← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

فإن قلنا ينفسخ العقد بالانقطاع، ينفسخ هاهنا في المنقطع، وهل ينفسخ في الباقي؟ حكمه: حكم ما لو تلف أحد المبيعين قبل القبض، والمذهب: أنه لا ينفسخ وله الفسخ؛ فإن أجاز، فلا يجب إلا حصته من رأس المال. وإن قلنا: لا ينفسخ السلم بالانقطاع وللمسلم الخيار، إن شاء فسخ في الكل، وإن شاء أجاز [في الكل]، فإذا أراد أن يفسخ في القدر المستقطع ويجيز في الباقي - هل يجوز، أم لا؟ فعلى قولين؛ بناء على تفريق الصفقة في الرد بالعيب، وعلى هذا لو اكترى داراً منه، فسكنها نصف المدة، ثم انهدمت الدار - انفسخ العقد في المستقبل، ولا ينفسخ في المدة الماضيةن وهل له أن يفسخ؟ فيه وجهان. كما لو تلف أحد المبيعين قبل القبض، والآخر مقبوض تالف؛ لأن ما استوفاه المكتري كالتالف. فإن قلنا: لا فسخ له، يجب عليه من المسمى بقدر ما يقابل المدة الماضية. وإن قلنا: له الفسخ؛ ففسخ، فعليه أجر المثل للمدة الماضية، والله أعلم. باب اختلاف المتبايعين رُوي عن عبد الله بن مسعود؛ أن رسول الله ﷺ قال: إذا اختلف البيعان، فالقول قول البائع، والمبتاع بالخيار".

стр. 1227

ويروى: إذا اختلف المتبايعان، تحالفا. إذا اختلف المتبايعان في قدر الثمن، فقال البائع: بعتك بألف. وقال المشتري: لا، بل بخمسمائة. أو في جنسه، أو في وصفه، أو في المبيع. فقال البائع: بعتك هذا العبد، فقال: بل هذه الجارية، وكان الثمن معيناً متفقاً عليه. أو في قدره؛ فقال بعتك هذا العبد، فقال: بل العبد والجارية. أو اختلفا في أصل الخيار، أو في قدره، أو في أصل الأجل، أو قدره أو في الثمن، أو في قدره، أو شرط الرهن، أو في قدره أو جنسه، أو في شرط الكفيل - فإنهما يتحالفان؛ لأن كل واحد مُدع ومدعي عليه. فالبائع مدع زيادة الثمن، ومدعي عليه تملك العين بالأقل. والمشتري مدع تملك العين بالأقل، ومدعي عليه الزيادة؛ ولذلك سُمعت من كل واحد منهما. ومن حيث إن كل واحد مدع سمعت بينتهن ومن حيث إن مدعي عليه، قبلت يمينه. وكذل لو اختلفا في السمل في قدر المسلم فيه، أو في الأجل، او في قدره يتحالفان. وكذلك في الإجارة، والنكاح، والخلع، والكتابة - يتحالفان.

стр. 1228

ولا فرق بين أن يكون اختلافهما في حال قيام السلعة، أو بعد هلاكها. وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف: إذا اختلفا، والسلعة قائمة، تحالفا، وبعد هلاك السلعة لا يتحالفان، بل القول قول المشتري مع يمينه. فإن قتله أجنبي قال: يتحالفان؛ لأن اليمة تقوم مقامهما، وإذا اختلفا في الأجل، أو الخيار، أو الرهن - فالقول قول من يبقيه عنده. وعند مالك: إذا اختلفا، فالقول قول من السلعة في يده. وقال أبو ثور: القول قول المشتري مع يمينه. والحديث حجة عليهم، وقوله ﵇: "القول قول البائعن والمبتاع بالخيار" معناه: المبتاع بالخيار بين أن يمسكه بما حلف عليه البائع، وبين أن يحلف، ويرد المبيع. وكذلك إذا اختلف الوارثان بعد موت المتبايعان يتحالفان. وعند أبي حنيفة: لا يتحالفان، بل القول قول من في يده العين. هذا إذا اتفقا على صحة العقد. لكن كل واحد يدعي صحته على غير الوجه الذي يدعيه صاحبه. أما إذا كان أحدهما يدعي فساد العقد؛ بأن قال البائع: بعتك بألف، وقال المشتري: بألف وزق خمر، أو قال أحدهما: عقدنا على خيار أربعة، أو أجل مجهول، أو شرط فاسد - فالقول قول من؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو الأصح-: القول قول من يدعي الفساد مع يمينه؛ لأن الذي يدعي الصحة يدعي تملك المال على الآخر، وهو ينكر؛ كما لو اختلفها في أصل البيع، فالقول قول من ينكره مع يمينه. والثاني: القول قول من يدعي الصحة؛ لأن الظاهر من أمر العقود الصحة، وعدم الفساد؛ حتى لو قال أحدهما: بعتك بألف، وقال الآخر: بل بخمر، أو بثمن مجهول فالقول قول من يدعي الصحة؛ فعلى هذا الطريق؛ إذا قال أحدهما: بعتك بألف، وقال الآخر: بل بخمسمائة وزق خمر، وحلف على نفي الفساد - يتحالفان في الثمن. وقيل: إذا اختلفا في شرط فاسد، أو في فاسد، ضم إلى الثمن الصحيح؛ كما في الصورة التي ذكرنا - ففيه وجهان؛ بناء على تبعيض الإقرار. وفيه قولان: إن قلنا: لا يبعض - وهو الأصح- فالقول قول من يدعي الفساد.

стр. 1229

وإن قلنا: ببعض، فالقول قول من ينفي الفساد؛ لأن صاحبه مقر بالبيع، ويدعي ما يدفعه؛ فلا يقبل. أما إذا قال البائع: بعتك بألف، وقال الآخر: بل بزق خمر، أو بثمن مجهول - فالقول قول من يدعي الفساد، بلا خلاف؛ لأنه لم يقر بشيء يلزمه. ثم في التحالف يجوز للحامك أن يبدأ بأيهما شاء، وأيهما أولى بالبداية به؟ نص في البيع على أنه يبدأ بيمين البائع، ونص في النكاح إذا اختلف الزوجان: يبدأ بيمين الزوج؛ وهو بمنزلة المشتري؛ فقد قيل: فيه قولان: أحدهما: يبدأ بيمين البائع، وفي السلم في يمين المسلم إليه؛ لأنه بائع السلعة، وفي الكتابة بيمين السيد؛ لأنه بمنزلة البائع، وفي النكاح بيمين المراة؛ لأنها بمنزلة البائعة. والثاني: يبدأ بيمين المشتري. ومن أصحابنا من فرق بينهما؛ على ظاهر النص. قال في البيع: يبدأ بيمين البائع؛ لأن جانبه أقوى من حيث إن ملكه تم بالعقد على الثمن في ذمة المشتري؛ حتى يتصرف فيه بالحوالة والإبراء. وملك المشتري لا يتم على المبيع بالعقد. وفي النكاح: يبدأ بيمين الزوج؛ لأن ملكه تم على البُضع بالعقد؛ حتى يتصرف فيها، وبعد التحالف لايزول ملكه عنها؛ فكان جانبه أقوى. ثم كيفية اليمين؛ ظاهر ما نص هاهنا يدل على أنه يحلف كل واحد منهما يميناً واحدة يجمع فيها بين النفي والإثبات؛ لأنه قال: فأيهما نكل عن اليمين، وحلف صاحبه، حكم له. فهذا يدل على أن يمين الحالف كان على النفي والإثبات جميعاً؛ لأنه إذا حلف على مجرد النفي، لا يقضي له بنكول صاحبه ما لم يحلف على الإثبات. ونص فيما لو تداعى رجلاً داراً في أيديهما، حلف كل واحد منهما على نفي ما يدعيه صاحبه. ثم لابد للإثبات من يمين آخر: اختلف أصحابنا فيه: منهم من جعل فيهما قولين: أحدهما: يحلف كل واحد منهما يميناً واحداً، يجمع فيها بين النفي والإثبات؛ فيحلف البائع بالله: ما بعته بخمسمائة، إنما بعته بألف.

стр. 1230

ويحلف المشتري بالله: ما اشتريته بألف، إنما اشتريته بخمسمائة، ويقدم يمين النفي، لأن اليمين أبداً تكون على النفي، فلو قدم الإثبات يجوز. والقول الثاني: يحلف كل واحد على النفي وحده، ثم على الإثبات. وكذلك في دعوى الدار، يحلف كل واحد على نفي ما يدعيه صاحبه، ولا يحلف على الإثبات؛ لأن يمين الإثبات لا معنى له قبل نكول صاحبه. والبائع في دعوى الألف مدع، فلا يقبل بيمينه قبل نكول صاحبه، ثم بعدما حلفا على النفي يحلفان على الإثبات. ومن أصحابنا من فرق بينهما؛ وهو المذهب؛ فقال: [في التداعي] في الدار يحلف كل واحد على النفي؛ لأن منفي ل واحد ممتاز عن مثبته؛ لأن منفي كل واحد ما في يده ينفي عنه ملك صاحبه. ومثبته ما في يد صاحبه؛ فلا معنى ليمينه فيه قبل نكول صاحبه، وهاهنا يحلف كل واحد يميناً واحداً، يجمع فيهما بين النفي والإثبات. لأن منفي كل واحد في ضمن مثبته؛ لأن العقد واحد اختلفا في صفته. فإذا جمع البائع بين النفي والإثبات، لم يكن فيه تحليف المدعي على ما في يد المدعي عليه قبل نكوله؛ فجاز الجمع. ولا خلاف أنه لا يُقضى لأحدهما ما لم يحلف على النفي والإثبات جميعاً. فإن قلنا: يحلف يميناً واحدة؛ يجمع فيه بين النفي والإثبات؛ فإذا حلف أحدهما، ونكل الثاني، نقضي للحالف. وإن قلنا: يحلف على النفي، فإذا حلف أحدهما، يعرض اليمين على الثاني، فإن نكل حلف الأول على الإثبات وقضى له، وإن نكل عن يمين الإثبات لا نقضي له؛ لاحتمال أنه صادق في نفي ما يدعيه، وصاحبه كاذب فيما يدعيه. ولو نكل الأول عن اليمين حلف الآخر على النفي والإثبات، ونقضي له، فإذا حلف على النفي، فالصحيح أنه يفسخ العقد بينهما. ولا معنى ليمين الإثبات بعده؛ لأن الموجب للفسخ جهالة الثمن؛ وهي حاصلة؛ كما في تداعي الدار إذا حلفا على النفي فلا معنى ليمين الإثبات بعده.

стр. 1231

وقيل ها هنا: تعرض يمين الإثبات عليهما، فإن حلفا تم التحالف، وإن نكل أحدهما قضى للحالف. ولو اختلفا في عين المبيع: فقال البائع: بعتك هذا العبد، وقال الآخر: بل هذه الجارية. فإن كان الثمن معيناً متفقاً عليه، يتحالفان -كما ذكرنا - فيما لو اتفقا على المبيع، واختلفا في الثمن. وإن كان الثمن في الذمة، فقد قيل: يتحالفان - كما ذكرنا - كما لو اختلفا في قدر المبيع. والمذهب: أنهما دعوتان مختلفتان؛ فيحلف كل واحد على نفي ما يدعيه صاحبه؛ كما لو ادعى رجل على إنسان عبداً، أو ادعى ذاكعلى هذاجارية من غير بيع - يحلف كل واحد على نفي دعوى صاحبه. إذا قال البائع: بعتك هذا العبد، وقال المشتري: بل هذه الجارية، وأقام كل واحد بينة - يسلم للمشتري الجارية؛ لأنه أقام عليه البينة. أما البائع فقد أقر ببيع العبد، وزوال ملكه إلى المشتري؛ وقامت عليه البينة. فإن كان العبد في يد المشتري أقر في يده، وإن كان في يد البائع، ففيه وجهان: أحدهما: يسلم إلى المشتري، ويجبر على قبوله؛ لأن البينة قامت على ملكه. والثاني: لا يجب؛ لأنه ينكر ملكه، بل يقبضه الحاكم، وينفق عليه من كسبه. وإن لم يكن له كسب، وكان النظر في بيعه، باعه، وحف ثمنه. وكذلك لو اختلفا في الجهة: فقال: بعتك بألف، وقال الآخر: بل وهبتني بألفن يحلف كل واحد على نفي ما يدعيه صاحبه، ثم بعدما حلفا يجب على مدعي الهبة رده بزوائده. ولو قال: بعته بألف، وقال الآخر: بل رهنتنيه - حلفا على النفي، وأعطى الألف، واسترد العين. وعلى عكسه لو قال: رهنتكه بألف قبضته قرضاً، فقال: بل بعت بألف. فالقول قول المالك؛ يحلف بالله ما باعه، ويرد الألف، ولا يمين على الآخر، ولا يكون رهناً؛ لأنه لا يدعيه. وإن كان الثمن مؤجلاً، أو له على آخر دين مؤجل، فاختلفا في انقضاء الأجل - فالقول قول منعليه الحق مع يمينه؛ لأن الأجل له، والأصل بقاؤه. ولو أن المتبايعين تقايلا البيع، أو وجد المشتري بالمبيع عيباً ورده بعدما قبض البائع الثمنن ثم اختلفا في الثمن فقال البائع: ألف، وقال المشتري: ألفان - فالقول قول البائع

стр. 1232

مع يمينه؛ لأن البيع قد ارتفع، والمشتري مدع للزيادة، فالقول قول المنكر. فصل إذا اختلف المتبايعان، وتحالفا، فقد قيل: ينفسخ العقد بالتحالف؛ كما يفسخ النكاح باللعان. وليس بصحيح، بل المذهب: أنه لا ينفسخ العقد بمجرد التحالف؛ بخلاف اللعان؛ لأنه سبب فرقة من الزوج؛ كالطلاق؛ بدليل أنه ارتفع النكاح بمجرد لعان الزوج. وهاهنا العقد صحيح بأحد الثمنين في الباطن، لكن تعذر الوصول إلى معرفته، فلا ينفسخ به العقد؛ لأن النية أقوى من اليمين. ثم لو أقام بينة على ما يقول، لا ينفسخ العقد؛ فباليمين أولى ألا ينفسخ. ولكن الحاكم بعد التحالف يدعو كل واحد إلى موافقة صاحبه. فيقول للمشتري: تعطي ما يقوله البائع؛ فإن أعطى أجبر على القبول، وإن لم يعط، يقول للبائع: أترضى بما يقوله المشتري، فإن أبى يفسخ العقد بينهما. ثم فيه وجهان: أحدهما: يفسخ الحاكم العقد بينهما؛ لأنه مجتهد فيه؛ كفسخ النكاح بالعنة. والثاني: لهما الفسخ بأنفسهما، ولكل واحد منهما بانفراد إذا لم يوافقه صاحبه؛ كالفسخ بالعيب، وإذا فسخ العقد يرتفع في الظاهر من حينه. وهل يترفع في الباطن. نظر: إن كان البائع صادقاً فيما يقول، يرتفع في الباطن؛ لأنه تعذر وصوله إلى حقه؛ ما لو فسخ بسبب الإفلاس. ولو كان البائع كاذباً، ففيه وجهان: أحدهما: يرتفع، لتعذر إمضاء العقد؛ كما في الرد بالعيب. والثاني: لا يرتفع إلا ظاهراً؛ لأنه لم يتعذر عليه الوصول إلى ما ثبت له على المشتري لو صدق. فإن قلنا: يرتفع في الباطن، يجوز لكل واحد منهما أن يتصرف فيما عاد إليه تصرف الملاك، وإن كانت جارية جاز للبائع وطؤها. فإن قلنا: لا يرتفع في الباطن، لم يجز للبائع التصرف فيه. وقيل: لا يرتفع العقد إلا ظاهراً؛ سواء ان البائع صادقاً أو كاذباً؛ لأن سبب الفسخ

стр. 1233

جهالة الثمن؛ وهو في الظاهر؛ فعلى هذا لو كان البائع كاذباً لا ينفذ شيء من تصرفاته، وإن كان صادقاً فله على المشتري الثمن، وقد ظفر بماله يبيعه ويستوفي منه حقه، ولا يتصرف بشيء آخر. وإذا فسخ العقد بالتحالف، يجب على المشتري رد المبيع إن كان قائماً، وإن كان تالفاً عليه رد قيمته؛ باعتبار يوم التلف؛ سواء كان أكثر من الثمن الذي يدعيه البائع، أو أقل. وقيل: عليه قيمته أكثر ما كانت في يوم القبض إلى يوم التلف. ولو اختلفا في القيمة؛ فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه غارم. وإن كان قد تعيب في يده يغرم أرش العيب؛ بخلاف ما لو رد المبيع بالعيب، والثمن قد تعيب في يد البائع - أخذه، ولا أرش له؛ على الأصح؛ لأن الفسخ بالعيب ليس لمعنى يرجع إلى أصل العقد، والفسخ بالتحالف يرجع إلى أصل العقد؛ لأن هذا الاختلاف لو وجد حالة العقد منع العقد؛ بخلاف العيب. وإن كان المشتري أعتقه، أو وقفه، أو باعه، أو وهبه وأقبضه، أو عتق عليه بالملك - فهو كما لو كان تالفاً. وإذا رد فما حصل من الزوائد من كسب، أو ولد، أو ثمر شجر، أو مهر جارية وطئت - يبقى للمشتري. فإن كانت بكراً فافتضت في يده، يجب عليه أرش الافتضاض، وإن كان زوجها ردها وما بين قيمتها مزوجة وخلية. وإن كان رهنه، فالبائع بالخيار: إن شاء صبر؛ حتى يُفتك الرهن، وإن شاء أخذ قيمته. وإن كان قد أبق، أو كاتبه، أخذ القيمة. وإن كان قد أجره، إن قلنا: بيع المؤاجر لا يجوز، فكالرهن. وإن قلنا: يجوز، أخذه، ويترك في يد المستأجر؛ حتى تقضي مدته. والأجر المسمى للمشتري، وعلى المشتري للبائع أجر مثل [تلك] المدة الباقية بعد الفسخ.

стр. 1234

وإن كان قد أجره من البائع، أخذ البائع العين بعد التحالف قولاً واحداً. وهل تفسخ الإجارة؟ وجهان: كما لو باع الدار المُكراة من المكتري. فإن قلنا: لا تفسخ، فعلى البائع الأجر المسمى للمشتري، وعلى المشتري أجر مثل المدة الباقية للبائع. اختلاف المتبايعين في الثمن ولو باع عبداً واختلفا في الثمن: فقال البائع: إن كنت بعته بخمسمائة فهو حر. وقال المشتري: إن كنت اشتريته بألف فهو حر. ثم تحالفا، أو تحالفا أولاً، ثم حلفا بالحرية - فالعبد لا يعتق في الحال؛ لأنه ملك للمشتري، وبزعمه؛ أنه صادق في يمينه. فإن فسخ العقد بينهما، أو عاد إلى البائع بسبب آخر، عتق عليه بزعمه؛ أن المشتري كاذب، وقد عتق عليه العبد؛ كمن أقر بحرية عبد الغير، ثم اشتراه، يُحكم بحريته. وهل يعتق في الباطن، أم لا؟ نظر: إن كان البائع كاذباً لم يعتق؛ لأنه حين حلف بالحرية لم ينك العبد ملكاً له، وإن كان المشتري كاذباً عتق عليه. ولو أن البائع صدق المشتري بعدما حلف بالحرية؛ نظر: إن حلف البائع أولاً بالحرية، ثم المشتري - فكما فرغ المشتري من يمينه صدقه البائع. فإذا عاد بعده إلى البائع، لم يعتق؛ لأنه لم يوجد منه تكذيب المشتري بعد حلفه بالحرية؛ حتى يكون إقراراً بحريته. وإن حلف المشتري أولاً، ثم حلف البائع، ثم صدقه - عتق إذا عاد إليه؛ لأن في يمينه بعد يمين المشتري تكذيباً له، وإقراراً عليه بحرية العبد. ولو أن المشتري صدق البائع، حُكم بحريته. وإن كان قد فسخ العقد بالتحالف، رد الفسخ؛ كما لو رد العبد المبيع بالعيب، ثم أقر أني كنت أعتقته - رُد الفسخ، وحكم بعتقه. فصل في حكم البيع بثمن مؤجل إذا باع شيئاً بثمن مؤجل، ليس للبائع حبس المبيع؛ لاستيفاء الثمن؛ لأنه رضي بتأخير حقه، ولو لم يتفق التسلمي حتى حل الأجل، له مطالبته بالثمن، ولكن ليس له حبس المبيع؛

стр. 1235

لأن العقد لم يثبت له ذلك. وإن كان الثمن حالاً. يجوز للبائع حبسه؛ لاستيفاء الثمن. وإذا أخذ بعض الثمن؛ هل يجب أن يسلم من المبيع بقدره؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ حتى يقبض الكل؛ كالرهن لا يفتك شيئاً منه ما لم يأخذ جميع الدين. الثاني: يجب أن يسلم بقدر ما أخذ من الثمن؛ لأن كل جزء من المبيع بمقابلة جزء من الثمن؛ بخلاف الرهن؛ فإنه محبوس بالحق، وبكل جزء من أجزائه ليس بعوض عن الحق. ولو تبرع البائع بتسليم المبيع قبل القبض، لم يكن له بعد ذلك رده إلى حبسه. وكذلك لو أعاره من المشتري. فأما إذا أودعه من المشتري، فلا يسقط حقه من الحبس. ولو غصبه المشتري يعصي الله تعالى، وللبائع أن يرده إلى حبسه. فلو اختلف المتبايعان في التسليم: فقال البائع: لا أدفع المبيع؛ حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: لا أؤدي الثمن؛ حتى أقبض المبيع - ففيه أربعة أقوال: أحدها: لا يُجبر واحد منهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر؛ فإذا سلم أحدهما ما عنده، أجبر الآخر، ويمنعهما الحاكم من التخاصم. والثاني: يجبر أن يكلفهما الحاكم إحضار المبيع والثمن. ثم يسلم الثمن إلى البائع، والمبيع إلى المشتري، لا يبالي بأيهما بدأ، أو يأمر بوضعهما عند عدل، ثم يسلم العدل المبيع إلى المشتري، والثمن إلى البائع؛ لأن الحاكم نُصب لفصل الخصومات. كما لو كان لرجلين لأحدهما على الآخر دراهم، وللآخر عليه دنانير - أجبرهما على الأداء. والثالث - وهو الأصح -: يُجبر البائع على تسليم المبيع؛ لأن ملك المشتري غير مستر على المبيع قبل القبض؛ بدليل أنه لا يتصرف فيه. ولو تلف في يد البائع، ينفسخ البيع، وملك البائع مستقر على الثمن قبل القبض؛ بدليل أنه يتصرف فيه بالإبراء، وقد أمن هلاكه. والرابع- وبه قال مالك، وأبو حنيفة - رحمة الله عليهما-: يُجبر المشتري أولاً على تسليم الثمن؛ لأن حقه متعين في المبيع، وحق البائع غير

стр. 1236

متعين في الثمن؛ فيجبر على التسليم؛ حتى يتعين. هذا إذا كان الثمن في الذمة، فإن تبايعا عيناً بعين، فلا يأتي فيه إلا قولان: أحدهما: يجبران. والثاني: لا يجبران. ولو أجر داره بأجرة في الذمة، واختلفا في التسليم - ففيه أربعة أقوال؛ "كالبيع". فإن قلنا بالقول الأصح: إنه يجبر البائع، فسلم المبيع؛ فإن كان الثمن حاضراً مع المشتري أجبر على دفعه، وإن كان غائباً نظر: إن كان معه في البلد أمره بإحضاره، وحجر عليه في المبيع، حتى لا يتصرف فيه، سواء كان له مال أو لم يكن. وهل يُحجر عليه في سائر أمواله، أم لا؟ إن كان ماله يفي بديونه مع هذا البيع لا يُحجر عليه، وإلا فحجر عليه. ثم إن كان ماله غائباً عن البلد؛ نظر: إن كان إلى مسافة القصر، لا يكلف البائع الصبر إلى إحضاره، وماذا يفعل؟ فيه وجهان: أصحهما: تُباع السلعة في حقه؛ من له دين على الآخر؛ فظفر بغير جنس حقه، يباع في حقه. والثاني: يفسخ العقد، ويأخذ غير ماله؛ كما لو أفلس المشتري بالثمن. فإن كان دون مسافة القصر، ففيه وجهان: أحدهما: حُكمه حكم ما لو كان في البلد؛ يوقف السلعة، ويؤمر بإحضار الثمن. والثاني: حكمه حكم ما لو كان إلى مسافة القصر. وإن كان المشتري معسراً لا مال له، فهو مفلس، والبائع أحق بسلعته. ولو باع شيئاً؛ فهرب المشتري قبل أداء الثمن؛ فإن كان مفلساً، أخذ البائع عين ماله، وألا فتباع السلعة في حقه. ولو اشترى رجلان شيئاً من رجل، وغاب أحدهما - فللحاضر أن يعطي نصف الثمن، ويأخذ نصيبهن وليس له أن يأخذ نصيب الغائب، وإن أدى حصته من الثمن؛ لأنه لا ولاية له على الغائب. ولو اشترى رجل بوكالة رجلين شيئاً؛ فأدى نصف الثمن عن أحدهما - لا يجب على

стр. 1237

البائع تسليم النصف، على الأصح؛ لأن العاقد واحد. قلت: ويحتمل أن يُقال إذا كان البائع عالماً: إنه يشتريه لرجلين. فإذا أخذ نصيب أحدهما، يجب عليه تسليم نصفه. فإن كان البائع وكيل رجلين؛ فإذا أخذ نصيب أحدهما من الثمن؛ يجب عليه تسليم النصف. والله أعلم. باب الشرط الذي يُفسد البيع رُوي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما كان من شرط ليس في تاب الله، فهو باطل".

стр. 1238

أقسام الشرط الشرط في البيع قسمان: قسم يقتضيه مطلق العقد: مثل: أن يبيع بشرط أن يملك، أو يتصرف فيه، أو يرد بالعيب، أو يحبس المبيع؛ لاستيفاء الثمن - فلا يمنع صحة العقد. وقسم لا يقتضيه مطلق العقد: وهو قسمان:

стр. 1239

قسم هو من مصلحة العقد: مثل: شرط خيار التلف، وشرط الأجل في الثمن، أو شرط رهناً، أو كفيلاً معلوماً؛ فيصح العقد والشرط. وقسم ليس من مصلحة العقد: مثل: أن يبيع بشرط ألا يملك، أو لا يتصرف فيه، أو لا خيار عليه في ثمنه، يعني: إن خسرت، أضمن لك النقصان. أو قال: بعتك على أن تؤدي ديناً عليَّ، أو تبيع مني كذا، أو ترد المبيع إليَّ متى شئت - فهذا كله يفسد البيع، إلا بشرط واحد؛ وهو:

стр. 1240

أن يبيع عبداً، بشرط أن يعتقه المشتري، فالمذهب: أن البيع والشرط صحيحان؛ لما رُوي عن عائشة - رضيالله عنها- أنها اشترت بريرة على أن تعتقها بأمر رسول الله ﷺ . وخرج فيه قول آخر، وبه قال أبو حنيفة: أن البيع باطل؛ كما لو باع بشرط أن يبيع، أو يهب - لا يصح. وهذا إذا باع؛ بشرط أن يعتقه مطلقاً، أو قال: يعتقه عن نفسك. فأما إذا قال: بشرط أن يعتقه عني، لا يصح. ولو باع؛ بشرط أن يكاتبه أو يدبره، فقد قيل: هو كشرط الإعتاق. والمذهب: أنه لا يصح، والعتق مخصوص بالسنة؛ لغلبته. إذا ثبت أن البيع بشرط العتق يجوز، فإن أعتقه المشتري، فقد وفى بالشرط، ولا يجوز أن يعتقه عن كفارته، وإن امتنع هل يُجبر عليه، أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجبر عليه، وللبائع الخيار إن لم يعتق؛ كما لو باع بشرط أن يرهن بالثمن شيئاً لا يجبر عليه، وللبائع فسخ العقد. والثاني: يجبر عليه؛ لأنه حق الله - تعالى- ما لو نذر إعتاق رقبة يلزمه. فإن مات قبل أن يعتق، يجب على وارثه إعتاقه. ويجوز للمشتري استخدامه قبل أن يعتقه، وكسبه يكون له. وإن كانت جارية له وطؤها. ولو قتل يجب على القاتل قيمته للمشتري، ولا يجب أن يشتري بها عبداً آخر يعتقه؛ لأن من يعود إليه نفع العتق قد مات. ولو مات قبل العتق، لا شيء على المشتري إلا الثمن المسمى؛ لأنه لم يلتزم إلا ذلك. وقيل: يجب على المشتري ما بين قيمته مشتري مطلقاً ومشتري بشرط العتق. ولو باع بشرط أن يعتقه والولاء للبائع، فالمذهب: أن البيع لا يصح؛ كما لو باع بشرط أن يكون كسبه للبائع.

стр. 1241

وفيه قول آخر: إن البيع صحيح، والشرط باطل؛ لما رُوي عن عائشة ﵂ قالت: جاءتني بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسعة أواق؛ في كل عام أوقية؛ فأعينيني؛ فقالت عائشة ﵂: إن أحب أهلك أن أعدها لهم، فيكون لي ولاؤك، فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم ذلك؛ فحاءت وقالت: إني عرضت عليهم ذلك؛ فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم. فقال رسول الله ﷺ :"خذيها واشترطي لهم الولاءن فإنما الولاء لمن أعتق". فدل أن البيع صحيح، والشرط لاغ. والأول أصح. وقوله ﷺ : "واشترطي لهم الولاء" - تفرد به هشام، ولم يروه سائر الرواة؛ لا يعتمد عليه؛ لأنه لا يظن بالنبي ﷺ أنه يأمر أهله باشتراط ما لا يجوز. ولو باع داراً؛ واستثنى لنفسه سكناها، أو دابة، واستثنى لنفسه ظهرها - إن لم يبين مدة لا يصح العقد، ون بين مدة فقد قيل: فيه قولان؛ كبيع الدار المُكراة. والمذهب: أنه لا يصح البيع قولاً واحداً؛ لما روي عن جابر؛ أن النبي ﷺ نهى عن الثنيا .... ولأنه شرط ما لا يقتضيه العقد، ولا هو من مصلحة العقد- فلا يصح؛ كما لو باع بشرط ألا يسلم إليه. وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: يصح البيع. ولو باع بشرط أن يحبس المبيع؛ لاستيفاء الثمن، نظر: إن كان الثمن مؤجلاً، لا يصح العقد. وإن كان حالاً: فإن قلنا يُجبران على التسليم، أو يجبر البائع - لم يصح البيع. وإن قلنا: لا يجبرانن أو يجبر المشتري على تسليم الثمن، يصح؛ لأنه من قضية العقد. ولو باع شيئاً إلى العطاء أو إلى الحصاد، أو إلى أجل مجهول- فالبيع فاسد. وكذلك لو باع إلى شهر من يوم قبض المبيع، لا يصح؛ لأنه لا يدري متى يقبض. وكذلك لو باع ثوباً على أنه عشرة أذرع؛ فإن لم يكن أبدله بغيره فباطل.

стр. 1242

"فصل في تملك المشتري شراء فاسداً" إذا اشترى شيئاً شراء فاسداً فقبضه، لا يملك. وعند أبي حنيفة: إذا اشترى بخمر أو خنزير، أو شرط فاسد، فهو فاسد؛ غير أنه إذا قبضه يملك، وينفذ تصرفه فيه؛ غير أنه يجوز للبائع أن يسترده بجميع زوائده المتصلة والمنفصلة. ولو تلف في يدهن أو باعه، أو كان عبداً، فأعتقه، قال: يجب عليه قيمته، إلا أن يشتري بشرط العتق، فإن العقد فاسد. وإذا تلف في يده، قال: يجب عليه الثمن. وقالوا: لو اشترى شئاً بميتة أو دم؛ فقبضه، لا يملك؛ لأنه باطل فنحن نقيس عليه؛ فنقول: مبيع مسترد بالزوائد المتصلة والمنفصلة؛ فلا يكون الملك فيه ثابتاً للمشتري؛ كما لو باع بميتة، أو دم. إذا ثبت أنه لا يملك المقبوض بالعقد الفاسد، فعليه رده، وعليه مؤنة الرد كمغصوب. ولا يجوز حبسه؛ لاسترداد الثمن؛ لأن المالك لم يرهنه، وعليه أجر مثل المدة التي بقيت في يده. وإن تعيب في يده، يجب عليه أرش مثل النقصان. وإن تلف عنده، يجب عليه قيمته أكثر ما كانت من يوم القبض إلى يوم الهلاك. وفيه وجه آخر: يعتبر قيمته يوم التلف؛ كما في العارية؛ لأن أخذه برضا المالك. والأول هو المذهب؛ لأنه مخاطب بالشرع برده كل ساعة؛ بخلاف العارية. وما حدث في يده من الولد والثمرة مضمون عليه. وكذلك كل زيادة متصلةحدثت في يده من سمن، أو تعليم حرفة؛ فزالت - يضمن؛ كالمغصوب. وإن كانت جارية وطئها المشتري؛ إن كانا جاهلين، فلا حد عليهما، ويجب المهر. وإن كانا عالمين؛ [نظر]: إن كان قد اشتراها بميتة، أودم - يجب عليهما الحد. وإن اشتراها بخمر، أو خنزير، أو شرط فاسد - فلا حد؛ لاختلاف العلماء في الإباحة. كما لو وطيء في النكاح بلا ولي لا يجب الحد، ويجب المهر.

стр. 1243

وإن كانت بكراً؛ فافتضها، يجب أرش الافتضاض. ولو استولدها، فالولد حر، وعليه قيمته إذا خرج حياً باعتبار يوم السقوط؛ بخلاف ما لو اشترى جارية؛ فاستولدها؛ فخرجت مستحقة - يغرم - قيمة الولد، ويرجع على البائع؛ لوجود الغرور من جهته. وهاهنا يستقر عليه قيمة الولد؛ لأنه لم يوجد غرور من البائع، والجارية لا تصير أم ولد له. فإن ملكها بعد ذلك، ففيه قولان: فإن خرج الولد ميتاً، لا يجب به شيء؛ لأنه لا يدري: هل نفخ فيه الروح، أم لا؟ وإن دخل الأم نقص، يجب عليه أرش النقصان. وإن ماتت في الطلق، يجب عليه قيمتها، وكذلك لو وطيء جارية الغير بالشبهة، وأحبلها؛ فماتت في الطلق -يجب عليه قيمتها؛ لأنه مملوكة تضمن باليد، تلفت بفعل منسوب إليه غير مستحق له. ولو زنا بامرأة حرة أو أمة؛ فأحبلها؛ فماتت في الطلق - نظر: إن كانت طائعة، لا يجب ضمانها؛ لان النسب هناك غير ثابت؛ فكان السبب مقطوعاً عنه. وإن كانت مُكرهة، فعلى قولين: أحدهما: يجب الضمان؛ لأنها تلفت بسببه. والثاني: لا يجب؛ لأن السبب مقطوع عنه بنفي النسب. وكذلك لو نكح حرة، أو أمة؛ فأولدها؛ فماتت في الطلق -لا يجب الضمان؛ لأن الوطء مستحق له. ولو وطيء حرة بشبهة، أو بنكاح فاسد؛ فماتت في الطلق - هل تجب الدية؟ فيه قولان: أحدهما: بلى؛ كما تجب القيمة في الأمة. والثاني: لا يجب؛ لأن ضمان الأمة أسرع ثبوتاً؛ بدليل أنها تضمن باليد، والحرة لا تضمن باليد. ولو اشترى شيئاً شراء فاسداً، ثم باعه من آخر، فهو كالغاصب يبيع المغصوب، فإن

стр. 1244

تلف في يد الثاني، وقيمته في يدهما سواء، أو زادت في يد الثاني - فالمالك يرجع بجميعها على أيهما شاء، وقرار الضمان يكون على الثاني. وإن كانت قيمته بيد الأول أكثر؛ فانتقصت ثم باعه، فضمان ذلك النقصان على الأول لا يرجع به على الثاني، وبالباقي يرجع على أيهما شاء، والقرار على الثاني. فكل نقص حدث في يد الأول لايون الثاني مطالباً به، وما حدث في يد الثاني يون الأول مطالباً به، ثم هو يرجع على الثاني. وكذلك أجر المثل؛ لأن يد الأول كان سبباً في يد الثاني، ويد الثاني لم تكن سبباً في يد الأول. "فصل في الشرط المخالف لقضية العقد" إذا اشترى زرعاً؛ وشرط على البائع حصاده، أو ثمرة؛ وشرط عليه جُذاذها - فالبيع باطل؛ لأنه شرط مخالف قضية العقد. وكذلك لو اشترى صرماً على أن يخبره على حقه بعشرة، أو نعلاً من حديد؛ على أن ينعل به دابته، أو كرباساً؛ على أن يخيط له قميصاً، أو لبناً؛ على أن يسلم إليه مطبوخاً، أو وقر حنطة؛ على أن يحمله إلى بيته، أو صبياً رضيعاً؛ على أن على البائع إتمام رضاعه، أو ثوباً؛ على خف نساج ينسج بعضه على أن يتم نسجه - فالبيع باطل. وقيل في هذه المواضع: شرط العمل؛ وهو الإجارة باطل؛ لأنه شرط العمل على البائع في شيء لم يتم ملكه عليه. وفي صحة البيع قولان؛ كما لو باع عبده، وعبد غيره. والمذهب هو الأول. وكذلك لو سمى لكل واحد شيئاً؛ وقال: اشتريت منك هذا الزرع بدينار؛ على أن تحصده بدرهم، وهذا الصرم بعشرة؛ على أن تحوزه على خفي بدرهم - لا يصح؛ لأنه جعل الإجارة شرطاً في البيع، فهو في معنى بيعتين في بيعة؛ وذلك منهي عنه. ولو أفرد كل واحد منهما؛ فقال: اشتريت هذا الزرع بدينار، واستأجرتك بدرهم، حتى تحصده، أو قال: اشتريت هذا الصرم بعشرة، وأحرزه على خفي بدرهم. فقال:

стр. 1245

بعت، وقبلت الإجارة - صح الشراء؛ لأنه لا شرط فيه، ولا تصح الإجارة؛ لأنه استئجار على عمل فيما لم يتم مله فيه، فإن أحد شطري الإجارة وُجد قبل تمام البيع؛ كما لو قال: استأجرتك؛ لتخيط لي هذا الثوب، والثوب غير ملوك له- لا يصح. فصل في تعيين جهة الزيادة والنقصان إذا قال: اشتريت منك هذه الصبرة؛ كل صاع بدرهم؛ على أن تزيدني صاعاً، أو على أن أنقصك صاعاً؛ ولم يعين جهة الزيادة أو النقصان - لا يصح؛ لأجل الجهالة. وإن عين جهة؛ نظر: إن عين جهة الزيادة؛ فقال: على أن تزيدني صاعاً؛ نظر: إن أراد أن يهب له صاعاً، أوي بيع من موضع آخر - فلا يصح - لأنه شرط عقد في عقد. وإن أراد: أنها إن أخرجت عشرة أصوع، أعطيك تسعة دراهم - نظر: إن كانت الصيعان مجهولة لم يصح؛ لأنه لا يدري كم يخص كل صاع منها؛ ما لو قال: بعتك هذه الصبرةكل صاع بدرهم إلا شيئاً لا يصح، وإن كانت الصيعان معلومة يصح. فإن كانت عشرة أصوع؛ كأنه باع كل صاع وتسعة بدرهم. وإن عين جهة النقصان، فقال: اشتريت هذه الصّثبرة؛ كل صاع بدرهم؛ على أن أنقصك صاعاً - نظر: إن أراد بها: أنها عن خرجت عشرة أصوع، أعطيك عشرة دراهم، وأرد إليك صاعاً- لا يصح؛ لأنه كشرط هبة في البيع. وإن أراد: أنها عن خرجت تسعة أصوع، أعطيك عشرة دراهم - نظر: إن كانت الصيعان مجهولة، لا يصح؛ لأنه لا يدري كم يخص كل صاع منها، وإن كانت معلومة يصح، كأنها كانت تسعة أصوع؛ فيكون كل صاع بدرهم وتُسع درهم. قلت: وإن أراد: أنها إن خرجت عشرة أصوع أخذ تسعة بتسعة دراهم، وإن كانت الصيعان مجهولة لا يصح، وإن كانت الصيعان معلومة يصح؛ كما لو قال: بعتك هذه الصبرة إلا صاعاً. "فصل في بيع السمن في الظرف والمسك في الفارة" بيع السمن في الظرف يجوز إذا رأى اعلاه؛ سواء باعه مع الظرف، أو دون الظرف. ما لو باع طعاماً آخر في الظرف. ولو باع السمن وحده؛ كل من بدرهم يجوز، وإن كان لا يعرف في الحال وزنه؛ لأن الجملة معلومة، والثمن بالوزن يصير معلوماً. ولو باع كل من بدرهم؛ على أن يزنه بظرفه - نظر: إن كان قال:

стр. 1246

واطرح وزن الظرف، يجوز؛ سواء عَلِمَا وزن الظرف حالة العقد، أو لم يعلما. وإن لم يذر طرح وزن الظرف، نظر: إن قال: والظرف لي، لم يجز؛ لأنه يلزمه الثمن ما لم يبع منه. وإن قال: الظرف مبيع، أو بعتك هذا السمن مع الظرف؛ كل من بدرهم؛ فإن لم يكن للظرف قيمة لم يجز؛ لأنه يوجب عليه ثمن ما لا قيمة له. وإن كانت له قيمة، ففيه وجهان: أصحهما: يصح، وإن اختلفت قيمة السمن والظرف؛ كما لو باع الفواكه المختلطة، أو الحنطة المختلطة بالشعير. والثاني: لا يصح؛ لأن المقصود هو السمن؛ وهو مجهول؛ بخلاف الفواكه المختلطة؛ فإن كلها مقصودة؛ فهو كبيع المسك المختلط بغيره - لا يجوز. ومن قال بالأول أجاب: أن المسك هناك غير متميز عن الغش، وهاهنا المقصود متميز عن غير المقصود؛ فيجوز. وقيل: إن عَلِمَا دون السمن والظرف يجوز، وإن لم يعلما لا يجوز؛ لأن الظرف قد يكون خفيفاً وثقيلاً؛ ففيه غرر. ولو باع المسك في فارة قبل إخراجه منها، لا يجوز؛ لأن المقصود هو المسك؛ وهو مهول؛ سواء كان رأس الفار مفتوحاً، أو لم يكن؛ وسواء باع المسك دون الفار، أو مع الفار؛ كما لو باع شاة مذبوحة قبل السلخ؛ بخلاف الجوز، يجوز بيعه؛ لأن القشر عليه من صلاحه. وقال ابن سريج: يجوز بيع فارة المسك مع المسك، كالجوز. ولو أخرج المسك من الفارة وأراه، ثم رده إليها فباعه - يجوز. ولو رأى الفارة دون المسك؛ فرد إليها، ثم باعه: إن كان رأس الفار مفتوحاً يرى أعلاه - يجوز. وإن كان مسدوداً؛ فعلى قولي بيع الغائب. قلت: وكذلك لو لم يروا واحداً منهما بعد الإخراج. ولو باع المسك؛ كل مثقال بدينار، يجوز ولو باع كل مثقال بدينار مع الفار - فيه وجهان، كالسمن مع الوعاء.

стр. 1247

ولا يجوز بيع المسك المختلط بغيره؛ لأن المقصود هو المسك؛ وهو مجهول. وكذلك بيع اللبن المشوب بالماء. باب النهي عن بيع الغرر رُوي عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر". بيع الغرر باطل. والغرر: ما خفي علكي علمه؛ فكل بيع كان المبيع فيه مجهولاً، أو غير مقدور على تسليمه - فهو غرر باطل. منها: ثمن عسب الفحل، حرام، لما رُوي عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن عسب الفحل".

стр. 1248

والمراد منه: الكراء؛ وهو أن يستأجر فحلاً؛ ليطرقه على الإناث. وقد رُوي صريحاً، أنه ﵇ "نهى عن ثمن عسب الفحل". وهذا؛ لأنه إن أخذ العوض على مائه، فماؤه لا قيمة له. وإن أخذ على فعله، فلا يدخل ذلك تحت قدرته. أما إعارة الفحل للإنزاء من غير شرط عوض - فجائز، مستحب؛ لما فيه من صلاح الخُلق. ثم لو أثابه المستعير عليه شيئاً، فلا بأس. وقال مالك: يجوز استئجار الفحل للإنزاء؛ كما يجوز لتأبير النخل. قلنا: تأبير النخل عمل معلوم؛ فجاز الاستئجار عليه؛ بخلاف ضراب الفحل. ومن جملة الغرر: أن يبيع ما ليس عنده، ثم يشتري، فيسلم إليه؛ فلا يجوز؛ لما روي عن حكيم بن حزام؛ أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: إنه يأتيني الرجل يسألني عن بيع ما ليس عندي. قال: "لا تبع ما ليس عندك".

стр. 1249

ومنها: بيع العبد الآبق، والجمل الشارد، والطير المنفلت، والحمل في البطن - لا يجوز؛ لأنه لا يقدر على تسليمه، ولايدري وجود الحمل وحياته؛ فإن باع الآبق ممن يقدر على رده، والمغصوب من الغاصب، أو من يقدر على أخذه منه - يجوز. ولو باع حاملاً، يدخل الحمل في البيع. ولو قال: بعتك هذه الجارية وحملها، أو هذه الشاة ولبنها، وكانت لبوناً - لا يصح؛ على أصح الوجهين؛ لأن اللبن في الضرع، والحمل في البطن لا يقبل البيع على الانفراد، إنما يدخل في البيع تبعاً؛ فلا يجوز أن يجعله مقصوداً. وقال الشيخ أبو زيد: يجوز؛ لأنه لما دخل في مُطلق البيع، وذكره لا يمنع الجواز؛ كما لو قال: بعتك هذه الدار بحقوقها، أو هذا الجدار وأساسه - يجوز. ولو قال: بعتك هذه الجبة وحشوها. قيل: فيه وجهان؛ كالحمل. وقيل: يجوز وجهاً واحداً؛ لأن الجُبَّة اسم لها مع الحشو؛ فهو كأساس الجدار؛ بخلاف الحمل واللبن؛ فنه لا يتناولهما اسم الشاة. فإذا سماها صارا مقصودين، وأخذا قسطاً من الثمن؛ وهما مجهولان؛ فلم يصح. ولو قال: بعتك هذه الجارية، أو هذه الشاة، على أنها حامل، أو بشرط أنها حامل - ففيه قولان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه لما شرط الحمل، كأنه عقد عليهما. والثاني: يجوز خرَّجه صاحب "التلخيص"؛ كما لو اشترى شاة؛ على أنها لبون، يجوز. ومن قال بالأول، أجاب عن اللبون؛ بأنه ليس ببيع اللبن في اللبون، بل هو شرط

стр. 1250

صفة فيها؛ بدليل أنها لو لم يكن في ضرعها لبن وقت البيع، بأن كان قد حلبها - لا خيار للمشتري إذا كان لبوناً؛ كما لو اشترى على أنه كاتب أو خباز، جاز. أما الحمل: فيشترط وجوده حالة العقد؛ وهو مجهول جعله مقصود؛ فلم يجز. ولو كان الحمل لواحد، والأم لآخر، فلا يجوز لمال الحمل بيع الحمل؛ لا من مالك الأم، ولا من غيره. وكذلك لا يجوز لمالك الأم بيعها؛ لا من مالك الحمل، ولا من غيره. ولو كان الحمل حراً، لا يجوز بيع الأم. هذا؛ كما لا يجوز استثناء الحمل في البيع. ولو وكل أحد منهما صاحبه؛ فباعهما، لم يجز؛ لأن حصة الحمل من الثمن مجهول. ولو باع السمك في الماء؛ نظر: إن كان في حوض صغير يقدر على أخذه باليد من غير كُلفةٍ - يجوز إن كان الماء صافياً يراه تحت الماء. وإذا كان كدراً لا يراه، فعلى قولي بيع الغائب. وإن كان في مصنعة كبيرة، ولا يقدر على أخذه بالشبكة، أو في أجمة، أو في بئر يلحقه كلفة في أخذه - لا يجوز؛ كالعبد الآبق. وكذلك إذا باع الحمام في برج مغلق عليه الباب؛ فإن قدر على تناوله من غير تعب جاز، وإن ان في برج بير لا يقدر على أخذه إلا بتعب لم يجز. ولو باع الحمام بعدما خرج عن البرج، أوالنحل بعد خروها عن الكوارة، لا يجوز، وإن كانت من عادتها العود؛ لأنه ليس لها عقل يحمله على الوفاء؛ بخلاف العبد الذي بعثه لشغل جاز بيعه. فصل في بيع الفضولي وشرائه ولا يجوز بيع مال المكلف المطلق دون إذنه.

стр. 1251

فلو باع رجل ما له دون إذنه، لا يصح العقد؛ لأنه لا يقدر على تسليمه؛ كبيع الآبق. وقال في القديم - وبه قال أبو حنيفة ومال -: يكون البيع موقوفاً على إجازة المالك، فإن أجاز صح. وكذلك لو زوج ابنة الغير، أو أمته، أو طلق زوجته، أو أعتق عبده- لا يصح. وعندهما يتوقف على الإجازة. وبالاتفاق لو طلق زوة صبي، أو أعتق عبده، لا يصح. أما إذا اشترى شيئاً للغير بغير أمره؛ نظر: إن اشترى بعين مال ذلك الرجل؛ فهو كالبيع، لا يصح. وإن اشترى في الذمة؛ نظر: إن لم يسم فلانا، صح العقد للعاقد. وإن سمى فلاناً؛ نظر: إن أضاف الثمن إليه، فقال: اشتريته بكذا في ذمة فلان، فكالبيع - لا يصح. وإن قال: اشتريته لفلان بكذا، ولم يضف الثمن إليه - ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح العقد.

стр. 1252

والثاني: تُلغى التسمية، ويصح العقد للعاقد. وإن اشترى بعين مال نفسه المعين شيئاً؛ نظر: إن لم يسم الغير، يقع للعاقد؛ سواء كان بإذن ذلك الغير؛ أو دون إذنه. وإن سمى العين؛ فقال: اشتريت عبدك بثوبي لفلان - نظر: إن كان فلان لم يأمره، فالتسمية لاغية. وهل يقع للعاقد، أم يبطل؟ فيه وجهان: فإن كان فلان أمره به، هل تلغى التسمية أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ لأن أحد العوضين له؛ فلا يصير بدله لغيره. فعلى هذا: حكمه حكم ما لو لم يأمر، يبطل، أم يقع للعاقد؟ فعلى وجهين: والثاني: لا تُلغى التسمية؛ لأنه وكله به. فعلى هذا: يقعُ العقد للآمر، ويكون ما وقع قرضاً عليه، أم هبة؟ فيه وجهان. ومن الغَرَرِ، أن يبع جذعاً في بناء، أو نصفاً معيناً من إناء، أو سيفاً - لا يجوز؛ لأنه لا يمكنه تسيمه إلا بهدم البناء، وكسر الإناء أو السيف؛ فيدخل عليه ضرر من غيره. وكذلك لو باع نصفاً معيناً من ثوب، أو ذراعاً معيناً: فإن كان الثوب نفيساً ينتقص قيمته بالقطع لم يجز، وإلا يجوز. وكذلك لو باع نصف خشبة معينة يجوز؛ لأنها لا تنتقص بالقطع. ولو باع نصفاً معيناً من جدار؛ نظر: إن باع النصف الأسفل، لم يجز؛ لأنه لا يمكن تسليمه إلا بهدم الأعلى. فإن باع النصف الأعلى؛ فإن كان من لبن باعه إلى نصف معين - يجوز. وإن كان من طين لا يجوز، ولو باع نتاج نتاجها لا يجوز؛ لأنه بيع المعدوم. ولا يجوز بيع اللبن في الضرع؛ لأنه مجهول؛ ولأنه يزداد، وما يحدث لا يكون داخلاً في البيع. ولو باع صاعاً من اللبن في الضرع بعدما عرف أن فيه لبناً؛ بأن حلب منه قليل - فقد قيل: يجوز؛ كما لو كان في إناء؛ ولما روي عن ابن عباس: أنه ان يكره بيع اللبن في الضرع، إلا بالكيل. والأصح: أنه لا يجوز؛ لأنه لا يدري وجود هذا القدر في الحال؛ لأنه يحدث شيئاً فشيئاً.

стр. 1253

وقيل: إنه يخرج من العروق إذا أخذ في الحلاب. وما روي عن ابن عباس إلا بالكيل أراد به: إذا أسلم في اللبن، يجوز. ولا يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم؛ لأنه إن لم يشترط القطع، فهو يزداد، وما يزداد لا يكون داخلاً في البيع. وإن شرط القطع فلا يمكن استيفاؤه؛ لأنه يتألم به الحيوان. وقال مالك: يجوز بيعه بشرط الجَزِّ؛ كالقث في الأرض. قلنا: لأنه ثمر يمكن استيفاؤه من غير ضرر. أما إذا باع الصوف على ظهرها بعد الذكاة يجوز؛ لأن استيفاءه ممكن. ولو أوصى لإنسان بالصوف على ظهر الحيوان، أو باللبن في الضرع، وهو موجود في تلك الحال - يجوز؛ لأن الوصية تقبل من الغرر ما لا يقبله البيع؛ كما لا يجوز بيع الحمل في البطن، وتجوز الوصية به. والله أعلم. باب: بيع حبل الحبلة وغير ذلك من المناهي رُوي عن عبد الله بن عمر؛ أن النبي ﷺ نهى عن بيع حبل الحبلة. وكان يتبايعه أهل الجاهلية؛ وذلك: أن يبيع شيئاً إلى أن ينتج نتاج هذه الدابة؛ فلا يصح، لأنه بيع إلى أجل مجهول.

стр. 1254

ولو باع نتاج نتاجها، لا يجوز؛ لأنه بيع المعدوم. وروي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ "نهى عن بيع الملامسة والمنابذة".

стр. 1255

والمُلامسة: أن يأتي بثوب مطوي، أو في ظُلمة الليل؛ فيلمسه المشتري، فيقول صاحبه: بعتك هذا؛ بشرط أن لمسك يقوم مقام نرك إليه، ولا خيار لك إذا رأيته - فهذا باطل؛ لما فيه من الغرر. والمنابذة: أن يقول: انبذ إليك ثوبي، وتنبذ إليَّ ثوب؛ على أن كل واحد بالآخر، أو قال: انبذ إليك ثوبي بعشرة؛ فيكون النبذ بيعاً. فلا يصح؛ لعدم التواجب. وقال ابن سريج المعاطاة بيع؛ وبه قال أبو حنيفة في الأشياء التافهة. ومن جعل المعاطاة بيعاً، قال ببطلان المنابذة بالمعنى الذي بطل به الملامسة؛ وهو أن يبيع ثوباً بثوب مطويين؛ على أنه لا خيار لهما بعد النشر؛ فلا يصح. وروي عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحصاة. وله تأويلات: أحدها: أن يقول: أرمي بهذه الحصاة؛ فعلى أي ثوب وقع يكون مبيعاً منك، أو إلى أي موضع بلغ من الأرض يكون مبيعاً منك - فلا يصح؛ لأن المبيع مجهول. الثاني: أن يقول: أرمي بهذه الحصاة، فإذا وقع على الأرض كان الثوب مبيعاً منك بعشرة - فلا يصح؛ لعدم التواجب. الثالث: أن يقول: بعتك هذا الثوب بعشرة، على أنك بالخيار إلى أن أرمي بهذه الحصاة، ويقع - فلا يصح؛ للخيار المجهول.

стр. 1256

فصل: لا يصح من الأعمى شراء الأعيان ولا بيعها وعند أبي حنيفة: يجوز؛ كما يجوز للبصير. ونحن جوزنا شراء الغائب على أحد القولين؛ لأنه يراه بعد البيع؛ فتزول الجهالة. والأعمى ليست له آلة المعرفة، فتمكن من بيعه جهالة لا تزول؛ فلم يجز. فإذا أراد الأعمى أن يشتري شيئاً أو يبيع، يوكل من يتولاه؛ فيجوز لأجل الضرورة. ولو رأى شيئاً في حال بصارته، ثم عمي، فاشتراه أو باعه. إن كان ذلك الشيء مما يتغير في تلك المدة لا يجوز، وإلا فيجوز. ولو اشترى شيئاً لم يره في حال بصارته، وجوزنا شراء الغائب؛ فعمي قبل الرؤية - هل ينفسخ البيع؟ فيه وجهان: أحدهما: ينفسخ؛ كما لو اشترى في حال العمى. والثاني: لا ينفسخ؛ لأن المانع لم يكن مقترناً بالعقد؛ فعلى هذا يوكل من يرى عنه، وله الخيار. وكما لا يجوز بيع الأعمى، لا تجوز هبته. ولو أسلم الأعمى في شيء، أو قبل السلم؛ نظر: إن عمي بعد بلوغه أوان التمييز، ومعرفة الألوان -يجوز، ثم يُوكل من يقبض عنه الوصف المشروط، وهل يصح قبضه بنفسه؟ فيه وجهان: وإن عمي قبل بلوغه أوان التمييز أو كان أكمه - ففيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه يعرف الصفات بالسماع. والثاني - وهو الأصح -: لا يصح؛ لأنه لا يعرف حقيقة الأوصاف. فحيث جوزنا، إنما يجوز إذا كان رأس المال موصوفاً معيناً في المجلس؛ فإن كان معيناً، لم يجز؛ كبيع العين. ويجوز للأعمى أن يؤاجر نفسه؛ لأنه يعرف نفسه. ولا يجوز أن يؤاجر عبده، وكذلك لا يجوز أن يكاتب عبده.

стр. 1257

ولو قبل العبد الأعمى على نفسه الكتابة يجوز. "فصل في النهي عن بيعتين في بيعة" روي عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة". وله تفسيران: أحدهما: أن يقول: بعتك هذا بألف حالة، أو بألفين إلى شهر- لا يجوز؛ لأنه لا يدري أيهما الثمن. وكذلك لو قال: بعتك هذا العبد، أو هذه الجارية - لا يصح؛ لأنه لا يدري أيهما المبيع. أما إذا قال: بعتك هذا العبد بألف حالة، وبألفين؛ إلى شهر - يصح؛ لأن الثمن معلوم؛ وهو ثلاثة آلاف؛ بعضها حال وبعضها مؤجل.

стр. 1258

وكذلك لو قال: بعتك هذا العبد بألف، وهذه الجارية بألفين؛ فقبل في أحدهما بعينه - جاز. ولو قال: بعتك هذا العبد؛ نصفه بألف، ونصفه بألفين - جاز. ولو قال: بعتك بألف؛ نصفه بستمائة لم يجز؛ لأن ابتداء كلامه يقتضي توزيع الثمن على المثمن بالسوية، فأخذه يناقضه. التفسير الثاني: أن يقول: بعتك هذا العبد بألف؛ على أن تبيعني دارك، أو تشتري مني داري - لا يصح؛ لأنه جعل الألف، ووفق البيع الثاني ثمناً؛ فإذا بطل الشرط، بطل بعض الثمن؛ فيبقى الباقي مجهولاً. أما البيع الثاني، إن كانا عالمين ببطلان الأول - صح. وإلا فلا يصح؛ لأنه يبيعه على حكم الشرط الفاسد. "فصل في النهي عن النجش" روي عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن النجش. والنجش: الخديعة؛ وهو: أن يتقدم رجل إلى سلعة تباع فيمن يزيد؛ فيزيد في ثمنها، ولا يريد شراءها؛ ترغيباً للناس فيها.

стр. 1259

فهو عاص بهذا الفعل. ثم إذا اغتر رجل فاشتراها، يصح العقد؛ لأنه لا فساد في العقد. وهل يثبت له الخيار إذا علم؟ نظر: إن فعله الناجش بغير التماس البائع، لا خيار للمشتري، وإن فعل بالتماسه ففيه قولان: أحدهما: له الخيار؛ للتدليس؛ كالتصرية. والثاني: لا خيار له؛ لأن التفريط من جهته؛ حيث اغتر بقوله، ولم يستعن بغيره. فصل في البيع على بيع الأخ والسوم على سوم الأخ رُوي عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبع بعضكم على بيع بعض". ويروى: لا يسوم الرجل على سوم أخيه. صورة البيع على بيع أخيه: أن يشتري رجل شيئاً وهو مغتبط به؛ فجاء رجل في مجلس الخيار إلى المشتري، وقال: افسخ هذا البيع؛ حتى أبيع منك خيراً منه بأرخص.

стр. 1260

أو جاء إلى البائع، وقال: افسخ؛ حتى أشتري منك بأكثر، فهذا حرام. ثم إن كان قصد فسخ العقد بينهما؛ وهو لا يريد شراءه، عصى الله - تعالى- سواء كان عالماً بالحديث، أو لم ينك عالماً بالحديث؛ كما في النجش. وإن أراد شراءه: فإن كان عالماً بالحديث يعصي، وإلا فلا؛ بخلاف النجش؛ حيث قلنا: يعصي به، وإن لم يكن عالماً بالحديث؛ لأن النجش خديعة، وليست الخديعة من أخلاق أهل الشريعة، ولا يخفى ذلك على عاقل، والبيع على بيع أخ مما يخفى بحكمه على الناس؛ فتوقف العصيان فيه على قصد مخالفة الحديث. فلو فسخ مع الأول، وعقد مع الثاني، صح العقد؛ لأن الفسخ ثابت له في المجلس. صورة السوم على سوم الأخ: أن يأخذ شيئاً ليشتريه؛ فقبل أن يشتري جاء رجل، فقال: رده؛ حتى أبيع منك خيراً منه. وقال للمالك: خذه لأشتريه بأكثر، فهو حرام إن كان تراضيا على شيء، أما إذا لم يتراضيا على شيء فلا يحرم. فإن وجد دلالة الرضا؛ بأن طلب المشتري بعشرة، فقال: أسامحك ونحو ذلك - فهل يحرم الدخول عليه؟ فيه وجهان. هذا إذا كان البيع في موضع مستقر. فأما إذا كان الشيء يطاف به فيمن يزيد، ولم يقع الرضا من المالك بشيء - فلا حرج على من يزيد على ما طلب به غيره. وعند أبي حنيفة: المراد بالبيع على بيع الأخ: هو السوم؛ لأن عنده خيار المكان لا يثبت في البيع؛ فلا يتصور البيع على البيع.

стр. 1261

"فصل في بيع الحاضر للبادي" روي عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "لا بيع حاضر لباد؛ دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض". صورته: أن أهل البادية كانوا يحملون إلى البلد متاع البادية من الصوف والأقط ونحوها؛ يبيعونها بسعر اليوم؛ ليرجعوا إلى البادية على سرعة؛ لما عليهم من المؤنة في المقام بالبلد، وكان من ذلك رفق وسعة لأهل البلدة. وكان الرجل من أهل البلد يأتي البدوي، ويقول: ضع متاعك عندي؛ حتى أبيعه لك على مر الأيام بأغلى وارجع أنت إلى باديتك. فليس للبلدي أن يفعل ذلك؛ لما فيه من قطع رفق أهل البلد؛ فإن فعل وهو عالم بالحديث، يعصي الله - تعالى - وإن لم يكن عالماً به لا يعصي. ولو فعل، وباع للبدوي، صح البيع؛ لأن النهي ليس في العقد؛ كالبيع في وقت الشراء. هذا إذا عرض البلدي عليه ذلك، فأما إذا التمس ذلك منه رب المال، وأراد رب المتاع أن يقيمه بالبلد، ويبيعه على مر الأيام؛ فعرض البدوي نفسه عليه، والتمس تفويضه إليه - فهو مأجور عليه، غير مأثوم. وإنما يحرم في الصورة الأولى إذا كان يظهر من متاعه سعة لأهل البلد. فإن كان لا يظهر منه سعة لكبر البلد، وقلة ذلك المتاع، أو كان السعر رخيصاً، ومثل ذلك المتاع عام الوجود - فهل يجوز للبلدي أن يبيع له ذلك؟ فيه وجهان:

стр. 1262

أحدهما: لا؛ لظاهر النهي. والثاني: يجوز؛ لأنه لا ضرر فيه على أهل البلد. ثم هذا فيما يعم مساس الحاجة إليه من أطعمة القرى والصوف. وأما ما تقع الحاجة إليه نادراً، فلا يدخل تحت النهي. "فصل في تلقي الركبان" رُوي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تلقوا الركبان للبيع".

стр. 1263

وفي رواية: فمن تلقاها، فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقدم السوق". وصورته: أن يقع الخبر بقدوم عيرٍ تحمل المتاع، فيتلقاها رجل؛ ليشتري منهم شيئاً.

стр. 1264

بأرخص قبل أن يقدموا البلد، ويعرفوا سعره -فهذا الرجل إن كان عالماً بالحديث يعصي، وإلا فلا؛ غير أنه إذا فعل واشترى يصح الشراء، ولا خيار للبائع قبل أن يقدم السوق. فإذا قدم السوق له الخيار عن كان مغبوناً؛ بأن اشتراه المشتري بأرخص من سعر البلد؛ سواء أخبره المشتري بسعر البلد أو كذب، أو لم يخبر. أما إذا لم يكن مغبوناً؛ بأن اشتراه بسعر البلد، أو بأكثر- فهل له الخيار؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ لظاهر الخبر. والثاني - وهو الأصح-: لا خيار له؛ لأنه لم يخنهم. قلت: وكذلك إذا اشتراه بأقل، والبائع عالم بسعر البلد، أو أخبره المشتري؛ فصدق -لا خيار؛ على الأصح؛ لأن النبي ﷺ علق الخيار بقدوم السوق؛ ليقف على غبن خفي عليه حالة البيع. أما إذا لم يقصد التلقي، بل خرج لشغل آخر؛ فرأى عيراً مقبلة؛ فاشترى منهم شيئاً- لا يعصي، ولا خيار للبائع إذا قدم السوق، وإن كان مغبوناً. وقيل: إن أخبره المشتري بسعر البلد وكذب، فله الخيار. والله أعلم. باب: النهي عن بيع وسلف رُوي عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن بيع وسلف. وصورته: أن يقول: بعتك عبدي بكذا؛ على أن تقرضني عشرة - فلا يصح البيع؛ لأنه

стр. 1265

جعل الألف ورفق القرض ثمناً، فإذا أبطل شرط القرض يسقط بمقابلته بعض الثمن؛ فيبقى الباقي مجهولاً، وإذا أقرضه بعد ذلك يصح؛ لأنه لا شرط فيه. ولو قال: أقرضتك هذه العشرة؛ على أن تبيعني عبدك - لا يصح الاقتراض؛ لأنه قرض جر منفعة، وكل قرض جر منفعة فهو ربا؛ حتى لو أقرضه شيئاً؛ على أن يرد أجود أو أكثر، أو أقرضه المكسر؛ على أن يرد الصحيح -لا يجوز؛ سواء شرط المستقرض على نفسه، أو شرط عليه المقرض. أما إذا استقرض مطلقاً، ثم رد أفضل، أو أكثر من غير شرط - جاز. والدليل عليه: ما روي عن أبي رافع قال: استسلف رسول الله ﷺ بكراً فجاءته إبل الصدقة؛ فأمرني أن قُضي الرجل بكره. فقلت: لا أجد إلا جملاً خياراً رباعياً. قال رسول الله ﷺ :"اعطه إياه فإن خير الناس أحسنهم قضاء". ولو أرضه ليرد إليه ببلد آخر، لا يجوز؛ لأنه يجر إلى نفسه نفع أمن الطريق؛ فإن لم يشرط؛ وكتب له إلى بلد آخر من غير شرط - جاز، ولو شرط فيه أجلاً؛ نظر: إن كان للمقرض عليه نفع؛ بأن كان أيام نهب -لا يجوز، وإن لم يكن يجوز؛ لأنه نفع المستقرض ونفع المستقرض لا يفسد القرض؛ لأن القرض جوز لنفع المستقرض؛ حتى لو أقرضه الصحاح؛ ليرد المكسر، أو أقرضه ألفاً؛ على أن يقرضه المقرض ألفاً أخرى - لا يفسد به القرض؛ لأنه وعد، ولا يلزم الوفاء به. وكذلك لو وهب شيئاً؛ على أن يهبه الواهب شيئاً آخر - لا تفسد الهبة؛ بخلاف ما لو باعه عبداً؛ على أن يهب له البائع ثوباً، لم يصح البيع؛ لأن الأصل: البيع على العوض، فإذا التزم مع المبيع هبة أو قرضاً، فلم يشتره المشتري غلا على شرط عقد - يفسد. وكذلك لو شرط فيه أجلاً، لا يلزم الأجل. وعند مالك: يلزم الأجل. ويجوز شرط الرهن والكفيل في القرض؛ لأنه توثيق الحق؛ فلا يعد نفعاً يبطل القرض؛ كما أن شرط الرهن في البيع جائز، ولا يجعل عقداً في عقد. فصل في أن الإقراض مستحب ويشترط فيه الإيجاب والقبول؛ لأنه تمليك كالبيع والهبة.
следующие страницы →