Полный текст (3 626 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
"فصل في بيع الحاضر للبادي"
روي عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "لا بيع حاضر لباد؛ دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض".
صورته: أن أهل البادية كانوا يحملون إلى البلد متاع البادية من الصوف والأقط ونحوها؛ يبيعونها بسعر اليوم؛ ليرجعوا إلى البادية على سرعة؛ لما عليهم من المؤنة في المقام بالبلد، وكان من ذلك رفق وسعة لأهل البلدة.
وكان الرجل من أهل البلد يأتي البدوي، ويقول: ضع متاعك عندي؛ حتى أبيعه لك على مر الأيام بأغلى وارجع أنت إلى باديتك.
فليس للبلدي أن يفعل ذلك؛ لما فيه من قطع رفق أهل البلد؛ فإن فعل وهو عالم بالحديث، يعصي الله - تعالى - وإن لم يكن عالماً به لا يعصي.
ولو فعل، وباع للبدوي، صح البيع؛ لأن النهي ليس في العقد؛ كالبيع في وقت الشراء. هذا إذا عرض البلدي عليه ذلك، فأما إذا التمس ذلك منه رب المال، وأراد رب المتاع أن يقيمه بالبلد، ويبيعه على مر الأيام؛ فعرض البدوي نفسه عليه، والتمس تفويضه إليه - فهو مأجور عليه، غير مأثوم.
وإنما يحرم في الصورة الأولى إذا كان يظهر من متاعه سعة لأهل البلد. فإن كان لا يظهر منه سعة لكبر البلد، وقلة ذلك المتاع، أو كان السعر رخيصاً، ومثل ذلك المتاع عام الوجود - فهل يجوز للبلدي أن يبيع له ذلك؟
فيه وجهان:
стр. 1262
أحدهما: لا؛ لظاهر النهي.
والثاني: يجوز؛ لأنه لا ضرر فيه على أهل البلد.
ثم هذا فيما يعم مساس الحاجة إليه من أطعمة القرى والصوف. وأما ما تقع الحاجة إليه نادراً، فلا يدخل تحت النهي.
"فصل في تلقي الركبان"
رُوي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تلقوا الركبان للبيع".
стр. 1263
وفي رواية: فمن تلقاها، فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقدم السوق".
وصورته: أن يقع الخبر بقدوم عيرٍ تحمل المتاع، فيتلقاها رجل؛ ليشتري منهم شيئاً.
стр. 1264
بأرخص قبل أن يقدموا البلد، ويعرفوا سعره -فهذا الرجل إن كان عالماً بالحديث يعصي، وإلا فلا؛ غير أنه إذا فعل واشترى يصح الشراء، ولا خيار للبائع قبل أن يقدم السوق. فإذا قدم السوق له الخيار عن كان مغبوناً؛ بأن اشتراه المشتري بأرخص من سعر البلد؛ سواء أخبره المشتري بسعر البلد أو كذب، أو لم يخبر.
أما إذا لم يكن مغبوناً؛ بأن اشتراه بسعر البلد، أو بأكثر- فهل له الخيار؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لظاهر الخبر.
والثاني - وهو الأصح-: لا خيار له؛ لأنه لم يخنهم.
قلت: وكذلك إذا اشتراه بأقل، والبائع عالم بسعر البلد، أو أخبره المشتري؛ فصدق -لا خيار؛ على الأصح؛ لأن النبي ﷺ علق الخيار بقدوم السوق؛ ليقف على غبن خفي عليه حالة البيع.
أما إذا لم يقصد التلقي، بل خرج لشغل آخر؛ فرأى عيراً مقبلة؛ فاشترى منهم شيئاً- لا يعصي، ولا خيار للبائع إذا قدم السوق، وإن كان مغبوناً.
وقيل: إن أخبره المشتري بسعر البلد وكذب، فله الخيار. والله أعلم.
باب: النهي عن بيع وسلف
رُوي عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن بيع وسلف.
وصورته: أن يقول: بعتك عبدي بكذا؛ على أن تقرضني عشرة - فلا يصح البيع؛ لأنه
стр. 1265
جعل الألف ورفق القرض ثمناً، فإذا أبطل شرط القرض يسقط بمقابلته بعض الثمن؛ فيبقى الباقي مجهولاً، وإذا أقرضه بعد ذلك يصح؛ لأنه لا شرط فيه.
ولو قال: أقرضتك هذه العشرة؛ على أن تبيعني عبدك - لا يصح الاقتراض؛ لأنه قرض جر منفعة، وكل قرض جر منفعة فهو ربا؛ حتى لو أقرضه شيئاً؛ على أن يرد أجود أو أكثر، أو أقرضه المكسر؛ على أن يرد الصحيح -لا يجوز؛ سواء شرط المستقرض على نفسه، أو شرط عليه المقرض.
أما إذا استقرض مطلقاً، ثم رد أفضل، أو أكثر من غير شرط - جاز. والدليل عليه: ما روي عن أبي رافع قال: استسلف رسول الله ﷺ بكراً فجاءته إبل الصدقة؛ فأمرني أن قُضي الرجل بكره. فقلت: لا أجد إلا جملاً خياراً رباعياً. قال رسول الله ﷺ :"اعطه إياه فإن خير الناس أحسنهم قضاء".
ولو أرضه ليرد إليه ببلد آخر، لا يجوز؛ لأنه يجر إلى نفسه نفع أمن الطريق؛ فإن لم يشرط؛ وكتب له إلى بلد آخر من غير شرط - جاز، ولو شرط فيه أجلاً؛ نظر: إن كان للمقرض عليه نفع؛ بأن كان أيام نهب -لا يجوز، وإن لم يكن يجوز؛ لأنه نفع المستقرض ونفع المستقرض لا يفسد القرض؛ لأن القرض جوز لنفع المستقرض؛ حتى لو أقرضه الصحاح؛ ليرد المكسر، أو أقرضه ألفاً؛ على أن يقرضه المقرض ألفاً أخرى - لا يفسد به القرض؛ لأنه وعد، ولا يلزم الوفاء به.
وكذلك لو وهب شيئاً؛ على أن يهبه الواهب شيئاً آخر - لا تفسد الهبة؛ بخلاف ما لو باعه عبداً؛ على أن يهب له البائع ثوباً، لم يصح البيع؛ لأن الأصل: البيع على العوض، فإذا التزم مع المبيع هبة أو قرضاً، فلم يشتره المشتري غلا على شرط عقد - يفسد.
وكذلك لو شرط فيه أجلاً، لا يلزم الأجل.
وعند مالك: يلزم الأجل.
ويجوز شرط الرهن والكفيل في القرض؛ لأنه توثيق الحق؛ فلا يعد نفعاً يبطل القرض؛ كما أن شرط الرهن في البيع جائز، ولا يجعل عقداً في عقد.
فصل في أن الإقراض مستحب
ويشترط فيه الإيجاب والقبول؛ لأنه تمليك كالبيع والهبة.
стр. 1266
ويصح بلفظ القرض والسلف، وبما في معناه؛ بأن يقول: ملكتك هذا؛ على أن ترد عليَّ بدله.
فإن قال: ملكتك؛ ولم يذكر رد البدل، فهو هبة.
فإن اختلفا: فقال الدافع: أردت القرض.
وقال الآخذ: بل الهبة - فالقول قول الآخذ مع يمينه؛ لأن الظاهر منه الهبة.
ولا يثبت فيه خيار المكان، ولا خيار الشرط؛ لأن الخيار لإثبات الفسخ. وفي القرض يجوز لكل واحد منهما فسخه متى شاء، وهل يملك المستقرض بنفس القبض؟
فيه جوابان:
أصحهما: يملك؛ لأنه قبض يفيد التصرف؛ كما في الهبة.
والثاني: لا يملك إلا بالتصرف؛ لأنه ليس معاوضة، ولا تبرعاً محضاً؛ لأنه يجب عليه بدله، ولا يحكم له بالملك إلا بعد استقرار بدله عليه.
وإن تصرف بما يزيل الملك من بيع أو هبة أو إعتاق أو إتلاف - يحكم له بالملك قبل ذلك، فإن رهن أو أجر زوج، أو كانت حنطة؛ فطحنها، أو شاة، فذبحها - هل يحكم له بالملك؟
فيه وجهان:
أحدهما: يملك؛ لأنه تصرف تَصَرُّف الملاك.
والثاني: لا يملك؛ حتى يتصرف بما يزيل الملك.
فعلى هذا: إن كان قد زوج أو رهن أو أجر، لا تصح هذه العقود.
وفائدة الاختلاف في الملك: أنه لو أقرضه شيئاً؛ فقبل أن يتصرف فيه، تقاضاه المقرض - هل يجب عليه رد عينه؟
إن قلنا: يَملِكُ بنفس القبض، لا يجب رد عينه، بل له أن يؤدي بدله من موضع آخر.
وإن قلنا: لا يملك، يجب عليه رد عينه.
فإن أقرضه حيواناً؛ فإن قلنا: يملك بالقبض، فنفقته على المستقرض، وإن أقرضه أباه يعتق عليه.
فإن قلنا: لا يملك بالقبض ما لم يتصرف، فنفقته على المُقرض، ولا يعتق أبوه قبل التصرف فيه.
قلت: يحتمل أن يقال: يعتق، ويحكم له بالملك قبله؛ كما لو أنشأ إعتاق الأجنبي.
وكل ما جاز السلم فيه، جاز استقراضه.
стр. 1267
قال الشافعي ﵁: ولا باس باستسلاف الحيوان كله إلا الولائد.
أما العبيد: فيجوز استقراضها؛ كسائر الحيوانات.
أما الجواري: نظر: إن استقرضها من لا يحل له وطؤها، جاز.
وإن كان ممن يحل له وطؤها، ففيه قولان؛ بناء على أنه متى تملك؟
إن قلنا: تُمْلَكُ بالتصرف، جاز.
وإن قلنا: بالقبض، فلا يجوز؛ لأنه ربما يطؤها بحكم الملك، ثم يردها بعينها؛ فيكون في معنى إعارة الجارية للوطء؛ وذلك لا يجوز.
فحيث جوزنا في المحارم؛ فاستردها المقرض قبل تصرف المستقرض - هل عليه الاستبراء، أم لا؟
إن قلنا: ملك المستقرض بالقبض يجب، وإلا فلا يجب.
وما لا يجوز السلم فيه؛ كالجواهر، والأشياء التي لا تضبط بالصفة، لا يجوز استراضه.
وشبهه بالسلم من حيث إنه يعجل شيئاً، ويكون عوضه في ذمته، وفي استقراض الخبز وجهان؛ كالسلم فيه:
الأصح: لا يجوز.
ويجوز استقراض المكيل وزناً، والموزون مكيلاً؛ كالسلم.
وقال الشيخ القفال: لا يجوز قرض المكيل بالوزن.
ويختص ذلك بالسلم؛ لأنه لا ربا بين رأس مال السلم، وبين المسلم فيه.
حتى قال: لو أتلف على إنسان مائة مَنَّ من الحنطة، يجب عليه أن يرده وزناً.
وكذلك لو باع شقصاً بمائة من الحنطة، لا يأخذه الشفيع بالحنطة وزناً، بل ينظر: كم تكون تلك الحنطة، فيأخذه كيلاً.
وكان القاضي الإمام ﵀-يقول- وهو الأصح عندي-: إنه يأخذ بمثله وزناً؛ ما اشتراه، وكذلك في الإتلاف والقرض؛ كما في السلم.
وإذا استقرض مثلياً هل يجب عليه رد المثل؟
وإذا استقرض متقوماً، فعلى وجهين:
أحدهما: يجب [قيمته]؛ كما لو أتلفه على غيره، يجب عليه القيمة.
стр. 1268
والثاني - وهو المذهب -: عليه رد المثل؛ لأن النبي ﷺ استسلف بكراً فأمر برد مثله.
فإن أوجبنا القيمة، فتعتبر قيمته بيوم القبض: إن قلنا: يملك القبض.
فإن قلنا: بالتصرف، فبالأكثر من يوم القبض إلى أن يتصرف.
وقيل: إذا قلنا: يجب القيمة، يجوز استقراض ما لا يسلم فيه؛ كالجواهر ونحوها.
وإذا أقرضه شيئاً ببلد، ثم لقيه ببلد آخر، فإن لم يكن لنقله مؤنة؛ كالدراهم والدنانير- يجوز للمقرض مطالبته برده، وللمستقرض رده.
وإن كان لنقله مؤنة، ليس للمقرض مطالبته بمثله، ولا للمستقرض رد مثله؛ لما في نقله من المؤنة، إلا أن يتراضيا عليه.
ويجوز للمقرض مطالبته بقيمته؛ باعتبار بلد الإقراض.
وكذلك لو غصب مثلياً؛ فأتلفه، ثم لقيه ببلد آخر: فإذا أخذ القيمة، ثم اجتمعا في بلد الإقراض - هل له رد القيمة، ومطالبته بالمثل؟ أو هل للمستقرض أن يطالبه برد القيمة؟ فيه وجهان. والله أعلم.
باب تجارة الوصي
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وروي عن عمر بن الخطاب- ﵁ أنه قال: "ابتغوا في أموال اليتامى لا تستهلكها الزكاة".
يجوز للولي أن يتصرف في مال الصبي والمجنون؛ على وجه النظر؛ سواء كان الولي أباً، أو جداً، أو وصياً، أو قيماً.
فيجوز له أن يبيع ماله بنقد البلد، وبالعرض، ونسيئة، إن رأى النظر فيه.
وإذا باع نسيئة، يجب أن يزيد على ثمن النقد، ويشهد عليه، ويأخذ رهناً؛ فإن لم يفعل، ضمن.
ويجوز أن يسافر بماله، ويبعث على يد أمين، إن كان الطريق آمناً. ولو كان الطريق
стр. 1269
مخوفاً، فلا يجوز، فإن فعل صار ضامناً.
ولا يجوز أن يهب بشرط الثواب؛ لأنه لا ينعقد بالهبة العوض؛ كما لا يجوز أن يعتق عبده، ولا أن يكاتبه.
ويجوز للأب والجد أن يبيع مال ولده الطفل، أو المجنون من نفسه، ويشتري له من نفسه، ويتولى طرفي العقد.
ولا يجوز ذلك للوصي والقيم؛ لأن الأب والجد كامل الشفقة.
فينظر لولده أكثر مما ينر لنفسه، وليس للوصي والقيم له من كمال الشفقة مما يترك نظر نفسه لحق المولى عليه.
وإذا نظر لنفسه بخس لحق المولى عليه.
ولو باع مال ولده من نفسه، هل يحتاج إلى لفظين؟
فيقول: بعت، واشتريت، أم يكتفي بأحدهما؟
فيه وجهان:
أحدهما: يحتاج إلى لفظين؛ ما لو باع من غيره، يشترط وجود لفظ البيع والشراء.
والثاني: يكتفي بلفظ واحد؛ كما أن الشخص الواحد قام مُقام شخصين يقوم اللف الواحد مقام لفظين.
وكذلك يجوز للأب والجد؛ أن يبيع مال أحد ولديه الصغيرين من الآخر، ويتولى طرفي العقد.
ولو باع مال ولده من نفسه نسيئة، ولم يرتهن [له] شيئاً من نفسه - يجوز، لأنه مؤتمن على ولده؛ بخلاف ما لو باع من غيره نسيئة، يجب أن يرتهن.
ولا يجوز للولي اقتراض مال الصبي، ولا المجنون، ولا الإيداع من غير ضرورة. فإن وقعت ضرورة؛ بأن وقع خوف من حريق، أو غرق، أو فتنة، أو أراد سفراً - حينئذ، يجوز أن يقرض ماله.
أما القاضي يجوز أن يقرض ماله من غير ضرورة؛ لأن ولايته عامة؛ فيشق عليه حفظ جميع أموال اليتامى بنفسه.
فكل موضع جوزنا الإقراض، فهو أولى من الإيداع؛ لأن القرض يكون مضموناً، فإن لم يجد من مستقرض حينئذ يودعه من أمين، ولو أودعه مع وجود من يقرضه منه.
стр. 1270
ففيه وجهان:
الأصح: لا يجوز؛ لأنه ترك النظر له.
وإذا أقرض قرضاً، يجب أن يقرض من مليء وفيٍّ أمين، فإن أقرض من ذمي، أو من غير أمين صار ضامناً، والملاءة غير شرط في المودع، وهي شرط في المستقرض.
والأمانة شرط فيهما. وإذا أقرض: فإن رأى أخذ الرهن يأخذه، وإلا لم يأخذ. ويجوز أن يستقرض للصبي عند الحاجة؛ بأن يكون ماله غائباً، أو له متاع والسوق كاسد؛ وهو يحتاج إلى النفقة في الحال؛ فيستقرض له إلى أن يحضر ماله، أو ينفق سوق متاعه وهو أولى من بيع عقاره، ولا يجوز بيع عقاره إلا لغبطة أو حاجة.
فالغبطة أن يكون مشتركاً بينه وبين غيره، وشريكه يرغب في شرائه؛ بأكثر من ثمنه، أو كان في جواره من يشتريه بأكثر؛ وهو يجد مثله من موضع آخر بأرخص، أو كان مثقلاً بالخراج.
والحاجة: أن يكون به حاجة إلى النفقة والكسوة، وغلة عقاره لا تقوم بكفايته - يجوز له بيعه؛ لأن حفظ نفسه أولى من حفظ ماله.
ومطلق بيع الأب والجد العقار يحمل على النظر؛ فلا يحتاج إلى إثباته عند الحاكم، والحاكم يسجل على بيعه.
أما الوصي والقيم؛ فلا يبيع العقار، ولا يسجل عليه الحاكم إلا ببينة تقوم عند الحاكم على الغبطة والحاجة.
وإذا كان بين بالغ وصبي ربعٌ منقسم؛ فطلب البائع القسمة، هل يجبر قيم الصبي على القسمة؟
نظر: إن كان للصبي منه نفع يجبر، ويعطي من مال الصبي حصته من مؤنة القسمة.
وإن لم يكن له نفع، فيه قولان:
أحدهما: لا يجبر إلا بعد أن يغرم البالغ من حصة الصبي من مؤنة القسمة.
والثاني: يجبر.
قلت: وهو الأصح.
стр. 1271
ويعطي الأجرة من مال الصبي؛ لأنه مؤنة تلزمه بسبب ملكه؛ كما لو كان للصبي حمار زمن يكون علفه في ماله.
ولا يجوز للولي أن يكاتب عبد الصبي؛ لأنه إتلاف لا نظر للصبي فيه.
وعند أبي حنيفة: يجوز.
وبالاتفاق لو أعتق عبده مجاناً أو على مال، لا يجوز.
ولو كاتب؛ فأدى النجوم، لا يعتق؛ بخلاف الكتابة الفاسدة من المالك إذا وجد فيها أداء النجوم يعتق؛ لأنه تعليق؛ ولا يصح التعليق إلا من المالك.
وإذا بلغ الصبي، أو أفاق المجنون؛ فادعى على الولي؛ أنه باع ماله بغير نظر وغبطة نظر: إن كنا الولي أباً أو جداً، فالقول قولهما مع يمينهما؛ سواء كان عقاراً أو غيره، وعلى المدعي البينة.
وإن كان وصياً أو قيماً، لا يقبل قوله في العقار، إلا ببينة تقوم على الغبطة والنظر. وفي غير العقار وجهان:
أحدهما: لا يقبل قوله؛ كما في العقار.
والثاني: يقبل؛ لأنه يشق عليه الإشهاد في كل شيء يبيعه من ماله.
كما يقبل قوله في قدر ما أنفق عليه.
وقيل: في قدر ما أنفق عليه أيضاً وجهان.
وكذلك لو ادعى على من اشتراه من الولي؛ أنه لم يكن له فيه نظر: فإن كان قد اشتراه من الأب أو الجد، فالقول قول المشتري مع يمينه، وإن كان قد اشتراه من الوصي والقيم، فعلى ما ذكرنا.
ويستحب للولي أن يشتري للصبي العقار؛ فهو أولى من التجارة؛ لأنه يحصل له الغلة، ويبقى له أصله.
وإن لم يكن له فيه نظر؛ بأن كان مثقلاً بالخراج والمؤن أو كان في موضع أشرف على الخراب - لا يجوز.
ويجوز أن يبنى له الدور والمساكن.
قال الشافعي ﵁: ويبنيه بآجر وطين، ولا يبنيه بجص؛ لأن الآجر لا يخلص عن الجص صحيحاً، ولا بلبن؛ لأنه يتلف في العمارة.
стр. 1272
ولو أشار الولي إلى عين من مال الصبي أن هذا بعته من فلان، يقبل قوله.
ولو قال: هذا الفلان، ولم يقل: بعته منه، هل يقبل؟
فيه وجهان:
أصحهما: لا يقبل، ما لم يقل: بعت.
والثاني: يقبل، ويحمل على أنه باعه.
نظيره: لو أقر بحمل امرأة بمال مطلقاً، هل يقبل؟
فيه قولان.
ويجب على الولي أن يخرج من مال الصبي ما يلزمه من الزكوات والكفارات والعشر وصدقة الفطر وأروش الجنايات، وإن لم يطلب.
ونفقة القريب لا تخرج إلا بعد الطلب، وينفق عليه، ويكسوه بالمعروف من غير إشراف، ولا إقتار.
وإذا بلغ الصبي، واختلفا: فقال الولي أنفقت عليك، وأنكر الصبي.
فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأنه أمين؛ كما لو اختلفا في قدر النفقة.
فالقول قول الولي مع يمينه، إن كان ما يدعيه قصداً.
وإن اختلفا في المدة؛ فقال الولي: أنفقته عشر سنين، وقال الصبي: بل خمس سنين - فيه وجهان.
قال الإصطخري: القول قول الولي؛ كما لو اختلفا في قدر النفقة.
وقال الأكثرون: القول قول الصبي؛ لأنه اختلاف في المدة، والأصل عدمها.
ولو ادعى الولي دفع المال إليه بعد البلوغ، وأنكر الصبي.
فالمذهب، وهو المنصوص: أن القول قول الصبي؛ لأن الولي يدعي الدفع إلى غير من ائتمنه؛ كالملتقط إذا ادعى رد اللقطة إلى مالكها، كان القول قول المالك.
وقيل: القول قول الوصي؛ كما في النفقة.
والأول المذهب؛ بخلاف النفقة؛ لأن الإشهاد على قدر ما ينفق متعذر، وعلى الرد غير متعذر، وقد أمر الله - تعالى- بالإشهاد عند دفع المال إلى الصبي؛ فقال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦]، ولو كان قوله مقبولاً، لم يأمر بالإشهاد.
ويجوز للولي أن يخلط ماله بمال الصبي، ويؤاكله؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ...﴾ [البقرة: ٢٢٠].
стр. 1273
وكذلك المسافرون يخلطون أزوادهم، ويتعاهدون، وإن كانوا يتفاوتون في الأكل.
وهل يجوز للولي أن يأخذ من مال الصبي نفقته إذا كان اشتغاله بالقيام عليه يمنعه من كسبه؟
نظر: إن كان غنياً فلا، وإن كان فقيراً يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦].
ثم الفقير إذا أخذ نفقته هل يلزمه الضمان؟
فيه قولان:
أحدهما: لا، وهو قول الحسن وعطاء؛ لأن الله - تعالى- أباح له الأكل من غير شرط ضمان؛ كالإمام يأخذ الرزق من بيت المال.
والثاني: يلزمه الضمان؛ وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير؛ كالمفطر يباح له أكل طعام الغير، ويلزمه الضمان.
فصلٌ: في تصرفات الصبي
لا يصح شيء من تصرفات الصبي؛ لا في حق نفسه، ولا في حق غيره؛ سواء أذن له الولي فيه، أو لم يأذن.
وقال أبو حنيفة ﵀: ينفذ تصرفه بإذن الولي إذا كان يعقل؛ حتى قال: لو باع ماله بالبخس بإذن الولي، يجوز، وإن لم يجز للولي ذلك.
قلنا: امتناع تصرفه لعدم البلوغ، وهو باقٍ؛ فنقول: ما ينتقل إلى الصغير بعد البلوغ في حكم ماله، لا ينتقل إليه في الصغر؛ قياساً على حفظ المال.
ولا يصح تدبير الصبي ووصيته؛ كسائر تصرفاته؛ على القول الأصح؛ وبه قال أبو حنيفة.
وفيه قول آخر: إنه يصح تدبيره ووصيته، إذا كان يعقل؛ وبه قال مالك؛ لأن له فيه نظراً بعد الموت؛ فلا ضرر عليه في الحال؛ لأن ملكه لا يزول.
ولو اشترى صبي شيئاً، أو استدان؛ فتلف في يده، أو أتلفه - لا شيء عليه في الحال، ولا بعد البلوغ. وإن كان قد أدى الثمن، فلوليه أن يسترده.
وهذا بخلاف العبد، إذا استقرض شيئاً، أو اشترى بغير إذن المولى؛ فتلف في يده،
стр. 1274
أو أتلفه - يتعلق الضمان بذمته؛ يتبع به إذا عتق؛ لأن الحجر على الصبي لحق نفسه. فإذا لم يجب الضمان في الحال، لا يجب بعد البلوغ، والحجر على العبد لحق المولى؛ فإذا أزال حقه بالعتق، ضمن.
ولو أودع رجل من صبي شيئاً؛ فتلف عنده، لا ضمان عليه.
ولو أتلفه، هل عليه الضامن؟
فيه قولان:
أحدهما: يجب؛ كما لو أتلف مال إنسان من غير إيداع يضمن.
والثاني: لا ضمان عليه؛ لأن المالك هو الذي سلطه عليه بالإيداع؛ كما لو باع منه شيئاً؛ فأتلف، لا يضمن.
ولو أودع عند عبد شيئاً؛ فتلف عنده، لا يضمن. فإن أتلفه، يجب الضمان، ثم يتعلق برقبته أو بذمته.
فيه قولان: فإن قلنا: لا ضمان على الصبي، فيتعلق بذمة العبد؛ كدين المعاملة. وإن قلنا: يضمن الصبي، فيتعلق برقبة العبد.
ولو كان للصبي وديعة عند إنسان؛ فدفعها المودع إلى الصبي - يجب عليه الضمان؛ سواء دفع بإذن الولي، أو دون إذنه؛ كما لو أتلفها بإذنه. ولو كانت الوديعة للولي، أو لغيره؛ فدفعه إلى الصبي بإذن المالك - لا ضمان على المودع؛ كما لو أمره بإتلافه؛ فأتلفه، لا يضمن.
ولو غصب صبي شيئاً؛ فهلك عنده، يلزمه الضمان.
فإن علم به الولي، يجب أن يأخذه؛ فيرده إلى المالك.
فلو لم يفعل؛ حتى هلك عند الصبي، فالضمان في مال الصبي، والولي يكون طريقاً فيه.
فإن أخذه الولي؛ فهلك في يده، نظر: إن تلف بعد التمكن من الدفع إلى المالك، فالضمان على الولي، والصبي طريق فيه.
فإن تلف قبل التمكن، فالضمان في مال الصبي.
والولي هل يكون طريقاً؟
قيل: فيه وجهان؛ بناء على ما لو أخذ المغصوب من الغاصب؛ ليرد إلى المالك - هل يضمن؟
فيه قولان:
стр. 1275
وقيل: لا يكون طريقاً؛ لأنه مأمور بأخذه من الصبي؛ بخلاف من أخذه من الغاصب.
ولو غصب عبد شيئاً؛ فهلك عنده، أو أهلكه- يتعلق الضمان برقبته.
وإن علم به المولى؛ فلم يأخذ؛ حتى هلك عنده، ففيه قولان:
أحدهما: يتعلق الضمان برقبة العبد فحسب.
والثاني: يتعلق برقبته، وسائر أموال المولى؛ لأنه متعد بتركه في يده.
ولو أخذه المولى، فهلك في يده، نظر: إن تمكن من الرد إلى المالك؛ فلم يفعل - ضمن في جميع ماله.
وإن لم يتمكن، ففي رقبة عبده. والله أعلم.
بابُ: مداينة العبد
قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥].
لا يصح تصرف العبد بغير إذن الولي؛ فلو اشترى شيئاً، أو استقرض بغير إذنه، فهو فاسد. فإن كان عين ما أخذ قائماً في يده، استرده المالك، وإن تلف في يده أو أتلفه، يتعلق الضمان؛ وهو القيمة بذمته؛ يتبع به إذا اعتق.
فإن كان قد أدى الثمن من مال المولى، فللمولى أن يسترده.
فإن أخذ المولى من العبد ما اشتراه، أو استقرض عليه -رده إلى البائع والمقرض.
فإن تلف عنده، فالمالك إن شاء: طالب المولى بالضمان، وإن شاء طالب العبد.
غير أنه إن طالب المولى يطالبه في الحال، وإن أراد مطالبة العبد يطالبه بعد العتق.
ولو رآه السيد في يد العبد؛ فلم يأخذ، لا ضمان عليه.
أما إذا اشترى العبد شيئاً، أو استقرض بإذن المولى - يصح، ويكون ملكاً للمولى؛ فإن تلف في يد العبد، يكون من ضمان المولى.
ويجوز للعبد أن يؤاجر نفسه بإذن السيد. وهل يجوز له بيع نفسه ورهنه بإذن السيد؟
فيه وجهان:
أصحهما- وبه قال صاحب "التلخيص" -: يجوز؛ لأن كل تصرف صح من السيد في عبده، صح من العبد بغذنه؛ كبيع عبد آخر للسيد.
والثاني: لا يجوز؛ لأن إذن السيد [في عبده] إنما يصح ما دام ملكه عليه، وتصرفه
стр. 1276
فيه نافذاً، والملك بالبيع يزول، وبالرهن يمتنع تصرفه.
والأول أصح.
ما أن بيع السيد بنفسه يجوز، وإن كان بالبيع يزول ملكه. وعلى هذا: لو أمر رجل عبد إنسان؛ حتى يستأجر نفسه من سيده له، أو يشتري نفسه من سيده؛ ففعل- يصح؛ على ظاهر المذهب.
ولا يحتاج إلى إذن السيد قبل الشراء؛ لأن بيعه بنفسه منه إذن له بالشراء.
وفيه وجه آخر: أنه لا يصح؛ لأن يد العبد يد السيد؛ كما لو قال للسيد: اشتر عبدك من نفسك - لا يصح.
وكذلك لو قال اشتر من سيدك داره، فعلى هذين الوجهين، والمذهب: جوازه.
فصل: في إذن العبد في التجارة
يجوز للسيد يأذن لعبده في التجارة.
ثم ينظر: إن دفع إليه مالاً، وقال: اتجر فيه، فلا يتصرف إلا في ذلك القدر، وله أن يستدين، ويشتري في الذمة بذلك القدر، ولا يزيد.
وإن قال اجعله رأس مالك، وتصرف فيه كيف شئت - وله أن يتصرف بأكثر منه، وإن لم يدفع إليه مالاً فله أن يشتري في الذمة والتصرف.
ومتى صح الإذن في التجارة، فهل له صرف أكسابه من الاحتطاب، والاحتشاش، والاصطياد، والإخراج من المعدن، وقبول الوصية، والاتهاب إليه؟
ففيه وجهان:
أصحهما: له ذلك، ويقضي منها ما لزمه من الديون، ولا يجوز للمأذون أن يؤاجر نفسه.
وعند أبي حنيفة: يجوز.
وهل له أن يؤاجر أموال التجارة من الدور والعبيد؟
فيه وجهان:
أصحهما: يجوز؛ كما يجوز له بيعها، وكالمكاتب يؤاجر أمواله، ولأن المنفعة من فوائد المال تملك العقد عليه؛ كالصوف واللبن يبيعه.
والثاني: لا يجوز؛ لأن هذا التصرف ليس من باب التجارة؛ بدليل أنه لو حلف ألا يتجر؛ فأر شيئاً، لا يحنث.
стр. 1277
ولا يجوز للمأذون أن ينفق على نفسه من مال التجارة؛ لأن ما يحصل بكسبه وتجارته ملك للمولى؛ فلا ينفقه إلا بإذنه، بل نفتقه على سيده.
وعند أبي حنيفة: يجوز.
ولا يجوز أن يضيف أو يتصدق بشيء، ولا يجوز أن يبيع نسيئة، ولا بدون ثمن المثل، ولا أن يسافر بمال التجارة.
فلو باع نسيئة أو بغبن فاحش، لا يصح.
ولو أذن لعبده بالتجارة في نوع يجوز، ولا يتصرف في غيره من الأنواع.
وكذلك لو أذن له في التجارة شهراً أو سنة، لا يتصرف بعده.
وعند أبي حنيفة: إذا أذن في نوع يتصرف في جميع الأنواع.
وإذا سمى مدة تعم؛ وهذا لا يصح؛ لأنه يتصرف في مال المولى؛ فهو كالوكيل لا يجاوز ما أمره به الموكل؛ كما لو أذن له في التجارة، لا يجوز أن ينكح.
وبالاتفاق: لو دفع إليه عشرة؛ ليشتري بها شيئاً، لا يصير مأذوناً في التجارة. ولو رأى السيد عبده يتصرف؛ فسكت، لا يكون سكوته إذناً في التجارة.
وعند أبي حنيفة: يكون إذناً.
وبالاتفاق: لا يصح التصرف الذي رآه عليه.
ولو رآه ينكح؛ فسكت، لا يكون سوته إذناً به في النكاح؛ فنقيس عليه.
ولا يجوز معاملة المأذون مع المولى بخلاف المكاتب يجوز أن يعامل المولى؛ لأن المكاتب يتصرف لنفسه، والمأذون يتصرف للمولى؛ كالوكيل. ولو اشترى المأذون شقصاً، والمولى شريكه، لا شفعة له فيه.
ولا يجوز للعبد المأذون أن يوكل بالبيع، ولا أن يتوكل بغير إذن المولى؛ كالوكيل لا يوكل؛ بخلاف المكاتب يجوز له أن يُوكل؛ لأنه يتصرف لنفسه، والعبد يتصرف لمولاه.
وإذا أبق العبد المأذون له في التجارة، لا يصير محجوراً عليه، وله أن يتصرف في البلد الذي خرج إليه، إلا أن يكون السيد قد خص تصرفه بهذا البلد؛ فلا يصح تصرفه في غير هذا البلد.
وقال أبو حنيفة: يصير بالإباق محجوراً عليه.
فنقول: العصيان لا يوجب الحجر؛ كما لو ضرب مولاه، ولو أذن لجاريته في التجارة، ثم استولدها، لا يكون حجراً.
وعند أبي حنيفة: يكون حجراً.
стр. 1278
وبالاتفاق: لو أذن لأم ولده في التجارة، يجوز.
قلنا: لما لم يمنع الاستيلاد ابتداء الإذن لم يرفع دوامه.
ولو كان بين رجلين عبد؛ فأذن له أحدهما في التجارة، لا يصح تصرفه؛ لأنه يتصرف بجميع بدنه؛ فالحجر باقٍ ما لم يوجد الإذن منهما؛ كما لا يتزوج بإذن أحدهما؛ حتى يوجد منهما.
والعبد المأذون إذا لزمته ديون المعاملة؛ فيقضي تلك مما في يده من مال التجارة وهل يقضي مما احتطب، واحتش؟
فيه وجهان:
أصحهما: يقضي.
ولا يقضي ديوناً لزمته بسبب الخيانة من أكسابه، ولا من مال التجارة، بل هي في رقبته.
ولو جنى عليه جناية، أو كانت جارية؛ فوطئت بالشبهة - فلا يقضي ديون تجارته من الأرش والمهر.
وإذا حجر عليه المولى، يصرف ما في يده من مال التجارة إلى ديونه؛ فإن لم يف بها، لا تباع رقبته فيها.
وعند أبي حنيفة: تُباع رقبة المأذون في ديونه.
قلنا: كل رقبة لا يتصرف المأذون فيها لا تباع في دينه؛ كسائر عبيد المولى، أو دين لزمه برضى من له الدين؛ فلاتباع رقبته فيه؛ كدين معاملة لزمه بعد الحجر.
وهل يقضي من كسب يكتسبه بعد الحجر؟
فيه وجهان:
أصحهما: لا يقضي، بل يكون في ذمته يؤديه بعد العتق.
والثاني: يقضي؛ لأنه لزمه بإذن المولى، وكذلك لو باعه المولى، صار محجوراً عليه.
ولا يقضي دينه من كسب يكتسبه في يد المشتري؛ على أصح الوجهين.
بل يكون في ذمته، حتى يعتق.
ولو قتل المولى عبده المأذون، لا يجب عليه قضاء ديونه إن لم يكن في يده من مال التجارة ما يفي بالديون.
ولو أتلف المولى ما في يده من مال التجارة، إن لم يكن على المأذون دينٌ، لاشيء
стр. 1279
على المولى، فإن كان عليه دين، فعلى السيد قيمة ما أتلف بقدر الدين؛ فإن كان الدين أكثر، لا يجب عليه الزيادة.
ولو تصرف المولى في المال الذي في يد العبد ببيع أو هبة، أو كان عبداً؛ فأعتقه، فإن لم يكن على العبد دين جاز ونفذ.
وقيل: لا ينفذ ما لم يحدث حجراً.
والأول أصح.
وإن كان عليه دين فلا ينفذ تصرفه دون إذن الغرماء، وإن أذن العبد، والغرماء جاز، والدين في ذمة العبد.
وإن أذن الغرماء، ولم يأذن العبد، فيه وجهان:
الأصح: لا يجوز؛ لأن الدين يتعلق بذمة العبد؛ وهو لم يرض به. وإذا اشترى المأذون من يعتق على مولاه بغير إذن، فيه قولان:
أصحهما: لا يصح؛ لأن أذن له في التجارة؛ فيقتضي ما ينتفع به، ويربح عليه؛ كالعامل في القراض إذا اشترى بمال القراض من يعتق على رب المال، لا يصح.
والقول الثاني: أنه يصح للسيد؛ كما لو وكل وكيلاً ليشتري له عبداً، فاشترى ابن الموكل - يصح.
فعلى هذا: إن لم يكن على المأذون دين عتق على المولى، وإن كان عليه دين: فقولان؛ كما لو اشترى بإذن المولى. وإن اشترى بإذنه، صح الشراء. ثم إن لم يكن على العبد دين، عتق على المولى.
وإن كان عليه دين: فيه قولان:
أحدهما: لا يعتق؛ لتعلق حق الغرماء به.
والثاني: يعتق، ويغرم قيمته للغرماء.
وإذا عتق العبد، وأدى ما لزمه من الديون بعد العتق - لا يرجع على المولى؛ لأنا لو أثبتنا الرجوع لألزمناه في حال رقِه؛ ولو دفع إلى عبده ألفاً؛ ليتجر فيها؛ فاشترى بها شيئاً؛ فتلف الثمن في يده - نظر: إن كان قد اشترى بعين الألف انفسخ العقد، وإن اشترى في الذمة ففيه أوجه:
أحدها: ينفسخ العقد؛ لتعذر أداء الثمن.
стр. 1280
والثاني: لا ينفسخ، والثمن في كسب العبد.
والثالث: على السيد الثمن؛ لأن العقد وقع له؛ فعلى هذا: إذا أدى السيد ألفاً أخرى، هل للعبد أن يتصرف فيها؟
فعلى وجهين:
أحدهما: لا، إلا بإذن جديد؛ لأن الإذن الأول قد ارتفع بهلاك المال.
والثاني: له ذلك بالإذن السابق، نظيره: العامل في القراض إذا اشترى بجميع مال القراض شيئاً مختلف الثمن، ففي وجه: ينصرف العقد إلى العامل، وعليه الثنم.
وفي وجه: يجب على رب المال الثمن، فعلى هذا رأس مال القراض كم يكون؟
فيه وجهان:
أحدهما: الثمن الأول.
والثاني: الأول والآخر.
فإن قلنا: هناك رأس مال القراض الثمن الأول؛ فلا يتصرف هاهنا في الألف الثانية إلا بإذن جديد.
وإن قلنا: رأس المال جميع ما أخذ، فهاهنا يتصرف في الألف الثانية.
وعلى هذا: لو اشترى المأذون بعرض شيئاً، فبعد ما تلف ما اشترى خرج العرض مستحقاً - فالقيمة على المولى، أم في كسب العبد؟
فيه وجهان.
ولو أقر المأذون على نسه بدين معاملة يقبل، ويقضي مما في يده.
فلو أقر بعد الحجر بدين لزمه قبل الحجر، هل يزاحم المقر له الغرماء؟ فيه قولان.
فصل: في إقرار العبد
إذا أقر العبد على نفسه بدين معاملة، يتعلق بذمته، يتبع به إذا عتق؛ سواء صدقه المولى أو كذبه، إلا أن يكون مأذوناً له في التجارة، فتقبل، ويتعلق بما في يده من مال التجارة.
ولو أقر بدين إتلاف من قتل خطأ، أو هلاك مال - لا فرق فيه بين المأذون في التجارة وغير المأذون.
فإن صدقه المولى، يتعلق برقبته؛ يباع فيه، إلا أن يختار السيد الفداء؛ فلا يباع. وإذا بيع فيه، ولم يف قيمته بدينه، هل يتبع بالباقي إذا أعتق؟
стр. 1281
فيه قولان- اصحهما، وهو قوله الجديد-: لا يتبع؛ لأنه تعلق برقبته فحسب.
وفي القديم: يتبع به إذا عتق، ويتعلق ذلك برقبته وذمته جميعاً.
فإذا كذبه، يتعلق بذمته، يتبع به إذا عتق، إلا أن تقوم عليه بينة؛ فيتعلق برقبته.
وإن أقر السيد على عبده بدين إتلاف، وكذبه العبد - تعلق الأرش برقبة العبد؛ لأن رقبته مملوكة للمولى؛ فيقبل إقراره في ماليته، ولا يتبع بالفضل إذا عتق؛ كما لو أقر على عبدٍ بدين معاملة، لا يقبل؛ لأنه لا يتعلق بماليته. ولو أقر العبد على نفسه بما يوجب عقوبة من زنا أو شرب، أو قذف، أو قصاص؛ طرفاً، أو نفساً، أو قطع سرقة - يقبل. وإن كذبه المولى، فيقام عليه.
ولو أقر السيد بما يوجب عقوبة لا يقبل؛ لان السيد متهم فيه، فربما يريد إتلاف مهجته لغيظ داخله منه؛ فلا يمكنه إلا بهذا الطريق، والعبد غير متهم فيه؛ فإنه لا يقصد إتلاف مهجته؛ لإبطال حق المولى من ماليته.
وقال ابن أبي ليلى، وأحمد ومحمد بن الحسن، والمزني - رحمة الله عليهم-: لا يُقبل إقرار العبد على نفسه بالعقوبة؛ لأن رقبته ملك للسيد، والإقرار في ملك الغير لا يقبل.
قلنا: عند انتفاء التهمة تقبل؛ كالشهادة إقرار على الغير، وتقبل عند انتفاء التهمة.
ولو أقر العبد على نفسه بسرقة موجبة للقطع، يقبل قوله في القطع. وهل يُقبل في المال؟
فيه قولان:
أصحهما: لا يقبل؛ كما لو أقر بسرقة غير موجبة للقطع، ويتعلق بذمته، إلا أن يصدقه المولى.
والثاني: يقبل؛ لأن التهمة انتفت من إقراره بإيجاب القطع على نفسه، فعلى هذا: إن كان المسروق قائماًن يسلم على المقر له.
وإن كان تالفاً، تباع رقبته فيه.
ولو أقر العبد على نفسه بالقصاص، فعفى على مال أو مطلقاً.
قلنا: مطلق العفو يوجب المال؛ فيتعلق المال برقبته مع تكذيب المولى؛ لأن إقراره
стр. 1282
كان بالعقوبة، والمال يثبت أو يتعين بالعفو؛ وهو لم يكن على يقين من العفو، فلم يكن متهماً.
وقيل: إذا قلنا: موجب العمد أحد الأمرين، فهل يتعلق المال برقبته
فيه قولان؛ كما في الإقرار بالسرقة، والأول أصح.
وكل ما يقبل إقرار العبد فيه مثل: القصاص، وحد القذف؛ فالدعوى فيه تكون على العبد.
وما لا يقبل إقراره فيه من مال، يتعلق برقبته عند تصديق المولى- فالدعوى تكون على المولى.
فلو ادعى على العبد؛ نظر:
إن كانت له بينة، تسمع؛ وإن لم يكن له بينة، فهذا يُبنى على أن النكول ورد اليمين بمنزلة الإقرار، أم بمنزلة البينةظ
وفيه قولان:
إن قلنا: بمنزلة البينة تسمع؛ رجاء أن ينكل؛ فيحلف المدعي؛ فتكون كالبينة.
وإن قلنا: بمنزلة الإقرار؛ فلا تسمع.
ولو ادعى على العبد دين معاملة، وله بينة، هل تسمع
فيه وجهان؛ كما لو ادعى ديناً مؤجلاً.
أحدهما: لا تسمع؛ لأنه لا يلزمه في الحال شيء؛ كما لو لم تكن بينة.
والثاني: تسمع؛ لأنه يخاف موت الشهود؛ فيتعر عليه إثبات حقه. والله أعلم.
باب: بيع الكلاب
رُوي عن أبي مسعود الأنصاري؛ أن رسول الله ﷺ "نهى عن ثمن الكلبن ومهر البغين وحلوان الكاهن".
стр. 1283
ولا يجوز بيع الكلب، معلماً كان أو غير معلم.
ومن قتله لا ضمان عليه.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع المعلم منه، وتجب القيمة على من قتله. والخبر حجة عليه؛ لأن النبي ﷺ جمع بين ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن؛ ثم مهر البغي وحلوان الكاهن حرامان، كذلك ثمن الكلب.
стр. 1284
ولا يجوز اقتناء الكلب إلا لصاحب صيد يصيد، أو صاحب ماشية أو حرث يحرسهما؛ لما روي عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتنى كلباً إلا كلب ماشية أو ضار، نقص من عمله كل يوم قيراطان".
ويجوز اقتناؤه؛ لحراسة الدور؛ على الأصح؛ كما يجوز للحرث.
стр. 1285
وهل يجوز اقتناء الجرو للتعليم؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لا [يُنتفع به].
والثاني: يجوز؛ لأنه يصير منتفعاً به؛ كبيع الجحش، يجوز، وإن لم يكن فيه منفعة في الحال؛ لأنه يصير منتفعاً به.
فإن جوزنا، إنما يجوز إذا كان من نسل المعلم، وهل يجوز لغير الصياد اقتناء كلب الصيد للإعارة؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لعدم الضرورة.
والثاني: يجوز؛ كما يجوز للرجل حفظ حُلَيِّ النساء؛ للإعارة من النساء.
وكل كلب جاز اقتناؤه، تجوز الوصية به على طريق نقل اليد، لا على طريق نقل الملك؛ كالسرقين.
وكذلك يورث؛ كجلد الميتة.
стр. 1286
وتجوز إعارته.
وفي هبته وجهان:
الأصح: جوازه؛ كالوصية به، وهل تجوز إجارته؟
وجهان:
أحدهما: لايجوز كالبيع.
والثاني: يجوز؛ لأن عقد الإجارة يرد على المنفعة، والانتفاع به مباح.
ولو غصب كَلباً؛ فأمسكه مدة، هل يجب أجر المثل؟
فعلى هذين الوجهين.
فصلٌ: فيما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه
رُوي عن جابر بن عبد الله؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام".
كل عين طاهرة منتفع بها لم يحلها حرمة إبطال الملك - يجوز بيعها.
стр. 1287
حتى يجوز بيع الدور، والعقارات، والخشب، والثياب، والجواهر، والأطعمة، والحيوانات؛ مأكولة كانت؛ كالنعم، أو غير مأكول؛ كالحمار والبغل والجوارح التي تُصاد
стр. 1288
بها من السباع والطيور. ويجوز بيع السنور.
ويجوز بيع ما يُستأنس بصوته من الطيور؛ كالعندليب والبلبل، والببغاء، أو بلونه؛ كالطاووس.
ويجوز بيع نحل العسل، ودود القز، والفراش الذي يخرج من الفيلج والعلقة لأن كلها منتفع بها.
ولا يجوز بيع ما كان نجس العين؛ كالكلب، والخنزير، والخمر، وجلد الميتة قبل الدباغ، والبول، والدم، والسرقين.
وعند أبي حنيفة: يجوز بيع السرقين، وجلد الميتة قبل الدباغ.
ولا يجوز بيع بزر دود القز؛ لأنه نجس.
ويجوز بيع الفيلج وإن كان في باطنه دود ميت؛ لأنه من مصلحته؛ كالحيوان يجوز بيعه مع نجاسة باطنه.
وفأرة المسك طاهرة؛ على الأصح؛ فيجوز بيعها.
فأما ما نجس لعارض؛ نظر: إن كان مما يطهر؛ كالثوب ينجس، يجوز بيعه، وإن كان لا يطهر؛ كالخل النجس، والدبس النجس والصبغ [النجس]، والدهن والماء النجس - لا يجوز بيعه.
وكذلك لا يجوز بيع ما لا ينتفع به؛ مثل: حشرات الأرض من: الحيات، والعقارب، والخنافس، والنمل، والفأرة.
ومن السباع: الأسد والذئب، ونحوهما.
стр. 1289
والحدأة والرخمة، والبعاث لا يجوز بيع شيء منها.
وكذلك لا يجز بيع الحمار الزمن؛ لأنه لا منفعة فيه؛ بخلاف العبد الزمن؛ فإنه يتقرب إلى الله - تعالى- بإعتاقه.
ولا يجوز بيع ما حله حرمة إبطال الملك، كالوقف، وأم الولد، والمكاتب.
وكذلك لا يجوز بيع الأصنام، وبيع كل صورة متخذة من طين، أو خشب، أو ذهب، أو فضة.
وكذلك ما يقصد به اللهو؛ كالملاهي، والمزامير، وإن كان محلولها يصلح لمباح؛ لأنها على هيئتها آلة الفسقن فإذا غُيرت بحيث تصلح لمباح يجوز بيعها.
ويكره بيع الشطرنج؛ كاللعب به، ولا يجوز بيع النرد.
ويجوز بيع لبن الآدميات؛ لأنه لبن طاهر؛ كلبن البقر.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز. والله أعلم بالصواب.
باب: السلف
رُوي عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ قَدِمَ "المدينة"، وهم يُسلفون في الثمر
стр. 1290
السنة والسنتين، وربما قال: والثلاث. قال: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم".
السلم هو: عقد على موصوف في الذمة يبدل بعطية عاجلاً.
стр. 1291
ولصحة السلم سبع شرائط: شرطان في رأس مال السلم.
أحدهما: تسليمه في مجلس العقد.
والثاني: أن يكون معلوم المقدار في أحد القولين.
وخمس شرائط في المسلم فيه.
أحدها: أن يكون ديناً.
والثاني: أن يون معلوم المقدار.
الثالث: أن يكون موصوفاً بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها.
الرابع: أن يكون عام الوجود عند المحل المشروط.
الخامس: أن يعين مكان التسليم؛ في قول.
وهل يشترط لفظ السلم؟
وجهان:
أصحهما: يشترط؛ فإن عقد بلف البيع، فقال: اشتريت منك ثوباً موصوفاً في ذمتك بهذه الدراهم.
فإن قلنا: لفظ السلم غير شرط، فهذا سلم يجب تسليم الدراهم في المجلس، ولا يجوز الاستبدال عن الثوب.
وإن شرطنا لفظ السلم؛ فهذا بيع لا يجب تسليم الدراهم في المجلس، ولا يجوز الاستبدال عن الثوب، على أصح القولين؛ كالأثمان.
ولو قال: اشتريت ثوباً موصوفاً، أو [كُرَّ] حنطة في ذمتك بدينار في ذمتي - يجوز. ثم إن جعلناه سلماً، يجب تعيين الدينار والتسليم في المجلس، ويجوز شرط الرهن والكفيل في السلم.
ويجوز السلم حالاً ومؤجلاً، وعند أبي حنيفة: لا يجوز حالاً.
قلنا: الأجل فيه نوع غرر من حيث نه قد يكون قادراً عليه في الحال، ويعجز عن المحل؛ فلما جاز مؤجلاً فحالاً أولى.
ولو أسلم مطلقاً، ولم يتعرض للحلول والتأجيل، يجوز، على أصح الوجهين.
стр. 1292
ويكون حالاً؛ كالثمن في البيع.
وفيه وجه آخر: أنه لا يصح؛ لأن مطلق العقود تحمل على العادة، والعادة في السلم التأجيل، فإذا أطلق، فكأنه شرط أجلاً مجهولاً، ولو لم يذكر في العقد أجلاً، وذكر في مجلس العقد - يلزم؛ على الصحيح من المذهب.
وإذا أسلم مؤجلاً يشترط بيان الأجل بالأيام، أو بالشهور، أو بالسنين؛ فإن قال: إلى يوم كذا، حل الأجل إذا انتهت ليلة ذلك اليوم، ولو قال: إلى شهر كذا؛ أو إلى أول شهر كذا حل بانتهاء الشهر الذي قبله.
ولو قال إلى عشرة أيام، يكمل اليوم الأول بالحادي عشر؛ فإذا انتهى على الوقت الذي عقد فيه، حل الأجل.
ولو قال: إلى شهرين، فالشهر الذي عقد فيه ينكسر - لا محالة - فيكمل ذلك الشهر بالشهر بالثلث يوماً، والشهر الثاني يكون بالهلال؛ سواء خرج كاملاً، أو ناقصاً. ولو قال: إلى سنة، يحمل على السنة الهلالية.
ولو قال إلى سنة شمسية، يجوز؛ لأنها معروفة؛ كالنيروز. والمهرجان. ولو قال: بالعدد، فيكون ثلاثمائة وستين يوماً.
فإن قال إلى سنة فارسية أو رومية، يتقيد به.
ولو قال: إلى آخر شهر كذا، لا يصح؛ حتى يبين؛ لأن اسم الآخر يقع على جميع النصف الآخر.
ولو قال: إلى آخر شهر ربيع أو جمادي، صح، وحمل على الأول منهما. وقيل: لا يصح؛ حتى يبين.
والأول أصح؛ لأنه نص على انه لو جعل الأجل إلى النفر حمل على النفر الأول.
قلت: على قياس هذا إذا قال: إلى آخر شهر كذا، وجب أن يقع بدخول النصف الآخر.
ولو قال: محله في يوم كذا، أو في شهر كذا، فيه وجهان:
قال ابن أبي هريرة: يجوز الحمل، ويحمل على أوله؛ كما لو قال لامرأته: أنت طالق في يوم كذا، أو في شهر كذا.
والثاني- وهو الأصح -: لا يصح؛ لأنه يقع على جميع أجزاء اليوم والشهر؛ فلابد من البيان؛ بخلاف الطلاق؛ فإنه يجوز إلى أجل مهول. فإذا أعلم زماناً، تعلق بأوله.
стр. 1293
ولو قال: إلى السذج والمهرجان والنيروز، يجوز؛ لأنه صار معلوماً؛ ما لو قال: إلى عيد الأضحى.
ولو قال: إلى فصيح النصارى؛ نظر: إن لم يكن معلوماً عندهما، لا يجوز، وإن كان معلوماً عندهما يجوز.
وقيل: إنما يجوز مع علمهما إذا كان في المسلمين عدلان يعرفان.
فإن لم يكن، لم يجز؛ لأنهما ربما يختلفان. ولا يقبل قول النصارى فيه. ولو قال: إلى الربيع أو إلى الخريف، لا يجوز؛ لأنه يختلف؛ كما لو قال: إلى الحصاد.
ولو قال: إلى العطاء؛ فإن أراد وصوله، لم يجز، وإن أراد خروجه وقد ضرب الإمام له وقتاً معلوماً جاز.
ولو اسلم في شيء واحد إلى أجلين؛ كأن أسلم في وقري حنطة؛ أحدهما يوفي بعد شهر، والثاني بعد شهرين - ففيه قولان:
أصحهما: يجوز.
وكذلك لو أسلم في شيئين على أجل واحد، فيه قولان.
والمذهب جوازه، وهل يشترط بيان موضع التسليم؟
نظر: إن كان موضع العقد لا يصلح للتسليم؛ بأن كان عقداً في مفازة، أو سفينة - يجب بيانه.
وإن كان صالحاً للتسليم، فيه قولان:
أحدهما: يجب بيانه؛ قطعاً للنزاع؛ كما لو باع بدراهم، وفي البلد نقود - يجب تعيين واحد منهما.
والثاني: لا يجب، ويتعين مكان العقد للتسليم.
ومن أصحابنا من قال: القولان، فيما إذا لم يكن لنقله مؤنة.
فإذا كان لنقله مؤنة، يجب بيان التسليم قولاً واحداً - وبه قال أبو حنيفة - أنه يجب بيانه إذا كان لنقله مؤنة.
فإن قلنا: يتعين مكان العقد، لا نعني به عين ذلك الموضع، بل تلك المحلة.
فإن عين مكان التسليم، أو قلنا: يتعين مكان العقد، فأتى به في غير ذلك الموضع - لا يجب قبوله إن كان لنقله مؤنة.
стр. 1294
أو كان الموضع مخوفاً، وإن لم يكن، ففيه وجهان؛ بناء على ميقات الزمان إذا أتى به قبل محله.
فلو رضي وأخذه في موضع آخر - ليس له أن يكلفه مؤنة النقل.
ولو طالبه المستحق في بلد آخر، إن لم يكن - لنقله مؤنة - يجب الأداء، وإلا فلا، كالقرض، وبدل الإتلاف، إلا أن في القرض وبدل الإتلاف يأخذ القيمة. وفي السلم لا يأخذ.
ثم تفصيل تلك الشرائط:
تسليم رأس المال في المجلس شرط، ولا يشترط تعينه في وقت العقد.
حتى لو قال: أسلمت إليك ديناراً في ذمتي في كذا، ثم عين وسلم - يجوز، وإن كان في الذمة يشترط بيان المقدار.
وإن كان معيناً ففيه قولان:
أصحهما: لا يشترط، والمشاهدة كافية؛ كما في بيع العين، إذا قال: بعتك هذا بهذه الدراهم، وهو لا يعرف وزنها - يجوز.
والثاني: يشترط بيان المقدار، إن كان مكيلاً بالكيل وإن كان موزوناً بالوزن، أو مذروعاً بالذرع.
وبيان صفاته؛ لأنه ربما ينقطع المسلم فيه، بعد تلف رأس المال فلا يدري بماذا يرجع.
ولا فرق بين أن يكون السلم حالاً أو مؤجلاً.
ولو تفرقا قبل قبض رأس مال السلم - ينفسخ العقد.
ولو جُعل رأس مال السلم منفعة دار، أو عبد مدة معلومة - جاز، وتسليمه بتسليم العين.
فلو أحال برأس مال السلم على إنسان - لا يجوز، وإن قبض في المجلس؛ لأن بالحوالة، يتحول الدين إلى غيره، فالمحال عليه يؤديه من جهة نسه، لا من جهة المسلم.
ولو كل المسلم إليه إنساناً بقبض رأس مال المسلم - يجوز، إذا قبض الوكيل قبل مفارقة الموكل مجلس العقد.
ولو كان له في ذمة الغير دينارٌ، فقال: أسلمت إليك الدينار الذي في ذمتك بكذا- لم
стр. 1295
يجز؛ لأنه بيع الدين بالدين.
ولو كان رأس مال السلم عبداً، فأعتقه المسلم إليه قبل القبض - ففيه وجهان:
أحدهما: يعتق، وصار قابضاً كما في بيع العين.
والثاني: لا يعتق؛ لأنه قبض حكمي، ولا يكتفى بالقبض الحكمي في رأس مال السلم، كما لا تجوز الحوالة به.
ومن قال بالأول فن القبض قبض حكمي يتصل بعين ما وقع عليه العقد؛ فجاز، بخلاف الحوالة.
ولو وجد المسلم إليه برأس [مال السلم] عيباً، وكان معيناً - فهو بالخيار؛ إن شاء فسخ العقد. وإن شاء أجاز.
وإن كان قد تلف عنده، أو كان عبداً قد أعتقه مثلاً - وكان العيب ينقص عُشر قيمته سقط عشر المسلم فيه.
فصل في بيان شرائط المسلم فيه
يشترط أن يكون ديناً، ولو قال: أسلمت إليك في هذا العين؛ لا يصح.
وقيل: يكون بيعاً مراعاة للمعنى ولا يصح.
ويشترط بيان مقداره بالكيل والوزن، وإن كان مذروعاً فبالذراع أو معدوداً فبالعدد، فلو أسلم في الكيل وزناً، أو في الموزون كيلاً - جاز؛ لأن بيان المقدار يحصل بكل واحد منهما.
وإذا سمي مكيالاً يجب أن يكون معروفاً. فإن عين مكيالاً، نظر: إن كان له نظائر في البلد - جاز، وله أن يكيل بأيهما شاء.
وإن لم يكن له نظائر في البلد، أو قال: أسلمت غليك في مليء عشر غضارات من هذه نُظر:
إن كان السلم مؤجلاً لم يجز؛ لأنه ربما يتلف ذلك المكيال، فيتعذر التسليم.
стр. 1296
وإن كان حالاً، فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، ويسلم في الحال.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه ربما يتعذر.
ولو بيَّن الكيل، وقال: كل كيل كذا وزنه وزن كذا - لا يجوز؛ لأنه قل ما يتفق ذلك.
وكذلك لو أسلم في ثوب وصفه، وقال: وزنه وزن كذا - لا يجوز؛ لأنه قل ما يتفق ذلك.
ويشترط أن يكون موصوفاً بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها؛ فإن أسلم في شيء يدق معرفتهن كالدبابيج المنقشة والأدوية ونحوها؛ إن لم يعرف المتعاقدان أو أحدهما صفته - لم يجز.
وإن عرفا جاز، إذا كان في البلد من يعرف ذل الوصف، من أهل تلك الصنعة وأقله عدلان.
حتى إذا تنازعا يرجعان إليه، نص عليه.
وقيل: لا يشترط ذلك، وذكره الشافعي احتياطاً.
ولو أخرج صاعاً من حنطة، فقال: أسلمت إليك مائة من مثل هذه الحنطة، أو ثوباً، وقال: أسلمت إليك في هذا- يجوز، وكان كما لو وصفه.
ويشترط أن يكون عام الوجود عند المحل المشروط.
وإن كان قد أسلم حالاً ففي الحال، وإن أسلم مؤجلاً وهو في الحال منقطع، أو ينقطع قبل حلول الأجل، ويوجد عند المحل -يجوز.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز، حتى يكون عام الوجود من وقت العقد إلى المحل.
وحديث ابن عباس حجة عليه؛ لأنهم كانوا يسلفون في الثمار سنتين أو ثلاث، والثمر لا يبقى سنتين بل ينقطع، دل على أن الوجود عند المحل شرط.
فلو انقطع المسلم فيه عند المحل، هل ينفسخ العقد؟
فيه قولان:
أحدهما: بلى، كالمبيع إذا تلف قبل القبض.
والثاني: لا ينفسخ؛ لأنه لم يتعين ثمر هذا العام، والعقد لاقى الذمة، فأشبه المشتري إذا أفلس بالثمن، لا ينفسخ العقد، ولكن يثبت للبائع الخيار؛ كذلك هاهنا يثبت للمسلم الخيار.
فإن فسخ، وقلنا: ينفسخ، يسترد رأس المال إن كان قائماً.
стр. 1297
وإن كان تالفاً فمثله إن كان مثلياً، أو قيمته إن كان متقوماً، وإن أجاز العقد، ثم بدا له أن يفسخ قبل الوجود - له ذلك؛ لأنه ضرر يتجدد كل ساعة.
ونعني بالانقطاع، أن لا يوجد في تلك البلدة ونواحيها.
فإن كان يوجد في نواحيها على أقل من مسافة القصر - يجب حملها من مسافة القصر.
وقيل: إنما يجب حملها من مسافة القصر لو خرج إليها بكرة يمكنه الرجوع إلى أهله ليلاً.
فإن كان فوق ذلك فهو منقطع، وإن كان موجوداً في البلد مع بعض الناس، ولكن لا يبيعه مالكه - فهو منقطع.
ولو أسلم في حنطة ضيعة بعينها، أو حنطة قرية صغيرة - لا يجوز؛ ما لو أسلم في ثمرة رجل بعينه؛ لأن الغالب فيه الانقطاع، فإن أسلم في حنطة قرية كبيرة، لا ينقطع غالباً - جاز.
فصل
ويجوز السلم في كل ما يمكن ضبطه بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها.
وفي الدراهم والدنانير وجهان:
أصحهما: يجوز السلم فيها؛ كسائر الأموال.
وقيل: لا يجوز؛ لأنهما ثمنان فلا يجعلان مثمنين.
ولا يجوز في العقار؛ لأن المكان فيه مقصود. فلابد من بيانه، وإذا بين المكان يتعين، والسلم في المعين لا يجوز.
ويجوز السلم في الحيوان، آدمياً كان، أو دابة، أو طائراً.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز السلم في الحيوان.
والدليل على جوازه ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أمرني رسول الله ﷺ "أن اشتري بعيراً ببعيرين إلى أجل".
стр. 1298
ويجب بيان أوصافه، وإن كان عبداً أو جارية يبين نوعه أنه تركي أو هندي.
ويبين أي نوع من التركي، ويبين لونه إن أبيض أو أسود.
ويصف سواده بالصفا أو الكدورة.
ويصف شعرهن ويبين سنه، أنه ابن سبع، أو أصغر أو أكبر، وأنه محتلم أو غير محتلم.
ويصف قامته بالطول والوسط.
وإذا بين سنه، فأتى بما يقرب منه - يجب قبوله؛ لأنه لا يوقف على حقيقته، حتى لو شرط سبع سنين، لا يزيد عليه ولا ينقص - لا يصح العقد؛ لأنه يندر وجوده.
ويعتمد في معرفة سنه على قول بائعه، إن كان ولد في الإسلام، أو كان جليباً؛ فنرجع إلى النحاسين.
وقيل: لا يجوز في الجليب؛ لأنه لا يعرف سنه، ولا يقبل فيه قول الكفار.
ولو أسلم في عبد وجارية وصفها - جاز، ثم إذا أتى بها والغلام ولد الجارية - يجب القبول. ولو شرط ذلك في العقد - لم يجز؛ لأنه يندر وجوده.
ولا يجوز السلم في نادر الوجود.
ولو أسلم في جارية حبلى أو دابة لبون أو حامل - لا يجوز؛ لأنه يندر وجودها حاملاً، أو لبوناً مع سائر الوصاف.
ويصف البعير بأنه من نعم بني فلان، ويبين نوعه ولونه وسنه، وكذلك سائر الدواب.
ويصف التمر بأنه برني أو صيحاني أو جعرور، ويصف الحنطة بأنها شامية أو (ميسانية) أو نجشية، ويصفها بالزالة والدقة.
وإن اختلفا حصاد عام أو عامين - يبين.
ولا يشترط ذكر الجيد؛ لأن مطلقه يقتضي الجيدة، ولو ذكر يجوز، ولو شرط الأجود لا يجوز؛ لأنه ما من جيد يأتي به إلا ويمكنه أن يقول: قد يكون أجود من هذا، فلا ينقطع (النزاع).
ولا يجوز في الرديء؛ لأنه ما من رديء يأتي إلا ويكون فوق هذا رديئاً.
стр. 1299
وهل يجوز في الأرديء؟
نص على أنه لا يجوز، كالأجود، والأصح جوازه، ويجبر على قبول ما يأتي به من ذلك النوع.
ولا يجوز السلم في المعيب، ويجوز في العسل المصفى بالشمس، ويوصف بالبياض والصفرة، أو الخضرة، ويبين وزنه.
وهل يجوز في المصفى (في النار)؟
فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن للنار فيه نهاية المصفى بالشمس، والأصح أنه لا يجوز؛ لأن النار تعيبه.
ويجز في الشهد، وإن كان فيه شمع؛ لأنه خلقة، كالنوى في التمر، ويجوز في الشمع.
ويبين في اللحم أنه لحم بقر، أو إبل، أو غنم ضائن، أو ماعز ذكر أو أنثى، خصي أو غيره، رضيع ام فطيم، راعية أو معلوفة.
ويبين موضعه من يد أو رجل أو ظهر، أحمر أو أبيض، ويبين وزنه.
ولا يجوز في الأعجف؛ لأنه عيب.
ولا يجب أن يشترط بلا عظم؛ لأن العم خلقة فيه، فإن أتى به وفيه عظم على العادة - يجب قبوله.
ولو شرط بلا عظم يجوز، ولا يجب قبول العظم، ويجوز في لحم الصيد إذا كان عام الوجود ويبين موضعه وجنسه. ويجوز في الطيور الصغار من الحمام والعصافير، ويبين نوعه ووزنه.
وكذلك في السمك، ولا يجوز عدداً، إلا أن يسلم في الحي منها؛ فيجوز عدداً. ويجوز في اللحم المملح والقديد إذا لم يكن عين الملح عليه، ويجوز في الشحم والآلية.
ويجوز في اللبن، ويصفه كما يصف اللحم، أنه لبن أي نوع، راعية أو معلوفة.
стр. 1300
وكذلك في السمن والزبد [الفائتة، الحلوب من يومين]، ومطلق ذكر اللبن يقتضي حلب يومه، فإن الفائتة لعيب لا يجوز السلم فيه.
ولا يجوز في كل ما هو مختلط بغيره كالأقط والجبن والحلواء؛ لأنه لا يمكن وصف ما فيه.
وقيل: يجوز فيما خالطه غيره للحاجة مثل: خل الثمر وفيه الماء، واللبن وفيه الإنفحة، والسمك المالح وفيه الملح؛ لأنه من مصلحته.
ولا يجوز السلم فيما مسته النار؛ كاللحم المطبوخ، والمشوي؛ لأنه لا نهاية للنار فيه.
ولا يجوز في الدبس والسكر والفانيذ والرانب واللبأ على أصح الوجهين؛ لتأثير النار فيها؛ كاللحم المشوي.
وفيه وجه آخر: يجوز؛ لأن للنار فيها نهاية السمن، ويجوز في الرقيٌ.
ويجوز في الثياب [والديباج النفيس] ن ويبين في الثوب أنه من قطن أو كتان، او أبريسم، وأنه نسج بلد كذا، ويبين طوله وعرضه بالذرعان، ودقته وصفاقته.
ولا يجوز في العتابي؛ لأنه قطن وأبريسم. وما عمل عليه بالإبرة، فإن كان من أبريسم وعمل عليه بالأبريسم - جاز.
وإن كان من قطن عمل عليه بالأبريسم - لم يجز، وإن أسلم في ثوب مصبوغ: نظر؛ إن صبغ غزله ثم نسج- جاز، وإن صبغ بعد النسج لم يجز؛ لأنه لا توقف عليه.
ويجوز في الصوف والشعر والوبر، ويبين أنه ربيعي أو خريفي، فحل أو أنثى، ويبين لونه وقبائله ووزنه.
وفي الشعر يذكر أنه طويل أو قصير، ومطلقه يقتضي النقي من البعر.
ويجوز في المغسول إذا كان لا يعيبه الغسل.
وبين في القطن بلده، وأنه لين أو خشن، أبيض أو أسمر، حليج أو غير حليج.
следующие страницы →