة فزال ما قالوه من كل وجه. وإن قال قائل منهم: ما أنكرتم أن يكون مجرد الأمر بالفعل مقتضباً للفور والتقديم بدليل أنه يقتضي فعلاً واحداً، والفعل الواحد لا يقع في وقتين وإنما يقع في وقت واحد. وقد اتفقت الأمة على أنه إذا قدمه برئت للذمة بفعله. وفعل المأمور به، فوجب أن يكون ما يقع بعده غير المأمور به. وأن يكون غير مجزئ، وأن لا يحل تأخيره. يقال لهم: ليس الأمر في هذا على ما قلتم، وإن مطلق الأمر يقتضي فعلاً معيناً. وإنما يقتضي إيقاع واحد من الجنس غير معين، فلا وجه لدعواكم تعيينه، وهو بمثابة أن يقال قد أمرتك بفعل ركعة واحدة أو ركعة في يومك هذا وأنت مخير في فعلها/ ص ٢٢٦ في أي وقت شئت من ساعاته. وقد اتفق على صحة أمره على هذا الوجه، ثم لم يوجب ذلك أن يكون المأمور به معجلاً لأجل أنه فعل

стр. 649

واحد، لأنه وإن كان واحداً فهو واحد من الجنس غير معين، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه. وإن قالوا: قد أجمعوا على أن المقدم منه واجب مأمور بهو فوجب أن لا يكون ما يقع في الثاني مأمور به. قيل: إجماعهم على أن الأول به ليس بدال على أنها بعده ليس بمأمور به. وخلاف من خالف في ذلك غير قادح فيما قلناه، لأنه مخطئ فيه، ولو كان ما قالوه واجباً لوجب أن تكون الكلمة والركعة واجبة بأول النهار وإن جعل له في ذلك الخيار لإجماعهم على أنه إذا قدمها في أول النهار كان مؤدياً للواجب، ولما فسد هذا باتفاق سقط ما قالوه. ومما يدل على ما قلناه أيضا اتفاقهم على أن الخبر عن إيقاع الفعل من المخبر أو غيره لا يتضمن. توقيت وقوعه وتعجيله، وإن تأخر كان الخير كذباً، وكذلك الحالف ليقومن وليضربن لا يتوقت عليه تعجيل للفعل إذا لم يوقته. وإذا فعله ولو بعد أعوام برئ من حكم اليمين. فكذلك الحاكم بإيقاع الفعل من حيث لا يمكن الفصل بين الخبر عن وقوعه والأمر بذلك. ويدل على ذلك - أيضاً - أن مدعي اقتضاء الأمر للفور في حكم اللغة يحتاج إلى توقيف منهم، ونقل له عنهم يحج مثله وقد بينا في غير فصل سلف تعذر نقل توقيف على هذه الدعوى وأمثالها، والجواب عن عكس للمطالبة بأن ننقل نحن عن أهل اللغة بأن الفعل على التراخي بما ينبه على الجواب. ويدل على ذلك - أيضا - أن لو كان مجرد الأمر يقتضي الفور والتعجيل لوجب أن يكون ما يقارنه من الدليل على أن لنا تأخيره، أو على توقيته بوقت معين مخرجاً له عن حكم مقتضاه، وأن يكون أمراً على وجه المجاز. وذلك باطل باتفاق. وقد بينا في فصول الخطاب في الحقيقة والمجاز أن كل قرينة

стр. 650

تصرف الخطاب عما وضع له إلى سواه فقد أخرجته / ص ٢٣٧ عن الحقيقة إلى المجاز بما يغني عن رده، فبطل ما قالوه. فصل: ذكر ما يتعلق به المخالفون والجواب عنه وقد استدلوا على ذلك بأن لفظ الأمر اقتضى إيجاب الفعل وكونه واجباً مقتض لإيقاع موجبه، فوجب إيقاع الفعل مع الوجوب، ولم يجب تأخيره. قالوا: وكما أنه لما اقتضى وجوب اعتقاد وجوبه، وكان اعتقاد وجوبه الذي هو أحد موجبيه على الفور وجب - أيضا - لزوم الفعل على الفور. يقال لهم: أما قولكم إن لفظ الأمر اقتضى الوجوب مع حصوله فإنه قول باطل، لأنه لا لفظ للأمر لما قدمناه. ثم لو سلمنا ذلك لم يجب إيقاع الفعل في حال حصول لفظ الأمر وكونه واجباً، لأن ذلك يوجب إيقاع الفعل في حال سماع الأمر سماع لفظه وكونه موجباً، وذلك محال. وإنما يجب عندكم في الثاني، وليس يستقر عندكم لفظه وكونه واجباً إلا في الثاني، فبطل ما قلتم. وإذا وجب انفصال وقوع الفعل عن استقرار لفظ الأمر ووجوبه بحال جاز بحالين وأكثر، وفسد ما عولتم عليه. وأما قولكم: إن الأمر اقتضى تعجيل فعل الاعتقاد الذي هو أحد موجبيه. فإنه غلط من وجوه: أحدهما: إننا لم نقل إن الاعتقاد إنما وجب تقديم فعله، لأجل حصول الأمر به فقط. وإنما قلنا ذلك، لأن الدليل أوجبه. فإن وجد في تقديم الفعل وما

стр. 651

يقوم مقامه، وإلا بطل الجمع بينهما. وشيء آخر: وهو أنه لو كان الأمر المقتضي لفعل الاعتقاد وإيقاع الفعل موجباً لتقديم فعل الأمرين لإيجابه تقديم أحدهما لوجب لا محالة إيجاب تقديم الفعل المؤقت لما يقتضى تأخيره لإيجاب الأمر به تقديم اعتقاد وجوبه. قلما اتفق على أنه لو قال قد أوجبت عليك إيقاع الصلاة في رأس الشهر أو الحول لم ينجز له تقديم فعلها عقيب الأمر وإن لزم تقديم فعلى اعتقاد وجوبها، فسقط ما قلتموه. هذا على أنه إذا وجب عندهم إيقاع الفعل عقيب الأمر امتنع وجود العزم على أن سيفعل، لأن العزم عزم على المستقبل وتوطين للنفس على فعله. وذلك لا يصح في الواقع الموجود/ ص ٢٣٨ فلا وجه لقولهم يجب تقديم الفعل، كما يجب تقديم العزم. فإن قالوا: فما الدليل الموجب لتقديم فعل الاعتقاد على الفور؟ قيل لهم: أمور: أحدها: الاتفاق على وجوب فعلى الاعتقاد على التكرار في جميع الأوقات التي يذكر فيها الأمر وأن الأمر يذلل ليس بأمر باعتقاد واحد من الجنس واقع في زمن واحد، وإنما هو أمر بالاعتقادات على الدوام. فإذا كان ذلك كذلك لزم إيقاعه على الفور وفيما بعده، وفي كل وقت ذكر الأمر بالفعل الذي يجب فعله على التكرار، ولما لم يجب الفعل المعتقد وجوهه على التكرار لم يلزم إيقاعه على الفور وما بعده. وهذا واضح في الفعل بين الأمرين. فإن قيل: ولم لم يجب الفعل على التكرار كما وجب الاعتقاد لوجوبه. قيل: لأن الله لم يوجب ذلك، ولو أوجبه للزم تكراره، وقد يمكن أن يقال إنه إنما لم يجب الفعل على التكرار لكونه مضراً وقاطعاً للحدث والنسل والمصالح، وليس كذلك فعل الاعتقاد لوجوبه كلمة ذكر الأمر، لأنه غير قاطع عن هذه الأمور.

стр. 652

ومما يقتضي الفرق بينهما أيضا أن الاعتقاد بما يتضمنه العلم بوجوب الفعل لا محالة والتصديق للمخبر عن وجوبه. وترك الإصرار على معصيته. وذلك أن الأمر لا يستقر وجوبه إلا مع العلم بأنه واجب، أو التمكن من العلم بذلك. فإذا أمر بإيقاع الفعل والتقرب به معجلاً أو مؤجلاً فلابد من إعلامه وإشعاره بذلك، ومتى علم وجوبه حصل معتقداً لذلك، لأن الاعتقاد لوجوبه ليس بمعنى أكثر من العلم بوجوبه. فصار إفهام الوجوب متضمنا لاعتقاد الوجوب. وهذا الاعتقاد علم من فعل الناظر المستدل على وجوب ما أمر به. وليس لا يصح له العلم بوجوب الفعل إلا بعد إيقاعه فضلاً عن تقديمه، لأنه لو علم وجوبه واعتقد ذلك لصح أن يتركه جملة ويعصي بتركه. فإذا علم وجوب ما وقت بوقت متأخر وجب اعتقاد الوجوب معجلة وتأخر الفعل، وحال كونه عالماً بوجوب الواجب عليه مع تأخر انتقاد وجوبه، لأن نفس الاعتقاد لوجوبه هو العلم بالوجوب، فافترق الأمران، ولأن الله سبحانه إذا أوجب على العبد فعلة فقد أخبره باستقرار وجوبه عليه، ولزمه عند ذلك/ اعتقاد كونه واجبا لكي يكون بذلك مصدقا لخبر الله عن إيجابه عليه، وإلا وجب كونه مكذباً له أو شاكاً في خبره، وذلك محرم بإجماع المسلمين، وهو ل يحتاج في تصديق الخبر عن إيجاب الواجب إلى إيقاع فعل الواجب. ولابد متى علم وجوب الفعل عليه واعتقاد ذلك وتصديق المخبر عن وجوبه أن يكون عازماً على أداء ما اعتقد وجوبه، أو تاركاً لهذا العزم، وقد اتفق على تحريم ترك هذا العزم في كل وقت، لأنه لا يتركه مع ذكر العبادة إلا بالعزم على ترك الواجب، وذلك عصيان من المكلف بإجماع الأمة، وليس في تأخير الفعل عصيان، فافترق الأمران. فصل: واستدلوا على ذلك بأن قالوا الدليل عليه إنه لا يخلو الأمر المطلق بغير توقيت من أحد ثلاثة أمور: إما أن يكون أمره بفعل الشيء على الدوام والتكرار،

стр. 653

أو أن يكون أمراً بالفعل على البدل، أو يكون أمراً بفعل غير معين يوقعه المكلف أي وقت شاء، أو أن يكون أمراً بفعل واحد لا على الجمع ولا على البدل. قالوا: وقد اتفق على أن ذلك لا يصبح أن يقال فيما يلزم على التكرار، وإنما يختلف في فعل واحد أو جملة يصح أن يقدم ويصبح أن يؤخر، فسقط هذا الوجه. وإن كان أمراً بفعل واحد على البدل غير معين شائع في جميع الأوقات، فذلك باطل، لأن ما هذه حاله إنما هو أمر بأفعال مخير فيها، كل شيء منها غير صاحبه يقع في أزمان متغايرة. والأمر إنما اقتضى لفظه تعلقه بفعل واحد دون أفعال كثيرة تقع على الضم أو على البدل والتخيير، فلا سبيل إلى حمل الأمر على غير موجبه ومقتضاه. أو أن يكون أمراً بفعل واحد معين، فإن كان كذلك وجب أن ينظر أي الأزمان زمانه الذي يجب أن يقع فيه. فإذا عرفنا أن ذلك الزمان وحده هو وقته، وأنه هو المراد بإيقاعه فيه وجب أن يكون إيقاعه فيه هو المصلحة وإيقاعه في غيره مفسدة غير مراد. قالوا: وقد اتفق الكل على أن الأمر المطلق بالفعل إذا فعل عقيب الأمر فقد أدي به الواجب وبرئت به الذمة وحصل مصلحة ومراداً. وإذا ثبت ذلك من حكم الوقت/ ص ٢٤٠ الأول علم أن الوقت الثاني وما بعده ليس بوقت لهم لأن ما يقع في الوقت الأول من أفعال الصياد لا يصح تقديمه على وقته، ولا تأخيره عنه ولا إعادته بعد عدمه. وأن ما يقع ض غير وقته فهو غيره من جنسه. وإذا كان غيره وجب لزوم الفعل على الفور.

стр. 654

يقال لهم: أما دعواكم أنه لا يجوز أن يكون أمرا بفعل غير معين. فإن ذلك الفعل قد خير المكلف بين فعله وفعل مثله في غير وقته، فإنه نفس الخلاف، فلم قلتم ذلك؟. فإن قالوا: لأن أمره بالفعل ليس في ظاهره أنك مخير بينه وبين غيره. قيل لهم: وليس في ظاهره أنك مأمور بفعل واحد من الجنس معين بوقت مخصوص دون مثله، فلا يجب أن يقولوا بذلك. ويقال لهم: ما أنكرتم من أنه متى قيل له: صل أو ضرب أو صم، ولم يعين له وقتاً من وقت. فقد دل بذلك على لأنه أمر له بفعل من الجنس غير معين، ولم يلزم إيقاعه في وقت مخصوص. ولا أريد من الجنس جزءاً مخصوصاً. وإنما أريد أن يفعل جزءاً من الجنس يقع عليه اسم الفعل في أي وقت شاء إن علم أنه سيوقع المأمور به، كما أنه إذا قيل له: اضرب رجلا، وتصدق على فقير، ولم يخص رجلا من رجل، علم بذلك أنه قصد إلى إيجاب الفعل بغير تعيين في أحد بعينه. وإن كنا نعلم أن كل ضرب يفعل في شخص فإنه غير الضرب المفعول في غيره، أو ما من سبيله أن يفعل في غيره، وإن لم يرد بلفظ التخيير بأن يقال له: اضرب من شئت. وهذا بين في سقوط ما اعتمدوا عليه. وأما قولهم: إن الإجماع قد حصل على أن تقديم الفعل مصلحة وأداء للواجب، وتبرأ به الذمة، وأن ذلك دليل على أن ما يقع بعد ذلك ليس بواجب ولا مصلحة/ ص ٢٤١ فإنه قول ظاهر البطلان لأنه ليس في الإجماع على أن تقديمه مصلحة وأداء للواجب دليل على أن فعله متأخر ليس بواجب ولا مصلحة. وهذا هو الذي يحتاجون إليه، ولا إجماع فيه، فبطل ما قالوه. واعتمدوا - أيضا - في ذلك على أن قالوا يدل عليه أنه لو كان على

стр. 655

التراخي لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون له تأخير الفعل إلى غاية معلومة أو إلى غير غاية. فإن كان إلى غاية محدودة فذلك يوجب توقيته. وأن يكون كالصلاة الموسع وقتها بحد مضروب، وذلك خلاف القول بالتراخي. ولأنه لا وقت يشار إليه. فيقال إن إطلاق الأمر يقتضي توقيته به إلا ويمكن الزيادة عليه والنقصان منهم فبطل للقول بذلك. وإن كان له تأخيره أبداً إلى أن يموت بغير توقيت. ولا وقت إلا وله ترك الفعل فيه فهذا يوجب ضروباً من المحال. أحدها: أن يكون الفعل نفلاً، وكلامنا لي حكم أمر واجب، إما وجب بلفظه أو بدليله، وأما إخراج الواجب عن كونه واجباً باطل باتفاق، وليس للنفل صفة يختص بها إلا أن له فعله وله تركه. فإذا كان هذا صفة الواجب على التراخي وجب أن يكون نفلاً، وذلك باطل. والوجه الآخر: إن كثيراً ممن قال بالتراخي يجعل المكلف لموته قيل إيقاع فعله مأثوما حرجاً، وذلك باطل، لأنه تركه مع أنه له تركه، فلم يجب تأثيمه. والوجه الآخر: إنه يوجب أن يكون الله تعالى قد فرض فرضا معلوم العين مخصوصاً في زمن مجهول الآخر لا تعرف غايته، وذلك بمثابة تكليف المحال، وما لا يطاق، وإذا فسد ذلك بطل القول بالتراخي. وصح أنه على الفور. يقال لهم: جميع ما قلتموه باطل، غير صحيح إلا قولكم إنه إن مات المكلف قبل فعله مات غير مأثوم. وقولكم إنه لا يجوز أن يكون / ص ٢٤٢ التراخي إلى غاية محددة. فإنه صحيح، لأنه

стр. 656

لا حد له ولا غاية يشار إليها، وإن مات قبل امتثاله، فهو عندنا غير مأثوم ويخطئ من قال إننا نتبين بموته إنه كان مفرطاً. وأما قولكم إنه لو كان له فعله في كل وقت وله تركه إلى أن يموت للحق بالنفل، وإنه باطل من قبل أن النفل الذي يحل تركه له لم يكن نفلاً، لأنه حلال تركه لأن المباح يحل تركه وليس بنفل. ولا كان - أيضا - نفلاً، لأنه فعله خير من تركه مع تحليل تركه، لأن الواجب الموسع، والساقط إلى بدل فعله خير من تركه وحلال تركه في وقت التوسعة وليس بندب لو فعل فيه، بل واجب، فلم زعمتم أن الندب إنما يكون ندباً لأجل ما وصفتم. وما أنكرتم أن يكون إنما صار ندباً لما قلتم ولأمر آخر زائد عليه. فإن قيل: وما ذلك الأمر؟. قيل: لا يلزمنا ذكره. ثم يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون الندب، إنما كان ندباً، لأن فعله قربة خير من تركه لا بشرط ولا على صفة، بل لجواز تركه على كل حاله وأن يكون كل قربة فعله خير من تركه مع جواز تركه بشرط مخصوص إن ترك على خلافه حرم الترك، فليس بندب، وهذه صفة الواجب على التراخي والواجب الموسع وقته والساقط إلى بدل. وذلك أنه لا يجوز ترك الواجب على التراخي إلا بأحد شرطين، إما أن يترك بفعل العزم على أن سيفعله في المستقبل، ولا يحل تركه وترك العزم على فعل مثله فيما بعد، أو بان يتركه بشريطة أن يفعل مثله فيما بعد، ولا يحل تركه إلا على أن يفعل في المستقبل مثله، وكذلك حكم الواجب الموسع والساقط إلى بدله إنما يسوغ تركه على صفة وبشرط يفارق بهما ترك

стр. 657

الندب. وإذا كان ذلك كذلك وضح الطرق بين الأمرين، وبطل ما قالوه في حد الندب. فإن قال قائل منهم: هذان الشرطان باطلان لا سبيل إلى إثباتهما، لأجل اتفاقنا جميعاً على أن الأمر اقتضى وجوب الفعل إما بنفسه أو بقرينته. وإن ما يقتضي وجوب فعل معين لا يوجب (فعل عزم على فعل مثله بدلاً منه، ولا يوجب) فعل مثله فيما بعد، ولا. شيئاً غيره من سائر الأجناس/ ص ٢٣٤ وإنما يوجب فعله بعينه. وإذا كان هذا مقتضى الأمر بالفعل، وكان الكلام في مقتضاه سقط ما وصفتم، لأن ما قلتموه يوجب التخيير بين الفعل وبين مثله فيما بعد، وبينه وبين العزم على فعل مثله فيما بعده، وهو لا يقتضي التخيير بينه وبين مثله أو بين خلافه، ولا دل - أيضا - على ذلك دليل فيصار إليه. ولو دل عليه لم يكن ذلك من مقتضى الأمر. وإن كان من مقتضى الدليل، وليس الكلام قي مقتضى الدليل، وإنما هو في مقتضى الأمر فبطل ما قلتم. يقال لهم: ما قلتموه ساقط من وجهين: أحدهما: أن إطلاق الأمر بالفعل لا يقتضي إيقاع فعل معين من ذلك الجنس المذكور في زمن معين، وإنما يقتضي إيقاع واحد من الجنس بخير عينه وغير معين من الوقت، كما أن قول الآمر اضرب رجلاً لا يقتضي ضرباً معيناً في رجل معين. وإنما يقتضي فعل جزء من الجنس في أي الرجال شاء المكلف. وليس لأحد أن يدفع هذا بأن يقول: ليس للتخيير بين فعل أي أجزاء الضرب شاء، وفي أي الرجال شاء لفظ. والأمر إنما اقتضى ضرباً معيناً في رجل معين فلا وجه للتخيير، لأننا قد بينا فيما سلف إنه إذا لم يعين جزءاً من الفعل ولا وقت له، فقد خيره في أي جزء شاء، وأن يفعله في أي وقت شاء بغير وجه

стр. 658

فبطل ما قالوه. وأما قولهم: إن الدليل لم يدل على إثبات العزم بدلاً من الفعل، فليس الأمر كذلك، بل قد قام الدليل عليه، وإن كان الأمر به لا يقتضي إثبات بدل منه. وهو أنه إذا ثبت بما قدمناه إن الأمر بالفعل لا يقتضي تعجيله، ولا يوجب تأثيم المؤخر له. ولا يقتضي أن يكون أمراً بفعل جزء من الجنس في وقت معين، وجب أن يكون أمراً بفل واحد من الجنس بغير عينه. ومتى ثبت ذلك وجب تخيير المكلف بين الفعل في كل وقت وبين تركه وفعل مثله فيما بعد. وإذا كان له تركه في كل وقت لم يكن بدا من أن يكون/ ص ٢٤٤ له تركه على خلاف ترك الفعل حتى يفارق تركه ترك الفعل ولا صفة ولا شرط يصح في ذلك إلا تركه بفعل العزم على أدائه قي المستقبل. ومن الناس من قال ليس هذا العزم بدلاً من الفعل، وإنما له تركه بشرط أن يفعله فيما بعد. ومنهم من قال: يجب هذا العزم لنفسه عند ترك الواجب على التراخي، والواجب الموسع وقته، وليس ببدل من الفعل. وهذا هو الأولى على ما نبينه من بعد. فبهذه الدلالة وجب مفارقة الواجب للندب. ويقال لهم - أيضاً-: إن وجب إذا كان لا وقت له إلا وللمأمور ترك الفعل فيه إلى ما بعده أن يكون الفعل ندباً لا واجباً. فما أنكرتم من أن يكون الأمر بضرب رجل منكر لا يكون أبداً إلا ندباً، لاتفاقنا على أنه لا رجل من الناس إلا وله ترك ضربه إلى ضرب غيره، فيجب أن يكون ضرب جميعهم نفلاً. فإن مروا

стр. 659

على ذلك تركوا قولهم. وإن أبوه ناقضوا اعتلالهم. وكل شيء يرمون به الانفصال من هذا الإلزام. فهو يعينه فصل لنا فيما ألزموه. وأما قولهم: إنه إذا كان الفعل واجبا على التراخي. ولم يكن لآخر مدته وقت معلوم صار الفعل المأمور به معيناً معلوما ومؤقتاً بوقت مجهول، فإنه قول باطل. لأننا لا نقول أولاً إن آخر أوقاته مجهول، بل هو معلوم في الجملة. وهو آخر وقت حياة المكلف، وإن لم يعرف ذلك الوقت بعينه، وذلك غير محال، لأن الشيء قد يعلم على الجملة تارة وعلى التفصيل أخرى، على ما بيناه في الكلام في أصول الديانات. ومعنى قولنا إن آخر أوقاته الوقت الذي يليه الموت إنه وقت لو أوقع الفعل فيه لبرئت ذمته، كما تبرأ بإيقاعه قيما قبله، ولا نعني بذلك إنه محدود للمكلف، لأنه غير عالم به، ولا متميز له، ومحال أن يحد له وقت غير متميز لا سبيل له إلى علمه. ولأننا وإن قلنا إن آخر أوقات حياة المكلف غير معلوم/ ص ٢٤٥ ولا محدود، فإننا نقول إن جميع الأوقات التي تأتى على المكلف وقت للفعل، ولو أوقع فيه لبرئت به الذمة. وإنما كان يكون ذلك محالاً لو كان لا وقت للفعل إلا آخر الأوقات الذي يليه الموت، وهو غير معروف. فأما وجميع ما قبله من الأوقات وقت للفعل، وهو غير مجهول فما ظنوه ساقط. فأما من قال بالتراخي، فزعم أن المأمور إذا مات قبل فعله تبين تفريطه وكونه مأثوماً. فإنه خطأ منه ظاهر، لأنه تركه مع أن له تركه، وكيف يكون ماثوماً وهو لم يتعين عليه وجوبه. ولو كان ذلك واجبا لوجب أن يكون المكلف

стр. 660

مأثوما إذا مات قبل فعل الفرض الموسع وقته. وأن يقال: إنه لو مات عقيب الأمر أو في وسط الوقت تبين كونه مفرطاً مأثوماً، وإن كان له الترك. فإن مروا على ذلك فارقوا الإجماع. وإن أبوه واعتلوا في إزالة الإثم عنه بشيء كان هو الجواب لنا عما قالوه. والذي يمكن أن يقال قي ذلك إنه إنما يسقط الإثم عنه بترك الفرض الموسع وقته لأنه تركه إلى فعل العزم على أدائه أو على أن يفعل مثله فيما بعد. وهذا هو الذي أجبناهم به، فبطل ما قالوه. وإن قيل: فهل للواجب على التراخي في بعض الأحوال وقت معين وجوبه فيه. قيل له: أجل وهو الوقت الذي يغلب على ظن المكلف اختراع دون امتثاله، فإن لم يغلب علي ظنه ذلك لم يتعين عليه، ويكون هذا جارياً مجرى إباحة التعزير للإمام وتأديب الصبي وضرب المرأة عند النشوز ورمي الغرض في إطلاق ذلك أجمع ما لم يغلب على الظن التلف والضرر العظيم، وتحريمه أجمع إذا غلب على الظن إصابة النفس. وكذلك القول في شرب الأدوية، وحمل الثقيل، وما جرى مجرى ذلك مما يحرم عند غلبة الظن للضرر والتلف، ويحل عند فقد ذلك.

стр. 661

باب الكلام في أن الواجب الموسع وقته هل يجب بأول الوقت أو في آخره في جميعه ./ ص ٢٤٦ قد أجمعت الأمة على أن الفرض الموسع وقته بوقت لا يستغرقه إذا فعل في أول الوقت سقط عنه الفرض، ثم اختلف هؤلاء: فقال فريق منهم: إنه يجب في أول الوقت، وإنما ضرب آخره لكي يكون الفعل إذا فعل بعد آخره قضاء لا أداء وأنه إذا فعل قبل آخره كان أداء، ولم يكن قضاء. وقال الكل غير هؤلاء: إنه واجب في أول الوقت ووسطه وآخره. وإنه إنما ضرب آخر الوقت له لتكون الأوقات التي بين أوله وآخره بأسرها وقتاً له. وهذا هي الصحيح. واختلف القائلون بأنه واجب في جميع أجزاء الوقت، وأن له تقديمه، وله تأخيره، هل له تركه في أول الوقت إلى وسطه وآخره ببدل يقوم مقامه أم لا؟

стр. 662

فقال منهم قائلون: إنه ليس له تركه لهي أول الوقت، وما يليه إلى حين وقت التضييق إلا ببدل يقوم مقامه، وأنه لا شيء يصح أن يكون بدلاً له إلا فعل العزم على أدائه في للمستقبل إن بقي بصفة من يلزمه الفعل. وقد بينا نحن وجوب القول بهذا إذا جعلنا له بدلاً فيما سلف بما يغني عن رده. وقال آخرون: إنه مراعى إذا فعل في أول الوقت، يقال إنه فرض ولا نفل. فإن دخل آخر، الوقت على المكلف. وهو بصفة من يلزمه الفعل تبنين أن ما كان فعله في أول الوقت فرض واجب. وإن لم يبق إلى آخر الوقت، أو لم يبق بصفة من يلزمه الفعل كان ما واقع منه في أول الوقت نفلاً لا فرضا. وزعم قوم من أهل العراق إنه نفل إذا فعل في أول الوقت، وأنه نائب عن الفرض إذا بقي المكلف بصفة من يلزمه الفعل في آخر الوقت. وقد قلنا نحن من قبل إن جميع أجزاء الوقع وقت له. وأن له تأخيره إلى وقت التضييق إما ببدل هو العزم على أدائه، أو على أن يفعل مثله فيما بعد. فمحال على هذا القول أن يكون نفلاً إذا فعل في أول الوقت، أو مراعى لأنه لا يعلم أنه فرض أو نفلاً إلى دخول آخر الوقت.

стр. 663

فأما ما يدل على فساد قول من زعم أنه يجب بأول للوقت فأشياء: أحدها: إن هذه دعوى مجردة لا حجة لقائها، ويدل عليه أن جميع /ص ٢٤٧ أجزاء الوقت كأوله. فالقائل بأنه يجب بأوله بمنزلة القائل لا، بل يجب قي وسطه وآخره الذي يلحق الإثم بالترك له فيه. فإن قيل: فأنتم إذا جعلتم آخر الوقت وقتاً له دون ما بعده حددتم ما لم يدل عليه دليل. يقال: لا بد من ذلك، وإلا صار واجباً على التراخي بغير توقيت، ولا نص على توقيته يمنع من ذلك. ويدل على فساد هذا القول - أيضاً - إجماع الأمة على أن المكلف لا يأثم بتأخيره عن أول الوقت. ولو كان واجبا فيه لكان مأثوماً بتأخيره كالواجب على الفور بالنص عليه إذا آخر، وذلك باطل، فسقط ما قالوه. فأما ما يدل على فساد قول من قال: إنه موقوف على آخر الوقت. فهو أن تعليق الوجوب بالشرط يفيد أنه إذا حصل الشرط حصل الوجوب. وإذا تيقنا أن الشرط معدوم لم يحصل علمنا بذلك، واستحال أن يقول إن إيجاب الصلاة قد حصل وثبت، وشرطه الذي علق وجهه بوجوده لم يوجد. وإذا كان ذلك كذلك بان أن تعليق وجوب الفعل على المكلف بشرط يوجد بعد وجوده محال مع القول باستقرار الوجوب قبل الشرط. ويقال لهم: إذا كان جميع أجزاء الوقت منصوصا على أن المكلف فعله فيها

стр. 664

لم يجز أن يكون وقوعه في بعضها واجبا مراعى، لأنه خلاف موجب النص، فبطل ما قالوه. فأما قول من زعم أنه نفل إذا فعل في أول الوقت، ونائب مناب الفرض إن أدرك آخره. فإنه قول باطل، لأجل أن النص قد ورد بان جميع أجزاء الوقت وقت له. فكيف يكون نفلاً في أوله، وهو جزء من الموسع أولى أن يكون نفلاً في آخره، وإن كان جزءا منه. فإن عادوا يقولون: الذي فرق بين فعله في آخره وبين إيقاعه في أوله ووسطه هو أنه لا يأثم بالترك في كل وقت قبل آخره، ويأثم به في أخر الوقت كان الجواب عن ذلك ما سلف من أنه لا يجب أن يكون الفعل نفلاً من حيث كان للمكلف تركه. ويقال لهم: لو كان ما قلتموه صحيحاً لوجب أن يكون لو نوى الصلاة في أول الوقت على ما هي به بزعمكم أن تكون مجزئه. وقد اتفق على أنه لونواها نفلاً لم تجزئه حتى ينويها فرضاً وظهراً، فبطل ما قلتموه.

стр. 665

باب القول في معنى فوات الفعل المؤقت والموسع. ومعنى الإعادة والقضاء اعلموا - وفقكم الله - إن الفوات لا يستعمل باتفاق إلا في فعل وقت بوقت خرج وتم/ ص ٢٤٨ بفعله المأمور مع إمكان وقوعه. فأما أن يستعمل فيما وجب الدليل كون جميع الأوقات وقتا له فإنه باطل، فلهذا لم يجز أن يقال: لما كان على التراخي والمتروك في وقت التوسعة فائت. والفوات مضي وقت العبادة المحدودة، والفائت الفعل المأمور به. وقد يتوقف الواجب على التراخي عند غلبة الظن بحصول الإخترام قبل أدائه. ويكون المؤخر له عن ذلك الوقت مأثوماً، ويكون فعله فيما بعد واقعاً على سبيل القضاء، لا على وجه الأداء، لأنه قد تعين وجوب فعله بغلبة الظن للاخترام، فيجب أن يكون ما يفعل بعد ذلك مع بقاء الظان المكلف مفعولاً على وجه القضاء. فصل: فأما الإعادة فإنه اسم لمثل بطل وفسد من العبادات على وجه البدل منه، إما بسبب من قبله أفسد به على نفسه ما شرع فيه، أو بسبب يطرأ عليه غير متعلق به وليس من كسبه. ولا يوصف هذا الفعل في غالب الاستعمال بأنه قضاء، لأن القضاء اسم لفعل مثل ما فات وقته من المؤقت المحدود. والإعادة اسم لمثل ما فسد. لأن ما لم يفعل مع مضي وقته لا يكون معاداً. وإنما المعاد فعل مثل الفاسد على حد ما ذكرنا.

стр. 666

فأما الأدلة فهو كل فعل (فعل) في وقت له إما موسع أو مضيق على ما قدمنا القول فيه.

стр. 667

باب القول في أن قضاء الفائت فرض ثان اعلموا - وفقكم الله - أنه لا مدخل للقضاء إلا في محدود وقته ترك فعله فيه لعذر أو غير عذر، أو عرض في وقته ما منع من إيجابه كالحيض، وما جرى مجراه من علة أو نوم. وقد اختلف الناس في هذا الباب: فقال قائلون: إن قضاء الفائت يجب بنفس للأمر به، فإن لم يفعله في الأول وجب فعله به في الثاني، ثم كذلك أبداً، كلما خرج عنه وقت لم يفعل الفائت فيه. ولا بد له فيما بعده. قال محصلو علم هذا الباب: إنه لا يجب القضاء إلا بأمر ثان. وهذا هو الصحيح، وبه نقول.

стр. 668

والدليل على ذلك/ ص ٢٤٩ أن الأمر المؤقت مخصوص بما هو أمر به وبإيقاعه في ذلك الوقت بعينه، وليس بأمر بإيقاعه في غيره، ولا بإيقاع مثله في غير وقته، ولا تخيير بينه وبين فعل مثله في غير وقته. وقصر الأمر بالفعل على وقت بعينه كقصره علي إيقاعه في شخص بعينه ومكان بعينه ومكلف بعينه. وقد يكون إيقاعه في ذلك الوقت هو مصلحة للمكلف عند من علق التكليف بالمصالح وإيقاعه فيما قبله أو بعده مفسدة. وإذا كان ذلك كذلك كان المفعول في غير ذلك الوقت غير المأمور به. وخارجاً عما تضمنه الأمر، كما أن الصيام في غير رمضان، والوقوف بغير عرفة، وإيقاع الفعل في غير الشخص المأمور بإيقاعه فيه غير المأمور به. فكذلك فعل عمرو غير فعل زيد الذي أمر زيد به. وما لم يتضمنه الأمر فلا يجب به، وإنما يجب بغيره، ولو ساغ أن يجب بالأمر بعض ما لم يتناوله ويدخل فيه لساغ أن يجب به كل غير له لم يتناوله. فصح بذلك أن القضاء هو غير المقضي، ولا يجب بالأمر الماضي، وإنما يجب أن يوجب بغيره. والفائت والمتروك على ضربين:

стр. 669

فمنه ما يجب قضاؤه، ومنه ما لا يجب ذلك فيه. فالذي يجب قضاؤه كثير، والذي لا يجب ذلك فيه كالعبادات الواجبة على الكافر، التي لا يجب عليه قضاؤها إذا أسلم، وإن وجب مثلها على المرتد إذا أسلم عند من يقول بذلك، وكالصلاة المتروكة في أول الوقت وسطه إذا عرض الحيض والغلبة، وما يمنع من إيقاعها في باقي الوقت، وأمثال ذلك من سقوط قضاء فرض الجمعة والأضحية ورمي الجمار، عند من لم يوجب قضاء هذه الفوائت بمضي أوقات من أهل المدينة والعراق. فأما اعتلال المخالف في ذلك بأن القربة نفس الفعل، ولا معتبر بالوقت، فإنه منتقض بالقربة في المكان، كالوقوف بغير عرفة، والصلاة إلى غير القبلة، وقبل دخول الوقت، والصيام في غير الشهر، إلى أمثال ذلك مما يطول تتبعه، فسقط ما قالوه. وأما اعتلالهم بأنه لما ثبت وجوب الفعل لم يجز إسقاطه بمضي الوقت، كما لم يجز سقوط الدين المؤجل عند انقضاء أجله. فإنه باطل، لأن التأخير والتعجيل في الديون لا يدخل لإسقاط المال. وإنما دخل لتأخير المطالبة به. فإذا انقضى الأجل/ ص ٢٥٠ حلت وعادت المطالبة كما كانت، ولأنه لابد من إيصال الدين إلى مالكه، وانقضاء مدة التأجيل لا تمنع من إمكان ذلك. وتعليق العبادة بالوقت

стр. 670

كتعليقها بالمكان والشخص. وقد تكون المصلحة له فعلها في الوقت دون ما قبله وبعده. فاقترق الأمران من كل وجه.
следующие страницы →