← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17883

التقريب والإرشاد (الصغير)

الباقلاني

Полный текст (1 232 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فأما ما يدل على أنه لا يحتاج في أمر المعدوم إلى حضور متحمل ومؤدي يواجهه بالخطاب، فهو بالاتفاق - أيضًا - على أن كانت وصيته والموصى إليه فيها معدوم إذ كان في وصيته، وأمر ونهى فيها. وإن لم يكن هناك خاص متحمل، وإذا كان ذلك صح ما قلناه. ولأن الدلالة قد دلت على أن أمر الله ونهيه هو كلامه، وأنه أمر لنفسه، وأنه قديم من صفات ذاته غير محدث ولا مخلوق. وأنه لم يزل أمرًا به، ولا حاضر للخطاب مأمور بأدائه. فبطل ما قالوه. فأما من قال من أصحابنا: إن كلام الله إنما يكون أمرًا وخبرًا عند وجود المخاطر المخاطب لأجل إفهامه الخطاب، وأنه ليس بأمر ونهي لنفسه، فلا يمنع من القول بأنه لا يكون أمرًا للمعدوم إلا عند حضور متحمل مخاطب موجود. فأما تعلقهم في إحالة ذلك بأن الآمر المتكلم بالأمر وغيره، ولا أحد يواجهه ويسمع خطابه هاذي سفيه غير حكيم فإنه قول باطل، لأن هذا لو وجب لوجب فيمن يفعل الكلام ويصح منه تركه. فأما من يجب كونه متكلمًا في أزله، فذلك غير ثابت ولازم فيه. ولأن الكلام والأمر لو كان / ص ٢٨٧ هذيانًا للمتكلم إذا تكلم به من غير سامع له ولا مواجه به لوجب إذا هذى الطفل والمجنون والمبرسم بما يواجهونا به ونسمعه ونحصله أن نكون غير هاذين ولا سفهاء لأجل سماعنا له وحضورنا إياه، ومواجهتنا له، فلما لم يجب ذلك باتفاق بطل تحديد الهذيان من الأمر وغيره من أقسام الكلام بما قالوه، على أنهم لا يجدون كلامًا لأحد منا

стр. 737

يكون هذيانًا، لأنه كلام لم يسمع به أحد، لأنه لا أحد منا تكلم في سرٍ أو في جهر إلا والله سبحانه سامع كلامه، فيجب أن لا يكون لما قالوه أصلًا يرجع إليه ويقاس عليه، وليس القصد بالإكثار في هذه المسألة من القدرية إلا نصرة القول بحدث كلام الله وخلقه. وذلك باطل، مع أن الهذيان الذي ذكروه إنما هو الأصوات المسموعة المعبر بها عن الكلام الذي في النفس، وما في النفس لا يصح كونه هذيانًا مع توجهه إلى أمر صحيح. والقديم سبحانه لا يصح أن يعبر عن كلامه بما يدخل فيه ما ذكروه. فبطل ما قالوه. فصل: فأما اعتلال ما اعتل لإحالة ذلك من المخالفين في هذا الباب بأنه لو كان تعلق الأمر بالمعدوم على شرط ما قلناه لوجب أن يكون تعلقه بالموجود بهذا الشرط أولى، ولوجب أن يكون متعلقًا بالطفل قبل بلوغه وبالمجنون في حال حياته بشرط أنه إذا بلغ وأفاق وجب عليهما تنفيذه. فلما أجمعوا على إحالة تكليف الطفل والمجنون وإن كانت حالهما أمثل من حال المعدوم. وكانا أقرب إلى الفهم والتمكن من المأمور به امتنع - أيضًا - من المعدوم. فإنه يقال لهم: دعواكم الاتفاق على إحالة أمر الطفل والمجنون بشريطة

стр. 738

الإفاقة والبلوغ دعوى باطلة، لأن كل مجيز لتكليف المعدوم بشرط بقائه، ويقول هو مأمور في جميع أحواله إلى حين إيقاع الفعل قائلٌ بأن الصبي والمجنون مأمورون بشريطة البلوغ وزوال الجنون. وأما معنى قول الأمة أنهما غير مكلفين، وقوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاث عن الطفل حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق" إنما يريد رفع المأثم عنهما فيما يقع منهما ورفع الإيجاب المضيق، الذي يأثم من لم يكن منه ما وجب عليه، ولا إيجاب مضيق على الطفل والمعتوه، ويمكن أن يكون أراد رفع القلم عنهما بالخطاب لهما والموجهة، لأنه لا يعلم ذلك، ولا تصح مواجهته وتضيق الفرض عليه والخطاب له، وهو ممن (لا) يعلم شيئًا من ذلك/ ص ٢٨٨ فهذا (ما) أراد برفع القلم لا أنهم لا يكونون مأمورين على وجه من الوجوه، وإذا كان ذلك كذلك، بطل ما قالوه. واعتلوا - أيضًا - في إحالة أمر المعدوم بأنه لو صح ذلك لصح أمر الطفل

стр. 739

والمجنون، ولوجب صحة مدحهم على ما يفعلون وذمهم إذا لم يفعلوا، والوصف لهم بأنهم طائعون مثابون وعصاة معاقبون حتى يكونوا في ذلك كالمكلفين الموجودين، ولما كان ذلك باطل بإجماع الأمة لم يجز كون المعدوم ومن جرى مجراه مأمورًا. فيقال لهم: إن عنيتم بصحة ذمهم ومدحهم وإثابتهم وعقابهم ووجود تسميتهم عصاة وطائعين كونهم كذلك عند الوجود وزوال الطفولية والجنون، ووجود شرائط التكليف وتضيق الفرائض عليهم، فذلك واجب باتفاق، وصحيح على ما ألزمناهم. وإن عنيتم بذلك لزوم هذا الأمور لهم قبل البلوغ والوجود والإقامة، وحصول شرائط العبادة. فذلك باطل، لأنهم لم يلزموا في هذه الأحوال فرضًا مضيفًا حاضرًا وقته واجتناب شيء أقدموا على إصابته. ولا هم في هذه الأحوال مفرطون في أمر تضيق عليهم تفيذه، ولا راكنون لذنبٍ لزمهم اجتنابه، يستحقون بالإقدام والاجتناب مدحًا وذمًا وثوابًا وعقابًا. وإذا كان ذلك كذلك سقط - أيضًا - ما توهموه. وكل من لزمه حكم الأمر وموجبه بشرط بلوغه إليه فلم يبلغه لم يلزمه تنفيذ موجبه. ويجب على هذا أن يكون من لم تبلغه دعوة الإيمان لم يلزمه فعله، لأنه لا يجب عقلًا، وإنما يجب سمعًا ويجب على هذا الأصل أن يكون من بلغته الدعوة ولزمته الإيمان. و (من) لم يبلغه تفصيل فرائض الدين - ولم يكن له إلى علم ذلك سبيل بأن يكون في دار الكفر، وبحيث لا يجد من يبلغه - غير مخاطبٍ بها، ولا يمتنع من ذلك أن يكون فعل ما لم يبلغه وجوبه عليه إذا بلغه وتسميته نصًا، أو منع ذلك لا طائل فيه بعد أن يسلم أنه لم يكن وجب عليه ما لم يبلغ وجوبه إليه للكلام، ولا يمكن من العلم/ص ٢٨٩. وهذه جمل في هذا الباب كافية.

стр. 740

باب الكلام في أنه هل يصح أن يكون التكليف بالأمر والنهي دائمًا مؤبدًا إلى غير غاية أم لا ؟ اعلموا - رحمكم الله - أنه لا خلاف بين سلف الأمة وأهل الحق من خلفها في أنه جائز في عدل الله سبحانه وحكمته إدامة التكليف على عباده وصحة قطع تكليفهم بالموت. وإن لمن يعدهم بعده بثوابٍ ولا عقاب. وقد زعمت القدرية أنه لا يجوز في عدله وحكمته إدامة التكليف على عباده، ولا أن لا يعد من أطاعه ممن قطع تكليفه وأماته لأجل أن الثواب واجب عليه عندهم على الأعمال. والذي يجب عليه منه كونه دائمًا غير منقطع. فلو أدام عليهم التكليف لبطل ثواب عملهم، ولو أثابهم في خلال ذلك لم يكن ثوابهم إلا منقطعًا، وأوجب بعضهم - أيضًا - عقاب أهل الإجرام المستحق عليها للعقاب في المعاد. وأحالوا في حكمته الرحمة لهم بالغفران من جهة العقل. وهذا المذهب خروج عن قول إجماع الأمة، وترك - أيضًا - منهم لأصولهم الفاسدة.

стр. 741

فأما وجه خروجهم عن دين المسلمين فلإجماعهم على أن أقل نعمة الله سبحانه على خلقه يستحق بها عليهم أن يعبدوه ويطيعون. وإذا ثبت ذلك لم يستحق عليه ثواب، ولو كان الثواب على العمل مستحقًا عليه لم يكن له عليهم من الإنعام ما يجب به طاعته، كما أنه لما استحق بعضًا على بعض أجرة عمله لم يستحق عليه الطاعة بالعبادة. فبان بذلك خروج هذا القول عن دين الأمة. وأما كونه نقضًا لمذهبهم فلأنهم يزعمون أن جميع ما أوجبه الله سبحانه وندب إليه، وسائر ما حرمه وتوعد عليه هو نفسه واجب كالمعرفة وشكر النعمة والاعتراف بالربوبية، أو داعٍ إلى فعل ذلك وقبيح لنفسه واجب تركه بقضية العقل، أو داعٍ إلى فعل قبيح هذه سبيله، وإذا كان العقل يوجب على العاقل المكلف فعل ما أمره الله به وترك ما نهاه عنه، فمن أين يجب استحقاق ثواب على ترك أو إقدام؟ والعاقل إنما فعل من ذلك ما وجب عليه، فهو لذلك بمثابة قاضي الدين منا والخارج عما يلزمه فعله في أنه غير مستحق لثواب على ذلك. وهذا واضح في إبطال قولهم. فأما دعواهم استحقاق الثواب الدائم على أعمال متقطعة فإنه باطل لو كان الثواب مستحقًا لما قد بيناه في غير هذا الموضع، فكيف وقد بينا أنه غير مستحق. وقد تقصينا الكلام في هذا الفصل في أصول الديانات في فصول القول/ ص ٢٩٠ في التكليف والوعيد والإعادة والتعديل والتجوير بما يغني يسيره الناظر فيه إن شاء الله.

стр. 742

باب الكلام في أن فرض الإيمان واعتقاد وجوب الواجبات في المستقبل والعزم عليها دائم الوجوب أم لا ؟ قد بينا فيما سلف وجوب تكرار العزم على فعل الواجب في المستقبل وإن لم يلزم المعزوم عليه ألا دفعة واحدة. وذكرنا الفصل بينهما، وهو أنه متى لم يعزم على ذلك مع ذكر العبادة، وجب كونه عازمًا على الترك، ومصرًا على ذنب محرم، فوجب دوام العزم. ويجب - أيضًا - دوام اعتقاد الوجوب لأمرين: أحدهما: إن وجوب تكرار العزم مقرون بوجوب تكرار اعتقاد الوجوب، لأنه لو لم يتكرر وجوب الاعتقاد لم يتكرر العزم، لأنه إنما يعزم على فعل ما يعتقده واجبًا، فإذا خلا من هذا الاعتقاد لم يصح منه فعل العزم على أداء واجب لا يعتقد وجوبه، ولا يعلم ذلك من حاله. فأما الإيمان فلابد من وجوب تكرره مع السلامة وذكر التكليف، لأنه لا يخلو من العلم بالله والإقرار به وبتصديقه وتوحيده إلا بجحد ذلك وإنكاره. وكذلك القول في وجوب تكرر تعظيم النبي ﷺ وتصديقه واعتقاد نبوته مع السلامة وذكر التكليف. ولو لم يفعل المكلف ذلك والحال هذه لوجب كونه فاعلًا لضده، وذلك محرم واجب تركه. وأما النطق بكلمة التوحيد والرسالة فهل يجب تكرار ذلك أم لا تجب أصلًا؟ أم تجب مرة في العمر؟ موقوف على حجة السمع، وما يرد التعبد به من ذلك.

стр. 743

لأن النطق بذلك ليس هو حقيقة الإيمان. إن التصديق والمعرفة بالتوحيد والنبوة من أفعال القلوب، والنطق بالأصوات دلالة عليه إذا وقع من عاقل قاصد. ولذلك كان الساكت والممنوع من النطق بالشهادتين مؤمنًا مخلصًا إذا اعتقد ذلك بقلبه. ولأجله كان الأخرس مخلصًا مؤمنًا وإن لم يكن متكلمًا ناطقًا بلسانه ولم يكن النائم والمغلوب بالآفات مؤمنًا وإن نطق بذلك من غير علمٍ وقصدٍ واعتقاد. ولو وجد النطق بذلك وعدم في الاعتقاد له، أو وجد الاعتقاد لضده لم يكن الناطق به مؤمنًا، ولذلك لم يكن المنافق مؤمنًا، وإن كان ناطقًا. وقد بينا الكلام في هذا الباب، وتقصيناه في أصول الديانات بما يغني متأمله إن شاء الله تعالى /ص ٢٩١ وإذا كان ذلك كذلك وجب أن يكون حكم النطق بهما وحكم الناطق بالصلاة على النبي ﷺ موقوفًا في وجوب تكراره على السمع أو الاقتصار على فعل مرة في العمر أو مرات مخصوصة. ووجوب ذلك عند الخوف من القتل والنسبة إلى الكفر، وغير ذلك من وجوه الضرب بترك الإظهار موقوفًا على ما يريده ويوجبه السمع. وقد ذكر عن بعض الفقهاء والمتكلمين أن النطق بذلك أجمع لا يجب تكرره، وإنما. يلزم مرة في العمر. فإن كان الإجماع والتوقيف ثابتًا بخلاف ذلك وجب اطراح القول به، وإن لم يرد سمع، وما يقوم مقامه دال على وجوب تكرره لم يجب ذلك. وإن ورد أمر مطلق في القرآن أو السنة بأن قول ذلك واجب على المكلفين لم يوجب ظاهره أكثر من فعل ما يدخل به في أوائل الاسم على ما بيناه من قبل، ومع ذلك فلا

стр. 744

ينكر قيام دليل على وجوب ما نريده على موجب إطلاقه من التكثير والتكرار. فأما الصلاة على النبي ﷺ فيمن يوجبها في الصلاة في التشهد والجلوس فهو موجبٌ لتكررها في الصلاة. فأما وجوب تكررها خارجًا عنها فبعيد. ووجوب تكررها في الصلاة مسألة اجتهاد، وموقوف القول فيه على مقتضي الحجة. فإن قيل: إذا كان مطلق الأمر بالفعل لا يقتضي إلا فعل مرة واحدة وجب أن يقول إن كل متوضئ ومصلي وصائم ومزكي ومتجنب لمحرم لم يتكرر ذلك عليه. نحو قوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقوله تعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ وقوله

стр. 745

تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى﴾ وقوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ إلا مرة واحدة في العمر ونافي ذلك معقول. يعني مطلق هذه الظواهر. قيل: كذلك نقول، وإنما حملت على التكرار لحجة ودليل. وهي وإن لم يقتض إطلاقها ذلك. فإنها مما يجوز أن يراد بها التكرار بدليل، ولو لم يصح إفضاؤها إلى ذلك لم يقم دليل على أنه مراد بها، لأن الدليل لا يقوم على أنه مراد باللفظ إلا بما يصح استعماله فيه، ولهذا جاز أن يقال: إن من قال لامرأته طلقي نفسك، وأراد طلاقها في القلب جاز ذلك، ولزمه الطلاق. فأما قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فإنما عقل منه ثلاث تطليقات لقوله: "لعدتهن" والعدة ثلاث حيض. وإذا ندت ثلاث وجب أن يعقل من الطلاق للعدة ما يحكم به من تقدير العدة، ولو أطلقه لوجب مرة بحق الإطلاق واحتمل أكثر منها بدليل. وكذلك لو قال لعبدٍ تزوج وأراد وأكثر من واحدة جاز وصح تزويجه باثنتين في/ص ٢٩٢ أمثال ذلك. وهذه جملة في هذا الفصل مقنعة إن شاء الله.

стр. 746

باب القول في ترتيب أوامر الشرع وما يجب منها على الكل وما يجب على فريق دون فريق، وما يجب على الكفاية دون الأعيان قد بينا فيما سلف أن فرض الإيمان وتصديق الرسل ﵈ من فرائض الأعيان ولازم لكل واحد من العقلاء في عينه، لا يسقط عن البعض لقيام البعض به. وكذلك القول في كل ما جرى مجراه من فرض الصلاة والحج والصيام. والضرب الثاني تختلف فيه فرائض المكلفين كفرض الحر والعبد والمقيم والمسافر والطاهر والحائض، وأمثال هؤلاء ممن اختلفت فرائضهم. والضرب الآخر يلزم فريق من الأمة دون فريق كفروض الأئمة وخلفائهم من إقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وتسليم الغنائم، وحماية البيضة. وكل ما يتعلق فرضة بالأئمة، مما لا يجوز تولي غيرهم وغير خلفائهم له. ومنه - أيضًا - فرض الحكام والمفتين في الدين، لأنه من فرائض العلماء والحكام دون العامة. ومن الفروض ما هو فرض على الكفاية دون الأعيان. ومعنى وصفه بأنه فرض على الكفاية أنه لازم لكل واحد من الأمة في عينه بشريطة إن لم يقم به غيره، فإن فعله الغير سقط عن سائر الباقين. وذلك كفرض الجهاد والصلاة

стр. 747

على الميت ومواراته، ورد السلام، وعقد الإمامة عند الحاجة إلى العقد، والفتيا في النازلة، لأنه إذا أفتى بعض العلماء سقط عن الباقين، في أمثال هذا مما أمر به كل واحد من الأمة بشرط أن لم يقم به الغير. فصل: واعلموا - رحمكم الله - أن من حق ظاهر الأمر لمأمور مخصوص أو لحملة منهم، أو العام المتناول لسائرهم أن يكون أمرًا للمأمور بالفعل من غير أن يكون مشروطًا سقوطه بقيام الغير به، لأن قيام غير المأمور بمثل ما أمر به ليس بفعل له، وإنما هو فعل لغيره. والظاهر - باتفاق - هو أن الواجب على المكلف لا يسقط بفعل غيره لمثله، وإنما يجب اشتراط (سقوطه لقيام الغير به بحجة ودلالة). وإذا كان ذلك كذلك فلا فرق بين أن يقال: يا زيد صل، أو يا نفر صلوا. ويقول: يا أيها الناس أو المؤمنون اتقوا ربكم، فعلموا في أن ذلك أمر يقتضي إيقاع الفعل من المأمور، وأنه لا يسقط عنه بفعل غيره لمثل ما أمر به. فإن دل دليل على أن فعل الغير قد جعل قائمًا مقام ما أمر به ورخص له، وخففت محنته بإسقاط ما وجب عليه لفعل غيره لمثله صير إليه، وإلا فمن حق الآمر اقتضاء الفعل /ص ٢٩٣ من المأمور به فعل غيره مثله أو لم يفعل. وكذلك، فإذا قال: يا عبادي ويا أيها الناس افعلوا كذا لزم كل واحد منهم

стр. 748

الفعل من غير اشتراط اجتماعهم عليه، والاشتراك فيه، وأنه لا يلزم كل واحد منهم إلا بأن يفعل الآخر مثله. وإنما يجب اشتراط اجتماعهم في أدائه وتعلق فرضه بدليل يوجب ذلك غير مطلق الأمر باللفظ العام عند مثبتيه، أو المتوجه إلى شخص بعينه، أو نفر مخصوصين بأعيانهم. والدليل على ذلك أنه لو كان مقتضي مطلق الأمر للمكلف يقتضي أن لا يجب إلا باجتماعهم عليه، ويقتضي سقوط فرضه إذا فعل الغير مثله، أوجب ذلك في جميع إطلاقات الأوامر، وأن لا يوجب فرضًا على أحد إلا باجتماع الكل، وأن يسقط كل فرض يوجبه على مكلف عند فعل غيره لمثله. وهذا مالا يعرف خلاف فساده، فصح ما قلناه، ووجب من هذه الجملة أن لا يحصل الفرض على الكفاية، ولا يشرط في لزومه الاجتماع له إلا بدليل. فصل: فإن قيل: فإذا كان معنى أن الفرض على الكفاية أنه إذا قام به البعض سقط عن الباقين، فلم قلتم إنه لازم لكل واحد من الأمة في عينه بشريطة إن لم يقم به غيره؟ وما أنكرتم أن يكون فرضًا على من قام به فقط؟ يقال لهم: لو كان ذلك كذلك لكان إذا فعله غير ذلك الفاعل لم يفعل الواجب، لأنه إنما وجب على ذلك الفاعل بعينه، وهذا خلاف الإجماع، فدل ذلك على أن كل واحد منهم مخاطب في نفسه بفعله بشرط إن لم يقم الغير به. ولأنه إذا قال يا أيها المؤمنون جاهدوا وصلوا على الميت فذلك بحق العموم ولفظ الجمع خطاب للجماعة وسائر من يقع عليه الاسم، فكيف يقال إنه فرض واحدٍ منهم، والظاهر

стр. 749

خلاف ذلك. فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون شرط فرضه بأن لا يقوم الغير به دليل على أنه ليس بواجب على الجميع؟ قيل: بل هذا هو الدليل على أنه خطاب للجميع بهذه الشريطة. ولا يعرف أيضًا خلاف في أن ما ذكرناه من فروض الكفاية ليست بواجبة على كل واحد بعينه وإن فعل الغير مثله، لأن ذلك يجعله من فرائض الأعيان، وذلك باطل. ولا نعرف - أيضًا - خلاف بينهم أنهم ليسوا بمأمورين بالجهاد، وفرض إقامة الإمام، والصلاة على الميت على أنه أمر لكل واحد منهم بعينه، قام به الغير أم لم يقم به. فلم يبق وراء ذلك إلا ما قلناه من أن كل واحد منهم مأمور بالفعل بشريطة أن لم يقم به الغير. فصل: فإن قيل: فما وجه هذا التكليف وإسقاط الفرض لقيام الغير به، وجعل وجوبه مشروطًا/ص ٢٩٤ إن لم تقم به الغير من الأمة. قيل: لا يلزمنا تعليل ذلك ومعرفة علته، لأن الله سبحانه يتعبد من ذلك بما شاء، ومع هذا فيمكن أن يكون هذا التكليف صادرًا على وجه الرخصة

стр. 750

وتخفيف المحنة. ومن حيث أنهم لو كلفوا جميعًا الصلاة على الميت وحضور مواضع الجهاد ومجلس الإمام المعقود له لشق ذلك عليهم وأدى إلى فساد الحرث والنسل، وتعطيل كثير من العبادات، وبمثابة التعبد بالقصر عند السفر وإباحة الإفطار، وإسقاط فرض القيام في الصلاة عن المريض، وأمثال ذلك من الرخص.

стр. 751

باب الكلام في فصول النهي وأحكامه اعلموا - رحمكم الله - إن أكثر ما ذكرناه في أحكام الأمر يدل إذا تأمل على أحكام نقيضه من النهي. فيجب التنبه عليه من أبواب الأمر. وأول ما يقال منه إن النهي: "هو القول المقتضى به ترك الفعل" والقول تركه واجتنابه والانصراف عنه بمعنى واحد. ومن زعم أنه قد يخل المكلف من الفعل، فإنه يقول: "هو (القول) المطالبة بأن لا يفعل الفعل" على ما بيناه من قبل. والأول هو الصحيح. وما بينا به أن الأمر معنى في النفس يعبر عنه بهذه الأصوات، وأنه أمر لنفسه، وأنه لا يوجد ولا مثله إلا وهو أمر يدل على ذلك من حكم النهي. وكذلك ما بيناه بم أنه لا يجب أن يُعتبر في أن الأمر ضرورة ممن هو فوق المأمور يدل على أنه لا يجب أن يُعتبر في وجوب كون النهي نهيًا ضرورة عمن هو فوق المنهي عنه. وما دللنا به على أنه لا يصح أمر الآمر لنفسه يقتضي أن لا يصح نهيه لنفسه.

стр. 752

وما بينا به أنه لم يكن للآمر أمرًا لإرادة للمأمور به دليل على أنه لا يجب كون النهي نهيًا لكراهة المنهي عنه. وما أوضحنا به أن الأمر ينقسم إلى واجب وندب، فوجب أن النهي - أيضًا - ينقسم إلى واجب وندب، وأنه إذا كان ندبًا كان تركه غير معصية ولا نسخ، على ما بيناه من قبل. وما دللنا به على أن كلام الله سبحانه الذي هو أمره فهو نهيه، وأن أمره إذا لم يصح له لم يوصف بالحسن والقبيح من حيث كان قديمًا ليس بفعل، فدل على استحالة وصف نهيه بالحسن والقبح. وقد ثبت أن أمره تعالى هو نهيه وهو خبره، وأنه أمر بكل ما أمر به، ونهي عن كل ما نهى عنه. وما دللنا به على أن الأمر لا يقتضي تكرار الفعل مطلقًا كان أو مشروطًا هو الدليل على أن النهي لا يقتضي تكرار ترك الفعل واجتنابه، وذكرنا الخلاف/ ص ٢٩٥ في ذلك. وكذلك فكل ما دللنا به على أن الأمر ليس على الفور يوجب أن يدل على أن النهي كذلك وقد ذكرنا في الفصل بينهما وجوهًا أخر. وما بينا به أن فعل مثل المأمور بعد تقضي وقته لا يجب بنفس الأمر به

стр. 753

يقتضي أن لا يجب ترك الفعل في غير الوقت الذي أمر بالترك له فيه إلا بنهي ثاني. وما دللنا به على أن الأمر إذا تكرر على غير وجه التأكيد يقتضي تكرار المأمور به يوجب تكرار الترك للفعل بتكرار النهي عنه على وجه التأكيد. وما بينا به أن الأمر لا يجوز إلا بما يصح ويتأتى فعله أو تركه، يوجب - أيضًا - أن النهي لا يصح إلا عما يصح فعله أو تركه. وما دللنا به على وجوب كون المأمور به معلومًا متميزًا يدل على وجوب كون المنهي عنه معلومًا. وما بينا به أن الأمر بالشيء بعد تقدم حظره محتمل للوجوب والندب دال على أن المنهي عنه بعد تقدم الأمر محتمل الوجوب والندب، وأنه على أصله، وكما لو لم يتقدم أمر به. وما دللنا به على أن الأمر يقارن وجود المأمور به يدل - أيضًا - على أن النهي يقارن وجود المنهي عنه. وقد بينا أن الأمر بالفعل المؤقت بوقت لا يستغرقه، ولا يجب أن يفعل في جميعه، بل المأمور مخير في فعله في أي أجزاء الوقت شاء، ويجب أن يكون النهي بخلافه، لأنه إذا وقت بزمان ترك الفعل وجب الكف في جميعه، وهذا

стр. 754

مطرد خاصة على قول من زعم أن مطلق النهي على التكرار وأنه يفارق الأمر في هذا الباب، وإذ لم نقل بذلك جاز أن نقول إنه إذا نهي عن الفعل في وقت لا يستغرقه لم يجب الكف فيه إلا دفعة واحدة، والنهي عن الشيء أمر بالدخول في ضده لا محالة إذا كان له ضد واحد. فإن كانت له أضداد فهو أمر بالدخول في بعض أضداده. وقد بينا فيما سلف الفرق بين أن يكون الأمر بالشيء نهيًا عن جميع أضداده، وبين أن يكون النهي عنه أمرًا بالدخول في جميع أضداده.

стр. 755

باب القول في النهي عن شيئين أو أشياء على وجه (التخيير وبلفظه وهل يصح ذلك أم لا ؟) اختلف الناس في هذا الباب. فقال فريق منهم: لا يجوز النهي عن شيئين أو أشياء على وجه التخيير ولم يُفصلوا ذلك، وزعموا أن هذا موجب اللغة والدليل. وأن القائل لا تصحب فاسقًا أو خليعًا، ولا تطع زيدًا أو عمرًا، فهم من ذلك النهي عن صحبتهما جميعًا. قالوا: وعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ يريد ولا كفورًا. ولابد أن يقدر في الثاني من المذكور حرف ولا كفورا/ص ٢٩٦

стр. 756

قالوا: فأما إيجاب الدليل لذلك فإنه ظاهر، لأن النهي عنهما قد اقتضى قبحهما ودل على ذلك من حالهما، والنهي عن القبيح واجب، ومحال تخيير المكلف بين فعل متخير وإطلاق فعل أحدهما. وقال فريق آخر ممن تكلم في هذا الباب: يجوز ألنهي عن شيئين على جهة التخيير. وأطلقوا - أيضًا - ذلك من غير تفصل. والواجب عندنا في هذا الباب تفصيل ذلك وتنزيل فعل المكلف، وبيان ما يجوز النهي عنه والأمر به على وجه التخيير، وما لا يجوز ذلك فيه. اعلموا أن سائر أفعال المكلف لا تخلو من ثلاثة أقسام: إما أن تكون متماثلة، أو مختلفة غير متماثلة ولا متضادة، أو مختلفة متضادة. وكذلك القول في كل موجودين كيف تصرفت حالهما. فالمماثل من فعل المكلف وغيره كالكونين في المكان الواحد والصوتين المتفقين والإرادتين لمراد واحد، وما جرى مجرى ذلك. وهذا مما لا يصح الأمر للمكلف باثنين منه أو أكثر أو النهي له عن ذلك على جهة التخبير، وأن يقال له أفعل هذا بدلًا من هذا، أو اترك هذا إن شئت. وافعل هذا أو افعل هذا واترك ذاك، لأنه مما لا يتميز للمكلف ولا يعرفه على التفصيل وحاله هذه اللهم إلا أن يضطر إلى العلم بتفصيل ذلك. ولهذا لا يصح أن يقال له: صل ركعتين فرضًا للصبح، وأنت مخير بين أربعة منها، أو بين ما يصح أن تقدر عليه من ذلك. فافعل أيها شئت، لأنه مما لا يتميز فلا يصح لذلك أمره بالجمع بين اثنين منه لا يتميز ذلك له ولاستحالة اجتماع مثله في محل واحد في زمن واحد لما قد بيناه في الكلام في أصول الديانات، والنهي عن الجمع بينهما لهذه العلة. وأما المختلف من أفعاله فنحو الكون في المكان، والكلام والإرادة والعلم

стр. 757

والسكون والعزم، وأمثال هذا مما يطول ذكره. وقد بينا فيما سلف صحة الأمر بفعل ذلك على الجمع وعلى التخيير بما يغني عن إعادته. فكذلك يصح النهي عنهما على الجمع بين تركيهما، ويصح النهي عنهما على التخيير، ويكون معنى ذلك أن لا تفعل أحدهما وافعل الآخر، واترك أيهما شئت واجتنب الإقدام عليهما أو الترك لهما. وربما اتفق كون النهي عنهما على هذا الوجه على المصلحة دون الكف عنهما جميعًا. وأما المتضاد من فعله فنحو النطق والسكوت والحركة عن المكان والسكون فيه، والإرادة للشيء والكراهة له. وأمثال ذلك. وقد بينا فيما سلف أن الأمر بما هذه حاله على جهة التخيير/ص ٢٩٧ لا يمكن أن يكون أمرًا بالجمع بين الضدين، لاستحالة ذلك وامتناعه. وإنما يكون أمرًا بفعل أيهما شاء المكلف بغير عينه. وكذلك - أيضًا - يصح النهي عنهما جميعًا بلفظ التخيير إذا كان لهما ضد ثالث. يُخرج إليه عنهما جميعًا، ولا يصح النهي عنهما على المطالبة بالخلو منهما بالخروج عنهما جميعًا مع استحالة خلوه منهما، كما يستحيل الأمر بالإقدام عليهما مع استحالة اجتماعهما. وقد يصح - أيضًا - عن ضدين أو أضداد بلفظ التجزء على وجه التخيير بين ترك أي ذلك شاء المكلف. وأن يتفق في المعلوم عن الكف عن بعض ذلك بغير عينه هو المصلحة دون الجمع بين الكل عنهما، هذا هو الحق الذي نذهب إليه، ومنع ذلك وإحالته باطل من دين القدرية لا حجة لهم عليه.

стр. 758

وأما دعواهم ودعوى من وافقهم بأن ذلك موجب اللغة، فإنها دعوى باطلة، لأن مثل هذا اللفظ مشترك بين كونه نهيًا عنهما جميعًا وبين كونه نهيًا عن أحدهما بغير عينه. وإنما حملنا قوله تعالى: ﴿ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ على النهي عن طاعتهما للعلم بتقدم النهي والتحريم لإتباع الآثم والكفور لا بموجب الإطلاق. ولهذا صح أن يقول القائل: تصدق بدرهم أو دينار ويكون مخيرًا للمأمور بصدقة أيهما شاء. وصح - أيضًا - أن يقول تارة لا تصدق بدرهم للمأمور بصدقة أيهما شاء. وصح - أيضًا - أن يقول تارة لا تصدق بدرهم أو دينار، وهو يريد أن يصدق بأحدهما من غير تعيين. فجاز - أيضًا - على هذا أن يقول القائل: لا تطع زيدًا أو عمرًا، وهو يريد النهي عن طاعة كل واحد منها. وجاز أن يقول ذلك وهو يريد أن أطع أيهما شئت، واعص من شئت منهما على وجه التخيير. ولو فسر كلامه بذلك لصح، فوجب أن يصلح اللفظ للأمرين جميعًا. فأما دعواهم أنه إذا نهي عنهما على وجه التخيير لم يخير في وجوب الكف عن كل واحد منهما إلا وهما في معلومه قبيحان مكروهان، ولون كان فيهما ما ليس كذلك لم يصح نهيه على وجه التخيير، ولا على غير ذلك. لأن النهي عن الحسن قبيح، وأنه قول باطل، لأننا قد بينا فيما سلف أنه لا قبيح في العقل، وفي معلوم الله تعالى قبل حكمه بوجوب الذم والانتقاض في فاعل القبيح بما يغني عن إعادته. وأما تعلقهم في ذلك بأنه إذا نهي عنهما وجب أن يكون الكف عنهما مصلحة، ومحال منه إطلاق فعل أحدهما مع كونه مفسدة، فإنه تعلق باطل من وجهين: أحدهما/: ص ٢٩٨ إنه إذا لم يكن النهي عنهما على وجه التخيير وبلفظه نهيًا عنهما

стр. 759

جميعًا، وإنما يكون نهيًا عن أحدهما بطلت دعواهم إنه لابد من كونه ناهيًا عنهما بهذا اللفظ. وإنما يجب أن يكون الجمع بين الكف عنهما هو المفسدة، والمصلحة في أن لا يفعل أحدهما ويفعل الآخر إن شاء، أو يجب فعله أو يندب إليه. فمن أين أن الكف عنهما هو المصلحة.؟ والوجه الآخر: إننا لا نعتبر في التكليف كونه مصلحة على ما بيناه من قبل، فيجوز على أصول أهل الحق إطلاق فعل ما نهي عنهما بلفظ التخيير أو إيجابه أو الندب إليه وحظر مثله من المفسدة والمنع منه. وقد تقصينا هذا من قبل، فبطل ما ظنوه. ولا يجوز التعلق في ذلك بأن النهي عن شيئين على التخيير نهي عنهما، كما أن الأمر بهما على التخيير أمر بهما. لأنا قد بينا من قبل أن الأمر بهما على التخيير أمر بأحدهما بغير عينه. فكذلك النهي عنهما على هذا الوجه. فصل: وقد بينا من قبل أنه محال نهيه تعالى عن فعل الضدين بلفظ التخيير، أو غيره من العبارات إذا كانا لا ضد لهما ثالث يخرج المكلف عنهما بفعل والدخول فيه، لأنهما إذا كانت هذه حالهما استحال عروه منهما. نحو أن يقال له لا تنطق ولا تسكت، ولا تخرج عن المكان ولا تقم فيه، وأمثال ذلك مما يستحيل انفكاكه منه وخروجه عنه. ولا يجوز عندهم أن يقال: إنه يعلم سبحانه أن مصلحة المكلف في الخروج

стр. 760

عن الضدين والانفكاك منهما مع علمه باستحالة ذلك. كما لا يجوز أن يقال إنه يعلم المصلحة أو المفسدة في الجمع بينهما، أو في الإقدام عليهما مع العلم باستحالة ذلك. وأما نحن فإنما يجوز أن يعلم الله سبحانه أن فعل جميع المتضادات التي لا ينفك المكلف من سائرها مفسدة له، وأن جميع تصرفه المتماثل منه والمختلف والمتضاد مفسدة له، وداع إلى مخالفة أمره وإن صح خلقه وإكمال عقله وضرب التكليف عليه، وإن كان يعلم أن جميع ما يقع منه مفسدة. وقد بينا هذا في أصول الديانات، فلا اعتبار عندنا بهذا الباب. ومن أجاز من أصحابنا في حكم الله تعالى وعدله تكليف ما يستحيل وقوعه لا يحيل في صفته/ ص ٢٩٩ تكليف الغافل الإقدام على اكتساب الضدين معًا وتكليفه - أيضًا - الخروج عنهما، وإن استحال ذلك منه. فصل: وقد أحال أكثر المعتزلة خلو المكلف من فعل الضدين الذين لا واسطة بينهما، وخلوه من جميع ماله وسائط من الأضداد. وزعم ابن الجبائي أن للقادر منا حالتين (حالة) يصح أن يخلو فيها من الأفعال المتضادة التي هو قادر عليها، وغير ممنوع منها، وحالة لا يصح خلوه فيها من فعل بعض الأضداد التي في قدرته. قال: فالحال التي يصح فيها خلوه من المتضادات حال استلقائه على الأرض واستناده. والحال التي لا يصح

стр. 761

ذلك فيها هي التي يكون فيها قائمًا أو ماشيًا ومنقلبًا ومنصرفًا. وقد دللنا في الكلام في الأصول على استحالة خلو القادر على الفعل وضده الذين يصح وقوعهما منه على البدل منهما بطرق منها: إن الدليل قد دل على أن الاستطاعة مع الفعل محال خلو القادر منا من غير مقدوره. وبأن ذلك لو صح في المحدث لكان في القديم أولى. ولصح منه تعالى أن يخلي الجواهر من سائر المتضادات من الأكوان وغيرها مع احتمالها، وذلك يؤدي إلى قدمها، بغير هذا من الطرق، فبطل ما قالوه. فصل: وقد زعم بعض أصحابه أنه إذا صح خلو القادر على الفعل وضده منهما في بعض الأحوال صح وجاز أن يعلم الله سبحانه أن جميع ما يقدر عليه من المتضاد مفسدة، وداعي إلى القبيح، ووجب في حكمته تعالى نهيه له عن فعل شيء منها والتزامه الخروج عن سائرها. لأنها إن أمره بفعل بعضها أو أباحه ذلك وجب أن يكون أمرًا أو مبيحًا للقبيح. وذلك ينقص حكمته. قال: فأما إذا كانت حاله حال لا يجوز فيها أن يخلو من سائر مقدوراته المتضادة لم يصح أن يكون المعلوم من حال مقدوراته إن جميعها مفسدة وقبح من فعله. لأنه لو اتفق مثل هذا في المعلوم لوجب أن لا يصح انفكاك المكلف من فعل القبيح. ولوجب أن يذم بفعل بعضه إذا وقع منه، ولا يذم لوجوب كونه غير منفك منه. قال: ولما كان كل فاعل للقبيح مستحق عليه الذم علم أنه لا يمكن أن يكون/ص ٣٠٠ منه مالا يصح خلو المكلف منه.

стр. 762

فأما نحن فإننا نقول: إن الأضداد أو بعضها إنما تقبح بحكم الله سبحانه بقبحها، لا لكونها في معلومه على صفة تقتضي قبحه فلا نحتاج إلى هذا التفصيل. ونقول - أيضًا - إنه لو اتفق أن يكون جميع مقدورات المكلف المتضادة مفسدة قبيحًا لجاز في حكم الله سبحانه أن يطلق له فعل الواحد منها، ويكون بذلك حكمًا فيصح لذلك النهي عن فعل جميعها أو إطلاقه لجميعها، ولا اعتراض عليه في شيء من ذلك. فصل: فإن قال قائل: فإذا كان المكلف لا ينفك من بعض مقدوراته ومن الفعل وتركه. فما تقولون فيمن دخل زرع غيره، ومن جلس على صدر غيره، ومواضع أنفاسه، وفيمن أولج في فرجٍ حرام، وكان لبثه على ذلك واستدامته له فعل حرام، لأنه مؤدي إلى التلف، وقيامه عن صدره ومواضع أنفاسه مضرة ومؤلم ومخوف عليه، لأنه لا يقوم عنه إلا باعتماد وعلاج لعله أن يكون متلفًا أو مُمرضًا. وكذلك إن استدام أكوان آلته في الفرج كان زانيًا أثمًا وراكبًا لمحرم. وإن فعل الإخراج كان بذلك ملتذًا وفاعلًا لحركات وأكوان محرمة. وإن أقام على زرع غيره أفسده، وإن خرج عنه أفسد ما يمشي عليه وأهلكه. فمقامه محرم وخروجه محرم. فيجب على هذا أن لا ينفك من هذه صفته عن فعل حرامٍ. وأن يكون من لزمه ووجب عليه فعل الحرام. وأن يكون بذلك مقدورًا بفعل العصيان إذ كان لا ينفك منه، ولا يجد السبيل إلى الخروج عنه. يقال له: إن من هذه حالة فلا شك أنه لا ينفك من فعلٍ مضر بغيره في جلوسه ونهوضه على وجه مخصوص، وإن كان فيه ألمًا وضررًا بالغير. وكذلك حال المأمور بمفارقة الإيلاج بالإخراج. وإن كان ملتذًا بذلك، فإنه واجب عليه، وحرام عليه استدامة المقام له على ذلك. (ولكنه مأمور بفعل ذلك والخروج منه بشريطة قصد التخلص منه وترك الإضرار واستدامة/ص ٣٠١ المعصية بالمقام على

стр. 763

ذلك) وفعل مثله في المستقبل، وترك الإلتذاذ بفعل أكوان العضو في الفرج. فهو مأمور بالخروج عن ذلك أجمع بنية الخلاص من المعصية لا بنية الإلتذاذ والاستمتاع بالإخراج، ونية الإضرار بمن يخرج عن زرعه، ويقوم عن صدره. وأن يفعل من ذلك أرفق ما يمكنه وأيسره، ومحرم عليه أن يعتمد قدرًا زائدًا على أسهل الأمور. وإذا كان ذلك كذلك استحال القول بأن مفارقة هذه إجماع لا خلاف فيه إلا ممن لا يعتبر بقوله بعد سبق الإجماع على خلافه. فالمعتزلة تقول: لم يأمر الله تعالى بالمفارقة لذلك إلا لعلمه بأن مصلحته فيه تتعلق به، ولولا ذلك لم يوجب عليه. ونحن نقول: يجوز أن يكون ذلك كذلك، ويجوز أن تكون مفارقة الحال هي المفسدة، وأن تكون كالمقام عليه وأزيد أو أنقص منها في الفساد، وهم متفقون على أنه لا يجوز أن يتفق في المعلوم كون المقام على هذه الأحوال مفسدة والمفارقة لها مفسدة، لأن ذلك يوجب أن يكون لا يصح انفكاك المكلف من قبيح ومعصية، وإن تعذر بفعل بعضه إذا وقع منه، وأن يكون منهيًا عنه. وهذا الأصل عندنا باطل، أعنى أنه يكون غير منفك من قبيح، لأن القبيح من ذلك ما منع منه وحظر عليه، وما وجب عليه منه ففعله ليس بقبيح منه، وإن كان إضرارًا بالغير. ولا قبيح منه من حيث كان لطفًا له في فعل قبيح آخر، لأنه لا أصل لما يقولونه في هذا الباب. ولو علم الله سبحانه أن ذلك لطف له في فعل قبيح آخر قد نهاه عنه بالسمع على ما نقوله لم يكن فعله إذا أمر به قبيحًا وإن كان لطفًا داعيًا له إلى فعل قبيح قد نهي عنه. وإنما تكون موافقة ذلك المنهي

стр. 764

عنه قبيح. فأما فعل ما هو لطف فيه مع وقوعه مصادفًا للأمر فإنه ليس بقبيح ولا مستحق عليه ذم ولا عقاب، ولا إطلاق ذلك له قبيح من الله تعالى ولا الأمر به، وإن علم أنه داعٍ إلى فعل منهي عنه/ ص ٣٠٢ وقد بينا هذا فيما سلف بما يغني عنه إعادته فبطل ما قالوه. فإن قيل: إذا كان جنس الخروج من الزرع، والنهوض عن الصدر، وإخراج العضو من الفرج من جنس واحد، فكيف يكون قبيحًا إذا فعل بنية الإضرار والزيادة في الألم، وللفساد فيه ونية الإلتذاذ والاستماع، وحسنا إذا فعل بنية الخلاص من العصيان. قيل: لأنه ليس بحرام وحلال لجنسه، وما هو عليه من الصفة في ذاته، وإنما يكون محرمًا بالأمر والنهي. فإذا أمر بأن يفعله على وجه ولا يفعله على غيره صح ذلك فيه. وهذا كما قد اتفق على أن جنس الجلوس في دار زيد مع إذنه فيه وحظره له جنس واحد، وهو حسن حلال مع إذنه فيه، ومحرم مع منعه منه. وكذلك أكل طعامه بإذنه وغير إذنه، في أمثال هذا مما يطول تتبعه، فزال ما قالوه. فصل: فإن قال قائل: أفتقولون: إن أخراج العضو، والخروج من الزرع طاعة لله، كما تقولون أنه مأمور به؟. قيل له: أجل، لابد من ذلك من حيث كان مفروضًا مأمورًا به، وكانت الطاعة إنما تصير طاعة بالأمر، على ما بيناه من قبل. وهذا - أيضًا - يدل على إبطال قول من زعم أن المأمور لا يؤمر إلا بفعل ما عليه فيه مشقة وألمًا، لأنه قد يؤمر بمفارقة الوطء بفعل له فيه لذة، فبطل ما

стр. 765

قالوه. وكذلك حال المكره على فعل ما له فيه لذة مأمور بفعله إذا خاف التلف وفعله مع الأمر به، نحو أن يكره على أكل طعام وشرب شراب للغير مغصوبين وإلا قتل، وأمثال ذلك. فصل: فإن قيل: فإذا قلتم إن مفارقة هذه الأحوال طاعة من حيث كان مأمورًا به لزمكم أن يكون المضي في فاسد الحج طاعة لله وحسنًا غير قبيح إذا كان مأمورًا بفعله والمضي فيه. قيل لهم: كذلك نقول، ومن قال إنه قبيح، وليس بطاعة فقد أبعد وأخطأ، وإنما القبيح ما أفسد به حجته، ولذا وجب عليه قضاؤه، وفعل مثل ما أفسده. فأما ما يفعله بعد الوطء فواجب عليه وحسن منه. فإن قيل: كيف يكون طاعة وواجبًا قضاؤه وفعل مثله؟ قيل لهم: هذه حال كثير من الطاعات، نحو فعل مثل ما/ ص ٣٠٣ فعل من الصلاة بالتيمم عند طلوع الماء على قول من رأى ذلك، وفعل مثل الصلاة التي فعلت بظن الطهارة إذا ذكر الحدث. في أمثال هذا مما قدمناه من قبل. فصل: فإن قيل: فما أنكرتم أن يكون المضي في فاسد الحج محرمًا، كما أن

стр. 766

فعل الإحرام مقارنًا للوطء محظورًا محرمًا، لأنه وقع على وجهٍ منهي عنه. يقال: الفصل بينهما ما ذكرته، لأنه قد نهي عن أن يوقع الإحرام مقارنًا للوطء. كما نهي عن فعل الصلاة مع الحدث، ولم ينه على المضي في فاسد الحج مع تقدم إفساده له، وإنما نهي عن الإفساد له، وهو مأمور بفعل باقيه بعد الإفساد، فاقترن الأمران. فأما صحة الاعتداد بإحرامه ودخوله به في الحج وصحته أو إفساده وكونه غير داخل به في الحج إيقافه على حكم الشرع وما يدل عليه من ذلك. ونحن نبين من بعد أن النهي عن الشيء لا يدل بمجرده على أنه لا يقع موقع الصحيح المأمور به، فإن حكم بفساد الإحرام المقارن للوطء وكونه غير مدخول به في الحج فبدليل يوجب ذلك لا بنفس النهي عنه. فصل: فإن قال قائل: كيف يكون الخروج من الزرع طاعة واجبًا وإن كان مفسدًا له، مع قول بعضهم إن على الخارج ضمان قيمة ما أفسده بدخوله فيه وخروجه منه، فكيف يضمن قيمة ما تلف عن فعل مأمور به؟. يقال له: ضمان المتلف عند خروجه عبادة شرعية، وقد يؤمر بالفعل ويباح له. ويضمن قيمة ما تلف عنده كضمان رامي الغرض إذا أصاب نفسًا، وكما

стр. 767

يجب في جناية الطفل ضمان ما أتلفه في ماله، وإن لم يكن ذلك عصيانًا محرمًا في أمثال هذا، فبطل ما توهموه. فصل: وقد حكي أن أبا شمر قال: فيمن دخل زرع غيره وكان عاصيًا مفسدًا له بالدخول فيه ومفسدًا له بالخروج عنه فإنه حرام عليه الوقوف في مكانه وحرام عليه الخروج عنه أو يتقدم أو يتأخر أو يتصرف صرفًا من التصرف. قال: لأن جميع تصرفه ضرر بالغير وإفساد قبيح، وهو مع ذلك لا يمكنه الانفكاك في هذه الحال من فعل القبيح. قال: فإن تاب وندم من ذلك لم يمكنه مع ذلك أن لا يكون عاصيًا فيه، وأنه مع ذلك معلوم مذموم على مقامه في زرع غيره، ملوم على خروجه عنه وتصرفه ومشيه فيه، ولا يمكنه أن لا يكوني عاصيًا/ ص ٣٠٤ ملومًا وإنما يورد عليه اللوم والذم والعقاب على القبيح الذي لا يمكنه الخروج عنه، لأنه هو الذي ورط نفسه في هذه الحال بدخوله في زرع غيره ظلمًا وتعديًا وهذا قول باطل باتفاق الأمة عليه، لأنه ليس في الأمة من قال قبله: إن للمكلف حالًا لا يتأتى منه فيها ترك المعصية، ولا يصح ولو كان لا يمكنه ذلك لوجب على أصله وأصول القدرية أن يكون معذورًا بفعله إذا لم يمكنه الخروج عنه. فأما اعتلاله لصحة ذلك بأنه هو الذي أدخل نفسه في هذه الحال بدخوله زرع غيره ظلمًا، فإنه باطل، لأجل أنه إذا صار بسبب من الأسباب إلى حال من لا يصح منه الفعل ولا تركه فامتنع تكليفه لذلك. ولهذا ما أوجب - لو أزمنه

стр. 768

الله سبحانه وأعدم رجليه - سقوط فرض القيام عنه، ولو أنه هو القاطع رجليه والمزمن لنفسه لوجب - أيضًا سقوط فرض القيام عنه من وكونه معذورًا بأن لا يقوم. وكذلك حال من ألقي في زرع أو دخله ظالمًا مختارًا إذا كان في الحالتين لا يمكنه التصرف والخروج إلا بفساد الزرع وفعل القبيح على قوله. وقد بينا هذا الفصل من قبل بما يغني عن رده. فصل: فإن قال قائل: كل أحد من الأمة يجب أن يقول بقول أبي شمر، لأجل اتفاقهم على أن رجلًا لو كان كائنًا في مكان قد أحاط به أحياء مطروحين لا منفذ له بينهم ولا طريق، وهو يعلم أن خروجه من مكانه ومشيه على أولئك الأحياء مضر بهم أو ببعضهم ومؤدي إلى تلفهم أو تلف بعضهم. وأن مقامه في مكانه يؤدي إلى تلفه وعطبه جوعًا وعطشًا، أو إلى زمانةٍ ومرض مخوف لوجب أن يكون كون هذا الكائن في المكان من الأضرار بنفسه قبيح. ومن هذه حاله لا يمكنه الانفكاك منه والخروج عنه. وهو مع ذلك مذموم إن أقام ومذموم إن خرج. وإذا كان ذلك كذلك ثبت أن مذهب أبي شمر قول للكل. يقال له: ليس الأمر في هذا ما ظننته من كون حي بين أحياء على بُعد ذلك إن وقع هذا واتفق ولم يكن فيمن حوله من الأحياء من يمكنه الحركة والإفراج/ ص ٣٠٥ له عن الطريق صح أن يقال: إن عليه الخروج من موضعه إذا خاف الزمانة والتلف ونزول العاهات، وأن يعطب جوعًا وعطشًا. لأنه يكون حينئذ ملجأ إلى الخروج خوف العطب والتلف، فيصير خروجه لذلك بمثابة فعل مُلجئه إلى الخروج بإتلافه بالمقام، والملجأ إلى الفعل معذور في غير موضع من الشرع، وإنما لا

стр. 769

يعذر بالخروج، ولا يحسن منه إن لم يخف بالمقام تلفًا ولا ضررًا، أو أمكن خوف ذلك بعض من حوله الإفراج له عن الطريق، فإن أمكنه ذلك اعتمد وطء من يمكنه منهم أن يفرج له عن الطريق، لأنه في حكم المانع له من الخلاص من التلف والعطب دون من لا يمكنه ذلك منهم. وإذا كان ذلك كذلك صح ورود التعبد بخروج من هذه حاله عن المكان. وقد يجوز - أيضًا - أن يتعبد بلزوم مكانه وإن أدى ذلك إلى تلفه من حيث كان في تصرفه وإحياء نفسه إتلاف لنفس غيره، فيصير لذلك حاله حال من يخاف على نفسه التلف جوعًا وعطشًا، وهو قادر على أكل لحم حي بحضرته، وأن يسد جوعته ويبقي إيلامه بذلك والإضرار به في أنه يجب صدره على التلف، وأن لا يأكل لحم غيره لتبقية نفسه، وكذلك لو أكره. واعلم أنه إن لم يقتل غيره ظلمًا قُتل، في أنه لا يجب عليه الإبدار على قتل غيره لتبقية نفسه. فبان الجواب عما عارضونا به، وثبت بهذه الجملة جواز النهي عن الضدين على جهة التخيير، وعلى النهي عنهما على الجمع على القول بجواز تكليف المحال الممتنع كونه، وإحالته على المذهب الآخر.

стр. 770

فصل: وقد حكي عن بعض أهل الإثبات أنه قال: إن متوسط زرع غيره، والجالس على موضع نفسه قد كُلف الخروج من غير إفساد له، والقيام عنه من غير إيلامٍ له، وإن لم يكن ذلك في وسعه وإمكانه، ويجب للقائل بهذا إن صحت الحكاية عنه أن يكون ممن يجيز تكليف المحال في حكمة الله ، وأن يقول إن الشرع قد ورد به، لأنه إذا كان محال وقوع ذلك غير مؤلم ولا مفسد فقد كلف إيقاعه كذلك. وقد كلف المحال وصح جواز هذا التكليف ووجوده/ ص ٣٠٦. فصل: واعلموا - وفقكم الله - أن حقيقة القول في هذا الباب أن فساد الزرع عند المشي فيه والخروج عنه وألم من نهض عن صدره ومواضع نفسه ليس بظلم على الحقيقة لا من الله سبحانه ولا من العبد، ولا قبيح منه تعالى ولا من العبد، ولا عصيان منه، لأن ما يحدث من تقصف الزرع وفساده عند المشي فيه، ومن ألم الحي عند القيام من صدره والاعتماد عليه، ليس من فعل العبد. وإنما ذلك من فعله عند حركات العبد وتصرفه بفعل يفعله تعالى عند ذلك بجري العادة. كما يفعل الموت عند قطع الرأس، وصلابة الدبس وبياضه عند تقريبه إلى النار وشوطه. وكما يفعل ورم جسم الحي وحمرته عند ضربه. وقد دللنا على ذلك في الكلام في أصول الديانات بما يغني عن إعادته. وإذا كان ذلك كذلك وكان الدليل قد دل على أن الله عادل حكيم في جميع ما يفعله استحال كون الألم والفساد قبيحًا من فعله وظلمًا.

стр. 771

ومحال - أيضًا - كونه قبيحًا وظلمًا من العبد، لأنه ليس من فعل العبد ومقدوراته فيكون حسنًا أو قبيحًا منه. وإذا كان ذلك كذلك لم يجز أن يقال: إن الله سبحانه قد كلف العبد الخروج عن زرع المظلوم والقيام عن صدره من غير أن يكون ذلك مفسدًا ولا مؤلمًا، وإنما يقبح من العبد تصرفه في نفسه، وما يكسبه في محل قدرته إذا كان مصادفًا للنهي عنه بجريان العادة بفعله الألم والفساد عند وجوده، على ما قد شرح في غير هذا الموضع. فإن قال قائل من القدرية: ما أنكرتم أن يكون العبد مطيعًا غير عاصٍ بخروجه من الزرع، وقيامه عن صدر الغير المباشر المفعول في نفسه، لأجل أنه مأمور بذلك، ومحال كونه عاصيًا بفعل ما يؤمر به، وإنما هو عاصٍ بنفس فساد الزرع، وحدوث الألم المتولد عن فعليه المباشرين، فيكون ما هو طائع فيه غير المتولد الذي هو عاصٍ بهما. يقال له: هذا نهاية الحال وأكد لما يذهب إليه أصحابنا في جواز تكليف ما لا يطاق لأجل أنه إذا أوجب عليه فعل السبب المولد وحرم تسببه فقد ألزم تكليف المحال، وإن لم يكن ذلك/ ص ٣٠٧ في طوقه ووسعه. وهذا باطل على أصولهم. ويقال لهم - أيضًا - وكيف يقبح ويحرم المسبب بعد وجود سببه المولد له من الطاعة المأمور بها عصيان قبيح، وإن جاز هذا فلم لا يجوز أن يتولد من كل طاعة عصيانًا؟ ولم لا يجوز أن يتولد من العصيان الحرام طاعة حسن؟ وكيف

стр. 772

يتصور تولد العصيان من فعل واجب يعلم الله سبحانه أنه لابد من وجود المتولد عنه، وإنه لا يمكن بعد وجود سببه الخروج منه. هذا نهاية الإحالة، فوجب الاعتماد على ما قلناه دون ما ذهبوا إليه.

стр. 773

باب الكلام في أن النهي عن الشيء يدل على فساده أم لا ؟ اختلف الناس في هذا الباب: فقال الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة منهم الكرخي وعيسى بن أبان وجميع أهل الظاهر، وقوم من المتكلمين: إن النهي عن الشيء يدل على فساده، كما أن الأمر به يدل على صحته وإجزائه.

стр. 774

ثم اختلف هؤلاء: فقال بعضهم: إن النهي عن الشيء يدل على فساده من جهة وضع اللسان، وأن هذا هو فائدة كونه نهيًا عن أهل اللغة. وقال بعضهم: بل إنما يدل على فساد ذلك من جهة الشرع دون اللغة. واعتلوا لذلك بأمور سنذكرها ونعرضها من بعد. وقال قوم من الفقهاء من أهل جميع المذاهب غير أهل الظاهر والجمهور من المتكلمين: إن النهي عن الشيء لا يدل على فساده ولا على صحته وإجزائه لا في وضع اللغة، ولا من جهة الشرع. وهو الذي نختاره وبه نقول، على تفسير ما سنشرحه من بعد. وقد اتفق كل من قال: إن النهي عن الشيء لا يدل على فساده على أن إيقاعه (غير) دالٍ على صحته وإجزائه، وإنما يجب إيقاف أمره على ما يدل

стр. 775

الشرع عليه من براءة الذمة به، أو وجوب فعل مثله. وإنما ذكرنا هذا لسماعنا كثيرًا ممن خالف في هذا الباب يحي أنه عندنا يدل على صحة المأمور وإجزائه، وهذا خطأ عظيم. الأدلة على فساد قول من قال إنه يقتضي الفساد لغة ومما يدل على أنه ليس معنى النهي عن الشيء وفائدة وصفه بذلك إيجابه فساد المنهي عنه وكونه غير مجزئ إنه لو كان ذلك كذلك لوجب لا محالة أن يكون/ ص ٣٠٨ معنى وصف الأمر بالشيء وفائدة وصفه بذلك إنه مقتضٍ لصحة المأمور به، ودال على إجزائه وسقوط قضائه، ولما لم يكن ذلك كذلك لما بيناه من فصول القول في الأوامر. وكان مثل المأمور به واجبًا بعد فعله (ظهر) سقوط ما قالوه. ومما يدل على ذلك - أيضًا - ويوضحه أنه لو كان موجب النهي وفائدة وصفه بذلك أنه دال على فساد المنهي عنه لوجب أن يكون ما دل من الأدلة على صحة المنهي عنه وإجزائه ووقوعه موقع المأمور به قد أخرج النهي عن كونه نهيًا وعما يقتضيه مجرد إطلاقه. ولو كان ذلك كذلك لوجب أن يكون النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة، والتوضي بالماء المغصوب والذبح بسكين مغصوبة والضرب بسوط مغصوب وطلاق البدعة، وكل منهي عنه يجرى فعله في الشرع، ونائب مناب الصحيح المأمور به نهيًا عن ذلك على المجاز والاتساع. إذ كان ما دل على إجزاء تعلقه قد أخرجه عن مقتضى موجبه وإطلاقه. وكنا قد بينا فيما سلف في فصول القول في الحقيقة والمجاز أن كل دليل صرف الكلام عما يقتضيه مطلقه وموضوعه فقد جعله مجازًا وإلا سقط جميع المجاز من الكلام،
следующие страницы →