← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17883

التقريب والإرشاد (الصغير)

الباقلاني

Полный текст (1 232 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ومحال - أيضًا - كونه قبيحًا وظلمًا من العبد، لأنه ليس من فعل العبد ومقدوراته فيكون حسنًا أو قبيحًا منه. وإذا كان ذلك كذلك لم يجز أن يقال: إن الله سبحانه قد كلف العبد الخروج عن زرع المظلوم والقيام عن صدره من غير أن يكون ذلك مفسدًا ولا مؤلمًا، وإنما يقبح من العبد تصرفه في نفسه، وما يكسبه في محل قدرته إذا كان مصادفًا للنهي عنه بجريان العادة بفعله الألم والفساد عند وجوده، على ما قد شرح في غير هذا الموضع. فإن قال قائل من القدرية: ما أنكرتم أن يكون العبد مطيعًا غير عاصٍ بخروجه من الزرع، وقيامه عن صدر الغير المباشر المفعول في نفسه، لأجل أنه مأمور بذلك، ومحال كونه عاصيًا بفعل ما يؤمر به، وإنما هو عاصٍ بنفس فساد الزرع، وحدوث الألم المتولد عن فعليه المباشرين، فيكون ما هو طائع فيه غير المتولد الذي هو عاصٍ بهما. يقال له: هذا نهاية الحال وأكد لما يذهب إليه أصحابنا في جواز تكليف ما لا يطاق لأجل أنه إذا أوجب عليه فعل السبب المولد وحرم تسببه فقد ألزم تكليف المحال، وإن لم يكن ذلك/ ص ٣٠٧ في طوقه ووسعه. وهذا باطل على أصولهم. ويقال لهم - أيضًا - وكيف يقبح ويحرم المسبب بعد وجود سببه المولد له من الطاعة المأمور بها عصيان قبيح، وإن جاز هذا فلم لا يجوز أن يتولد من كل طاعة عصيانًا؟ ولم لا يجوز أن يتولد من العصيان الحرام طاعة حسن؟ وكيف

стр. 772

يتصور تولد العصيان من فعل واجب يعلم الله سبحانه أنه لابد من وجود المتولد عنه، وإنه لا يمكن بعد وجود سببه الخروج منه. هذا نهاية الإحالة، فوجب الاعتماد على ما قلناه دون ما ذهبوا إليه.

стр. 773

باب الكلام في أن النهي عن الشيء يدل على فساده أم لا ؟ اختلف الناس في هذا الباب: فقال الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة منهم الكرخي وعيسى بن أبان وجميع أهل الظاهر، وقوم من المتكلمين: إن النهي عن الشيء يدل على فساده، كما أن الأمر به يدل على صحته وإجزائه.

стр. 774

ثم اختلف هؤلاء: فقال بعضهم: إن النهي عن الشيء يدل على فساده من جهة وضع اللسان، وأن هذا هو فائدة كونه نهيًا عن أهل اللغة. وقال بعضهم: بل إنما يدل على فساد ذلك من جهة الشرع دون اللغة. واعتلوا لذلك بأمور سنذكرها ونعرضها من بعد. وقال قوم من الفقهاء من أهل جميع المذاهب غير أهل الظاهر والجمهور من المتكلمين: إن النهي عن الشيء لا يدل على فساده ولا على صحته وإجزائه لا في وضع اللغة، ولا من جهة الشرع. وهو الذي نختاره وبه نقول، على تفسير ما سنشرحه من بعد. وقد اتفق كل من قال: إن النهي عن الشيء لا يدل على فساده على أن إيقاعه (غير) دالٍ على صحته وإجزائه، وإنما يجب إيقاف أمره على ما يدل

стр. 775

الشرع عليه من براءة الذمة به، أو وجوب فعل مثله. وإنما ذكرنا هذا لسماعنا كثيرًا ممن خالف في هذا الباب يحي أنه عندنا يدل على صحة المأمور وإجزائه، وهذا خطأ عظيم. الأدلة على فساد قول من قال إنه يقتضي الفساد لغة ومما يدل على أنه ليس معنى النهي عن الشيء وفائدة وصفه بذلك إيجابه فساد المنهي عنه وكونه غير مجزئ إنه لو كان ذلك كذلك لوجب لا محالة أن يكون/ ص ٣٠٨ معنى وصف الأمر بالشيء وفائدة وصفه بذلك إنه مقتضٍ لصحة المأمور به، ودال على إجزائه وسقوط قضائه، ولما لم يكن ذلك كذلك لما بيناه من فصول القول في الأوامر. وكان مثل المأمور به واجبًا بعد فعله (ظهر) سقوط ما قالوه. ومما يدل على ذلك - أيضًا - ويوضحه أنه لو كان موجب النهي وفائدة وصفه بذلك أنه دال على فساد المنهي عنه لوجب أن يكون ما دل من الأدلة على صحة المنهي عنه وإجزائه ووقوعه موقع المأمور به قد أخرج النهي عن كونه نهيًا وعما يقتضيه مجرد إطلاقه. ولو كان ذلك كذلك لوجب أن يكون النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة، والتوضي بالماء المغصوب والذبح بسكين مغصوبة والضرب بسوط مغصوب وطلاق البدعة، وكل منهي عنه يجرى فعله في الشرع، ونائب مناب الصحيح المأمور به نهيًا عن ذلك على المجاز والاتساع. إذ كان ما دل على إجزاء تعلقه قد أخرجه عن مقتضى موجبه وإطلاقه. وكنا قد بينا فيما سلف في فصول القول في الحقيقة والمجاز أن كل دليل صرف الكلام عما يقتضيه مطلقه وموضوعه فقد جعله مجازًا وإلا سقط جميع المجاز من الكلام،

стр. 776

فلما لم يكن ذلك كذلك، وكان النهي عن جميع هذه الأشياء المحرمة نهيًا محرمًا على الحقيقة بطل ما قالوه. وقد ظن بعض أغبياء من خالف في هذا الباب أنه لا يجوز أن يقال إن النهي عن جميع هذه الأمور المحرمة نهي على جهة المجاز. وأن هذه الأفعال منهي عنها على سبيل المجاز، وهذا خلاف الإجماع، لأن مسلمًا لا يقول إن طلاق البدعة والصلاة في الدار المغصوبة منهي عنهما على سبيل المجاز. ولو كان ذلك كذلك لكانت هذه الأمور محرمة ومعصية على طريق المجاز. وهذا خبط ممن صار إليه، فبطل ما توهموه. فصل: ومما يدل - أيضًا - على فساد دعواهم دلالة النهي على / ص ٣٠٩ فساد المنهي عنه من جهة اللغة أن إجزاء الفعل وبراءة الذمة به أن كونه غير مجزئ يجب قضاؤه حكم شرعي وثابت بالسمع، فكيف يكون ذلك مفهومًا من تواضع أهل اللسان، فسقط ما قالوه. وكذلك قد بينا في فصول القول في الأوامر إن الأمر لم يوضع في اللغة لإفادة حسن المأمور به أو قبحه ولا النهي أيضًا لذلك، لأنهم قد يأمرون بالحسن والقبيح، وينهون عن الحسن والقبيح والعدل والظلم. فبان أن هذا أجمع ليس من فائدة الأمر والنهي ومفهومة في اللغة وأنه مستفاد بدليل السمع [أدلة من قال إنه يقتضي الفساد شرعًا والرد عليهم] فأما من زعم منهم أن النهي يدل على فساد المنهي عنه من جهة المعنى،

стр. 777

وقضية الشرع دون اللغة فيقال لهم: لم قلتم ذلك، وأي معنى في النهي أو في المنهي عنه أو في الشرع ينفي كون المنهي عنه صحيحًا ومجزئًا ماضيًا؟. فإن قالوا: الذي ينفي كونه كذلك كون المنهي عنه مكروهًا أو كونه معصية قبيحًا. قيل لهم: لم قلتم إن وقوعه كذلك منافٍ لإجزائه ووقوعه موقع المأمور به، وفيه وقع الخلاف، فلا يجدون متعلقًا. ويقال لهم: فيجب لذلك أن لا تجزئ الصلاة في الدار المغصوبة والتوضيء بماء مغصوب وطلاق البدعة وكل منهي عنه، وأن لا يقع شيء منه موقع الصحيح لكونه مكروهًا وقبيحًا وعصيانًا حرامًا، ولما لم يكن ذلك كذلك عند أكثرهم، ولم يتأت كون الشيء واقعًا على هذه الصفات كونه مجزئًا بطل ما قالوه. شبهة لهم أخرى: وإن هم قالوا: لما كان النهي عن الشيء ينفي الإباحة له والأمر به، وكان لا دليل في الشرع يدل على إجزاء الشيء وصحته إلا الإباحة له والأمر به، وذلك مناف للمنهي عنه وجب دلالة النهي على فساد المنهي عنه. فيقال لهم: لم قلتم إنه لا دليل في الشرع يقضي على إجزاء الشيء وصحته إلا الإباحة له والأمر به، وهل الخلاف إلا في ذلك. وبضرورة علمتم صحة هذه الدعوى أم بدليل؟ فلا تجدون إلى ذكر شيء سبيلًا. فإن قالوا: فبأي شيء يمكن أن يدل على ذلك من حاله سوى الأمر به والإباحة له. قيل لهم: لا يجب علينا ذكر ذلك، بل يجب أن تدلوا أنتم على أنه لا شيء يدل على ذلك من حاله إلا الأمر/ ص ٣١٠ أو الإباحة.

стр. 778

ثم يقال لهم: قد يدل على إجزائه وقوعه موقع الصحيح وإن كان معصية قبيحًا حرامًا. وإن قالوا - أيضًا - قد نهيناك عن الصلاة في الدار المغصوبة والتوضئ بماء مغصوب وحرمنا ذلك، فإن فعلته مضى وأجزاء، ولم تجب عليك إعادته، وناب عن فرضك، وكذلك فقد يعلم هذا بإجماع الأمة على أنه واقع موقع الصحيح. وإذا كان ذلك كذلك بطل ما ادعوه. ثم يقال لهم: ألي قد علمنا إجزاء الصلاة في الدار المغصوبة وكثير مما نهي عنه وحرم فعله؟ فإذا قالوا: أجل. قيل لهم: أفيجوز أن يكون طريق العلم بإجزائه وصحته الأمر به مع النهي عنه أو الإباحة له مع كونه حرامًا. فإن قالوا: أجل. أمسك عنهم وظهر تخليطهم. وإن قالوا: لا، بل إنما نعلم ذلك بطريق غير الإباحة له والأمر به، أبطلوا ما ادعوه بطلانًا بنيًا. وإن قال منهم قائل: إنما وجبت دلالة النهي على فساد المنهي عنه وكونه غير واقع موقع الصحيح أنه إذا ورد في عقدٍ وتمليك كانت فائدته منع التمليك به، وإذا وقع محرمًا مملكًا به بطلت فائدة النهي. قيل له: لم قلت إن هذا فائدته؟ وما أنكرت أن يكون معناه الدلالة لنا على قبح المنهي وكونه معصية حرامًا، وسيما إذا كان مما لا تدل العقول على قبحه وتحريمه فيعلم بالنهي عنه كونه مفسدة قبيحًا، وإن حصل التمليك به، وليس يعتبر التمليك به وكون المتوصل إلى تملكه بالنهي عنه على ملك المكلف حرامًا.

стр. 779

وإنما الحرام توصله إلى تملكه بطريق حرام وفعلٍ منهي عنه. ثم يقال لهم: فقد وقع كثير من المنهي عنه موقع الصحيح وتصحيح المجزئ، ولم تبطل بذلك فائدة النهي عنه، فعلم أنه ليس فائدته كون المنهي عنه غير مجزئ. وذلك ظاهر في بطلان ما قاله. شبهة لهم أخرى في ذلك: واستدلوا - أيضًا - على صحة ما قالوه بما روي عن النبي ﷺ من قوله: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" ومن أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد". قالوا: وإذا ثبت أنه رد وجب كونه باطلًا غير مجزئ. فيقال لهم: لم قلتم إن معنى قوله: فهو رد أنه غير مجزئ ولا واقع موقع الصحيح/ وما أنكرتم أن يكون معنى أنه رد أنه غير طاعة، ولا مقبول من فاعله، ولا مثاب به وممدوح عليه، لأن الرد ضد القبول. وقول الأمة اللهم اقبل أعملنا، أو لا تردها علينا، ليس معناه اجعلها مجزئة، وأسقط عنا قضاءها، فلا توجب علينا أمثالها، وإنما معنى ذلك أن يقبلها وأن يثيبنا عليها، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه. ويقال لهم: إن معنى الرد لما يؤمر به أنه غير مجزئ، لوجب أن يكون كل منهي عنه وقع موقع الصحيح والإجزاء فليس بمنهي عنه ولا هو رد لكونه مجزئًا. ولما لم يكن ذلك كذلك، وثبت أن ما يجزئ من النهي عنه وما لا يجزئ رد كله، وغير مقبول ولا مثاب صاحبه بطل حملهم معنى الرد على ما قالوه.

стр. 780

فصل: وقد اعتمدوا - أيضًا - في الدلالة على صحة قولهم باتفاق سلف الأمة على الاستدلال بالنهي الوارد في القرآن على فساد المنهي عنه، وكونه غير حالٍ محل الصحيح، وظهور ذلك عنهم يغني عن الإكثار بذكره. فمن ذلك استدلالهم على فساد عقد الربا بالنهي عنه في قوله تعالى: ﴿وذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وما ورد من النهي عنه في السنة قوله صلى الله عليه وسلمك "الذهب بالذهب مثلًا بمثل والبر بالبر ... " وأمثال ذلك. ومنه احتجاج ابن عمر في تحريم نكاح المشركات وفساده بقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ﴾ واستدلالهم على بيع ما لم يقبض بالنهي عنه، وعن بيع الغرر. وأن الكل عقلوا فساد نكاح ذوات المحارم من الأمهات والبنات والأخوات بظاهر قوله تعالى: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ في أمثال هذا مما يطول تتبعه. ورجعوا في فساد جميعه إلى مجرد النهي عنه ومطلقه، لا إلى شيء سواه. فدل إجماعهم على ذلك على أن ظاهر النهي ومطلقه دال على فساد المنهي عنه.

стр. 781

فيقال لهم: لم قلتم - أولًا - إن جميع الأمة إنما تعلقت في فساد كثير من المنهي عنه بظاهر النهي عنه،؟ وما دليلكم على ذلك؟ ونحن نقول: إن هذا الاستدلال ممن استدل به خطأ. وإن الخطأ منتفٍ عن جميع الأمة في كل عصر من الأعصار، وإن كنا مع ذلك لا ننكر أن يكون في عصر الصحابة وكل عصر بعده من قد استدل على فساد الشيء بالنهي عنه لشبهة تدخل عليه. فأما أن يقع لجميع الأمة إجماع على ذلك فإنه محال. فلا يجدون إلى تصحيح هذه الدعوى سبيلًا. ثم يقال لهم: تحتاجون أن ترووا روايةً ظاهرة تقوم الحجة بمثلها عند سائر الأمة أنهم استدلوا/ على فساد بعض ما نهي عنه لمجرد النهي عنه، وأنى لكم بذلك، وإن ظهر عن ابن عمر أو غيره استدلال على فساد شيء بالنهي عنه فذلك مذهب وقول له، وليس ظهوره عنه دليل على أنه مذهب الكل ودين لهم. وقد بينا هذه الجملة ثم نقض استدلالهم على أن الأمر على الوجوب بحمل الصحابة له على ذلك بما يغني عن الإكثار به. فإن قالوا: لو كانوا إنما يستدلون على فساد تلك الأشياء المنهي عنها بشيء يقارن النهي أوجب ظهوره عنهم ونقله. فلما لم يظهر شيء تعلقوا به يقارن النهي وجب أن يكونوا إنما رجعوا إلى النفس النهي، فقدم جواب هذا فيما سلف. وقلنا لا يجب نقل ذلك عنهم إذا كان معروفًا بينهم وأن اعتمادهم على الإجماع حكم، القول والمراد به والإخبار بذلك أقوى من ذكر الأسباب والأدلة الجامعة لهم على ذلك، لأنها معرضة للمنازعة والتأويل، وإجماعهم قاطع لذلك.

стр. 782

فصل: ذكر الحجة على أن من الأفعال المنهي عنها ما قد يقع موقع المجزئ الصحيح . إن قال قائل: قد بينتم أكثر أدلتكم وإفساد علل مخالفيكم في هذا الباب على أنه قد وجد في الشرع أفعال محرمة منهي عنها، وهي مع ذلك صحيحة مجزئة يقع التمليك وإباحة التصرف بها كوقوعه بالصحيح المأمور به. فلم قلتم ذلك؟ وأي شيء فيه من هذا، مع علمكم بأن من أهل الظاهر وغيرهم من يزعم أنه لا شيء من الأفعال المحرمة المنهي عنها تقع موقع الصحيح المجزئ. فيقال لهم: الذي يدل على فساد قول هذه الفرقة إجماع الأمة على أن من تضيق عليه وقت الصلاة حتى يكون فعلها بعد خروجه قضاء لا أداء عاصٍ بكل فعل يوقعه غير الصلاة ومخرج له منها. ومع هذا فلو أنه ترك الصلاة في ذلك الوقت في حال كون الإمام على المنبر بالعقد على مبيع أو عقد نكاح على امرأة أو شراء أمةٍ لكان بيعه ونكاحه وشراؤه صحيحًا جائزًا ماضيًا. يقع به التمليك وإباحة التصرف والاستمتاع بالزوجة والأمة. فإن قروا على أن هذا البيع والنكاح فاسد لا يقع به التمليك، فقد أطبقوا على أنه لو وطئ امرأته في حال تضيق فرض الصلاة ووجوب ترك الوطء بها لكان منهيًا عن ذلك نهي تحريم من حيث كان تركًا لفرض مضيق/ ص ٣١٣ ولكان وطؤه مع ذلك محللًا لها للزوج الأول. س وكذلك لو وطأها في أيام شهر رمضان عامدًا ذاكرًا للصيام لكان بالوطء عاصيًا أثمًا ولكان ما فعله محللًا للزوج الأول، وكذلك سبيل الوطء في الحيض في أنه وطء محرم، وهو مع ذلك محلل وحال محل الوطء المباح المأذون فيه عند أكثرهم. فإن لم يحلل الوطء في الحيض وفي رمضان بالوطء المتروك به الصلاة المضيق فرضها محلل لا شك فيه. وكذلك فلو أزال النجاسة بماء للغير مغصوب

стр. 783

لكان بذلك عاصيًا. ومع ذلك فإن النجاسة زائلة والصلاة بالإزالة جائزة، كما لو أزالها بماء نفسه ومأذون له في استعماله، ولعلنا أن نذكر من أمثال هذا فيما بعد ما يؤكد فساد قول هذه الفرقة. فبان بذلك ثبوت منهي عنه وإن كان محرمًا واقعًا موقع الصحيح. ويجب على من قال منهم إن عقد البيع والنكاح إذا كان الإمام على المنبر باطل لكونه منهيًا عنه وإن وطئ المرأة في الحيض وأيام رمضان لا يُحلها للزوج الأول لكونه منهيًا عنه أن يقول إن صلاة المصلي مع مشاهدته لغرق طفلٍ وإضرام نارٍ يهلك به، وصلواته في مواضع يخاف فيها قتل نفسه وأخذ ماله مع القدرة على الصلاة في غيره صلاة باطلة، لأنها منهي عنها في جميع هذه الأحوال، ولا نعرف أحدًا يقول ذلك. فثبت وجود منهي عنه قائم مقام الصحيح. فبطل ما قالوه.

стр. 784

باب الكلام في الفصل بين ما يفسد من المنهي عنه وبين ما لا يفسد وقد اختلف القائلون بأن مجرد النهي عن الشيء لا يدل على فساده في الحد الفاصل بين ما يفسد من المنهي عنه وبين مالا يفسد، وإنما ألجأهم إلى صرف حد للفصل بينهما لاتفاقهم على أن من المنهي عنه ما يفسد ومنه مالا يفسد. والذي يجب أن يعتمد عليه في ذلك أن تغير حال المنهي عنه. فإن كان وقوعه مصادفًا للنهي مخلًا لجميع شروطه الشرعية أو ببعضها التي جعلت شرطًا في صحة الفعل وأجزائه إن كان عبادة، أو في صحته ونفوذه إن كان عقدًا أو تمليكًا وجب القضاء بفساده وإن لم تؤثر مصادفته للنهي عنه في شيء من شروطه الشرعية كان ماضيًا نافذًا صحيحًا. ومن هذه الشروط ما يتعلق بالفاعل المأمور به بأن يكون قد وجب عليه في آداء العبادة شرطًا أو شرطًا يكون/ ص ٣١٤ وقوع الفعل مع النهي عنه مانعًا من حصولها، نحو ما يقوله بعض الفقهاء والمتكلمين في النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة. وقولهم: إن وقوعها في دارٍ هذه حالها مانع من صحة التقرب ومؤدي بها فرضًا، لأنه قد أخذ على المكلف اعتقاد أداء الواجب بها. والنهي عنها يمنع من اعتقاد كونها قربة مع العلم بأنها معصية. وسنقول في هذا من بعد قولًا يدل على فساد قولهم في حم الصلاة خاصة. وإن كان المنهي عنه عقدًا له

стр. 785

شروط تتعلق بالعاقد بأن يكون مالكًا للبيع غير غاصب ولا محجور عليه، ولا مستحق عليه ما في يده، ملكه بدينٍ أو جناية أو غير ذلك. أو أن يكون وليًا يملك العقد على وليته وأمته ومولاته. وربما كان الشرط متعلقًا بالمعقود عليه، مثل أن يكون خمرًا أو خنزيرًا أو ما لا يصلح تملكه والانتفاع به أو لا يتمكن من قبضه والوصول إليه من نحو العقد من آبقٍ وطائر وأمثال ذلك، ونحو أن تكون المنكوحة أمًا أو أختًا أو بعض ذوات المحارم أو مشركة غير كتباية أو معتدة. فإذا عقد على من هذه سبيله كان عقدًا منهيًا عنه. وكان النهي عنه قد تضمن فقد شرطه الشرعي أو بعض شروطه. وربما كان ذلك الشرط متعلقًا بالمتباع منه، نحو أن يكون ممن لا تجوز مبايعته بأن يكون طفلًا أو مجنونًا أو محجورًا عليه أو عبدًا غير مأذون له في البيع. وربما كان الشرط متعلقًا بالثمن، نحو كونه مجهولًا، ومما يتعذر قبضه وتسليمه. هذه جملة الشروط التي يكون الإخلال بها وبعضها مفسدًا للعقد، فيجب أن يتأمل حامل المنهي، فإن كانت مصادفته للمنهي عنه تخل بشروطه الشرعية أو بعضها فسد لكون الفعل غير مستكمل شروط صحته وجوازه. وإن لم تخل مصادفته للمنهي عنه بشروطه ولا بشيء منها كان قاضيًا محتجًا. هذا هو الذي يجب الاعتماد عليه في الفصل بين ما يفسد ومالا يفسد، ولأجله قلنا: إن الصلاة في الدار المغصوبة قاضية صحيحة، وإن كانت معصية منهيًا عنها، لأن

стр. 786

كونها معصية لا يخل بشيء من شروطها الشرعية. ط وسنتكلم على من قال من القدرية/ ص ٣١٥ وغيرهم أنها تقع مخلًا فيها بنية التقرب والوجوب لكونها منهيًا عنها، ولأجله - أيضًا - قلنا: إن عقد البيع والنكاح وقت النداء والخطبة ماضٍ صحيح، وإن كان عصيانًا قبيحًا وتركا للواجب، لأنه غير مخل بشروط البيع الشرعية، ولا بشيء منها، لأنه بيع مالك يجوز بيعه لمشتهٍ تصح مبايعته بثمن معلوم وحصول الافتراق بالأبدان والأقوال إلى غير ذلك من الشروط، وكونه معصية قبيحًا لم يُخل بشيء من شروط البيع من حيث صحته، فيجب تنزيل الأمر في ذلك على ما أومأنا إليه في هذا الباب. فصل: وقد زعم كثير ممن تكلم في هذا الباب أن الفرق بين ما يفسد من المنهي عنه، وبين ما لا يفسد أن الذي يفسد من ذلك كل فعل محرم يتوصل به إلى استباحة محرم قد جعل الشرع أصله على التحريم، وممن قال هذا الشافعي ﵀ وكثير من أتباعه. قال: وما ليس هذه سبيله من المنهي عنه فإنه لا يفسد، وهذا من قول الشافعي يدل على أنه كان لا يعتقد أن ظاهر النهي عن الشيء يدل على فساده، لأنه لو كان ظاهره وموضوعه يدل على ذلك ويوجبه لم يفرق الحال عنده ولم يحتج في دلالته على ذلك إلى أمرٍ يقارن كونه نهيًا. فإن قال قائل: فخبرونا عما فصل به بين ما يفسد من النهي عنه وما لا يفسد هل هو صحيح عندكم أم لا؟

стр. 787

قيل له: لا، بل يجب أن يعتبر المحرم الذي يتوصل به إلى استباحة محرم هل يؤثر في شروطه الاستباحة له أم لا؟ فإن أثر في شروطه أو بعضها بطل وفسد لكونه مخلًا بذلك، وإن لم يخل بالشروط مع كونه محرمًا به إلى استباحة محرم صح ونفذ. ولهذا صح البيع والنكاح الواقعان وقت الخطبة، وتضيق فرض الصلاة وإن كانا تركا للصلاة المفروضة وكانا قبيحين ومعصيتين، فهذان فعلان محرمان يتوصل بهما إلى استباحة مالٍ وفرجٍ أصلهما على التحريم والحظر في حكم الشرع وإن كان ماضيين. وكذلك سبيل نكاح الشغار في أنه محرم في الشرع وإن كان عند قوم من الفقهاء إنه صحيح وإن توصل به إلى استباحة فرج/ ص ٣١٦ محرم ممنوع لأنهم زعموا إنما يؤثر في الصداق. فيكون صداقًا وعوضًا لا تملك الانتفاع به المعقود عليها. قالوا: ولو أن تركه الصداق جُملةً لم يمنع عدم ذكره وتسميته من صحة العقد. وكذلك إذا ذُكر شيء لا يصح تملكه والانتفاع به، نحو جعل البضع مهرًا على البضع، وجعل المهر خمرًا أو خنزيرًا، وأمثال ذلك، لأن فساد المنهي - زعموا - ليس بأكثر من عدم ذكره. وليس القصد هذه المسألة. وإنما ضربنا بذلك مثلًا، فوجب أن يكون الاعتماد في الفرق بينهما على ما قلناه وفصلنا به.

стр. 788

فصل: وقد فصل بعض المتكلمين في هذا الباب بين ما يفسد من المنهي عنه، وما لا يفسد. فإن قالوا: الذي يفسد من ذلك ما كان النهي عنه (ليس) يخص الفعل ويرجع إليه، وأما ما عدا ذلك فإنه لا يفسد، وهذا - أيضًا - باطل، لأنه ليس بصحيح، لأنه متى حصل الإخلال بشروط الفعل الشرعي أو بعضها فسد على ما بيناه سواء كان الشيء يرجع إلى الفعل ويخصه أو إلى شيء سواه.

стр. 789

باب القول في الصلاة في الدار المغصوبة، وهل هي محرمة أم لا ؟ والذي عندنا في ذلك أن أجزاءها إجماع من سلف الأمة. ثم حدث بعد ذلك قول لا يعتد به سنذكره من بعد. وأول فصول القول في هذه المسألة القول في أنها من مسائل الاجتهاد التي يسوغ الخلاف فيها، ويقال: إن كل مجتهد فيها مصيب أو مخطئ الحق فيها معذور والإثم عنه موضوع، وأن التقليد فيها سائغ أم لا؟. فبعض الناس يقول: إنها مسألة اجتهاد، وأهل التحصيل لعلم هذا الباب ممن قال تجزئ. أو قال لا تجزئ منكرون كونها مسألة اجتهاد، وبهذا نقول. والدليل على ذلك أن كل من قالك إنها مجزئة صحيحة يقول إنها مسألة إجماع من السلف وأن مخالفة الإجماع خطأ مقطوع به على الله سبحانه لا يجوز القول به والقائلون بأنها لا تجزئ يقولون إنها ليست مسألة اجتهاد

стр. 790

لقولهم بأن الواجب على المكلف المتعبد بالصلاة أن ينويها فرضًا ومتقربًا بها إلى الله تعالى ومؤدي بفعلها ما لزمه ووجب عليه. قالوا: والعلم بأنها معصية علم متفق عليه بين أهل الشرع لا خلاف فيه. وذلك يمنع من وجود الاعتقاد لكونها واجبة/ ص ٣١٧ وقربة مؤدى بها الفريضة وينافي اعتقاد ذلك، فلا شبهة إذًا في أنها غير مجزئة ولا صحيحة، فالقائل بصحتها قائل بباطل مقطوع على فساده، وتميز له القائل بخلاف موجب النصوص وقضايا العقول، فوجب لذلك أن لا تكون من مسائل الاجتهاد على قول الفريقين. فإن قال قائل: فحجتكم أنتم على أنها ليست مسألة اجتهاد دعواكم الاجتماع على إجزائها فلم قلتم ذلك وأنها إجماع مع شهرة الخلاف في ذلك؟ يقال له: نحن لم ندع الإجماع حاصلًا في زمن الخلاف في ذلك. وإنما ادعينا إجماعًا متقدمًا. والخلاف بعد تقدمه واستقراره باطل لا يعتد به. فإن قيل: وما الدليل على ثبوت هذا الإجماع الذي تدعونه؟ قيل لهم: الدليل على ذلك أنه لا يحفظ عن أحدٍ من الصحابة ولا التابعين ومن بعدهم خلاف في ذلك إلى أن حدث المعروف بأبي شمر المرجاء واتبعه على ذلك الجبائي وابنه وقوم من شيعتيهما. وكان السلف من شيوخ المعتزلة مع باقي

стр. 791

الأئمة من السلف والخلف على القول بإجزائها. ولما ذكر الجبائي خلاف الأمة في هذه المسألة سأل نفسه فقال: لو قال قائل: إن القول بأنها صلاة مجزئة إجماع من الأمة. قيل كيف يكون ذلك إجماعًا وأبو شمر يخالف في ذلك؟ فلم يجد أحدًا أسند إليه هذا الخلاف إلا أبا شمر، ولا أمكنه أن يضيف ذلك إلى أحد ممن قبله من أهل السابقة أو الخمول. ولو وجد أحدًا سواه لتأنس بذكره، فبان بذلك أنه إجماع قبل خلق أبي شمر، فالإجماع حجة لا يعتد بخلافٍ بعده لو اتفق لعظماء من بعدهم أو القادة، فكيف لأبي شمر ونوابت الناشئة من القدرية ومن تبعهم من أهل الظاهر. فإن قال قائل: فأنتم - أيضًا - لا تقدرون على رواية عن سائر الأمة بإجزائها. قيل له: الذي يرجع إليه في تثبيت ذلك أقوى من روايةٍ الإجماع، وهو - أيضًا - وكل أحد يعلم بأن سلف الأمة وخلفها كانوا يعلمون قطعًا أن المصلي قد يصلي في الدار المغصوبة كما يصلي في غير المغصوبة، وأنه لا يكاد أن يسلم جميع المكلفين للصلاة في شرق الأرض وغربها من ذلك حتى لا يصلي أحد

стр. 792

منهم إلا في ملكه أو مأذون له في الصلاة فيه. ولو كان فيهم قائلًا بأنها لا تجزئ لم يجز في مستقر العادة أن لا يظهر خلافه. وقد يشتهر عنه. ولا أن لا يقول لمن يراه/ ص ٣١٨ يصلي في دار مغصوبة لن يبلغه ذلك عنه صلاتك هذه باطلة غير مجزئة، ولا أن لا يتجاوزوا هذه المسألة مع كثرة وقوعها والبلوى بها فلما لم يظهر بينهم تشاجر في ذلك، ولا خلاف عن أحد، سيما والقائلون بأنها لا تجزئ يزعمون أن القائل بإجزائها قد صار إلى أن المعصية فريضة واجبة. ومثل هذا مما يجب رده وإنكاره ولا يجوز الإمساك عنه في مستقر العادة. ثبت بهذه الجملة أن القول بإجزائها إجماع من السلف. وخلاف الإجماع باطل مقطوع بفساده، فرج لذلك أن يكون الخلاف في هذه المسألة من مسائل الاجتهاد، ووجب بما ذكرته كون الصلاة في الدار المغصوبة محرمة لموضع الإجماع على ذلك. فصل: فإن قال قائل: قد قلتم فيما سلف أن النهي عن الفعل إذا أخل ببعض شروطه الشرعية التي لا يصح الفرض إلا به وجب فساده. وهذا موجود في الصلاة في الغصب لأجل اتفاق الأمة على أنه قد أخذ على المكلف أن ينوي الصلاة فرضًا واجبًا، ويقصد التقرب بفعلها. وقد علم أنها معصية ومحال وجود النية لأداء الفريضة بها مع العلم بأنها معصية. فصار كونها غصبًا يخل بهذا الشرط الذي لا تتم إلا به، ووجب القضاء بفسادها. يقال إن (من) صحح صلاة المصلي مع مشاهدته نفسًا تحترق أو

стр. 793

تغرق. وهو متمكن من خلاصها من ذلك، ومن صحح صلاة المصلي في مكان فعلت على ظنه تلفه وهلاكه فيه ظلمًا، وهو قادر على الصلاة في غيره يجب أن تكون الصلاة في هذه الأحوال فاسدة، لأنها صلاة محرمة ومنهي عنها، وإلا انتقض ذلك. ويقال لهم: يجب على اعتلالكم أن تكون صلاة المديون والمودع، وكل من عليه حق يجب عليه الخروج منه ويمكنه ذلك فاسدة، لأنها صلاة قد ترك بها قضاء الدين ورد الوديعة، واختيار ترك الواجب عصيان. فإن مروا على هذا فحسن ركوعهم، ولا نعرفه قولًا لأحد منهم. وإن مروا على قياس قولهم في ذلك فارقوا الإجماع، لأنه ليس بقول لأحد من السلف/ص ٣١٩ والذي يجب الاعتماد عليه في إبطال استدلالهم على تعذر فعل نية التقرب ووجوب الصلاة في الدار المغصوبة أن يقال لهم: إنه قد وجب على المصلي ولزمه أن ينوي القربة والوجوب، وأ، هـ إذا فعل صلاة في دار مغصوبة يعلم أن الكون معصية لم تصح منه نية الوجوب، وكان الذي يفعله غير المأمور به. ولكن لم قلتم أن كونه معصية، وظاهر النهي يدل على أنه غير مجزئ، ولا واقع موقع الصحيح؟ فإن قالوا: لأنه غير الذي أمر به، فيجب بقاء المأمور به في ذمته حتى يفعله على وجه ما أمر به. يقال لهم: ليس في نفس هذا وقع الخلاف. فلم قلتم إن وقوع الشيء غير مأمور به وظاهر النهي عنه يقتضي بقاء الفرض في ذمته وكونه غير مجزئ.

стр. 794

وما أنكرتم أنه غير المأمور، ومما لم يصح فيه نية الوجوب. وهو مع ذلك ثابت في إسقاط الفرض مناب المأمور به لو وقع، فلا يجدون في ذلك متعلقًا. فإن قالوا: يحتاج كونه واقعًا موقع الصحيح إلى دليل. قيل: أجل، وما نُحله محل الصحيح إلا بدليل، وليس من هذا اختلفنا، وإنما خالفناكم في قولكم نفس كونه معصية، غير المأمور به فظاهر النهي عنه يقتضي كونه غير مجزيء. وليس الأمر كذلك، فلا يقتضي - أيضًا - كونه كذلك كونه صحيحًا مجزئًا، بل يحتاج في كونه كذلك إلى دليل، ويحتاج - أيضًا - في كونه غير مجزئ إلى دليل. فدلوا على ما ادعيتم. ثم يقال لهم: يدل على إجزائها مع كونها معصية غير المأمور به إجماع السلف الذي وصفناه على كونها صحيحة مجزئة وإن كانت عالمة بأنها معصية قبيحة غير المأمور به. فلو كان من حق ما ينوب مناب الفرض أن يكون طاعة مأمورًا به لم يجمعوا على إجزاء المعصية مع كونها واقعة موقع الصحيح. فإن قالوا: فقد أجمعت الأمة - أيضًا - على أن غير المأمور به لا يقع موقعه. يقال لهم: هذه غفلة. متى أجمعت الأمة على ذلك، وقد بينا أنها قد أجمعت قبل حدوث أبي شمر على إجزاء هذه الصلاة مع العلم بأنها معصية، غير المأمور به/ ص ٣٢٠ وإذا كان ذلك كذلك سقط ما اعتلوا به.

стр. 795

فإن قالوا: فيجب أن يكون (في) نية التقرب بالصلاة شرطاً في صحتها. قيل لهم: ليس ذلك كذلك، بل نية التقرب بها مجمع على كونها شرطاً في ملك الإنسان، وفي المساجد وما جرى مجراها، لأن الأمة متفقة على أن نية التقرب شرط في صحة الصلاة في هذه المواضع، وما أجمعوا على أنها شرط في صحة الصلاة في الدار المغصوبة، فنحن لذلك نجعلها شرطاً من حيث أجمعوا على أنها شرط، ولا نقول به في الموضع المختلف فيه وجواب آخر: وهو أن ما أدعوه من إجماع الأمة على أن من شرط صحة الصلاة وإجزائها أن يفعل بنية الوجوب والتقرب بفعلها ليس على ما قالوه، لأن كثيراً من الأمة يقول إن المأخوذ على المصلي فعل نية الصلاة صبحاً أو ظهراً وإن لم ينوها واجبة ولم يخطر الوجوب بباله. فإذا نواها عندهم أجزأت وصحت وإن لم ينوها واجبة. فإذا كان ذلك كذلك بطلت دعواهم هذه، وإن قالوا إذا نواها ظهراً أو عصراً كان في ضمن ذلك نية الوجوب، لأنه يجب أن ينويها ظهراً واجبة. يقال له: ليس الأمر على ما قلته، وإنما عليه أن ينويها ظهراً فقط.

стр. 796

فإن قالوا: فلابد على كل وجه من أن ينويها طاعة مأموراً بها. قيل لهم: ليس الأمر كذلك، لأننا قد أوضحنا حصول إجماع سلف الأمة على إجزاء هذه الصلاة، وإن لم يصح فيها على قولكم نية الوجوب والطاعة والتقرب مع العلم بأنها معصية حرام، وإذا كان ذلك كذلك كان الإجماع السابق على ما قلناه، فبطل لدعواكم هذه. فصل: فإن قيل: فأين تجب عليه نية الوجوب وتكون شرطاً لصحة الفرض؟ قيل: فيما يبتدئ به من الصلاة في ملكه، والمأذون له في الصلاة، العالم بأن كون بعض أركان الصلاة معصية يختل التقرب بجملتها، لأنه إنما تصح نية الوجوب في هذه الصلاة. وفيمن هذه حاله. وأما إذا صلى في الغصب من الأرض ومالا يصح له فريضة فيه، ووقعت ممن لا يعلم أنه/ ص ٣٢١ لا يصح التقرب ونية الوجوب بجملة فعل جزء حرام لم تكن نية الوجوب شرطاً لوقوعها فكانت معصية غير المأمور بها، وغير متأتٍ فيها نية الوجوب. وكانت مع ذلك واقعة موقع الفرض المأمور به ومسقطة له. وإذا كان ذلك سقط ما بنوا عليه. ومما يبين صحة هذا القول إنه لو شرع من لم يبلغ الحلم في صلاة الظهر وقد نواها ظهراً، ثم بلغ في الركعة الرابعة لكانت صلاته عند أكثر الأمة ماضية صحيحة، ولذلك لو صلى أول الوقت، وقد نواها ظهراً، ثم بلغ في وسطه وآخره لكانت عند كثير من الفقهاء ماضية مجزئة، وإن لم يصح ممن لم يبلغ نية الوجوب فيها والتقرب بفعلها للعلم بأنه غير مكلف ولا مفروض عليه شيء.

стр. 797

وإنما أجزأت عنه لأنه نواها ظهراً. فبان أنه (ليس) من شرط صحتها نية الوجوب، وإنما يكفي أن ينويها ظهراً أو عصراً وبطل ما أدعوه. وجواب آخر يبطل ما اعتمدوا عليه من ذلك. وهو اتفاق الكل على أن الأكوان في الدار المغصوبة ليست هي جميع أجزاء الصلاة وجملتها، وإنما هي ركن من أركان الصلاة. وفي الناس من يقول الصلاة هي التكبير والقراءة، والاسم لها دون القيام، ولا أقل من أن تكون الصلاة جملة الأركان. لأنه لو قام وركع وسجد بعد تكبير وتوجه وقراءة وتشهد، وكل ما هو من أركانها سوى الأكوان لم يجزئه. ولو فعل التكبير والقراءة والذكر الواجب في الصلاة ولم يفعل القيام والركوع والسجود لم يكن مصلياً. فوجب أن تكون الصلاة جملة أجناس أفعال مختلفة، منها الأكوان المتعلقة، نحو صاحب الدار، ومنها وجوب تكبير وقراءة وتشهد وأشياء من أفعال القلوب ليست بغصب لصاحب الدار، ولا منعٍ له من حق، ولا تعلق له في حظر شيء منها والمنع منه. وإذا كان ذلك كذلك صحت نية التقرب والوجوب بفعل جملة الصلاة، وإن كان منها جزء لا يصح التقرب به لو انفرد عن باقيها، وليست نية الوجوب مقصورة على الأكوان دون باقي الأفعال. ولو أفرد الأكوان والقيام والركوع والسجود والجلوس بنية الوجوب دون باقي أبعاض الصلاة لم يجز دون أن ينوي جملتها فريضة لله سبحانه. وإذ كان ذلك كذلك صح وجود نية وجوب جميعها. وإن / ص ٣٢٢ كان فيها جزء لا يصح إفراده بنية الوجوب، والنية غير مقصورة عليه. وأكثر الناس لا يعلم أنه لا يصح التقرب بجملة فعل فيه جزء غير مأمور به، ولا يخطر هذا بباله، بل يتقرب بجملة الصلاة وينويها، فتصح لذلك منه نية الوجوب. هذا على أن العالم منا بأن الأكوان في الدار من جملة الصلاة معصية يجد في نفسه صحة فعل نية وجوب الصلاة،

стр. 798

وإن كان فيها جزء حرام لا يقصد بنية الفرض. وقولهم: إنه لا يتأتى من عالم أو عامي نية وجوب الصلاة مع علمه بوقوعها في الغصب باطل. وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه من كل وجه صحة الصلاة في الدار المغصوبة. فصل: ويقال لمن اعتل بهذه العلة من المعتزلة، كيف يسوغ للمرء إدعاء إجماع الأمة على أن من شرط الصلاة المفروضة نية الوجوب، وإنها إن عريت منها فسدت ولم تجز. وأنتم خاصة تزعمون أنه لا يصح من أحدٍ تلبس بفعل تعبد به أن ينويه واجباً، لأنه لا يعلم أنه متعبد به لتجويزه أن يعجز ويخترم قبل امتثاله، وكيف يصح منه أن ينويه، وهو لا يعلم وجوبه عليه، ويجوز أن يكون الله سبحانه غير متعبد به، وإنما لا نأمن عندكم أن يكون واجباً. وهو لو نوى أنه يفعل صلاة لا نأمن أن تكون واجبة لم تجزئه حتى ينويها واجبة، ومحال على أصولكم صحة نية وجوبها قطعاً مع تجويز كونها غير واجبة واخترام المكلف قبل امتثالها. وإذا كان ذلك لم يصح على أصولكم خاصة أن يقال إن من شرط صحة الفرض أن ينويه فرضاً واجباً، وبطل ما أصلتم على أوضاعكم بطلانا بينا. وهذه الطرق هي التي يصح إبطال اعتلال القوم بها دون ما يظنه أكثر الفقهاء ممن لم يحصل علم هذا الباب. فإن منهم من توصل من عند نفس إلى القدح في هذه الدلالة بأن قال: إنما لم تبطل الصلاة في الدار المغصوبة، لأجل أن الصلاة منفصلة من الغصب، وهي جنس غيره، لأن الغصب- زعم- متناول لنفس الدار وذوات أبعاضها وأجزائها، والصلاة فعل المصلي وهي أعراض، ومقدورة له وموجودة بذاته فهي لذلك غير المغصوب عليه. فوجب أن لا تكون الصلاة من الغصب في شيء/ ص ٣٢٣ وأن تقع مجزئة وإن فعلت في دار مغصوبة.

стр. 799

وهذا بعيد ممن توهمه من قبل أن الغصب إنما غصب ملك صاحب الدار وحقه فيها، وهو إنما يملك التصرف فيها وفعل الأكوان على أرضها وسقوفها وهوائها المسامت لها، ولا يملك نفس أجزائها. وكذلك قولنا إنه يملك العبد والأمة، ويملك بضع زوجته والمبيع بعقد البيع والنكاح إنما نعني به أنه يملك الانتفاع والتصرف في ذلك على حدٍ ورسمٍ له دون السرف والتجاوز في. فأما ذوات الأجسام فملك لله سبحانه دون سائر خلقه. والقدرية تزعم أن ذوات الأجسام الحادثة والباقية ليست بملك لله، ولا لأحدٍ من خلقه من حيث كانت موجودة وكأن الملك للشيء بمعنى القدرة عليه فالموجود يستحيل عندهم كونه مقدوراً لله سبحانه أو لأحدٍ من خلقه. ولما كان القديم مالكاً للعالم قبل خلقه وفي حال عدمه. لأنه مقدور في تلك الحال. فإذا حدثت وبقي خرج في الحالتين عن ملكه وملك كل أحدٍ وإن كنا قد بينا فساد هذا القول في غير موضع. وإنما ذكرنا ذلك لنعرف بصاحب الدار إنما يملك التصرف فيها وفعل الأكوان في جهاتها ووضع متاعه ورحله فيها. وإذا كان ذلك كذلك وكانت الصلاة في الدار المغصوبة من جملتها كون المصلي فيها وقيامه وركوعه وسجوده على صفحة قرارها وفي هوائها وجب أن تكون أكوانه غصباً لصاحبها، ومنعاً له من أن يكون بحيث هو، ومن ترك متاعه في مكان الغاصب المصلي فيها ولو لم يكن عاصياً بقعوده في تلك الأماكن وقيامه وركوعه وسجوده

стр. 800

وجلوسه. وإن كان مانعاً به لصاحبها من التصرف بحيث هو أوجب لو ترك الغاصب في ذلك المكان عدلاً وملأ الدار بالأعدال أن لا يكون غاصباً، وإن منعه بما وضعه فيها من الانتفاع بها والتصرف فيها. وهذا ما لا يقوله أحد، وثبت أن الغصب هو غصب منافع الدار، ومنع مالكها من الأكوان والتصرف فيها، فكل ما منع صاحب الدار من التصرف في مكان من أرضها أو ما سامت أرضها من هوائها فإنه غصب له ومنع من حقه. ويبين ذلك أن الإنسان لو مد سطحاً وقراراً لعلوٍ يسامت داراً لغيره وغرضه ليس تملك له، وجعل عماد ذلك السقف وأساطينه في ملك نفسه لوجب باتفاق كونه/ ص ٣٢٤ ظالماً وغاصباً بذلك ومانعاً لصاحبها من التصرف في هوائها وحدها المسامت لساحتها. وكل هذا يوضح أن الغصب إنما هو غصب التصرف والمنافع التي يملكها رب الدار دون ذوات الأجسام، فبطل ما ظنه المتعلق بذلك. فصل: وقد قال بعضهم: إنما صحت الصلاة في الدار المغصوبة، لأنه لابد للمصلي من قرار يقف عليه ويركع ويسجد فجازت صلاته. وإن كان مستقراً فيها على ملك غيره. وهذا- أيضاً- بعد وغفلة من المتعلق به، لأنه وإن احتاج إلى قرار فقد أمر بأن يجعل قراره في ملكه أو مأذون له في الاستقرار عليه. فأما أن يجعل قراره في أملاك الغير فمحرم بإجماع، كما أنه يحتاج إلى طهارة وستر عورة.

стр. 801

وكذلك لا يحل له غصب ثوب غيره وما به يستر عورته، وسيما إذا كان له غنى ومندوحة عن ذلك فبطل ما قالوه. فصل: وقد حاول- أيضاً- بعض الفقهاء الجواب عما قالوه، والاستدلال على صحة الصلاة في الدار المغصوبة بأن قال: إن الصلاة في الدار المغصوبة طاعة لله ، وهي نعم منفصلة من الكون في الدار وغير له. قال: بدلالة أنه قد يفعل الكون في الدار وإن لم يكن مصلياً فيها، ويكون في الدار المغصوبة ويفعل الكون فيها من لا يكون مصلياً فيها بأن يصلي في غيرها. قال: فثبت أن الكون في الدار غير الصلاة فيها. وقد كان من حق هذا الكلام أن لا يتشاغل بذكره والنقض له الظهور فساده وخطأ قائله عند جميع محصلي علم هذا الباب من سائر المتكلمين. لأنه وإن جاز أن يكون فيها ولا يكون مصلياً بأن يكون مصلياً في غيرها، فغنه لا يجوز أن يكون مصلياً إلا بفعل الكون فيها. وإن جاز أن يفعل الكون فيها من لا يكون مصلياً له. وهذا بمثابة من قال إن القعود في الدار المغصوبة وعلى صفحتها ليس هو الكون فيها، لأنه قد يكون فيها من ليس بقاعد بأن يكون قائماً أو مضطجعاً أو ماشياً، وقد يكون فيها من يفعل قعوداً في غيرها، فيجب أن يكون الجلوس في الدار غير الكون فيها. وهذا بعد عظيم من متوهمه. وكذلك فلو قال قائل: الكون ليس بحركة، لأنه قد يكون الكائن غير متحرك بأن يكون ساكناً بسكون أيضاً، لأنه قد يكون/ ص ٣٢٥ كائناً غير ساكن بأن يكون متحركاً، فيجب أن تكون الأكوان غير الحركة والسكون، وهو أيضاً بمصابة من قال: إن الكون ليس هو السواد والبياض والحمرة والألوان الخمسة، لأنه قد يكون المتلون غير أسود بأن يكون أبيض، وبمثابة من قال: إن الصلاة ليست بطاعة، ولا قربة لأنه قد يكون مطيعاً متقرباً من ليس بمصلٍ، وقد يصلي من

стр. 802

لا تكون صلاته قربة إلى الله سبحانه، فيجب أن تكون الطاعة والقربة بالصلاة غير الصلاة. وكل هذا بعد ممن توهمه، وذهاب عن التحصيل. ويقال لهم: إذا قلتم إن صلاة المصلي في الدار غير أكوانه فيها، فاذكروا لنا ما الأكوان فيها، وما هو القيام والركوع والسجود الذي هو غير الكون، فلا يمكن عاقل أن يذكر في ذلك شيئاً يكون شبهة في هذا الباب. فصل: ولو كان الكون في الدار القيام والركوع والسجود والجلوس فيها، ومخالف لجنس هذه الأفعال لكانت لابد أن تكون مثل الأكوان فيها أو ضدها أو خلافها. فلو كانت مثلها لاستغني بالقيام والجلوس فيها عن وجود كون له فيها، لأنهما من جنس الكون. ولو كانا خلافين ضدين لاستحال أن يكون الكائن في الدار مصلياً فيها، لأن ذلك يوجب اجتماع الأضداد، وذلك محال. ولو كانا خلافين لصح وجود الصلاة في الدار مع ضد الكون فيها، الذي هو كون في غيرها، وأن يوجد الكون فيها مع ضد القيام والجلوس فيها. وضد ذلك كون في غيرها. وذلك يوجب أن يوجد بالمصلي كونين في مكانين معاً. وهذا بعد ممن صار إليه، فثبت بذلك بطلان القول. وفي الذي اعتمدنا عليه في إبطال اعتلالهم كفاية وغنى عن هذه التلفيقات الباطلة، وبالله التوفيق. ويليه المجلد الثالث ويبدأ بالقول في العموم والخصوص.

стр. 803

التقريب والإرشاد (الصغير) للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ قدم له وحققه وعلق عليه الدكتور عبد الحميد بن علي أبو زيد الجزء الثالث مؤسسة الرسالة

стр. 804

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال بدر الدين الزركشي في مقدمة البحر المحيط: " وكتاب التقريب والإرشاد للقاضي أبي بكر هو أجل كتاب صنف في هذا العلم طلقا" وقال أيضا: (حتى جاء القاضيان: قاضي السنة أبو بكر بن الطيب, وقاضي المعتزلة عبد الجبار، فوسعا العبارات وفكا الإشارات وبينا الإجمال, ورفعا الإشكال واقتفي الناس بآثارهم, وساروا على لأحب نارهم, فحرروا وقرروا وصوروا, فجزاهم الله خير الجزاء)

стр. 805

التقريب والإرشاد الصغير ٣

стр. 806

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جميع الحقوق محفوظة للناشر الطبعة الثانية ١٤١٨ هـ / ١٩٩٨ م طبعة جديدة مُصححة ومُنقحة حقوق الطبع محفوظة (١٩٩٣ م. لا يُسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه. ولا يُسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.

стр. 807

باب القول في العموم والخصوص إن قال قائل: خبرونا ما العام وما الخاص وما حدهما؟ قيل له أما العام فهو " القول المشتمل على شيئين فصاعدا": والدليل على ذلك أن العموم في اللغة هو الشمول. ولذلك يقال عممت الجماعة بالبر, وعممت زيدا وعمرا بالعدل والمدح, وعممت البلدة والعشيرة. فكل قول اشتمل على شيئين فصاعدا فإنه عام فيما اشتمل عليه. ويجب إذا كان ذلك كذلك أن يكون العام ما اشتمل ⦗٣٢٦⦘ عليه شيئين. وأوسعه وأعمه ما يتناول جميع الجنس على الاستيعاب والاستغراق, وأن يكون ما بينهما عام من وجه وخاص من وجه. فيكون عاما من حيث اشتمل على ما يتناوله من الأعيان

стр. 808

والأزمان، وخاصة من حيث لم يتناول مما يقع عليه الاسم أكثر من ذلك القدر. فأما الخاص: فمعنى وصفه بذلك أنه قول على شيء أو أشياء مما يتناوله الاسم في وضع اللغة, أو مما يصح وضعه له وإجراؤه عليه, أو بعض ما يكون الاسم متناولا له أو لغيره فلذلك كان قولهم اضرب زيدا خاضا في زيد دون غيره. قولهم اضرب الزيدين خاصا فيهما دون العمرين وغيرهما من الزيدين. وقولهم أذل المشركين خاصا لوقوعه عليهم دون المؤمنين. وقد يكون الخاص من الخطاب لتناوله بعض من يجري عليه الاسم, ويكون خاصا لتناوله ما يقع عليه الاسم دون غيره ممن يكون يصح وقوعه في أصل الوضع عليه. فقولهم اضرب الرجل واضرب زيدا خاص في بعض الزيدين وبعض الرجال, وكذلك الرجلين والثلاث والعشرة, وهو لذلك خصوص في بعض من يصح أن يجري الاسم في أصل الوضع عليه, وبعض من يصلح تناول الاسم له ولغيره بعد التواضع عليه. وقولهم اقتل المشركين وعظم المؤمنين خاص في المؤمنين والمشركين لتناوله لفريق دون فريق ممن له ولغيره اسم يعمهما: فهو قوله العلماء ذوو الألباب والناس وما جرى مجراه, أو لبعض ما كان يصح وضع الاسم له وجريانه عليه, ولا يمكن أن يذكر في حد كون الخطاب عامل وخاصا شيئا سوى ما ذكرناه من جميع صفات الكلام التي يشركه فيها مالا يوصف بأنه عام ولا خاص. فإن قال قائل: أفيجوز على هذا الأصل أن يقال إن العام خاص وأن الخاص عام, وأن المعموم مخصوص؟. ق يل له: لا يصح أن يقال ذلك إلا على الأصل الذي فسرناه من القول العام الشامل لأمور خاص فيها على تأويل أنه متناول لها وحدها دون ما عداها, فيكون

стр. 809

عاماً فيما تناوله واشتمل عليه ⦗٣٢٧⦘ وخاصا من حيث لم يتناوله غيره مما يلحقه الاسم, أو مما كان يجوز في أصل الوضع إجراء الاسم عليه, أو ما يصلح أن يكون الاسم متناولا له ولغيره, فإن أريد بوصف القول قائم خاص, وأنه معموم مخصوص هذا المعنى, فذلك صحيح, فأما القول بذلك على ما يذهب إليه مثبتو العموم الذي هو استغراق الجنس, فإنه ليس بصحيح على التحقيق, ولا مستمر إلا على أصل أهل الخصوص, ولا على مذهب القائلين بالوقف, ولا على مذهب أصحاب العموم, وذلك أن أصحاب الخصوص يزعمون أن قولنا المشركون ومشركون ونحوه من الجموع المعرفة والمنكرة موضوعة للخصوص الذي هو أقل الجمع، وليس بمفيد للعموم والاستغراق, فكيف يصفونه بأنه عموم وأنه مخصوص، وهو ليس بعموم. وأما أصحاب الوقف فأنهم يقولون: إنه لفظ مشترك متردد بين العموم والخصوص وصالح لهما, فإذا استعمل في أحدهما بقرينته كان حقيقة فيه, وليس هو في الأصل موضوع لأحدهما، فكيف يقولون إنه عموم مخصوص؟. وأما القائلون بأنه موضوع في الأصل لاستغراق الجنس, فإذا أريد به البعض وقصر إليه به فصورته بحالها لم تتغير, ولا خرجت عن أن تكون موضوعة في الأصل للاستغراق, وإنما تستعمل في البعض بقرينته وقصد المتكلم بها إلى بعض ما وضعت له لا تص موضوعا لذلك البعض, وهو إذا استعملها فيه كان متجوزا باستعمالها في غير ما وضعت له, فيجب لذلك أن يكون المراد بقولهم إنه

стр. 810

عموم مخصوص أنه مستعمل في بعض ما وضع له واستعماله في ذلك لا يصيره موضوعا له, فيجب أن يكون متجوزا به, ويجب أن يكون قولنا إنه مخصوص أن المتكلم به قصد الخصوص الذي ليس بموضوع له, وذلك مجاز من الاستعمال, ولا يجوز أن يصير خصوصا بقصد المتكلم إلى ذلك, لأن ذلك فيه أن يكون هموما بحق الوضع موجب الاسم، وأن يكون خصوصا بقصد المتكلم به إلى بعض ما وضع له, فيكون عاما خاصا, وذلك باطل، فيجب أن لا يكون معنى هذا الإطلاق أنه لفظ وضع للاستغراق أو ثبت للعموم وقصد به بعض ما وضع له, على أنهم يقولون إن اللفظ إنما يكون عموما إذا عري من جميع قرائن التخصيص, فإذا ورد مقترنا ببعضها فليس هو اللفظ الموضوع للعموم, فكيف يكون عموما مخصوصا؟ وكذلك قولهم خاص أريد به العام إنما يعنون ⦗٣٢٨⦘ أنه لفظ وضع للخصوص وأراد به المتكلم العموم، فهو لذلك مستعمل له في غير ما وضع له، والذي به يصير لفظ الخصوص عموما قصد المتكلم به إلى ذلك, وما به- أيضا- يصير اللفظ المشترك بين العموم والخصوص خاصا أو عاما إنما هو قصد المتكلم به إلى ذلك وإرادته له, ولذلك كل لفظ مشترك بين شيئين أو أشياء إنما يصير أن يقال إنه مصير لذلك إلا القصد والإرادة على ما بيناه دون صيغة القول, ودون حدوثه وكونه مدركا, ودون العلم به والقدرة عليه, وسائر ما هو عليه, وما المتكلم به عليه من الصفات، فثبت بذلك أنه إنما يصير عبارة عن العام أو الخاص بالإرادة والقصد, وبالله التوفيق.
следующие страницы →