← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17883

التقريب والإرشاد (الصغير)

الباقلاني

Полный текст (1 232 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

أن يفرق بين الأمرين بأن العادةً في الآمر منا بالصدقة أنه إذا أراد التصدق بقدر منه معلوم محلول خصه بالذكر وقدّره وحدّه? وأنه متى عدل عن ذلك فقد أطلق للمأمور التصدق بما شاء من ماله. وليس مثل هذه العادةً في أوامر الشرع فافترق الأمران. فإن قالوا: إذا اتفقنا على أن ابتداء الفعل واجب وجب أن تكون الإطالة فيه ((والثبات عليه واجبًا كهو)) كان ذلك باطلًا من الاعتلال، لأنه إنما أوجب الابتداء لموضع المنع من تركه ولحوق الإثم فيه، وليس كذاك الثبات عليه، لأن له تركه بغير شيء يقوم مقامه، ولا على أن يفعل مثله من بعد، فافترق الأمران. وقالوا - أيضًا - قد اتفق على أنه لا يجوز أن يكون بعض الركوع والسجود المفروضين فرضًا وبعضه نفلًا، فوجب كونه فرضًا كله. وهذا باطل، لأن الركوع والسجود الواجبين لا يكون منه لعمري واجب ونفل، ولكن الواجب منهما أقل ما يتناوله الاسم، وما زاد على ذلك - وإن سمي مع قدر الواجب ركوعًا وسجودًا - فليس بواجب بل نفل. فلا وجه لدعوى الإجماع على أنه لا يجوز أن يكون من الركوع والسجود واجب ونفل، كما أنه لا وجه لدعوى من ادعى / ص ٢٦٦ أنه لا يجوز أن يكون في صلاة الظهر فرض ونفل. وإذا كان ذلك كذلك صح ما قلناه. ومع هذا فلا يمتنع أن يقرر الشرع ويوقف الرسول ﵇ على وجوب أقدار زائدةً على ما يتناوله الاسم بقوله ولفعله، وما يكون من بياناته، وإنما ينكر الإيجاب لذلك بمجرد الإيجاب للفعل ونفس الأمر به، فلذاك قال أكثر الناس إنه لا يجب من الركوع والسجود أكثر من قدر الجزء الأول. ومن القراءةً أكثر

стр. 702

من ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ فإن كان ذلك قدرًا يتناوله الاسم يستحق به فيجب ترتيب ذلك على ما نزلناه.

стр. 703

باب القول في أن الأمر بالفعل يتناول المكروه فعله أم لا ؟ قد زعم بعض من تكلم في هذا الباب أن الأمر بالفعل يتناول ما يقع عليه الاسم وإن كان مكروهًا. واحتج بهذا الأصل على جواز طواف الحدث بقوله سبحانه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ قال: وجواز الطواف مراد واللفظ يتناوله فجاز فعله وصح، بان وقع على الصفة المكروهة من مقارنة الحدث. وهذا خطأ لأننا قد بينا فيما سلف أنه إذا رفع الفعل ونسخ وجوبه لم يبق جوازه، لأنه ليس في ضمن الوجوب. وإذا ثبت ذلك بما وصفناه كان دخول المكروه تحت الأمر أبعد، لأجل أن المكروه منهي عن فعله. والطواف المذكور في الآية مأمور به. والأمر بالشيء لا يقتضي الفعل المنهي عنه ولا نفس الفعل المأمور به بشرط الطهارة هو مقرونا بها. والذي يقع منه عاريًا منها غير الواقع لشريطتها ومقارنا لها. وإذا كان غيره أولى منه وكان منهيًا استحال أن يكدن الأمر مقتضيًا له، وأن يكون من موجبه، ومع ذلك فلا ينكر قيام دليل على وقوعه موقع الأمور به غير نفس الأمر، نحو ما دل على إجزاء الصلاة في الدار

стр. 704

المغصوبة مع النهي عنها، ووقوع طلاق البدعة موقع طلاق السنة المأمور به في أمثال هذا مما دل الدليل على وقوعه موقع المأمور به. ويدل على تغاير ما بين ما أمر به بشرط الطهارة وبين ما وقع خاليًا منها أن العاري منها قبيح محظور فعله، وما وقع عليها حسن مأمور به ومحال / ص ٢٦٧ دخول القبيح الأمر بالفعل والاقتضاء له مع كونه ممنوعًا فصح ما قلناه. فإن قالوا: نفس الطواف مراد مأمور به، لأن الأمر يتناوله? والكراهةً والنهي إنما يتعلقان بفعل أخر، وهو ترك الطهارةً الذي كره تركه وأمر باجتنابه. فصار المراد عين المكروه? والمأمور بهه الحسن غير المنهي عنه القبيح? فسقط ما قلتم. قيل لهم: هذا باطل، لأجل أن النهي عن ترك الطهارة، إنما هو لأجل أنه أمر يرجع إلى وجوب الطواف، وقد حظر فعله مع الحدث وترك الطهارة، كما أنه إذا أمر بالصلاة بطهارةً أن يقال أن نفس الصلاة هي المرادة الأمور بها. فإذا فعلت مع الحدث وترك الطهارة كانت حسنة مرادةً مأمورًا بها. وكانت الكراهةً والنهي راجعين إلى ترك الطهارة وإزالة الحدث، وذلك فعل أخر غير جنس الصلاةً، وهذا باطل وتلاعب من قائله، فسقط ما قالوه. ويجب على هذا أن تكون نفس الصلاة للمسيح والنيران حسنة مرادة مأمورًا بها وإن وقعت كذلك، وأن تكون الكراهة والنهي إنما يتعلقان بنفس الإرادة لفعله للنار لأن الإرادة للنار بها غير نفس الصلاة المأمور بإيقاعها، وهذا خبط وتخليط وخروج عن إجماع الأمة ممن بلغه، فبطل التعلق بذلك.

стр. 705

باب الكلام في أنه يجوز بإيقاع الفعل على صفة النهي عن إيقاعه على غيرها أم لا ؟ اختلف الناس في هذا الباب. فقال الجمهور من الفقهاء: إن ذلك جائز صحيح. وقال بعض المتكلمين: إن ذلك غير جائز، وزعم أن الأمر بالفعل والإرادةً له لا يجوز أن يكونا مشروطين. وهذا نحو أمر الله سبحانه للعبد بفعل السجود طاعةً له تعالى وقربةً إليه وإرادته به. ونهيه عن فعله للشيطان، والتقرب به إليه. فقال المجيزون لذلك: إن الأمر بأن يفعل السجود طاعةً له وقربةً إليه تعالى أمر بفعله، وفعل إرادة تقارنه لله سبحانه بالعمل. والنهي عن فعله للشيطان نهي عن فعله مع إرادةً تقارنه للشيطان وطلبٍ إليه، وكأنه على هذا قال له: افعل هذا السجود وافعل معه إرادة لله بالعمل. ولا تفعل معه إرادةً للشيطان، فيكون النهي عنه غير السجود المأمور به، ويجب على هذا القول أن يكون النهي راجعًا إلى فعل الإرادةً للشيطان به لا نفس السجود للشيطان.

стр. 706

وهذا باطل، لأن الأمة مجمعةً على أن نفس السجود للشيطان منهي عن إيقاعه كما أن إرادة / ص ٢٦٨ الشيطان به والتقرب به إليه منهي عنه. وإذا ثبت أنهما منهيان عنهما وجب أن يقال إن نفس السجود المراد به الشيطان وإرادته به منهي عنه. وأن يقال إن السجود المفعول مع إرادة الله تعالى به غير السجود الذي يراد به القربة إلى الشيطان. وإذا كانا متغايرين لم يكن المأمور به هو نفس النهي عنه وهذا قريب (فيجب أن يقال: إن نفس ما يقع من السجود مع إرادة الشيطان به غير الذي نهي عنه أن يقع مع إرادة الله سبحانه بالعمل، والمنهي عنه إذا على هذا غير السجود المأمور به، وهذا قريب. وأما من أحال كون الأمر والإرادة مشروطين ومتناولين للمراد المأمور به على وجه، والنهي والكراهة متناولين لنفس المأمور به على غير الوجه الذي تتناوله الإرادة والأمر به، فإنه يعتل في ذلك بأن الأمر بالفعل أمر بإحداثه، والنهي عن فعله على غير دلك الوجه إنما هو نهي عن إيقاعه وإحداثه. وهذا يوجب أن يكون إيقاعه مأمورًا به ومنهيًا عنه. ويراد تكررها على وجه واحد، وهو وجه الحدوث أو الاكتساب على قولنا. ولما فسد ذلك استحال أن يكون مأمورًا بإيقاعه على وجه منهيًا عن إيقاعه على وجه أخر. وليس يمكن أن يقال: إنه إذا أريد حدوثه لله صار له حدوثًا على صفة مخصوصةً. وإذا أريد به وقوعه للشيطان صار له حدوثًا على صفة تخالف حدوثه للشيطان لأن جهة الحدوث جهةً واحدةً غير مختلفةً ولا متزايدةً. ويدل على أن السجود لله يجب أن يكون غير السجود للشيطان أن أحد السجودين طاعةً حسن مأمور به والسجود للشيطان معصية قبيح

стр. 707

منهي عنه، ونفس السجود لا يكون تارةً طاعةً حسنًا وتارةً معصيةً قبيحًا. كما أن الإرادةً لهما تختلف حالهما فيجب أن يكونا غيرين. وليس لأحد أن يقول إنه لما كان حسن السجودين واحدًا وكانا مدركين على صفة واحدةً لم يجز اختلافهما في كون أحدهما طاعةً حسنًا والآخر قبيحًا، لأن تجانس الشيئين لا يوجب كونهما واحدًا. ولا أن تختلف أحكامهما في كون أحدهما قربةً والآخر معصيةً. وفي أن أحدهما فرض والآخر نفل? لأن هذه الأحكام /ص ٢٦٩ لم تجب للأفعال لأنفسها وأجناس، بل لتعلق الأمر والنهي بها? على ما بيناه من قبل، فزالت هذه الشبهة، وبالله التوفيق.

стр. 708

باب الكلام في الأمر بالعمل هل يصح كونه مشروطًا ببقاء المأمور وكونه حيا سليما قادرا وبقاء الأمر به أم لا ؟ اعلموا - وفقكم الله - أنه لا خلاف بين فرق الأمة في جواز تكليف الآمر منا لغيره بالفعل في المستقبل بشريطه وجوده وكونه حيًا سليمًا قادرًا وبقاء أمره عليه بذلك. فأما أمر الله لخلقه بهذه الشرائط فقد اختلف فيه. فمذهب القدرية ومن وافقهم إحالة الأمر منه بهذه الشروط لأن جازت في أمرنا. ومن قول أهل الحق تجويز ذلك في أمر الله وأمرنا.

стр. 709

والذي يدل بدئا على تجويز ذلك في أوامرنا أننا إذا أمرنا غيرنا بإيقاع الفعل في المستقبل لم يخل من ثلاثة أحوال: أن نكون عالمين بأنه يكون موجودًا سليمًا حيًا وقت إيقاع الفعل بما تقدم الأمر به. أو عالمين بأنه لا يكون كذلك وقت الفعل. أو شاكين في ذلك، غير عالمين بأنه يكون على هذه الصفة، ولا أن لا يكون عليها، بل مجوزين لكل واحد من الأمرين: فإن كنا عالمين صح أمرنا لمن المعلوم ذلك من حاله وقطعنا عليه، ولن نقطع على ذلك ونعلمه إلا بخبر النبي وتوقيف عن الله سبحانه، ولكن لا بد مع ذك من أن يكون المأمور غير عالم ولا قاطع ببقائه وبناء صفاته التي معها يلزم التكليف، لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن حينئذ للشرط معنى إذا اشترك في العلم بذاك الأمر والمأمور. وإذا انفرد الأمر بعلمه، وحرز المأمور ذلك صح تكليفه وامتحانه لتوطين النفس على فعل غيره مما يؤمر به، أو لتعجيل طاعته بالإجابة، والعزم على فعل ذلك إن بقي، وأجيز هذا من الوجوه. وإن كنا عالمين بأنه لا يبقى، أو لا يبقى بصفة المكلف صح وجاز تكليفه بهذه الشرائط، لأنه لابد إذا كف ذلك من عزمه على الطاعة والانقياد أو عزمه على الخلاف والعصيان، وهو مستحق على أحد العزمين مدحًا وثوابًا وبفعله مطيع وبالآخر ذمًا وبقطه عاصٍ مخالف، فصح لك لذلك امتحانه بهذا التكليف إن علم

стр. 710

بقاؤه، وإن علم فناؤه وخروجه عن صفة المكلف في المستقبل. فأما صحة تكلفينا من لا يعلم من حاله أحد الأمرين، بل يجيز كل واحد ص ٢٧٠ منهما فيه فشيء لا اختلاف في صحته لتجويز / الأمر لوجود هذه الشروط وتجويزه أن لا يوجد، وتجويز المأمور-أيضًا- لذلك صحة الامتحان له? على ما بيناه من قبل ولا أحد من الأمة يقول إنه لا يحسن أمرنا للغير بالفعل في المستقبل إلا مع العلم ببقائه رجاء صفاته المصححة لوقوع الفعل منه، لأنه يوجب علم الأمر بذلك وأن يشركه في علمه المأمور، لأنه إن أوجب العقل لا بأمر الأمر منا غيره إلا مع العلم ببقائه? وإلا كان أمره خطأ وسفها أوجب على المأمور - أيضًا- مثل ذلك، لآله من أهل العقول لكان يجب أن يكون كل مأمور بفعل في المستقبل عالمًا قاطعًا على بقائه? لهذا باطل باتفاق? وأقل الواجب فيه أن يكون المأمور مغررًا بفعل المعاصي، ومسوفًا لنفسه بالتوبة، وذلك مفسدةً على أصولهم. هذا على أن ما يدعونه من كون علم المكلف ذلك مفسدة له وإغراء بالمعاصي باطل، لا حجةً عليه لأنه قد يكون كذلك، وقد يكون استصلاحًا وموفرًا لهمته ودواعيه على الاستكثار من الطاعةً. وتلافي الفارط فيما سلف من عمره مع أن الإجماع بخلافه? فصح ما قلناه.

стр. 711

ولأنه لا يخلو الأمر منا لغيره إذا لم يعلم أنه يبقى أولا يبقى من أن يكون ما تقدم منه للمأمور إذا مات قبل بلوغ الوقت الذي أمره بالفعل فيه من أن يكون أمرًا له بالفعل، (فإن مات قبل بلوغ الوقت الذي أمره بالفعل فيه) أو أن يكون غير أمر له بشيء، إذا حصل موته قبل الوقت? وهذا باطل بإجماع الأمة وأهل اللغة، على أن ما تقدم من الأمر لعبده أمر له بالفعل، وأنه إذا عزم على فعله عزم على فعل طاعة. وإن عزم على تركه عزم على عصيان الأمر. فلو لم يستقر عليه أمر لم يجز القول بشيء من ذلك، فثبت بهذا أتنه أمر له بشريطةً أن بقي، وكان على صفة من يلزمه التكليف. (لأنه إذا لم يجز كونه أمرًا له بشريطةً أن بقي). وهذا واضح لا إشكال فيه. وقد فصلت القدرية بين جواز أمرنا لغيرنا بهذه الشريطة وبين جواز أمر الله تعالى لغيره بها، بأن ذلك إنما جاز وحسن منا لتجويزنا وجوده بهذه الشرائط وتجوزينا أن لا يحصل، والله جل ذكره لا بد من كونه عالمًا بأنها حاصلةً وقت الفعل، أوبأنها غير حاصلةً، فلا وجه إذا كان ذلك كذلك لحسن اشتراطه ما يعلم أنه يوجد لا محالةً أو لا يوجد. وهذا باطل، لأننا قد بينا أن ذلك صحيح جائز منه تعالى / ص ٢٧١ ومنا إذا لم يعلم المكلف أنه يبقى أولا يبقى لصحة امتحانه مع تجويزه لذلك بفعل العزم على أدائه أو تركه. ولأنه لا يمتنع أن يكون عالمًا بأنه إذا أمر زيدًا أن يفعل فعلًا في المستقبل بشريطه بقائه، لأن علم أنه لا يبقى لطفًا له في فعل ماعدا ذلك المأمور له من الطاعات المعجلة اللازمة له قبل ذلك الوقت? ولطفًا لغيره من المكلفين في فعل

стр. 712

الحسن واجتناب القبيح، ومتى جاز كون هذا الأمر لطفًا وجب على أصولهم على الله سبحانه فعله، ولا يصح ذلك مع اشتراك الأمر والمأمور في العلم بأنه يكون أو لا يكون. فإن قيل: تجوزوا أن يكلفه الفعل بشرائطه إن كان فعله عرضًا وحادثًا. وإن كان حسنًا ومصلحه ولطفًا له في الطاعة إلى غير ذلك مما يعلم أنه لابد من حصول الفعل عليه؟ قيل له: لا يجوز ذلك، لأنه إذا وجب اشتراك الأمر والمأمور في اسم بأن الفعل لا يكون إلا حادثًا وإلا عوضًا وإلا لطفًا ومصلحةً عندكم، وحسنًا في معلومةً قبل أمره به? لم يجوز المأمور للأمر ولا المأمور كون الفعل على خلاف هذه الصفات. وليس كونه عليها أمرًا يكون بالعبد وبقدرته ومن كسبه وتصرفه حتى يعزم على إيقاعه كذلك، أو على خلافه، ولا يصح خروجه عن هذه الصفات فيصح عزمه على إيقاعه عليها دون خلافها ونقيضها. وإذا كان ذلك كذلك افترقا الأمران، لأن المكلف يجوز بقاؤه فيفعل الفعل، ويعزم على أدائه، ويجوز منه عزمه على تركه وفعل ضده إن بقي. وهذا واضح في الفصل بين الشرطين. فصل: فإن قيل: تجوزوا ورود الأمر من بشرط بقاء الأمر وشرط ألا يرد النسخ له? وجوزوا -أيضًا- أن يقال: إفعل ما أردت منك فعله إن لم أكرهه، وجوزوا أمره بفعل المحال وجميع الأضداد، وأمره بالفعل مع عدم الآلة فيه والعلم به إن كان محكمًا? ولمن لا تصح إرادته له، وإن كان محتاجًا في كونه عبادة تخلصها إلى إرادةً بها تكون كذلك. يقال لهم: (إذا) تجويز أمره بالفعل بشريطه بقاء الأمر به، وأن لا يرد

стр. 713

النسخ له صحيح على ما نبينه. ويدل عليه في أحكام الناسخ والمنسوخ، وأما جواز أمره بما يستحيل فعله وتركه من جمع الضدين بفعل الباقي والقديم، وأمثال ذلك، / ص (٢٧٢) فجوابه قد مضى على الوجهين فمن أهل الحق من يجوزه ومنهم من يحيله، ولكن لابد من كون المكلف عاقلًا وعلما بالخطاب، أو في حكم العالم به على ما بيناه. وأما اشتراطه فعل ما يريده بشريطه ألا يكرهه، فذلك محال، لأن ما يريده فمحال أن يكرهه، لأنه مريد له من الأزل في الأزل. وظنهم أنه إذا أمرنا بشيء في المستقبل فقد أراده لا محالة، فإذا قال بشريطةً أن لا أنهاك عنه فكأنه قال إفعل ما أريده بشريطه أن لم أكرهه، فإنه باطل، لأن أمره بالشيء لا يقتضي إرادته له إن بقي إلى وقت أداء الفعل أو نسخه. وقد يريد ضد ما أمر به. وقد بينا هذا فيما سلف فأغنى عن رده. وأما جواز التكليف للفعل مع عدم الآلة في الفعل، فإنه لا معنى له عندنا؛ لأن المكلف لا يفعل إلا مباشرًا غير متولد، والآلة إنما يحتاج إليها في المتولد من الفعل. وعندهم قد يصح على قول أصحاب التولد الأمر بالفعل مع عدم الآلة فيه، وعدم سببه بعد وجوده كالأمر بفعل العلم بعد تقضي النظر الموجب له، وما صابه الغرض مع عدم القوس وبعد وجود الرمي، وكذلك القول في كل فعل لا

стр. 714

يحتاج إلى الآلة في حال وقوعه مع تقديم سببه. وأما جواز التكليف لأحكام الفعل مع عدم الفعل به فجائز على القول بصحة تكليف الحال الذي لا يصح فعله ولا تركه، وعلى القول بإحالة ذلك لا يصح، لأنه حينئذ لا يمكن فعله ولا تركه. وأما تجويز التكليف لإيقاع الفعل على وجه لا يحصل عليه إلا بإرادةً مع المنع من الإرادةً، وممن يستحيل كونه مريدًا فصحيح -أيضًا- مع تجويز تكليف الحال، ومحال مع منع ذلك? فيجب ترتيب الأدلة عما يسألون عنه من هذا الباب. فصل: وقد استدل بعض من قال: إن الأمر من الله تعالى يصح بشرط بقاء المأمور? وبقاء صفاته التي يصح التكليف عليها - لأنه أمر - في الحقيقة - لمن يعلم أنه يكون ميتًا ومعدومًا وقت الفعل بهذا الشرط بأن الأمةً متفقةً على ذم من ص ٢٧٣ منع غيره من فعل الصلاةً وإمساكه وقت تضيقها عليه / واستحقاقها. فلولا أنه مانع له من أمر يفعله بشريطةً زوال منعه إياه لما استحق المانع له الذم على منعه، ولكان بالمدح على ذلك أحق وأولى، لأنه بمنعه إياه قد أسقط عنه الفرض والأمر. ولما لم يكن ممدوحًا، وكان مذمومًا بمنعه دل ذلك على انه منعه من فعل وجب عليه وأمر به بشرط إطلاقه وزوال منعه. وهذا عندنا بصحيح؛ لأنه إنما قبح منع المانع وإمساكه لمن ذكروه لمنع السمع من ذلك وحظره عليه، لأنه قد حظر علينا منعنا لغيرنا من فعل ما يريده إذا لم يكن عليه ولا علينا ضرر وإن لم يكن ما يمنعه منه واجبًا. ولهذا صار منعنا لغيرنا من فعل المباح وإذا قصده قبيحًا مستوجبًا عليه الذم. وإن لم يكن المباح الذي نمنعه منه واجبًا، وكذلك منعنا له من الندب قبيح لأن لم يكن واجبًا ولا مأمورًا به على قول منكر كونه مأمورًا به، فبطل ما قالوه.

стр. 715

وقد يجوز أن يجيبوا عن ذلك بأن يقولوا إنما منعنا له وقت الصلاةً، لأجل أن منعنا له صار سببًا لوجوب فرض آخر عليه يوصف بأنه قضاء لما منع منه، لأنه في تقدير من وجب عليه الفعل? وذلك بمثابة وجوب القضاء على الحائض وإن لم يجب عليها الصيام، لما عرض لها من الحيض، على ما بيناه من قبل. وقد يمكن أن يجاب عن هذا بأن يقال: ليس بأن يستحق المانع الذم لكون منعه بسبب الفرض هو القضاء بأولى من استحقاقه المدح، لأجل إزالة ما يمنع فرضًا? لولا منعه لكان لازمًا، فقد أسقط عنه مثل الذي أوجب عليه. وربما أجابوا عن ذلك بأن يقولوا لم يقبح المنع من فعل الصلاة لأجل وجوبها مع المنع لكون التمنع لطفًا في فساد المانع والممنوع، وكونه داعيًا إلى فعل القبيح وترك الحسن. لأنه لو لم يكن كذلك لم يحظر فعله. وقد يجيبون عن ذلك بأنه لم يقبح المنع لكونه منعًا مما وجب فعله، لكن لكونه مخرجا للممنوع عن صفة من يصح تكليف الصلاة. وتكليف الصلاة تفضل وإحسان ونفع وتعريض لثواب عظيم. وبما قدمناه. ومما يعتمدون عليه في ذلك إجماع الأمة قبل وجود المخالف في ذلك، على أن الله سبحانه قد أمر على لسان نبيه ﷺ في وقته لأهل عصره، ومن يأتي بعده من المكلفين بشرائع الدين وبترك القتل والزنا / ص (٢٧٤) وشرب الخمر وجميع المحرمات في المستقبل. ولا يجوز أن يكونوا مأمورين بفعل القرب واجتناب المحظورات إلا بشريطه بقائهم وسلامتهم، فصح بذلك ما قلناه.

стр. 716

باب القول أنه يصح على المكلف وغيره من الخلق (أن لا يعلم) بأنه مأمور بالفعل أم لا ؟ اعلموا - وفقكم الله - أنه لا خلاف بين سلف الأمة - قبل محدث الخلاف عليهم من القدرية - في وجوب كون المكلف عالمًا بأنه مأمور بفعل العبادات واجتناب الذنوب والمحظورات? غير أنه عالم بأنه مأمور بذلك بشريطه بقاءه إلى حين وجوب الفعل، وكونه على صفة من يلزمه التكليف على ما بينا. ولذلك يقول المسلمين قاطبةً إن الله سبحانه أمرنا بفعل العبادات في غدٍ وما بعده، وبترك المحرمات? ولا بد أن يكون أمره تعالى بذلك مشروطًا ببقائهم وكونهم على صفة المكلفين، لاعتقاد الجميع لزوال التكليف وسقوطه مع الموت وما يجرى مجراه، فثبت أنه مكلف بشرط ما وصفنا? وقد كشفنا صحة ذلك ووجوب الامتحان به ووجه جوازه بما يغني عن رده، فوجب علم المكلف وقطعه على كونه مأمورًا بالأفعال في المستقبل بشرط ما وضحناه، وبهذه الشريطه يعتقد المتلبس بالصلاة والحج وسائر العبادات ذوات الجمل والأبعاض أنه مأمور بذلك وناوٍ به أداء ما لزمه ووجب عليه، لا على القطع على بقائه، وعلى أنه شرع في غير واجب عليه. فصل: وقد قالت القدريةً قي هذا الباب خلاف قول جميع الأمة سلفها وخلفها. فزعمت أنه لا يجوز أن يكون أحد من العقلاء المكلفين عالمًا به مأمورًا

стр. 717

بشيء، وأنه قد وجب عليه، أو على غيره من الأمة بشيء في المستقبل وقبل إيقاع الفعل وإنه إنما يعلم المكلف أنه مأمور بما فعله وواجب ذلك عليه بعد إيقاعه والفراغ منه أو بمضي وقته. قالوا: لأننا لو علمنا أننا إذا (أمرنا) غيرنا من العقلاء. وغيرنا من العقلاء مأمورين بفعل شيء في المستقبل لعلمنا قطعًا أننا نبقى أحياء عقلاء قادرين إلى ذلك الوقت لعلمنا بأن الله سبحانه لا يأمرنا بشيء في المستقبل ثم يمنعنا منه بموت وإزالة ما يصح معه التكليف، أو ينهى عنه لنا عن فعله بعد الأمر، وإنما ينفرد الله تعالى بالعمل بأنه مأمور بالفعل في المستقبل إذا علم بأنه يبقيه / ص (٢٧٥) بصفة المكلف إلى حين وقته، فأما الخلق فلا يعلمون ذلك لتجويزهم إخترام المكلف قبل الوقت. ومتى اخترم أو عرض له عارض يزيل التكليف علم أن ما قيل له افعله قبل موته لم يكن أمرًا على وجه. وهذا خلاف دين جميع المسلمين. والذي يدل على فساد قولهم ما قدمنا ذكره من اجما ع الأمة على خلاف قولهم. ومما يدل على ذلك - أيضًا- أنه لو كان الأمر على ما قالوه لم يصح لأحد من المكلفين أن ينوي ما يدخل فيه من صلاةً وحج وصيام فرضه الله واجبًا عليه، لأنه لا يعلم بعد إحرامه بالصلاة والحج أنه يبقى إلى حين الفراغ منهما، بل يجوز اخترامه قبل ذلك فيجب أن لا يصح منه أن ينوي أن شيئًا من ذلك واجبًا عليه ومؤدى به فريضةً تلزمه. وكذلك فليس على وجه الأرض مكلف يعلم أنه قد نهى عن القتل والربا والسرق وشرب الخمر في مستقبل أيامه، أو يصح منه

стр. 718

أن ينوي ترك ذلك في المستقبل قربةً إلى الله تعالى؛ لأنه لا يعلم أنه ناهٍ له عن ذلك إلا بعد دخول الوقت وخروجه وهو بصفة المكلف. فإن امتنعوا من ذلك قالوا بالحق وتركوا دينهم? وإن اقتحموه وهو قولهم ركبوا عظيمًا وما ليس بقول لمسلم. وقيل لهم: فكيف يصح للمصلي أن ينوي أنه يصلي ظهرًا أربعًا فريضةً عليه وقربةً، وهولا يعلم أن ذلك واجب عليه، ومتى لم يصح منه ذلك لم يصح له صلاةً من حيث احتاجت إلى نيةً الوجوب، وهي ممتنعةً عليه مع فقد علمه بأنه مأمور فضلًا عن أن يكون ما أمر به واجبًا عليه، وهذا ما لا محيص منه. ويدل على فساد هذا القول - أيضًا - أنه لو كان من لا يعلم أنه باقٍ إلى وقت الفعل والفراغ منه غير مأمور به ولا واجب عليه لم يلزمه الدخول فيما لا يعلم أنه واجب عليه، كما لا يلزمه فعل المباح الذي لا يعلم وجوبه عليه. وكان لا يلحقه الإثم، وإن ترك الفعل، لأنه إنما ترك ما لم يعلم أنه مأمور به، وإنما يتوجه اللوم والذم على من ترك ما يعلم أنه مفروض عليه، دون من لا يعلم ذلك. وفي اتفاق الأمة على وجوب ذم تارك هذه الفروض واستحقاقه للعقاب عليها أوضح دليل أنه ترك ما تقدم علمه بأنه واجب عليه ولازم له / ص (٢٧٦) فإن قالوا: إنما وجب على المكلف عند حضور وقت الصلاةً الدخول فيها وأن ينويها فرضًا خوفًا من أن يكون ممن يبقى ويتوجه الأمر عليه، لا لأنه متيقن عالم بوجوب الصلاةً عليه. قالوا: وحال المكلف في ذلك حال مشاهدة السبع من بعد في وجوب الهرب منه مع تجويز هلاك الأسد واخترامه قبل وصوله إليه، غير أنه يلزمه العدو والهرب خوف افتراسه. قالوا: وكذلك المبتدئ بالصلاة إنما يبتدئ بفعل الإحرام لينوي أداء الواجب خوفًا من وجوب ذلك عليه، لا أنه عالم بأنه واجب عليه. وكيف يعلم ذلك وهو يجوز اخترامه قبل وقت الفعل. وهذا الاعتلال والتشبيه -أيضًا- خارج عن الإجماع، لأنه قول يوجب أن ينوي

стр. 719

المصلي أنه يؤدي ما لا يدري أنه فرض أو لا يأمن أن يكون واجبًا مفروضًا أو غير واجب ولا مفروض. وقد اتفق على أن من يرى ذلك لم تجزئه صلاته حتى ينوي أنه يؤدي فرضًا واجبًا، فبطل هذا القول والتمثيل وبعد. فكيف وجب على من حضره الوقت الدخول في الصلاة ونيتها ظهرًا واجبًا خوفًا من وجوب ذك عليه ولم يسع له تركها غير ملوم ولا مذموم لكونها محرزًا لسقوطها وزوال فرضها عنه، ورجاءه لذلك. فلا يجدون لذلك مدفعًا، وكيف تجزئه نية لفعل مشكوك فيه، والله سبحانه يقول: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ولا إخلاص يصح لمن لا يعلم أنه مأمور به، أو غير مأمور، ولا مخرج لهم من ذلك. ويدل على فساد قولهم - أيضًا- أنه لو كان فرضه مجزئًا بنية أنه يصلي واجبًا? وهولا يعلم أنه واجب وإن علم الله ذلك من حاله إذا علم بقاءه لوجب إذا نوى أن يصلي ما لا يدري أنه واجب عليه أم لا أن تجزئة صلاته، لأنه قد نوى الشيء على حقيقته عندهم، والنية إذا وقعت كذلك وقعت مطابقةً لما كلفه على قولهم الفظيع، ولما لم تجز هذه النيةً دون أن ينوي أن يؤدي فرضًا واجبًا صلاةً كذا دل ذلك على أنه مكلف مأمور، فسقط ما قالوه. فصل: وإن قالوا: فما تقولون أنتم فيمن حضره الوقت ولزمته الصلاةً، كيف يلزمه ذلك / ص ٢٧٧ وكيف ينويه واجبًا وهو لا يعلم أنه واجب عليه؟ يقال لهم: قد بينا فيما سلف كيف يجب ذلك عليه، وهو أن يجب عليه لشرط بقائه? ويجب على المصلي أن ينوي الصلاةً الواجبةً لله تعالى وقربةً إليه إن بقي

стр. 720

بشريطة حصول حياته وما يحتاج إليه في إيقاعه. ولا يمكن على قول أحد من الأمة أن ينوي أنه سيصلي لا محالةً أربع ركعات وإن اخترم، ولا يعتقد أنه غير مأمور وأنه سيخترم قبل الوقت. فإذا بطل الوجهان ولم يبق بعد ذلك إلا أن ينوي فعل صلاة ظهرًا أربعا بشريطه إن بقي، وبقي بصفة المكلف، وهذا لا بد منه. فأما أن ينوي أنه سيبقى ويصلي الركعات إلى أخرها، فذلك محال منه مع تجويز اخترامه قبل الوقت، فلم يبق غير أن ينوي فعل ذلك واجبًا حتما إن بقى، وصح ما قلناه. فصل: وقد اعتمدوا في إحالة حصل الأمر في المستقبل بشرط، أو بشرط يحصل بعد وجود الأمر بأن ذلك يوجب أن يكون وقوع ذلك الأمر وثبوته مشروطًا بشيء يوجد ويكون بعده. وهذا باطل، لأن من حق ما هو شرط لوجود الشيء أن يكون مقترنًا بوجوده. فيقال لهم: ما قلتموه باطل من ثلاثة أوجه: أحدها: إن هذه الشروط ليست بشروط لوجود ذات الأمر ولكونه كلامًا كائنًا، لأن المشروط وجوده بشيء لا يجوز - لعمري- وجود شرط وجوده بعده. وإنما هذه الشروط شروط لكلن الأمر لازمًا فوجب تنفيذ موجبه. وليس ذلك من شرط كونه موجودًا بسبيل على هذا قال جمهور الناس: إن الأمر أمر للمعدوم ولمن لم يبلغه بشرط بلوغه له- وليس ذلك بشرط لوجود ذات الأمر، وكونه واقعًا. وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه. والوجه الآخر: إن أمر الله لمن يعلم أنه باق ٍإلى وقت وقوع المأمور به بشرطه بلزوم الأمر ووجوب تنفيذه، وذلك يكون بعد الأمر. وإنما صح ذلك، لأنه ليس بشرطٍ للوجود وكونه ذلك، لكونه على بعض الصفات/ ص ٢٧٨ والإحكام

стр. 721

الزائدة على كونه موجودًا. وعلى هذا كان تقدم الأمر بفعل الصلاة إذا زالت الشمس لمن في المعلوم أنه باقٍ صحيح وإن كان الزوال موجودًا بعد الأمر. وكذلك المحدث مأمور في حال حدثه بإقامة الصلاة بشريطه تقدم الطهارة. وكذلك الكافر مأمور بفعل القرب والعبادات واجتناب المحرمات قربةً لوجه الله بشرط تقديم الطهارة والإيمان. وهما يوجدان بعد تقدم الأمر، ولم يكن لأحد أن يقول: إن وجوده مشروط بشروط توجد وتكون بعده. فإذا كان كذلك صح ما قلناه. والوجه الآخر: إننا قد بينا في الباب الذي قبل هذا صحة تكليفنا الفعل في المستقبل وامتحاننا للمكلف بذلك، وإن كنا قد شرطنا له شروطًا توجد بعد الأمر. فلذلك يصح مثله من الله سبحانه. وأن لم يكن ذلك منه تعالى ولا منا شرطًا لوجود ذات الأمر. ولو استحال ذلك في أوامر الله سبحانه لاستحال في أوامرنا لوجوب الأمور به في المستقبل. وهو مع قدمه أمر به على الحقيقة. وقد بينا صحة ذلك في تكليفنا الغير: فكذلك في تكليف الله . فبطل ما قالوه من كل وجه.

стр. 722

باب القول في أن الأمر بالفعل يصح أن يكون أمرًا به في حال وقوعه أم لا ؟ فإذا تقدمه فهل يصح أم أن يتقدمه بأكثر من وقت واحد أم لا؟ اعلموا - وفقكم الله - أن الأمر بالفعل على ضربين: فأمر يتقدم الفعل بوقت وأوقات، ويوصف هذا الآمر بأنه أمر بدارٍ وإعلام لوجود المأمور به في المستقبل، وهو مع تقدمه أمر به على الحقيقة. والضرب الآخر: يتناول الفعل في حال وجوده، ويوصف هذا الضرب بأنه آمر إيجاب بإلزام، وهذا هو الحق الذي نقل به. وقد اختلف الناس في ذلك: قال السلف من الأئمة وسائر الفقهاء: إن الواقع الوجود مأمور به، الأمر متعلق به في حال وقوعه، ولمصادفته من حين وجوده يكون طاعةً حسنًا.

стр. 723

وزعمت القدرية بأسرها أنه محال مقارنة الأمر لوجود الأمر به، وأنه لا بد من تقديمه، لما نذكره عنهم فيما بعد. واختلف القائلون بوجوب تقديمه على المأمور به /ص (٢٧٩) هل يجوز أن يتقدم على وقت الفعل بأكثر من وقت واحد أم لا؟ فقال أكثر القدرية: إنه يصح تقدمه عليه بأوقات كثيرة. وقال فريق منهم: لا يصح تقدمه على المأمور بأكثر من وقت واحد لما نصفه عنهم. واختلف المجيزون لتقدمه على الفعل بأوقات: فقال بعضهم: لا يجوز إلا بشرط أن يكون المأمور حين ابتدأ الأمر له إلى وقت تضيق قرضه حيًا قادرًا عاقلًا مكلفًا كامل الآلات مستكملًا لجميع شرائط التكليف. وقال فريق منهم: بل يجوز أن يكون في سائر تلك الأوقات غير مستكمل لشرائط التكليف سوى كونه عاقلًا يصح تلقيه للخطاب- وإن وجب كونه كذلك وقت تضيق الوجوب. وزعم فريق منهم أنه يجوز تقديم الأمر بأوقات وإن لم يكن في ذلك مصلحة للمبلغ ولا لغيره من المكلفين. وقد يجوز اتفاق المصلحة في تقديمه إلا أنها غير

стр. 724

معتبرة، ولا واجب حصولها بتقدمه. وزعم فريق منهم أنه لا يجوز تقديم الأمر للفعل بأوقات كثيرة إلا بأن يكون قي تقديمه مصلحة. واختلف هؤلاء في تلك المعلمة ما هي؟ فقال كثير منهم: يجوز أن تكون المصلحة فيه عمل المؤدي له إلى المأمور، وحاصلة لمشقة البلاغ. وقال كثير منهم: لا يجوز الاقتصار على تقديم الأمر على وقت الفعل أوقاتًا لأجل هذه المصلحة فقط? بل لابد من أن يكون في ذلك صلاحًا زائدًا على كونه لطفًا للمكلف أو المؤدي أو بما يقع به الاعتبار له ولهم؟ فصل: فأما ما يدل على صحة اقتران الأمر بالفعل في حال حدوثه فهو أنه مقدور عندنا في تلك الحال، فكما يصح تناول القدرةً له، فكذلك يصح تناول الأمر له. وقد بينا هذا في الكلام في أصول الديانات. وعمدة القدريةً في إحالة ذلك أن الفعل غير مقدور في حال وجوده ومحال أمر العبد بما ليس بمقدور له. وهذه دعوى باطلةً. فإن قالوا: لو كان مقدورًا في حال حدوثه لكان مقدورًا في حال بقائه لوجوده في الحالين. قيل: هذا باطل، لأنه كان في إحدى الحالين بالحدوث وفي الأخرى بغير

стр. 725

حدوث، كما أنه مفعول ومتعلق بفاعل في حال حدوثه، وإن كان موجودًا، وغير مفعول ولا متعلق بفاعل في حال بقائه، لأنه موجود بعد حدوثه/ ص ٢٨٠ فافترق الأمران، وكما يصح عندنا وعندهم تعلق الإرادة بالفعل في حال حدوثه، وإن كان موجودًا فيها? ومحال تعلقها به في حال بقائه ومضيه وتعلقها بالقديم وأن تجري مجرى الخبر في تعلقه، فبطل ما قالوه. وإن قالوا: لو تعلق به الأمر في حال حدوثه مع كونه موجودًا فيما يجري مجرى الخبر الذي يصح تعلقه بالباقي فالقديم والمنقضي. قيل لهم: هذا باطل، لأننا ئد بينا فيما سلف أن الأمر لا يصح تعلقه إلا بمحدث، أو ما يصح حدوثه، ويدخل تحت التكليف? والخبر باتفاق لا يصح ذلك فيه، فبطل ما قالوه. فصل: وقد اعتمدوا في إحالة ذلك على أن مقارنة الأمر للفعل في حال وقوعه تحيل معناه، وتبطله، لأن فائدته كونه دلالة على المأمور به، وتميزه له ليقصد فمله تبريئًا وأن يكون حثًا وترغيبًا في الفعل، ومحال ترغيب المأمور وحثه على واقع موجود، وإنما يرغب فيه قبل إيقاعه ليوقعه على وجه ما أمر به، وكذلك فمحال أن يستدل بالأمر على واقع موجود، وإنما يكون دلالةً على تمييزه من غيره من مقدوراته ليقصده دون غيره، وذلك غير متأت في الواقع الموجود. فيقال لهم: الأمر أمران أو للأمر الواحد حالتان، يكون في أحدهما دلالةً على الفعل وترغيبًا وحثًا عليه، وهي حالة مقدمةً على المأمور به، وحالة تخرج عن ذلك

стр. 726

إذا قارن المأمور به. هذا إذا كان الآمر واحدًا? فإن كانا أمرين فالمتقدم منهما حث وترغيب ودلالةً على الفعل، والمقارن للفعل خارج عن ذلك. وقد يخرج الشيء عن كونه دليلًا لتغير حال المدلول كما والخبر، غير أن الشيء يكون قبل كونه دلالةً على ذلك، ويخرج عن كونه دلالة على أنه سيكون إذا كان ووقع? فثبت أن من الأوامر ما ليس بدليل على المأمور به ولا ترغيبٍ فيه وحثٍ عليه، فبطل ما قالوه. فإن قالوا: وما فائدة تعلق الأمر به في حال وقوعه؟ قيل لهم: فائدته إنها حال يكون فيها مفعولًا ومقدورًا ويصح فعله ويصح تركه على البدل من وقوعه، وليصير لمصادفته لها حسنًا طاعةً في حال وقوعه وفوته، لأنه لو وقع في حالة غير مصادف للأمر لصار بمثابة وقوعه مع النسخ للأمر به في خروجه عن كونه حسنًا طاعةً، ولأنه إذا كان الأمر هو المؤثر في كونه قربة حسنًا وجبت مصادفته له كما / ص (٢٨١) يجب ذلك في الإرادة المؤثرة في كونه كذلك، لأن ما وجد قبل الشيء لا يؤثر في حكم له في حال وجوده، فثبت ما قلناه. فصل: وقد قال بعض أهل الحق: إن الأمر على الحقيقة. هو ما يقارن الفعل في حال وقوعه، وأن المتقدم منه إنذار وإعلام? والإنذار بإيجابه - زعموا - ليس بإيجاب له. وهذا عندنا غير صحيح، لأنه إنذار وإيجاب بشرط دخل وقته وبقائه على شرائط التكليف، وبقاء الأمر على ما بيناه من قبل، فبطل هذا الأمر.

стр. 727

فصل: فأما صحة تقديم الأمر للفعل فأمر لا خلاف ليه، وإنما نخالفهم في إيجابهم تقدم كل أمرٍ للمأمور به. وقد بينا أن ذلك لا يجب في جميعها، ولا بد أن يتقدم الأمر بالفعل على وجوده عندنا، إما بما لانهاية إله- نحو أمر الله تعالى أوامر غيره- بوقت أو بوقتين فصاعدًا. فأما إيجابنا لتقدم أمر الله للفعل بما لا نهاية له فهو لما قام من الدليل على قدم كلام الله ونفي خلقه، وأنه شيء موجود? لذاك أمر بالفعل قبل وجوده بأن يفعل فيما بعد. فإن أوقع الفعل كان هو بعينه مقارنًا له في حال وقوعه، وأمر له -أيضًا- في تلك الحال. ولو صح بقاء الفعل لخرج عن كونه أمرًا به لاستحالة حدوث الباقي واكتسابه. ولكنه يخرج عن كونه أمرًا به في الثانى، لكونه منقضيًا غير حادث، ولا مما يصح حدوثه فيها? لوجود فنائه وعدمه في ثاني حال وجوده، وإن كان أمرًا به قبل وجوده، وفي حال وقوعه لنفسه، كما تخرج ذات القديم تعالى عندهم وذات قدرته عندنا عن كونهما متعلقين بالمقدور في حال بقائه وحال عدمه في الثاني لحال وجوده، وإن كان قادرًا عليه لذاته وذات قدرته. وقد بينا هذا في الكلام في أصول الديانات. وأشرنا إلى ذلك فيما قبل بما يغني عن رده. فصل: فأما ما أمر الحدث بالفعل المقارن له فهو غير أمره المتقدم له، وحادث معه، إذا كان قد جدد أمرًا به في حال وقوعه عند كثير من الناس وهذا (هو) الصحيح، لأن أمره المتقدم لا يصح بقاؤه إلى حين وجود الفعل، فيكون

стр. 728

لذاك أمرَا لأبه إذا وجد وأمرًا به قبل وقوعه- وقد قيل: إن أمر المحدث المتقدم الذي هو أمر بأن يفعل الفعل فيما بعد هو نفس الأمر به إذا وقع، لأنه أمر به أن يفعل فيما بعد والأول أولى /ص ٢٨٢ بالصحة. لأننا نقول إن أمر المحدث المتقدم يفارق المأمور به، ومحال أن يكون متقدمًا وباقيًا إلى حين حدوث الفعل، فوجب أن يكون أمر المحدث المتقدم غير أمره المقارن له، إن كان جدد أمرًا به، وليس يبعد أن يجدد ذلك، ويعلم المأمور أن أمره المتقدم أمر بأن يفعل الفعل فيما بعدم ويوقعه إذا وقع لأن أكثر من يأمر بالفعل في المستقبل لا يجدد بالواقع في وقته أمرًا ثانيًا. فأما أمر الموصي إليه بالقيام بسبيل الوصية فإنه لا شك أمر ثان بفعله ذلك إذا مات وعدم. وأمر ثان فاعلًا له في حاله، لأنه من المحال أن يجدد الميت والمعلوم أمرًا بالواقع الذي كان أمرًا به قبل موته. فصل: فأما إيجابنا كون المتقدم من أوامر الخلق متقدمًا بوقتين فصاعدًا فهو لأجل أنه لابد ضمن سماع المكلف للأمر واستيفائه لإدراكه، ثم تأمله عقيب حال سماعه بلا فصل، واستدلاله بعد الفراغ من سماعه على ما هو مطلوب به ودلالة عليه، ولذلك لا يتم به في حال حدوثه، بل لابد من تأمل له عند الفراغ من سماعه? فيجب أن تكون حالة لاستماعه وحالة لتأمله والاستدلال به وحالة لإيقاع الفعل? فوجب لذلك إعدامه إذا كان متقدمًا، وكان محددًا بوقتين فصاعدًا. هذا ما لابد منه

стр. 729

فصل: فأما قول من قال من القدرية: إنه لا يصح أن يتقدم عليه إلا بقدر وقت واحد، فإنه باطل، لأن الأمر عندهم هذه الأصوات التي هي القول ((إفعل)) أو قد أمرتك أن تفعل. وهذه أصوات متغايرة توجد في أوقات متغايرة ومحال وجود حرفين منها في وقت واحد. هذا محال من الكلام. هذه حال الأمر إذا كان مواجهة للمأمور. وأما إذا كان أمر الله لخلقه ليحتاج عندهم إلى أوقات يحدث فيها بعدد حروفه، ثم حال يستمعه متلقنه عنه، ثم حال تفهمه وتأمله، ثم حال أو أحوال يؤديه فيها إلى المكلف. فبطل بذلك ما قالوه. فيجب لذلك تقدمه عليه بأوقات كثيرةً. فصل: فأما تعليل وجوب تقدمه - إذا كان دلالةً على الفعل، وترغيبًا فيه - بوقت (أو) أوقات لكون تقدمه مصلحةً للمكلف فساقط عندنا، لأن الله تعالى قد يستصلح بالتكليف، وقد لا يستصلح، وكذلك غيره على ما بيناه من قبل، فبطل اعتبار المصلحةً العامةً أو الخاصةً للمبلغ فقط في هذا الباب. ومن أوجب منهم تقدمه على الفعل بقدر وقت / واحد أو قدر عدد حروف ص (٢٨٣) الآمر أو سماع المأمور وتدبره لمعناه. لأنه لا يوجب ذلك لكونه مصلحة في التكليف، ولكن لأنه لا يصح أن يكون أمرًا لمأمور إلا أن يتقدم بهذا القدر من الأوقات، وإلا كان إحالةً وتكليفًا للمحال.

стр. 730

وأما قول من قال منهم: إنه لا يجوز تقدمه بقدر هذه الأوقات، لأنه لا غرض في تقديمه بأوقات تزيد على هذا المقدار، فإنه قول باطل، لأنه قد يكون إحداثه قبل المأمور به بأوقات وسماعه له ترغيبًا وداعيًا له إلى إيقاعه، ولطفًا في استصلاحه، وتسهيلًا لدواعيه إلى الفعل توطينًا لنفسه على إيقاعه. وليفعل في كل وقت عزمًا على أن يؤديه في وقته فيكون مطيعًا بطاعات كثيرةً إلى حين وقوعه. فلا وجه لدعواهم أنه لا وجه ولا معنى لتقديمه أكثر من وقت واحد، فبطل ما قالوه. وأما قول من حكي عنه منهم: أنه لا بد على هذه المصلحة للمبلغ فقط أو للرعيةً فقط، أوله ولهم? فإنه لا وجه له، ولا دلالةً عليه بل يكفي في ذلك الاستصلاح. فصل: وأما قول من قال بأنه إذا تقدم على المأمور به بأوقات كثيرةً وجب كونه في جميعها حيًا سليمًا مستكملًا لشرائط التكليف? وإلا لم يحسن تقديم أمره، فإنه قول باطل، بل يجوز أن يكون في سائرها معدومًا غير موجود ولا حي ولا قادر. اللهم إلا أن يكون مواجها بالخطاب، فيجب كونه موجودًا حيًا عاقلًا فقط. والذي يدل على فساد قولهم أن المأمور إنما يحتاج إلى وجود نفسه وحياته وقدرته وآلته في حالة الفعل، لا في حال كونه مأمورًا به. يبين هذا أنه لو قدم وجوده وأقداره وإكمال آلته قبل وقت الفعل وأنفذ ذلك عند تضيق فرضه لم ينتفع بتقديمه، واستضر بإعدامه ذلك وقت التضييق. ولو قدم أموه بالفعل وأخر إيجاده وتمكينه وإزاحة علله إلى وقت الفعل لصح منه وتأتى، فبان أنه لا يضره

стр. 731

تأخير ذلك، ولا ينتفع بتقديمه بعد أن يكون وقت التضييق على صفة من لا يصح منه الفعل. وهذا تكلف منا للكلام في هذا الباب على أصل من يحيل التكليف مع عدم القدرةً على الفعل والمنع منه? لأننا نجوز عدم قدرته وتمكينه مع تضييق الفرض، وحضور الحاجة إليه. فكيف يمنع منه مع عدم الحاجة. ومما يدل على فساد قولهم -أيضًا- اتفاقهم على صحة تأخر الآلة في الفعل للذي لا يصح إيقاعه (إلا بها إلى حين إيقاعه). وكذلك يجب أن يكون سبيل القدرة عليه والعلم به / ص (٢٨٤) والإرادةً له والمحل، وكل ما لا يتم وجوده دون وجوده. ويدل على ذلك ما نذكره من صحة الأمر للمعدوم بشريطه وجوده وحصوله على صفة المكلفين، وأمر الموجود بالفعل في المستقبل بشريطه بقائه، وكونه على صفة المكلفين. وقت التضييق، فكذلك يجوز تكليفه مع عدم الآلة والتمكين إلى حين وقت الحاجةً إلى الفعل، لأن عدم كل شيء من ذلك عند الحاجة إلى الفعل بصحةً وقوعه غير مخلٍ بذلك إذا عدم قبل الوقت.

стр. 732

باب الكلام في أن المعدوم مأمور على الحقيقة أم لا ؟ اختلف الناس في هذا الباب. فقال أكثر أهل الحق ومن تابعهم من الفقهاء: إن أمر المعدوم جائز صحيح. فقال بعضهم: هو أمر إنذار وإعلام وليس بأمر إيجاب وإلزام. وقال بعضهم: هو أمر إيجاب وإلزام بشرط وجود المأمور وكونه بصفةً من يصح منه الفعل أو تركه. وقال بعضهم: هو أمر له على الحقيقة بشرط وجوده وكمال عقله فقط. وزعم بعض من أجاز ذلك إنه إنما يجوز أمر المعدوم إذا كان هناك مخاطب ببلاغه وحر موجود. وأما إن لم يكن متوجهًا إلى موجود يبلغ. فإن ذلك لا يجوز. والصحيح عندنا أنه يجوز أمره، وأنه مأمور على الحقيقة، وأن أمره أمر إيجاب بإلزام على الحقيقة بشريطه وجوده وكونه على صفة من يصح تكليفه. وأنه لا يجوز أن يكون أمره أمر إنذار بإعلام له بأنه مأمور، لأنه لا يصح إنذاره

стр. 733

وإعلامه فهو معدوم. وإنما يصح إعلام المواجه بالخطاب. ومن في حكم المواجه بأنه مأمور بالفعل في المستقبل. وقد يصح أن يكون إنذارًا وإعلامًا لغيره ممن أعلم كون المعدوم مأمورًا به يصح أن يؤمر بالأمر من غير حضور متحمل مؤدي له. والذي يدل على صحة أمر المعدوم وإن تعذر الفعل منه في حال عدمه واستحال ما ذكرناه من صحة أمر العاجز المفقود الآلة والجارحةً بشريطةً وجود ذلك. وقد أوضحنا هذا من قبل. ومحال تأتي الفعل ممن هذه سبيله وصفته كما يمتنع تأتي الفعل من المعدوم، فوجب صحة الأمر للجميع بشرط ما وصفناه. وليس لأحد أن يفصل بينها بأن العاجز الموجود المفقود الآلة عاقل مخاطب وعالم بالخطاب، أو في حكم العالم به / ص (٢٨٥) وليس المعدوم كذلك. لأننا وإن قلنا إن المعدوم مأمور بشريطه. أي أنك إذا وجدت وكنت بصفات المكلفين لزمك تنفيذ موجبه. فإننا لا نقول إن الأمر خطاب (له، ولا) أنه يلزم بمعرفته والعلم بمتعلقة. والعاجز الموجود مخاطب، ويلزم لذلك على التضييق في حال عدمه. فلم يلزم ما قالوه. ويدل على هذا -أيضاً- ويوضحه اتفاق الكل على أن أمر النبي ﷺ بسائر العبادات ونهيه عن جميع المحظورات أمر لأهل عصره وسائر

стр. 734

من يأتي بعده بشرط بلوغ ذلك إليهم وكونهم على صفة المكلفين. وأن الله سبحانه ورسوله لم يحدثا (هـ) أمرًا لنا بالعبادات في هذا الوقت، فثبت بذلك ما قلناه. وكذلك أيضًا فقد ثبت أن أمر الآمر منا لعبده أن يفعل في غد بشريطه وجود تمكينه وتمام آلته أمر له تقبل وجود الفعل، ومع عدم القدرة والآلة فيكون أمرًا له بأن يفعل في المستقبل بشرط ما ذكرناه، وأنه لا يحدث أمرًا له بالفعل عند حضور وقته، وإنما يأمره به بذلك الأمر المتقدم. وإن أحدث له أمر به، فهو تأكيد لموجب الأمر الأول، على أن الأمر عندهم هو هذه الأصوات. ولو أحدث له أمرًا بالفعل عند حضور وقته غير الذي تقدم لوجب أن يكون مدركًا مسموعًا. وفي علمنا بفقد أمر له بصفة ما ذكروه دليل على أنه أمر له بالأمر الأول المتقدم، فصح ما قلناه. وليس لأحد أن يقول إن القول المتقدم من الله سبحانه الذي هو أمر بالفعل، ومن غيره ليس بأمر على الحقيقةً قبل حضور الوقت وكمال الآلة. كما أن الأمر بالزكاة مع عدم المال? وبالصيام قبل دخول الشهر، وبالصلاةً قبل دخول الزوال ليس بأمر بالفعل في الحقيقةً، لأن هذا القول خلاف دين الأمةً لأنها مطبقة على أن الله سبحانه أمر لنا بالحج والصلاةً والصيام، وترك المحارم والمحظورات في مستقبل الأوقات بشرط بقائنا، ومنكرون لقول من قال إنه غير أمر لنا ولا ناهٍ

стр. 735

لنا عن ذلك، فهو أمر بالزكاة مع عدم المال بشرط وجوده وكمال الحول والنصاب والأسباب التي عند كمالها تجب زكاة المال، فدعوى المدعي لوصفه بذلك مجازًا واتساعًا باطل، لا حجة عليه. ولذلك يقال فيمن فعل ما تقدم أمره به قد أطاع وفعل ما أُمر به، وكذلك يقال: قد كنت نهيتك عن هذا الفعل. وكنت أمرتك بكذا وتقدمت أن تفعل كذا، ولا تفعل كذا، وكل هذا مبطل ما ادعوه. فإن قالوا: أفتقولون أنه أمر بالمعدوم / على وجه الإيجاب عليه والإلزام؟ قيل: أجل، بشريطة أن إذا كنت ووجدت وجب عليك تنفيذ موجبه، كما نقول إننا مأمورون على الحقيقة بفعل الصلاة وترك المعاصي في غدٍ، بشريطة حصول الوقت وكوننا على صفة المكلفين. فصل: ومم يدل على ذلك - أيضًا - ويوضحه اتفاق الكل على صحة أمر الموصي في وصيته لمن يكون ويحدث من ولده ونسل نسله مما يذكره في سبيل وصيته. وإن كان المأمور بذلكن معدومًا بشرط أن يوجد فكان بصفة المكلفين، وليس في الأمة من يقول إن أمر الموصي ووصيته ونهيه أمرٌ ونهي على سبيل المجاز. وأن ما يفعله من يفضي إليه ولاية (الولاية) الوصية يفعل ما يفعله من شغلها بغير أمر الموصي. وأنه تصرف برأي الناظر دون موجب وصية الموصي. ولا فيهم - أيضًا - من يقول إن الموصى يُحدث وصية وأمرًا ونهيًا بعد موته لمن يفضي إليه النظر في وصيته. وإذا كان كذلك ثبت أن جميع ما يفعله الموصى إليه إنما يفعل بوصيته وأمره، وإن كان المأمور الموصى إليه معدومًا إلى أن كان ووجد، فصح ما قلناه.

стр. 736

فأما ما يدل على أنه لا يحتاج في أمر المعدوم إلى حضور متحمل ومؤدي يواجهه بالخطاب، فهو بالاتفاق - أيضًا - على أن كانت وصيته والموصى إليه فيها معدوم إذ كان في وصيته، وأمر ونهى فيها. وإن لم يكن هناك خاص متحمل، وإذا كان ذلك صح ما قلناه. ولأن الدلالة قد دلت على أن أمر الله ونهيه هو كلامه، وأنه أمر لنفسه، وأنه قديم من صفات ذاته غير محدث ولا مخلوق. وأنه لم يزل أمرًا به، ولا حاضر للخطاب مأمور بأدائه. فبطل ما قالوه. فأما من قال من أصحابنا: إن كلام الله إنما يكون أمرًا وخبرًا عند وجود المخاطر المخاطب لأجل إفهامه الخطاب، وأنه ليس بأمر ونهي لنفسه، فلا يمنع من القول بأنه لا يكون أمرًا للمعدوم إلا عند حضور متحمل مخاطب موجود. فأما تعلقهم في إحالة ذلك بأن الآمر المتكلم بالأمر وغيره، ولا أحد يواجهه ويسمع خطابه هاذي سفيه غير حكيم فإنه قول باطل، لأن هذا لو وجب لوجب فيمن يفعل الكلام ويصح منه تركه. فأما من يجب كونه متكلمًا في أزله، فذلك غير ثابت ولازم فيه. ولأن الكلام والأمر لو كان / ص ٢٨٧ هذيانًا للمتكلم إذا تكلم به من غير سامع له ولا مواجه به لوجب إذا هذى الطفل والمجنون والمبرسم بما يواجهونا به ونسمعه ونحصله أن نكون غير هاذين ولا سفهاء لأجل سماعنا له وحضورنا إياه، ومواجهتنا له، فلما لم يجب ذلك باتفاق بطل تحديد الهذيان من الأمر وغيره من أقسام الكلام بما قالوه، على أنهم لا يجدون كلامًا لأحد منا

стр. 737

يكون هذيانًا، لأنه كلام لم يسمع به أحد، لأنه لا أحد منا تكلم في سرٍ أو في جهر إلا والله سبحانه سامع كلامه، فيجب أن لا يكون لما قالوه أصلًا يرجع إليه ويقاس عليه، وليس القصد بالإكثار في هذه المسألة من القدرية إلا نصرة القول بحدث كلام الله وخلقه. وذلك باطل، مع أن الهذيان الذي ذكروه إنما هو الأصوات المسموعة المعبر بها عن الكلام الذي في النفس، وما في النفس لا يصح كونه هذيانًا مع توجهه إلى أمر صحيح. والقديم سبحانه لا يصح أن يعبر عن كلامه بما يدخل فيه ما ذكروه. فبطل ما قالوه. فصل: فأما اعتلال ما اعتل لإحالة ذلك من المخالفين في هذا الباب بأنه لو كان تعلق الأمر بالمعدوم على شرط ما قلناه لوجب أن يكون تعلقه بالموجود بهذا الشرط أولى، ولوجب أن يكون متعلقًا بالطفل قبل بلوغه وبالمجنون في حال حياته بشرط أنه إذا بلغ وأفاق وجب عليهما تنفيذه. فلما أجمعوا على إحالة تكليف الطفل والمجنون وإن كانت حالهما أمثل من حال المعدوم. وكانا أقرب إلى الفهم والتمكن من المأمور به امتنع - أيضًا - من المعدوم. فإنه يقال لهم: دعواكم الاتفاق على إحالة أمر الطفل والمجنون بشريطة

стр. 738

الإفاقة والبلوغ دعوى باطلة، لأن كل مجيز لتكليف المعدوم بشرط بقائه، ويقول هو مأمور في جميع أحواله إلى حين إيقاع الفعل قائلٌ بأن الصبي والمجنون مأمورون بشريطة البلوغ وزوال الجنون. وأما معنى قول الأمة أنهما غير مكلفين، وقوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاث عن الطفل حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق" إنما يريد رفع المأثم عنهما فيما يقع منهما ورفع الإيجاب المضيق، الذي يأثم من لم يكن منه ما وجب عليه، ولا إيجاب مضيق على الطفل والمعتوه، ويمكن أن يكون أراد رفع القلم عنهما بالخطاب لهما والموجهة، لأنه لا يعلم ذلك، ولا تصح مواجهته وتضيق الفرض عليه والخطاب له، وهو ممن (لا) يعلم شيئًا من ذلك/ ص ٢٨٨ فهذا (ما) أراد برفع القلم لا أنهم لا يكونون مأمورين على وجه من الوجوه، وإذا كان ذلك كذلك، بطل ما قالوه. واعتلوا - أيضًا - في إحالة أمر المعدوم بأنه لو صح ذلك لصح أمر الطفل

стр. 739

والمجنون، ولوجب صحة مدحهم على ما يفعلون وذمهم إذا لم يفعلوا، والوصف لهم بأنهم طائعون مثابون وعصاة معاقبون حتى يكونوا في ذلك كالمكلفين الموجودين، ولما كان ذلك باطل بإجماع الأمة لم يجز كون المعدوم ومن جرى مجراه مأمورًا. فيقال لهم: إن عنيتم بصحة ذمهم ومدحهم وإثابتهم وعقابهم ووجود تسميتهم عصاة وطائعين كونهم كذلك عند الوجود وزوال الطفولية والجنون، ووجود شرائط التكليف وتضيق الفرائض عليهم، فذلك واجب باتفاق، وصحيح على ما ألزمناهم. وإن عنيتم بذلك لزوم هذا الأمور لهم قبل البلوغ والوجود والإقامة، وحصول شرائط العبادة. فذلك باطل، لأنهم لم يلزموا في هذه الأحوال فرضًا مضيفًا حاضرًا وقته واجتناب شيء أقدموا على إصابته. ولا هم في هذه الأحوال مفرطون في أمر تضيق عليهم تفيذه، ولا راكنون لذنبٍ لزمهم اجتنابه، يستحقون بالإقدام والاجتناب مدحًا وذمًا وثوابًا وعقابًا. وإذا كان ذلك كذلك سقط - أيضًا - ما توهموه. وكل من لزمه حكم الأمر وموجبه بشرط بلوغه إليه فلم يبلغه لم يلزمه تنفيذ موجبه. ويجب على هذا أن يكون من لم تبلغه دعوة الإيمان لم يلزمه فعله، لأنه لا يجب عقلًا، وإنما يجب سمعًا ويجب على هذا الأصل أن يكون من بلغته الدعوة ولزمته الإيمان. و (من) لم يبلغه تفصيل فرائض الدين - ولم يكن له إلى علم ذلك سبيل بأن يكون في دار الكفر، وبحيث لا يجد من يبلغه - غير مخاطبٍ بها، ولا يمتنع من ذلك أن يكون فعل ما لم يبلغه وجوبه عليه إذا بلغه وتسميته نصًا، أو منع ذلك لا طائل فيه بعد أن يسلم أنه لم يكن وجب عليه ما لم يبلغ وجوبه إليه للكلام، ولا يمكن من العلم/ص ٢٨٩. وهذه جمل في هذا الباب كافية.

стр. 740

باب الكلام في أنه هل يصح أن يكون التكليف بالأمر والنهي دائمًا مؤبدًا إلى غير غاية أم لا ؟ اعلموا - رحمكم الله - أنه لا خلاف بين سلف الأمة وأهل الحق من خلفها في أنه جائز في عدل الله سبحانه وحكمته إدامة التكليف على عباده وصحة قطع تكليفهم بالموت. وإن لمن يعدهم بعده بثوابٍ ولا عقاب. وقد زعمت القدرية أنه لا يجوز في عدله وحكمته إدامة التكليف على عباده، ولا أن لا يعد من أطاعه ممن قطع تكليفه وأماته لأجل أن الثواب واجب عليه عندهم على الأعمال. والذي يجب عليه منه كونه دائمًا غير منقطع. فلو أدام عليهم التكليف لبطل ثواب عملهم، ولو أثابهم في خلال ذلك لم يكن ثوابهم إلا منقطعًا، وأوجب بعضهم - أيضًا - عقاب أهل الإجرام المستحق عليها للعقاب في المعاد. وأحالوا في حكمته الرحمة لهم بالغفران من جهة العقل. وهذا المذهب خروج عن قول إجماع الأمة، وترك - أيضًا - منهم لأصولهم الفاسدة.
следующие страницы →