← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17883

التقريب والإرشاد (الصغير)

الباقلاني

Полный текст (1 232 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

عليه إذا أفطر عامدًا, أو إذا أفطر بجماع, ونحو أن يقول السائل: ألي طلاق زوجتي ونكاح المشركات؟ فيقول له: نعم لك طلاقها في طهر لم تمسها فيه, ولك نكاح المشركات إذا كن كتابيات, وأمثال هذا مما يتعلق الحكم فيه ببعض ما أطلق السؤال عنه, ولا خلاف في قصر الجواب في هذا على ما قيده به ﵊. فصل: فإن قيل: أفيجوز أن يسأل ﵊ عن شيء فلا يجيب السائل عنه؟ قيل له: يجوز ذلك إن كان قد قدم إليه جوابه, اللهم إلا أن يظهر سهو السائل عن الجواب ونسيانه له, وتحضر حاجته إليه, فيلزمه الجواب, أو كان بحضرته من قد بين له ذلك فأجاب عنه بما قاله فيه, فسقط عنه فرض تكرار البيان للسائل, وقد يجوز أن ينبهه ويكله إلى ما تقدم من بيانه, نحو قوله لعمر: تكفيك الآية التي نزلت في الصيف". فأما إذا لم يتقدم من بيان, ولم يكن بحضرته من ينوب عنه في الجواب, والحاجة حاضرة إلى بيانه, فلا بد من الجواب, لأنه ﵊ منصوب لذلك.

стр. 912

فصل: فإن قيل: أفيجوز أن يسأل عن شيء فيجب بذكر غيره ويخفي, فيحتاج إلى تأمل, وتنبيه على جواب ما سئل عنه؟ قيل: أجل, إذا كان سائله عالمًا مجتهدًا, ولذلك قال لعمر حيث سأله عن القبلة للصائم "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته هل كان عليك من جناح؟ فقال: لا, فقال: ففيم إذًا؟ فنبه على حكم القبلة بحكم المضمضة, وقوله ﵇ للخثعمية". أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أينفعه ذلك, قالت: نعم, قال: فدين الله أولى.

стр. 913

وإن كان هذا أوضح من جوابه لعمر ومرتب من النص على أن الحج نافعه, ومتى لم يكن السائل بهذه الرتبة وجب الإيضاح له.

стр. 914

باب فيما يمتنع دعوى الخصوص فيه من ألفاظ العموم عند مثبتيه, وما يصح ذلك فيه اعلموا - وفقكم الله - أنه إنما يمكن دعوى الخصوص في اللفظ العام وقيام دلالة على تخصصه إذا صدر ممن ليس بمشاهد ومن لا يعرف قصده اضطرارًا, لأنه إذا لم يعلم مراده بالخطاب, وكان اللفظ العام معرضًا أن يراد به الخصوص, وغير ممتنع تخصصه بدليل, وجواز أن يكون مرادًا به الخصوص, وأن يكون قد نصب على تخصصه دليلًا إن لم يكن ممن يعمي مراده ويقصد إلى إخفائه وجب لذلك أن يتأمل الأدلة, فإن وجد ما يخصه عمل بذلك, وإن فقد حمل على عمومه بحق موضوعه, وهذه حال جميع الصيغ العامة الواردة في كتاب الله , لأنه غير معروف الذات ضرورة, ولا ممن يعلم مراده ضرورة, فكل عام ورد من قبله تعالى فإنه معرض لأن يراد به ما وضع له, ولأن يراد به البعض, فإن نصب على تخصصه دليل صير إليه, وإلا حمل على عمومه بحق الموضوع. وهذه - أيضًا - حال خطاب الرسول ﵊ الوارد على من لم يتلق الخطاب عنه, ولم يشاهد ذاته, ويضطر إلى مراده في تجويزه كون خطابه عامًا على أصل موضوعه, وكونه خاصًا بدليل يقتضي ذلك, وذلك

стр. 915

مما لا خلاف فيه, وإذا وقف جبريل ﵇ للرسول ﷺ على أن مراده تعالى بالخطاب العام ما وضع له في اللسان علم النبي ﵊ مراد جبريل ضرورة. واستدل بتوقيفه ومعرفة مراده على أن مراد الله جل ذكره ما وقفه عليه لامتناع الكذب عليه ما وقفه عليه لامتناع الكذب عليه في البلاغ عن الله , فأما خطابه الرسول ﵊, وكل مشاهد الذات ومن لا يصح العلم بقصده ضرورة أحيانًا فإنه إنما يسوغ جواز دخول التخصص في خطابه العام إذا لم يضطر إلى أن مراده فيه العموم, لأنه معرض لأن يريد به الخصوص. وجوزنا أن يريد به ما يفيده في أصل الموضوع بأن كان ممن لا يجوز أن يعمي ويخفي مراده, فلا بد إذا أراد به الخصوص من نصب الدليل على مراده, وإن كان ممن يجوز ذلك في صفته ولم يضطر إلى مراده جوزنا قصده له إلى العموم وإلى الخصوص. فأما إذا اضطررنا إلى قصد النبي ﵊ وغيره ممن يسمع خطابه ويتلقاه وأنه مريد به العموم لم يصح تجويز كونه خصوصًا, وكذلك إن اضطررنا إلى مراده به الخصوص عند أحوال وأسباب وأمور يخرج الخطاب عليها لم يصح دعوى العموم فيه وحمله على موجبه في اللسان لحصول العلم بقصده. وإن نقل إلينا لفظه العام ﵇ من لا يعلم ضرورة أو بدليل صدقه عليه فيما نقله, وقال علمت مراده ضرورة وأنه عام أو خاص, وكان ممن يلزمنا العلم بخبره عملنا بذلك عملًا ولم نعلم أن ما أخبر به من معرفة مراده على ما خبر به أم لا؟ لأن خبر الواحد لا يوجب العلم, فإن كان من الآحاد التي قد دلت الأدلة على صدقهم فيما خبر وأنه توقيف من الرسول على

стр. 916

ذلك, أو إجماع من الأمة على تصديقه, ونحو ذلك علم بنقله مراد النبي ﵊ من جهة الدليل. وإن خبرنا بمعرفة مراده بالخطاب قوم هم أهل تواتر, وممن يعلم صدقهم ضرورة فيما نقلوه مما اضطروا إلى العلم به وجب لنا العلم بقصده ضرورة, وكان سماعنا لإخبارنا عنه بذلك بمثابة سماعنا منه واضطرارنا إلى مراده, وهذه سبيل كل محتمل من الخطاب الوارد في الكتاب والسنة التي لا يعرف مراد النبي ﷺ به ضرورة, فيجب تنزيل ذلك على ما وصفناه. فصل: وعلى هذه الطريقة يجب تنزيل خطاب الأمة وإطلاقها اللفظ العام في صحة قصدها به إلى الخصوص تارة, وإلى ما يفيده موضوعه من العموم أخرى, لأنها مشاهدة ومسموعة القول. فإن اضطررنا إلى قصدهم بالخطاب حملناه على ما عرفناه من قصدها في عموم أو خصوص, وإن خبرنا عنهم بذلك من يعلم صدقه ضرورة أو دليلًا قام ذلك مقام تلقيه الخطاب عنها ومعرفة مراده بغير واسطة, وإن أخبرنا عنها, بمعرفة مرادها من لا يعلم صدقه, ولا كونه جوزنا قصدها إلى كل واحد من الأمرين, ولم يقطع على مراد جميعها بالإطلاق لجواز تجويز البعض منهم بإطلاقه وإخفاء مراده وتعميته, وغير ذلك من الأمور, وحال الأمة في استعمال ما يطلقه حال الرسول ﷺ بالأمر من ذلك واحد, ولهذا يجب تخصص كثير من إطلاقاتها نحو قولهم: الأشياء لله, وكل كائن بقدرة الله, وقد علم أنها لا تريد بذلك نفسه تعالى, وإن كل كائن من قديم وباق فبقدرته.

стр. 917

فإن قيل: وكيف يصح تلقي جميع الأمة حتى يعرف مرادها مع تعذر ذلك وتباعد أوطانهم؟ قيل: يعرف ذلك بلقاء البعض منهم, والخبر عن البعض على ما نبينه من بعد في فصول القول في الإجماع وتتبع ذلك بطوله فهذا مما يجب تنزيله على ما بيناه.

стр. 918

باب ذكر ما يصح التعلق به من ألفاظ العموم للخصوص وما لا يصح ذلك فيه اعلموا - وفقكم الله - أن تخصص العام يكون على وجهين: أحدهما: أن يكون مخصصًا فيه لأمر معين معلوم, إما بلفظ ينبئ عن ذلك من ألفاظ الاستثناء وغيرها, أو دليل منفصل يكشف عن ذلك ويعينه, وما هذه حالة من المخصوص يصح التعلق به والعلم بالمراد به بعد المخصوص. والوجه الآخر: أن يكون تخصصًا لشيء منه غير معين ولا معلوم, وما هذه حالة لا يصح التعلق به فيما بقي. وصورة المبين من ذلك أن يقول مثلًا اقتلوا المشركين إلا أبا جهل وإلا زيدًا وإلا أهل الكتاب, وما جرى مجرى ذلك. وصورة المجمل الذي ليس بمبين أن يقول اقتلوا المشركين إلا رجلًا منهم مخصوص على صفات مخصوصة, وإلا نفرًا منهم من شلة في أهل نسب

стр. 919

مخصوص. أو يقول: اقتلوا المشركين المستحقين للقتل منهم أو لأمم لا تستحق القتل منهم, ونحو هذا فإن هذا استثناء لأمر مجمل يجعل الخطاب مجملًا, لأننا لا نعرف من الذي استثناه وصفاته, ولا من الذي يستحق القتل منهم ممن لا يستحقه. ولعل من يدخله تحت الخطاب هم الذي أريدوا بالاستثناء أو بعضهم, وكذلك لو قال صلوا في أوقات الليل والنهار إلا وقتًا مخصوصًا, واقطعوا السراق إلا سراقًا على صفات, وذكوا الرقة والحيوان والحبوب إلا حيوانًا ورقة وحيوانًا على أوصاف وأحكام مخصوصة لصارت هذه الاستثناءات وما جرى مجراها مجملة اللفظ العام, وهذا ما لا يعرف فيه خلافًا. وصورة ما يعنيه الدليل المنفصل, نحو ما خص من العموم بدليل العقل, نحو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وما خص من أحكام الشرع معينًا بإجماع وقياس وخبر واحد, وما جرى مجرى ذلك, وقد بينا فيما سلف أنه إن خص منه شيء معين فاستثناء متصل به وما يقوم مقامه كان الاسم حقيقة فيما بقي ولم يكن مجازًا. وإن خص بمنفصل من الأدلة كان مجازًا, وأنه يصح الاستدلال بما بقي وإن كان كذلك بما يغني عن إعادته, فلا وجه إذًا لقول من قال إنه إذا خص صار مجازًا, ولذلك لم يصح الاستدلال به. وهذا الاستدلال الذي ليس بمبين للمجمل من الخطاب لا يجوز استعماله إلا في أمر واجب على التراخي على قول من أجاز تأخير بيان العام, وهو الصحيح إن ثبت القول بالعموم, ولا يجوز عند منه ذلك ورود مثل هذا الاستثناء في الأمر إذا كان على الفور.

стр. 920

باب الكلام على من زعم أنه يجب التوقف فيما خص واستثنى منه إذا وجب طلب شرائط وأوصاف للمستثنى منه لا ينبئ الإطلاق عنها زعم بعض المتأخرين من متكلمي القدرية إنه إذا كان التخصص يوجب ضم أوصاف إلى العين والفعل والاسم الذي علقت به العبادة جعل المخصوص منه مجملًا لا يصح التعلق به, ولا يعلم المراد منه بظاهره, وإن لم يجوب ذلك صح التعلق به. قال: والذي لا يوجب ذلك نحو التخصص بالاستثناء وما جرى مجراه لبعض ما وقع عليه مجرد الاسم فقط من غير تعليقه بشرط ووصف وشيء سواه, وذلك - زعم - نحو قوله: اقتلوا المشركين إلا زيدًا, أو اقطعوا السراق إلا عمرًا, وفيما سقت السماء العشر إلا البر, وفي الماشية زكاة إلا الخيل, ونحو هذا. قال: وإذا كان الاستثناء لذلك عرف من أريد بالخطاب ممن خرج منه, لأنه لا شيء آخر يضام الاسم أو الفعل يتعلق به الحكم. قال: وأما التخصص الذي يخرج المخصوص إلى أوصاف وشروط تزيد على العين والفعل والاسم المتعلق الحكم به بمثل قوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فإنه إذا خص منه سارق التمر والكير وأقل من ربع دينار والسارق من غير حرز أوجب ذلك أن يكون قوله ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ مرادًا به سارق ربع دينار فصاعدًا من حرز, إلى غير ذلك من الشروط بأن يكون بالغًا وعاقلًا.

стр. 921

قال: وظاهر اسم سارق لا ينبئ عن ذلك فكأنه قد بين بذلك إنه لم يعلق الحكم على الاسم فقط وفعل السرقة حسب, وإنما أراد سرقًا وسارقًا على صفات مخصوصة لا ينبئ الاسم عنها فيصير المستثنى منه كذلك مجملًا لا يصح التعلق به, وصار بمثابة أن يذكر شيئًا ويريد غيره وخلاف ما ينبئ الكلام عنه, وبمنزلة قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ و ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ و "إلا بحقها" وأمثاله من المجمل. وهذا الذي قاله - وفقكم الله - باطل من وجوه: أقربها: إن الاسم يلقح من بقي تحته ومن أخرج منه, فإذا أخرج بعض من أجري عليه لكونه على صفات مخصوصة, وجب تنفيذ الحكم فيما بقي, والعلم بأنه مراد لجريان الاسم عليه, وإنما كان يجب ما قاله لو كان ما بقي بعد الاستثناء لا يلحقه الاسم, وهذا باطل باتفاق, وإنما لا ينبئ إطلاق الاسم عن إخراج منه بالصفات المخصوصة, لأن اللفظ لا ينبئ عن إخراجه, وإنما يخرجه الاستثناء والدليل. ولذلك لو قال: اعتق رقبة لوجب تنفيذ ذلك في المؤمنة والكافرة والصغيرة والكبيرة والصحيحة والسقيمة لتناول الاسم لجميعهم, فلو قال: ولا تكون كافرة ولا سقيمة لم يجب الوقف في باقي من يقع عليه, بل إنما يعلم بالاستثناء والدليل من لم يرد بالخطاب, وفي ذلك يحتاج إلى دليل, فأما من بقي تحته فمعلوم ثبوت الحكم فيهم نحو تناول الاسم لهم. فأما تمثيلهم اللفظ العام بعد الاستثناء منه بالمجمل ففي نهاية التخليط والبعد, وذلك أن اسم الجزية وذكر الحق لا ينبئ عن قدر الحق والجزية.

стр. 922

وما هي باتفاق وإن أنبأ عن أن الحق فيها أمر يجب فيه, وأن الجزية إتاوة ومذلة فوجب كون ذلك مجملًا. وقوله: اعتق رقبة واقطع السارق والسارقة لقطع عام يعلم المراد به لو تجرد عن دلائل الخصوص, فإذا خرج البعض باستثناء غيره خرج مالًا ينبئ الخطاب عن خروجه, وإنما ينبئ الدليل. فأما ما لم يخرجه فهو بحاله في جريان الاسم عليه, وهذا واضح, فبطل ما قاله. فصل: فإن قيل: أفتعرفون من الإطلاقات ما إذا قيد بصفة وبين المراد به منع من التعلق بالإطلاق. قيل: أجل, وهو أن يطلق الاسم الذي له حقيقة ويريد به ما هو مجاز فيه, فلا يصح إذا بين ذلك التعلق بإطلاقه, وليس هذا من باب لفظ العموم إذا خص منه بشيء بسبيل. ومن أوضح ما يدل على فساد قول هذا القائل ما قدمناه من إجماع الصحابة على الاستدلال بسائر ألفاظ العموم وإن كانت مخصوصة, وليس فيها عموم في حكم ليس بمخصوص, وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه. ومما يدل بطلان قوله - أيضًا - إنه قول يوجب على موضوع قائله امتناع استدلال كل أحد من الناس بشيء من ألفاظ العموم الواردة من الكتاب والسنة في الأحكام الشرعية, وفيما ورد في الأحكام في أصول الدين من الوعد والوعيد, لأن جميع الأحكام المعلقة بقوله "اقتلوا المشركين" "واقطعوا السراق" "واجلدوا الزناة" "وفي الرقة ربع العشر"، " وفي

стр. 923

خمس من الإبل شاة" ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، وأمثال ذلك مخصوص وكله ومراد به أهل صفات مخصوصة لا ينبئ الاسم عنهم, ومال وماشية يحول عليها الحول مع البلوغ والحرية وتمام النصاب وغير ذلك من الشروط وكذلك القول في جميع أي المواريث, لأنه مراد به بأن لا يحجب عن الميراث ولا يكون عليه دين, ولا تختلف الملتان, ولا يكون عبدًا ولا قاتلًا إلى غير ذلك من شروط التوارث, وهذه حال جميع العمومات الواردة في الأحكام. فصل: ويجب - أيضًا - أن لا يصح لهذا القدري ولا لغيره من أهل دينه في الوعد والوعيد أن يتعلق بعموم وارد في وعد أو وعيد لأجل أن الحكم بالثواب والعقاب على أهل المعاصي والطاعات لا تتعلق باتفاق على من يلحقه مجرد اسم مؤمن وطائع ومحسن وعاص ومشرك وكافر وقاتل وآكل ربا

стр. 924

ومال يتيم. وكل من يلحقه الاسم في وعد أو وعيد, لأنه إنما توعد على الكفر وسائر المعاصي بشرط الإصرار وإن لم يتب, وإن لم يجتنب الكبائر مع مواقعة الصغير وإن لم يكن معه من الطاعات وما يحيط معاصيه ووعد على الإيمان والطاعة إن لم يبدله ولم يحبط طاعته ولم يكن معه كبير يوازيه, فإن مر على ذلك ظهر خلافه لجميع موافقيه على بدعته ومخالفيه وإن رام فصلًا لم يجده.

стр. 925

باب الكلام على من زعم أن العموم إذا خص وجب حمله على أقل الجمع اختلف الناس في هذا على أربع أقاويل فقال قوم: إنه لا يصح التعلق به بأي دليل خص, وقد تكلمنا عليهم فيما سلف. وقال أهل الوقف: إنه لفظ يصلح لاستغراق الجنس ولكل جمع دونه على الحقيقة فإذا علم أنه لم يرد به استغراق الجنس وجب الوقف فيه. وجوز أن يراد به أقل الجمع وما فوقه من الجموع, وهذا صحيح مطرد مع القول بالوقف. واختلف القائلون بالعموم, وأنه يصح التعلق بالمخصوص بعد قيام الدليل على تخصصه على قولين

стр. 926

فقال الجمهور منهم: إنه دال على أن المراد به جميع من يجري عليه الاسم بعدما خص. وذكر عن فريق منهم: إنه يجب حمله على أقل الجمع. والصحيح مع القول بالعموم حمله على جميع ما بقي بعد المخصوص منه, وقد دللنا على ذلك من قبل. والعمدة فيه أن إطلاق الاسم موضوع لإفادة جميع من يجري عليه الاسم على الاستيعاب والاشتراك, فإذا خرج منه البعض بدليل بقي اللفظ متناولًا لما كان متناولًا له, لأجل أنه كان مفيدًا له ولما فوقه مما أخرجه الدليل فلما منع دليل التخصص دخول ما خص منه بقي اللفظ جار على ما كان متناولًا له من ذلك. يبين هذا ويوضحه إنه إذا كان القول ألف ومائة وعشرة أسماء مفيدة لكمال قدر من العدد وجب إذا خص منه شيء باستثناء وما يقوم مقامه من دلائل التخصص أن يبقى الاسم متناولًا لجميع باقي الجملة, فإذا قال ألف إلا خمسين ومائة إلا واحدًا, أو عشرة إلا واحدًا, لم يجب حمل الاسم على أقل الجمع الواحد في تلك الجملة, بل يجب حمله على جميع الباقي بعد المستثنى والمخصوص, فكذلك سبيل لفظ العموم الموضوع لإفادة جميع الجنس ومن يلحقه الاسم في وجوب قوله على كل ما بقي بعد المخصوص, وهذا واضح لا إشكال فيه. فصل: وقد اعتل الحاملون له على أقل الجمع بأن قالوا: إنه لفظ يصلح لأقل الجمع وهو الثلاثة ويصح حقيقة, ويصلح لكل ما زاد عليه من الجموع ولاستغراق الجنس, فإذا خص منه البعض وجب حمله على اليقين الذي هو الثلاثة, لأنه لا دليل يوجب حمله على ما زاد عليها.

стр. 927

وهذا اعتلال باطل على أصولهم, لأنهم وجميع أصحاب العموم يقولون إنه لفظ موضوع لإفادة جميع الجنس وبمثابة اسم العشرة والمائة اسم كل جملة من الأعداد, ولا يجوز أن يكون إطلاقه صالحًا للثلاثة ولا لما زاد عليها مما يقصر عن استغراق الجنس, وإنما يعتل بما ذكروه أهل الوقف المنكرون للعموم, وإذا كان ذلك كذلك وجب حمله بعد المخصوص على جميع ما بقي مما كان يفيده وما خرج منه مخرج الخصوص بدليل وبقي اللفظ جار على جميع ما كان متناولًا له من قبل.

стр. 928

باب الكلام في حقيقة الاستثناء وأحكامه وأقسامه إن قال قائل: ما حقيقة الاستثناء قيل له: حقيقته "إنه كلام ذو صيغ مخصوصة محصورة, دال على أن المذكور فيه لم يرد بالقول الأول" وكل استثناء فهذه حاله, وكل ما هذه حاله فإنه استثناء. فإن قيل: هذا منتقض بجميع أدلة التخصص المنفصلة التي ليس باستثناء, لأنها دالة على أنه لم يرد ما أخرجته بالكلام. قيل له: هذا باطل لأننا قلنا حده إنه قول وكلام ذو صيغ محصورة, دال على أن ما ذكر فيه لم يرد بالكلام الأول, والأدلة المنفصلة التي سألت عنها ليس بقول, فزال ما قلته.

стр. 929

فإن قيل: فهو منتقض بالقول المتصل بلفظ العموم وغيره الذي ليس بصورة الاستثناء نحو قولهم: رأيت المؤمنين ولم أر زيدًا, وما رأيت عمرًا وخالدًا لم أره, ونحو ذلك. قيل: هذا - أيضًا - باطل, لأننا قلنا: قول ذو صيغ مخصوصة ونحن نعني بذلك قولهم رأيت الناس إلا زيدًا وغير عمر وسوى عمرو, ونحو ذلك, فبطل ما سألت عنه. فإن قيل: ما أنكرتم أن تكون حقيقة الاستثناء "إنه القول المخرج من الخطاب ما كان داخلًا" أو ما هو داخل فيه وأن يكون مأخوذًا من قولهم ثنيت زيدًا عن رأيه وثنيت العود, وقد أثنيته عما كتب عليه, وزيد مثنى عن رأيه ومثنى في مشيه, وإنما يعنون بذلك رد زيد عن رأي كان عليه, ورد العود عن عوجه. يقال له: ما قلته باطل, وإن كان الاستثناء إنما أخذ له الاسم من المعنى الذي ذكرته للعلم بأن أهل اللغة متفقون على أنه قد يخرج من لفظ العموم أشياء بقول ليس باستثناء عندهم ولا موصوف بذلك, نحو قولهم: اضرب العبيد ونافع لا تضربه, وأمثال ذلك, فإن أردت أن ما هذه حالة من القول بمعنى الاستثناء وإن لم يوصف في اللغة بذلك, فذلك صحيح, وإن أردت وجوب تسميته استثناء, فذلك فاسد, وخلاف على أهل اللغة, وقد بينا أن اللغة لا توجد قياسًا, وأنهم قد يسمون الشيء باسم لمعنى فيه, وإن لم يسموا به كل ما فيه ذلك المعنى إذا خصوا به قبيلًا دون قبيل, فبطل ما قلته. وقول المعرف بأن الاستثناء ما أخرج ما هو داخل فيه, أو ما كان داخلًا فيه خطأ, لأنه يصير نسخًا وتبديلًا للحكم بعد ثبوته, وذلك فاسد, فوجب أنه المخرج من الخطاب ما كان يصح دخوله فيه, على ما قلناه من قبل.

стр. 930

باب القول في وجوب اتصال الاستثناء بالمستثنى منه وإحالة تأخره عنه قد اتفق الدهماء من أهل اللغة والمعاني من المتكلمين والفقهاء على وجوب اتصال الاستثناء بالمستثنى منه ومنع تأخره عنه, وقد حكي عن عبد الله بن عباس رضوان الله عليه أنه كان يجوز تأخيره عنه, ويجب تأول ما روي عنه من ذلك على وجه يوافق ما عليه أهل اللغة مع أن الرواية عنه لم تقم بها حجة واتفق كل من أحال تأخير البيان على إحالة تأخير الاستثناء عن المستثنى عنه, لقولهم بإحالة تأخير البيان, لأنه أحد البيانين, فلو جاز تأخيره لكان تأخير ما ليس باستثناء من القول, والأدلة المنفصلة أحرى وأقرب, فهذا واجب على أوضاعهم. فأما الذي يدل على إحالة ذلك مع القول بصحة تأخير البيان فهو علمنا

стр. 931

بأن أهل اللغة لا يستعملون الاستثناء في الكلام إلا متصلًا به ومتقدمًا عليه في كلام يكون معه جملة واحدة على ما نبينه من بعد, وأنهم يستقبحون تأخيره عنه ولا يجعلوه مفيدًا, لأن القائل إذا قال: رأيت الناس, ثم قال بعد شهر أو حول إلا زيدًا وغير زيد وسوى زيد لم يفد بقوله إلا وغير وسوى إذا أورده منفصلًا منقطعًا متأخرًا عن الكلام, وما ليس بمفيد من الكلام شيئًا مطرحًا عندهم. ويدل على ذلك ويبينه اتفاق أهل اللغة على إجرائهم الاستثناء من الكلام مجرى الشرط فيه والتقييد له ومجرى الابتداء والخبر, وقولهم إن ذلك أجمع إذا بتر من الكلام وأخر لم يكن مفيدًا, لأن القائل إذا قال: اضرب زيدًا, ثم قال بعد شهر أو يوم أو حول إذا قام أو إن قام, أو إذا كان قائمًا أو راكبًا لم يكن ذلك مفيدًا شيئًا, وقبح استعماله, وكذلك لو قال أعتق رقبة أو صم شهرين أو أطعم فقيرًا, قال بعد حول مؤمنة ومتتابعين ومسلمًا لم يكن ذلك تقييدًا للكلام ولا مفيدًا, ولا حالًا محل قولهم اعتق رقبة مؤمنة, وصم شهرين متتابعين وأطعم فقيرًا مسلمًا, وكذلك لو قال قائل زيد, ثم قال بعد شهرين, منطلق أو قائم أو قام وانطلق لم يكن ذلك مفيدًا ولا خبر مبتدأ ولو جعل ذلك متصلًا لكان حسنًا مفيدًا, وثبت بذلك ما قلناه. فصل: فإن قيل: فكيف خفي ما قلتموه على ابن عباس مع علمه وفصله وكون اللغة له طبعًا. قيل له: عن هذا جوابان: أحدهما: إن الرواية عنه غير معلومة, ولعلها أن تكون متوهمة عليه أو موضوعة له.

стр. 932

والجواب الآخر: إنها إن صحت عنه حملت على تأويل يوافق طريقة اللغة, فيمكن أن يكون أراد بالقول بجواز ذلك القول, بأنه يجوز أن يضمر المتكلم الاستثناء في نفسه عقيب كلامه ويخبر بعد مدة عن إضماره لذلك, فأجل الخبر عن الاستثناء المضمر المتصل بالكلام محل الاستثناء, وهذا قريب غير بعيد. فإن قيل: فما وجه إحالة الخبر عن الاستثناء وإن تأخر محل الاستثناء المضمر المتصل بالكلام؟ قيل: وجه ذلك أن الاستثناء لو أظهره المستثنى متصلًا بكلامه لأفاد التخصص, وكون المستثنى عير مراد بالقول, فكذلك الخبر عنه, وإن تأخر يفيد أن بناء الخبر خبر عن إضمار استثناء وقت تكلم غير داخل في كلامه ولا مراد به, فهذا وجه يصح حمل كلامه عليه, ولو صح عنه التصميم على صحة تأخير الاستثناء وفصله من الكلام لكان ذلك خلافًا منه على أهل اللغة وبمنزلة أن يقول بجواز تأخير التقييد والشرط والخبر عن الكلام والابتداء, ولا خلاف في إحالة ذلك, فثبت ما قلناه. فصل: وقد حكي أن قومًا أجازوا تأخر الاستثناء عن المستثنى منه بأن يوردوه موجودًا معه كلام يدل به على أنه استثناء مما تقدم, وذلك نحو أن

стр. 933

يقول إلا زيدًا, وهذا الكلام استثناء من قوله: رأيت الناس إلا زيدًا. وهذا أيضًا باطل من وجهين: أحدهما: إنه لو جاز ذلك لجاز ادعاء مثله في جواز تأخير خبر الابتداء والتقييد والشرط, وأن يقول قائل بعد حول من قوله زيد قام, ويقول أريد بقولي قام زيد الذي ذكرته منذ حول, ويصح مثل ذلك في التقييد والشرط, وفي الاتفاق على فساد ذلك وقبح استعماله دليل على بطلان ما قالوه. والوجه الآخر: إنه لا معنى ولا وجه يجوز تأخير قوله إلا زيدًا معنى قوله أردت بقولي إلا زيدًا الاستثناء من قولي رأيت الناس, لأنه لو قال بعد دخول زيد هذا لا تضربه أو لم أرده بالقول لأفاد ذلك أنه أراد بالإطلاق المتقدم من عدا من ذكره فما حاجته مع ذلك إلى قوله إلا زيدًا وأردت به الاستثناء, وهل ذلك عند أهل اللغة إلا لكنه وفحم وإطالة بما لا معنى له يقصد إليه, والكلام الذي تبين به أن مراده الاستثناء مقيدًا لما يقصده هذا غير معروف ولا مستعمل في اللسان, فبطل ما قالوه. فصل: وقد اعتمد المخالفون في ذلك على أنه لما جاز تأخير البيان, وجميع أدلة التخصص في إخراجه من الكلام ما لولاه لكان داخلًا فيه. فيقال لهم: لم قلتم ذلك؟ وما دليلكم عليه واللغة قد فرقت بين ذلك؟ ثم يقال لهم: قد بينا فيما سلف أن تأخير القول إلا زيدًا أو سوى زيد يخرجه عن أن يكون مفيدًا أصلًا, فضلًا عن أن يكون استثناء يوصف بذلك وتأخير الأدلة المنفصلة من الأقوال وغيرها من أدلة العقول والقياس أن يكون فيها ما

стр. 934

يجوز تأخير نصبه عن الكلام لا يخرجها عن أن تكون مفيدة ومؤذنة بخروج ما أخرجته من الكلام, وإذا كان ذلك كذاك بطل جمعكم بين الأمرين. ويقال لهم - أيضًا - إن وجب إلحاق الاستثناء بأدلة التخصص فيما قلتم لأجل ما وصفتم لصح تأخير الشرط والتقييد وخبر الابتداء عن الكلام قياسًا على جواز تأخير أدلة التخصص. وكما بطل ذلك سقط ما اعتللتم به.

стр. 935

باب القول في جواز تقدم للاستثناء على المستثنى منه فإن قيل: قد قلتم في صدر هذا الباب بصحة تقدم الاستثناء على المستثنى منه إذا كان معنى كلام يكون معه جملة واحدة, وأن العرب قد استعملت ذلك فأخبرونا ما صورته؟ قيل له: المتقدم من الاستثناء على ضربين: فضرب منه متقدم متبتر منقطع مقطوع غير مفيد, وهو إذا كان ذلك كذلك بمثابة المتأخر المنقطع الذي وصفناه وخبرنا أنه لا يفيد, فصورته أن يقول "ما مررت إلا" ويقطع الكلام, ثم يقول بعد يوم لرجل أباك وأخاك "أحد" وهذا لا يفيد ولا يعقل أباك بأحد معنى ما, وذلك فاسد غير مستعمل. فأما صورة المتقدم المفيد فنحو ذلك ما جاءني إلا أخاك أحد, وقولك: ما مررت إلا أباك بأحد, وقد تكلمت العرب بذلك نثرًا ونظمًا, ومنه قول كعب بن مالك رحمة الله عليه.

стр. 936

والناس ألب علينا فيك ليس لنا إلا السيوف وأطراف القانوزر فقد قوله إلا السيوف وأطراف القنا, وجعله بمثابة قوله ليس لنا وزر إلا السيوف وأطراف القنا. وقال الكميت: فمالي إلا آل أحمد شيعة ومالي إلا مشعب الحق مشعب فنصبًا جميعًا بالاستثناء ما هو في موضع النصب والخفض, لأنه مما تكلمت به العرب على هذا الوجه, وقد قال أهل العربية إن الاستثناء إذا تقدم نصب أبدًا المستثنى منه تقول: ما جاءني إلا أباك أحد, وما مررت إلا أباك بأحد, واستشهدوا بهذين البيتين, فيجب ترتيب الأمر في تقديمه ومنع تأخيره على ما وصفناه.

стр. 937

باب الكلام في أقسام الاستثناء وضروبه والاستثناء على ضربين: فمنه استثناء من الجنس أو بعض جملة داخلة تحت الاسم, والاستثناء من غير جنس. وصورة الاستثناء من الجنس, نحو قولك رأيت الناس إلا زيدًا, وضربت العبيد إلا نافعًا, وأمثال ذلك. واستثناء بعض ما دخل تحت الجملة التي يتناولها الاسم, نحو القول رأيت زيدًا إلا وجهة وإلا يده ورأسه, ورأيت الدار إلا بابها, وأمثال ذلك, ولا يجب أن يقال في مثل هذا إنه استثناء من الجنس, ولكن يقال استثناء بعض ما اشتمله الاسم, لأنهم لا يطلقون على المستثنى أنه من الجنس إلا إذا كان واحدًا أو أحادًا من جملة كل شيء منها يستحق إذا انفرد اسم واحد مفرد غير معين ولا مضاف ومتعلق بجملة, نحو قولك إنسان وفرس وعبد وثوب, ونحو ذلك, وليس هذه حال استثناء كل بعض لجملة إذا كان مما لا يقع عليه الاسم منفردًا, لأنك إذا قلت له على عشرة إلا درهم, وعندي مائة ثوب إلا ثوب فهو استثناء من جملة, غير أنها آحاد يقع على كل واحد منها اسم درهم وثوب إذا انفرد فهو بمثابة المستثنى من ألفاظ الجموع المطلقة المدعاة للعموم فيجب تنزيل أبعام الجمل على ما قلناه.

стр. 938

والقائلون بالعموم يقولون في جميع هذه الاستثناءات أنها تخرج من المستثنى ما لولاه لكان داخلًا في الخطاب. ومن أهل الوقف من يقول هي كلها تخرج من الخطاب ما كان يصح ويجوز دخوله فيه, وهذا قول من يزعم أن القول استثناء وبابه يقع على التام والناقص, وأنه لم يوضع لكمال الجملة والعدد. وفريق منهم يقول: بل الاستثناء من ألفاظ الجموع المطلقة هي التي تخرج ما كان يصح دخوله في الخطاب, فأما استثناء يد زيد من الجملة, والبيت من القصيدة والباب من الدار والواحد من العشرة والخمسين من الألف, وأنه استثناء لما يجب دخوله تحت اللفظ لولا الاستثناء, وهذا قول من يقول إن أسماء الجمل موضوعة لإفادة كمالها, فسواء كانت جملة أعداد أو جملة نخلة ودار وإنسان, وأمثال ذلك, وفي هذا نظر قد ذكرناه في غير هذا الكتاب. والضرب الثاني من الاستثناء يخرج من الخطاب من يجري عليه الاسم, وليس بمخرج من الخطاب من دخل فيه, ولا من يصح دخوله, ولا مما قصده المتكلم قط بكلامه وإن كان الاسم واقعًا عليه, وذلك نحو قولك من دخل داري أكرمته إلا اللصوص وأهل الغارة, ومن لقيته أكرمته إلا قاتل ولدي والمستخف بحقي والقاصد لقتلي وأمثال ذلك, وهذا ونحوه مما يعلم بالعرف وشاهد الحال ويقع اضطرارًا أنه مما لم يدخله المتكلم قط في كلامه ولا قصده, ولا يصح أن يقصد إكرام قاصد قتله وسبي ذريته, هذا محال وإن كان الاسم واقعًا عليه. ومن الاستثناء ما هو عند أهل اللسان استثناء من غير الجنس, ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ وليس هو من الملائكة لقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا

стр. 939

كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ وأمثال هذا مما قاله إنه استثناء من غير الجنس, ويجب عندنا أن لا يقال في هذا الاستثناء وأمثاله إنه تخصص للكلام, لأن ما يتناوله الاستثناء ليس مما يقع عليه الاسم بحال, فكيف يكون تخصصًا له, والتخصص إخراج بعض ما يتناوله الاسم. وقد زعم قوم من الناس أن قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ إنما استثناه من جهة المعنى من حيث دخل مع الملائكة في الأمر بالسجود, وإنه كان من الجن. وقال آخرون: بل إنما قال ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ على وجه التشبيه لفعله بفعل الجن لامتناعه من السجود وجميع التأويلين يجوزان من المتأول, ولا وجه لصرف الكلام عن الحقيقة إلى المجاز. فأما قوله إلا خطأ, وإلا رب العالمين فلا شبهة في أنه استثناء لما لم يدخل تحت الاسم في حقيقة ولا مجاز, وإنما استحال أن يكون قوله إلا خطأ استثناء من الجنس, لأنه محال قول القائل إن المؤمن قتل المؤمن خطأ, وليس له ذلك, لأنه قول يوجب تصحيح الأمر والنهي مما وقع خطأ غير مقصود, وقد بينا أن ذلك مما لا يدخل تحت التكليف, وكون الله سبحانه عدوًا لأنبيائه وأوليائه باطل باتفاق, فثبت ما قلناه. وكذلك حكم قوله تعالى: ﴿لَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ لأن أكله بالتجارة ليس بأكل بالباطل, وكذلك قوله: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ فهو معنى قوله رب العالمين ليس بعدو لي, "ولكن كلوها بالتجارة".

стр. 940

ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ وليس ابتغاء الثواب في مجازاة الإنعام بسبيل. ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا﴾ ورحمة الله ليست بصريخ لهم, وإن كانت قبة على الصريخ ومنحة لهم, فصارت بمعنى الصريخ. ومنه قوله تعالى: ﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ والظن ليس من جنس العلم, ولا مما يقع عليه اسم علم, ولكنه عند الظان بصورة العلم. ومنه قوله تعالى: ﴿أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً﴾ والإشارة ليست من الكلام, وإن قامت مقامه, ودلت عليه وتتبع هذا كثير, والعرب تقول ما في الدار رجل إلا امرأة, وماله ابن إلا ابنه وما رأيت أحدًا إلا الثور, قال النابغة: وقفت بها أصيلالًا أسائلها أعيت جوابًا وما بالربع من أحد إلا أواري لأيامًا أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد

стр. 941

والأواري ليست بأحد, وقال آخر: وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس والحمير والعيس ليست من الإنس في شيء, وقد قيل إن الشاعر أراد بقوله ليس بها أنيس مأنوس بالبصر إلا اليعافير وإلا العيس وليس الغرض الكلام في تحقيق ما أراده وجعل أنيس موضع مأنوس بالبصر يحتاج إلى دليل وإطلاق الاسم لا يقتضي مأنوسًا. وقال آخر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وليس ذلك من العيب في شيء فصل: وقد اختلفت عبارات الناس عن هذا الاستثناء. فقال قوم: ليس باستثناء على الحقيقة, وإنما يوصف بذلك مجازًا. وهذا مما لا حجة لهم عليه لتوقيف أهل اللغة لنا على أنه استثناء ومسمى بذلك, فدعوى المجاز تحتاج إلى دليل. ومنهم من قال: لا اسميه استثناء في حقيقة ولا مجاز, وهذا خلاف على نص أهل اللغة.

стр. 942

ومنهم من قال: اسميه استثناء منقطعًا من الكلام. ومنهم من يقول هو بمعنى كلام مبتدأ مستأنف, وهو قوله لكن كلوها عن تجارة, ولكن بهن فلول من قراع الكتائب, ولا طائل في النزاع في العبارات والأسماء والألفاظ بعد أن بينا أنه استثناء لما ليس من الجنس.

стр. 943

باب جواز استثناء الأكثر مما تقدم ذكره ووصف الخلاف في ذلك اختلف الناس في هذا الباب: فقال أكثر المتكلمين والفقهاء بجواز ذلك وأنه لغة للعرب وموجود في كلامها. وأنكر آخرون, وقالوا إن ذلك لا يجوز, وكأنه الأشبه والأولى عندنا وإن كنا قد نصرنا في غير هذا الموضع جوازه. والذي نعتمده في منع ذلك استقباح أهل اللغة لاستثناء الأكثر مما دخل تحت الاسم, لأنهم يختلفون في استهجان قول القائل: رأيت ألف رجل إلا

стр. 944

تسعمائة وتسعة وتسعين, وكذلك فهم مطبقون على قبح قول القائل عندي مائة ألف إلا تسعة وتسعين ألفًا وتسعمائة وتسعة وتسعين ولو حسن استثناء الأكثر لحسن في مثل هذا الاستثناء, وما هو أطول منه, بل قد قال كثير من أهل اللغة: إنهم لا يستحسنون استثناء العقد الصحيح, وإنما يستحسنون استثناء المكسور منه, ويستقبحون أن يقال له عندي عشرة إلا درهمًا, ويرون أن القول له عندي تسعة دراهم أولى وأحسن, وإنما يجوز أن يقال: له عندي عشرة إلا دانقًا وإلا ثلثًا وإلا نصفًا وثلثين ونحوه مما لا يبلغ عقدًا صحيحًا. قالوا: ولذلك قال سبحانه: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ فاستثنى الخمسين لأنها كسر, وليست بعقد صحيح, وكذلك القول في الستين إلى التسعين, ولو بلغ المستثنى مائة لعدل عنه إلى اسم الباقي الموضوع له, ولوجب أن يقول: فلبث فيهم تسعمائة عام, وكل هذا يوجب قبح استثناء الأكثر وجوازه في الأقل, ولا وجه لقول من يقول في جواب هذا لعمري أن أهل اللغة قد استقبحوا ذلك غير أن لا أعلم أن استقباحهم له استقباح كراهية واستثقال أو استقباح إلغاء له واطراح وكونه خارجًا عن لغتهم, لأنه إذا ثبت استقباحهم لذلك وكراهيتهم له ثبت أنه ليس من لغتهم واستعمالهم, لأنهم قد وقفونا على أنهم لا يتكلمون بما يستقبح استعماله, ولو جاز مثل هذا التأويل في استقباحهم لذلك لجاز تأويله مثله في كل ما قالوه إنه قبيح في لغتنا استعماله, وأن يقال كل ما لم يستعملوه وكرهوه, فإنه من لغتهم, ولا يعلم أنه ملغى مطرح عندهم, وهذا تعسف لا وجه له. وقد تعلق في منع استثناء الأكثر بأشياء غير صحيحة, والمعتمد فيه ما قلناه, منها.

стр. 945

إنه لو جاز استثناء الأكثر لجاز وحسن استثناء جميع ما في اللفظ, وهذا باطل. لأن استثناء جميعه نقض للكلام ورفع جميع ما فيه, وليس هذه حال استثناء الأكثر, كما أنه ليس ذلك حال استثناء الأقل, ويفسد ذلك أنه قد جاز بإجماع تخصص الأكثر مما دخل تحت اللفظ مما عدا الاستثناء من الأدلة, ولم يجب قياسًا على هذا جواز إخراج جميع ما في اللفظ, كما جاز إخراج أكثره, والعلة في ذلك ما ذكرناه من أن إخراج جميعه نقض للكلام, وليس كذلك تخصص أكثره, فبطل ما قالوه. فصل: فأما من أجاز ذلك فقد اعتلوا لصحته بأمور باطلة منها: إن الاستثناء بمعنى أدلة التخصيص, فإذا جاز تخصص جاز استثناؤه. ومنها أيضًا: إذا جاز استثناء الأثل جاز استثناء الأكثر لأنهما جميعًا يرفعان من الخطاب ما لولاه لكان داخلًا فيه, وهذا باطل لأنه إثبات لغة بقياس واستدلال, وقد بينا فيما سلف أن اللغة لا تثبت بمثل هذه الطريقة, وتقصينا القول فيه بما يغني عن الإعادة. ومن المعتمد عندهم في ذلك دعواهم استعمال أهل اللغة لذلك ووروده في القرآن والشعر. قالوا: لأن العرب تقول: له علي عشرة إلا ستة وسبعة, وتقول: له علي دينار إلا عشرة دراهم وإلا عشرين درهمًا, وله علي عشرين درهمًا إلا دينارًا, فتستثني الأكثر في مثل هذا ويبقى الأقل. قالوا: وقد قال الله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ واستثنى النصف وقال: ﴿أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ ولا فرق بين استثناء النصف وما هو أكثر منه.

стр. 946

قالوا: ومنه قول الشاعر: أدوا التي نقصت تسعين من مائة ثم ابعثوا حكمًا بالحق قوالًا وهذا الذي ادعوه من استثناء الستة والسبعة من العشرة, والعشرة من الدينار, والدينار من العشرة غير ثابت ولا موقف عن أهل اللغة وإن استعمله من الناس القليل عن غير توقيف, وما يتعلق بذلك من الأحكام في الإقرار مأخوذ من جهة الاجتهاد وضروب أدلة السمع دون اللغة. وقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يقدر تقدير ابتداء الكلام, كأنه قال: بل قم نصفه أو زد عليه أو انقص منه, فإنه أعظم لثوابك وأصلح في تكليفك من قيام الأقل منه, على أن النصف ليس بأكثر الداخل تحت الاسم, وقوله انقص منه ابتداء كلام متصل بالاستثناء. وقول الشاعر: أدوا التي نقصت تسعين من مائة ليس باستثناء الأكثر مما دخل تحت الاسم للمائة, ولا لفظه لفظ الاستثناء, وإنما فيه ذكر نقصان الأكثر مما دخل تحت الاسم, وليس ينكر أن يقول القائل: أخذت من المائة تسعين ومن العشرة تسعة, ولا يجوز قياسًا على هذا أن تقول: له عندي عشرة إلا تسعة بلفظ الاستثناء, كما لا يجوز أن تقول: له عندي عشرة إلا تسعة وخمسة دوانيق وتسع حبات حتى يبقى من العشرة حبة وفلسًا, وإذا كان ذلك كذلك ضعف القول بهذا, وصح ما قلناه.

стр. 947

باب القول في أن الاستثناء المتصل بجمل من الكلام معطوف بعضها على بعض, هل يجب رجوعه إلى جميع ما تقدم أو قصره على ما يتصل به ويليه فنقول وبالله التوفيق: إن الواجب تصوير هذه الجملة والاستثناء منها ليقع الكلام فيه موقعه. وصورة الاستثناء الراجع إلى جملة واحدة, نحو قولك من عصاني عاقبته إلا من تاب, واضرب الجناة والعصاة إلا من تاب, واقتل المشركين إلا أهل الأمان, وأمثل ذلك مما هو استثناء من جملة واحدة وهي لفظ العموم, وكذلك الاستثناء من كل جملة من الأعداد قاصرة عن الاستغراق, نحو قولك: اضرب العشرة العبيد إلا من تاب منهم, واقتل المائة إلا من تاب, وأمثال ذلك. وصورة الجمل المختلفة المتصل بها الاستثناء قول القائل: من قذف زيدًا فاضربه واردد شهادته واحكم بفسقه إلا أن يتوب, أو إلا الذين تابوا, أو يقول: من دخل الدار وأكل الطعام وأفحش في الكلام عاقبته إلا من

стр. 948

تاب. أو يقول: من قتل زيدًا وعمرًا وخالدًا ضربته إلا من تاب, ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلا مَنْ تَابَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا﴾ ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وأمثال هذا. ومن هذه الاستثناءات الواردة في القرآن ما يرجع إلى جميع الجمل المتقدمة, ومنه ما يرجع إلى بعضها, ومنه ما لا يصح حمله إلا على ما يليه على ما سنفصل من بعد. وقد اختلف الناس في حكم هذا الاستثناء المتصل بجمل من الكلام. فقال الدهماء من القائلين بالعموم من المتكلمين والفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة إنه راجع إلى جميع ما تقدم إلا أن يمنع من ذلك دليل فيجب قصره على البعض.

стр. 949

وقال قوم من أصحاب أبي حنيفة منهم الكرخي ونوابت من القدرية إنه يجب حمله على ما يليه من الجمل فقط. واعتمد كل فريق منهم على ما سنذكره. والذي نختاره في هذا الباب الوقف في ذلك والقول بجواز رجعوه إلى الكل وجواز رجوعه إلى البعض سواء كان ذلك البعض يليه أو لا يليه, وإن ذلك موجود في الكتاب وكلام أهل اللغة. والدليل على صلاحه للأمرين استعماله فيهما جميعًا فمن ادعى وضعه لأحدهما والتجوز به في الآخر أو أن مطلقه لأحدهما ويستعمل الآخر بقرينه احتاج إلى دلالة وإلا فهو بمثابة من قبل عليه دعواه, وفي تكافئ القولين دليل على صلاحه للأمرين. ويدل على ذلك - أيضًا - إنه لا يمكن العلم بتوقيف عن جماعة أهل اللغة على أنه موضوع لإفادة أحد الأمرين. فإن قيل: ما أنكرتم من بطلان قولكم بالوقف في ذلك لاتفاق أهل اللغة وسائر الأمة معهم على أنه لا بد من أن يكون مفهوم موضوعه ومطلقه عودة إلى جميع الجمل المقدم ذكرها أو إلى ما يليه أنهم مع اختلافهم في ذلك لم يقل أحد منهم بالوقف, فقولكم خارج عن اللغة والإجماع.

стр. 950

يقال لهم: هذا في نهاية البطلان لأننا لا نعلم توقيفًا عن جميع أهل اللغة من طريق يوجب العلم ويقطع العذر على أنه راجع إلى أحدهما أو أنه لا بد أن يكون في أصل الوضع مفيدًا عندهم لأحدهما, ولا عن الأمة في ذلك إجماع معلوم, وإنما هذه مسألة حادثة تختلف فيها أهل اللغة والفقهاء, ولو صح إجماع من الأمة على وجوب عودة إلى جميع ما تقدم أو إلى ما يليه لوجب حمله على ذلك بحجة الإجماع لا بموجب اللغة والموضوع, وكذلك لو اتفقت الأمة على أنه لا بد من أن يكون في الأصل موضوعًا لأحدهما ثم اختلفت في أيهما الذي وضع له لوجب أن يستدل بإجماعها على أنه لابد من أن يكون موضوعًا لأحدهما, ثم لا تعلم أيهما هو منهما لاختلافهما في ذلك وتكافئ دعاوي المختلفين فيه, والواجب على من لم ير القول بالوقف في ذلك أن يقول إن الاستثناء المتصل بجمل من الكلام راجع إلى جميعها وعامل فيه إلا أن يمنع من ذلك دليل, فإن القول بذلك أولى. والذي يدل على أن هذا القول أولى أمور: أحدها: أن المعطوف من الكلام بعضه على بعض بمنزلة المذكور جميعه باسم واحد يعمه, من حيث كان لا فصل عندهم بين قولهم: اضرب زيدًا وعمرًا, وخالدًا وبين قولهم اضرب هذه الفرقة, واضرب هؤلاء الثلاثة, ولذلك لا فرق بين قولهم اضرب زيدًا بن محمد وزيدًا بن بكر, وزيدًا بن جعفر, وبين قولهم اضرب الزيدين باسم يعمهم.
следующие страницы →