← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17883

التقريب والإرشاد (الصغير)

الباقلاني

Полный текст (1 232 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

(إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) تخصيصا لقوله: (إنَّكُمْ ومَا تَعْبُدُونَ) فلم ينكر النبي ﵇، ولا أحد من الصحابة عليهما التعلق بالعموم. وكذلك قالوا لا نزل قوله تعالى: (ولَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ) فقالوا عند ذلك "أينا لم يظلم نفسه"؟ فبين لهم أن الظلم الذي أراده هو الكفر والنفاق والأدغال للرسول والمؤمنين. قالوا: وقد احتج عصر على أبي بكر ﵄ عند عمله على قتال أهل الردة بقوله ﵊: "بعثت إلى الناس كافة حتى يقولها لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"، فتعلق بعموم قوله. الناس إذا قالوا ذلك، فلم يرد عليه أبو

стр. 842

بكر ولا غيره التعلق بالعموم، ولكن قال له. أفليس قد قال "إلا بحقها" ومن حقها إقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وقالوا وكذلك فلم ينكر أبو بكر ولا غيره تعلق فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي عنها عند مطالبتها بفدك بعموم قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) وقوله: "أيرث أباك ولا أرث الله فلم يرد التعلق بالعموم، ولكن أخبرها أنه مخصوص فيمن عدا الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه بقوله ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة" في أمثال هذا مما تعلقوا فيه بالعموم يطول تتبعه فوجب لذلك القضاء على أن القول بالعموم إجماع من الصحابة رضوان الله عليهم. وأوضح دلالة على بناء هذه الألفاظ للعموم والاستغراق.

стр. 843

فيقال لهم: ما تعلقتم به من هذا باطل من وجوه: أحدها: إن الدولة قد دلت على إبطال القول بالعموم. وقد كسرنا كل علة لكم في ذلك. والصحابة لا يجوز أن تجمع على الاستدلال بما ليس بدليل. والوجه الآخر: إن جميع ما ذكر وبين القصص في الآي النازلة والأخبار من قول ابن أم مكتوم وابن الزبعرى من أخبار الآحاد التي لا يعلم صحتها بضرورة ولا ببعض الأدلة على صحة الأخبار، ولا حجة في التعلق في إثبات العموم بمثلها. والوجه الآخر: إنه لم يرد عن أحد منهم أنه قال نصاً إنني أتعلق بمجرد اللفظ وصيغته، فيمكن أن يكون تعلق بما قارنه مما دل على عمومه. فإن قالوا: لو كان هناك أمر دل على العموم لنقلوه/ وذكروه فلما لم يظهر عنهم شيء غير التعلق بظاهر الآي والأخبار دع ذلك على أنهم رجعوا إلى ظاهر الخطاب. قيل لهم: هذا إثبات منكم لإجماع لهم بنظر واستدلال. والإجماع لا يثبت عنهم إلا بنقل وتوقيف معلوم تقوم به الحجة دون نظير واستدلال، وقد بينا في فصول القول في الأوامر إنه لا يجب على الصحابة الإخبار

стр. 844

بما به علمت أن الأمر علي الوجوب، وأنه علي العموم، وأن توقيفهم من بعدهم على أنهم علموا ذلك ضرورة من دين الرسول ﵊ أقوى من ذكر الأسباب الجامعة لهم على ذلك والدالة عليه بما يغني عن إعادته. وبعد فلو صحت هذه الروايات عنهم لم يستنكر أن يكون المتعلق منهم بظاهر الآي إنما تعلق بها لسبقه إلى اعتقاد القول بالعموم. وما ينكر أن يكون فيهم معتقد لذلك لظنه أنه موجب اللغة، وذلك غلط منه ومن مقره عليه. وليس يصح إقرار جميع الأمة على القول بذلك وثبوته، لأنها لا تصوب مخطئاً. ولا يمتنع اختلافهم في ذلك وإن كانوا هن أهل اللغة إذا لم يكونوا هم الواضعون لها. ولا يستنكر- أيضا- أن يكون المتعلق بذلك منهم إنما تعلق بها لتجويزه أن يكون المراد به العموم، لأنه صالح لذلك ومعرض له، وكان المتعلق بذلك منهم يقول يصلح للعموم والخصوص فإذا لم أجد ما يخصه حملته على العموم لصلاحه له. وهذا استدلال منه على وجوب حمل الخطاب على العموم متى لم يجد دليل التخصيص، وذلك غلط من الاستدلال، لأنه يوجب حمله على الخصوص، لأنه لا دليل على عمومه، وهذا متقاوم. وليس التعلق بهذا وأمثاله لغة، وإنما هو نظر واحتجاج، ولا يثبت بذلك للأمة إجماع. فزال ما تعلقوا به.

стр. 845

فصل: وقد اعتمد جميعهم - من قال عنهم إن اسم الجمع المعرف والمنكر، واسم الواحد المعرف من الجنس لم يوضع للعموم والاستغراق - على أن الألفاظ المفردة الموضوعة للعموم هي من وما وأي الواردة للاستفهام والشرط والجزاء هي الألفاظ المبنية للعموم والاستغراق. قالوا: والدليل على ذلك وجودنا إياهم قد استفهموا بمن وما وأيما وعدلوا إليها في الاستفهام والجزاء / وكذلك صنعوا في ما وأي، وعدلوا إليها في الجزاء والاستفهام عند ذكر كل عاقل باسمه الموضوع له وبحرف الاستفهام الموضوع له، ولم يقولوا أعندك، وهل عندك عموم، ولا قالوا إن دخل الدار زيد ضربته، وإن دخل عمرو وسعد وخالد ضربته، بل اقتصروا على قولهم من دخل الدار ضربته. وهذا عدول منهم ظاهر عن حروف الاستفهام والجزاء إلى من وأي وما، وعدول عن تعداد كل عاقل باسمه الموضوع له. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك وجب أن يكونوا إنما عدلوا إلى من وأمثالها بدلاً من ذكر حروف الاستفهام والجزاء لكون من وما وأي مستغرقة لكل عاقل وكونها عندهم في أصل الوضع نائبة مناب ذكر كل عاقل بحرف الشرط والجزاء وحروف الاستفهام، ولولا ذلك ما عدلوا إلى هذه الألفاظ. فيقال لهم: لم قلتم ذلك، وما دليلكم عليه، ومن وقفكم على أن هذا العدول لعلة ما ذكرتموه: فلا يجدون في ذلك متعلقاً، واللغة لا تثبت بنظر واستدلال. وهذا الاستدلال من المعتل به على إثبات لغة، وذلك باطل.

стр. 846

ثم يقال لهم: ما أنكرتم أن لا يكونوا عدلوا عن حروف الشرط والجزاء والاستفهام وأسماء المجازين والمستفهم عنهم لأجل ما وصفتم، لكن لأجل أن من وما وأي تصلح أن يستفهم بكل لفظ منها عن كل أحد ممن يعقل من، ومن يعقل ولا يعقل بما وأي، ويصلح أن تتناول كل من يصح جزاؤه، وهذا غرضء"ظاهر صحيح، ولو صح ما ادعيتموه عليهم، لأنهم له قالوا بحرف الاستفهام أزيد عندك؟ وهل خالد عندك؟ لم يصلح أن يستفهموا بذكر زيد وعمرو عن غيره من العقلاء، وكذلك لكل عاقل، أو كل فرقة منهم إذا خصوه أو خصوهم بالذكر لا يصلح أن يستفهم بذكرهم عن غيرهم. وإذا قالوا من عندك؟ وما عندك؟ وأي شيء عندك؟ صلح الاستفهام بذلك عن كل ما يعقل وما لا يعقل، وعن كل أحد من آحادهم وفرقة من فرقهم، وصلح الاستفهام به عن جميع الجنس، ولا يجب إصلاح الاستفهام به عن جميع الجنس وعن بعضه كونه موضوعاً للعموم والاستغراق على العين والاشتمال، كما لا يجب إذا صلح للاستفهام به عن البعض أن يكون موضوعاً للبعض، وهذا بين في سقوط ما ادعوه/ من غرض أهل اللغة في العدول إلى هذه الألفاظ وصحة ما ذكرناه. ولهذا الغرض - أيضاً- عدلوا إليها في الشرط والجزاء، لأنهم لو قالوا إذا دخل الدار زيد ضربته وإن دخلها عمرو أكرمته لم يصلح أن يكون جزاء لخالد. وإنما يكون جزاء وشرطاً لمن ذكر اسمه فقط. وكذلك لو قال: إن دخل العشرة والفرقة الدار ضربتهم لم يصلح أن يكون ذك جزاء لما فوقهم ولا لجميع الجنس، بل يكون الجزاء مقصوراً عليهم. وإذا قال من دخل الدار أكرمته أو ضربته، ومن تكلم كلمته صلح ذلك للواحد وللفرقة ولجميع الجنس. فهذا هو الغرض في العدول إلى هذه الكلمات.

стр. 847

فإن قالوا: إذا سلمتم صلاحها لكل عاقل فقد لزم وضعها لسائرهم على الاستغراق. قيل لهم: هذا باطل بما قدمناه وقد اتفق على أنه لا يجب أن يكون ما صلح من اللفظ لشيء وأن يجري عليه أن يكون موضوعاً له دون غيره. ولذلك لم يجب كون الاسم المشترك موضوعاً لبعض محتملاته وإن صلح تناوله لكل شيء مما تحته، فبطل ما قالوه. شبهة لهم أخرى في وجوب بناء هذه الألفاظ للعموم. قالوا: ويدل على ذلك - أيضاً- علمنا بأنهم عدلوا في الاستفهام والجزاء إلى لفظة من غير ذكر الجمع فقالوا من عندك؟ في الاستفهام، ومن دخل الدار ضربته في الجزاء ولم يقولوا: إن دخل الرجال أو الناس أو العقلاء ضربتهم. قالوا: فلولا أن لمن من الحظ في أصل موضوعها ووجوب العدول إليها ما ليس لاسم الجمع لم يعدلوا إليها. قالوا وقد علم أن من الناس من يزعم أن منكر اسم الجمع ومعرفه عام مستغرق إلا أن يقوم دليل علي تخصيصه. ومنهم من يقول ذلك في معرفه دون منكره.

стр. 848

ومنهم من يقول يصلح للاستغراق، وإن لم يكن مسموعا لذلك. وإذا كان ذلك كذلك وقد رأيناهم عدلوا في الجزاء والاستفهام إلى لفظة من وأي علم أنهم لم يعدلوا إليه، لأن لمن وأي من الحظ في العموم والاستغراق أوفر مما لاسم الجمع، فإذا جاز باتفاق استغراق اسم الجمع لجميع الجنس فيجب أن تكون زيادة حظ أي من وجوب استغراقه لجميع الجنس، ولو كان من صالحاً للاستغراق وغير موضوع له لكان بمنزلة اسم الجمع الصالح لذلك، ولم يكن للعدول إليه وجه/ لأنه في رتبته وبمثابته، فوجب لأجل ذلك استغراق لفظ من وأي في الجزاء والاستفهام. فيقال لهم: هذا - أيضاً - من جنس استدلالكم، وتخيلكم الأولى الذي لا أصل له، وإثبات لغة بقياس واستخراج، وذلك باطل وما نشك في أن هذه الأغراض التي تضعونها لهم بهذه الأدلة مما لم يخطر ببالهم، فما الحجة على ما تدعون؟ ثم يقال لهم: ما أنكرتم أن يكونوا إنما عدلوا إلى من وأي عن ذكر اسم الجمع لغير ما ظننتم، بل، لأنهم إذا ذكروا لفظ الجمع لم يصلح أن يريدوا به واحداً فقط، بل لا يصلح أن ينصرف بظاهره الأول إلا إلى الجمع، لأن القائل منهم إذا قال: هل عندك الناس أو الرجال أو العقلاء؟. لم يجزأن يكون مستفهماً عن واحد فقط بل يكون مستفهماً عن الجميع، وكذلك إذا قال إن دخل النساء الدار فهن طوالق، وإن دخل العبيد فهم أحرار. وإن دخلت الجماعة والفرقة فهم عصاة وجب صرف ظاهر الكلام إلى الاستفهام عن الجمع والجزاء لهم وتعليقه بهم دون الواحد منهم، ولم يجب نحو هذا الظاهر إذا دخلت الواحدة من النساء أن تطلق، ولا أن يعتق العبد الواحد بدخوله،

стр. 849

لأن العتاق والطلاق مشروط بدخول الجماعة ودخول الواحد ليس بدخول للجماعة، وإن لزم الطلاق والعلق في الواحد. فمن جهة حكم الشرع ومن ناحية قياس وخبر، أو تغليظ حكم الطلاق والعتاق، لا من جهة للفظ، وإذا قال من عندك؟ صلح أن يستفهم به عن الواحد وما هو أكثر منه، وعن الجنس بأسره، ولم يكن موضوعا ومبنيا للاستغراق. وإن صلح أن يقصد به إليه، ولذلك إذا قال من دخل الدار أكرمته أو فهو حر أو طالق صالح أن يريد الواحد وصلح أن يريد الاثنين وما فوقهما. وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه، وثبت أن الفائدة في العدول إلى هذه الألفاظ إنما هو لما قلناه لا لنجعل لن من الحظ والمزنة في للعموم والشمول أوفر مما يحظى الجمع في ذلك. واعلموا وفقكم الله إنه ليس لمن زعم أن اسم الجمع المعرف منه أو المعرف والمنكر مبني للعموم والاستغراق أن يستدل بهذه الدلالة، لأنها مبنية على أن لمن من الحظ في العموم ما ليس لاسم الجمع.

стр. 850

فإذا قالوا: إن اسم الجمع بمثابة من يطلب الدلالة، وكانوا إنما يعدلون من لفظ إلى مثله وما يقوم مقامه فيجب تأمل حال المستدل بذلك وموافقته على الواجب فيه/. وجميع ما أبطلنا به قولهم بعموم هذه الألفاظ وأسماء الجموع والواحد المعرف من الجنس دليل على فساد دعواهم أن "ما" النافية الداخلة على الاسم المفرد، وليس "لا" العاطف على "ما" و"ليس" موضوع للعموم. وإن القائل إذا قال: ما جاءني أحد، وما جاءني من أحد وما عندي أحد، وما كلمت ولا رأيت أحداً، وليس عندي إنسان ولا حيوان، وما في الدار ديار، وأمثال ذلك وجب عموم النفي بهذه الكلمات، لأن هذه دعوى منهم لا حجة عليها، ولأن أهل اللغة يستحسنون الاستفهام عند ورود هذه الكلمات فيقولون للقائل ما رأيت أحداً من سائر طبقات الناس ومن أصدقائك وغيرهم من العقلاء وغيرهم؟. وما عندك أحد ولا ديار من سائر الناس من أهلك وغيرهم؟، ولو كانت مبنية للعموم لقبح الاستفهام. ويدل على أنها غير مبنية للعموم حاجة المتكلم إلى تأكيدات متتابعة لها. فيقول ما جاءني واحد من سائر الناس ومن كل قبيل، ولا في الدار ديار من جميع الناس وعلى جميع الوجوه، ولا في الدار أحد من صغير ولا كبير ولا ناطق ولا صامت، ولا عين تطرف، إلى أمثال ذلك فدل هذا على صلاح جميع هذه الألفاظ للبعض تارة وللكل أخرى.

стр. 851

وقول من قال أقول بالعموم في هذه الألفاظ النافية دون الألفاظ المثبتة وأسماء الجموع قول ضعيف، وهو بمثابة قول من قال بذلك فيما كان إثباتاً دون نفي ولا فصل في ذلك. وكذلك القول في بطلان دعواهم عموم أين ومتى في الأماكن والأزمان، لأن القائل يقل أين رأيت زيداً أكرمته، ومتى قام بكر ضربته حسن أن يستفهم عن ذلك. فيقال له أردت أنك تضربه في الحل والحرم والسهل والجبل وفي الماء وعلى اليبس، وكذلك تضربه أو تكلمه في جميع الأوقات وحين يصلى لربه ويكون تالياً لكتابه وكيف تصرفت حاله. وكذلك أيضا يحسن تأكيد هذه الألفاظ أجمع، فيقول القائل أين رأيت زيداً أكرمته في بر أو بحر أو سهل أو جبل أو طريق أو مشهد أو حل أو حرم. وكذلك يقول متى لقيت بكراً كلمته أو أهنته في ليل أو نهار أو صباح أو مساء، وفي سائر الأوقات وكيف تصرفت به الحالات، ذلك من التأكيدات والاتباعات، ولولا صلاح ذلك للكل تارة وللبعض أخرى لم يكن لهذه التأكيدات والإطالة بها معنى ولا يحسن/ الاستفهام عن المراد بها وجهاً فبطل بذلك ما يعولون عليه من هذا الباب.

стр. 852

باب ذكر جملة مذاهب القائلين بالقول بالوقف والدلالة على صحة القول به اعلموا -وفقكم الله- أن الذي تذهب إليه وجوب القول بالوقف في الأوامر والنواهي والأخبار جميعاً، لأن ما دل على إبطال القول بالعموم في الأخبار يقتضي ذلك في الأوامر. وقد فرق بعض أهل الوقف في ذلك، فزعم أن الوقف واجب في الأخبار دون الأوامر.

стр. 853

واعتلوا لذلك بأننا غير متعبدين بمعرفة مراده في الأخبار، ونحن متعبدون بمعرفة مراده بالأوامر ووجوب تنفيذ موجبها. فإذا قال اقتلوا المشركين. واقطعوا السراق لم يكن تنفيذ الحكم في بعضهم نحو الاسم أولى من البعض الآخر، ولا إخراج من يخرج منه ممن يلحقه الاسم أولى من إخراج من أخرج منه. وهذا باطل، لأن هذه للعلة موجودة في للخبر كهي في الأمر من ناحية لحقوق الاسم بكل أحد ممن دخلت تحته، فيجب التسوية بينهما. ولأننا نعلم يقيناً أن المراد بلفظ الجمع أقل ما يلزمه إذا لم يكن متجوزاً به ومراداً به الواحد، ونقف فيما زاد على ذلك فلا ندخله في الخطاب إلا بدليل ولا نخرجه أيضاً منه إلا بدليل، وكذلك الفعل في الأخبار. ولأننا قد تعبدنا أيضا بمعرفة مراده في كثير من الأخبار نحو المراد بقوله تعالى: ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ وليس إخراج بعض من يجري عليه اسم شيء أولى من بعض، فبان بذلك سقوط ما فرقوا به. فصل: ولا يجوز أن يقال أن الوقف فيما يخرجه مخرج العموم واجب، وإن كان قد أطلقه شيخنا أبو الحسن ﵀ والصالحى من المعتزلة

стр. 854

وغيرهما، إلا أن يراد بذله أن مخرجه العموم عند معتقدي ذلك فيه، لأن الدليل قد قام على أنه مشترك بين العموم والخصوص وبمثابة سائر الألفاظ والأسماء المشتركة التي لا يجوز أن يقال أن مخرجها مخرج بعض محتملاتها، ولو ساغ أن يقال أن مخرج الخطاب العموم لصلاحه له لجاز أن يقال إن مخرجه الخصوص لصلاحه له، وذلك باطل فيجب تجنب هذه اللفظة. فصل: وقد زعم أهل الوقف أن الخبر إذا ورد بوعيد العصاة من أهل الملة ومن لم يبلغ عصيانه الكفر وجب الوقف فيه وتجويز القصد به إلى العموم أو الخصوص لقوله : ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ / ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾. وهذا القول أيضا باطل، لأنه قول يوجب أنه لولا ورود قوله: (ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ) لوجب استغراقه للعصاة من أهل القبلة والظلمة والفجار وأكلة أموال الأيتام، وذلك فاسد، لأنه محتمل في أصل الوضع للكل وللبعض فيما يحتاج الوقف فيه إلى ذلك فيرد ما ذكروه. فصل: وقال فريق آخر من أهل الوقف واجب الوقف ثم وعيد أهل القبلة لجواز أن يستثني الله تعالى في وعيدهم ويشرط فيه شرطاً غير ظاهر، ثم لا يفعل ما توعد به ويكون صادقاً. وهذا قول من زعم أن الوعيد خبر عن وقوع المتوعد به. وهذا خطأ، لأن الوعيد إرهاب وتهديد، وليس بخبر عن وقوع المتوعد به، إلا أن يقصد إلى إيقاع المتوعد به، على ما قد بيناه في الكلام في الوعيد.

стр. 855

وهذا أيضاً باطل من وجه آخر، وهو أن نفس إطلاق الوعيد، وإن كان خبرا لا يقتضي العموم والاستغراق، ولا يحتاج إلى استثناء وشرط فيه إن لم يضمره صار خبره كذباً، وإنما يجب ذلك لو ثبت عمومه. فصل: وقد زعم قوم من أهل الوقف أنه إنما يجب الوقف في الوعيد دون الوعد لاستحسان الغفران بعد الوعيد، وأن أهل اللغة لا يعدون ذلك كذباً، وإنه يجب إمضاء الوعد على عمومه لقبح الخلف فيه واضطر استثناء فيه. وهذا - أيضاً - باطل، لأنه قول يوجب إمضاء الوعد على عمومه، لأجل التعارف وقبح الخلف والاستثناء فيه، وحسن ذلك في الوعيد، وليس الفرق بينهما لشيء يرجع إلى صيغتهما، وليس القول بالعموم في الوعد واجباً من ناحية صورته ولا الوقف في الوعيد واجب من ناحية احتمال لفظه، لكن لاستحسان التجاوز والغفران، وهذا باطل، لأنهما محتملان للبعض والكل في أصل الوضع، فبطل هذا الاعتبار. فصل: وزعم قوم ينسبون إلي القول بالوقف، وهم أولى بالنسبة إلي أصحاب العموم أن الأخبار إذا وردت ومخرجها عام وسمعها السامع، وكان الخبر الذي سمعه وعدا أو وعيداً ولم يسمع القرائن، ولا الأخبار المجمع عليها الواردة لتخصيص الجنس، فالواجب عليه أن يعلم علماً قطعاً أن الخبر عام في جميع أهل تلك الصفة، ومن شمله الاسم، وأن يجوز مع ذلك أن يكون الأمر عند الله / بخلاف ما علمه، وأن يكون له فيه استثناء قد أنزله وإن لم يعلمه. وذلك - زعموا نحو ما يجب على الإنسان من العلم

стр. 856

بأن يظهر الإسلام والنسل مؤمن تقي، وإن جوز كونه كافراً منافقاً عند الله . وكما يجب عليه أن يعلم علماً يقيناً أن المولود على فراش الرجل ولده، وإن جوز كونه غير ولد له عند الله، وهذا جهل منهم عظيم، لأن العلم لا يكون علما حتى يتناول المعلوم على ما هو به، وإذا تعلق الاعتقاد بالمعتقد على خلاف ما هو في نفسه عليه كان جهلاً وإن ظنه المعتكف علماً، وإنما أخذ على المكلف فيما ذكروه غلبة الظن لذلك والحكم على من ظاهره ما ذكروه يحكم الإسلام في المناكحة والموارثة، والدفن له في مقابر المسلمين، والصلاة عليه وحقن دمه. وغير ذلك من الأحكام، وهو مثل المأخوذ علينا في قوله تعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الكُفَّارِ﴾ يعنى إذا أظهرن لكم الإيمان، وظننتم كونهن كذلك، فما ركبوه من هذا جهل بين وغلط فاحش، مع أن قولهم يجب أن يسبق إلى اعتقاد العموم قطعاً إذا لم يعلم ما نص اللفظ إقرار بأنه عموم لا يجوز تخصيصه إلا بدليل، فهذا قول أصحاب العموم، وليس من الوقف في شيء. فصل: وقد زعم بعض القائلين بالوقف إنه إذا ورد وعد ووعيد في أهل صفة من الصفات، نحو أن يقول لأنعمن المؤمنين، ويقول مع ذلك لأعاقبن المؤمنين أن أحدهما مستثنى من الآخر، وأنه في فريقين منهم، وأننا لا ندري من المراد بالثواب منهم ومن المراد بالعقاب، وأن الوعد والوعيد لا يصح أن يجتمعا في رجل واحد، ولا في أهل صفة واحدة وفرقة واحدة. وهذا باطل لأنه يجوز ما قالوه من أنه أراد بالوعد فريقاً منهم، وبالوعيد غيرهم ويجوز عندنا أن يجمع للشخص الواحد والفرقة الواحدة وعد ووعيد، فيتوعد المؤمن

стр. 857

الطائع على معاصيه، ووعده بالثواب والجنة على إيمانه وطاعاته، ويفعل ذلك به أو بهم في وقتين متغايرين على ما بيناه في الكلام في الوعيد. وهذه جملة من اختلاف من ينسب إلى القول بالوقف. فصل: ذكر الأدلة على وجوب القول بالوقف. أحد ما يدل على ذلك أنه لو كان للعموم صيغة تثبت له لم يخل العلم بذلك من أن يكون طريقه/ العقل أو اللغة والنقل. وقد اتفق على أنه لا مجال للعقل في ذلك، فيجب ثبوت ذلك- لو صح وثبت- لغة ونقلاً. وهذا باطل، لأن العلم بوضع ما يضعونه من الألفاظ لا يحصل إلا من طريقين: إما بالدخول معهم في المواضعة، وتلفي ذلك عنهم بغير واسطة، وهذا متعذر على كل من بعد عصرهم ومن لم يلقهم ويأخذ عنهم. أو بالنقل، والنقل عنهم ضربان: تواتر يوجب العلم ويقطع العذر. وآحاد لا يوجب العلم بضرورة ولا دليل، فإن كان خبراً من جملة أخبار الآحاد التي لا سبيل إلى العلم بثبوتها لم يجز أن تثبت بها لغة وصيغة من جهة للقطع والعلم، وإن لم يؤمن كون الرواية عنهم لذلك غلطاً وتأولاُ وظناً وكذباً متعمدا. فلا حجة فيما هذه سبيله فيما طريقه العلم.

стр. 858

وليس لأحد أن يقول هو من أخبار الآحاد المدلول على صحتها، لأننا قد قلنا إن جملة ما يدل على صدق المخبر أن ينص الله تعالى أو رسوله على صدقه، أو إجماع الأمة على ذلك، أو يوجب بصفة العقل صدق خبره أو بنقله الناقل له بحضرة قوم يدعى حضورهم الخطاب بما يقوم مقام دعواه. فلا يردون خبره على ما سنشرحه في كتاب الأخبار إن شاء الله تعالى، وليس في نقل صيغة العموم شيء من ذلك، فوجب اطراح الخبر عنهم به، وإن كان الخبر عنهم به متواتراً يوجب العلم وجب أن يعلم ذلك ضرورة من تواضعهم، وفي رجوعنا إلى أنفسنا ووجودنا لها غير عالمة بذلك، بل عالمة بخلافه دليل على سقوط هذه الدعوى وبطلانها، وثبت أنه لا سبيل إلى العلم بما يدعونه من العموم. وقد قلنا عند ذكر هذه الدلالة في إبطال لفظ وضع الأمر أو لكون الأمر على الوجوب أنه لا يجوز أن يقبل في إثبات لغة أخبار الآحاد كما قبل ذلك في مسائل الأحكام. وإنما عملنا بها في الأحكام لوضع التعبد به، وإجماع الصحابة عليه، وليس مثل ذلك في إثبات لغة بخبر واحد، وأنه ليس لهم قلب هذه الدلالة في القول بالوقف، وأنه لم يثبت به عنهم رواية وأن معنى القول بالوقف: أن اللفظ الذي يدعون وضعه للعموم لم تضعه أهل اللغة للعموم ولا للخصوص على ما ادعاه القائلون بذلك، وأنه لا يجب أن ينقل عنهم ما لم يضعوه. وإنما يجب نقل ما وضعوه واستغناء القول في ذلك بما يغني عن رده.

стр. 859

وقلنا أيضاً إن كانوا قد وضعوه لأحد الأمرين ولم ينقل ذلك عنهم/ فلا تقوم به الحجة علينا وجب القول بالوقف فيه لعدم علمنا بما وضعوه له، فبطل جميع ما يحاولون القدح به في هذه الدلالة. فصل: دليل آخر. ومما يدل - أيضا - على وجوب القول بالوقف اتفاق أهل اللغة والمعاني على حسن الاستفهام على مراد القائلين بقوله اصرم النخل، واضرب العبيد، ورأيت الناس، وأمثال ذلك وهل أراد بهذا الكلام البعض. ولذلك حسن الاستفهام عن قوله من عصاني عاقبته، ومن أطاعني أثبته، وأين رأيت زيداً أكرمته، ومتى كلمني كلمته. فلولا أن جميع هذه الألفاظ صالحة بإطلاقها للبعض تارة وللكل أخرى لم يحسن الاستفهام عن المراد بها عند إطلاقها إذ كان عندهم موضوعاً للعموم، ولم يصلح وروده أبداً للخصوص، وقد اتفق على أنه لا يحسن الاستفهام عن شيء لا يصلح تناول اللفظ له، ولا يجري عليه، ولذلك قبح أن يقال لمن قال رأيت الناس، هل رأيت الحمير أم الناس؟ وحسن أن يقال: أرأيت الكل أم البعض منهم. وإذا كان ذلك كذلك وجب صلاح استعمال مطلق اللفظ في عموم تارة وفي الخصوص أخرى، لأنه لو ورد مقرونا بما ينبئ عن البعض أو بما ينبئ عن الكل لقبح الاستفهام مع القرائن الدالة على المراد - وإنما يحسن الاستفهام عن معنى الإطلاق المتجرد عن القرائن لاحتماله الخصوص والعموم، كما يحسن عن معنى

стр. 860

إطلاق المشترك من الأسماء التي لم توضع لبعض محتملاته، ولو قال: رأيت لوناً سوادا وعيناً ناظرة أو مدركة أو نابعة لقبح أن يستفهم، فيقال له: أي لون وأي عين رأيت. وكل هذا يقضي على أن الاستفهام إنما يحسن مع إطلاق المحتمل من الألفاظ العاري، مما يدل على اللفظ إلى بعض محتملاته، وهذه قضية الاستفهام عن المراد بسائر الألفاظ المدعاة للعموم، فثبت ما قلناه. فلو قال قائل: ما أنكرتم من قبح ما ادعيتم حسنه من الاستفهام لم يكن لكلامه وجهاً، وكان بمثابة من أنكر الاستفهام في لسانهم عن معاني هذه الألفاظ أظهر في استفهامهم عن معنى كل لفظ محتمل، ولا وجه لمكالمة من بلغ إلى هذا الحد. ولو قال منهم قائل/ إنما يحسن الاستفهام عن معاني هذه الألفاظ إذا لم يكن المتكلم بها حكيماً، ولا ممن تجب طاعتهم فتحا الحكيم فلا يحسن استفهامه عن المراد بها. قيل له: لم قلت هذا؟ وما الفصل بين الحكيم والسفيه في هذا الباب، ومن تجب طاعته، ومن لا تجب لأجل أن اللفظ إذا صدر من حكيم واجب الطاعة مخالف لصيغة ما يصدر من سفيه لا تجب طاعته أم لأن أهل اللغة قالوا: قد وضعنا مجرد هذه الألفاظ للعموم إذا صدرت من حكيم واجب الطاعة ومشترك بين الخصوص والعموم إذا صدر عن سفيه. وهذا بعد من المتعلق به. وإن قالوا: ما أنكرتم أن يكون الاستفهام عن المراد به حسن على ما

стр. 861

قلتم، غير أنه إنما حسن لصحة التجوز باستعمال مطلق اللفظ في الخصوص وإن كان حقيقة للعموم. وقد يحسن الاستفهام للمتكلم هل أراد بكلامه حقيقته أم مجازه إذا كان له حقيقة ومنه مجاز. يقال له: هذا تسليم منكم لجواز استعمال مجرد اللفظ في البعض كاستعماله في الكل. ودعوى منكم لكونه مجازاً في البعض، وظاهر استعمال اللفظ في الشيء وجريان الإسلام عليه يقتضي كونه حقيقة فيه. وإنما يصار إلى أنه مجاز بتوقيف منهم وحجة ودليل. ولو ساغت هذه الدعوى لساغ أن يدعي أن كل لفظ جارٍ على شيء فإنه مجاز فيه، وإن لم يقم على ذلك دليل. وهذا باطل باتفاق. ولو احتيج في جعل الاسم حقيقة فيما رأيناهم يجرونه لاحتجنا من ذلك إلى مالا غاية له وما ليس في الوسع والإمكان. ويدل على أن ظاهر الاستعمال يدل على أنه حقيقة فيما جرى عليه توقيفهم لنا على أنهم إنما يضعون الكلام لإفادة ما تحته وما يجري عليه، وأنهم لهذا القصد تكلموا ووضعوا الألفاظ. فهذا التوقيف منهم يقتضي كون ظاهر الاستعمال مفيداً لما جرى عليه اللفظ. وإنما يعلم أنه معدول به ومستعمل فيما لم يوضع لإفادته بتوقيف ودليل. وإذا كان ذلك كذلك وجب أن يكون مجرد هذه الألفاظ جار في العموم والخصوص على الحقيقة دون المجاز وإلا فهم هذه الدعوى بمثابة من قال حقيقته البعض. وإنما يستعمل في الكل مجازاً واتساعاً. وقد قال بذلك

стр. 862

أصحاب الخصوص وأيدوا دعواهم بأن استعماله/ في البعض هو الأغلب الأكثر في الكتاب والسنة وكلام أهل اللغة، واستعماله في الكل هو القليل النزر. وما وضع لشيء لا يرد له قليلاً نادراً، وإنما يرد كذلك فيما لم يوضع له، وهؤلاء أسعد بدعواهم من أصحاب العموم. ثم يقال لهم: أنتم في شغل من إقامة الدليل على أن هذه الألفاظ مستعملة في البعض على سبيل المجاز، ولو سلم ذلك لكم لسلم القول بالعموم. وقد أفسدنا من قبل كل عمدة لكم في وجوب القول بالعموم، فبطل ما قالوه. فصل: دليل آخر ومما يدل على ذلك وجودنا أهل اللغة يستعملون مطلق جميع ما ادعوه من الألفاظ تارة في الكل وتارة في البعض، كما يستعملون القول "عين ولون "في جميع ما يشترك في الاسم فوجب القول بكونها مشتركة محتملة. فإن قالوا: إنما يستعمل مطلقها في البعض مجازاً فقد أجبنا عن ذلك بما فيه بلاغ وإقناع. وأقل ما يجب في ذلك أن يقال، بل هي لأقل الجمع حقيقة، ومجاز فيما زاد عليه، وما هذه الدعوى إلا بمثابة من قال إن مطلق اسم اللون مستعمل في السواد وجارٍ على ما عداه مجازاً واتساعاً. ويقال لهم: لما كان استعماله في البعض هو الأكثر الأغلب وجب كونه حقيقة فيه وأن يكون مجازاً في الكل، لأنه هو الأقل.

стр. 863

فإن قالوا: ما وجدناه قط مستعملاً في البعض إلا بقرينة قيل: بل لا نجده مستعملاً في البعض إلا مطلقاً "ولا وجدناه قط مستعملاً إلا مطلقاً "ولا وجدناه قط مستعملاً في الكل إلا بقرينة وما وجدناه مستعملاً في الكل إلا في خبرين أو ثلاثة وهو قوله: ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾. وبدليل العقل وجب القضاء على عمومه، وما جرى مجراه، وهذا مما لا حلية فيه. فأما قول من زعم من الفقهاء أن المتصل به قرائن الخصوص ليس هو كاللفظ العاري من ذلك. وأنهما لفظان وصيغتان مختلفتان فإنه قول بعيد، وكلام من لا يعرف حقيقة المثلين لأنهما يدركان ويكتبان على وجه واحد. واتصال القرائن باللفظ لا يقلب جنسه ولا يغير صورته، على أنه يقال لهم إن كانت الصيغة المتجردة/ مخالفة للمتصلة على ما يدعون. فالمتجردة هي ٣٥٩ الموضوعة للبعض والمقترنة على المستعملة في الأكل. ولا جواب عن ذلك. وكل شيء أبطلنا به قول مثبتي العموم، فهو بعينة دليل على إبطال مدعي القول

стр. 864

بالخصوص، لأن دعاويهم في ذلك متقاومة، ولا حاجة إلى تكرار ذلك. وإنما تجب البينة عليه من الكلام على مدعي العموم فإنه ظاهر. وهذه جملة في الدلالة على ما قلناه كافية إن شاء الله.

стр. 865

باب القول في جواز تخصيص العام- لو ثبت- بضروب من الأدلة أعلموا أن كل دليل صرف هذه الألفاظ المدعاة للعموم إلى البعض فإنه عندنا دليل على صرفه إلى أحد محتمليه، ولا يوصف عندنا بأنه تخصيص للعام، ولكنه بيان مشترك ومحتمل من الألفاظ. فأما القائلون بأنه مبني للعموم فإنهم يقولون هو تخصيص العام، وقد بينا مرادهم بهذا الكلام، وإن تخصيص لما لولا الدليل المخصص له لكان عاماً. فأما أن يكون عاماً مع قيام الدليل على تخصصه فإنه مناقضة ومحال. ولا يعرف منهم من لا يجوز تخصيص لفظ العموم بدليل، وإن اختلفوا في كيفية الأدلة على ذلك. ومن قال منهم: لا يجوز تخصيص اللفظ العام في الزمان الوارد بوجوب العبادة فيها فقد غلط وأخطأ، لأن اللفظ إذا ثبت عمومه في الأزمان إما بصيغته أو ببعض أدلة التكرار وجب القطع على عمومه، ووجب وصف الدليل المزيل للعبادة في بعضه بأنه نسخ وتبديل للحكم بعد ثبوته واستقراره، وليس هذا من تخصيص المبين لما لم يرد باللفظ، ولم يتبين الحكم فيه بسبيل، على ما سنبينه في كتاب ذكر الفرق بين النسخ والتخصيص إن شاء الله. والذي يدل على صحة تخصيص اللفظ- لو ثبت عمومه- قيام أدلة

стр. 866

العقل والسمع المنفصلة على تخصيص قوله: ﴿واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿خَالق كُلِّ شَيْءٍ﴾ / وقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وقوله: ﴿يُجْبَى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وأمثاله. وتخصيص أدلة السمع لقوله: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾، ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وقوله: ﴿ووَرِثَهُ أَبَوَاه﴾ وقوله ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ وقوله ﷺ : "وفي الرقة ربع العشر "وقوله: "فيما سقت السماء العشر ". وكل عموم ورد في عبارة، فهذا حكمه فوجب القول

стр. 867

بصحة التخصيص، ويدل على ذلك- أيضاً- حسن الاستثناء من ألفاظ العموم، وليس فيه أكثر من إخراج بعض من حصل تحت الاسم، وهذا هو معنى تخصيص أدلة العقل والسمع المنفصلة، فوجب تساويهما، وصح بذلك ما قلناه لو ثبت القول بالعموم.

стр. 868

باب القول في لفظ العموم إذا خص عند مثبتيه هل يصير مجازاً أم لا والخلاف في ذلك اختلف مثبتو العموم في هذا الباب فقال كثير منهم إذا خص بأي دليل كان من حجة عقل أو شرع أو قرينة لفظ من استثناء متصل به أو كلام منفصل ليس باستثناء صار مجازاً. وبه قال كثير من المتكلمين منهم الجبائي وابنه، وقاله كثير من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة وإليه ذهب عيسى بن أبان.

стр. 869

وقال الكرخي ومن قال بقوله من المتأخرين إنه إذا خص بكلام متصل من استثناء وما جرى مجراه كان مع الاستثناء واللفظ المتصل به حقيقة لما بقي مما عدا المستثنى، وتغيرت بذلك دلالته وصار مع صلته لغير ما كان موضوعاً له بمجرده. وإنه إن خص بدليل منفصل من حجة عقل أو دليل سمع صار مجازاً. وقال كثير من الفقهاء على اختلاف مذاهبهم إنه إذا خص بأي دليل كان، سواء كان لغوياً متصلاً أو قياساً معنوياً فإنه يصير مع دليله وقرينته حقيقة فيما بقي لأن الدليل أثر فيه وغير قضية مجرده. ويجب أن يشترط هؤلاء في أنه حقيقة فيما بقي أن يكون الباقي أقل الجمع. فأما إن بقي منه الواحد والاثنان فإنه يصير مجازاً لا محالة، لأنه اسم جمع، والواحد والاثنان ليسا بجمع. وغرض هذا الاختلاف إنه يجوز التعلق بما دخله الخصوص وعدا المخصوص أم لا؟ والذي نختاره إنه يصير مجازاً إذا خص بالأدلة المنفصلة/ ٣٦١ دون الاستثناء المتصل به وما جرى مجراه من الألفاظ. وقد كنا نصرنا القول بأنه يصير مجازاً إذا خص بأي دليل كان. وأنه يصح التعلق به فيما بقي بعد تخصصه بالأدلة المنفصلة وإن كان مجازاً.

стр. 870

وأما الدليل على أنه يصير مجازاً إذا خص بالقياس ودليل العقل وغيرهما من الأدلة المنفصلة، فهو أنه يصير بذلك الدليل معدولاً به عن موضوعه ومستعملاً في غير ما وضع له، ولفظه وصيغته بحالة لم يتصل به لفظ ولا نقص منه حرف، وهذه صفة المجاز وحقيقته، على ما بيناه من قبل، ولو أمكن أن يكون ما صرفته الأدلة المنفصلة عن موضوعه ومقتضى إطلاقه حقيقة فيما صرف إليه بالقرينة لصار كل مجاز حقيقة فيما اقتضته القرينة، ولسقط المجاز من الكلام جملة، ولصار القول في الإنسان البليد والرجل الشديد إنه ثور وحمار وأسد حقيقة مع القرائن الدالة على أن القصد غير ما وضع له في الأصل، وقد بينا هذا الفصل من قبل. ولما بطل ذلك وثبت المجاز من الكلام بطل ما قالوه. فإن قالوا: ما أنكرتم أن يكون الفصل بين الأمرين أن لفظ العموم يتناول ما أخرجه الدليل وما بقي تحت ويقع عليهما، فإذا أخرج الدليل بعضه كان الباقي مما دخل تحت اللفظ ووقع عليه الاسم فيجب أن يكون حقيقة فيما بقي. والقول أسد وحمار لا يقع على الإنسان بحال. فإذا عدل به إليه كان مجازاً فيه، فافترق الأمران. يقال لهم: ما قلتموه باطل من وجهين: أحدهما: إن إطلاق اللفظ لم يوضع لقدر ما بقي، وإنما وضع عند مثبتي

стр. 871

العموم لاستغراق الجنس, فإذا صرفه الدليل الذي لا يغير لفظه وصيغته إلى البعض خرج عن مفهوم مطلقه ومقتضاه, فوجب كونه مجازًا من حيث فهم منه مع القرينة خلاف ما يفهم من إطلاقه. والوجه الآخر إنه لو كان ما قلتموه صحيحًا لوجب إذا أخرج الدليل وانفصل كل ما تحت العموم إلا واحد منه أن يكون أيضًا حقيقة في الواحد, لأن الواحد الباقي مما كان داخلاً تحت اللفظ ومراد به وواقع عليكم أن هذه حال ما زاد عليه من أبعاض العام, ولما اتفق على فساد ذلك, لأجل أن اللفظ لم يوضع للواحد وإن تناوله في جملة الجنس, وإنما وضع للاستغراق وجب أيضًا أن يصير مجازًا, وإن بقي تحته الثلاثة والألف, وكل ما قصر عن الاستغراق, وأنه لم يوضع مجرده لذلك القدر, كما لم يوضع للواحد. فسقط ما قالوه/. فصل: وليس لأحد أن يقول فقولوا لأجل هذا إنه حقيقة مجاز, فيكون حقيقة فيما بقي, لأنه مما دخل تحت اللفظ, ومجاز من حيث لم يكن مستغرقًا. قلنا: لأنه يكفي غي كونه مجازًا خروجه بالقرينة عما يقتضيه الإطلاق, ولا يكون حقيقة فيما بقي, لأنه لم يوضع له وحده. فلذلك لم يجز أن يقال إن لفظ العموم إذا خص حتى بقي يبقى منه واحد, فإنه حقيقة لبقاء شيء ما تحته. ومجاز من حيث خرج منه بعضه, فبطل ما قالوه.

стр. 872

فصل: فأما إذا خص باستثناء متصل به, نحو أن يقول اقتلوا المشركين إلا زيدًا وإلا أهل الكتاب ونحوه, فإنه يكون مع الاستثناء حقيقة فيما بقي. والدليل على ذلك أن اتصال الاستثناء به يغيره ويؤثر في معنى لفظه, لأن كثيرًا من الكلام إذا اتصل بعضه ببعض كان له بالاتصال تأثيرًا ليس له بالانفراد. ولذلك احتاج الابتداء إلى خبر من كلام المبتدأ ليكون مفيدًا, والكناية إلى تقدم مذكور يكون كناية عنه, وأمثال ذلك. ولهذا وجب أن يكون قولنا زيد اسم الشخص الواحد, فإذا زيد عليه ياء ونونًا صار اسما للاثنين وإذا كان ذلك كذلك وجب أن يكون هذا حكم اللفظ مع الاستثناء في أنه يصير باقترانه اسما لقدر ما بقي, ولو عري لكان عامًا. وكذلك القول عشرة إلا واحد, وألف سنة إلا خمسين عامًا, وأمثاله في أن إطلاق الاسم بغير استثناء يفيد الجملة التامة ويصير مع الاستثناء اسما لقدر ما بقي. ولمثل هذا بعينه كان القول رجل اسم واحد منكر. فإذا زيد عليه ألف ولام, وقيل الرجل صار معرفة أو للجنس عند أصحاب العموم فيتغير معناه بما وصل به. وإذا كان ذلك كذلك صح ما قلناه من الفرق بين القرائن المتصلة والمنفصلة. فإن قالوا: فقولوا لأجل هذا إن قوله تعالى. فاقتلوا المشركين إذا اتصل به قول الرسول إلا زيد, أو قوله ولا تقتلوا زيدًا وفلانًا وفلانًا فإنه يكون حقيقة فيما عدا المستثنى. قيل: من الناس من يقول ذلك ويجعل استثناء الرسول المتصل بمنزلة

стр. 873

الاستثناء من كلامه تعالى فلا سؤال لكم عليهم والصحيح إن كلام غير المتكلم باستثناء, وما جرى مجراه جار مجرى سائر الأدلة المنفصلة, وإنما يؤثر في تغيير معنى كلامه ما يتصل به من قوله دون قول/ غيره. كما أن استثناء غير المتكلم من كلامه, وإن اتصل به لا يكون استثناء منه على الحقيقة, وإنما يكون استثناء صحيحًا إذا كان من كلام المتكلم بالعام, ولأجله لم يجز أن يصير قول القائل زيد مع قول غيره مقترنا به قام أو قائم ابتداء وخبرًا. وإنما يكون كذلك إذا كانا من كلام متكلم واحد, وكما أن إرادة المتكلم بالكلام عند كثير من الناس يؤثر في كونه أمرًا وخبرًا دون إرادة غيره. وكما نقول نحن في أن إرادة المعبر عن الكلام هي المؤثرة في جعل أصواته عبارة عن بعض ما يصح أن يكون عبارة عنه دون إرادة غيره. وإذا كان ذلك بطل مل قالوه. فصل: فإن قال قائل: فقولوا إن لفظ العموم إذا أخرج الاستثناء المتصل به جميع ما تحته إلا واحدًا منه, فإنه مع الاستثناء حقيقة فيما بقي وأن الاسم اسم للواحد الباقي. يقال له: لا يجب ما قلته, لأنهم قد وقفونا توقيفًا علمناه ضرورة أن اسم الجمع لا يجري على الواحد حقيقة, وأنه لا يقع في لغتهم إلا على آحاد مجموعة تحته, فلم يجب ما قلتم. والقول مشركون اسم جمع باتفاق, والجمع

стр. 874

يكون جميع الجنس على الاستغراق. فيكون أقل منه من الجمل والأقدار. وقال أصحاب العموم: إنه إذا أطلق بغير استثناء كان مفيدًا للجميع, هو جميع الجنس. وإذا استثنى منه ما يكون الباقي بعده جمعًا كان اسما ومفيدًا لقدر ما بقي, وكان ذلك القدر جمعًا حقيقيًا. وإذا كان الباقي بعد الاستثناء منه واحدًا فقط خرج عن أن كونه جمعًا, وكان تناول اللفظ مجازًا, فبان سقوط ما قالوه.

стр. 875

باب القول في أنه يصح الاستدلال به على قدر ما بقي؟ وإن كان مجازًا إذا خص بالمنفصل من الأدلة والذي يدل على ذلك أن الباقي مما كان يتناوله الاسم مع غيره, فإذا خرج الغير بدليل بقي هو تحت الاسم, وكان متناولاً له, فصح الاستدلال به عليه, ويبين ذلك أنه معلوم بإطلاق الاسم أن ما بقي تحته مراد, وما خرج منه مراد لولا القرينة. فمنعت القرائن من العلم بأن ما أخرجته مراد, وبقي الباقي معلومًا دخوله تحت اللفظ. فلم تبطل الدلالة فيه, ولم يكن للوقف فيه وجه. فإن قالوا: إذا صار مجازًا بالتخصيص, صار بمثابة سائر المجازات التي لا يصح أن يعلم بظاهر اللفظ منها المراد بها. قيل: هذا باطل, لأن ماعدا هذا الباب ليس ما تجوز فيه داخل تحت اللفظ, ونحو القول حمار في البليد ومرته في أهلها.

стр. 876

ولفظ العموم واقع ومتناول في الحقيقة لما بقي تحته مما يزيد على الواحد, ٣٦٤ وما أخرجه الدليل لخروج ما خرج لا يمنع تناول اللفظ لما بقي/ فافترق الأمران. وشيء أخر يبطل ما قالوه: وهو أنه لا يمتنع الاستدلال بظاهر قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ﴾ وبذكر العذرة وإن كان متجوزًا بهما في الحدث, لأن معناهما مفهوم فقد صار الحقيقة, وكذلك إذا كان ما بقي تحت اللفظ من الجموع مفهومًا بعد الاستثناء صح التعلق به, فبطل ما قالوه. ومما يدل على صحة الاستدلال بالعام المخصوص, وإن كان مجازًا اتفاق الصحابة على الاستدلال بذلك وتسويغهم له, ولذلك سوغوا لفاطمة ﵍ الاستدلال بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ وإن كان مخصوصًا, قد خرج منه الكافر والعبد وقاتل العمد. وكذلك قوله ﴿إلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وإن كان مخصوصًا فيمن عدا الأختين بملك اليمين. وكذلك تعلقهم بقوله ﵊: "الماء من الماء", وإن كان

стр. 877

مخصوصًا فيما ليس بمذي ولا ودي, وتتبع ما تعلقوا به من العمومات المخصوصات طويل جدًا. ولعله ليس في أحكام الشرع لفظ عام إلا وهو مخصوص. وقد تعلق به السلف والخلف. فسقط ما قالوه.

стр. 878

باب القول في ذكر الفصل بين النسخ والتخصيص ووصف الأصل الذي مع القول به يصح الفصل بينهما اعلموا- أحسن الله توفيقكم-إنه لا يصح الفرق بين معنى النسخ والتخصيص إلا على ما نذهب إليه من أن التخصيص بيان ما أريد باللفظ مما لم يرد به ما دخل قط تحته من قصد المتكلم. وأن النسخ إنما هو رفع الحكم بعد ثبوته واستقرار فعل وقته وتنفيذ موجبه. وسنبين هذا الحد, وندل على صحته في كتاب الناسخ والمنسوخ إن شاء الله. فأما من قال من المتكلمين والفقهاء إن حقيقة النسخ ومعناه إنه: "بيان مدة انقطاع العبادة المتراخي عن وقت الخطاب". أو "الأمر الدال على أن مثل الحكم الشرعي الثابت بالمنسوخ غير ثابت في المستقبل على وجه لولاه لكان ثابتًا بالنص الأول مع تراخيه عنه". أو "إنه البيان عن سقوط حكم شرعي في المستقبل مثل الحكم الماضي الثابت بالشرع على وجه لولاه لكان الحكم ثابتًا من جهة الشرع" وما هذا

стр. 879

معناه من الألفاظ فإنه لا فصل على قولهم بين النسخ والتخصيص فيما لأجله كان التخصيص تخصيصًا ومجرى عليه هذا الاسم في الحقيقة أو مجاز. وذلك أننا قد اتفقا جميعًا على أن الأشخاص والأزمان لا يدخلان تحت قدر العباد ولا يتناولهما التكليف في خصوص ولا عموم, وإنما التكليف/علينا في قوله: اقتلوا المشركين. وقوله: صلوا أبدًا دائمًا إيقاع القتل في جميع في جميع من يجري عليه الاسم, وإيقاع الصلاة في جميع الأزمان. فإذا بين أنه أراد إيقاع في الفتل في بعضهم كان ذلك تخصيصًا ولم يكن نسخًا, لأنه لم يستقر وجوب القتل فيمن خص منهم, ولا يجوز أن يقال قد نسخ الحكم فيمن لم يقصد به ويدخل تحت اللفظ. وكذلك إذا قال صلوا أبدًا دائمًا ثم نسخ بعد ذلك أو بعد دلالة التكرار وإن لم يكن لفظًا فإنما بين عند من خالفنا في حد النسخ وحقيقته إنه لم يرد إيقاع في الأزمان المستقبله, وإن كانت داخلة تحت الإطلاق, وإن صح عندهم عما لم يرد إيقاع الصلاة فيه من الأزمان فيجب لا محالة أن لا يقال نسخ العبادة في ذلك الزمان, لأنه لم يرد إيقاعها فيه, وإنما بين أنه مما لم يرد, كما لا يجوز أن يقال نسخ وجوب قتل ذي العهد والأمان والطفل والنساء والشيخ الفاني, لأنهم ممن لم يرد إيقاع القتل فيهم بالخطاب, وهذا مما لا يلتبس على من له أدنى تحصيل تساويهما وتعذر الفصل بينهما. فوجب على قولهم أن يكون النسخ تخصيصًا على الحقيقة, وليس بتبديل للحكم. فإن جازت تسميته نسخًا وحاله ما ذكرناه وجبت تسمية كل تخصيص لعموم من الأحكام وغيرها نسخًا وإن كان بيان ما لم يرد بالخطاب, ولا مخرج لهم من ذلك أبدًا. فإن قال قائل: فكيف يصح على أصولكم أنتم القول بالنسخ مع إنكاركم القول بالعموم.

стр. 880

يقال له: إن قلنا بالعموم تسليمًا ونظرًا. قلنا إن النسخ إنما يكون نسخًا بأن ترفع العبادة في الأوقات المستقبلة بعد وجوبها فيها وثبوتها واستقرارها, ويكون نسخًا لها قبل دخول وقتها, وبمنزلة نسخ الفرض الواحد وإسقاطه قبل دخول وقته, وذلك صحيح حكمه, وصواب عندنا. وإن لم يقال بالعموم قلنا: يصح النسخ بأن يدل الدليل على وجوب تكرر العبادة في سائر الأوقات بشيء غير مطلق اللفظ. فإذا ورد بعد ذلك ما يزيل الحكم في بعضها كان تبديلاً للحكم ونسخًا للفعل قبل وقته, وجمهور ما دخله النسخ من أحكام الشرع ما ثبت تكراره بدليل دون لفظه, فعلى القول بهذا يصح معنى النسخ, والفرق بينه وبين التخصيص. فإن قال قائل منهم: ما أنكرتم أن يكون الفصل بين النسخ والتخصيص ما ذكرتم, لأن التخصيص بيان لم يرد باللفظ مما يقع عليه ويتناوله./ ٣٦٦ والنسخ إنما له مدخل فيما دل الدليل على تكراره, لا فيما تناوله اللفظ فافترقا لهذا الوجه. يقال لهم: أنتم تجيزون نسخ ما أوجب اللفظ العام دوامه, كما تجيزون
следующие страницы →