Полный текст (1 232 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
ولفظ العموم واقع ومتناول في الحقيقة لما بقي تحته مما يزيد على الواحد, ٣٦٤ وما أخرجه الدليل لخروج ما خرج لا يمنع تناول اللفظ لما بقي/ فافترق الأمران.
وشيء أخر يبطل ما قالوه: وهو أنه لا يمتنع الاستدلال بظاهر قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ﴾ وبذكر العذرة وإن كان متجوزًا بهما في الحدث, لأن معناهما مفهوم فقد صار الحقيقة, وكذلك إذا كان ما بقي تحت اللفظ من الجموع مفهومًا بعد الاستثناء صح التعلق به, فبطل ما قالوه.
ومما يدل على صحة الاستدلال بالعام المخصوص, وإن كان مجازًا اتفاق الصحابة على الاستدلال بذلك وتسويغهم له, ولذلك سوغوا لفاطمة ﵍ الاستدلال بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ وإن كان مخصوصًا, قد خرج منه الكافر والعبد وقاتل العمد.
وكذلك قوله ﴿إلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وإن كان مخصوصًا فيمن عدا الأختين بملك اليمين.
وكذلك تعلقهم بقوله ﵊: "الماء من الماء", وإن كان
стр. 877
مخصوصًا فيما ليس بمذي ولا ودي, وتتبع ما تعلقوا به من العمومات المخصوصات طويل جدًا. ولعله ليس في أحكام الشرع لفظ عام إلا وهو مخصوص.
وقد تعلق به السلف والخلف. فسقط ما قالوه.
стр. 878
باب
القول في ذكر الفصل بين النسخ والتخصيص
ووصف الأصل الذي مع القول به يصح الفصل بينهما
اعلموا- أحسن الله توفيقكم-إنه لا يصح الفرق بين معنى النسخ والتخصيص إلا على ما نذهب إليه من أن التخصيص بيان ما أريد باللفظ مما لم يرد به ما دخل قط تحته من قصد المتكلم.
وأن النسخ إنما هو رفع الحكم بعد ثبوته واستقرار فعل وقته وتنفيذ موجبه. وسنبين هذا الحد, وندل على صحته في كتاب الناسخ والمنسوخ إن شاء الله.
فأما من قال من المتكلمين والفقهاء إن حقيقة النسخ ومعناه إنه: "بيان مدة انقطاع العبادة المتراخي عن وقت الخطاب".
أو "الأمر الدال على أن مثل الحكم الشرعي الثابت بالمنسوخ غير ثابت في المستقبل على وجه لولاه لكان ثابتًا بالنص الأول مع تراخيه عنه".
أو "إنه البيان عن سقوط حكم شرعي في المستقبل مثل الحكم الماضي الثابت بالشرع على وجه لولاه لكان الحكم ثابتًا من جهة الشرع" وما هذا
стр. 879
معناه من الألفاظ فإنه لا فصل على قولهم بين النسخ والتخصيص فيما لأجله كان التخصيص تخصيصًا ومجرى عليه هذا الاسم في الحقيقة أو مجاز. وذلك أننا قد اتفقا جميعًا على أن الأشخاص والأزمان لا يدخلان تحت قدر العباد ولا يتناولهما التكليف في خصوص ولا عموم, وإنما التكليف/علينا في قوله: اقتلوا المشركين. وقوله: صلوا أبدًا دائمًا إيقاع القتل في جميع في جميع من يجري عليه الاسم, وإيقاع الصلاة في جميع الأزمان. فإذا بين أنه أراد إيقاع في الفتل في بعضهم كان ذلك تخصيصًا ولم يكن نسخًا, لأنه لم يستقر وجوب القتل فيمن خص منهم, ولا يجوز أن يقال قد نسخ الحكم فيمن لم يقصد به ويدخل تحت اللفظ.
وكذلك إذا قال صلوا أبدًا دائمًا ثم نسخ بعد ذلك أو بعد دلالة التكرار وإن لم يكن لفظًا فإنما بين عند من خالفنا في حد النسخ وحقيقته إنه لم يرد إيقاع في الأزمان المستقبله, وإن كانت داخلة تحت الإطلاق, وإن صح عندهم عما لم يرد إيقاع الصلاة فيه من الأزمان فيجب لا محالة أن لا يقال نسخ العبادة في ذلك الزمان, لأنه لم يرد إيقاعها فيه, وإنما بين أنه مما لم يرد, كما لا يجوز أن يقال نسخ وجوب قتل ذي العهد والأمان والطفل والنساء والشيخ الفاني, لأنهم ممن لم يرد إيقاع القتل فيهم بالخطاب, وهذا مما لا يلتبس على من له أدنى تحصيل تساويهما وتعذر الفصل بينهما. فوجب على قولهم أن يكون النسخ تخصيصًا على الحقيقة, وليس بتبديل للحكم. فإن جازت تسميته نسخًا وحاله ما ذكرناه وجبت تسمية كل تخصيص لعموم من الأحكام وغيرها نسخًا وإن كان بيان ما لم يرد بالخطاب, ولا مخرج لهم من ذلك أبدًا.
فإن قال قائل: فكيف يصح على أصولكم أنتم القول بالنسخ مع إنكاركم القول بالعموم.
стр. 880
يقال له: إن قلنا بالعموم تسليمًا ونظرًا. قلنا إن النسخ إنما يكون نسخًا بأن ترفع العبادة في الأوقات المستقبلة بعد وجوبها فيها وثبوتها واستقرارها, ويكون نسخًا لها قبل دخول وقتها, وبمنزلة نسخ الفرض الواحد وإسقاطه قبل دخول وقته, وذلك صحيح حكمه, وصواب عندنا.
وإن لم يقال بالعموم قلنا: يصح النسخ بأن يدل الدليل على وجوب تكرر العبادة في سائر الأوقات بشيء غير مطلق اللفظ.
فإذا ورد بعد ذلك ما يزيل الحكم في بعضها كان تبديلاً للحكم ونسخًا للفعل قبل وقته, وجمهور ما دخله النسخ من أحكام الشرع ما ثبت تكراره بدليل دون لفظه, فعلى القول بهذا يصح معنى النسخ, والفرق بينه وبين التخصيص.
فإن قال قائل منهم: ما أنكرتم أن يكون الفصل بين النسخ والتخصيص ما ذكرتم, لأن التخصيص بيان لم يرد باللفظ مما يقع عليه ويتناوله./ ٣٦٦ والنسخ إنما له مدخل فيما دل الدليل على تكراره, لا فيما تناوله اللفظ فافترقا لهذا الوجه.
يقال لهم: أنتم تجيزون نسخ ما أوجب اللفظ العام دوامه, كما تجيزون
стр. 881
نسخ ما دل الدليل على تكراره, فوجب أنه لا فصل بينهما. وقول من قال منكم إنما أجيز مسخ مثل هذا إذا أشعر معه بما يؤذن بجواز النسخ, نحو قوله إلى أن أنسخ, وإلا أن أنسخ عنكم لا ينجيه, لأن أكثر ما في هذا الإشعار تجويز النسخ, وهو قائم في العقل, وإن لم يقل ذلك, ثم إذا نسخ أوقع عندكم ما أوجبه اللفظ الأول, بل بين ما لم يرد به, فليس إذا نسخ ولا تبديل.
ثم لو لم يقولوا إن من الشريعة نسخ لما أوجب اللفظ دوامه لم يكونوا- أيضًا- قائلين بالنسخ, لأن الدلالة عندكم إذا دلت على التكرار, ثم ورد نسخ العبادة في مستقبل الأزمان, فإنما بين أنها لم ترد في تلك الأزمان, وأن تلك الدلالة التي كان ظاهرها يتصور به التكرار المراد بها ذلك القدر دون ما بعده, فهو إذا بيان ما أريد مما لم يرد, وذلك ليس من النسخ والتبديل في شيء, وإنما هو بمثابة بيان لم يرد باللفظ العام في الأعيان من حيث لا فصل بينهما.
فصل: فإن قالوا: إنما بفصل بين التخصيص والنسخ من حيث جاز التخصيص بخبر الواحد والقياس, وامتنع إعمالهما في النسخ بهما.
يقال لهما: قد بينا أنه لا يمكن على أصلكم الفرق بينهما- فيجب أن يعلم القياس وخبر الواحد في النسخ, لأنك لا ترفع وتزيل بالناسخ حكمًا ثبت واستقر, وإنما تبين بهما ما لم يرد مما أريد, كما تصنع ذلك في تخصيص الفعل في الأعيان فيجب أن تسوي بينهما من حيث لا فصل.
فأما نحن قلنا أن نفصل بينهما, فنقول التخصيص بيان لم يرد بالخطاب ولم يستقر حكمه ولم يتيقن ثبوته والنسخ رفع ما قد علم وثبت
стр. 882
واستقر ويرد حكمه, فلا يجوز أن نزيله إلا بمتيقن مثله. وليس هذه حال خبر الواحد والقياس. فبطل ما قلته.
ثم إن ما سألتنا عنه خارج عن جواب ما ألزمناك من تساوي معنى النسخ والتخصيص على أصلك وتعذر الفرق بينهما, وإنما هو ابتداء سؤال آخر أحد أجوبته ما ذكرناه.
وشيء آخر, وهو أن نقول كان لا يستحيل في العقل التعبد برفع الحكم بخبر الواحد والقياس إذا وجد الشرط/٣٦٧ ما يلزم العمل بهما وإن رفعا وبدلا بيانًا معلومًا. كما لم يستحل أعمالهما في ابتداء إيجاب وحظر لما لا يوجبه ويحظره العقل, وما يتيقن أن العقل مزيل لحظره وإيجابه فيزول بهما عن الحكم المعلوم. ولكن قد ادعى أكثر الناس إنه إنما امتنع ذلك من ناحية الإجماع على منعه وإن كان بمعنى ابتداء إثبات الحكم بهما.
وقد قال كثير من أهل العلم: إنه لا إجماع في ذلك, وأن النسخ قد وجد بخبر الواحد وشاع في الصحابة. وإن تحليل المتعة, وأكل لحوم الحمر الاهلية إنما نسخ بخبر علي ﵇, وما رواه
стр. 883
عن النبي ﷺ من ذلك في عام الفتح.
وكذلك فإنما نسخ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي وزيارة القبور, والإنتباذ في الظروف بأخبار الآحاد وما روي من قوله ﵊: "ألا فزوروها" ونحوه.
وروى الناس أن أهل قباء تحولوا عن الصلاة إلى بيت المقدس إلى الكعبة بخبر واحد أخبرهم بذلك.
стр. 884
ويجب على الجواب الأول أن يقال إنه كان مع هذه الأخبار أخبار أخر وأحوال أوجبت العلم بصدق ما رواه هؤلاء الآحاد.
ويجب على الجواب الثاني أن يقال إنما لم ينسخوا أمثال هذه الأحكام الثابتة بأخبار آحاد, لأنه كان فيها وفي روايتها وطرقها ومعها ما يمنع من النسخ منها.
ولعلنا أن نستقصي القول في ذلك في فصول القول في النسخ إن شاء الله. وليس الكلام في هذا الباب من جواب ما أخذناهم به من التسوية بين معنى النسخ والتخصيص في شيء.
стр. 885
باب
القول في أقل ما يمكن دخول التخصص فيه
وفي إحالة تخصص المجمل من الخطاب
اعلموا إنه إنما وصف لفظ العموم عند مثبتيه بأنه مخصوص من حيث أخرج من الخطاب ما لولاه لوجب دخوله فيه, فكل دليل أخرج منه ما هذه سبيله فهو تخصيص له. وإذا كان كذلك وجب إحالة دخول التخصص في اسم الواحد, لن من حق التخصص أن يخرج بعض ما تحت الاسم مع بقاء البعض تحته. والواحد لا بعض له, فلا يصح ذلك فيجب فيه, ويجب أن يكون أقل ما يدخله التخصص اسم اثنين فصاعدًا.
ولم يصح أن يكون ما بين المراد بالمجمل تخصيصًا له, لأن الذي لم يرد به ليس الخطاب متناولاً له, ولا يجب دخوله تحته, وإنما هو مما كان يصح أن يراد به.
فلذلك لم يصح أن يكون ما بين المراد بقوله: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وهُمْ صَاغِرُونَ﴾ مخصصًا لاسم الحق والجزية/ ٣٦٨ لأن ما لم يرد بهما ليس مما وجب تناول الاسم له, ولذلك لم يكن سقوط صلاة سادسة عن قائل لا إله إلا الله مخصصًا لقوله: ﴿إلاَّ بِالْحَقّ﴾. ولم يكن سقوط فرض إخراج ثوب عن الزرع
стр. 886
تخصيصًا لقوله: حقه. وكذلك فليس سقوط إخراج بعير وشاة. عن أهل الجزية تخصصًا لقوله: الجزية. وإنما يكون المخصص مخصصًا لما يجب دخوله تحت الاسم أو ما يجري عليه الاسم في وضع اللغة إذا انفرد ويصح مع ذلك دخوله تحت لفظ الجمع, وليس ذلك حال ما لم يرد بالمجمل.
فإن قيل: أفلستم قد قلتم إن التخصص والاستثناء من لفظ الجمع إنما يخرج منه ما يصح أن يدخل تحته, لا ما يجب دخوله فيه. فقولوا ذلك فيما لم يرد بالمجمل, لأنه كان مما يصح أن يراد.
يقال لهم: لو قلنا نحن ذلك في تخصص المجمل على هذا الأصل لصح, وإن لم يصح ذلك لمن قال إنما يخرج التخصيص من الخطاب ما يجب دخوله فيه, ثم إن الفصل بين تخصص أسماء الجموع وبين بيان المجمل إن كل ما لم يرد بالمجمل ليس هو ما يجري عليه الاسم في وضع اللسان, وإنما يصير حقًا بحكم الشرع, وليس كذلك حكم ما لم يرد باللفظ في قولك مشركون وناس, لأن مالم يرد من ذلك ليس مما يجري عليه الاسم في حكم الوضع فافترقا. ويجب على هذا الأصل أن لا يمتنع وصف ما بين المراد بالاسم المشترك ما لم يرد به تخصصًا له, لأنه مما يجري عليه الاسم في اللغة وإن لم يرد.
стр. 887
باب
الكلام في إحالة تخصص ما ثبت الحكم فيه
بلحن القول وفحواه
وهذا نحو امتناع تخصص ما عقل من قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾. ﴿ومِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مَنْ إن تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾. وأمثال ذلك, وإنما امتنع تخصص المفهوم منه مما عذا المنصوص عليه من الأذى والذرتين ونصف الذرة مما تتناوله الاسم ودخل تحته, وإنا هو مفهوم منه وفي معنى المستنبط, وإن لم يكن كذلك, ولكنه مما يسبق إلى الفهم العلم به من غير ذكر له بتسمية ولا استنباط على ما بيناه من قبل.
وقد بينا فيما سلف أن التخصص لا يكونه تخصصًا إلا للقول وإخراج لما يتناوله ويجب دخوله فيه, أو يصح دخوله تحته، ويجري الاسم عليه لانفراده, وليس هذه حل المفهوم بلحن الخطاب وفحواه, فامتنع لذلك تخصصه.
стр. 888
والوجه الآخر أن تخصص/ ٣٦٩ ما هذه سبيله نقض للكلام وإحالة فيه على قول جميع أهل اللغة, لأنه لو قال: ولا تقل لهما أف وأضربهما وانهرهما لكان ذلك نقضًا ظاهرًا, وكذلك لو قال لا تظلمون مثقال ذرة, ولكن تظلمون أحد لكان ذلك نقضًا وخلفًا من القول. فإذا كان ذلك كذلك امتنع تخصص ما هذه حاله, ولكن يصح تخصص الأوقات في مثل هذا فيقول لا تقل له في يومك ووقتك هذا أف وأضربه وأنهره في غد, ولا تقل له أف إذا كان مؤمنًا بالله. فإذا لم يكن مؤمنًا تغيرت الحال. ومفهوم الخطاب وموجب مفهوم الخطاب. وهذت صحيح لاختلاف الأغراض والدواعي والمصالح فيه.
فصل: ومما يلحق بهذا الباب- أيضًا- امتناع تخصص ما ثبت حكمه من ناحية فائدته بالنص على تعليله بقول "جار" مجرى النص على ذلك. وهذا نحو قولهم لا تصحب الفاسق والجاهل, وأصحب البر الطاهر, وقد علم أن هذا ترغيب وتحذير, وقائم مقام النص على ذلك التعليل, وبمثابة أن يقول لا تصحب الفاسق لفسقه واصحب البر لبره, فإذا قال ولا تصحب فلانًا البر واصحب زيدًا الفاسق نقض تعليل, وأبطل فائدته.
ومن هذا- أيضًا- قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ , ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ فكأنه قال اقطعوه لكونه
стр. 889
سارقًا. وإنما يدخل التخصص في ذلك للعلم, فإنه أراد سارقًا وزانيًا على صفات مخصوصة, وكأنه قال لقطع سارق ربع دينار, والسارق من حرز لكونه سارقًا على هذه الصفة فلا يصح تخصصه مع حصول الصفة, لأنه نقص للتعليل. ومعنى الكلام.
وكذلك لو قال قائل: فد نهيتك عن صحبة الفاسق العاصي بالزنا لكونه عاصيًا له لصح أن يقول: وقد أطلقت لك صحبة العاصي بغير ذلك, فيجب ترتبه على ما قلناه. ويجب على هذه إحالة تخصص دليل الخطاب عند مثبتيه, نحو قوله: "في سائمة الغنم زكاة" لأن دليله عندهم أن لا زكاة في المعلوفة. فلو دل دليل على أنه أراد (بعض) إسقاطها عن بعض المعلوفة دون بعض لم يكن ذلك تخصيصًا, لأنه لم يقل ولا زكاة فيما لا سوم فيه.
وإنما بهم ذلك دليلاً. والتخصص إخراج ما تناوله الاسم، ويجب إذا كان دليل الخطاب عندهم من مفهومه امتناع دخول التخصص فيه, لأنه نقض للدليل.
стр. 890
باب
القول في إحالة تخصص الفعل والحكم والقضاء
والجواب الواقع من الرسول ﵊ /
قد بينا فيما سلف استحالة دخول العموم في المعاني وسائر الأفعال, وأنه إنما يدخل في ضرب من القول مخصوص من حيث بينا أن الفعل لا يعم ذاتين, ولا يوجد شيئين. وأنه محال أيضًا دعوى العموم في المعاني, نحو دعوى من قال إن قوله: "لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل". "ولا صلاة إلا بطهور". "ولا نكاح
стр. 891
إلا بولي". "ولا عمل إلا بنيه. " ولا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"
стр. 892
وأمثال ذلك, وأنه يجب حمل هذا النفي ونحوه على أنه نفي للإجزاء أو الكمال وعلى كل وجه, لأن المراد بالنفي غير مذكور باسمه, وإنما هو محذوف ومتجوز بنفي المذكور وقد يصح أن يريد نفي جميع أحكام الفعل, ويصح أن يريد الواحد منها فلا يسوغ دعوى العموم فيما لم يذكر ويسم, وإنما يسوغ دعوى ذلك فيه لو قال لا حكم للفعل بغير نية أو أحكام الفعل بغير نية باطلة, فأما أن يقول لا صلاة, والصلاة واقعة, وهو لا ينفي الموجود, فإنه قول باطل. وقد قلنا هذا فيما سلف, وكذلك سبيل امتناع دعوى العموم في قوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" لأنهما واقعان, وإنما المراد يرفع حكم الخطأ والنسيان, وهو غير مذكور بلفظ واحد أو جمع, فقد يصح أن يريد رفع جميع أحكامه, ويصح أن يريد نفي البعض منها فيجب إيقافه على الدليل.
وإذا كان ذلك كذلك استحال أيضًا دعوى العموم في الفعل الواقع منه
стр. 893
عليه السلام, لأنه فعل واحد, وليس بلفظ, والفعل الواحد بمنزلة النص على العين الواحدة التي يستحيل دخول التخصص فيها, ولو كان- أيضًا- جملة من الأفعال لم يصح أن يكون عمومًا, وإنما العموم القول الذي قدمنا ذكره من الأسماء, وليس لأحد أن يقول إنه إذا أوقع فعلاً جملته على عموم الوجوه التي يصح وقوعه عليها, لأن ذلك إحالة من القول, وذلك أن الفعل الواقع منه لا يصح أن يفعل إلا على وجه واحد, ويستحيل وقوعه منه على وجهين مختلفين حتى يوقعه أداء, ويوقعه فرضًا, ويوقعه نفلاً, ويوقعه محظورًا ومباحًا ومضيقًا مستحقًا وموسعًا, ويوقعه ذاكرًا وناسيًا. كل هذا الحال ممتنع, وإنما استحال لاستحالة كونه عالمًا ذاكرًا للفعل وناسيًا له لتضاد الذكر والنسيان, وكذلك قصده إلى الأداء ضد قصده إلى القضاء, والقصد إلى كون الفعل مباحًا ضد القصد/ إلى كونه قربة, والقصد إلى التقرب به على وجه الإيجاب والفرض ضد القصد إلى التقرب به نفلاً, وإذا تضادت هذه القصود تضادًا معلومًا بأول في العقل, وبأمر يجده المكلف في نفسه. وكانت حاله ﵊ فيما يتضاد عليه وحال الأمة سواء استحال ذلك وقوع الفعل منه على وجهين مختلفين فضلاً عما زاد عليهما, فوجب بطلان دعوى العموم في نفس الفعل بان يكون عامًا أو في الوجوه التي يستحيل وقوعه عليها, وامتنع لذلك دعوى العموم في فعله, وامتنع لذلك دخول التخصص فيه, ويصح أن يقال إن فعله مخصص لعموم لفظ وارد في دخول التخصص فيه, ويصح أن يقال إن فعله مخصص لعموم لفظ وارد في الحكم إذا علم أنه واقع منه على سبيل البيان. فأما أن يكون الفعل مخصوصًا أو عامًا فذلك محال.
стр. 894
فصل: وقول الراوي كان رسول الله ﷺ يفعل كذا يفيد في عادة استعمال أهل اللغة ذكر الفعل وتكرره, لأنهم لا يقولون كان فلان يطعم الطعام ويحسي الرمان ويحافظ على الجار إذا فعل ذلك مرة أو اثنتين, بل يخصون به المداوم على ذلك. وقد قال تعالى: ﴿وكَانَ يَامُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ﴾ يريد دوام ذلك منه. وقال ﴿وكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ ﴿قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ , يريد الإخبار عن مضي ذلك. فادخل كان لمضي الفعل لا
стр. 895
لتكثيره. ويجب بأقل ما يخرج عليه كلام الراوي, والظاهر في الاستعمال ما قدمنا ذكره.
وصورة التعلق بالاستدلال بفعله ﵊. وقول كثير منهم هو محمول على العموم, ولا أخص الفعل لاستدلال من استدل من الفقهاء على أن الصلاة في البيت جائزة وعلى كل وجه فرضًا ونفلاً فإنه ﵊ صلى في البيت, فأنا أحمل ذلك على عمومه, وقد علم أنه لا يجوز أن يكون صلاها فرضًا ونفلاً, فالتعلق بذلك باطل.
ومنه- أيضًا- استدلال من استدل على تخصص خبر النهي عن استقبال القبلة واستدبارها بغائط وبول بجلوسه للغائط مستقبلاً لبيت المقدس. وهذا ونحوه ليس باستدلال بعموم فعل ولا خصوصه. وإنما هو استدلال به على تخصص عموم قوله: "لا يستقبل القبلة بغائط ولا بول", وقد قلنا أن تخصص العموم بفعله إذا وقع موقع البيان صحيح, وإنما يكون فعله ﵊ بيانًا للمجمل وتخصصًا للعام, وضروب ما يحتاج إلى بيان إذا بين بقوله إنه بين بفعله, وعلم أنه مساو لنا في الحكم الواحد عليه وعلينا, وأنه ذاكر للفعل وموقع له على غير وجه السهو, وأن يعلم أنه لم
стр. 896
يوقعه على سبيل اعتماد المعصية. لأنه قد يجوز وقوع/ الفعل منه على هذه السبيل, وثبت بشرح القول في ذلك عند بلوغنا إلى القول في أحكام أفعاله.
ومما استدل به من أفعاله ما روي من أنه ﷺ صلى العشي بعد غيبوبة الشفق, وأن ذلك الشفق كان الحمرة.
وهذا غير صحيح لأجل أن الشفق شفقان الحمرة والبياض.
والصلاة التي فعلها واحدة لا يصح أن تكون مفعولة في وقتين, فالخبر إذًا لا ينبئ عن أنها مفعولة عند مغيب أحد الشفقين, ولا يصح أيضًا أن يقال إنه يجب فعلها عند غيبوبة الاثنين على العموم, لأنها فعلت لا محالة عند غيبوبة أحدهما, فكيف يدعي العموم فيها, وهذه جملة في هذا الفصل كافية.
стр. 897
باب
ذكر تفصيل ما يمتنع دعوى الخصوص والعموم
وأجوبته وما لا يمتنع ذلك فيه من أقضية الرسول
ﷺ وأحكامه
فأول ما يجب أن يقال في ذلك أن لسم القضاء ولفظه يحتمل في اللغة وجوهًا منها: الخلق والكتابة والإعلام والأمر الحتم, ويكون بمعنى الحكم. وقد بينا ذلك في الكلام في القدر في كتاب أصول الديانات بما يغني الناظر فيه, ولكنه مع ذلك إذا أضيف إلى الرسول ﵊ ومن يقوم مقامه من الأئمة والحكام فإنه لا يحتمل إلا الحكم المقضي عليه بقول وأمر هو أمر له بالخروج مما عليه من فعل مبتدأ أو أداء مال أو غرم قيمة, وأمر بحد من الحدود وكفارة, ونحو ذلك من القضايا الشرعية لأنه ﷺ إنما يحكم ويقضي في العين الواحدة أو الأعيان بقول وأمر عام أو خاص مميز أو محتمل, يصح النظر والاجتهاد في المراد به على ما نذكره من بعد. ولو قضى ﵊ بالإشارة والرمز والإيماء على وجه يفهم منه مراده لصح لذلك.
وقد يجوز أن يقضي أيضًا عند الإقرار والاعتراف وقيام البينة بأخذ مال وإقامة حد بأن يحد المشهود عليه أو يحكم باليد عند قيام البينة بثبوتها
стр. 898
على الشيء, ونحو أن يحكم بالمال عند شاهد ويمين المشهود له, غير أنه إذا فعل ذلك ولحق به فلابد من أن يقارن ذلك ما يعلم عنده أنه إنما فعل ذلك بشرع وأمر من الله تعالى له به, وأنه مفعول من أجل الحادث من البينة والإقرار, وإن وقع ذلك منه عند حصول هذه الأمور على وجه لا يعلم معه أنه فعله لأجل الحادث/ ٣٧٣ من الإقرار وغيره, فليس يجب القطع على أنه قضي بذلك لأجله ولا هو مجيب ولا هو الموجب له .. ومحال في صفة الثقة الأمين أن يروي عنه أنه قضى بالشاهد واليمين والإقرار إلا وقد علم ذلك يقينًا بالأحوال الظاهرة له. ومتى شك في ذلك وقاله اجتهادًا لم يحل له أن يؤديه, وأن يقول علمت ذلك من حكمه. وإذا كان ذلك كذلك وجب أن يحمل قول الراوي: "إنه ﵇ قضى بالشاهد واليمين" وبالشفعة للجار. وبوجوب الكفارة في الإفطار عامدًا بالوطء, ونحو ذلك على أنه قضى بما قضى به لأجل ذلك وفي ظاهر
стр. 899
القول قضى بذلك وقطع سارق المجن ورجم ماعزًا أنه تولى ذلك بنفسه. وقد يستعمل إضافة ذلك إليه إذا أمر به الغير والقضاء بوجوب الفعل من جهته, وقد يباشر الفعل وقد يكله إلى غيره, وقد قلنا إن القضاء منه يكون تارة بالقول إنه واجب, وتارة بفعل مقام القول, فليس بظاهره أنه قضى بذلك قولاً دون فعل, أو فعلاً دون قول. فإن كان القضاء به بقول عام ولفظ يفيد الجمع شاع دعوى الخصوص والعموم فيه, وإن كان بقول ليس من
стр. 900
ألفاظ الجمع, أو فعل من الأفعال امتنع دعوى العموم والخصوص فيه. ومع ذلك فإنه لا يمتنع أن يقام فعله مقام قوله: إذا قال: إذا قال: "حكمي على الواحد حكم على الجميع" وعلل وقوع حكمه وتعبد بالقياس في شريعته, واعلمنا تساوي أمته في ذلك الحكم. ويقال إذا دل على ذلك قضاؤه بالفعل عموم في كل مكلف على تأويل أنه بمثابة القول العام.
فصل: وإذا قال الراوي إن رسول الله ﷺ قضى بأخذ المال بالشاهد واليمين وبالشفعة للجار وبالكفارة بالإفطار, ونحو ذلك وجب الوقف في كيفية قضائه بذلك وهل كان بقول عام, أم بفعل من الأفعال, أم في عين من الأعيان, لأنه قد يجوز أن يقول حكمت بالشفعة لك وحدك أيها الجار, وعليك وحدك أيها المجامع وبالمال مع يمينك أيها المشهود له, ويحتمل أن يقع ذلك على وجه لا يعلم معه أنه مقصور على تلك العين واجب فيه وفي غيره.
إلا أن ظاهر الحكم للشخص وفيه وعليه فقصرت عليه وحده إلا أن يعلم وجود مساواة غيره له وقضاؤه باللفظ العام, نحو أن يقول: الشفعة تجب
стр. 901
بالجوار, ولكل جار, والكفارة واجبة بالإفطار, ونحو ذلك, وإذا كان كذلك لم يجب أن يفعل قول/ الراوي: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة للجار, وحكم بالشاهد واليمين بالمنزلة قوله ﵊: "الخراج بالضمان, والشفقة للجار", ووجب القضاء بعموم, هذا القول, والوقف في قوله: قضى, وهل ذلك بقول او فعل, وهل على عمومه في الكلام أو قصره على المحكوم له.
فصل: وقد يقول ﵊: قد قضيت بأن الشفعة للجار, والخراج بالضمان, ويكون مع قوله هذا ما يدل على أنه مراد به البعض ممن يقع الاسم عليه, فإن تجرد من ذلك وجب عمومه لا محالة عند أصحاب العموم.
فصل: فإن قال قائل: فما وجه استدلال من استدل من الفقهاء بما روي من إيقاعه القضاء على عموم الحكم.
قيل: إن كان مع ذلك, ما يدل على أنه واجب في جميع ما يقع عليه الاسم حمل على ذلك, وإلا لم يسع التعلق به, وما روي من أن الشافعي
стр. 902
رحمة الله عليه بقصة عمر بن عبد العزيز في ذلك وأن عروة بن الزبير رشوان الله عليه قال لعمر: إن رسول الله ﷺ قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان, فإنهما إنما احتجا بذلك لاعتقادهما أن حكمه على الواحد حكم على الجميع, وأنه علق الحكم في الخراج بالضمان, وذلك يوجب التعميم, وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: "الخراج بالضمان" مما روي أنه قضي بذلك التعلق بقوله في ذلك دون قضائه إذا لم يعرف كيفية وقوعه.
стр. 903
باب
الكلام في صحة دعوى العموم وجواز التخصص
في جواب الرسول ﵊
اعلموا- وفقكم الله- إن جواب الرسول ﷺ ربما كان لعام من القول, وربما كان بخاص, وربما كان بلفظ محتمل يقرنه ببيان المراد منه, وربما وكل استخراج معناه إلى السائل إذا كان من أهل الاجتهاد, والواجب إذا كان ذلك كذلك حمل جوابه ﵊ على الوجه الذي خرج عليه وعلى ما وضع في اللسان لإفادته من عموم أو خصوص أو إجمال واحتمال, وإن كان مجملاً قد بينه صير إلي بيانه, وإلا وجب الاجتهاد في المراد به.
وإذا سألته سائل عن حال نفسه وحادثة تخصه فقال له مثلاً توضأت بماء البحر أو المضاف إلى ما خالطه, أو أفطرت عامدًا أو وطأت في رمضان, ونحو ذلك. فقال له ﵊: عليك الكفارة, أو يجزئ في وضوئك, أولا وضوء لك وجب قصر الحكم على السائل ولم يسع دعوى العموم في ذلك إلا أن يدل دليل يقارن جوابه على انه عام من المكلفين, أو في كل من كان/ ٣٧٥ يصفه السائل أن يعلق إذا تعلق الحكم عليه لصفة هي سببه أو علته, وهذا نحو قوله لعبد الرحمن بن عوف رضوان الله عليه. وقد سأله
стр. 904
عن لبس الحرير "إلبسه" ونحو قوله لأبي بردة بن نيار في الأضحية بجذعة من المعز "يجزيك", وقوله لأبان بن سعيد بن العاص "حالف بني عبد القيس وإن كنت مسلمًا". وقوله لحبان بن منقذ "لك الخيار بيع البيع ثلاثًا". فله بغير شرط, فإن كان قال: لك الخيار
стр. 905
بعد البيع ثلاثًا, فله بغير شرط، فإن كان قال: له الخيار بعد البيع ثلاثًا، فله حكم غيره وله الخيار.
وكذلك إذنه وإباحته وحكمه على جماعة ونفر من الأمة بشيء يجب كونه مقصورًا عليهم. وذلك نحو إذنه للعرنيين بالتعالج بأبوال الإبل, وإنما
стр. 906
وجب قصر الحكم على السائل أو السائلين في مثل هذا لكونه خطابًا لهم دون من عداهم, وحكم منه عليهم, والأحكام معلقة بقوله وخطابه, وخطاب الواحد والنفر ليس بخطاب لسائر الأمة فوجب ما قلناه.
ولأن التكليف إن كان متعلقًا بالمصالح فيجب قصر الحكم على المخاطب للاتفاق على صحة اختلاف مصالح المكلفين فيما يشرع لهم, ولذلك اختف فرض الحر والعبد والمقيم والمسافر والذكر والأنثى وفرائض العلماء فيما يفتون به.
وكذلك- أيضًا- إن كان سؤال السائل له ﵇ وقع لغيره وهو معين أو غير معين مخصوص, وصدر الجواب على وجه يخص ذلك الغير وجب قصر الحكم عليه, لأنه ليس بخطاب للأمة, وذلك نحو سؤال عمر رضوان الله عنه للرسول ﷺ عن طلاق ابنه عبد الله وقوله له: "مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق أو إن شاء أمسك, ونحو هذا من اللفظ,
стр. 907
لأن قوله (مره) كناية عن الواحد المسئول عن حادثته دون غيره.
فصل: وإن كان السؤال للغير وقع مطلقًا فيهما وجب حمله على عمومه من جهة المعنى دون اللفظ, وثبت بشرع للكل, وهذا نحو ما روي من أن سائلاً سأله عمن جاء امرأته في رمضان. فقال: "أعتق رقبة", فقوله: أعتق خطاب خاص للواحد المواجه, ولكن لما كان جوابًا عمن جامع امرأته بلفظ يعم كل من جامع من غير تخصص أثر في قوله: اعتق رقبة. وإن كان خطابًا للواحد صار عامًا, وبمثابة قوله لو قال عن سؤال على من جامع في رمضان عتق رقبة" وإنما وجب كذلك, لأنه صدر/ وخرج على سؤال حصل بلفظ يقتضي العموم, فصار لذلك بمثابة السؤال وبمنزلة اللفظ العام, لأنه ﵇ منصوب للبيان. فإذا أجاب عن سؤال مطلق ما هو جواب عنه وجب جعله مطلقًا كهو من جهة المعنى دون اللفظ.
فإن قيل: فهو ﵊ ما قصد بذلك كل من جامع, لأنه لو جامع في سفر وعلى وجه له أن يجامع لم يجب عليه كفارة.
стр. 908
يقال: نحن لم نقل: إن العام لا يجوز أن يخصص بدليل لفظ عموم أو أطلقه صح تخصصه مما يقوم مقامه بمنزلته. كأنه قال المجامع في رمضان في غير سفر وعلى وجه محظور عليه الكفارة, وإذا كان ذلك كذلك سقط هذا السؤال.
فصل: فأما إذا قال الراوي إن رجلاً أفطر في رمضان فحكم النبي ﵊ بالكفارة أو أمره بالكفارة, فإنه لا يجعل بمثابة العموم, وبمنزلة أن يقول من أفطر أو جامع في رمضان فعليه الكفارة أو المفطرون في رمضان عليهم الكفارة, ونحوه من ألفاظ العموم, لأنه يمكن أن يكون قضي عليه وحده بذلك لكونه مصلحة ولغير ذلك. ولأنه يعلم أن النبي ﷺ قضى عليه بذلك لفطر عامدًا أو ناسيًا أو بأكل أو جماع, وقد يختلف حكم الإفطار بحسب اختلاف أجناسه ووجوهه, ولا يمكن أن يقع إفطاره على وجهين يقتضين لما قدمناه, فلم يسع دعوى العموم في ذلك.
فصل: فأما إذا سأل ﵊ عن شيء مخصوص فخرج جوابه على ما تناول ما سئل عنه وغيره. فقد اختلف فيه.
стр. 909
فمن قال بالوقف قال يحتمل البعض ويحتمل الكل, ويجب إيقافه على الدليل.
واختلف القائلون بالعموم, فقال بعضهم, يجب قصره على ما خرج السؤال عليه.
وقال آخرون يجب حمله على العموم, وهذا هو الأصح, الأولى إن ثبت القول بالعموم, لأن الحكم متعلق بلفظ الرسول ﵊ دون ما وقع عنه السؤال, وذلك نحو سؤال السائل له عن ماء البحر أو عن ماء بئر بضاعة فيقول في جواب ذلك "الماء طهور لا ينجسه شيء", لأن هذا جواب قد انتظم بيان ما سئل عنه من الماء وما لم يسأل عنه, وهو مستقل بنفسه, وغير مفتقر إلى ارتباطه بالسؤال او ابتدئ به, لأنه لو قال الماء طهور لا ينجسه لوجب حمله على العموم, وكذلك حكمه إذا صدر على الشيء الحاضر/وقد يظهر الجواب باللفظ العام لمن شاهد الحال ما يوجب قصر العام على السبب الحاضر فيجب قصره عليه, وليس لتلك الأحوال نعت محصور ووصف محدود, وإنما هو بمثابة قول من قيل له تكلم في هذا الباب بشيء أو كلم زيدًا, فقال: والله لا نكلمت, وقد يعلم أحيانًا أنه أراد الحلف على كلام زيد. وفي الباب الذي سئل الكلام فيه دون جميعه, وليس في وجوب قصر ما علم ذلك من حاله على السبب خلاف, وإنما الخلاف فيه إذا لم يعلم
стр. 910
ذلك, ولم يحصل غير مجرد اللفظ العام فإذا كانت الحال كذلك وجب تعليق الحكم بما يقتضيه موضوع الخطاب دون السبب الخاص.
فأما إذا كان الجواب مرتبطًا بالسؤال, ومما لا يصح الابتداء به, ولا يستقل بنفسه, فإنه يجب قصره عليه, وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وجَدتُّم مَّا وعَدَ رَبُّكُمْ حَقًا قَالُوا نَعَمْ﴾ وقوله في جواب السؤال عن بيع التمر بالرطب, وقوله: كلا إذا, لما قيل: إنه ينقص الرطب إذا يبس, وقول من خالف في ذلك أن خروج العام على سؤال وسبب خاص قرينة في قصره قول فاسد لا شبهة له فيه إذا لم يقارن الخطاب ما يوجب قصره على السبب, ولعلنا أن نذكر قدر ما يتعلقون به من بعد.
فصل: فإن قال قائل: أفيجوز أن يسأل ﵊ عن أمر عام فيجيب عنه بجواب خاص, وما هو جواب عن بعضه؟
قيل: أجل, إذا كان الحكم متعلقًا ببعض ما أطلق السؤال عنه؛ وذلك نحو أن يقول له قائل: أيجوز الوضوء بما وقعت فيه النجاسة؟ فيقول: نعم, يجوز ذلك إن لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه. أولم يبلغ قلتين. ونحو أن يقول له سائل: أتجب الكفارة على المفطر في رمضان؟ فيقول: نعم, تجب
стр. 911
عليه إذا أفطر عامدًا, أو إذا أفطر بجماع, ونحو أن يقول السائل: ألي طلاق زوجتي ونكاح المشركات؟ فيقول له: نعم لك طلاقها في طهر لم تمسها فيه, ولك نكاح المشركات إذا كن كتابيات, وأمثال هذا مما يتعلق الحكم فيه ببعض ما أطلق السؤال عنه, ولا خلاف في قصر الجواب في هذا على ما قيده به ﵊.
فصل: فإن قيل: أفيجوز أن يسأل ﵊ عن شيء فلا يجيب السائل عنه؟
قيل له: يجوز ذلك إن كان قد قدم إليه جوابه, اللهم إلا أن يظهر سهو السائل عن الجواب ونسيانه له, وتحضر حاجته إليه, فيلزمه الجواب, أو كان بحضرته من قد بين له ذلك فأجاب عنه بما قاله فيه, فسقط عنه فرض تكرار البيان للسائل, وقد يجوز أن ينبهه ويكله إلى ما تقدم من بيانه, نحو قوله لعمر: تكفيك الآية التي نزلت في الصيف".
فأما إذا لم يتقدم من بيان, ولم يكن بحضرته من ينوب عنه في الجواب, والحاجة حاضرة إلى بيانه, فلا بد من الجواب, لأنه ﵊ منصوب لذلك.
стр. 912
فصل: فإن قيل: أفيجوز أن يسأل عن شيء فيجب بذكر غيره ويخفي, فيحتاج إلى تأمل, وتنبيه على جواب ما سئل عنه؟
قيل: أجل, إذا كان سائله عالمًا مجتهدًا, ولذلك قال لعمر حيث سأله عن القبلة للصائم "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته هل كان عليك من جناح؟ فقال: لا, فقال: ففيم إذًا؟ فنبه على حكم القبلة بحكم المضمضة, وقوله ﵇ للخثعمية". أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أينفعه ذلك, قالت: نعم, قال: فدين الله أولى.
стр. 913
وإن كان هذا أوضح من جوابه لعمر ومرتب من النص على أن الحج نافعه, ومتى لم يكن السائل بهذه الرتبة وجب الإيضاح له.
стр. 914
باب
فيما يمتنع دعوى الخصوص فيه من ألفاظ العموم
عند مثبتيه, وما يصح ذلك فيه
اعلموا - وفقكم الله - أنه إنما يمكن دعوى الخصوص في اللفظ العام وقيام دلالة على تخصصه إذا صدر ممن ليس بمشاهد ومن لا يعرف قصده اضطرارًا, لأنه إذا لم يعلم مراده بالخطاب, وكان اللفظ العام معرضًا أن يراد به الخصوص, وغير ممتنع تخصصه بدليل, وجواز أن يكون مرادًا به الخصوص, وأن يكون قد نصب على تخصصه دليلًا إن لم يكن ممن يعمي مراده ويقصد إلى إخفائه وجب لذلك أن يتأمل الأدلة, فإن وجد ما يخصه عمل بذلك, وإن فقد حمل على عمومه بحق موضوعه, وهذه حال جميع الصيغ العامة الواردة في كتاب الله , لأنه غير معروف الذات ضرورة, ولا ممن يعلم مراده ضرورة, فكل عام ورد من قبله تعالى فإنه معرض لأن يراد به ما وضع له, ولأن يراد به البعض, فإن نصب على تخصصه دليل صير إليه, وإلا حمل على عمومه بحق الموضوع.
وهذه - أيضًا - حال خطاب الرسول ﵊ الوارد على من لم يتلق الخطاب عنه, ولم يشاهد ذاته, ويضطر إلى مراده في تجويزه كون خطابه عامًا على أصل موضوعه, وكونه خاصًا بدليل يقتضي ذلك, وذلك
стр. 915
مما لا خلاف فيه, وإذا وقف جبريل ﵇ للرسول ﷺ على أن مراده تعالى بالخطاب العام ما وضع له في اللسان علم النبي ﵊ مراد جبريل ضرورة.
واستدل بتوقيفه ومعرفة مراده على أن مراد الله جل ذكره ما وقفه عليه لامتناع الكذب عليه ما وقفه عليه لامتناع الكذب عليه في البلاغ عن الله , فأما خطابه الرسول ﵊, وكل مشاهد الذات ومن لا يصح العلم بقصده ضرورة أحيانًا فإنه إنما يسوغ جواز دخول التخصص في خطابه العام إذا لم يضطر إلى أن مراده فيه العموم, لأنه معرض لأن يريد به الخصوص.
وجوزنا أن يريد به ما يفيده في أصل الموضوع بأن كان ممن لا يجوز أن يعمي ويخفي مراده, فلا بد إذا أراد به الخصوص من نصب الدليل على مراده, وإن كان ممن يجوز ذلك في صفته ولم يضطر إلى مراده جوزنا قصده له إلى العموم وإلى الخصوص.
فأما إذا اضطررنا إلى قصد النبي ﵊ وغيره ممن يسمع خطابه ويتلقاه وأنه مريد به العموم لم يصح تجويز كونه خصوصًا, وكذلك إن اضطررنا إلى مراده به الخصوص عند أحوال وأسباب وأمور يخرج الخطاب عليها لم يصح دعوى العموم فيه وحمله على موجبه في اللسان لحصول العلم بقصده.
وإن نقل إلينا لفظه العام ﵇ من لا يعلم ضرورة أو بدليل صدقه عليه فيما نقله, وقال علمت مراده ضرورة وأنه عام أو خاص, وكان ممن يلزمنا العلم بخبره عملنا بذلك عملًا ولم نعلم أن ما أخبر به من معرفة مراده على ما خبر به أم لا؟ لأن خبر الواحد لا يوجب العلم, فإن كان من الآحاد التي قد دلت الأدلة على صدقهم فيما خبر وأنه توقيف من الرسول على
следующие страницы →