Полный текст (1 232 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
فأما الأدلة فهو كل فعل (فعل) في وقت له إما موسع أو مضيق على ما قدمنا القول فيه.
стр. 667
باب
القول في أن قضاء الفائت فرض ثان
اعلموا - وفقكم الله - أنه لا مدخل للقضاء إلا في محدود وقته ترك فعله فيه لعذر أو غير عذر، أو عرض في وقته ما منع من إيجابه كالحيض، وما جرى مجراه من علة أو نوم.
وقد اختلف الناس في هذا الباب:
فقال قائلون: إن قضاء الفائت يجب بنفس للأمر به، فإن لم يفعله في الأول وجب فعله به في الثاني، ثم كذلك أبداً، كلما خرج عنه وقت لم يفعل الفائت فيه. ولا بد له فيما بعده.
قال محصلو علم هذا الباب: إنه لا يجب القضاء إلا بأمر ثان. وهذا هو الصحيح، وبه نقول.
стр. 668
والدليل على ذلك/ ص ٢٤٩ أن الأمر المؤقت مخصوص بما هو أمر به وبإيقاعه في ذلك الوقت بعينه، وليس بأمر بإيقاعه في غيره، ولا بإيقاع مثله في غير وقته، ولا تخيير بينه وبين فعل مثله في غير وقته. وقصر الأمر بالفعل على وقت بعينه كقصره علي إيقاعه في شخص بعينه ومكان بعينه ومكلف بعينه. وقد يكون إيقاعه في ذلك الوقت هو مصلحة للمكلف عند من علق التكليف بالمصالح وإيقاعه فيما قبله أو بعده مفسدة. وإذا كان ذلك كذلك كان المفعول في غير ذلك الوقت غير المأمور به. وخارجاً عما تضمنه الأمر، كما أن الصيام في غير رمضان، والوقوف بغير عرفة، وإيقاع الفعل في غير الشخص المأمور بإيقاعه فيه غير المأمور به. فكذلك فعل عمرو غير فعل زيد الذي أمر زيد به. وما لم يتضمنه الأمر فلا يجب به، وإنما يجب بغيره، ولو ساغ أن يجب بالأمر بعض ما لم يتناوله ويدخل فيه لساغ أن يجب به كل غير له لم يتناوله. فصح بذلك أن القضاء هو غير المقضي، ولا يجب بالأمر الماضي، وإنما يجب أن يوجب بغيره. والفائت والمتروك على ضربين:
стр. 669
فمنه ما يجب قضاؤه، ومنه ما لا يجب ذلك فيه.
فالذي يجب قضاؤه كثير، والذي لا يجب ذلك فيه كالعبادات الواجبة على الكافر، التي لا يجب عليه قضاؤها إذا أسلم، وإن وجب مثلها على المرتد إذا أسلم عند من يقول بذلك، وكالصلاة المتروكة في أول الوقت وسطه إذا عرض الحيض والغلبة، وما يمنع من إيقاعها في باقي الوقت، وأمثال ذلك من سقوط قضاء فرض الجمعة والأضحية ورمي الجمار، عند من لم يوجب قضاء هذه الفوائت بمضي أوقات من أهل المدينة والعراق.
فأما اعتلال المخالف في ذلك بأن القربة نفس الفعل، ولا معتبر بالوقت، فإنه منتقض بالقربة في المكان، كالوقوف بغير عرفة، والصلاة إلى غير القبلة، وقبل دخول الوقت، والصيام في غير الشهر، إلى أمثال ذلك مما يطول تتبعه، فسقط ما قالوه.
وأما اعتلالهم بأنه لما ثبت وجوب الفعل لم يجز إسقاطه بمضي الوقت، كما لم يجز سقوط الدين المؤجل عند انقضاء أجله. فإنه باطل، لأن التأخير والتعجيل في الديون لا يدخل لإسقاط المال. وإنما دخل لتأخير المطالبة به. فإذا انقضى الأجل/ ص ٢٥٠ حلت وعادت المطالبة كما كانت، ولأنه لابد من إيصال الدين إلى مالكه، وانقضاء مدة التأجيل لا تمنع من إمكان ذلك. وتعليق العبادة بالوقت
стр. 670
كتعليقها بالمكان والشخص. وقد تكون المصلحة له فعلها في الوقت دون ما قبله وبعده. فاقترق الأمران من كل وجه.
стр. 671
باب
القول في أن المريض والحائض والمسافر هل يلزمهم فرض صوم شهر رمضان وهل يكون ما يفعلونه من الصيام بعده إذا أفطروا قضاء أو فرضاً مبتدءاً؟
والذي تقوله في ذلك: إن المريض الذي يجهده الصيام والحائض لا يلزمهما قرض صيامه. وأن ما يفعلانه من الصيام بعد تقضيه فرض مبتدأ، وإن سمي ذلك قضاء اتساعاً ومجازاً.
فأما المسافر فإنه مكلف لصيامه ومخير بين الصيام فيه وفي غيره، فإن صامه أدى فرضه وبرئت ذمته. وإن صام شهراً بعده قام ذلك مقامه. وسبيل فرضه سبيل فرض الكفارات المخير فيها. وإنما رخص له في التخيير لمشقة السفر، ولو خير في ذلك المقيم لكان ذلك جائزاً. ولذلك ما لو صام المسافر لأدى فرضه، ولا معتبر بخلاف من يذكر عنه غير هذا من أهل الظاهر، لأنه خلاف السابق من الإجماع وما تظاهرت به الأخبار من أنهم كانوا يسافرون مع النبي ﷺ فمنهم الصائم ومنهم المفطر، فلا ينكر ذلك عليهم، ولا
стр. 672
يوجب على الصائم منهم القضاء. وإنما الخلاف في أيهما أفضل للمسافر الصيام أو الإفطار، فبطل هذا القول.
وقد زعم الكرخي أن حال المريض والمسافر سيان في لزوم الصيام لهما. وهذا خطأ، لأن من أجهده الصيام غير مكلف له، بل مخفف عنه لموضع الضرر الشاق، وكون الدين حنيفياً سهلاً، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. وليس على المسافر في الصيام من الخوف عليه والإجهاد له والمشقة مضرة مثل الذي على المريض، فافترقت حالاهما.
فإن قيل: لو كان المسافر مخيراً بين صيام رمضان وغيره لم يوصف صيامه بعد تقضيه بأنه قضاء، بل يجب أن يكون فرضاً مبتدأ كالكفارات المخير فيها التي لا يقال في كل شيء منها إنه قضاء لما ترك.
قلنا: هذا باطل/ لأنه إنما سمي قضاء مجازاً، وعلى معنى أن المسافر ترك صياما لو فعله لكان مؤدياً لفرضه تشبيهاً بمن ترك صيام شهر رمضان عامداً
стр. 673
مع تعين فرضه عليه، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة ولم يوصف فعل إحدى الكفارات قضاء لما ترك فعله منها للاتفاق على منع ذلك. وهذه مناظرة ومشاحة في عبارة وتسمية.
ولو قال قائل: لا اسمي صيامه قضاء. ولكن أقول صيام آخر كما قال الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولم يقل فقضاء أيام أخر لكان له ذلك.
ويدل على فساد التعلق بهذا وصف صيام الطاهر بعد الحيض عن رمضان بأنه قضاء. وإن لم يلزمها صيامه مع الحيض المانع من صحة صومه. فلو كان القضاء لا يجري إلا على فعل بدل من فرض ترك مع تعين وجوبه واستقراره لامتنع وصف صيام الطاهر بعد الحيض وخروج الشهر بأنه قضاء، فبطل ما قالوه.
فصل: وذكر عن الكرخى - أيضا - أنه قال: إن المسافر والمريض غير مخاطبين بصيام رمضان، بل فرضهما أيام أخر. وأنهما إذا فعلا الصيام ناب عن فرضهما، وأنهما في ذلك بمثابة معجل زكاة ماله في أنه أخرج غير واجب ينوب عن واجب إن بقي بصفة من يجب عليه الزكاة. وهذا باطل في المسافر، لأنه مخاطب بالصيام على ما بيناه، وهو صحيح في المريض، لأنه غير مكلف للصيام. فإذا صام ناب ذلك عن فرضه في أيام أخر كما تصح الزكاة قبل وقت وجوبها عند من رأى ذلك. وكما تجزاء صلاة الظهر عمن لم يبلغ ثم بلغ
стр. 674
والوقت باق إذا نواها ظهراً عند من قال ذلك في أمثال هذا. ويجب أن ينوي المريض -إذا صامه - صيام رمضان، ويتعذر عليه نية فرضه ووجوبه مع العلم بأنه غير واجب. ويلزم على هذا صحة قول من قال إن الفرض الموسع يجب بآخر الوقت، وإن فعل في أوله كان نفلاً، فإن نواه ظهراً أجزأه، وإن نواه نفلا لم يجزئه، ولا تصح منه نية وجوبه. وإن لم يقل بذلك وجب القول بأن المريض مخاطب بالصيام وإن أجهده. وإنما رخص له في إفطاره، وخير بين الصيام فيه وفي غيره، وأنه كالمسافر في سواء، ولذلك يكون مؤديا لفرضه إذا صامه.
فصل: وأما الحائض فإنها غير/ ص ٢٥٢ مكلفة للصيام مع الحيض. والدليل على ذلك استحالة التقرب بالصيام مع الحيض. وامتناع دخول إزالته تحت قدرتها. فليست في ذلك كالكافر والمحدث الذين يستحيل منهما التقرب بالصلاة مع الكفر والحدث لكون خروجهما عنهما مقدوراً لهما، فوجب بذلك أن تكون غير مخاطبة بالصيام مع الحيض المانع منه، كما أنها غير مخاطبة به مع الغلبة والجنون وكل ما يزول معه العقل.
وكان الكرخي يوافق على أنها غير ملتزمة للصيام ومفارقة في ذلك للمسافر والمريض.
وقد زعم قوم من أهل العراق أنها مخاطبة بالصيام مع الحيض لما زعموا أن وصف فعل المريض للصيام بأنه قضاء يدل على أنه بدل من فرض لزم وتعين.
فقيل لهم: فصيام الحائض يوصف بأنه قضاء فيجب لزوم فرض رمضان لها
стр. 675
مع الحيض، فمروا على ذلك واعتلوا فيه بأنه قضاء. وقد دللنا نحن من قبل على فساد هذا القول بأنه محال وقوع التقريب بالصيام مع الحيض، وإزالته غير مقدور لها كسائر ما يدخل عليها مما يزيل التكليف، فبطل ما قالوه.
وإن قالوا: لو لم يجب عليها صيام رمضان لم يجب عليها قضاؤه، كما لم يجب عليها قضاء الصلاة لكونها غير واجبة عليها.
قيل: قد مر القول في أنه قضاء، وبينا أنه ليس كل واجب يجب قضاؤه.
وإن قيل: لو كان فرض الصيام ساقطاً عنها كسقوط فرض الصلاة لما وجب عليها عند الطهر.
قيل: وجوب الصيام عليها عند الطهر فرض مبتدأ، (ولو أوجب عليها الصلاة لصح، ولكان فرضا مبتدأ فثبت أن وجوب الصيام عليها عند الطهر فرض مبتدأ. ووجوب الشيء وإن سمي قضاء لا يدل على أن مثله كان لازما وسقوط مثل ما كان وجب. والتخفيف قي إزالة ابتداء فرض مثله لا يدل على أنه كان ساقطاً غير مفروض. وقد بينا هذا من قبل، فأغنى ذلك عن رده.
فإن قالوا: لو لم تكن مخاطبة بالصيام لسقط عنها قضاؤه، مجرى الكافر الذي لا يجب عليه قضاء الصيام إذا أسلم لكونه غير مأمور به في حال كفره.
قيل لهم: هذا باطل، لأن الكافر عندنا مخاطب بالصيام وسائر العبادات في حال كفره، وإن سقط عنه إذا أسلم قضاؤه تخفيفاً عنه، ولما الله أعلم به. ولكونه/ص ٢٥٣ متمكنا من مفارقة الكفر. وكونه مكتسبا له. والحائض غير مأمور بالصيام
стр. 676
لكونها غير متمكنة من مفارقة الحيض. وكونها غير مكتسبة للطهر منه وإن وجب عليها مثله الموصوف بأنه قضاء. فبطل ما قالوه.
وإن قالوا: إن لم تؤمر الحائض بصيام الشهر لم يلزمها نية القضاء فيما تصومه، كما لا يلزمها ذلك في كل فرض مبتدأ. ولما اتفق على وجوب هذه النية عليها تبين أنها مخاطبة بالصيام.
يقال لهم: إن عنيتم بنية القضاء أنها تنوي إنه كان واجباً عليها الصيام مع الحيض المحيل للتقرب به مع حصوله، فذلك باطل. وإن عنيتم بنية القضاء أنها تنوى أن صيامها هذا إنما لزمها لأجل سبب عرض منع من إلزامها صيام شهر رمضان، ولو لم يعرض لكان ذلك فرضها كان ذلك صحيحاً، وليست هذه النية موجبة لكون رمضان واجباً عليها.
فإن قيل: فيجب على البالغ أن ينوي الفرائض المبتدأ وجوبها عليه قضاء لما لم يفعله قبل البلوغ بمعنى أنه لم يلزمه ذلك لسبب عرض لولاه لكان من المكلفين لفعله.
يقال لهم: إنما نمنع ذلك لمنع الأمان منه، ولأجل أن الطفل ليس من أهل التكليف أصلاً للصيام ولا لغيره. والحائض من أهل التكليف للزوم عبادات كثيرة لها. وإنما عرض لها أمر منع من صحة صيامها وصلاتها وخطابها بهما، فافترق الحال في ذلك، وسقط ما قالوه.
стр. 677
باب
القول في أن خطاب الواحد أو الجماعة بالاسم الخاص لهم
وخطاب المواجهين مقصور عليهم إلا أن يدل دليل على دخول الغير فيه
قد بينا فيما سلف أن الواجب مع القول بالعموم إدخال كل من لحقه الاسم في الحكم بحق الإطلاق، وأن الخطاب الخاص للرسول ﷺ ، أو لغيره من الأشخاص يجب قصره عليه، إلا أن يدل على تناوله لمن عداه دليل بما يغني عن إعادته.
وبينا أن الأمة مجمعة على أن الخطاب بسائر العبادات لأهل عصر الرسول ﵇ لازم لمن بعدهم من أهل الأعصار. إذا كان ذلك كذلك علمنا أنهم
стр. 678
لم يجمعوا على ذلك إلا عن دليل وتوقيف جمعهم عليه. وأنهم إنما لم ينقلوه اكتفاء بحصول إجماعهم عليه، لأنه أكد من نقل الخبر لنفي الاحتمال عن الإجماع. وجواز دخوله في الخبر/ ص ٢٥٤.
ولا يجوز أن يكون الدال على دخل أهل الأعصار في الخطاب بالشرائع قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ وقوله تعالى: ﴿واتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ إن هذه الأسماء لا تجري إلا على موجودين بصفات مخصوصة، ولا يجري شيء منها على المعلوم باتفاق. فظاهرها إذاً لا يتناول من لم يوجد، وكذلك قوله : ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ وقوله ﷺ : "بعثت إلى الناس كافة حتى يقولوا لا إله إلا الله" وقوله ﷺ : "بعثت إلى الأحمر والأسود". وقوله
стр. 679
تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وإن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وأمثال هذا، لأنه خطاب مواجهة موجود لا مدخل للمعدوم فيه. فثبت أنه إنما يجب إدخال من لم يخلق ويوجد فيه بدليل وتوقيف غير هذا الخطاب. وكذلك فلا يمكن أن يكون ذلك إنما ثبت بالمروي من قوله ﵇: "أمري للواحد أمر للجماعة". وقوله ﵇: "حكمي على الواحد حكمي على الجميع" لأن الجماعة والجميع لا يكونون إلا موجودين غير معدومين، فثبت ما قلناه.
فصل: وكذلك فلا يجوز أن يكون خطابه تعالى للواحد من أهل عصر الرسول ﵇ والجماعة المخصوصة خطاباً لجميعهم، لأن الاسم مقصور على من
стр. 680
هو له دون غيره إذا قال يا زيد قم، أو يا أيها الإخوان، أو يا أيها الرجال أو العرب، ونحو ذلك. فإن دل دليل على مساواة من ليس الاسم له لمن هو له في الحكم صير إليه. بحق الدليل، لا بالخطاب الخاص. ولأن القائل بتعليق التكليف بالمصالح ممن قال بهذا يوافق على صحة اختلاف المصالح في فرائض الأعيان، كما تختلف في الأماكن والزمان، فلم يجز إدخال من لا يلحقه الاسم في حكم من هو له.
وقد يكون الدليل على ذلك توقيفاً على التساوي والمشاركة في الحكم. وقد يكون هو القياس إذا ورد التعبد به، وإذا هدد الأمرين في عين أو أعيان مخصوصة لمعنى تعلق الحكم به وأمرنا بالاعتبار والقياس وجب أتباع ذلك المعنى وإثبات الحكم في كل من هو فيه، وإلا بطل الأمر بالقياس/ ص ٢٥٥ وفسد معناه. ولو نص لنا على أن الحكم متعلق بالعين بمعنى في العين والشيء والمذكور. ولم يتعبد بالقياس لم يجب إجراء الحكم في كل من هو فيه. وإنما كان يفيد النص على تعليله إنه إنما حرم أو حل لذلك المعنى. وقد يحل وحده لذلك المعنى لتعلق المصلحة بتحليله بحصوله فيه. وإن لم يتعلق بحصوله في غيره، ولما نذكره ونبينه فيما بعد في فصول القول في القياس ولأجل التوقيف أو التعبد بالقياس حكمت الصحابة ﵃ على كل زان بحكمه على
стр. 681
ما عز في وجوب الرجم، وفي كل جنين مستهل بحكم حمل بن مالك. وفي المفوضة إلى قصة بروع بنت واشق التي لم يفرض لها صداق، وفي أخذ الجزية من المجوس إلى قوله ﷺ : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" فتارة يرجعون في ذلك إلى النص على مساواة من لم يتناوله الاسم
стр. 682
لمن تناوله، وتارة إلى القياس على المعنى. وذلك ما لا بد منه. وإذا ثبت ذلك لم يجز أن يقال إن خطاب الواحد المخصوص والجماعة بها يخصها من الخطاب خطاب لجميع أهله العصر، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ لأن إرساله إليهم إنما يقتضي كونه مرسلاً إلى جميعهم فقط، ولا يقتضي إرساله إليهم بأحكام متساوية، ولأجل هذا صح كونه مرسلاً، إلى الحر والعبد، والذكر والأنثى، والحائض والطاهر، والمقيم والمسافر، وإن لم يوجب ذلك تساوي أحكامهم، وما أرسل به إليهم.
فإن قالوا: الإرسال يتضمن كون الرسول مرسلاً إلى جميعهم بالحكم الذي كلف أداءه.
قيل لهم: هذا معرف لجميعهم الحكم الواجب على جميعهم والحكم الواجب على بعضهم دون بعض. هذا موجب كونه مرسلاً إليهم. فأما أن يقتضي تساوي فرائض جميعهم فذلك باطل. ولذلك كان مرسلاً/ ص ٢٥٦ إلى الحر والعبد وإن اختلف فرضاهما. فبطل التعلق بالظاهر. وكذلك قوله تعالى: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ لأنه ينذر جميعهم بوجوب فرائض عامة على جميعهم وينذرهم بفرائض خاصة في بعضهم. والإنذار لا يقتضي تساوي الفرائض فيما اعلموه وانذروا به، ولا يجوز - أيضا - أن يكون الموجب لدخول الجميع في خطاب الواحد والنفر المخصوصين قوله تعالى: ﴿لأُنذِرَكُم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ لأن الإنذار لهم إعلام وتعريف، فهو يعرفهم ما يجب على جميعهم تارة، وما يختص بفرضية بعضهم أخرى، كما أنه منذر للحر والعبد باختلاف فرضيهما تارة، واستوائهما
стр. 683
في الفرض أخرى، فسقط التعلق بالظاهر.
فصل: وقد يجوز أن يكون مما يثبت به دخول الجماعة في خطاب الواحد ما روي من قوله ﷺ "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة". "وخطابي للواحد خطابي للجماعة" إذا تلقت الصحابة ﵃ ذلك عنه ﷺ . وأن يعلم أن هذا هو الموجب لتساويهم في الحكم إذا نقل إلينا نقلاً تقوم به الحجة. قاما إذا كان من أخبار الآحاد لم يعلم تساوي حكمهم به. وقد بينا من قبل أن ظاهر الخبرين لا يقتضي دخول من بعد أهل عصر النبي ﷺ في خطابهم، لأن الجماعة يجب كونهم موجودين غير معدومين.
فصل: ولا يصح التعلق في وجوب دخول جميع أهل عصر الرسول ﷺ في خطاب الواحد والنفر منهم بأنه ﵇ لما أراد تخصيص بعضهم بالحكم بين ذلك وقربه بما دل على تخصيصه به نحو تحليله لبس الحرير لعبد الرحمن بن عوف، وحظره ذلك على غيره، وتخصيصه بإجزاء
стр. 684
الجذع من المعز في الأضحية لأبي بردة، وقوله له: "لا تجزئ عنك ولا تجزئ" عن أحد بعدك" وقوله لمن تزوج على ما حفظه من القرآن هذا لك وليس لأحد بعدك". لأنه إنما قال ذلك ﵇ رفعا لتجويزهم المساواة في الحكم لما وجدوا أحكاما قد استووا فيها. وليرفع بذلك اعتقاد من اعتقد أن خطابه للواحد يدخل فيه الجميع. ولم يجب أن يقول مع ذلك في كل حكم خص به بعضهم. لأنه لم يغير من شاهد الحال على تسرع قوم إلى اعتقاد مساواة الجميع في الحكم. وعبر على ذلك في/ ص ٢٥٧ قصة المتزوج وقصة أبي بردة وعبد الرحمن. ولا يجوز جعل خطاب الواحد خطابا للكل. بمثل هذا المحتمل. فزال ما قالوه.
فصل: وقد بينا فيما سلف أن النبي صلي الله عليه وسلم لا يجب دخوله في
стр. 685
خطاب الأمة بظاهر الخطاب الخاص لهم أو لبعضهم، وإنما يدخل فيما يعمه وإياهم من الأسماء إن ثبت القول بالعموم بها يغني عن رده.
ولا يجوز لأحد التعلق في وجوب دخوله معهم في الخطاب برجوع الصحابة إلى العمل بأفعاله، لأنهم إنما يرجعون إليها بعد أن تبين لهم أنه بين ما شرع لهم بفعله. ولو لم يسنده إلى الأخبار بكونه بياناً، لذلك لم يجز الرجوع إليه على ما تبينه في أحكام أفعاله ﷺ ، وأنها على الوجوب أم لا.
ولا يمكن - أيضا - التعلق في ذلك بأنه لما خص بالموهوبة وغيرها. أفرد بلفظ لا يدخل فيه غيره، نحو قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ وأمثال ذلك. لأنه إنما يخص بمثل هذا اللفظ في الحكم إذا علم أنه قد تتسرع أمته أو قوم منها إلى اعتقاد مساواتهم له فيما خص به من ذلك. ولا يقال مثل ذلك في غيره مما خص به إذا علم أنه لا شبهة تدخل على أحد قفي اعتقاد مساواته له في الحكم الوارد باللفظ والاسم الخاص له، فزال التعلق بذلك.
وكذلك فلا يسوع التعلق في وجوب مساواته لهم في الحكم. وأن الشرع قد قرر ذلك بأنه كان ﵇ يبين ما يلزم غيره مما يذكر في حكم نفسه. فقال لأم سلمة في جواب من سألها أن تسأله عن القبلة للصائم. "ألا أخبرتيه أني
стр. 686
أقبل وأنا صائم".وقوله لها لما سألته عن الاغتسال: "أما أنا فأفيض الماء على رأسي" لأنه يجهز أن يكون قد ابتدأ. فأخبر أن حكمه وحكمهم في القبلة للصائم والاغتسال حكم سواء. فلما قرر ذلك عندهم ساغ أن يقول: "ألا أخبرتيه أني أنا أفعل كذا" فزال أيضا التعلق بهذا ونحوه لموضع احتماله لما قلناه.
стр. 687
باب
القول في الناس الأمر الصادر على جهة الوجوب إذا نسخ موجبه
هل يبقى جواز فعله بالأمر به أم لا ؟
قد زعم قوم من الفقهاء أن الأمر الواجب إذا نسخ وجوبه بقي جواز فعله بحق الأمر/ لأن في ضمن الأمر به - زعموا - جواز فعله لزيادة الوجوب على الجواز. فإذا رفع الوجوب بقي الجواز بالأمر.
والذي نختاره أن الأمر الواجب إنما يقتضي وجوب الفعل، ومعنى الوجوب ما قدمناه، من أنه الذي فيه مدح وثواب، وفي تركه وترك البدل منه استحقاق ذم وعقاب. وإذا كان ذلك كذلك لم يكن في ضمن الوجوب الجواز. لأن ما يجوز فعله ويجوز تركه إنما هو الندب والمباح، والندب عليه ثواب، وليس في تركه ذم ولا عقاب. والمباح هو الحلال المطلق، وهو الجائز فعله وتركه من غير ثواب في أحدهما. فمعنى الجواز مناقض لمعنى الوجوب. فكيف يكون أحدهما من مقتضى الآخر؟ فيجب إذا كان ذلك كذلك أن يكون نسخ الواجب رفعاً لجميع موجبه، وأن يعود الشيء بعد رفع وجوبه إلى ما كان عليه في العقل قبل وجوبه من جواز وقوعه بحكم العقل، نعني بذلك أنه لا ذم ولا مأثم ولا ثواب في إيقاعه
стр. 688
من جهة العقل.
ولو قال لهم قائل: الواجب إذا رفع وجوبه بقي ندباً. لأن في ضمن إيجاب الشيء الندب إليه والفضل في فعله. وإذا رفع الوجوب بقي له موجبان الندب والجواز لم يجدوا من ذلك فصلا، والقول بهذا في الندب أولى لأن الأمر اقتضاء الفعل، والفعل قد يقتضي على وجه الندب كما يقتضي على وجه الوجوب. ومحال أن يوجب علينا الشيء من لا يندبنا إليه فيجب إذا نسج الوجوب أن يبقي ندباُ، ومقتضى بنفس الأمر المنسوخ. والقول بهذا أقرب من القول ببقاء إباحته وجوازه بعد نسخ وجوبه. ويجب أن يقال في هذا أن الأمر اقتضى الفعل والإطلاق. والجواز ليس باقتضاء للفعل على ما بيناه في أن المباح غير مأمور به، فصار موجبه زائداً على موجب الإباحة، فوجب بذلك صحة ما قلناه.
стр. 689
باب
القول في أن الندب إلى صفة الفعل التي لا يصح كونه عليها
إلا مع وجوده هل تدل عله وجوبه أم لا؟
وقد زعم قوم أن الندب إلى صفة الفعل دال على وجوب نفس الفعل.
واعتلوا/ ص ٢٥٩ لذلك بأنه لا تصح صفته إلا مع وجوده ويحصل فعله، فوجب أن يدل الندب إلى صفته على وجوب ذاته. وذلك نحو أن يقول قد ندبتك إلى الجهر في قراءتك وإلى ترك العمل في صلواتك، وإلى المبالغة في الاستنشاق والسعي والهرولة بين الصفا والمروة. وأمثال ذلك.
وقال قوم: هذا ليس بصحيح، بل يجب أن يدل الندب إلى صفة الفعل على أنه مأمور به وبإيقاعه على صفة ما أمر بصفته.
قالوا: ويدل على ذلك أن إيجاب صفة الفعل أو إيجاب جزء منه يدل على إيجابه، وأنه بمثابة ما هو بعض وصفة له. ولذلك ما إذا وجب الركوع والسجود في الصلاة دل ذلك على وجوب نفس الصلاة. فإذا وجب الإحرام بها وجبت لا محالة، فصار الأمر بصفة الشيء يدل على أنه مأمور به على وجه ما الأمر أمر بصفته.
والذي نختاره في هذا أن الندب إلى صفة الفعل لا يدل بمجرد على أن
стр. 690
الفعل واجب ولا على أنه ندب.
والذي يدل على ذلك أننا قد نندب إلى صفة ما هو واجب في نفسه. ولذلك "ما" صح أن يكون من صفات الوضوء والصلاة، وغيرهما من الواجبات ما هو مسنون وما هو مفروض. وقد يندب إلى صفة ما هو ندب في نفسه. فلو قال: قد ندبتك إلى صلاة ركعتين وإلى إطالة القيام أو القراءة فيهما لكأننا وصفناهما مندوبين إليهما. فإذا ثبت ذلك لم يكن الندب إلى صفة الفعل بدال على أنه واجب في نفسه أو ندب، بل ذلك معلوم بغيره.
فأما إيجاب صفة الفعل وإن سقط فرضه فصحيح أيضاً بأن يقال: قد ندبك إلى الصلاة والصيام، وجعلنا لك ثوبا على فعلهما ولك تركهما وإذا أردت فعلهما ندبا فقد أوجبنا عليك النية والإحرام وترك الأكل والجماع. وإن لم ترد ذلك لم يجب عليك شيء من صفاتهما، فوجب بما وصفناه. أن لا يدل الندب إلى المبالغة في الاستنشاق وصفة السعي بين الصفا والمروة، وغير ذلك من صفات الأفعال على وجوب نفس المندوب إلى صفته.
فصل: ومتى علم من حال إيجاب الشيء أو إيجاب صفته أنه مقصود به إيجاب ما هو من جملته وصفته وجب القطع على وجوب نفس الفعل. فلهذا دل قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ /ص ٢٦٠ على وجوب نفس الصلاة التي هما من جملتها. ودل قوله تعالى: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ على
стр. 691
وجوب صلاة الفجر، وأمثال ذلك من إيجاب الحلاق والإحرام في الحج على وجوب الوقوف، وكل شيء وجب لأجل غيره. وكان غيره هو المقصود بإيجابه، فإنه دليل على وجوب ذلك الغير.
стр. 692
باب
القول في معنى أوجب الواجبين وآكد النفلين
قد نبهنا - فيما يظن - على هذا الباب في معنى قولنا حسن أحسن من حسن وقبيح أقبح من قبيح. فإن ذلك يرجع إلى إجزال الثواب على أكد الواجبين، وكثرة عقاب أحد القبيحين. وعلى هذا المعنى يجب أن يقال: إن أحد الواجبين أوجب من الآخر، يراد به أن الثواب والمدح عليه أكثر. وكذلك القول في معنى أكد الندبين. وعلى هذا التأويل يكون الإيمان بالله أوجب من الصلاة والزكاة. وأن ركعتي الفجر وصلاة الوتر أكد من صلاة الضحى. وأن التصدق على الأمن الضرير الشديد الفاقة أفضل من التصدق على الصحيح القليل الفاقة. وكذلك فقد يشترك الشيئان في الوجوب ويكون أحدهما أحسن من الآخر ويشتركان في كونهما ندبين. ويكون أحدهما أحسن من الآخر، لأن المخفف لصلاته مؤد لما وجب عليه. وكذلك المطيل فيها قد أدى الواجب، واحدهما أحسن من الآخر، وكذلك المتنقل قاعداً وقائماً بركوع وسجود تامين متنقل، وأحد للنفلين أحسن من الآخر.
فإن قال قائل: فما قولكم لو لم يجعل الله تعالى على شيء مما أوجبه وفرضه وندب إليه ثواباً وتعظيماً أكثر من الثواب والتعظيم على واجب آخر ونفل آخر. فهل كنتم تقولون إن من الواجبات ما هو أوجب أو أكد من غيره، وإن في النفل المتساوي المدح والثواب عليه ما هو أكد من غيره؟
стр. 693
قيل له: لا، لأنه ليس معنى أكد النفلين وأوجب الواجبة أكثر من / ص ٢٦١ أن ما علي أحدهما من التعظيم والثواب أكثر مما على الآخر. وإذا سقط هذا المعنى لم يجز إثبات واجب أوجب من واجب، ولا نفل أكد من نفل، سيما وقد بينا أن تعلق جميع الأوامر بالأفعال تعلق واحد غير مختلف ولا متزايد.
فصل: وقد قيل: إن المؤكد من السنن كالوتر وركعتي الفجر موصوف بأنه مسنون، والضحى والتطوع بركعتين نفل، للفصل بين المؤكد من النوافل، وبين ما قصر عن رتبته.
فصل: ولا يجوز أن يقال: إن أحد الواجبين أوجب وأحسن من الأخر على تأويل أنه يحتاج إلى فعل فرائض قبله لا يتم إلا بها. وأن هذا هو تأويل القول بأن الإيمان أوجب من الصلاة، لأن الصلاة وأكثر العبادات لا تصح إلا بعد فعل واجبات آخر من طهارة ونية وقطع مسافة وستر عورة، إلى أمثال ذلك. وبعضها مع الاشتراك في ذلك ذلك اوجب من بعض، فسقط هذا التأويل على أن هذا الاعتلال والتأويل يوجبان أن تكون الصلاة وما جرى مجراها من القرب أولى من الإيمان. لأنها تحتاج من المقدمات المفروضة حتى يصح التقرب بفعلها أكثر مما يحتاج إليه الإيمان بالله. لأن الإيمان به ومعرفته إنما تحتاج إلى تقديم النظر
стр. 694
فقط، وما عداه من للصلاة وغيرها يحتاج على فعل النظر، وإلى المعرفة والعلم بالنبوة، وما لا تصح الصلاة إلا به مما يكثر تعداده. وإذا لم يجب ذلك بإجماع سقط ما قالوه.
وقد بينا فيما سلف أنه لا يصح تفاضل الأمرين الموجبين لفعل واحد أو لفعلين في تعلقهما بالمأمور به، وأنهما يتعلقان به على وجه واحد كتعلق القدرة والعلوم، ولأن تعلقهما إن تعلقا بفعل واحد أو اثنين إنما هو إيقاع الفعل، وإيقاع الأفعال لا يصح التزايد والاختلاف فيه. فلم يكن للقول واجب أوجب من واجب، وسنة أكد من فعلى نفل من المعنى إلا ما ذكرناه.
فصل: فإن قيل: فأجيزوا صدقا أصدق من صدقه وكذبا أكذب من كذب، قياسا على صحة واجب /ص ٢٦٢ أوجب من واجب.
يقال لهم: هذا باطل، لأن صادقا وكاذبا مشتق من الصدق والكذب القائمين بالموصوف بهما. والصدق والكذب كلام، لا يصح أن يصدقا ويكذبا حتى تقوم المعاني بهما. فبطل ما قالوه.
ولأن الصدق إنما هو الخبر عن الشيء على ما هو به. وكل خبر عنه على ما هو به فهو متناول له على حد تناول غيره له كذلك. وكذلك الكذب إنما هو خبر عنه على خلاف ما هو به. والاختلاف في هذا التعلق لا يصح، فافترق الأمران.
стр. 695
ولكن يجوز أن يكون صدق أوجب وأحسن من صدق أخر، وكذب أقبح من كذب غيره إذا تعاظم الثواب والمدح على أحد الصدقين، والعقاب والذم على أحد الكذبين، على ما أصلناه في هذا الباب.
فإن قيل: أيجوز وجود صادق أصدق من صادق، وكاذب أكذب من كاذب.
قيل له: إن أريد بذلك في مخبر واحد يتناولانه تناولًا واحدًا، فذاك محال على ما قلناه من قبل، وإن عني بأصدق الصادقين، وأكذب الكاذبين أن أحدهما أكثر صدقًا من الآخر، وأكثر كذبًا، فذاك جائز صحيح، على ما بيناه في الكلام في الأصول.
وقد يقال: إن أحد الشخصين أصدق من الآخر على التجوز بإدخال حرف المبالغة في الكلام. وبمعنى إن أحدهما هو الصادق دون الآخر. وعلي هذا تناول قولهم زيد أحق بملكه من منازعه. والنبي ﷺ أصدق من مسيلمة. يراد انفراد أحدهما بالصدق دون صاحبه.
стр. 696
باب
القول في أن النبي ﷺ اذا أوجب عليه
أن يوجب على غيره شيئًا أو يأخذ منه شيئًا (دل ذلك على
وجوب الفعل) على المأمور وتسليم المطلوب .
اعلموا - وفقكم الله - أن النبي ﷺ إذا امر بأن يوجب على غيره فعلًا دل ذلك على أن الله تعالى قد أوجب على من أمره امتثال أمره من جهة المعنى لأجل ما ألزمناه من طاعته فيما أوجبه، ومحال أن يوجب عليه أن يوجب على غيره الفعل، ويجعل له الامتناع منه، فلذلك إذا أوجب عليه أخذ الزكاةً من الأغنياء ووضعها في الفقراء/ ص ٢٦٣ دل ذلك على وجوب تسليم ما أوجب عليه أخذه، ولو لم يكن ذلك كذلك لكان يصح أن يكون النبي ﵇ مأمورًا بالأخذ، ويكون لمن أمره بالتسليم المنع له، أو أن يكون مأمورًا بالامتناع من الدفع، والنبي ﵇ مأمور بالأخذ.
وهذا بعيد في التكليف، وليس وجه بعده أنه محيل لمعنى أحد الأمرين أو أمر المكلف بجمع الضدين، ولكن الشرع قد قرر منع ذلك، ووجوب تسليم ما يؤمر
стр. 697
النبي ﷺ بأخذه ولو جعل للمكلف الامتناع مما يطالب النبي ﷺ بتسليمه لكان تكليفًا صحيحًا، ولكن فيه - باتفاق - تنفير من طاعته? وتصغير من شأنه إذا شرع الخلاف عليه، والامتناع مما يطالب بفعله فامتنع ذلك في حقه وحق أمته? حراسة لمكانه وتعظيمًا كأنه.
وإلا فقد يصح مثل هذا التكليف في حكم غيره، وقد ردد الشرع به وجعل للزوج المطالبة لزوجته بالتمكين من الوطء والاستمتاع إذا قال قولًا لا يرى تحريمها عليه به، ولزمها هي الامتناع من ذلك إذا رأت أنه قول محرم لها. وأوجب على الشهود إقامة الشهادةً، وعلى المشهود له المطالبة بقبولها. وأوجب على الحاكم الامتناع من قبولها والحكم بها إذا لم يؤده الاجتهاد إلى وجوب سماعها والحكم بها، وكذلك فقد جعل لمن يرى أن له حقًا ومالًا على زيد أن يطالبه به، وأمر المطالب بالامتناع من الدفع إذا رأى أن ذلك لا يجب عليه، في أمثال هذا مما يكثر تتبعه. فثبت أن مثل هذا التكليف في النبي ﵇ والأمةً غير محال لولا ما ذكرناه من التنفير عنه، وتقرير الشرع لوجوب دفع ما يلزم تسليمه.
ولا يجوز التعلق في إحالة ذلك بأنه بمثابة الإيجاب للفعل في حال الإباحة لضده، لأنه تشبيه باطل، لأن إباحة ضد الشيء لمن أوجب عليه نقض لمعنى إيجابه عليه لا شبهة فيه. ومحال كون الشيء واجبًا غير واجب، وليس إيجاب المطالبة بالأخذ للشيء لشخص والأمر للمطالب بالامتناع تناقض للإيجاب عليهما / ص (٢٦) ٤ ولا على أحدهما، لأنها أمران بفعلين غيرين في حق مكلفين فافترقت الحال في ذلك.
стр. 698
وكذلك فلا يجوز أن يعتل لإحالة ذلك بأن يقال: إنه إذا أمر بأخذ الشيء من غيره، ولم يتم أخذ ما أمر بأخذه إلا بتسليم المأخوذ منه، وجب على المطالب بذلك التسليم? لأنه مما لا يتم فعل الواجب على النبي ﷺ إلا به وما لا يتم فعل الواجب إلا به واجب كهو لأجل أنه لو قدر ورود الشرع بذلك لكان إنما يجب على النبي ﷺ المطالبةً بالتسليم لا نفس التسليم. فإذا أمر المطالب بالامتناع من التسليم، ثم ما أمر على النبي ﷺ بفعله من المطالبةً، وما أمر المطالب من الامتناع، لم يدخل ذلك في تكليف المحال.
стр. 699
باب
القول في أن الزيادة على قدر ما يتناوله اسم الشيء
المأمور به إذا فعل هل هو واجب أم ندب ؟
اختلف الناس في هذا الباب.
فقال قائلون: إنه إذا قيل اركعوا واسجدوا? واقرؤوا ما تيسر من القرآن? وأمثال هذا? فإن قدر الواجب منه أقل ما يجب به اسم ركوع وسجود وقراءة? وما زاد على ذلك من الإطالة والمداومة نفل.
وقال آخرون: بل كل ذلك واجب.
والأولى عندنا في ذلك أن يكون الواجب منه أول ما يلزم به الاسم.
والدليل على ذلك أنه إذا فعله أدى الواجب وبرئت الذمة، فوجب أن يكون هو قدر ما وجب عليه ويدل على ذلك أن الأمر إنما يتضمن من الفعل قدر ما
стр. 700
يستحق به الاسم، وما زاد على ذلك محتاج إلى دليل لما بيناه من أن الأمر بالفعل لا يقتضي الدوام والتكرار، وكذلك لا يقتضي الإطالة والمداومة عليه، وإنما يجب الخروج من الواجب بأقل ما يتناوله الاسم.
ويدل على ذلك - أيضًا - إن ما زاد على قدر ما يتناوله الاسم فإن للمكلف تركه لا إلى بدل ينوب منابه، ولا على أن يفعل مثله فيما بعد، وهو مثاب بفعله. وهذه صفةً الندب، والفرق بينه وبين الفرض، وهو أنه مثاب فاعله وله مع ذلك, تركه لا إلى بدل يقوم مقامه، ولا على أن يفعل مثله من بعد / ص ٢٦٥ فوجب أن تكون الإطالة والمداومةً نفلًا غير فرض. ويبين هذا إنه لما كان صيام جميع الشهر وجميع أجزاء اليوم مستحقًا واجبًا وجب بترك البعض منه. فكذلك لو وجب إطالة القراءةً والركوع والسجود للزم الذم بترك ذلك. وهذا باطل.
فأما من قال: إن ذلك واجب، فقد زعم إنه وإن كان واجبًا، فإنه مخير بين فعله وتركه. وقوله بالتخيير فيه، وأن له تركه بغير بدل، ولا على أن يفعل مثله فيما بعد هو الذي يوجب كونه نفلًا، على ما قلناه.
ويقال لمن قال ذلك: لم قلت إن الزائد على قدر ما يتناوله الاسم واجب كوجوب الابتداء المستحق به الاسم؟
فإن قال: لأنه لما لم يخص قدرًا منه وجب من جميعه واجبًا. وكان بمثابة قول من قال لوكيله وغيره تصدق من مالي في أن له التصدق بأقل ما يستحق به اسم متصدق من الدانق والدرهم، وله التصدق بالألف وما زاد عليها.
يقال له: الخلاف في هذا واحد، فما أنكرتم أن لا يكون للمأمور بذلك إلا التصدق بقدر ما يستحق به الاسم وأن للآمر منعه مما زاد على ذلك. وقد يمكن
стр. 701
أن يفرق بين الأمرين بأن العادةً في الآمر منا بالصدقة أنه إذا أراد التصدق بقدر منه معلوم محلول خصه بالذكر وقدّره وحدّه? وأنه متى عدل عن ذلك فقد أطلق للمأمور التصدق بما شاء من ماله. وليس مثل هذه العادةً في أوامر الشرع فافترق الأمران.
فإن قالوا: إذا اتفقنا على أن ابتداء الفعل واجب وجب أن تكون الإطالة فيه ((والثبات عليه واجبًا كهو)) كان ذلك باطلًا من الاعتلال، لأنه إنما أوجب الابتداء لموضع المنع من تركه ولحوق الإثم فيه، وليس كذاك الثبات عليه، لأن له تركه بغير شيء يقوم مقامه، ولا على أن يفعل مثله من بعد، فافترق الأمران.
وقالوا - أيضًا - قد اتفق على أنه لا يجوز أن يكون بعض الركوع والسجود المفروضين فرضًا وبعضه نفلًا، فوجب كونه فرضًا كله. وهذا باطل، لأن الركوع والسجود الواجبين لا يكون منه لعمري واجب ونفل، ولكن الواجب منهما أقل ما يتناوله الاسم، وما زاد على ذلك - وإن سمي مع قدر الواجب ركوعًا وسجودًا - فليس بواجب بل نفل. فلا وجه لدعوى الإجماع على أنه لا يجوز أن يكون من الركوع والسجود واجب ونفل، كما أنه لا وجه لدعوى من ادعى / ص ٢٦٦ أنه لا يجوز أن يكون في صلاة الظهر فرض ونفل. وإذا كان ذلك كذلك صح ما قلناه. ومع هذا فلا يمتنع أن يقرر الشرع ويوقف الرسول ﵇ على وجوب أقدار زائدةً على ما يتناوله الاسم بقوله ولفعله، وما يكون من بياناته، وإنما ينكر الإيجاب لذلك بمجرد الإيجاب للفعل ونفس الأمر به، فلذاك قال أكثر الناس إنه لا يجب من الركوع والسجود أكثر من قدر الجزء الأول. ومن القراءةً أكثر
стр. 702
من ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ فإن كان ذلك قدرًا يتناوله الاسم يستحق به فيجب ترتيب ذلك على ما نزلناه.
стр. 703
باب
القول في أن الأمر بالفعل يتناول المكروه فعله أم لا ؟
قد زعم بعض من تكلم في هذا الباب أن الأمر بالفعل يتناول ما يقع عليه الاسم وإن كان مكروهًا. واحتج بهذا الأصل على جواز طواف الحدث بقوله سبحانه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ قال: وجواز الطواف مراد واللفظ يتناوله فجاز فعله وصح، بان وقع على الصفة المكروهة من مقارنة الحدث.
وهذا خطأ لأننا قد بينا فيما سلف أنه إذا رفع الفعل ونسخ وجوبه لم يبق جوازه، لأنه ليس في ضمن الوجوب. وإذا ثبت ذلك بما وصفناه كان دخول المكروه تحت الأمر أبعد، لأجل أن المكروه منهي عن فعله. والطواف المذكور في الآية مأمور به. والأمر بالشيء لا يقتضي الفعل المنهي عنه ولا نفس الفعل المأمور به بشرط الطهارة هو مقرونا بها. والذي يقع منه عاريًا منها غير الواقع لشريطتها ومقارنا لها. وإذا كان غيره أولى منه وكان منهيًا استحال أن يكدن الأمر مقتضيًا له، وأن يكون من موجبه، ومع ذلك فلا ينكر قيام دليل على وقوعه موقع الأمور به غير نفس الأمر، نحو ما دل على إجزاء الصلاة في الدار
стр. 704
المغصوبة مع النهي عنها، ووقوع طلاق البدعة موقع طلاق السنة المأمور به في أمثال هذا مما دل الدليل على وقوعه موقع المأمور به.
ويدل على تغاير ما بين ما أمر به بشرط الطهارة وبين ما وقع خاليًا منها أن العاري منها قبيح محظور فعله، وما وقع عليها حسن مأمور به ومحال / ص ٢٦٧ دخول القبيح الأمر بالفعل والاقتضاء له مع كونه ممنوعًا فصح ما قلناه.
فإن قالوا: نفس الطواف مراد مأمور به، لأن الأمر يتناوله? والكراهةً والنهي إنما يتعلقان بفعل أخر، وهو ترك الطهارةً الذي كره تركه وأمر باجتنابه. فصار المراد عين المكروه? والمأمور بهه الحسن غير المنهي عنه القبيح? فسقط ما قلتم.
قيل لهم: هذا باطل، لأجل أن النهي عن ترك الطهارة، إنما هو لأجل أنه أمر يرجع إلى وجوب الطواف، وقد حظر فعله مع الحدث وترك الطهارة، كما أنه إذا أمر بالصلاة بطهارةً أن يقال أن نفس الصلاة هي المرادة الأمور بها. فإذا فعلت مع الحدث وترك الطهارة كانت حسنة مرادةً مأمورًا بها. وكانت الكراهةً والنهي راجعين إلى ترك الطهارة وإزالة الحدث، وذلك فعل أخر غير جنس الصلاةً، وهذا باطل وتلاعب من قائله، فسقط ما قالوه. ويجب على هذا أن تكون نفس الصلاة للمسيح والنيران حسنة مرادة مأمورًا بها وإن وقعت كذلك، وأن تكون الكراهة والنهي إنما يتعلقان بنفس الإرادة لفعله للنار لأن الإرادة للنار بها غير نفس الصلاة المأمور بإيقاعها، وهذا خبط وتخليط وخروج عن إجماع الأمة ممن بلغه، فبطل التعلق بذلك.
стр. 705
باب
الكلام في أنه يجوز بإيقاع الفعل على صفة
النهي عن إيقاعه على غيرها أم لا ؟
اختلف الناس في هذا الباب.
فقال الجمهور من الفقهاء: إن ذلك جائز صحيح.
وقال بعض المتكلمين: إن ذلك غير جائز، وزعم أن الأمر بالفعل والإرادةً له لا يجوز أن يكونا مشروطين. وهذا نحو أمر الله سبحانه للعبد بفعل السجود طاعةً له تعالى وقربةً إليه وإرادته به. ونهيه عن فعله للشيطان، والتقرب به إليه.
فقال المجيزون لذلك: إن الأمر بأن يفعل السجود طاعةً له وقربةً إليه تعالى أمر بفعله، وفعل إرادة تقارنه لله سبحانه بالعمل. والنهي عن فعله للشيطان نهي عن فعله مع إرادةً تقارنه للشيطان وطلبٍ إليه، وكأنه على هذا قال له: افعل هذا السجود وافعل معه إرادة لله بالعمل. ولا تفعل معه إرادةً للشيطان، فيكون النهي عنه غير السجود المأمور به، ويجب على هذا القول أن يكون النهي راجعًا إلى فعل الإرادةً للشيطان به لا نفس السجود للشيطان.
следующие страницы →