← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17883

التقريب والإرشاد (الصغير)

الباقلاني

Полный текст (1 232 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جميع الحقوق محفوظة للناشر الطبعة الثانية ١٤١٨ هـ / ١٩٩٨ م طبعة جديدة مُصححة ومُنقحة حقوق الطبع محفوظة (١٩٩٣ م. لا يُسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه. ولا يُسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.

стр. 807

باب القول في العموم والخصوص إن قال قائل: خبرونا ما العام وما الخاص وما حدهما؟ قيل له أما العام فهو " القول المشتمل على شيئين فصاعدا": والدليل على ذلك أن العموم في اللغة هو الشمول. ولذلك يقال عممت الجماعة بالبر, وعممت زيدا وعمرا بالعدل والمدح, وعممت البلدة والعشيرة. فكل قول اشتمل على شيئين فصاعدا فإنه عام فيما اشتمل عليه. ويجب إذا كان ذلك كذلك أن يكون العام ما اشتمل ⦗٣٢٦⦘ عليه شيئين. وأوسعه وأعمه ما يتناول جميع الجنس على الاستيعاب والاستغراق, وأن يكون ما بينهما عام من وجه وخاص من وجه. فيكون عاما من حيث اشتمل على ما يتناوله من الأعيان

стр. 808

والأزمان، وخاصة من حيث لم يتناول مما يقع عليه الاسم أكثر من ذلك القدر. فأما الخاص: فمعنى وصفه بذلك أنه قول على شيء أو أشياء مما يتناوله الاسم في وضع اللغة, أو مما يصح وضعه له وإجراؤه عليه, أو بعض ما يكون الاسم متناولا له أو لغيره فلذلك كان قولهم اضرب زيدا خاضا في زيد دون غيره. قولهم اضرب الزيدين خاصا فيهما دون العمرين وغيرهما من الزيدين. وقولهم أذل المشركين خاصا لوقوعه عليهم دون المؤمنين. وقد يكون الخاص من الخطاب لتناوله بعض من يجري عليه الاسم, ويكون خاصا لتناوله ما يقع عليه الاسم دون غيره ممن يكون يصح وقوعه في أصل الوضع عليه. فقولهم اضرب الرجل واضرب زيدا خاص في بعض الزيدين وبعض الرجال, وكذلك الرجلين والثلاث والعشرة, وهو لذلك خصوص في بعض من يصح أن يجري الاسم في أصل الوضع عليه, وبعض من يصلح تناول الاسم له ولغيره بعد التواضع عليه. وقولهم اقتل المشركين وعظم المؤمنين خاص في المؤمنين والمشركين لتناوله لفريق دون فريق ممن له ولغيره اسم يعمهما: فهو قوله العلماء ذوو الألباب والناس وما جرى مجراه, أو لبعض ما كان يصح وضع الاسم له وجريانه عليه, ولا يمكن أن يذكر في حد كون الخطاب عامل وخاصا شيئا سوى ما ذكرناه من جميع صفات الكلام التي يشركه فيها مالا يوصف بأنه عام ولا خاص. فإن قال قائل: أفيجوز على هذا الأصل أن يقال إن العام خاص وأن الخاص عام, وأن المعموم مخصوص؟. ق يل له: لا يصح أن يقال ذلك إلا على الأصل الذي فسرناه من القول العام الشامل لأمور خاص فيها على تأويل أنه متناول لها وحدها دون ما عداها, فيكون

стр. 809

عاماً فيما تناوله واشتمل عليه ⦗٣٢٧⦘ وخاصا من حيث لم يتناوله غيره مما يلحقه الاسم, أو مما كان يجوز في أصل الوضع إجراء الاسم عليه, أو ما يصلح أن يكون الاسم متناولا له ولغيره, فإن أريد بوصف القول قائم خاص, وأنه معموم مخصوص هذا المعنى, فذلك صحيح, فأما القول بذلك على ما يذهب إليه مثبتو العموم الذي هو استغراق الجنس, فإنه ليس بصحيح على التحقيق, ولا مستمر إلا على أصل أهل الخصوص, ولا على مذهب القائلين بالوقف, ولا على مذهب أصحاب العموم, وذلك أن أصحاب الخصوص يزعمون أن قولنا المشركون ومشركون ونحوه من الجموع المعرفة والمنكرة موضوعة للخصوص الذي هو أقل الجمع، وليس بمفيد للعموم والاستغراق, فكيف يصفونه بأنه عموم وأنه مخصوص، وهو ليس بعموم. وأما أصحاب الوقف فأنهم يقولون: إنه لفظ مشترك متردد بين العموم والخصوص وصالح لهما, فإذا استعمل في أحدهما بقرينته كان حقيقة فيه, وليس هو في الأصل موضوع لأحدهما، فكيف يقولون إنه عموم مخصوص؟. وأما القائلون بأنه موضوع في الأصل لاستغراق الجنس, فإذا أريد به البعض وقصر إليه به فصورته بحالها لم تتغير, ولا خرجت عن أن تكون موضوعة في الأصل للاستغراق, وإنما تستعمل في البعض بقرينته وقصد المتكلم بها إلى بعض ما وضعت له لا تص موضوعا لذلك البعض, وهو إذا استعملها فيه كان متجوزا باستعمالها في غير ما وضعت له, فيجب لذلك أن يكون المراد بقولهم إنه

стр. 810

عموم مخصوص أنه مستعمل في بعض ما وضع له واستعماله في ذلك لا يصيره موضوعا له, فيجب أن يكون متجوزا به, ويجب أن يكون قولنا إنه مخصوص أن المتكلم به قصد الخصوص الذي ليس بموضوع له, وذلك مجاز من الاستعمال, ولا يجوز أن يصير خصوصا بقصد المتكلم إلى ذلك, لأن ذلك فيه أن يكون هموما بحق الوضع موجب الاسم، وأن يكون خصوصا بقصد المتكلم به إلى بعض ما وضع له, فيكون عاما خاصا, وذلك باطل، فيجب أن لا يكون معنى هذا الإطلاق أنه لفظ وضع للاستغراق أو ثبت للعموم وقصد به بعض ما وضع له, على أنهم يقولون إن اللفظ إنما يكون عموما إذا عري من جميع قرائن التخصيص, فإذا ورد مقترنا ببعضها فليس هو اللفظ الموضوع للعموم, فكيف يكون عموما مخصوصا؟ وكذلك قولهم خاص أريد به العام إنما يعنون ⦗٣٢٨⦘ أنه لفظ وضع للخصوص وأراد به المتكلم العموم، فهو لذلك مستعمل له في غير ما وضع له، والذي به يصير لفظ الخصوص عموما قصد المتكلم به إلى ذلك, وما به- أيضا- يصير اللفظ المشترك بين العموم والخصوص خاصا أو عاما إنما هو قصد المتكلم به إلى ذلك وإرادته له, ولذلك كل لفظ مشترك بين شيئين أو أشياء إنما يصير أن يقال إنه مصير لذلك إلا القصد والإرادة على ما بيناه دون صيغة القول, ودون حدوثه وكونه مدركا, ودون العلم به والقدرة عليه, وسائر ما هو عليه, وما المتكلم به عليه من الصفات، فثبت بذلك أنه إنما يصير عبارة عن العام أو الخاص بالإرادة والقصد, وبالله التوفيق.

стр. 811

باب القول في امتناع دخول العموم في المعاني والأفعال إن قال قائل: قد ثبت بما وصفتم كون القول المشتمل على المسميات عموما فهل يصح العموم في المعاني والأفعال التي ليست بقول؟. قيل له: لا, لأن أهل اللغة قصروا القول" عموم" على القول الذي وصفناه من حيث كانت متناولة لأشياء، ولم يصفوا شيئا غير القول بذلك. ومما يدل على استحالة كون الفعل والحكم عموما وإن جاز أيقال عمهم العطاء والعدل والإحسان والمنع والحرمان أن العطاء لكل معط منهم مختص به ومقصور عليه غير مشترك بينه وبين غيره, وكذلك البذل والمنع وكل فعل أوقع في مختص وفعل به وفعل بغيره مثله.

стр. 812

وكذلك إذا قيل حكم الله في قطع السارق وجلد الزاني حكم عام فإنما ذلك مجاز, لأن حكمه على كل واحد منهم بما حكم به عليه من حد وغيره غير حكمه على الآخر، والمراد بذكر الحكم في هذا الكلام الحد المحكوم به باتفاق. والموجب من حد كل واحد منهم باتفاق غير الموجب على غيره, وغير مشترك بينه وبين غيره، كذلك ما إذا استوفي الحد من واحد منهم لم يكن مستوفي من جميعهم, إذا عصى بترك حد البعض منهم لم يكن ذلك عصيانا في إقامة الحد على الباقين ⦗٣٢٩⦘ وكذلك القول في العبادات الموجبة على كل واحد من المكلفين, وفي أنها غير العبادة الواجبة على غيره. وإنما يصح أن يقال أنه قد وجبت على كل متعبد, ولزم إقامة الحد على كل مجرم بحكم ولفظ عام يشتمل على جماعة من يتناوله الاسم أو فريق منهم, فيوصف بذلك لأنه بنفسه مشتمل على ما اشتمل عليه, فأما أن يكون الواجب على واحدهم هو نفس الواجب على غيره, فذلك محال. فصل: فإن قال قائل: لم أذهب في القول بدخول العموم في المعاني إلى ما قلتم، وإنما عنيت بذلك أن الأفعال إذا اشتركت في أحكام وصفات وصفت بأنه عموم. يقال له: ما تمنع اشتراك الأفعال والصفات المتغايرة في أحكام وحقائق تجمعها, ولذلك قلنا إن جميع الأفعال والصفات مشتركة في حقيقة الوجود. وغير ذلك من الأحكام، غير أن الوجود ليس بمعنى ثابت يكون جامعا لجميعها أو متناولا لها, وإنما وجود كل شيء منها هو ذاته, وذاته ليست بذات غيره, ولا كل شيء منها غيره, ولا ههنا أمر هو وجود قائم يكون جامعا لها أو مشتملا عليها, فبطل هذا الكلام الذي قالوه. وقد اتفق أهل اللغة على أن الأفعال المشتركة في حكم وصفة من الصفات لا

стр. 813

توصف بأنها عموم, والحكم والوصف الذين هي مشتركة فيه ومستحقة له. وكذلك لا يقال: إن علوم الناس وقدرهم وحركاتهم وصورهم عموم في اشتراك جميعها في الحكم لها بأنها علوم وقدر وحركات, وإنما يقال القول علوم وقدر الذي هو اسم جمع مشتمل على ما أريد به عموم. وكذلك فلا يجوز أن يقال إن الوجود والحدوث والعرضية عموم لاشتراك أشياء في حقيقته. ويدل على هذا- أيضا- ويوضحه اتفاق الكل على أن السابق إلى فهم كل متكلم في اللغة العربية من قول القائل فلان يقول بالعموم، وفلان لا يقول بذلك إنه إنما يثبت قولا ذا صيغة وبنية مختلفا في وصفه وما وضع له, دون غيره من سائر الأفعال والمعاني, ولا يفهم من ذلك أنه يثبت أشياء مشتركة ⦗٣٣٠⦘ في حكم وحقيقة وصفة. وكذلك إذا قيل قد اختلف الناس في العموم لم يعقل منه إلا الاختلاف في حكم اللفظ المدعي وضعه للاستغراق أو البعض أو كونه مشتركا فيهما, وإذا كان ذلك كذلك ثبت أنه لا مدخل للأفعال والأحكام والأمور المشروعة للمكلفين والواجبة على كل واحد منهم في العموم, وأنته مقصور على ضرب من الأقوال مشتمل على ما تحته وما قصد له. فصل آخر يتصل بذلك: فإن قال قائل: فهو يجوز على هذا الأصل القول بأن العموم مخصوص, وأنه خصوص عموم.

стр. 814

يقال له: لا يصح ذلك على قول أصحاب الخصوص, ولا على قول أهل الوقف, ولا على قول مثبتي العموم. فأما أصحاب الخصوص فإنه عندهم موضوع للخصوص. فإذا ورد للخصوص فإنما ورد لما وضع له حقيقة، فكيف يقال إنه عموم، هذا بين الامتناع على قولهم. وأما أصحاب الوقف. فإنهم يقولون إنه يصلح للبعض حقيقة، وللكل حقيقة, فإذا ورد لأحدهما كان له, فإن كان مستغرقا لم يكن مقصورا على البعض ومقصودا به إليه لم يكن مستغرقا, فمحال على هذا أن يكون العام مخصوصا. فأما أصحاب العموم فإنهم يقولون: إن قولنا المشركون والمؤمنون عموم, وإن فائدة وصفه بذلك أنه موضوع في اللغة لاستغراق آحاد من يقع عليه الاسم. فإذا ورد والمراد به البعض لم تتغير بنيته وصورته، ولم يخرج بذلك عن أن يكون لفظا منه بالعموم في أصل الوضع, ولم يصر خاصا بالقصد به إلى بعض من وضع له في الأصل. فيجب إذا كان ذلك كذلك أن يكون وصفه بأنه خاص وخصوص مجازا واتساعا, وعلى وجه التشبيه بالقول الذي وضع في الأصل لذلك القدر, والبعض الذي أريد به دون غيره, لا يصح غير هذا، لأنه لو صار القول خاصا على الحقيقة بالقصد به إلى بعض ما وضع له, وهو في الأصل مبني للعموم لوجب أن يكون عاما خاصا على الحقيقة, وأن يكون عاما بالوضع وحكم اللغة, وخاصا بقصد المتكلم به وإرادته للبعض. وهذا تناقض ظاهر?. ص ٣٣١ لأن قول يوجب أن يكون مستغرقا مستوعبا بحق اللغة والوضع، ومقصورا على البعض ما هو موضوع له بحق الإرادة لذلك, وهذا جهل عظيم, وإذا لم يجز ذلك ثبت أن معنى وصف القول العام على أصلهم بأنه خصوص إنما جرى عليه مجازا واتساعا, ولأنه لو كان لفظ العموم خصوصا بالقصد إلى تخصيصه لصار

стр. 815

لفظ الحقيقة مجازا بالقصد إلى التجوز به واستعماله في غير ما وضع له, فيصير إلى ما نقل إبليه وتجوز فيه بالقصد إلى ذلك، وهذا تخليط ممن صار إليه. فصل: فإن قيل: فما الذي يجب أن يحمل عليه قولهم عموم مخصوص وخصوص أريد به العموم؟. قلنا: الواجب أن يقال إن المراد إنه عام من وجهة اللفظ وأصل الوضع, وخاص في المراد إذا قصد به بعض ما وضع له. وكذلك إذا قالوا خاص أريد به العام فالمعنى فيه أنه خاص من جهة لفظه وحكم الوضع في اللسان وعام من جهة قصد المتكلم به, وليس يصير ما وضع للخصوص وقدر معلوم عاما بقصد المتكلم به إلى أكثر مما وضع له أو إلى جميع آحاد ما يجري عليه الاسم باتفاق، لأن قصود المتكلمين باللغة لا تقلب الألفاظ عما وضعت لإفادته, ولا يصح لهذا القول تأويل إلا ما ذكرناه أن للعموم والخصوص ألفاظ موضوعة لهما, وأن للعبارة عنهما ألفاظا يتواضع عليها. فأما العموم والخصوص على الحقيقة فكرم في النفس متعلق بمتعلقة لنفسه لا بالقصد إلى تعليقه, ولا بالتواضع على ذلك. فصل: وقد يقال: إن فلانا يخص العموم إذا علم أن القول الموضوع لاستغراق الجنس مراد به البعض, فيوصف علمه بذلك بأنه تخصيص للعموم. وقد يوصف بذلك- أيضا- إذا اعتقد كون اللفظ المبني للعموم مخصوصا وظن ذلك، وإن لم يكن الأمر على ما ظنه.

стр. 816

وقد يقال: فلان قد خص العموم إذا أخبر عن كونه مخصوصا وإن لم يكن الأمر على ما أخبر به, فيوصف علم العالم بكون العموم مخصوصا وظنه لذلك وخبره عنه بأنه تخصيص للعموم. ويقال أيضا فيمن أقام الدليل على أن لفظ العموم مخصوص ⦗٣٢٢⦘ أنه قد خص العموم. والمخبر عن كون الخطاب مخصوصا والدال على ذلك والعالم بأنه مخصوص لا يصح أن يكون علمه بذلك وخبره وذكره الدليل على تخصيصه تخصيصا للعموم والواجب على الحقيقة أن يكون مخصص الخطاب هو المخاطب بالخطاب الخاص الموضوع لذلك دون الخطاب القائم وأن يكون الذي عم بالخطاب ما تحته من خطاب الغير بالخطاب القائم في أصل الوضع, كما أن الآمر من خاطب بالأمر, والمخبر والمستخبر من خاطب بما هو خر واستخبار، دون العالم بكون القول خاصا والمعتقد لذلك والدال عليه والمخبر عنه. وقد يوصف المخاطب بالعام إذا قصد به الخصوص بأنه مخصص للعام على تأويل أنه قاصد به إلى غير ما وضع له, وذلك مجاز واتساع وقد بينا في أن حقيقة الكلام فصل من القول جائز خروجهما عما هما عليه. فصل: فإن قيل: فخبرونا بماذا تصير هذه العبارات والأسماء المشتركة عند أهل الوقف بين الخصوص والعموم والموضوعة عند القائلين بالعموم والقائلين بالخصوص لما يقولونه منصرفة إلى بعض محتملاتها وفي غير ما وضعت له؟.

стр. 817

قيل: إنما تصير كذلك بإرادة المعبر وقصده لا لنفسها وجنسها وصيغتها ولا لحدوثها ولا للعلم بوقوعها ولا للإرادة لحدوثها, لأن جميع هذه الأمور تحصل للفظ وإن كان المراد به بعض محتملاته وغير ما وضع له, فعلم أن المؤثر في صرفها إلى بعض محتملاتها أو غير ما وضعت في الأصل له إنما هو إرادة المخاطب بها وقصده, وإنما الأدلة والأحوال الظاهرة تدل على قصد المتكلم بها فيعلم عند ذلك ما أريد بها, وتكون الأدلة دالة على الإرادة التي بها يقع التخصيص أو تصير الكلام لبعض محتملاته. وذلك نحو القول: إي شيء يحسن زيد؟ وقولهم سلام عليكم, المحتمل للتحية والهزل والاستجهال والاستفهام والتفخيم والتقليل فيصبر الكلام لبعض ذلك بالقصد إليه ويعلم القصد إليه إما بضرورة عند أمارات ظاهرة وبشاهد حال أو دليل. ⦗٣٣٣⦘ فأما بعض نفس الكلام الذي في النفس فإنه لا يتغير حال كل ضرب منه, ولا يصير متعلقا بمتعلقة بالإدارة والقصد, كما لا يصير العلم والقدرة متعلقين بمتعلقاتها بالإرادة والقصد إلى ذلك. وهذه جمل في هذا الباب كافية إن شاء الله

стр. 818

باب ذكر الألفاظ المدعاة للعموم من ألفاظ الجموع وغيرها، واختلاف مثبتي العموم فيها فمن هذه الألفاظ الجموح المنكرة والمعرفة, وذلك نحو القول رجال وناس وأشياء ومشركون ومؤمنون وقاتلون وسارقون, وهذه جموع منكرة, والمعرف منها نحو القول الرجال والناس والمؤمنون وأمثال ذلك. وإنما يكون المعرف من الجموع عموما عندهم إذا لم يرد العهد. وكذلك التثبية تكون منكرة ومعرفة, نقول رجلان في النكرة, والرجال في المعرفة وقد أنكر من الناس كون الاثنين جمعا, والذي نقوله أنهما أقل الجمع, ونستدل على ذلك من بعد. ومنه أيضا"من وما" إذا وردا للجزاء والاستفهام. ولفظ"أي" في

стр. 819

الاستفهام والشرط والجزاء. ولفظة " متى وأين" للذي هو ظرف مكان وظرف زمان. ومنها الألفاظ المدعاة للنفي على العموم، نحو قولهم ما جاءني من أحد, ولا في الدار ديار, وأمثال ذلك. ومن ذلك- أيضا- اسم الواحد المعرف من الجنس إذا لم يرد لمعهود, نحو قوله تعالى ﴿إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ﴾ و ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي﴾ وأمثال ذلك, لأنه إذا لم يرد للعهد كان عندهم لاستغراق الجنس. فأما القول مشرك وسارق وزان وأمثال ذلك فإنه يرد لواحد غير معين ولا يصلح أن يراد به ما يزيد على الواحد فضلا عن الاستغراق. قال الله سبحانه في الجمع المنكر: ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الأَشْرَارِ﴾.

стр. 820

وقال في الواحد المنكر: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾. ومن ألفاظ العموم عندهم الألفاظ المؤكدة نحو?: كل وجميع وسائر وأجمعون وأكتعون وأمثال ذلك. هذه جملة الألفاظ المدعاة للعموم. وقد اختلف الناس في هذه الألفاظ التي هي ألفاظ الجمع على ثلاثة أقاويل. فقال قائلون: إنها موضوعة لأقل الجمع., فمنهم من قال أقله اثنان, ومنهم من قال ثلاثة على نبينه من بعد, وهذا قول أصحاب الخصوص من المتكلمين ومن قال بقولهم. وقال القائلون بالعموم: إنها موضوعة لاستغراقه واستيعابه, وخالف بعضهم في ألفاظ منها. وقال أهل الوقف: إنها لم توضع لإفادة أحد الأمرين، بل هي مشتركة تصلح للعموم أو الخصوص, وأنه لا يجب حملها على أحد الأمرين إلا بدليل, وليس الدليل على كونها عليه عروها من دليل التخصيص, ولا الدليل على تخصيصها عروها من دليل العموم, وبهذا نقول. فصل: وقد اختلف القائلون بالعموم في بعض هذه الألفاظ فقال الجمهور منهم: إنه لا فرق بين منكر الجمع ومعرفه في أنهما

стр. 821

يفيدان العموم والاستغراق, وهذا قول الجبائي وكثير من القائلين بالعموم, لأن أحد ما دل على أن قولنا المشركون عاما حسن الاستثناء لكل واحد ممن يقع عليه الاسم, وهذا مستمر في المنكر، إلا أنه إذا قال: اقتلوا مشركين واضربوا رجالا حسن الاستثناء لكل واحد ممن يقع عليه الاسم, فوجب عموم منكرة لمثل ما وجب عموم معرفه. وقال كثير منهم: بل إنما يفيد جمعا منهم غير معين ولا مقدر, فإذا عرف لا للعهد وجب كونه عاما مستغرقا فصل: واختلفوا - أيضا- في الجمع المعرف بالألف واللام. فقال الجمهور منهم: إن القول المشركون والسارقون موضوع لاستغراق الجنس متى ورد عاريا من قرائن التخصيص, ولم يكن للعهد والتعريف. وقال بعضهم?: ٣٣٥ بل يجب حمله على أقل الجمع, ولا يحمل على ما زاد عليه إلا بدليل.

стр. 822

فصل: واختلفوا- أيضا- في فائدة الاسم الواحد من الجنس المعرف باللام. فقال بعضهم: إنه إنما يعرف للعهد والتعبير فقط. وقال بعضهم: بل إنما ينبئ عن أن هذا الجنس مراد, وقد يصلح أن يراد به الواحد, ويصلح أن يراد به جمعا من الجنس, ويصلح أن يراد به جمع الجنس. فصل: وقال بعضهم من ينسب إلى القول بالعموم: أقول: إن هذه الألفاظ للعموم على معنى أنه يصلح أن يراد بها استغراق الجنس وإن لم يبن لإفادته" وعلى معنى أنه لا واحد من المشركين والمؤمنين إلا والقول مؤمن ومشرك يقع عليه, والقائل بهذا موافق لأهل الوقف. لأنهم جميعا يقولون بما فسروا به وصف القول بأنه عموم. فصل: وقد ذكرنا فيما سلف أن القول " من" للعقلاء و"ما" لما لم يعقل ومالا يعقل. كذلك أي وقلنا إن " من وأي" إذا كانا معرفة وقعا موقع"الذي" فإذا كانا نكرة صلحا للعموم والخصوص. وكشفنا ذلك بما يغني عن رده. وجملة ما نقوله في ذلك إنه لا لفظ بني للاستغراق من مؤكد وتأكيد في أعيان ولا أزمان، لا في أمر ولا خبر, ولا في نفي ولا إثبات.

стр. 823

باب ذكر شبه القائلين بالعموم والاعتراض عليها وقد استدلوا على ذلك بأشياء منها: أن قالوا إن العموم الذي هو الاستغراق لجميع الجنس مما قد علم وعقله أهل اللغة, وليس مما يلتبس عليهم, كما عرفوا مقادير الأعداد, وكما عقلوا الخبر والاستخبار وغيرهما من معاني الألفاظ, وإذا كانوا قد وضعوا لكل ما يحتاجون إليه من ذلك لفظا يدل عليه وينبئ عنه وكانت بهم أتم حاجة إلى الإخبار عن جميع الجنس الذي يتناوله الاسم وجب أن يكونوا قد وضعوا له لفظا ينبئ عنه, كما وضعوا المقادير للأعداد, وكما وضعوا اسم الواحد والاثنين, ومثل هذا- زعموا- لا يجوز منهم إغفاله وإهماله, فوجب أن يكون قد وضعوا لفظا ينبئ عنه ⦗٣٣٦⦘ ولا لفظ أحق به من الألفاظ التي قدمنا ذكرها. فيقال لهم: ما قلتموه باطل من وجوه: أولها: إنه استدلال منكم على إثبات لغة, وذلك باطل, لأن اللغة إنما تثبت

стр. 824

بتوقيف منهم ونقل ثابت عنهم, كما أن سنن الرسول ﷺ وما يدعى من وضعه الحكم لا يثبت بنظر واستدلال, وإنما يثبت بالتوقيف والنقل, فإن وجدتم نقلا عنهم لذلك؛ فاذكروه, وإلا فلا تعلق فيما قلتم. وشيء آخر وهو أن أكثر ما في الذي قالوه أن وضع أهل اللغة لما وضعوه يقتضي أن يضعوا للعموم لفظا ولكن من أين أنهم قد فعلوا ذلك؟ ولعلهم لم يفعلوه, وإن اقتضت حالهم ووضع لغتهم أن يفعلوه. وقد يقع من الحكيم وذي الرأي والتدبير أفعال يقتضي وقوعها منه وقوع أمثالها وإن ترك مثل ما فعل. وإذا كان ذلك بطل ما قالوه. ومما يدل على فساد هذا الاعتلال علمنا بأنهم لم يضعوا أكثر المعاني التي عرفوها وعقلوا لها أسماء, ومن ذلك أنهم وضعوا للفعل الماضي والمستقبل ألفاظا تدل عليهما, نحو ضرب للماضي, ويضرب للمستقبل, ومنهم من قال هو مشترك بين فعل الحال والمستقبل, ولم يضعوا لفعل الحال لفظا ينبئ عنه, وإنما يدلون عليه باسم الفاعل أو المفعول به, فيقولون ضربت زيدا قائما, ورأيته راكبا. وقائم وراكب اسم الفاعل, أو ضربته في

стр. 825

حال قيامي أو قيامه, ورأيته في حال ركوبي أو ركوبه. فهذا مما لم يضعوا له لفظا مفردة. ومنه أيضا أنهم لم يضعوا لكل شيء ومن أجناس الروائح المختلفة أسماء تخصها, كما وضعوا ذلك لأجناس الألوان والطعوم المختلفة .. وإنما يقولون ريح المسك وريح الشجر والثمر, فيضيفون ريح كل شيء إليه ولم يضعوا له اسما مخصوصا. وكذلك فإنهم لم يضعوا لكل جنس من أجناس ما له تعلق من الصفات بمتعلق ⦗٣٣٧⦘ مخصوص اسما يخصه وينبئ عنه مع علمهم باختلاف أحكام هذه الأجناس, نحو العلم المتعلق بمعلوم مخصوص بل قالوا في جميع ذلك إنه علم وإرادة وكون, ثم قالوا كون في مكان كذا, وعلم بكذا, ولم يضعوا لكل جنس منه اسما مخصوصا مع علمهم باختلاف أحكام هذه العلوم ووجودهم ذلك في أنفسهم حسب وجودهم اختلاف ما يشاهدونه ويدركونه من أجناس الألوان والطعوم, وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه من كل وجه. فصل: واستدلوا- أيضا- على ذلك بأن قالوا صحة دخول الاستثناء في لاهذه الألفاظ وإخراج بعض من يشمله الاسم دليل على أنها موضوعة للاستغراق, ولا خلاف في صحة قول القائل: من دخل داري أكرمته إلا المجرم, ومن عصاني عاقبته إلا التائب النادم, وأيهم ضربني ضربته إلا زيدا. واقتلوا المشركين إلا المعاهد, وأمثال هذا. وإنما حظ الاستثناء ومعناه

стр. 826

أن يخرج من الخطاب ما لولاه لوجب دخوله فيه. ولذلك لا يحسن أن يقال: أكرم الناس إلا الثور لأنه مما لا يدخل تحت الاسم. فدل ذلك على أن المستثنى منه موضوع للعموم والاستغراق. فيقال: لم قلتم إن فائدة الاستثناء ما ادعيتم، وفيه أعظم الخلاف؟ فإن قالوا: لا نعرف له معنى غير ذلك قيل لهم: لم قلتم هذا ولا تجدون فيه متعلقا؟ ثم يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون فائدة الاستثناء أن يخرج من الخطاب من يصلح دخوله فيه, والقصد به إليه دون من يجب دخوله فيه. ونحن وإن قلنا إنه ليس بموضوع للاستغراق فإننا لا ننكر صلاحه له وجواز القصد به إلى كل واحد من الجنس وممن يتناوله الاسم. فإذا جاء الاستثناء قطع بخروج المستثنى من الخطاب ما لولاه لجاز كونه مرادا به ⦗٣٣٨⦘ فهذه فائدة الاستثناء لا ما ادعيته. واعلموا أن الاستثناء على ضربين: فمنه ما يخرج من الخطاب ما لولاه لوجب دخوله فيه, وذلك نحو الاستثناء من كل جملة يجب دخول أبعاضها في الاسم الشامل لها, نحو قولك: رأيت زيدا إلا يده, ورأيت الدار إلا بابها, وأمثال ذلك من أسماء الجمل, فإنه عند أكثر الناس الاستثناء من أسماء الجمل العددية من الاستثناء من الألف والمائة والعشرة, فيجب تنزيل ذلك, وإنما لم يحسن

стр. 827

أن يقال: اضرب القوم إلا الثور، وأكرم المؤمنين إلا الكافرين. ومن دخل داري أكرمته إلا الحمار, وأمثال هذا لأجل أنه استثناء لما لا يصلح دخوله تحت الاسم وتناوله له, وإذا كان ذلك كذلك بطل ما تعلقوا به. يقال لهم: لو كان ما قلتموه واجبا لوجب إذا حسن أن يقال: اقتلوا المشركين إلا نفرا وإلا فرقة منهم, أن يكون قوله نفر وفرقة متناول لجميع المشركين, وكل من دخل تحت الاسم منهم, لأجل أنه لا نفر ولا فرقة منهم إلا ويصلح توجه الاستثناء إليه باتفاق, فيجب أن يكون قوله إلا نفرا وفرقة متناولا لجميع الجنس, وهذا يوجب أن لا يقتل أحد منهم, وأن يكون قد نهي عن قتل جميعهم, وأمر بقتلهم فإن مروا على هذا خلطوا وأمسك عنهم. وأن أبوه وقالوا قوله إلا نفرا وإلا فرقة وإن كان يصلح لتناول كل فرقة ونفر منهم فإنه ليس بموضوع لاستغراق جميع فرقهم وأعدادهم. قيل لهم: وكذلك إنما حسن استثناء كل واحد من آحاد من يتناوله اسم الجمع من الناس وغيرهم لصلاح تناول الاسم له, لأنه يجب دخوله فيه, ولا جواب لهم عن ذلك. هذا على أن ممن أنكر العموم من قد جعل نفس هذا الذي قالوه دليلا على بطلان القول بالعموم قال: لأنه لو كان قوله اقتلوا المشركين موجبا لاستغراق الجنس لكان قوله إلا زيدا موجبا, لإخراجه منهم. وهذا يوجب دخوله في الحكم, بحق العموم وخروجه منه بحق الاستثناء, وأن يكون داخلا في الخطاب وخارجا منه, وذلك باطل. وفي الذي قدمناه كفاية في نقض ما قالوه.

стр. 828

ويقال لمن تعلق بهذا ? ممن ينكر منهم أن يكون جميع اسم الجنس واسم الواحد المعرف منه ولفظ الجمع المنكر مستغرقا للجنس يجب عليك أن تقول إن جميع هذه الألفاظ والأسماء مستغرقة للجنس, لأنه يحسن فيها استثناء كل واحد من آحاد ما يقع عليه الاسم, فإن مر على ذلك ترك قوله, وإن أباه نقض استدلاله, ولا مخرج لهم من ذلك. فصل: شبهة لهم أخرى والجواب عنها. قالوا: ويدل على ذلك- أيضا- أن للعموم تأكيد يخصه كما أن للخصوص تأكيد يختص به. وقد اتفق على أن تأكيدهما يختلفان في أصل الوضع لا بالإرادة والقصد إلى اختلافهما, فكذلك يجب أن يكون المؤكدين اللذين أحدهما عام والآخر خاص مختلفين في أصل الوضع, لا بالقصد إلى ذلك والإدارة له. وقد ثبت أن من حق التأكيد أن يكون لفق المؤكد وطبق معناه وإلا لم يكن تأكيدا, ولذلك لم يجز أن يقول القائل: اضرب زيدا أجمعين وكلهم وسائرهم ولا أن يقول: اضرب القوم والناس نفسه, وإنما يجب أن يقال: اضرب الرجال أجمعين والناس كلهم وسائرهم واضرب زيدا نفسه. وإذا كان ذلك كذلك ثبت أن للعموم لفظا وللخصوص لفظا يخالفه في أصل الوضع. فيقال: قد بينا فيما سلف أن للعموم الذي هو الجمع الزائد على الاثنين لفظا يخصه, وأن للواحد لفظا يخصه, ولكل قدر من أعداد الجموع من

стр. 829

نحو الثلاثة والعشرة والمائة لفظ يخصه, وأن لفظ الجمع مخالف للفظ الواحد في أصل الوضع لا بقصد المتكلم منا, وإن كانت إنما تدل في الأصل بقصد المتواضعين على دلالتها على ما بيناه فيما سلف. وكذلك فإن تأكيد الجمع. مخالف لتأكيد الواحد في أصل الوضع, وأنه محال أن يقال اضرب مخالف لتأكيد الواحد في أصل الوضع, وأنه محال أن يقال اضرب القوم نفسه, وأكرم زيدا أجمعين, ولكن من أين أن القول القوم والناس والمشركون- وإن كان اسما يعم ما يشتمل عليه ويراد به- فإنه موضوع لاستغراق جميع من يقع عليه الاسم, بل ما أنكرتم أن يكون اسم" جميع أقل ما يجب دخوله تحت أقل الجمع على اختلاف الناس, وأنه يصلح أن يتناول ما زاد على ذلك من الأعداد إلى استغراق ⦗٣٤٠⦘ جميع الجنس, وكذلك تأكيده بالقول كلهم وأجمعين وسائرهم إنما هو تأكيد يفيد الجمع الذي يقصده المتكلم بالاسم, وليس بلفظ موضوع للاستغراق, كما أن ما هو تأكيد له ليس بموضوع لذلك, فوجب أن يكون التأكيد والمؤكد من أسماء الجموع موضوعا لإفادة جمع دخل تحت الاسم, وهو مخالف لاسم الواحد وتأكيده مما في هذا مما يدل على أن التأكيد والمؤكد موضوع لاستغراق الجنس. فإن قالوا لأن القول أجمعين وكلهم وسائرهم مفيد لاستغراق من يقع عليه الاسم. فيجب أن يكون المؤكد مثله. يقال: هذه غفلة منكم أننا لو سلمنا أن ما ذكرتموه من ألفاظ التأكيد موضوع للاستغراق لكنا قائلين بالعموم, ولكن ليس الأمر على ما ادعيتم, لأن القول كلهم وجميعهم وسائرهم محتمل للبعض وللكل. ومعرض لهما جميعا, كما أن هذه حال ما هو تأكيد له, ولهذا يحسن أن يقول القائل أكرم العلماء والأشراف كلهم أجمعين الكبير والصغير وسائرهم

стр. 830

وشابهم وشيخهم والداني والقاصي والفقير والغني, ولا نزال نتبع تأكيدا بتأكيد إلى أن يقع العلم الضروري للمخاطب بقصده بالاسم إلى استغراق الجنس, ولو كان لفظ المؤكد أو التأكيد له يفيد ذلك ويقتضيه في أصل الوضع لاستغنى بذكره عن التأكيدات والاتباعات بإدخال التأكيد على هذه الألفاظ لنكشف بها المراد أوضح دليل على أنه ليس بموضوع لذلك ولا مفيد له فسقط ما قالوه. وقولهم إنه يجب كون التأكيد لفق المؤكد وطبقة وبمعناه قول باطل, لأن لفظة "كل" تأكيد عند جميعهم، وقد يؤكد بها لفظ الواحد الذي يثنى ويجمع ولم يبن للجمع فضلا عن العموم فيقولون كل رجل ضربني ضربته. قال الله سبحانه: ﴿وكُلَّ إنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ﴾ والقول نفس وإنسان ورجل ليس بمفيد للجمع. وتأكيده به مخالف له. وقد جعل أكثر منكري العموم دخول? التأكيد على ألفاظ الجموع وغيرها دليلا على أن المؤكد لا يفيد الاستغراق بمطلقه, فلذلك احتاج إلى تأكيد بعد تأكيد. شبهة أخرى لهم والجواب عنها: واستدلوا على ذلك- أيضا- بأن قالوا لا يخلو اللفظ المدعى للعموم من

стр. 831

أن يكون موضوعاً والاستغراق أو للخصوص أو مشتركاً بينهما ومحتملاً لهما. قالوا وقد بطل القول بالخصوص من قولنا وقول أهل الوقف، وبطل- أيضا- أن يكون محتملاً ومشتركاً بينهما، لأنه لو كان ذلك كذلك لكان لا يخلو أن يكون على أحد محتمليه إذا أريد به دليل أم لا؟. فإن لم يكن عليه دليل لم يصح أن يعلمه عموماً ولا خصوصاً وهذا باطل. ولو كان عليه دليل فلا يخلو دليل المراد به أن يكون لفظاً يدل على الاستغراق وضروب من التأكيدات أو معنى ليس بلفظ. فإن كان لفظا ينبئ عن الاستغراق وجب القول بأن للعموم لفظاً ينبئ عنه، ويدل عليه، وهذا ما أردنا، وإن كان ما تبين به كونه عاماً من الألفاظ محتملة، كاحتمال المفسر الملول على معناه احتاج - أيضا- إلى قرينة وبيان. وكذلك القول في بيان بيانه إلى غير غاية، وهذا محال. وإن كانت الدلالة على أن المراد باللفظ العموم معنى ليس بلفظ، فهذا باطل، لأن الدالة على المراد باللفظ يجب أن تكون تابعة له، وفي حكم الفرع له. ومحال أن يكون الأصل الذي هو اللفظ لا يدل، وتوابعه المتصلة به أو المنفصلة عنه تدل على ما لا يدل عليه اللفظ الذي هو الأصل. قالوا: فوجب أن تكون هذه الألفاظ دالة على العموم والاستغراق بأنفسها. يقال لهم: ما قلتموه غير واجب، والذي به يعلم أن المراد بهذه الألفاظ العموم هو علم ضرورة يقع للسامع لها عند أحوال وأمارات

стр. 832

وتوابع للكلام، وتكون ألفاظاً، وليس لذلك حد محدود، ولا هو شيء محصور، وإنما هي أحوال يعلمها المشاهد والسامع لا يمكن نعتها وحصرها. وهي بمنزلة الأسباب التي يعلم عندها خجل الخجل ووجل الوجل وشجاعة الشجاع وجبن الجبان، وأمثال ذلك. وقد يقع العلم بمراد المتكلم وقصده إلي الاستغراق عند تتابع ألفاظ وتأكيدات، نحو أن يقول/ اضرب الجناة وأكرم المؤمنين كلهم أجمعين أكتعين أبصعين جميعهم وسائرهم وصغيرهم وكبيرهم وشيخهم وشابهم وذكرهم وأنثاهم، وكيف كانوا، وعلى أي وجه كانوا، ولا يغادر منهم أحداً بوجه ولا سبب، ولا يزال يؤكد الكلام ويتبع التأكيد بتأكيد إلى أن يحصل للسامع العلم ضرورة بمراده، كما يحصل لنا العلم ضرورة عند مشاهدة الأحوال وسماع المقدم والمؤخر من الكلام إلى أن قصد المتكلم بقوله سلام عليكم الهزل والاستهزاء دون التحية وأن المراد بقوله أي شيء يحسن زيد؟ التعظيم لعلمه أو التقليل أو الاستفهام. وقد اتفق على أنه لا حد ولا نعت محصوراً لما يحصل عنده العلم بذلك وبالمراد بكل محتمل من الكلام. وقد تقع هذه الضرورة عند يسير الألفاظ تارة وعند كثيرها أخرى، وبحسب ما يفعل الله سبحانه العلم بقصد المتكلم عنده. ولسنا نقول على هذا أن الدال على عموم اللفظ لفظ آخر، لأن ذلك تسليم القول بوضع لفظ دال بنفسه على العموم. وقد يقع العلم بمراد المتكلم ضرورة عند أحوال وأسباب تظهر في وجهه وحركاته وإشارته ورمزه وإيمانه ليست من الكلام والأصوات في شيء،

стр. 833

كالذي يعلم عند ضرورة بر البار وعقوق العاق والتحية والاستجهال. وقد يقع العلم ضرورة بقصد المتكلم يعرف عادة مستقرة، نحو حصول العلم الضروري بمراد المتكلم إذا قال وهو على الطعام اسقني ماء، وأنه يريد ماء القراح البارد الزلال دون الحار، ودون ماء الآبار والبحار وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهموه من وجوب ثبوت لفظ ينبئ عن المراد، أو إفراد طريق العلم بالعموم، وقد يعلم عموم قوله تعالى: (بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) وقوله تعالى: (ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) بدليل العقل، وليس هو لفظ ولا معنى مستخرج من لفظ. وأما قولهم وإن كان ما به يعلم المراد معنى ليس بلفظ فإنه تابع للفظ، ومحال أن لا يعلم القصد باللفظ الذي هو الأمر والأصل ويعلم بتوابعه، فإنه قول باطل من وجهين: أحدهما: إن هذه الأسباب والأحوال ليست عند أكثر الناس من توابع الألفاظ/ ولا توصف بذلك، بل هي أصول في أنفسها، وعندها يقع العلم بالمراد ضرورة. وكيف تكون من توابع اللفظ واللفظ لا يعلم به ولا عند سماعه القصد، وهذه الأحوال يعلم عندها ضرورة قصد المتكلم إلى ما يقصده، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه.

стр. 834

فإن قالوا يعني بوصفها بأنها من توابع الكلام أنها أسباب توجد بعد الكلام وعقيبه. قيل لهم: ليس كل شيء وجد بعد شيء كان من فروعه وتوابعه، وهذا كلام في عبارة لا طائل فيه. وقد بينا أن ما لا يحصل العلم عنده ضرورة لا يجوز أن يكون أصلاً لما يعلم المراد عنده ضرورة، فزال ما قالوه. ولو سلم لهم وصفها بأنها توابع للكلام لم يجب ما قالوه من أنه لا يجوز أن يعلم بها ما لا يعلم بالكلام، لأننا نعلم من أنفسنا ضرورة قصد القاصد إلى بعض محتملات كلامه برمزه وإشارته وإيمانه، ولا يعلم كذلك بنفس قوله. فقد علم بتوابع الكلام مالا يعلم به، فبطل ما قالوه. يقال لهم أيضاً: أليس التأكيدات من الألفاظ؟ نحو"كل" وأمثاله يعلم به مالا يعلم بنفس الكلام، وإن كان من توابعه. ولو قال القائل: خذ كل واضرب كل لم يكن كلاما صحيحا مفيداً، ولو قال اضرب رجلا لم يوجب ذلك أكثر من ضرب رجل بغير عينه، ولو قال: اضرب كل رجل وكل مذنب لدل عندكم على وجوب ضرب كل من يقع عليه الاسم على العموم، وإن كان القول كل تابعا وتأكيداً. وإذا كان ذلك كذلك أسقط ما قالوه. فصل: فإن قالوا: فمن أين عرفت الأمة عموم الألفاظ العامة في الكتاب والسنة؟ قيل لهم: بتوقيف رسول الله ﷺ لهم على ذلك وتأكيداته والأسباب التي

стр. 835

اضطروا عندها إلى مراده، لأنه مشاهد لهم وممن يصبح للعلم بقصده ضرورة، كما أن ذاته معلومة لهم ضرورة، ويعلم ذلك التابعون بنقل الصحابة إليهم وإخبارهم لهم أنهم علموا قصده ضرورة، ثم كذلك قرناً بعد قرن إلى وقتنا هذا وما بعده من أعصار ما بقي التكليف. فإن قالوا: ومن أين علم الرسول ﵊ عموم تلك الألفاظ حتى/ وقف الأمة على عمومها بعد علمه به. قيل لهم: بتوقيف جبريل ﵇ له على ذلك وتأكيداته له وأحواله وإشاراته الظاهرة للرسول ﵊. فحال الرسول في العلم بمراد جبريل ﵇ المعلوم ذاته له ضرورة حال الرسول ﵊ مع الأمة في صحة اضطرارهم إلى مراده عند مشاهدة ذاته وأحواله وإشاراته. فإن قالوا: ومن أين علم جبريل ﵇ مراد الله وقصده إلى العموم بما سمعه من كلامه أو نقله من اللوح المحفوظ إلى الرسول؟ قيل: قد يعلم ذلك بأن يبتدئ العلم تعالى ويخلقه في قلبه ضرورة بقصده إلى العموم وإلى كل معنى يريده بالخطاب المخالف لأجناس كلام الخلق بعد اضطراره إلى العلم بداية وإسقاطه عنه فرض معرفته، لأن علم الاضطرار بمراده ومراد كل متكلم وبكل معلوم ضرورة من فعله تعالى، وهو التفرد بخلقه والقدرة عليه، دون سائر خلقا قاما ما ينقله الملك من اللوح المحفوظ فإنما يعلم المراد به بأن يجده مكتوبا بلغة الرسول وقومه

стр. 836

الذي تنزل الوحي عليه (بها) ويجد معنى المحتمل منه مكتوباً بلغة الملائكة التي لا احتمال ولا اشتراك فيها، ولا يمتنع أن تكون لهم لغة هي عبارة عن أحد معاني اللفظ العربي، لا احتمال ولا اشتراك فيها، فيعلم معني المحتمل الذي يجده مكتوباً بلغة له أخرى لا احتمال فيها، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهموه، وصح ما قلناه. فصل: شبهة لهم أخرى والجواب عنها: قالوا: لا يخلو أن يكون الله قادراً على أن يعلمنا عموم قوله: (فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ)، (واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، وأمثال ذلك من جهة القول ودلالة نفس الكلام عليه، أولا يكون على ذلك قادراً، فإن كان قادراً عليه وجبت دلالته على العموم، وإن لم يكن عليه قادراً وجب عجزه، وذلك خروج عن الدين. فيقال لهم: الله على كل شيء يصح إحداثه قدير، وما تعلقتم به باطل، لأنه لا دلالة لما وضع في الأصل محتملا مشتركا على بعض محتملاته وكيف يمكن أن يقال إنه يقدر أن يدل بما ليس بدليل، ويعلمنا الشيء بما ليس/ بطريق للعلم به. وما أنتم في هذا إلا بمثابة من قال إنه لابد أن يكون قادراً على أن يعلمنا أن المواد بالقول لون وعين بعض محتملاتها، وأن القصد به السواد دون البياض بنفس بنيته وصبغته، وإلا وجب عجزه، ولابد أن يكون قادرا على إعلامنا المائة باسم العشرة، والمؤمنين باسم الكافرين، والإنعام باسم الناس. وإلا وجب عجزه، وإذا لم يجب هذا باتفاق، لأن العجز لا يصح إلا عما يصح كونه

стр. 837

مقدوراً، ومحال دلالة الكلام على ما لم يوضع لإفادته، سقط ما قالوه فصل: علة لهم أخرى. قالوا: ومما يعتمد عليه قي ذلك علمنا باتفاق للصحابة على القول بالعموم، وأنهم وأهل اللغة يحملون كل خطاب ورد بلفظ العموم في الكتاب والسنة على عمومه، ولا يرجعون في حمله على العموم إلا إلى مجرده وظاهره. ومتى خصوم لجؤوا إلى القرائن المخصصة له، وهذا - زعموا- ظاهر من صنيعهم في جميع الآي والأخبار التي وضعت للعموم، وعلى ذلك عملوا في قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) وقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا) وقوله تعالى: (ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا)، وقوله تعالى: (وذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا) في ترك قليله وكثيره، وكل ما يقع عليه الاسم منه. وقوله تعالى: (ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) وقوله تعالى: (لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأَنتُمْ حُرُمٌ)، وقد عملوا في يقوله ﵊: "لا وصية لوارث" وقوله ﵊: "ولا تنكح

стр. 838

المرأة على عمتها ولا خالتها" وقوله ﵊: "من ألقى سلاحه فهو آمن" وقوله ﵇: "لا يرث القاتل ولا المملوك"، وقوله

стр. 839

عليه الصلاة والسلام: "لا يقتل والد يولده"، وعموم نهيه عن بيع الحاضر للبادئ وعن بيع ما ليس عند البايع. وبيع الثمار قبل بدو صلاحها،

стр. 840

إلى أمثال ذلك من عملهم بعموم الأي والسنن في الأخبار والأوامر والنواهي. قالوا: ويدل على أن هذا دين الصحابة ومذهب العرب إطباقهم على القول به، وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ) الآية، قال ابن أم مكتوم وكان ضريراً ما قال، فأنزل الله (غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ) فعقل الضرير وغيره من عموم قوله المؤمنين. ولما نزل قوه تعالى: (إنَّكُمْ ومَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وارِدُونَ) قال ابن الزبعري عند ذلك "أنا أخصم لكم محمداً" فجاءه فقال له: "أليس قد عبدت الملائكة وعبد المسيح؟ فيجب أن يكونوا من حصب جهنم" فأنزل الله عند ذلك قوله:

стр. 841

(إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) تخصيصا لقوله: (إنَّكُمْ ومَا تَعْبُدُونَ) فلم ينكر النبي ﵇، ولا أحد من الصحابة عليهما التعلق بالعموم. وكذلك قالوا لا نزل قوله تعالى: (ولَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ) فقالوا عند ذلك "أينا لم يظلم نفسه"؟ فبين لهم أن الظلم الذي أراده هو الكفر والنفاق والأدغال للرسول والمؤمنين. قالوا: وقد احتج عصر على أبي بكر ﵄ عند عمله على قتال أهل الردة بقوله ﵊: "بعثت إلى الناس كافة حتى يقولها لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"، فتعلق بعموم قوله. الناس إذا قالوا ذلك، فلم يرد عليه أبو

стр. 842

بكر ولا غيره التعلق بالعموم، ولكن قال له. أفليس قد قال "إلا بحقها" ومن حقها إقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وقالوا وكذلك فلم ينكر أبو بكر ولا غيره تعلق فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي عنها عند مطالبتها بفدك بعموم قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) وقوله: "أيرث أباك ولا أرث الله فلم يرد التعلق بالعموم، ولكن أخبرها أنه مخصوص فيمن عدا الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه بقوله ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة" في أمثال هذا مما تعلقوا فيه بالعموم يطول تتبعه فوجب لذلك القضاء على أن القول بالعموم إجماع من الصحابة رضوان الله عليهم. وأوضح دلالة على بناء هذه الألفاظ للعموم والاستغراق.

стр. 843

فيقال لهم: ما تعلقتم به من هذا باطل من وجوه: أحدها: إن الدولة قد دلت على إبطال القول بالعموم. وقد كسرنا كل علة لكم في ذلك. والصحابة لا يجوز أن تجمع على الاستدلال بما ليس بدليل. والوجه الآخر: إن جميع ما ذكر وبين القصص في الآي النازلة والأخبار من قول ابن أم مكتوم وابن الزبعرى من أخبار الآحاد التي لا يعلم صحتها بضرورة ولا ببعض الأدلة على صحة الأخبار، ولا حجة في التعلق في إثبات العموم بمثلها. والوجه الآخر: إنه لم يرد عن أحد منهم أنه قال نصاً إنني أتعلق بمجرد اللفظ وصيغته، فيمكن أن يكون تعلق بما قارنه مما دل على عمومه. فإن قالوا: لو كان هناك أمر دل على العموم لنقلوه/ وذكروه فلما لم يظهر عنهم شيء غير التعلق بظاهر الآي والأخبار دع ذلك على أنهم رجعوا إلى ظاهر الخطاب. قيل لهم: هذا إثبات منكم لإجماع لهم بنظر واستدلال. والإجماع لا يثبت عنهم إلا بنقل وتوقيف معلوم تقوم به الحجة دون نظير واستدلال، وقد بينا في فصول القول في الأوامر إنه لا يجب على الصحابة الإخبار

стр. 844

بما به علمت أن الأمر علي الوجوب، وأنه علي العموم، وأن توقيفهم من بعدهم على أنهم علموا ذلك ضرورة من دين الرسول ﵊ أقوى من ذكر الأسباب الجامعة لهم على ذلك والدالة عليه بما يغني عن إعادته. وبعد فلو صحت هذه الروايات عنهم لم يستنكر أن يكون المتعلق منهم بظاهر الآي إنما تعلق بها لسبقه إلى اعتقاد القول بالعموم. وما ينكر أن يكون فيهم معتقد لذلك لظنه أنه موجب اللغة، وذلك غلط منه ومن مقره عليه. وليس يصح إقرار جميع الأمة على القول بذلك وثبوته، لأنها لا تصوب مخطئاً. ولا يمتنع اختلافهم في ذلك وإن كانوا هن أهل اللغة إذا لم يكونوا هم الواضعون لها. ولا يستنكر- أيضا- أن يكون المتعلق بذلك منهم إنما تعلق بها لتجويزه أن يكون المراد به العموم، لأنه صالح لذلك ومعرض له، وكان المتعلق بذلك منهم يقول يصلح للعموم والخصوص فإذا لم أجد ما يخصه حملته على العموم لصلاحه له. وهذا استدلال منه على وجوب حمل الخطاب على العموم متى لم يجد دليل التخصيص، وذلك غلط من الاستدلال، لأنه يوجب حمله على الخصوص، لأنه لا دليل على عمومه، وهذا متقاوم. وليس التعلق بهذا وأمثاله لغة، وإنما هو نظر واحتجاج، ولا يثبت بذلك للأمة إجماع. فزال ما تعلقوا به.

стр. 845

فصل: وقد اعتمد جميعهم - من قال عنهم إن اسم الجمع المعرف والمنكر، واسم الواحد المعرف من الجنس لم يوضع للعموم والاستغراق - على أن الألفاظ المفردة الموضوعة للعموم هي من وما وأي الواردة للاستفهام والشرط والجزاء هي الألفاظ المبنية للعموم والاستغراق. قالوا: والدليل على ذلك وجودنا إياهم قد استفهموا بمن وما وأيما وعدلوا إليها في الاستفهام والجزاء / وكذلك صنعوا في ما وأي، وعدلوا إليها في الجزاء والاستفهام عند ذكر كل عاقل باسمه الموضوع له وبحرف الاستفهام الموضوع له، ولم يقولوا أعندك، وهل عندك عموم، ولا قالوا إن دخل الدار زيد ضربته، وإن دخل عمرو وسعد وخالد ضربته، بل اقتصروا على قولهم من دخل الدار ضربته. وهذا عدول منهم ظاهر عن حروف الاستفهام والجزاء إلى من وأي وما، وعدول عن تعداد كل عاقل باسمه الموضوع له. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك وجب أن يكونوا إنما عدلوا إلى من وأمثالها بدلاً من ذكر حروف الاستفهام والجزاء لكون من وما وأي مستغرقة لكل عاقل وكونها عندهم في أصل الوضع نائبة مناب ذكر كل عاقل بحرف الشرط والجزاء وحروف الاستفهام، ولولا ذلك ما عدلوا إلى هذه الألفاظ. فيقال لهم: لم قلتم ذلك، وما دليلكم عليه، ومن وقفكم على أن هذا العدول لعلة ما ذكرتموه: فلا يجدون في ذلك متعلقاً، واللغة لا تثبت بنظر واستدلال. وهذا الاستدلال من المعتل به على إثبات لغة، وذلك باطل.
следующие страницы →