Полный текст (1 232 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
قالوا: ومنه قول الشاعر:
أدوا التي نقصت تسعين من مائة ثم ابعثوا حكمًا بالحق قوالًا
وهذا الذي ادعوه من استثناء الستة والسبعة من العشرة, والعشرة من الدينار, والدينار من العشرة غير ثابت ولا موقف عن أهل اللغة وإن استعمله من الناس القليل عن غير توقيف, وما يتعلق بذلك من الأحكام في الإقرار مأخوذ من جهة الاجتهاد وضروب أدلة السمع دون اللغة.
وقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يقدر تقدير ابتداء الكلام, كأنه قال: بل قم نصفه أو زد عليه أو انقص منه, فإنه أعظم لثوابك وأصلح في تكليفك من قيام الأقل منه, على أن النصف ليس بأكثر الداخل تحت الاسم, وقوله انقص منه ابتداء كلام متصل بالاستثناء.
وقول الشاعر: أدوا التي نقصت تسعين من مائة ليس باستثناء الأكثر مما دخل تحت الاسم للمائة, ولا لفظه لفظ الاستثناء, وإنما فيه ذكر نقصان الأكثر مما دخل تحت الاسم, وليس ينكر أن يقول القائل: أخذت من المائة تسعين ومن العشرة تسعة, ولا يجوز قياسًا على هذا أن تقول: له عندي عشرة إلا تسعة بلفظ الاستثناء, كما لا يجوز أن تقول: له عندي عشرة إلا تسعة وخمسة دوانيق وتسع حبات حتى يبقى من العشرة حبة وفلسًا, وإذا كان ذلك كذلك ضعف القول بهذا, وصح ما قلناه.
стр. 947
باب
القول في أن الاستثناء المتصل بجمل من الكلام
معطوف بعضها على بعض, هل يجب رجوعه إلى
جميع ما تقدم أو قصره على ما يتصل به ويليه
فنقول وبالله التوفيق: إن الواجب تصوير هذه الجملة والاستثناء منها ليقع الكلام فيه موقعه.
وصورة الاستثناء الراجع إلى جملة واحدة, نحو قولك من عصاني عاقبته إلا من تاب, واضرب الجناة والعصاة إلا من تاب, واقتل المشركين إلا أهل الأمان, وأمثل ذلك مما هو استثناء من جملة واحدة وهي لفظ العموم, وكذلك الاستثناء من كل جملة من الأعداد قاصرة عن الاستغراق, نحو قولك: اضرب العشرة العبيد إلا من تاب منهم, واقتل المائة إلا من تاب, وأمثال ذلك.
وصورة الجمل المختلفة المتصل بها الاستثناء قول القائل: من قذف زيدًا فاضربه واردد شهادته واحكم بفسقه إلا أن يتوب, أو إلا الذين تابوا, أو يقول: من دخل الدار وأكل الطعام وأفحش في الكلام عاقبته إلا من
стр. 948
تاب. أو يقول: من قتل زيدًا وعمرًا وخالدًا ضربته إلا من تاب, ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلا مَنْ تَابَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا﴾ ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وأمثال هذا.
ومن هذه الاستثناءات الواردة في القرآن ما يرجع إلى جميع الجمل المتقدمة, ومنه ما يرجع إلى بعضها, ومنه ما لا يصح حمله إلا على ما يليه على ما سنفصل من بعد.
وقد اختلف الناس في حكم هذا الاستثناء المتصل بجمل من الكلام.
فقال الدهماء من القائلين بالعموم من المتكلمين والفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة إنه راجع إلى جميع ما تقدم إلا أن يمنع من ذلك دليل فيجب قصره على البعض.
стр. 949
وقال قوم من أصحاب أبي حنيفة منهم الكرخي ونوابت من القدرية إنه يجب حمله على ما يليه من الجمل فقط.
واعتمد كل فريق منهم على ما سنذكره.
والذي نختاره في هذا الباب الوقف في ذلك والقول بجواز رجعوه إلى الكل وجواز رجوعه إلى البعض سواء كان ذلك البعض يليه أو لا يليه, وإن ذلك موجود في الكتاب وكلام أهل اللغة.
والدليل على صلاحه للأمرين استعماله فيهما جميعًا فمن ادعى وضعه لأحدهما والتجوز به في الآخر أو أن مطلقه لأحدهما ويستعمل الآخر بقرينه احتاج إلى دلالة وإلا فهو بمثابة من قبل عليه دعواه, وفي تكافئ القولين دليل على صلاحه للأمرين.
ويدل على ذلك - أيضًا - إنه لا يمكن العلم بتوقيف عن جماعة أهل اللغة على أنه موضوع لإفادة أحد الأمرين.
فإن قيل: ما أنكرتم من بطلان قولكم بالوقف في ذلك لاتفاق أهل اللغة وسائر الأمة معهم على أنه لا بد من أن يكون مفهوم موضوعه ومطلقه عودة إلى جميع الجمل المقدم ذكرها أو إلى ما يليه أنهم مع اختلافهم في ذلك لم يقل أحد منهم بالوقف, فقولكم خارج عن اللغة والإجماع.
стр. 950
يقال لهم: هذا في نهاية البطلان لأننا لا نعلم توقيفًا عن جميع أهل اللغة من طريق يوجب العلم ويقطع العذر على أنه راجع إلى أحدهما أو أنه لا بد أن يكون في أصل الوضع مفيدًا عندهم لأحدهما, ولا عن الأمة في ذلك إجماع معلوم, وإنما هذه مسألة حادثة تختلف فيها أهل اللغة والفقهاء, ولو صح إجماع من الأمة على وجوب عودة إلى جميع ما تقدم أو إلى ما يليه لوجب حمله على ذلك بحجة الإجماع لا بموجب اللغة والموضوع, وكذلك لو اتفقت الأمة على أنه لا بد من أن يكون في الأصل موضوعًا لأحدهما ثم اختلفت في أيهما الذي وضع له لوجب أن يستدل بإجماعها على أنه لابد من أن يكون موضوعًا لأحدهما, ثم لا تعلم أيهما هو منهما لاختلافهما في ذلك وتكافئ دعاوي المختلفين فيه, والواجب على من لم ير القول بالوقف في ذلك أن يقول إن الاستثناء المتصل بجمل من الكلام راجع إلى جميعها وعامل فيه إلا أن يمنع من ذلك دليل, فإن القول بذلك أولى.
والذي يدل على أن هذا القول أولى أمور:
أحدها: أن المعطوف من الكلام بعضه على بعض بمنزلة المذكور جميعه باسم واحد يعمه, من حيث كان لا فصل عندهم بين قولهم: اضرب زيدًا وعمرًا, وخالدًا وبين قولهم اضرب هذه الفرقة, واضرب هؤلاء الثلاثة, ولذلك لا فرق بين قولهم اضرب زيدًا بن محمد وزيدًا بن بكر, وزيدًا بن جعفر, وبين قولهم اضرب الزيدين باسم يعمهم.
стр. 951
وإذا كان ذلك كذلك واتفق على أن الاستثناء المذكور عقيب جملة باسم واحد راجع إليها وجب أن تكون هذه سبيل الاستثناء المتصل بجمل من الكلام, وإن عطف بعضها على بعض, لأنه لا فرق بين أن تقول اضرب الجماعة التي منها قتلة وسراق وزناة إلا من تاب باسم يعم جميعهم, وبين أن تقول عاقب من قتل ومن زنى ومن سرق إلا من تاب باسم يعم جميعهم, وبين أن تقول عاقب من قتل ومن زنى ومن سرق إلا من تاب, وبين أن تقول أيضًا عاقب من قتل وزنى وسرق إلا من تاب في وجوب رجوع الاستثناء في مثل هذا إلى جميع من تقدم, لأن أسماءهم وصفاتهم, وإن تغايرت فهي عائدة إليهم, وبمثابة الاسم الواحد العائد إليهم إذا وصل بالاستثناء فوجب لذلك تساوي حاليهما في الإفراد والجمع والنسق, وهذه سبيل كل جمل عطف بعضها على بعض بأي حروف العطف عطفت من فاء وواو وغيرهما هذا هو العمدة في هذا الباب.
ووجه السؤال عليه لأهل الوقف, ومن قال: بل يجب رجوعه إلى ما يليه أن هذا قياس على اللغة وإثبات لغة باستدلال, وذلك غير صحيح من حيث قيل له: لما كان الاستثناء المتصل بجملة واحدة باسم بعضها راجع إليها وجب أيضًا رجوعه إلى جميع الجمل المقدم ذكرها وإن اختلفت وتغاير أسماؤها وأوصافها, وهذا قياس, لم يكن عنهم توقيف على ذلك لجواز أن يتواضعوا على وجو رجوعه إلى جميع الجملة, الواحدة باللفظ العام وجعله راجعًا إلى ما يليه من الجمل المتغايرة إذا تقدم ذكرها, وهذا غير محال من تواضعهم, على وجوب رجوعه إلى جميع الجملة, الواحدة باللفظ العام وجعله راجعًا إلى ما يليه من الجمل المتغايرة إذا تقدم ذكرها, وهذا غير محال من تواضعهم, فإذا لم يوقفوا على جعله في الأمرين بمنزلة واحدة ولا على فرق بينهما رجع القول إلى الوقف وضعف التعلق بذلك.
ويمكن أن يجاب عن هذا بأن أهل اللغة مطبوقون على أن تكرار
стр. 952
الاستثناء عقيب كل جملة ضرب من العي واللكنة إذا قال القائل:
إذا دخل زيد الدار فاضربه إلا أن يتوب وإن أكل الطعام فاضربه إلا أن يتوب, وإن فعل القيام فاضربه إلا أن يتوب, وإذا رأوا هذا عيًا في الكلام كان الأقرب عمل الاستثناء في جميع الجمل المتقدمة وترك جوازه عقيب كل جملة استثقالًا وكراهة التكرار.
واستدل كثير ممن قال برجوعه إلى جميع ما تقدم بالاتفاق على وجوب رجوع الاستثناء بمشيئة الله تعالى إلى جميع الجمل المقدم ذكرها, نحو قول القائل: والله لا أكل الطعام ولا دخلت الدار ولا كلمت زيدًا إن شاء الله أو إلا أن يشاء الله.
وكذلك زعموا سبيل الاستثناء بغير مشيئة الله, والسبب أنهما كلامان لا يستقلان بأنفسهما لو أفردا عما وصلا به.
فيقال لهم: الأمر عند مخالفيكم من أهل الوقف ومن يقول يجب رجوعه إلى ما يليه سواء, لأنه يصلح أن يرجع بقوله إلى شاء الله تعالى إلى الاستثناء في كلام زيد فقط ويصلح أن يرجع إلى جميعه, وإنما يجب إعمال الاستثناء بمشيئة الله في جميع ما تقدم من جهة الشرع والحكم بذلك لا من ناحية
стр. 953
توجب اللغة, فبطل مال قالوه, على أن هذه علة توجب رجوع الاستثناء إلى ما يليه من الجمل فيه, لأن قصره عليه وحده يجعله مستقلًا وهم لا يرون ذلك, فبطل ما قالوه.
واستدل أيضًا آخرون على ذلك باتفاق أهل اللغة على رجوع الشرط ووجوب إعماله في جميع الجمل المتقدمة, نحو قول القائل: لا تضرب زيدًا إذا أكل الطعام ودخل الدار وركب الحمار إلا أن يكون قائمًا, وكذلك لو قال اضرب زيدًا إذا دخل الدار وأكل الطعام وركب الحمار إن كان قائمًا أو إذا كان قائمًا, فيجعل قوله إذا كان قائمًا وإن كان قائمًا شرطًا في جميع ما تقدم, لأجل أنه كلام لا يفيد لو فصل وتكلم به مفردًا, وكذلك حال الاستثناء فوجب استواؤهما.
يقال لهم: الأمر عند من قال بالوقف, وقال برجوعه إلى أقرب المذكور سواء لأنه يصلح جعله شرطًا لركوب الحمار أو لأكل الطعام أو دخول الدار, ويصلح كونه شرطًا لجميع ذلك, فالقول في ذلك وفي الاستثناء بمشيئة الله سواء, فزال ما قلتم على أنه لو كانت العلة في ذلك أنهما لا يستقلان لو أفراد وجب حملهما على ما يليهما لأنهما يستقلان لذلك, فبطل ما قالوه.
стр. 954
باب
ذكر ما يتعلق به من قال يجب رجوعه
إلى ما يليه فقط
وقد اعتمد القائلون بذلك على أنه إنما وجب رد الاستثناء إلى بعض ما تقدر, وتعليقه به لأجل أنه غير مستقل بنفسه ولا مفيد إذا أفرد, ولو أفاد واستقل بنفسه لم يجب رده إلى شيء مما تقدم, وإذا كان ذلك كذلك وكان رده إلى ما يليه فقط وتعليقه به يجعله كلامًا مفيدًا, فأما لم يكن بنا ضرورة إلى رده وجمله على جميع ما تقدم وهو قد صار مفيدًا بحمله على ما يليه.
يقال لهم: ما قلتموه باطل, لأن القائلين بالوقف في ذلك والرادون له إلى جميع ما تقدم ذكره لم يوجبوا الوقف فيه أورده إلى سائر ما تقدم من أجل أنه لو قصر على ما يليه فقط لم يكن مفيدًا ولم يجز ويصلح ذلك, بل إنما ردوه إلى جميع ما تقدم لأجل أن ذلك يوجب موضوعه في اللغة, وأن في رده إلى البعض إخراج له عن حكم موضوعه, وذلك ما لا سبيل إليه من ناحية مطلق اللفظ, اللهم إلا أن يوجب ذلك دليل يقترن به, وهو عندهم بمثابة الاسم العام الموجب لاستغراق الجنس, لأجل أن ذلك موضوعه ومفهومه في اللغة, لا لأنه لو حصل على ما دون جميع الجنس أو أقل الجمع لم يكن مستقلًا ولا مفيدًا, ويمثل هذا اعتل من أوجب حمل أسماء الجموع المعرفة والمنكرة
стр. 955
على أقل الجمع لاستقلالها بذلك فلم يقبلوه فبطل ما عولتم عليه.
فصل: ويقال لهم فيجب لنفس اعتلالكم هذا حمل الاستثناء بمشيئة الله تعالى والشرط في الكلام على ما يليهما فقط, لأن حمله عليه يجعله مفيدًا مستقلًا يوجب أيضًا حمل لفظ الجمع في معرفة ومنكره الذي يدعونه للعموم على أقل الجمع اللازم له, لأن حمله عليه يجعله مستقلًا, فإن مروا على هذا تركوا قولهم, وإن أبوه أو شيئًا منه نقضوا اعتلالهم.
فصل: واعتمدوا - أيضًا - في ذلك على أن قالوا إن إطلاق الكلام الأول بغير استثناء متصل به متيقن معلوم, فلا يجوز أن يخرجه عما يقتضيه إطلاقه إلا بيقين, والذي يتيقن واتفق عليه عوده إلى ما يليه ما ورده إليه فوجب إزالة الكلام الذي يليه عن إطلاقه بيقين ويبقى الباقي على حكم إطلاقه.
يقال له ما قلتموه باطل من وجوه:
أولها: ادعاؤهم تيقن إطلاق الجمل المتقدمة مع إيصال الاستثناء بآخرها, ومعاذ الله أن يكون ذلك كذلك, وكيف يتيقن هذا وفيه أعظم الخلاف.
ومن يقول يجب رجوعه إلى سائر ما تقدم يزعم أنه وإن اتصل بالجملة الأخيرة فإنه بمثابة إيصاله بكل جملة ذكرت وتعقيبه بها فدعوى اليقين في ذلك باطل.
والوجه الآخر إنه ليس حمله على يليه متيقن, لأننا نجوز رجوعه إلى أول المذكور من الجمل أو إلى أوسطها, فمن أين تيقن ما ادعيتم؟.
стр. 956
ويقال لهم: فقولوا - أيضًا - لنفس اعتلالكم هذا إن الشرط والاستثناء بمشيئة الله راجعين إلى ما يليهما, لأن قبله متيقن لنفي الشرط والاستثناء عنه ولا يزال عن حكمه اليقيني إلا بيقين, وقولوا - أيضًا - بوجوب حمل ألفاظ الجموع على أقل الجمع, لأنه متيقن إنه مراد وما عداه مختلف فيه وغير متيقن فإن ركبوا ذلك أجمع أبطلوا مذاهبهم, وإن أبوه نقضوا استدلالهم.
فصل: واستدل الفريقان على صحة كل واحد من القولين بأنهم قد وجدوا الاستثناء راجعًا إلى جميع ما تقدم.
وقال آخرون: قد وجدنا استثناء راجعًا إلى ما يليه وبعض ما تقدم, فوجب أن يكون ذلك موضوعه وفائدته, وهذا باطل متعارض على ما نراه, وإنما وجب حمل ما رجع إلى جميع ما تقدم أو إلى بعضه على ذلك بدليل لا بحق الإطلاق والوضع عند أهل اللسان.
فصل: والذي يبين ما قلناه من جواز رجوع هذا الاستثناء إلى جميع ما تقدم تارة وإلى بعضه أخرى كان مما يليه أو لا يليه قوله في القذفة ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ وإنما رجع هذا الاستثناء إلى إزالة اسم الفسق وإسقاط الشهادة دون إسقاط الحد, لأن التوبة لا تعمل في إزالته.
وكذلك حكم الاستثناء في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا﴾ لأن تصدقهم لا يعمل في إسقاط الكفارة بالرقبة
стр. 957
وإن عفوا عن الدية. وقد كان يصح إعماله في إسقاط حقهم وحق الله سبحانه من الكفارات وهذه حال الشرط عندنا, لأنه لو قال صل صلاتين, وصم يومًا أو يومين, وانحر بدنه, فإن لم تقدر فصم يومًا أو يومين أو أطعم مسكينًا لاحتمل أن يكون الشرط بعد القدرة راجعًا إلى جميع ما تقدم, واحتمل أن يكون راجعًا إلى عدم القدرة على نحر البدنة فقط, وهذا مثل قوله تعالى: ﴿يقول سبحانه في سورة المائدة: لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ وقوله فمن لم يجد شرط يصح رجوعه إلى عدم الرقبة فقط, ويصح عوده إلى عدم الجميع, ولو قصد سبحانه رفع الاحتمال في إيجاب رجوعه إلى جميع ما تقدم عقب كل جملة يذكرها بالشرط, نحو أن يقول عقيب قوله: من أوسط ما تطعمون أهليكم فمن لم يجد الصيام ثلاثة أيام أو كسوتهم, فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام, أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام, فلما عقبه بآخر جملة صح عوده إلى الجميع وإلى البعض.
فأما الاستثناء الذي خبرنا أنه لا يجوز أبدًا حمله على ما يليه فهو قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ لأنه لو حمل قوله إلا قليلًا على بعض من تفضل الله عليه بالعصمة واللطف في ترك الكفر واتباع الشيطان لكان فيمن عصمه وجنبه اتباع الشيطان ولطف له في ذلك قلنا قد اتبع الشيطان ولم ينفعه بالعصمة واللطف, وهذا فاسد بإجماع, ومبطل لمعنى الكلام, ورفع المنة عليهم بذلك إذا كانت على من كفر واتبع الشيطان ولو أنكر أن يكون
стр. 958
بعض من تفضل عليه بذلك متبعًا للشيطان لا ننكر ذلك في جميعهم ولفسد مع الكلام بإجماع, فوجب حمل قوله إلا قليلًا على قوله: لعلمه الذين يستبطونه منهم إلا قليلًا, لتقصير وإهمال وغلط يقع منهم في الاستنباط ولا يعلمون ذلك, ويمكن أيضًا أن يكون قوله إلا قليلًا منهم راجعًا إلى قوله: أذاعوا به, فكأنه قال: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليل منهم لا يذيعونه, وهذا صحيح أيضًا, وذلك يوجب رجوعه إلى أول المذكور, على أنه قد يمكن أن يحمل على أنه راجع إلى قوله ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ فكأنه قال: ولولا فضل الله ورحمته بإرسال محمد ﵇ إليكم وبيانه لكن واستنقاذكم به من الجهل بالله , وما أيده به من الآيات لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا منكم قد كانوا تفضل الله عليهم بالعصمة من الكفر قبل بعثة الرسول ﵇ كأويس القرني وزيد بن عمرو بن نفيل وأمثالهما ممن تفضل الله عليه بالهداية له إلى معرفته ووفقه للاستدلال على توحيده وإتباع رسول قبله قد فرض إتباعه عندنا غير بعيد أيضًا, فبان بذلك صحة ما قلناه في هذا الباب وبفصول القول فيه.
стр. 959
باب
القول في تخصص العام بالشروط
الذي يجب تقديمه في هذا الباب بيان معنى الشرط أولًا وصورته إذا كان لفظًا لغويًا, والفرق بينه وبين الشروط المعنوية.
فأما الشرط المعنوي فعلى ضربين عقلي وشرعي.
ومعنى وصف الشرط العقلي بأنه شرط لغيره أو ما يقوم مقام الغير أنه ما لا يصح حصول مشروطة دون حصوله, ويجب انتفاء المشروط بانتفائه, ولا يجب حصول المشروط بحصوله وذلك, نحو الحياة التي هي شرط لوجود العلم والقدرة وجميع صفت الحي التي لا تحصل دون حصول الحياة, ويجب انتفاؤها بنفيها, ولا يجب حصول العلم والقدرة بحصول الحياة, وبهذا المعنى فارق شرط الحكم علته, لأن من حق العلة أن لا يثبت الحكم إلا بثبوتها, ويجب انتفاؤه بانتفائها, ويجب حصول الحكم بحصولها
стр. 960
متى وجدت. ولا يجب حصول المشروط بحصول شرطه متى وجد, وقد كشفت هذا, وتبين في أصول الديانات بما يغني الناظر فيه.
ومن حق ما هو شرط لحكم عقلي أو لوجود غيره أن يكون كذلك لنفسه وأمر يرجع إليه, ولا يصح خروجه أو خروج مثله عن كونه شرطًا لما هو شرط له, ولا يصح خروجه أو خروج مثله عن كونه شرطًا لما هو شرط له, فالشرط للحكم على قول مثبتي الأحوال كالحياة أو كون الحي حيًا الذي هو شرط لكون الحي عالمًا قادرًا مدركًا أو لوجود العلم والقدرة والإدراك على قول منكر الأحوال, وما هو شرط لوجود الذات باتفاق, فيجوز وجود الجسم الذي هو شرط لوجود أعراضه, ووجود الفاعل الذي هو عندنا شرط لوجود فعله, وقد شرح هذا أيضًا في الكلام في الأصول بما يغني متأمله إن شاء الله.
فأما شرط الحكم الشرعي فهو للأمر الذي يجعله الله سبحانه إذا حصل شرطًا لحصول الحكم بما يتعبد به من إيجاب أو ندب أو تحريم أو تحليل وإباحة أو حظر, وليس فيما يجعله الله سبحانه إذا حصل شرطًا لثبوت الحكم ما يكون شرطًا لنفسه وجنسه ووجه هو في العقل عليه, وما يقدر أنه لو لم يحصل لم يثبت الحكم, ولم يصح التعبد به, وإن كان سبحانه قد دل على أنه إذا لم يحصل شرط الحكم لم يثبت فهو في بابه بمثابة العلة الشرعية التي تكون علامة على وجوب الحكم وليس بموجبه لحصوله, على ما سنشرحه في أحكام الشروط والعلل, وذلك نحو جعل
стр. 961
الإحصان شرطًا لوجوب الرجم وإن كانت علته الزنى وأمثال ذلك.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية, فجعل بحق الطاهر القيام إلى الصلاة شرطًا في وجوب الوضوء.
ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ في جعله شرطًا للكف عن قتالهم, وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ في أمثال هذا مما جعل شرطًا لحظران الفعل أو إباحته مما صار شرطًا بالشرع, وقد كان يصح أن لا يكون شرطًا وأن يكون للشرط شيء يخالفه.
فأما الشروط النطقية اللغوية التي تخص العموم لو ثبت وهي المقصودة بذكر تخصص العموم بالشروط بمعنى أن الشرط منها شرط في حكم اللسان ومفهومه, فهو ما إذا لم يكن لم تكن مشروطة, لأنه قد علم أن قصد القائل منهم بقوله: إن جئتني جئتك, وإن تقم أقم وإن تضرب أضرب, وإن أحييك حتى تحييني, وإذا جاء المطر وقام زيد جئتك, وأمثال ذلك, فإنه يقصد تعليق مجيئه بما جعله شرطًا له وأنه إذا لم يحصل الشرط لم يكن مشروطة ولو أتاه وإن لم يأته لم يكن إتيانه, وقوله: إن تأتني آتيك شرطًا, وهذا ما لا يعرف في خلاف, وأن فائدة وصفه بأنه شرط لما يجعل شرطًا له.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ وقوله ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ وإلى أن يعطوا الجزية, ومتى أعطوا الجزية, وحتى يطهرن, وإلى أن يطهرن,
стр. 962
فإذا تطهرن, وإن طهرن, وأمثال هذا من ألفاظ الشروط, وإنما وجب تخصص العموم بهذه الشروط للاتفاق على أنه إذا قال اقتلوا المشركين ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية, واقطعوا السارق وجب الإطلاق مع القول بالعموم الشمول والاستغراق لكل من يجري عليه الاسم حتى إذا قال اقتلوا المشركين إن كان حربيين, أو إذا كانوا وثنيين صارت هذه الشروط مخصصة للفظ ومخرجة له عن حكم التجريد والإطلاق باتفاق.
وكلما زيد في الشرط تزايد تخصص العام, لأنه لو قال اقتلوا المشركين إذا كانوا عربًا حربيين قرشيين أبطحيين, وأمثال ذلك تزايد تخصص العام بزيادة الشروط, لأنه لا يجب حينئذ قتل أحد منهم حتى يجتمع له جميع الشروط المذكورة, فبان بذلك ما قلناه.
فصل: وقد زعم بعض من تكلم في أصول الفقه أن الشرط للحكم لا يكون شرطًا له على الحقيقة حتى يكون مما إذا كان مشروطة لا محالة, وإذا لم يكن المشروط, وهذا باطل, لأنه إنما يجب في الشرط للحكم الشرعي الذي لا يثبت الحكم إلا بثبوته, ولا يجب متى لم يثبت ثبوت الحكم, ولذلك كان انقضاء الحيض شرطًا لتحليل الوطء ولا يحل إلا مع عدمه, ولا تجب إباحة الوطء بحصوله, لأنه قد يكون مشروطًا بشرط آخر مع انقضاء الحيض, وهو الغسل والمتطهر من دم الحيض, ولذلك قال تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْن﴾ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فجعل لإباحة الوطء شرطين, فكل حكم جعل له شرطان وشروط يجب أن لا يثبت إلا بثبوت شروطه, واستكمالها, فلا يجب متى رتب بعض الشروط بثبوت الحكم بثبوته, ومثل هذا أيضًا في العقليات
стр. 963
واجب, لأن وجود المحل ووجود الحياة شرطان لوجود العلم والقدرة, ولا يجب بحصول المحل حصول العلم دون مضامة الحياة له, وعلى هذا تقررت أحكام الشروط, في العبادات, لأن القائل إذا قال هي طالق إذا جاء المطر وقام زيد وركب عمرو لم تطلق إلا باستكمال الشروط, ولا يجب وقوع الطلاق لحصول البعض منها في حكم اللسان, ولو لزمه ذلك بحصول بعضها لكان إنما يتوجه عليه بحكم شرعي ودليل ويوجب ذلك غير موجب اللسان.
فصل: من القول في أحكام الشرط والمشروط .
قد اتفق على أن من حق المشروط وقوعه وحصوله بشرط أن يكون متوقعًا مستقبلًا غير حاصل, وعلى أنه لا يصح أن يكون موجودًا في الحال ولا ماضيًا منقضيًا, بل لا يكون إلا مترقبًا منتظرًا, ولهذا لم يجز أن يقول القائل: لا أضرب زيدًا أمس أو بالأمس حتى يقوم عمرو أو يقدم بكر, لأنه يجعل المشروط ماضيًا بشرط يكون مستقبلًا, وذلك فاسد, لأن ضربه زيدًا بالأمس قد وجد وحصل منه وعدم بعد وجوده, فكيف يقف وجوده على شيء يكون بعده, ومن سبيل ما يقف وجوده على شيء يكون بعده سبيل ما يقف على حصول غيره أن لا يحصل حتى يحصل ذلك الغير, وقد علم أن ضربه لزيد أمس قد وجد وحصل قبل ما جعل شرطًا لوقوعه, هذا نهاية الحال.
وكذلك لو قال قائل: لا أكون قائمًا ولا ضاربًا في هذه الحال, وهو قائم وضارب فيها حتى يقوم زيد لكان بذلك محيلًا لجعله شرطًا مستقبلًا لوجود ما قد حصل واستقر وجوده, وذلك باطل فصح فساد جعل الماضي وفعل الحال مشروطًا بمنتظر متوقع.
ولو قال قائل لقوم: عد إذا قام زيد أو إذا انطلق لكان ذلك صحيحًا, لأنه شرط مستقبل بما يكون مستقبلًا.
فصل: وقد زعم كثير من الناس أنه كما لا يكون المشروط وقوعه إلا مستقبلًا, فكذلك لا يكون الشرط المتوقع المستقبل إلا متوقعًا مستقبلًا لا بل لا يجوز أن يقول آكل غدًا إذا كنت اليوم موجودًا, لو كان زيد اليوم راكبًا,
стр. 964
وفي هذا نظر, وهو عندنا غير صحيح, لأن أكثر الشروط متوقعة مستقبلة على ما قالوه.
وقد يكون الشرط حاصلًا غير مستقبل والمشروط وجوده لابد أن يكون مستقبلًا, لأن القائل قد يقول إذا قام زيد قمت, فشرط المستقبل بمستقبل مثله.
ويقول أهله اللغة - أيضًا - إن كان زيد اليوم في داره أو راكبًا أو مناظرًا قمت غدًا, وإن كان الأمير اليوم راكبًا في هذه الساعة جئتك غدًا, فيكون المشروط مستقبلًا وشرطه حاصل موجود, فلو تبين لنا أن زيدًا كان في داره, وأن الأمير كان راكبًا, وقبل وقوع المشروط لصح كونه شرطًا, وإن كان حاصلًا وثابتًا قبل المشروط, وإنما يمتنع أن يجعل قيام زيد في الحال شرطًا لصحة قيامه في غد, لأنه قد يصح قيامه في غد وإن لم يكن زيد قائمًا في الحال, فلو قال لا يصح أن يقوم غدًا حتى يكون زيد قائمًا في هذا الحال لأبطل وأحال, لأن ذلك يصح منه, وإن لم يقم زيد.
فصل: وإذا قال الله سبحانه قد أوجبت عليك القيام غدًا, إن كان النبي راكبًا اليوم أو محاربًا لصح ذلك ولوجب القيام في غد إن كان راكبًا ومحاربًا, وليس هذا الشرط شرطًا لله , لأنه عالم لا محالة بأن زيدًا قائم أو غير قائم, ولكنه شرط للمكلف فيجب عليه اعتقاد كون هذا القول أمرًا بشرط يجوز كونه حاصلًا ويجوز عدمه.
فصل: فإن قال قائل: فكيف حال هذا القول عند الله إن كان زيد قائمًا في هذه الحال وإن لم يكن قائمًا.
قيل له: حاله إنه عنده أمر للمكلف بشرط وجود قيام زيد فإن كان قائمًا فهو أمر له بشرط قد وجد, وإن لم يكن قائمًا فهو أمر على الحقيقة بفعل له
стр. 965
يوجد شرطه. وكذلك الأمر لمن مات أو جن أو منع من الفعل بمرض وعذر أنه أمر له على الحقيقة بشرط لم يوجد, والقدرية تقول: إن ذلك ليس بأمر له وإن كانت صورته الأولى صورة الأمر, لأنه لم يرد وقوع ذلك ونحن نبين هذا في فصول القول في النسخ, وقد مضى طرف منه في فصول القول في الأوامر وأن الداخل في الصلاة يجب أن ينويها فرضًا بشرط بقائه سليمًا, ولو اعتقد أنه لا يدري أفرضت عليه الركعات أم لا لم تجزئه صلاته.
وقد يصح تقديم الشرط اللغوي المخصص للعام ويجوز تأخيره لأنه لا فرق بين قول القائل إن جئتني جئتك, وبين قوله أجيك إن جئتني, فيقدم
стр. 966
تارة الشرط ويؤخره أخرى, وكذلك فلا فصل بين أن يقول إن كان المشركين وثنيين أو محاربين فاقتلوهم, وبين أن يقول: اقتل المشركين إن كانوا وثنيين ومحاربين.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ فقدم الشرط, وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهذا تقديم للشرط, ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وهذا تقديم للشرط, ثم قال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ تأخر من هذا الشرط, فهو في هذا الباب مفارق لامتناع تقدم الاستثناء على جميع الجملة التي هو مستثنى منها, لأنه لا يحسن أن يقول: إلا السيوف وأطراف القنا وزر من غير تقديم شيء من جملة الكلام, نحو قوله: الناس ألب علينا وأمثاله, فافترقا في هذا الباب.
فصل آخر: من القول في حكم الشرط, وقد يصح جعل وجود الشيء شرطًا لوجوب شيء آخر, ويجوز جعل عدم أمر وانتفائه شرطًا لوجوب شيء, فالأول نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ والثاني نحو قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وقوله: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ في أمثال هذا مما يطول تتبعه.
فصل آخر من القول في ذلك
وقد يكون الشرط زمانًا, وقد يكون مكانًا, وقد يكون فعلًا للواحد المكلف, وقد يكون أفعالًا للجماعة.
стр. 967
فأما الشرط بالزمان نحو قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وأما الشرط بالمكان, فنحو قولهم: اضرب زيدًا إذا كان بالحجاز, وأكرمه إن صار إلى العراق, وقد جعلت عرفة ومواضع المناسك شرطًا لصحة أفعال الحج, وجعل المسجد عند كثير من الناس شرطًا لصحة الاعتكاف وأمثال هذا كثير.
فأما الشرط بالفعل, فنحو القول اضرب زيدًا إن ضربك, وعظمة إن عظمك, وقد يكون الشرط لإيجاب الفعل صفة, نحو القول اضرب زيدًا إن كان صحيحًا أو قائمًا أو متألمًا أو ملتذًا.
وقد يكون الشرط مما يجري مجرى الفعل, ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ومن نحو قولهم: اشرب الماء إذا كان عذبًا, وتجنب ذلك إذا كان وبيئًا أو أجاجًا.
وقد يكون الشرط لوجوب الفعل صفة وأمرًا لغير المأمور, والمأمور بإيقاع الفعل فيه, بل أفعال للغير, وذلك نحو لزوم فرض الجمعة بشرط وجود الجماعة, ولزوم فرض الجهاد والمنع إذا كان مع المكلف عدد يكون بهم القيام.
وقد يكون فعل بعض المكلفين للشيء فرضًا لسقوط فرض مثله عن غيره, نحو وقوع عقد الإمامة من بعض الأمة ودفع العدو وغسل الميت ومواراته والصلاة عليه, وكذلك القول في جميع الفرائض دون الأعيان.
стр. 968
فصل: وقد يكون الشرط شرطًا للواجب والندب والإباحة والحظر, فليس الشرط مقصورًا على حكم من أحكام الشرع.
فصل: واعلموا أن اختلاف صفات العبارات وأحكامها بمثابة تغايرها واختلاف أجناسها, فكما أنه إذا كان الواجب منها غير المباح, والحرام غير الحلال لم يجز أن يكون الشرط لتحريم الشيء شرطًا لتحليل شيء آخر, وإن صح ذلك وجاز, لأنه لا يمتنع أن يكون الشيء شرطًا لأحكام كثيرة على مكلف واحد أو مكلفين متغايرين إذا قال إن طلع الفجر, فقد أوجبت عليك الصلاة حرمت الأكل والشرب والوطء, وأطلقت لزيد التصرف والمشي لصح ذلك وجاز, وإنما غرض هذا الباب أن يعلم أن للأمر والتعبد بالفعل حكم غير الحكم بصحته وإجزائه, فإذا جعل دلوك الشمس شرطًا للأمر بفعل الصلاة لم يجب كونه شرطًا للأمر بفعل الصلاة لم يجب كونه شرطًا لإجزائها وسقوطها مثلها, وكذلك إذا جعل الشيء شرطًا لإجزاء الفعل وصحته لم يجز جعله شرطًا للأمر والتعبد به, لأن الصلاة في الدار المغصوبة مجزئة بشروط تقتضي إجزاؤها, ولا تقتضي التعبد بها, وكذلك الذبح والتوضي بالمغصوب وقد ظن به كثير من الناس إن ما كان شرطًا في الأمر بالشيء, فهو شرط لإجزائه وسقوط مثله, وما كان شرطًا لإجزائه كان شرطًا للأمر به. وذلك باطل بما بيناه في فصول القول في الأوامر, فبان بذلك صحة ما قلناه من أن الشرط لبعض أحكام الفعل لا يجب كونه شرطًا لحكم آخر, وإن صح كونه كذلك.
стр. 969
فصل: واعلموا أن الشرط إنما يدخل في الكلام لما له يدخل الاستثناء فيه, لأنه إنما يدخل الاستثناء لإيقاف المستثنى والمنع من إجراء الحكم عليه, وكذلك الشرط, لأنه لا فصل بين أن يقول: اقتلوا المشركين إلا أهل العهد وبين أن يقول: اقتلوا المشركين إن لم يكونوا معاهدين, وقد فصل قوم بين ذلك, وهو باطل, وخلاف لما عليه أهل اللغة من إيجاب تساويهما, ولا فصل بين الاستثناء بمشيئة الله ومشيئة زيد في أنهما جميعًا يرفعان حكم المستثنى إذا علمت مشيئتهما.
فصل: وقد يرد بلفظ الشرط والتعليل ما ليس بشرط ولا تعليل إذا قام الدليل على ذلك, ويكون مجازًا قد صرفه الدليل عن موضوعه كما يصح التجوز بغير ذلك من الألفاظ نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
стр. 970
باب
القول في أن تخصص بعض العلم بالشرط والاستثناء
لا يوجب تخصيص جميعه
قد بينا فيما سلف أن الشرط والاستثناء يصح رجوعهما إلى جميع ما تقدم من الجمل, ويصح رجوعهما إلى البعض الذي يليهما وإلى ما قبله, وإن كان الكلام جملة واحدة فقد خصاها وأخرجا منها قدر ما تناولاه وإن كانا جملتين أو جملًا كثيرة وقام الدليل على أن الشرط متعلق ببعضها خص الشرط بتلك الجملة فقط, ولم يجب تخصص باقي الجمل به, وقد يجوز أن ترد الآية العامة منظومة على جمل فيكون أولها على العموم وآخرها خاص.
وقد يكون آخرها عام وأولها خاص, وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ وقد ثبت أن ذلك شائع في بعضهم, وهن اللواتي تملك رجعتهم والتي لم تبت بثلاث, ولم تنقض عدتها, ولم يوجب ذلك أن يكون من اللائي عنين بفرض التربص ثلاثة قروء, وأن التربص والإعداد عام في كل مطلقة, والرجعة والرد مقصور على بعضهن.
ومن هذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وقد ثبت أن العفو غير جائز من المطلقة وأنه مقصور على
стр. 971
البالغةً المالكةً لأمرها، ولم يوجب ذلك تخصيص الحكم الأول، وهو أن كل مطلقةً قبل الدخول بها لها نصف الصداق، بل ذلك باقٍ على عمومه، والعفو مخصوص في بعضهن.
ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ في أنه عام في كل من قصد طلاقها. وإن أول الخطاب للنبي ﷺ وقوله في موضع أخر ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ راجع إلي بعضهن وهن اللواتى تملك رجعتهن دون المبتوتات. وقوله بعد ذلك: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ لا يوجب أن يكون ذلك أجلًا لكل مطلقة. وإن لم يكن خلافًا، فبان بذلك أنه لا يجب تخصصه جميع الجمل لتخصص بعضها بشرط أو استثناء.
وكذلك - أيضًا - إذا ذكرت الجمل المعطوف بعضها على بعض بلفظ الأمر والوجوب على القول بلفظ بني لذلك ثم قام الدليل على أن الأمر متعلق ببعض ذلك على وجه الندب أو الوجوب لم يجب كونه متعلقًا بجميعه على ذلك الوجه. وهذا نحو قوله سبحانه ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وبعض ما تقتضيه هذه الآية عام، وبعضه خاص وبعضه ندب? وبعضه واجب، لأن قوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ عام في كل الثمر كثيرةً وقليله وقوله: (وَآتُوا حَقَّهُ) خاص في قدر ما يوسق، وما يجب فيه الزكاةً دون البقول والخضروات. وقوله (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ) على الندب إلى ذلك أو الإباحةً والإطلاق له. وقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ على الفرض والإيجاب.
стр. 972
ومنه قوله - أيضًا -: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ عند من زعم أنه يجب أن يضع عنه من مال كتابته شيئا وقوله: وكاتبوهم على الندب والإرشاد. والأمران عند الجمهور من أهل العلم على الندب دون الإيجاب.
وكذلك سبيل قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ لأن تمتيعهن واجب عند بعض الناس على الموسع قدره وعلى المقتر قدره.
والطلاق مباح، والمتعةً إما على الوجوب أو الندب.
ومن هذا -أيضًا - قوله ﵇: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزروها? ولا تقولوا هجرًا وإن انتبذوا في الظروف واجتنبوا كل مسكر))
стр. 973
وقد ثبت أن زيارة القبور مباحةً والنهي عن الهجر على الإيجاب? وأن الانتباذ في الظروف مباح واجتناب السكر واجب- وتتبع هذا يطول، وفيها ذكرناه من ذلك كفايةً.
стр. 974
باب
ذكر جمل الأدلة المنفصلة المخصصة للعام
مما يوجب العلم وما لا يوجبه
جملة الأدلة المخصصة للعموم المنفصلة على ضربين:
أحدهما: يوجب العلم والقطع? والآخر/ لا يوجبه، والذي يوجب العلم منها دليل العقل، ونص الكتاب والسنة الذي لا احتمال فيه ولا اجتهاد في العمل بالمراد به? وفعل الرسول المعلوم وقوعه منه على وجه البيان لذلك? وإجماع الأمة على تخصصه بنصها على ذلك، أو ما يقوم مقام النص من أفعالها والأسباب القائمةً مقام القول بأنه مخصوص هذه جملةً ما يوجب العلم من الأدلة المنفصلة.
والضرب الآخر أخبار الآحاد والقياس جليه وخفيه. وقد يخص العموم عند بعض أهل الاجتهاد بالاستدلال بشواهد الأصول وأقوال الأئمة ومذاهب الرواةً وقول الصحابي وإن لم ينتشر فإذا انتشر وعدم الخلاف صار حجةً يوجب العلم وإجماعًا عند بعضهم. هذا جملةً ما يخص به العام.
стр. 975
باب
القول في وجوب تخصص العام بدليل العقل
واعلموا قبل الشروع في تفصيل ما يخص العموم أننا قد بينا فيما سلف أن العموم والخصوص معنيين في النفس لا يكونان أبدًا إلا على ما هما عليه. فالعام عام أبدًا، لا يجوز كونه مخصوصًا. وكذلك الخاص. وإنما العبارةً ذات الصيغة والصورةً التي تكون عبارةً عن العام تارةً بإطلاقها عند القائلين بذلك، وتكون عبارةً عن الخصوص بقرينتها هي التي يدخلها التجوز والاحتمال. وهذه العبارة إنما تصير عبارةً عن العموم بالإرادةً لكونها عبارةً عن ذلك. وكذلك تكون عبارةً عن الخصوص بالإرادة لذلك. وقد بينا هذا من قبل بما يغني عن إعادته.
فصل: ومتى قلنا أنه مخصوص بدليل العقل وجميع ما عددناه فإنا نتجوز بذلك ونعني به أنه دليل على إرادة المغير لكون العبارةً عبارةً عن الخصوص وإلا ما الذي به يصير عبارةً عن الخصوص أو العموم هي الإرادةً.
فصل: والذي يدل على تخصص العقل للعموم علمنا من جهته بأن المراد بقوله ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ و ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ و ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾
стр. 976
و ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ بعض ما يقع عليه الاسم دون جميعه، وعلمنا أيضًا من ناحية العقل بأن المراد بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ وأمثال ذلك من أدلة العقلاء البالغين دون الأطفال والمنتقصين في أمثال هذا/ مما يطول تتبعه. ولسنا نعني بكون العقل مخصصًا لذلك إلا علمنا من ناحيته بأنه لم يرد جميع من يقع عليه الاسم، ولم يدخل في الخطاب.
فإذا سلم وجَلا عنه إحالة تخصص العام بدليل العقل هذه الجملة، وقال لا اسمي ذلك تخصصًا صار مخالفًا في عبارة لا طائل في المشاحة فيها مع تسليم المعنى.
ويدل على ذلك - أيضًا - إنه إذا جاز الانصراف عن ظاهر الخطاب إلى المجاز بدليل العقل، وذلك كثير في الكتاب والسنة جاز تخصص العام به إن كان اللفظ حقيقةً فيما بقي بعد التخصيص، أو مجازًا فيه. فمن ادعى منع ذلك طولب بالحجةً عليه، ولا سبيل له إلى ذلك.
فصل: وقد احتج من حكي عنه إنكار تخصص العام بدليل العقل بأن دليل العقل متقدم على وجود السمع، ومحال تقدم دليل الخصوص
стр. 977
على اللفظ المخصوص. وإنما يجب كون المخصوص لفظًا موجودًا? كما يستحيل كون التأكيد تأكيدًا لخطابٍ لم يوجد. وهذا خلاف في عبارة، لأن تقدمه لم يخرجه عن صحة علمنا به خروج بعض ما تناوله الاسم منه. وهذا هو معنى قولنا خص العام. ولعمري أننا لا نسمي دليل العقل المتقدم تخصيصًا للعبارةً قبل وجودها? وإنما نصفه بأنه مخصص إذا وجد ما يكون مخصصًا له. فيتغير الحال في وصفه بأنه مخصص لتجديد العبارة. فإذا كان ذلك كذلك سقط ما قالوه.
هذا على أن الكلام الذي يبين قوله في العقل أنه مخصوص هو كلامه ، وهو عندنا قديم غير مخلوق سابق لوجود العقل، وكل دليل يخصه سواه، فزال ما قالوه.
ثم يقال لهم: فقولوا إن دليل العقل مخصص كسمع إذا وجد. وإن أحلتم كونه مخصصًا له قبل وجوده، ولا سبيل لهم إلى دفع ذلك.
стр. 978
فأما من يقول إن العبارةً هي نفس الكلام، وأنه كلام قديم، لم يزل الله متكلمًا به، فإنه يحيل على هذا القول كون تقدم دليل العقل على العام من كلام الله. فبطل اعتلالهم على قول هذا الفريق من النفاةً لخلق القرآن.
وقد زعم قوم أنه لا يجوز أن يقال: العقل خص ما لا يجوز دخوله قي اللفظ. وما لو قال المتكلم به قصدت دخوله فيه لعد جاهلًا ومبطلًا. ونلك نحو قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ و ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ و ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وما جرى مجرى ذلك، لأنه قد علم إحالة دخول كل ما/ يقع عليه اسم شيء تحت القدرة والخلق. وإنه لم يرد بقوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ نفس الطفل والمجنون إذا قتلوا? وإنما أراد ذا نفسٍ على صفة مخصوصةً، وهذا أيضًا خلاف في عبارةً، لأن إحالة تناول القدرةً والخلق لكل شيء لم يخرج ما استحال ذلك فيه عن استحقاق الاسم، وهو خارج عن الخطاب بالدليل? وليس معنى التخصص أكثر من خروج ما يلحقه الاسم الداخل تحت الكلام بدليل، ولا معتبر بتسميته تخصصًا أو منع ذلك. فأما قوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فليس بمحال إيجابه تعالى قتل كل نفس قتلت نفسًا? وإن لم يكن العاقل عاقلًا، ولو تعبد بذلك لكان سائغًا جائزًا حسنًا، وليس التعبد والأمر به بأعظم من توليه إماتةً من ليس بعاقل من الأحياء. فليس هذا من الضرب الأول بسبيل.
стр. 979
باب
القول في تخصص العام من الكتاب والسنة بنص
الكتاب والسنة وفعل الرسول الواقع موقع السنة
اعلموا - رحمكم الله - أن الجمهور من الفقهاء والمتكلمين يقولون إن الخبر الخاص وما يقوم مقامه من فعل الرسول مخصص للعام وأن العام متى ورد بُني على الخاص. وإذا قلنا بذلك وجب القول يخصص الخاص من الخبرين للعام. لأنه تبين به خروج متضمنةً منه.
وقد قال بتعارض الخاص والعام فريق من أهل العلم من أهل العراق، وأهل الظاهر، وهو الأولى عندنا، لأننا إذا وجدنا عامًا من الأخبار وخاصًا. ولم يعرف التاريخ جاز ورود أحدهما مثبتًا لحكم الآخر ومخصصًا له إذا لم يفرد ويستقر حكمه. وذلك نحو قوله ((في الرقة ربع العشر)) ? ((وفيما سقت السماء العشر)) ? مع قوله: ((ليس في دون مائتي درهم صدقة? وليس فيما دون خمسةً أوسق صدقةً)) وأمثال ذلك.
стр. 980
ومثل هذا يجوز فيه أن يكون العام قد تقدم وثبت حكمه وبرد، ثم ورد الخاص ناسخًا لقدر ما تناوله ورفعه بعد استقرار الحكم فيه. ويجوز أن يكون الخاص هم المتقدم الذي استقر حكمه وبرد، ثم ورد العام بعده مستوعبًا مستغرقًا لجميع ما وقع عليه الاسم مما تناوله الخاص وما عداه فيكون رافعًا لحكم الخاص وناسخًا له، هذا ما لا خلاف في جوازه/ ٤١٣ كما
стр. 981
أنه لا خلاف في جواز اقترانه به له لوروده مورد البيان لتخصيصه. ومتى جاز الاقتران لم يكن العمل بأحدهما ووجب تعارض قدر ما تناوله العام لزم العمل في حكه بشيء غيرهما? هذا واجب عندنا.
فأما قول من زعم أن البناء والترتيب أولى لأنه استعمال للخبرين. فإنه قول باطل، لأنه استعمال للخاص وإطراح لقدر ما تناوله من العام، وإن كان اللفظ يقتضي دخوله فيه فما استعملوا الخاص علي موجبه، وليس باطراح ذلك القدر من العام لكان الخاص أولى من إطراح الخاص لموضع اقتضاء العام لدخوله فيه، وذلك ما لا حيلةً في دفعه.
فأما إذا لم نقل بالتعارض وجب القول بتخصص العام بنص السنة والكتاب وفعل الرسول ﷺ القائم مقامهما؛ لأنه لا يمكن استعمالهما إلا على وجه تخصص العام بالخبر الخاص وبيانه عليه واستعماله فيما بقي، وكذلك سبيل التعارض أو التخصص بين فعله الواقع موقع البيان وتركه الفعل الواقع على وجه البيان، لأنه يمكن أن يقع على وجه النسخ وعلي وجه البيان، ويستدل على وقوع فعله موقع قوله.
فصل: فإن كان الخبر الخاص من أخبار الآحاد التي لم يعلم صحتها ضرورة. ولا بدليل من اجماع أو غيره وجب أن يقول إنه مخصوص للعام في حق من رأى العمل بذلك الخبر دون من لم يره من العلماء وهو أيضا خاص عند الله تعالى في حق فرضه على ذلك العالم وفرضه على غيره القول بأنه عام غير خاص، لأن فرض العلماء في مثل هذا مختلف.
ولو كان مما قامت الحجةً بثبوته كان خاصًا عند الله سبحانه بغير شرط ولا تقييد وإضافة لخصوصه إلى حق أخر.
стр. 982
وكذلك إن أجمعت الأمة على العمل به وإن لم يوجب العلم كان الحكم مخصوصًا به عند الله سبحان في حق الأمة المتعبدة بالعمل بخبر الواحد. وجاز أن يكون الخبر عنده تعالى صدقًا صحيحًا. وجاز أن يكون باطلًا موضوعًا وإن وجب على الأمة إعماله في تخصص إذا ورد بشروطه، لأن إجماع الآمةً على العمل به لا يدل على صدق راويه وصحته. كما أن إجماعها على العمل بالشهادةً التي ظاهرها العدالةً لموضع تعبدها بذلك لا يدل على صدقها ما نبينه من بعد. فهذا ما يجب تنزيله على ما قلناه.
стр. 983
باب
القول في تخصص العام بالإجماع
وإذا أجمعت الأمة على أن العام مخصوص ودانت بذلك علم بإجماعها أنه وارد فيما عدا الذي أجمعت على إخراجه منه، لأنها لا تجمع على خطأ، ولا تخرج ما دخل في العام ولا تنسخ حكمه بعد ثبوته، لأن إجماعها دليل يستقر بعد النبوة وانقطاع الوحي، والنسخ لا يقع إلا من قبل الله التعبد لخلقه. وإنما تتبع الأمة الأدلة، ولا ترفع حكمًا ثابتًا وما ينسخ من الأخبار عن الرسول، فإنما هو بيان عن نسخ الله سبحانه للحكم، وإنما توصف بسببه بأنها ناسخةً على معنى إنها دلالةً على قول الله الناسخ للحكم، على ما سنشرحه من بعد.
فصل: وإذا أجمعت على أن بعض ما دخل تحت العام مخصوص خارج عنه وجب القطع على خروجه منه، وجوزنا مع ذلك أن يكون خارجًا منه على وجه النسخ لحكمه بعد استقراره ودخوله في حكم العام. وجوزنا أن يكون خارجًا منه على وجه التخصص والبيان المقترن بالخطاب أو المتراخي عنه على القول بجواز تأخير البيان. فإن اتفقت مع أنه خارج عن حكم العام على أنه خرج على وجه النسخ أو على وجه التخصص والبيان قطع بذلك. وإن
стр. 984
اختلفت فيه اختلافًا لم تتم الحجة ببعضه وجب الوقوف في ذلك، فيجب أيضًا تنزيل الأمر في هذا على ما قلناه.
فصل: فأما التخصص بالقياس فإنه واجب صحيح. فإن كان قياسًا قد أجمعت عليه الأمةً قطع بأنه مخصص للعام عند الله وعند الأمة?ً وإن كان مما لم يجمع عليه وإنما قال به البعض كان القياس مخصصًا للعام عند الله وعند ذلك المجتهد في حقه لا على الإطلاق. وإن اعتقد بعضهم أن ذلك القياس لا يوجب تخصص العام لم يكن العام مخصوصًا عند الله في حق ذلك العالم، لأن الاجتهاد في غير ذلك القياس سائغ.
فأما القول بأنه لا يجوز تخصص العام بشيء من القياس وأخبار الآحاد ممن جعل القول بذلك من مسائل الاجتهاد وجب أن يقول أيضًا إن العام مخصوص عند الله في حق من رأى من العلماء وجوب تخصصه بخبر الواحد وذلك فريضةً عليه وغير خاص عنده سبحانه وعندنا وعند من لم ير ذلك من العلماء على ما بيناه من قبل.
وأما إذا قلنا أن ذلك من مسائل الأصول/ وأن الدليل قد قطع على وجوب تخصص العام بالقياس وخبر الواحد وجب العمل بذلك والقطع بتخطئة المانع له. وإن سوغنا الاختلاف في غير خبر وقياس. وهذا هو الأولى عندنا. ونحن نبين ذلك في باب تخصص العموم بالقياس إذا لم نقل بتقابلهما إن شاء الله.
هذا جملةً ما يخص العام عندنا دون قول الأئمة وقول الصحابي ومذهب الراوي، وما يجري مجرى ذلك مما نذكره من بعد، وبالله التوفيق، وبه نستعين.
стр. 985
باب
القول في تخصص العام بأخبار الآحاد وذكر الخلاف
في ذلك وما نختاره منه
اختلف الناس في هذا الباب من مثبتي العموم ووجوب العلم بخبر الواحد والمنكرون لوجوب العمل به.
فقال كل من أنكر وجوب العمل بخبر الواحد أنه لا يجوز تخصص العموم به، لأنه إذا قابله العموم، كانت حالة أضعف منها إذا انفرد ولا شيء يقابله. فإذا لم يجب العمل به إذا انفرد كان أبعد عن وجوب العمل به والعموم في مقابلة موجبها وهذا لعمري واجب على موضوعهم، وإنما يجب أن يدلوا أولًا على وجوب العلم به منفردًا، ثم ينظر في وجوب تخصص العموم. ونحن نذكر الأدلة على وجوب العمل به عند انتهائنا إلى الكلام في الأخبار إن شاء الله.
وأما المثبتون لوجوب العمل بكل واحد منهما إذا انفرد فقد اختلفوا في ذلك.
следующие страницы →