Полный текст (3 626 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
ولو قال: لا أجامعك في هذا البيت-: لا يكون مولياً؛ لأنه يمكنه أن يجامعها من غير شيء يلزمه، ولا ضرر عليها في ترك الوطء في بيت بعينه.
ولو قال لزوجته: والله لا أطؤك، ثم قال لامرأة أخرى: أشركتك معها-: لا يصير مولياً عن الأخرى؛ لأن الإيلاء يمين لا تجري فيه الكناية مولياً يعني به [الكناية] في المحلوف به؛ فإنه لو قال: لا أطؤك، فقال: أردت بالله-: لا يكون مولياً.
أما إذا كان إيلاؤه بالتزام عتق أو طلاق، بأن قال لإحدى امرأتيه: إن قربتك فأنت طالق، أو عبدي حر، ثم قال لامرأة أخرى: أشركتك معها- نظر: إن أراد التشريك في الطلاق، يعني: إن وطئت الأولى فالثانية طالق معها، أو في العتق: قال لعبد آخر: أشركتك معه؛ على معنى: أني إن وطئت المرأة، وعتق العبد الأول فأنت شريك في العتق-: صح التشريك.
فإذا وطئها-: طلقت المرأتان، وعتق العبدان؛ لأن الطلاق والعتق يقعان بالكناية.
وإن أراد بالتشريك: أن الأولى إن أصبتها-: لا تطلق إلا بإصابة الثانية: لا يصح التشريك؛ لأن الطلاق إذا تعلق بصفة-: لا يصح ضم صفة أخرى إليها.
وإن أراد بالتشريك: أن الثانية كالأولى، على معنى: أني إن [وطئتها] فهي طالق أيضاً-: فهل يصير مولياً على الثانية؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه تشريك في اليمين؛ كاليمين بالله.
والثاني: يصير مولياً عنها؛ لأن اليمين بالطلاق لنفس الطلاق؛ فيقع بالكناية؛ كما يجوز تعليق الطلاق صريحاً وكناية، والله أعلم.
فَصْلُ
إذا قال لامرأته: إن قربتك فأنت طالق-: فهو مول، ولا يمنع من الوطء، سواء علق به ثلاث طلقات أو أقل.
وقال أبو علي بن خيران: يمنع؛ لأنه كما أولج الحشفة-: يقع الطلاق، وكما يمنع الصائم من الجماع إذا بقي إلى طلوع الفجر شيء قليل.
والأول المذهب؛ لأن الإيلاج يصادف حقيقة الزوجية، فإذا أولج: عليه أن ينزع،
стр. 2452
فالذي يصادف غير الزوجية هو النزع، والنزع ترك الجماع؛ بخلاف الصائم: فإنه إذا بقي شيء قليل من الليل يجامع لا يتحقق أن ذلك الجزء من الليل، ثم بعد مضي المدة أو في خلالها إذا جامع؛ فكما غيبت الحشفة-: وقع الطلاق، وعليه أن ينزع، فإن نزع لا شيء عليه.
فإن أولج بعد النزع- نظر: إن كانت رجعية لا حد عليه، فإن كان علق به ثلاث طلقات-: فعليه الحد والمهر، إن كانت المرأة جاهلة.
أو علمت، ولم تقدر على أن تدفعه، فلا مهر، وعليه الحد، وإن لم ينزع، ومكث-: فلا حد عليه؛ لأن ابتداءه كان مباحاً، فانتصب شبهة في سقوط الحد، وسكت ههنا عن وجوب المهر، وأوجب الكفارة في الصوم؛ كما ذكرنا في "كتاب الصوم".
ولو قال: إن قربتك فأنت علي كظهر أمي-: فهو مول، فإذا فاء إليها في المدة أو بعد مضيها-: كان مظاهراً.
ولو قال: إن قربتك فأنت علي حرام: فإن أراد به الطلاق أو الظهار-: فهو مول، وإن أراد تحريم عينها أو أطلق، وقلنا: مطلق لفظ التحريم يوجب الكفارة-: فهو مول؛ لأنه إذا وطئها تلزمه الكفارة.
وإن قلنا: مطلقة-: لا توجب الكفارة، فلا يكون مولياً.
ولو قال لامرأته: أنت علي حرام، فنوى الإيلاء-: لا يكون مولياً، بل عليه كفارة اليمين، إذا قلنا: مطلق هذه اللفظة يوجب الكفارة.
فإن قال: أردت: أني إن قربتك فأنت علي حرام-: لا يقبل قوله في الحكم؛ لأنه يريد تأخير الكفارة إلى الوطء، ويقبل في الباطن.
قال الشيخ- ﵀ ويكون مولياً في الباطن.
ولو قال: إن قربتك فأنت زانية-: لا يكون مولياً؛ لأنه لا يلزمه أمر بالوطء، وإذا وطئها-: لا يصير قاذفاً؛ لأن القذف ما يلحق به العار في الحال، ولا يحصل ذلك بالتعليق؛ كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت زانية، فدخلت-: لم يكن قاذفاً.
فَصْلُ
إذا قال لامرأته: إن قربتك فعبدي حر عن ظهاري، إن تظهرت-: فلا يكون مولياً في الحال ما لم يظاهر.
فإذا ظاهر عنها-: صار مولياً، فبعد مضي أربعة أشهر من وقت الظهار، يضيق الأمر
стр. 2453
عليه: فإن فاء بعد المدة أو في خلالها-: عتق العبد؛ لوجود الشرطين، وهو الظهار والوطء، ولا يقع عتقه عن الظهار؛ لأن التعليق يقدم الظهار.
أما إذا قال: إن قربتك فعبدي حر عن ظهاري، ولم يقل: إن تظهرت-: فهو إقرار منه بالظهار، وهو مول يضرب المدة في الحال، فإذا فاء-: عتق العبد عن الظهار.
وكذلك لو قال: إن قربتك فعبدي حر عن ظهاري، إن تظهرت، وكان قد ظاهر ونسي-: كان مولياً، وإذا وطئ- عتق العبد عن الظهار؛ لأن الظهار سابق.
ولو أن مظاهراً عابداً قال لامرأته: إن قربتك فلله علي أن أعتق عبدي هذا عن ظهاري-: فهو مول؛ لأنه التزم بالوطء تعيين العتق الواجب في ذمته في عبد.
ثم إذا ضيقنا الأمر عليه، فطلق-: تخلص عن الإيلاء، وكفارة الظهار في ذمته: إن شاء أعتق ذلك العبد عنه، وإن شاء غيره، وإن فاء في المدة أو بعدها-: انحلت اليمين، ويلزمه ما يلزم في نذر اللجاج.
فإن قلنا: يلزمه كفارة اليمين، أو قلنا: يتخير، واختار كفارة اليمين: فإن أطعمه أو كسا عنه-: فعليه إعتاق رقبة عن الظهار: فإن شاء هذه، وإن شاء غيرها، وتبقى هذه رقيقة، وإن أعتق هذه عن اليمين-: عليه إعتاق رقبة أخرى عن الظهار وإن أعتق رقبة أخرى عن اليمين، فعليه إعتاق أخرى عن الظهار: إما هذه، وإما غيرها.
وإن قلنا: يلزمه الوفاء بما سمى، أو قلنا: يتخير، فاختاره-: فعليه إعتاق هذه الرقبة، ويخرج عن موجب اليمين، وهل يسقط عنه كفارة الظهار، إن نواه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط؛ لأنه التزم إعتاقه عن الظهار.
والثاني: لا يسقط؛ لأنه يقع مشركاً بين الحنث والظهار.
واختار المزني أنه لا يكون مولياً، وبتعيينه: لا يتعين العتق الواجب عليه بسبب الظهار في تلك الرقبة.
وكذلك عنده كل من كان في ذمته عتق رقبة، فعينه، في عبد: لا يتغير، كما لو كان عليه صوم يوم، فقال: لله علي أن أصوم يوم الخميس عن اليوم الذي في ذمتي-: لا يتعين، وله أن يصوم أي يوم شاء.
فإذا لم يتعين: لا يلزمه كفارة اليمين.
وقد ذكر ابن أبي هريرة: أن اليوم في الصوم-: يتعين كالرقبة.
стр. 2454
والأكثرون على أنه لا يتعين بخلاف العتق؛ لأن للعبد فيه حقاً، ولا حق للزمان في الصوم؛ فلا فائدة في تعيينه.
ولو قال: إن قربتك فعبدي حر قبله بشهر-: لا تحسب المدة، حتى يمضي شهر؛ لأنه إن وطئها قبل مضي شهر-: لا يلزمه شيء، ويرتفع حكم اليمين.
وإذا مضى شهر، ولم يطأها-: يضرب المدة، فبعد مضي أربعة أشهر: يضيق الأمر عليه، فإن فاء بعد الأربعة الأشهر، أو في خلالها: يحكم بعتق العبد قبله بشهر، ولو لم يفيء وطلقها: فإذا راجعها يضرب المدة ثانياً، ولو لم يراجعها، بل نكحها بعد انقضاء العدة-: فهل يعود حكم الإيلاء؟ فعلى قولي عود اليمين.
ولا خلاف أنه لو وطئها-: يحكم بعتق العبد قبله بشهر؛ لأنه لو زنا بها بعد البينونة-: يعتق أيضاً، فإن باع العبد في الشهر الرابع من وقت ضرب المدة مثلاً بعد انتصافه-: فلا يرتفع حكم الإيلاء، ولا يضيق الأمر عليه، حتى يمضي الشهر الرابع، وتتم المدة، ثم يضيق الأمر عليه إلى انتصاب الشهر الخامس: فإن فاء بان أن العتق حصل قبل البيع، وإن لم يفيء حتى ينتصف الشهر الخامس، ويتم من وقت البيع شهر فأكثر: ارتفع حكم الإيلاء؛ لأنه لا يلزم شيء بالوطء بعده.
فَصْلُ
إذا قال لامرأته: والله لا أجامعك خمسة أشهر؛ فإذا مضت خمسة أشهر، فوالله لا أجامعك سنة-: فهما يمينان عقدهما على مدتين.
فإذا مضت أربعة أشهر من يوم عقد اليمين-: يضيق الأمر عليه، فإن فاء ارتفعت اليمين الأولى وكفر، ثم بعد مضي الشهر الخامس-: يضرب المدة لليمين الثانية.
وإن طلقها في اليمين الأولى، ولم يفئ- نظر: إن لم يراجعها حتى مضت سنة بعد الأشهر الخمسة- فقد ارتفع حكم اليمين.
فإن راجعها قبل مضي الشهر الخامس-: لا يضرب المدة في الحال؛ لأنه لم يبق من اليمين الأولى إلا قليل، فإذا مضى الشهر الخامس حينئذ: نضرب المدة لليمين الثانية.
ولو راجعها بعد الشهر الخامس قبل مضي السنة- نظر: إن كان بقي منها أقل من أربعة أشهر بعد الشهر الخامس-: فقد ارتفع حكم الإيلاء إلا أن حكم اليمين باق.
ولو وطئها قبل تمام سنة-: عليه الكفارة، وكذلك: لو نكحها، وقد بقي من السنة شيء، وإن قل.
стр. 2455
ولو راجعها، وقد بقي من السنة أكثر من أربعة أشهر-: يضرب المدة في الحال، وإن نكحها بعد انقضاء العدة، وقد بقي أكثر من أربعة أشهر-: فهل يعود حكم الإيلاء؟ فعلى قولين:
فإن قلنا: يعود حكم الإيلاء-: يضرب المدة في الحال؛ وإلا فلا، ولا خلاف في بقاء اليمين، حتى لو وطئها قبل مضي السنة-: يجب عليه الكفارة.
أما إذا عقد اليمينين على مدة واحدة، فقال: والله لا أجامعك خمسة أشهر، ثم قال: والله لا أجامعك سنة: فإذا مضت أربعة أشهر-: يضيق الأمر عليه: فإن فاء انحلت اليمينان جميعاً، ثم يلزمه كفارة واحدة أم كفارتان؟ فيه قولان؛ لأنه حنث بفعل واحد في يمينين.
وإن طلقها، ثم راجعها، أو نكحها، وقد بقي من السنة أربعة أشهر فأقل-: لا يعود حكم الإيلاء، وحكم اليمين باق حتى لو وطئها-: يلزمه الكفارة.
ثم إن كان بعد مضي خمسة أشهر من وقت اليمين-: فلا يجب إلا كفارة واحدة؛ لأن اليمين الأولى قد ارتفعت.
وإن كان قبل مضي الشهر الخامس-: فيلزمه كفارة أو كفارتان؟ فيه قولان.
وإن راجعها، وقد بقي من السنة أكثر من أربعة أشهر-: يعود حكم الإيلاء، وإن نكحها-: فعلى قولين.
ولو قال: إذا مضت خمسة أشهر فوالله لا أطؤك-: فلا يصير مولياً، حتى تمضي خمسة أشهر، ثم يضرب المدة.
ولو قال: والله لا أقربك أربعة أشهر، فإذا مضت فوالله لا أقربك أربعة أشهر-: فلا يكون مولياً؛ لأن كل يمين منها لا تبقى أكثر من أربعة أشهر، وكما لو كان كل يمين أقل من أربعة أشهر، ومجموعها يزيد على أربعة أشهر.
وقيل: يكون مولياً؛ لأنه منع نفسه من وطئها أكثر من أربعة أشهر؛ فصار كما لو جمعها في يمين واحدة.
والأول المذهب.
ولو قال لامرأته: إن أصبتك، فوالله لا أصبتك-: فلا يكون مولياً؛ على قوله الجديد؛ وهو المذهب؛ [لأنه لا يلزمه شيء بالوطء الأول، حتى يطأها، فإذا وطئها-: صار مولياً يضرب المدة] عقيب الإصابة.
стр. 2456
وفي القديم قولان:
أحدهما: هذا.
والثاني: يكون مولياً يضرب المدة في الحال؛ لأن الوطء الأول يقربه من الحنث.
ثم بعد مضي أربعة أشهر: نضيق الأمر عليه، فإن فاء لا شيء عليه، ويضرب المدة ثانياً في الحال، وهذا بخلاف ما لو قال: إن دخلت الدار، فوالله لا أصيبك-: لا يكون مولياً قولاً واحداً في الحال، حتى تدخل الدار، لأن القرب من الحنث هناك الدخول، والدخول غير مقصور مجبور عليه، وفيمانحن فيه المقرب من الحنث هو الوطء، والوطء مقصود ومجبور عليه، فجعل الوطء المقرب من الحنث كنفسه في ثبوت حكم الإيلاء.
ولو قال: والله لا أصيبك في السنة إلا مرة واحدة-: فهكذا في الجديد وأحد قولي القديم: لا يكون مولياً، فإذا وطئها، وقد بقيت من السنة أكثر من أربعة أشهر-: صار مولياً يضرب المدة.
والثاني من قولي القديم: يكون مولياً، فبعد مضي أربعة أشهر-: يضيق الأمر عليه: فإن فاء لا شيء عليه، ويضرب المدة ثانياً.
فَصْلُ
إذا علق الامتناع عن الوطء في اليمين على أمر في المستقبل- نظر: إن علق على أمر يستحيل وجوده بأن قال: والله لا أطؤك حتى تصعدي السماء، أو تطيري في الهواء-: فهو مول؛ لأنه مما لا يكون؛ فهو كما لو قال: لا أطؤك أبداً.
وإن علق علي أمر لا يستحيل وجوده- نظر: إن علق على أمر يتحقق وجوده قبل أربعة أشهر؛ مثل؛ أن قال: والله لا أطؤك حتى يجف الثوب، أو حتى تغرب الشمس، أوحتى يتم الشهر-: فلا يكون مولياً.
وكذلك: إن علقه على أمر الغالب على الظن وجوده قبل أربعة أشهر؛ مثل: أن يقول: لا أطؤك حتى يجيء زيد من القرية، وعادة أن يجيء ل جمعة-: لم يكن مولياً.
وإن علق على ما يتحقق: أنه لا يوجد إلا بعد أربعة أشهر؛ بأن قال حتى آتي مكة أو حتى يقدم فلان من بلد كذا، والمسافة بينهما بعيدة لا يتصور قدومه إلا بعد أربعة أشهر-: فهو مول.
وإن علق على ما يحتمل وجوده قبل أربعة أشهر وبعدها- نظر: إن كان ذلك أمراً مستبعداً؛ بأن قال: حتى تقوم الساعة، أو حتى يخرج الدجال، أو حتى ينزل عيسى ابن
стр. 2457
مريم، أو تطلع الشمس من مغربها- فهو مول.
وكذلك لو قال: حتى أموت، أو تموتي، أو يموت فلان-: فهو مول؛ لأنه يعبر بهذه الأشياء عن الأبد.
وقيل: إذا قال: حتى يموت فلان-:فهو كما لو قال: حتى يمرض فلان؛ لأن الإنسان يستبعد موت نفسه، ولا يستبعد موت غيره.
ولو قال حتى أمرض أو يمرض فلان، أو حتى يقدم فلان، وكان على مسافة يتصور القدوم قبل أربعة أشهر، أو قال: حتى تدخلي الدار، أو حتى أخرجك عن البلد، أو حتى أكلم فلاناً-: لا يحكم بالإيلاء في الحال، فإذا مضت أربعة أشهر، ولم يوجد المرض ولا القدوم ولا الإخراج عن البلد ولا الدخول ولا الكلام-: هل يحكم أنه كان مولياً باللفظ حتى يضيق الأمر عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحكم بأنه كان مولياً؛ لأن المضارة قد تحققت.
والثاني: وهو اختيار المزني-: لا يكون مولياً؛ لأنه لم يقصد المضارة حين علق بأمر يوجد قبل أربعة أشهر، فهو كما لو ترك مباشرتها سنين من غير يمين، ولا خلاف أنه لو وطئها قبل وجود تلك الصفة يلزمه كفارة اليمين، وترتفع اليمين.
ولو وجدت الصفة قبل أن يصيبها- ترتفع اليمين، سواء كان قبل أربعة أشهر أو بعدها.
ولو قال: والله لا أطؤك حتى تحبلي- نظر: إن كان في سن لا يحتمل فيها العلوق في أربعة أشهر؛ بأن كانت صغيرة أو آيسة-: فهو مول.
وإن كان يحتمل: فهو كما لو علق بالقدوم.
ولو قال حتى تفطمي ولدك- نظر: إن أراد أوان الفطام، وهو مضي حولين: فإن بقي إلى تمام الحولين أكثر من أربعة أشهر-: فهو مول، وإن بقي أربعة أشهر فأقل فليس-: بمول.
وإن أراد فعل الفطام- نظر: إن كان الصبي في سن لا يحتمل الفطام في أربعة أشهر؛ لصغر أو لضعف بنية-: فهو مول، وإن كان يحتمل الفطام في أربعة أشهر-: فهو كما لو علق بقدوم فلان.
وكذلك لو قال والله لا أطؤك حتى يشاء فلان: فإن لم يشأ فلان أن يطأها حتى مضت أربعة أشهر-: هل يحكم بكونه مولياً حالة اللفظ؟ فيه وجهان.
стр. 2458
ولو شاء فلان ألا يطأها، [ومضت أربعة أشهر]-: فهو كعدم المشيئة.
ولو شاء فلان أن يطأها قبل أربعة أشهر أو بعدها-: ارتفع حكم اليمين.
ولو وطئها قبل المشيئة- لزمته الكفارة، وارتفعت اليمين.
ولو مات فلان قبل المشيئة، أو علق بالقدوم فمات الغائب، أو بفطام الولد، فمات الولد قبل الفطام-: صار مولياً.
قال الشيخ- ﵀: فإن قلنا في حال الحياة بعد مضي المدة: نجعله مولياً من وقت اللفظ-: فههنا يحسب ما مضى، فإذا تم من وقت اللفظ أربعة أشهر-: يضيق الأمر عليه.
وإن قلنا: لا نجعله في الحياة مولياً-: فههنا: يضرب المدة من وقت الموت.
ولو قال: والله لا أطؤك إن شاء فلان-: فلا يكون مولياً حتى يشاء فلان، ولا تشترط مشيئته في المجلس: فإن شاء فلان ألا يطأها-: صار مولياً، ويضرب المدة؛ كما لو قال: والله لا أطؤك إن دخلت الدار-: يصير مولياً حتى تدخل الدار.
ولو قال: والله أطؤك إن شئت- نظر: إن أراد أنك إن أبيت لا أطؤك-: فلا يكون مولياً؛ كما لو قال: لا أصيبك إلا برضاك؛ لأنها مهما رغبت-: وطئها الزوج من غير شيء يلزمه.
وإن أراد التعليق بمشيئتها-: فلا يكون مولياً، ما لم يشأ في المجلس ألا يطأها؛ تقدير الكلام؛ والله لا أقربك إن شئت ألا أقربك، فإن شاءت في مجلس التواجب-: صار مولياً، وإن شاءت بعده-: فلا إيلاء عليه.
ولو قال والله لا أطؤك إن شئت أن أقربك- فلا يصير مولياً، حتى تشاء في مجلس التواجب أن يطأها.
ولو قال: والله لا أقربك إلا أن أشاء-: فليس بمول، لأنه متى شاء وطئها بلا غرم يلزمه؛ كما لو قال: لا أطؤك إلا بالليل.
ولو قال: والله لا أقربك إلا أن تشائي، أو ما لم تشائي: فإن أراد ألا أطاك إلا برضاك-: فليس بمول، وإن أراد التعليق بالمشيئة-: فهو مول؛ لأنه علق رفع اليمين بالمشيئة، فإن شاءت في الوقت أن يطأها-: ارتفع حكم الإيلاء، وإن لم تشأ أو شاءت في غير الوقت-: فاليمين بحاله.
стр. 2459
قال الشيخ- ﵀: فإن قال: إلا أن يشاء فلان-: فهو مول، فإن شاء فلان أن يطأها-: ارتفع الإيلاء، ولا يضيق الأمر عليه بعد أربعة أشهر، والله أعلم بالصواب.
بَابُ الإِيلاَءِ مِنْ نَسْوَةِ
إذا كان له أربعة نسوة فقال: والله لا أقربكن-: فالكلام فيه في الكفارة وفي الإيلاء:
أما الكفارة: فلا تلزمه، ما لم يطأ كلهن؛ كما لو حلف لا يأكل هذه الأرغفة-: فلا يحنث ما لم يأكل الكل، وإذا وطئ الكل-: لا تجب إلا كفارة واحدة؛ لاتحاد اليمين.
فلو ماتت واحدة منهن قبل الوطء- ارتفع اليمين، وإن تصور الإيلاج بعد الموت؛ لأن مطلق الوطء محمول على الوطء في الحياة، فلو ماتت واحدة بعد الوطء-: فاليمين بحالها؛ حتى لو وطئ الأخريات بعدها-: تلزمه الكفارة.
ولو طلق بعضهن قبل الوطء-: لا ترتفع اليمين؛ لأنه لو فارقهن، ثم وطئهن بعد البينونة-: تلزمه الكفارة.
أما الإيلاء: ففي الجديد: لا يكون مولياً؛ لأنه لا يلزمه أمر بوطء بعضهن، فإذا وطئ ثلاثاً منهن-: صار مولياً عن الرابعة، يضرب له المدة.
ولو مات بعدهن بعد الوطء-: لا يبطل حكم الإيلاء.
ولو طلق بعضهن قبل الوطء وبعده-: لا يرتفع حكم الإيلاء في الباقية عنده، حتى لو فارق ثلاثاً منهن قبل الوطء، ثم وطئهن بعد البينونة بشبهة أو سفاحاً-: صار مولياً عن الباقية في نكاحه.
ولو أبان واحدة منهن قبل الوطء، ثم وطئ الثلاث في ملكه، ثم نكح المبانة-: هل يعود حكم الإيلاء فعلى قولي عود اليمين، أما حكم اليمين-: فقائم، حتى لو وطئها تلزمه الكفارة.
وفي القديم: هل يكون مولياً؟ فيه قولان:
أحدهما: كما ذكرنا.
والثاني: يجعل مولياً منهن في الحال؛ لأن وطء الأوليات، وإن لم يقع به الحنث- فهو مقرب من الحنث، فيضرب المدة في الحال.
فإذا مضت أربعة أشهر-: لكل واحدة منهن مطالبته بالفيء أو الطلاق، ولا يتخلص إلا بطلاق الكل أو بالفيء إلى الكل.
стр. 2460
فإن فاء إلى البعض، وطلق البعض-: ارتفع الإيلاء في حق من فاء إليها، وإذا راجع المطلقة-: ضربت المدة في حقها ثانياً.
وعلى هذا: لو قال لزوجته وأمته المملوكة: والله لا أقربكما، أو قال لزوجته: لا أقربك وفلانة الأجنبية، فإذا وطئها: ففي الجديد وأحد قولي القديم: لا يصير مولياً عن زوجته، حتى يطأ المملوكة أو الأجنبية.
وإذا وطئها بنكاح أو سفاح-: صار موليا عن زوجته.
أما إذا قال لنسائه الأربع: والله لا أقرب كل واحدة منكن-: فهو مول منهن تضرب المدة في الحال، فبعد مضيها: لكل واحدة مطالبتها بالفيء أو الطلاق؛ لأنه ما من واحدة منهن إلا وهي بمحل أن تجب الكفارة بوطئها.
وإن اختار الطلاق-: لا يتخلص إلا بتطليق الكل، فإن طلق بعضهن-: لا تسقط عنه مطالبة الباقيات، فإن طلقهن، فراجعهن-: تضرب المدة ثانياً، فإن فاء إلى واحدة منهن-: لزمته الكفارة، وانحلت اليمين، وارتفع الإيلاء في حق الكل؛ لأنه لا يلزمه شيء بوطء الباقيات.
ولو مات بعضهن قبل الوطء-: فالإيلاء باق في حق الباقية.
ولو قال لهن: والله لا أقرب واحدة منكن- نظر: إن لم يعين واحدة بقلبه، بل نوى الامتناع عن وطئهن جميعاً، أو لم يكن له نية- فهو كما لو قال: لا أقرب كل واحدة منكن.
وإن قال: أردت واحدة لا بعينها-: فيقال له: عين؛ كما في الطلاق، فإن لم يفعل ومضت المدة وطلبن- يطلق السلطان عليه واحدة لا بعينها.
فإن عين في واحدة لم يكن للباقيات مطالبته.
وفي ابتداء المدة وجهان:
أحدهما: من وقت اليمين.
والثاني: من وقت التعيين؛ بناءً على ما لو طلق واحدة لا بعينها، ثم عين-: فعدتها من أي وقت يكون فيه قولان:
إن قلنا: عدتها من وقت اللفظ-: فههنا: ابتداء المدة من وقت اليمين.
وإن قلنا: العدة من وقت التعيين-: فالمدة ههنا من وقت التعيين، ولا يجعل مولياً قبله، وإن عين واحدة بقلبه-: فهو مول عنها وحدها، فبعد مضي المدة: يضيق الأمر عليه
стр. 2461
بطلبها، فإن فاء إليها لزمته الكفارة، وللبواقي الدعوى عليه بأنك عينتنا؛ فالقول قوله مع يمينه، فإن نكل: حلفن، واستحققن دعواهن؛ كما لو أقر لهن.
فإذا وطئ الكل- نظر: إن ثبت حكم الإيلاء للأخريات بإقراره لهن-: يجب عليه أربع كفارات، وإن ثبت بنكوله أو بيمينهن-: فلا يجب [عليه] إلا كفارة واحدة.
وعلى هذا: لو كانت له امرأتان، فقال: إذا قربت إحداكما فالأخرى طالق- نر: إن لم يعين واحدة-: فهو مول عنها، فبعد مضي المدة: لهما مطالبته بالفيء أو الطلاق، فإن لم يفعل-: طلق عليه السلطان واحدة لا بعينها، ثم يؤمر بالتعيين، ويتخلص بالفيء إلى أحداهما، وإن عين واحدة بقلبه-: يؤاخذ بالبيان، والقول قوله في حق الأخرى مع يمينه، والله أعلم بالصواب.
بَابُ الوَقْفِ فِي الإِيلاءِ
المولي لا يتعرض له قبل مضي أربعة أشهر، وكذلك بعد مضيها إذا لم تطلب المرأة، فإن طلبت حقها-: رفعته إلى الحاكم حتى يجبره على الفيء أو الطلاق.
فإن تركت حقها وعفت، ثم بدا لها أن تطلب-: لها ذلك؛ لأنه ضرر يتجدد كل ساعة؛ كما لو رضيت المرأة بإعسار الزوج، ثم بدا لها أن تفسخ-: لها ذلك.
فإن كانت أمة-: فالطلب لها، فإن عفت-: فلا طلب لسيدها.
فإن كانت صبية أو مجنونة-: فلا طلب لوليها، بل يقال للزوج: اتق الله فيء، أو طلق، ولا يضيق الأمر عليه، حتى تبلغ المرأة أو تفيق؛ فتطلب.
ومدة الإيلاءء: لا تختلف بالرق والحرية، وهي أربعة أشهر، سواء كان الزوجان حرين أو رقيقين أو أحدهما رقيقاً؛ لأنها لمعنى يرجع إلى الجبلة والطبع، وهو قلة الصبر عن مفارقة الزوج، فيستوي فيه الحر والرقيق؛ كالحيض ومدة الرضاع ومدة العنة، فيستوي فيها الحر والعبد.
قال أبو حنيفة ومالك: ينتصف بالرق غير أن عند أبي حنيفة: ينتصف برق المرأة، وعند مالك: برق الرجل؛ كما قالا في الطلاق.
ولو اختلف الزوجان في انقضاء مدة الإيلاء، فقالت المرأة: قد انقضت، وأنكر الزوج-: فالقول قول الزوج مع يمينه؛ كما لو اختلفا في أصل الإيلاء-: كان القول قوله مع يمينه.
ولو آلى عن امرأته الرجعية-: ينعقد الإيلاء؛ كما يلحقها طلاقه، وينعقد عنها ظهاره،
стр. 2462
غير أن المدة لا تحسب حتى يراجعها.
فإذا راجعها-: ضربت المدة في الحال.
ولو آلى عن الثانية، أو عن امرأة أجنبية، فقال: والله لا أطؤك، سواء أضاف إلى النكاح أو لم يضف-: لم ينعقد الإيلاء؛ حتى إذا نكحها: لا تضرب المدة، غير أن اليمين منعقدة؛ حتى لو وطئها قبل النكاح أو بعده: إن لم يكن أضاف إلى النكاح، أو وطئها بعد النكاح، إن كان قد أضاف إليه-: تلزمه كفارة اليمين.
ولو آلى عن زوجته، ثم أبانها، ثم نكحها-: نظر: إن أبانها بثلاث، فإذا نكحها-: لا يعود حكم الإيلاء على قوله الجديد، وأحد قولي القديم، غير أن اليمين باق به حتى لو وطئها-: تلزمه الكفارة؛ لأنه لو زنا بها قبل أن ينكحها-: لزمته الكفارة.
وإن أبانها بما دون الثلاث، ثم نكحها-: هل يعود حكم الإيلاء؟ في القديم: يعود، وفي الجديد: قولان.
وكذلك: لو آلى عن زوجته الأمة، ثم اشتراها، ثم أعتقها، ونكحها، أو باعها ثم نكحها-: هل يعود حكم الإيلاء؟ على هذين القولين.
[وكذلك: العبد إذا لاعن زوجته الحرة، فاشترته، ثم أعتقته، أو باعته، ثم نكحته: هل يعود حكم الإيلاء؟ فعلى القولين].
ولو ارتد الزوجان أو أحدهما بعد الإيلاء، وكان بعد الدخول، ثم جمعهما الإسلام في العدة-: فحكم الإيلاء باق؛ كما لو طلقها رجعياً فراجعها.
فإن لم يجمعهما الإسلام في العدة-: فقد ارتفع النكاح بينهما بتبديل الدين، فإذا أسلما ثم نكحها، فهل يعود حكم الإيلاء؟ فعلى القولين.
ولو كانت له امرأتان، فقال: إن وطئت حفصة-: فعمرة طالق-: فهو مول عن حفصة، حالف بطلاق عمرة، فبعد مضي المدة يضيق الأمر عليه لحق حفصة، فإن فاء إليها طلقت عمرة، وارتفع الإيلاء، وإن لم يفيء وطلق حفصة: فإن راجعها-: ضربت المدة في الحال.
وإن نكحها بعد البينونة-: هل يعود حكم الإيلاء؟ فعلى قولي عود اليمين، وعلى القولين: اليمين بطلاق عمرة-: لا ترتفع [حتى لو وطئ حفصة بعد ما أبانها-: تطلق عمرة، ولا يعود بعده إلى الإيلاء، إذا نكحها.
стр. 2463
أما إذا طلق عمرة قبل وطء حفصة، فما دامت عمرة في عدة الرجعة-: لا يرتفع حكم التضييق في حق حفصة؛ لأنه إذا وطئها: تطلق عمرة، فإذا انقضت عدة عمرة أو كان خالعها-: سقط حكم التضييق في حق حفصة].
وإن كان بعد مضي المدة؛ لأنه لا يلزمه أمر بوطئها، ثم إن وطئ حفصة-: ارتفع حكم اليمين، ولا يعود حكم الإيلاء، إن نكح عمرة.
وإن نكح عمرة قبل أن يطأ حفصة-: هل يعود حكم اليمين حتى يقع الطلاق على عمرة بوطء حفصة؟ فعلى قولي عود اليمين.
فإن قلنا: يعود حكم اليمين-: يعود حكم الإيلاء في حق حفصة، حتى تضرب المدة في الحال، وألا فلا.
ولو قال لامرأته: إن قربتك فعبدي حر-: فهو مول، فلو مات العبد أو أعتقه-: ارتفع حكم الإيلاء؛ لأنه لا يلزمه شيء بالوطء.
وكذلك: إن باعه أو وهبه-: يرتفع حكم الإيلاء، فإذا ملكه بعد ذلك-: هل يعود حكم اليمين والإيلاء؟ فعلى القولين.
وإن كاتب العبد أو دبره أو كاتب جارية، فاستولدها-: لا يرتفع حكم الإيلاء؛ لأنه يعتق بوطئه.
فَصْلُ فِيمَا يَمْنَعُ احْتِسَابَ المُدَّةِ عَلَى المُولِي
كل عارض يخل بالملك؛ كالردة من أحدهما أو عدة الرجعية، والعدة عن الوطء بالشبهة-: يمنع احتساب المدة.
ولو طرأ شيء من هذه الأشياء في خلال المدة، ثم زال بأن ارتد أحدهما، ثم عاد وطلقها، ثم راجعها، أو خالعها، ثم نكحها، وقلنا: يعود اليمين، أو انقضت عدة الوطء بالشبهة-: يستأنف المدة.
أما ما لا يخل بالملك من العوارض- نظر: إن كان من جانبها؛ مثل: كونها مجنونة ونشوزها، وغيبتها وكونها صغيرة لا توطأ، أو مريضة أو مضناة لا تحتمل الجماع، ومثل إحرامها وصومها واعتكافها المفروضين: فكلها يمنع من احتساب المدة، إذا طرأ شيء منها في خلال المدة، ثم زال-: تستأنف المدة إلا الحيض، فإنه لا يمنع احتساب المدة؛ لأنها لا تخلو عن الحيض.
стр. 2464
فلو منع احتساب المدة-: أدى إلى ألا تكمل مدة الإيلاء في حق المرأة الشابة.
وحكم النفاس حكم الحيض على أصح الوجهين؛ أنه لا يمنع احتساب المدة.
وقيل: يمنع.
وإذا طرأ في خلال المدة-: قطع؛ لأنه نادر؛ كعدة الوطء بالشبهة.
لو آلى عن زوجته المجنونة أو الصغيرة التي تحتمل الجماع تحتسب المدة، وكذلك: لو طرأ الجنون في خلال المدة إلا أن تمتنع عنه، وكانت كالناشزة.
وإن كان العارض من جانبه؛ مثل: حبسه وجنونه ومرضه وغيبته وإحرامه وصومه واعتكافه-: فلا يمنع احتساب المدة.
فإذا زال العذر بعد أربعة أشهر-: يضيق الأمر عليه، وإن كان مجنوناً-: لا يطالب حتى يفيق.
فَصْلُ فِي وَطْءِ المَعْذُورِ
إذا انقضت مدة الإيلاء والزوج حاضر، لا عذر له-: يؤمر بالفيء أو بالطلاق بعد طلب المرأة، فإن استمهل على الفيئة: فإن كان صائماً حتى يفطر، أو جائعاً حتى يأكل، أو به شبع مفرط حتى يزول، أو كان ناعساً حتى يدفع ذلك عن نفسه-: يمهل يوماً أو نصف يوم قدر ما يتهيأ ذلك.
وقيل: يمهل ثلاثاً: فإن كان هناك عذر يمنعه من فعل الجماع- نظر: إن كان من جانب المرأة؛ بأن كانت حائضاً أو نفساء أو محرمة، أو كانت صائمة صوم فرض أو معتكفة اعتكاف فرض-: ليس لها مطالبته بالفيء لا قولاً ولا فعلاً، ولا بالطلاق، لأن حقها في الفيء وهو متعذر.
وإن كان من جانبه- لا يخلو: إما أن كان عارضاً يمنع الاستمتاع طبعاً أو يمنعه شرعاً؛ فإن كان يمنعه طبعاً؛ مثل: كونه مريضاً أو محبوساً بظلم أو غائباً-: يجبر على الفيء باللسان، ثم إذا زال العذر-: أجبر على فعل الوطء أو الطلاق، والفيء باللسان هو أن يقول: ندمت على ما قلت، فإذا قدرت فعلت.
وإن لم يفيء باللسان، ولم يطلق-: طلق عليه السلطان؛ على أصح القولين، ويحبسه على القول الآخر، حتى يطلق.
стр. 2465
ولو قال: أمهلوني-: لا يمهل؛ لأنه قادر عليه؛ فإنه لا ضرر عليه في القول باللسان.
فإن كان محبوساً بحق بأن حبس على دين، وهو قادر على أدائه-: لا يعذر بالفيء باللسان، بل يؤمر بأداء الدين والخروج لفعل الوطء أو يطلق.
وإذا كان غائباً-: أمر [السلطان] حاكم البلد الذي هو فيه بعد طلب وكيلها؛ بأن يفيء باللسان، ويسير إليها أو يحملها إليه: فإن كان الطريق مخوفاً-: يفيء باللسان، ويؤخر المسير إلى زوال الخوف.
فإن لم يفيء باللسان، أو فاء باللسان، ولم يسر حتى مضى إمكان السير-: طلق عليه السلطان بمسألة وكيلها.
أما ما يمنع الاستمتاع شرعاً؛ مثل: صومه وإحرامه وظهاره الذي لم يكفر عنه، سواء تقدم الظهار على الإيلاء أو تأخر-: فلا يعذر بالفيء باللسان، ولا يجبر على فعل الوطء؛ لأنه معصية في هذه الأحوال، بل يقال له اجتمع عليك أمران، وعليك إزالة الضرر، فإن فئت-: خرجت من الإيلاء، وعصيت ربك بإفساد صومك وحجك، ويتقدم الوطء على الكفارة في الظهار، وإن طلقت-: بانت منك امرأتك، ولابد لك من إزالة الضرر.
فلو قال المظاهر: أمهلوني حتى أكفر- نظر: إن أراد التكفير بالإعتاق أو الإطعام: أمهل نصف يوم أو يوماً، وإن أراد التكفير بالصوم-: فلا يمهل؛ لأن الله لم يجعل مدة الإيلاء ستة أشهر.
فلو قصد الزوج وطأها في هذه الحالة-: لا امتناع لها من التمكين؛ على ظاهر المذهب؛ لأن المعصية من جانبه، فإن امتنعت-: سقط حقها.
وقيل: لها الامتناع؛ لأنه فعل حرام؛ ثم فيه وجهان
أحدهما: تعين حقها في الطلاق.
والثاني: يقتصر على الفيئة باللسان.
وكل موضع أجبرناه على الوطء-: فأقله إن كانت بكراً: أن يفتضها بآلة الافتضاض، وإن كانت ثيباً: أن يغيب الحشفة، وإن كانت بكراً، فعجز عن الافتضاض: يؤمر بأن يفئ باللسان، وتضرب له مدة التعيين، ويقبل قوله: إني عاجز؛ لأنه لا يعرفه غيره.
ولو أتاها في دبرها-: لا يخرج عن الإيلاء؛ لأن الضرر به لا يزول.
ولو ادعى الزوج الإصابة، وأنكرت-: فالقول قوله مع يمينه؛ لأنها تريد قطع
стр. 2466
الوصلة، فإن ادعت المرأة أنها بكر-: ترى أربع نسوة عدول، فإن قلن: هي بكر-: أجبر الزوج على الوطء، فإن قال: إني افتضضتها غير أني لم أبالغ، فعادت العذرة-: تسمع دعواه، والقول قولها مع يمينها؛ لأنه يقوى جانبها بالبكارة.
ولو جامعها في حال الإحرام أو الصوم أو الحيض أو النفاس-: عصى الله ، وخرج عن الإيلاء، وعليه الكفارة.
و [كذلك] لو أصابها في حال جنونها-: خرج عن الإيلاء، وعليه الكفارة.
ولو آلى رجل عن زوجته، ثم جن فأصابها في جنونه في المدة أو بعدها-: خرج عن الإيلاء، وهل تلزمه الكفارة؟ فيه قولان.
وكذلك: لو آلى عن إحدى امرأتيه بعينها، ثم وطئها على ظن أنه يطأ الأخرى-: خرج عن الإيلاء، وفي الكفارة قولان؛ بناءً على حنث الناسي.
وكذلك: لو وطئها مكرهاً-: فهو كما لو وطئها ناسياً.
فإن قلنا: تلزمه الكفارة-: تنحل اليمين، وإن قلنا: لا تجب الكفارة-: فهل تنحل اليمين فيه وجهان:
أحدهما: تنحل؛ كما خرج عن الإيلاء؛ لوجود الفعل المحلوف عليه.
والثاني: لا تنحل حتى لو أصابها بعد الإفاقة-: تلزمه الكفارة.
وارتفاع الإيلاء لارتفاع الضرر؛ وذلك لا يدل على ارتفاع اليمين؛ كما لو استدخلت المرأة ذكره، وهو نائم-: ارتفع الإيلاء، ولا تنحل اليمين حتى لو وطئها: تلزمه الكفارة.
ولو تكررت منه كلمة الإيلاء في حق امرأة واحدة، فقال: والله لا أطؤك، والله لا أطؤك قاله مرتين أو ثلاثاً، وسواء أطلقهما أو قيدهما مدة، أو أطلق أحدهما، وقيد الأخرى-: نظر: إن أراد بالثانية تكرار الأولى-: فهو يمين واحدة، وسواء اتحد المجلس أو اختلف، طال الفصل أو لم يطل.
فإن أراد الاستئناف-: فأيمان، وإن أطلق-: فعلى قولين:
فإن قلنا: لا تتعدد اليمين-: فلا تجب إلا كفارة واحدة، إذا وطئ.
وإن قلنا: تتعدد اليمين-: فلا خلاف أن بوطأ واحدة ينحل الكل، وهل تتعدد الكفارة؟ فيه قولان:
стр. 2467
أصحهما: لا تجب إلا كفارة واحدة لاتحاد الفعل.
والثاني: تتعدد؛ لتعدد الأيمان.
فَصْلُ فِيمَنْ يَصِحُّ إِيلاَءُهُ وَفِيمَنْ لاَ يَصِحُّ
يصح الإيلاء في حال الرضا والغضب؛ لظاهر القرآن.
وقال مالك: لا يصح إلا في حال الغضب.
ولا يصح إيلاء الصبي والمجنون، ويصح إيلاء الذمي، وإذا آلى عن زوجته الذمية، ثم ترافعا إلينا: إن قلنا: يجب على حاكمنا أن يحكم بينهما-: فنجبره بعد مضي المدة بطلب المرأة على الفيء أو الطلاق، فإن لم يفعل-: طلق عليه الحاكم بطلبها؛ على أصح القولين؛ كما في حق المسلمة.
وإن قلنا: لا يجب الحكم فاختار أن يحكم-: لا يجوز أن تجبره؛ على الطلاق، ولا أن نطلق عليه؛ لأن الحكم على هذا القول: إنما يجوز بتراضيهما، بل إن لم يتفقا على حكمه- يردهما إلى حاكمهما.
ويصح إيلاء العربي بلسان العجم، والعجمي بلسان العرب، إذا كان العرب، إذا كان يعرف معناه: فإن لقن وهو لا يعرف معناه-: لا ينعقد والخصي والمجبوب الذي بقي من ذكره قدر الحشفة-: كالصحيح في الإيلاء، ويجبر بعد مضي المدة على الفيء بالفعل أو الطلاق.
وأما الممسوح أو من بقي من ذكره أقل من الحشفة: فإن كانت الأنثيان باقيتين-: ففي صحة إيلائه قولان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنه لا يتحقق منه قصد المضارة.
والثاني: يصح، كالمريض، ثم بعد مضي المدة: يؤمر بالفيء باللسان أو الطلاق، وفي الفيء باللسان يقول: ندمت على ما قلت، ولا يحتاج إلى أن يقول: إن قدرت فعلت؛ بخلاف المريض: يقوله؛ لأنه يقدر عليه.
فأما إذا جب ذكره بعد الإيلاء-: فلا يبطل الإيلاء، ويجبر بعد مضي المدة على الفيء باللسان أو الطلاق.
ولو آلى عن امرأته القرناء أو الرتقاء-: ففيه قولان كالممسوح، والله أعلم.
стр. 2468
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
قَالَ الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ ...﴾ [المجادلة: ٢] نزلَتْ فِي حَقِّ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ: كَانَتْ تَحْتَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، فَظَاهَرَ عَنْهَا، فَجَاءَتِ النبيَّ ﷺ تَشْتَكِي، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى الآيات.
стр. 2469
الظهار والإيلاء: كانا من طلاق الجاهلية؛ فغير الإسلام حكمهما.
والظهار: هو أن يقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي؛ وهو حرام؛ لأن الله- تعالى- أخبر أنه قول منكر وزور.
стр. 2470
ويصح ذلك من كل مكلف، وإن كان عبداً أو كافراً.
وعند أبي حنيفة: لا يصح ظهار الذمي؛ لأن قضيته التكفير، والذمي ليس من أهله، فنقول: بل قضيته التحريم، والذمي من أهله؛ كما يصح طلاقه.
ويصح من الخصي والمجبوب؛ الطلاق. ولا يصح ظهار الصبي والمجنون؛ كما لا يصح طلاقهما؛ ويصح ظهار السكران، على الصحيح من المذهب.
ويصح من كل زوجة يلحقها الطلاق صغيرة كانت أو مجنونة أو ذمية أو أمة؛ أو
стр. 2471
رتقاء، حائضاً كانت أو نفساء أو محرمة أو صائمة، ويصح من الرجعية؛ كما يصح طلاقها.
ولو ظاهر عن أمته المملوكة أو أم ولده-: لا يصح، ولا شيء عليه؛ لأنه من أحكام النكاح.
فَصْلُ فِيمَا يَكُونُ ظِهَاراً
صورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، أو مثل ظهر أمي، أو أنت مني أو معي أو لي أو عندي كظهر أمي، أو لم يضف، فقال أنت كظهر أمي.
وكذلك لو قال: بدنك أو نفسك أو ذاتك أو جسمك علي كظهر أمي، أو قال: أنت علي كبدن أمي؛ لأن الظهر يدخل فيه.
стр. 2472
ولو شبه عضواً بظهر أمه، أو بعضو آخر من أعضاء أمه، فقال: رأسك أو بدنك أو يدك أو فرجك أو شعرك علي كظهر أمي، أو قال: أنت علي كيد أمي أو كرجل أمي أو كشعر أمي أو كفرج أمي.
أو قال: يدك أو فرجك علي كرجل أمي، أو كشعر أمي-: يكون ظهاراً على قوله الجديد؛ وهو المذهب.
وفي القديم قولان:
أحدهما: هذا.
والثاني: لا يكون ظهاراً؛ لأنه لم يأت بمعهود الجاهلية.
فعلى الأول: لو قال: أنت علي كروح أمي، أو كعين أمي-: فهو ظهار، إلا أن يريد الإعزاز والكرامة.
وقيل: إطلاقه لا يكون ظهاراً حتى يريده.
ولو قال: أنت علي كأمي، أو مثل أمي-: فلا يكون ظهاراً إلا أن يريد.
وعند أبي حنيفة: إن شبهها ببطن الأم أو فرجها أو فخذها، أو شبه رأس زوجته أو عنقها أو عضواً يعبر به عن جميع البدن بظهر أمه-: فهو ظهار، دون سائر الأعضاء.
ولو قال: أنت علي كظهر جدتي-: فهو كقوله: كظهر أمي، ولو شبهها بامرأة محرمة عليه بوصلة القرابة؛ مثل: أن قال: [أنت علي كظهر ابنتي أو عمتي أو خالتي أو بنت أخي أو أختي-: فهو ظهار؛ على قوله الجديد وأحد قولي القديم، وهو المذهب-: كما لو قال]: كظهر أمي.
стр. 2473
والقول الآخر في القديم: لا يكون ظهاراً؛ لأنه لم يأت بمعهود الجاهلية.
ولو شبهها بامرأة محرمة عليه بسبب الرضاع-: ففي الجديد: هل يكون ظهاراً؟ فيه قولان:
أحدهما: يكون ظهاراً؛ كما لو شبهها بأخت النسب.
والثاني: لا يكون ظهاراً؛ لأنه شبهها بامرأة خلقت حلالاًله؛ فحرمت لعارض.
ولو شبهها بامرأة محرمة عليه بسبب المصاهرة-: فقد قيل هو كما لو شبهها بالمحرمة بالرضاع.
وقيل: لا يكون ظهاراً قولاً واحداً؛ بخلاف المحرمة بالرضاع؛ لأن النبي- ﷺ قال: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ". فحيث قلنا: يصير مظاهراً في التشبيه بمحرمات الرضاع، والمصاهرة-: فذلك إذا لم تزل محرمة عليه على التأبيد؛ مثل: أن شبهها بجدة الرضاع، وكانت أرضعت أمه، أو شبهها بأخت الرضاع، وأرضعتها أمه قبل ولادة، أو بحليلة الأب وتزوجها أبوه قبل ولادة، أو بربيبته التي حصلت بعد الدخول بالأم.
أما إذا كانت حلالاً، وحرمت؛ مثل: أن شبهها بأم الرضاع، أو بجدة الرضاع، وأرضعته ابنتها، أو بأخت الرضاع، وأرضعتها أمه بعد ولادة، أو أرضعتها أجنبية، أو شبهها بحليلة الأب، وتزوجها أبوه بعد ولادة، أو شبهها بحليلة الابن أو بأم امرأته أو بربيبته بعد الدخول بالأم، وكانت الربيبة حصلت قبل الدخول بالأم- فهل يكون ظهاراً؟ اختلفوا فيه:
منهم من قال: حكمه حكم ما لم تزل محرمة عليه؛ لأنها في الحال محرمة على التأبيد.
ومنهم من قال: لا يكون ظهاراً قولاً واحداً؛ لأنه شبهها بامرأة كانت حلالاً عليه، فحرمت.
أما إذا شبهها بامرأة لم تكن محرمة عليه حالة التلفظ، ثم حرمت عليه؛ مثل: أن قال لامرأته: أنت علي كظهر ربيبتي، ولم يكن دخل بأمها، ثم دخل بأمها، أو قال أنت علي كهر هذه، وأشار إلى أجنبية، ثم نكح ابنتها، حتى صارت هي أم امرأته-: لم يكن ظهاراً؛ لأنه حين تلفظ بالظهار لم تكن تلك المرأة محرمة عليه.
ولو شبهها بنساء النبي- ﷺ : لا يكون ظهاراً؛ لأن تحريمهن ليس بسبب الوصلة.
وكذلك: لو شبهها بالمحرمة باللعان أو بامرأة ليس تحريمها على التأبيد؛ كالمطلقة
стр. 2474
ثلاثاً والمعتدة والمرتدة والمجوسية وأخت المرأة وعمتها-: لا يكون ظهاراً.
ولو قال: أنت علي كظهر أبي-: لا يكون ظهاراً؛ لأنه ليس محل الاستمتاع، والأم محله، ثم حرمت بسبب الوصلة.
ولو قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أمي، وأنا عليك كظهر أمك-: لا يجب به شيء؛ لأنه تصرف يختص بالرجال كالطلاق.
وقال الحسن، والنخعي، وابن أبي ليلى: عليها كفارة الظهار.
ولو قال لامرأته: أنت طالق، ونوى الظهار أو الإيلاء-: يكون طلاقاً، ولا يكون ظهاراً وإيلاء.
ولو قال أنت علي كظهر أمي، ونوى الطلاق أو الإيلاء-: يكون ظهاراً؛ لأن كل واحد صريح في موجبه في النكاح، فلا ينصرف بالنية عن موجبه.
ولو قال أنت طالق كظهر أمي-: فهو طلاق، ويحمل قوله: "كظهر أمي على تأكيد تحريم الطلاق، فإن نوى الطلاق- نظر: إن كانت ممن تبين بالطلاق-: لا يصح ظهاره؛ لأنه بعد البينونة، وإن كان الطلاق رجعياً-: فهو مطلق مظاهر.
ولو قال: أنت علي حرام كظهر أمي- نظر: إن أراد الطلاق بقوله: "أنت حرام" فهو كقوله: أنت طالق كظهر أمي، وإن لم يرد به الطلاق- نظر: إن أراد الظهار بقوله: "أنت علي حرام أو طلق، ولم يرد شيئاً-: فهو ظهار؛ لأنه صرح به، وإن أراد تحريم ذاتها-: يقبل، وعليه كفارة اليمين.
ثم إن أراد بقوله: كظهر أمي ظهاراً-: فهو مظاهر، وعليه كفارة الظهار، مع كفارة اليمين، وإن لم يرد به الظهار-: فهو تأكيد لتحريم الذات ولا يكون ظهاراً، ويجوز تعليق الظهار؛ كما يجوز تعليق الطلاق.
ولو قال: إن دخلت الدار، أو إذا طلعت الشمس، أو إن شاء زيد- فأنت علي كظهر أمي: فإذا وجد ذلك-: كان مظاهراً.
ولو قال لأجنبية: إذا نكحتك فأنت علي كظهر أمي، فنكحها- لا يصير مظاهراً؛ كما لو علق الصداق بالنكاح؛ فنكح لا يقع.
ولو ظاهر عن إحدى امرأتيه، ثم قال للأخرى، أشركتك معها، أو أنت [علي كهي]: فإن لم ينو التشريك في الظهار-: لا يكون ظهاراً من الأخرى، وإن نواه فعلى قولين:
стр. 2475
أصحهما: يكون مظاهراً عن الأخرى؛ كما لو طلق إحدى امرأتيه، ثم قال للأخرى: أشركتك معها، أو نوى الطلاق-: طلقت الأخرى معها.
والقول الثاني: أنه يراعى فيه معنى اليمين؛ فلا يكون مظاهراً عن الأخرى؛ كما لو آلى عن إحدى امرأتيه، ثم قال للأخرى: أشركتك معها-: لا يكون مولياً عن الأخرى.
ولو كانت له امرأتان، فقال: إن تظهرت عن أحداهما-: فالأخرى علي كظهر أمي: فإذا ظاهر عن أحداهما: صار مظاهراً عنهما جميعاً.
ولو قال لامرأته: إن ظاهرت عن فلانة، وسمى أجنبية-: فأنت علي كظهر أمي، فنكح فلانة، وظاهر عنها-: صار مظاهراً عنهما جميعاً.
ولو ظاهر عن فلانة قبل أن ينكحها-: لا يصير مظاهراً عن زوجته؛ لأن الظهار عن الأجنبية لا يصح إلا أن يريد لفظ الظهار؛ فيصير به مظاهراً عن زوجته.
ولو قال: إذا نكحت فلانة، وظاهرت عنها- فأنت علي كظهر أمي: فإذا نكح فلانة، وظاهر عنها-: صار مظاهراً عنهما جميعاً، وإن ظاهر عنها قبل أن ينكحها-: فلا ظهار.
ولو قال: إذا ظاهرت عن فلانة الأجنبية أو هي أجنبية- فأنت علي كظهر أمي- فسواء ظاهر عنها قبل النكاح أو بعده-: لا يصير مظاهراً عن زوجته التي هي تحته؛ لأن قبل النكاح إذا ظاهر لا ينعقد ظهاره إلا أن يريد صورته.
وإذا نكحها، ثم ظاهر-: فهو قد شرط أن يظاهر عنها، وهي أجنبية، ولم توجد.
ولو قال: إن تظهرت عن فلانة الأجنبية- فأنت علي كظهر أمي: فإذا نكحها، وظاهر عنها-: ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصير مظاهراً عن زوجته الأولى؛ كما في الصورة الأولى.
والثاني- وهو الأصح-: يصير مظاهراً عنهما؛ لأنه علق ذلك على شخص بعينه، وذكر لفظ الأجنبية على سبيل التعريف، لا على سبيل الشرط؛ كما لو قال والله لا أدخل دار زيد هذه، فباعها زيد، ثم دخلها-: حنث؛ لأنه حلف على عين الدار، وذكر زيد للتعريف.
بَابُ مَا يُوجِبُ عَلَى المُتَظَهِّرِ كَفَّارَةً
قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ........﴾ [المجادلة: ٣] الآية.
стр. 2476
يجب على المظاهر الكفارة بعد العود، والظهار علة لوجوب الكفارة، والعود شرطها، والعود: هو أن يمسكها بعد الظهار زماناً يمكنه أن يطلقها فيه؛ فلا يطلق؛ لأن العود للقول عبارة عن المخالفة، يقال: عاد فلان لقوله: إذا خالف قوله، وقصده بالظهار التحريم.
فإذا أمسكها بعد الظهار-: كان مخالفاً لقوله؛ فلزمته الكفارة.
وقال طاوس والزهري: والعود هو الوطء.
وقال مالك وأبو حنيفة: هو العزم على الوطء.
وقال مجاهد والثوري: العود هو نفس الظهار، أي: يعودون لما كانوا عليه في الجاهلية.
стр. 2477
وقضية الظهار: تحريم [يمتد] إلى التكفير؛ فلا يجوز أن يطأها قبل التكفير؛ سواء أراد التكفير بالعتق أو بالصيام أو بالإطعام.
وقال مالك: إن أراد التكفير بالإطعام-: فيجوز الوطء قبله؛ لأن الله تعالى قال ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة: ٤] ولم يعتبره بما قبل المسيس.
قلنا: قد قيد العتق والصوم بما قبل المسيس، وأطلق الإطعام، فيحمل المطلق على المقيد.
وهل يحرم سائر المباشرات سوى الوطء؛ كالقبلة واللمس بالشهوة، والمباشرة فيما دون الفرج قبل التكفير؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يحرم؛ لأنه معنى لا يحل بالملك؛ كالحيض والصوم يحرمان الوطء، ولا يحرمان القبلة.
والثاني: يحرم؛ لأنه لفظ يوجب التحريم؛ كالطلاق.
ولو وطئها قبل التكفير-: يعصي الله تعالى، والكفارة في ذمته؛ عليه قضاءها بعد المسيس، ولا يجوز أن يعود حتى يكفر.
ولو شرع في صوم الكفارة، فوطئها في خلال الشهرين بالليل-: يعصي الله تعالى بتقديم الوطء على إتمام الكفارة، ولكن لا يجب عليه استئناف الشهرين.
وعند أبي حنيفة: يجب.
وبالاتفاق: لو كان يكفر بالإطعام، فأطعم بعض المساكين، ثم جامع-: لا يبطل ما مضى.
стр. 2478
ولو ظاهر، ثم عقب الظهار بالطلاق بلا فصل طلقها بائناً أو رجعياً أو مات أحدهما-: لا كفارة عليه؛ لأن العود هو الإمساك بعد الظهار، ولم يوجد.
ولو قال لها بعد الظهار: يا فلانة بنت فلان، أنت طالق-: لا يصير عائداً.
ولو علق طلاقها بصفة-: يصير عائداً؛ لأنه ممسك لها إلى وجود الصفة.
لو ظاهر عن زوجته الأمة، ثم اشتراها في الحال-: لا كفارة عليه.
ولو اشتغل عقيب الظهار باستئناف الشراء من المماكسة والمساومة-: لا يصير عائداً، ولو اشتراها بعد العود-: فالكفارة في ذمته، ولا يجوز له وطؤها بملك اليمين، ما لم يكفر.
ولو طلقها طلاقاً رجعياً بعد الظهار، ثم راجعها-: يصير عائداً بالمراجعة، وكذلك: لو ظاهر عن زوجته الرجعية-: ينعقد ظهاره، ولكن لا يصير عائداً ما لم يراجعها، فإذا راجعها-: صار عائداً.
وفيه قول آخر: لا يصير عائداً بنفس الرجعة، ما لم يمسكها بعد الرجعة زمان إمكان الطلاق.
والأول أصح؛ لأن استحداث الحل أبلغ في المخالفة من الإمساك على حكم الحل.
ولو طلقها عقيب الظهار طلاقاً بائناً، ثم نكحها-: هل يعود حكم الظهار نظر: إن أبانه بثلاثة، ثم نكحها بعد زوج آخر-: لا يعود على قوله الجديد، وأحد قولي القديم، وهو المذهب.
وإن أبانها بأقل من ثلاث، أو كانت أمة، فاشتراها، ثم أعتقها، أو باعها، ثم نكحها-: هل يعود؟
في القديم: يعود.
وفي الجديد: قولان؛ كاليمين بالطلاق.
وإن قلنا: يعود حكم الظهار-: هل يصير عائداً بنفس النكاح أم لا حتى يمسكها بعد النكاح زماناً؟ فعلى القولين.
ولو ظاهر الكافر عن زوجته الكافرة، ثم أسلما معاً في الحال، أو أسلم الزوج، والمرأة كتابية-: دام النكاح بينهما، وصار عائداً يجب عليه الكفارة.
ولو أسلم الزوج في الحال، وهي وثنية أو مجوسية، أو أسلمت المرأة، وتخلف الزوج على أي دين كان: فإن كان قبل الدخول-: تتنجز الفرقة، وإن كان بعده-: تتوقف
стр. 2479
على انقضاء العدة، وإن لم يسلم المتخلف حتى انقضت عدتها-: بان وقوع الفرقة بإسلام من تقدم إسلامه، ولم يصر عائداً، فإن نكحها بعده-: هل يعود حكم الظهار؟ فعلى قولي عود اليمين، وإن كان بعد الدخول، وأسلم [المتخلف] في العدة- فهما على النكاح والظهار قائم.
ثم إن كانت المرأة هي المتخلفة-: فلا يصير الزوج عائداً بإسلامها، ما لم يمض بعد إسلامها زمان إمكان الطلاق؛ لأن العود يكون باختياره لا بفعلها، وإن كان الزوج هو المتخلف-: فهل يصير عائداً بنفس الإسلام أم لا حتى يمسكها بعده زمان إمكان الطلاق؟ فعلى القولين.
وكذلك لو ارتد الزوج بعد الظهار، وكان بعد الدخول-: لا يصير عائداً بالردة، فإذا عاد إلى الإسلام-: فهل يصير عائداً بنفس الإسلام؟ فعلى قولين.
ولو ظاهر عنها، ثم في الحال لاعنها-: فلا كفارة عليه، ويشترط أن يكون القذف والمرافعة إلى الحاكم سابقاً على الظهار، ويشتغل بكلمات اللعان عقيب الظهار، حتى لو ظاهر، ثم قذف-: يصير عائداً.
وقيل: إذا ظاهر ثم في الحال قذف، واشتغل [باستئناف] اللعان- لا يصير عائداً، وإن بقي فيه أياماً؛ لأنه مشتغل بسبب الفرقة.
وقال ابن الحداد: يشترط أن يأتي بأربع كلمات من اللعان قبل الظهار؛ بحيث يشتغل بعده بكلمة اللعان؛ حتى لا يصير عائداً؛ لأن الفرقة تقع بكلمة اللعان.
ولو قال لها: أنت علي كظهر أمي، يا زانية أنت طالق.
من أصحابنا من قال: لا يكون عائداً؛ كما لو قال: يا عائشة، أنت طالق.
وقال ابن الحداد: يصير عائداً؛ لأن قوله: "يا زانية" قذف واشتغال بغير الفراق.
ولو علق الظهار على صفة، فوجدت الصفة، ولم يعلم المظاهر حتى مضى زمان- نظر: إن كان علق على فعل من أفعال نفسه-: صار عائداً، وإن علق على فعل غيره-: صار مظاهراً بوجود الصفة، ولكن لا يصير عائداً حتى يعلم ويمسك بعد العلم.
قال الشيخ- ﵀: ويمكن بناؤه على حنث الناسي في الصورتين جميعاً.
стр. 2480
فَصْلُ
إذا ظاهر عن أربع نسوة- نظر: إن ظاهر عنهن بأربع كلمات: تلزمه أربع كفارات، سواء فرق أو تابع، وإذا تابع فبالاشتغال بظهار الثانية-: يصير عائداً عن الأولى، وبالثالثة: يصير عائداً عن الثانية، وبالرابعة: يصير عائداً عن الثالثة.
فإذا عقب الرابعة بالطلاق-: عليه ثلاث كفارات عن الأوليات.
وإن ظاهر عنهن بكلمة واحدة، فقال: أنتن علي كظهر أمي-: صار مظاهراً عنهن.
ثم في الجديد، وهو المذهب، وبه قال أبو حنيفة: عليه أربع كفارات، إذا أمسكهن عقيب اللفظ؛ اعتباراً بالمحل وبعود واحد: يجب الكفارات كلها.
وإن طلقهن في الحال-: فلا كفارة عليه.
وقال في القديم لا يجب إلا كفارة واحدة؛ كما لو حلف لا يكلمهن وكلمهن-: لا يب إلا كفارة واحدة.
فلو طلق ثلاثاً منهن أو متن قبل العود، وأمسك واحدة-: تجب تلك الكفارة بإمساك الواحدة؛ بخلاف ما لو حلف لا يطؤهن ولا يكلمهن، فمات البعض قبل الوطء والكلام، ثم كلم البواقي أو وطئهن-: لا شيء عليه؛ لأن الظهار نازع إلى الطلاق، ون راعينا فيه معنى اليمين بإيجاب كفارة واحدة.
ولو ظاهر عن امرأة واحدة مراراً- نظر: إن ظاهر عنها مرة وكفر، ثم ظاهر ثانياً-: عليه للثانية كفارة أخرى، وكذلك الثالثة والرابعة.
وإن ظاهر ثانياً وثالثاً قبل أن يكفر عن الأولى- نظر: إن قالها متفرقة-: فالصحيح أنه يجب لكل واحدة كفارة، فإن قالها ثالثاً وعقب الثالثة بالطلاق: عليه كفارتان للأوليين.
стр. 2481
وفيه وجه آخر: أن حكمه حكم ما لو قالها متتابعة.
والأول المذهب.
ولو قالها متتابعة، فهل يتعدد الظهار؟ نظر: إن قصد التكرار-: فلا يتعدد، وإن قصد الاستئناف يتعدد، وإن أطلق-: فيحمل على التكرار أم على الاستئناف فعلى قولين؛ بناء على الطلاق، إذا قال [لامرأته] أنت طالق، أنت طالق، وأطلق-: يقع طلقة أم طلقتان فيه قولان.
قال الشيخ: فحيث قلنا: يحمل على الاستئناف-: فبالاشتغال باللفظة الثانية: يصير عائداً عن الأولى، وبالثالثة: يصير عائداً عن الثانية.
وإن عقب الثالثة بالطلاق: لا يجب إلا كفارتان، وإن أمسك- فثلاث كفارات.
وحيث قلنا: يحمل على التكرار-: قال- ﵀: تجب تلك الكفارة باللفظة الأولى، ويصير عائداً بالثانية، وما بعدها تكرار لا يجب به شيء.
وقيل: لا يصير عائداً بالثانية والثالثة، حتى إذا عقب الثالثة بالطلاق-: لا تجب عليه الكفارة؛ لأن الكل كلام واحد.
ولو قال لها: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، قالها ثلاثاً، فإذا دخلت الدار-: صار مظاهراً عنها.
ثم إن قصد التكرار-: فلا يجب عليه إلا كفارة واحدة، وإن قالها متفرقة في مجالس، وإن قصد الاستئناف-: فعليه ثلاث كفارات، ويجب الكل [بعود واحد بعد الدخول حتى لو طلق عقيب الدخول-: لا يجب عليه شيء، وإن أطلق-: فيحمل] على التكرار أم على الاستئناف؟ فيه قولان، والله أعلم.
стр. 2482
فَصْلُ فِي الظِّهَارِ المُؤَقَّتِ
إذا قال: أنت علي كظهر أمي يوماً أو شهراً، أو قال: إلى شهر-: قال في الجديد- وبه قال أبو حنيفة، وهو المذهب-: يكون مظاهراً؛ كما لو طلقها شهراً: يقع.
وقال في القديم: لا يكون مظاهراً، وبه قال مالك؛ لأنه لم يؤبد التحريم؛ ما لو شبهها بامرأة محرمة عليه لا على التأبيد.
فإن قلنا: يكون مظاهراً-: فهل يسقط التأقيت؟ فيه قولان:
أحدهما: يسقط؛ كما لو طلقها شهراً: يتأبد، والعود منه كما في الظهار المطلق.
والثاني: وهو الأصح-: لا يسقط؛ فعلى هذا: العود بماذا يحصل؟ فيه وجهان:
أصحهما: بمضي زمان إمكان الطلاق؛ كما في الظهار المطلق، فإن طلقها في الحال-: فلا كفارة عليه.
ثم إن لم يراجعها، حتى مضت المدة، ثم راجعها-: لا شيء عليه؛ لارتفاع الظهار.
ولو راجعها قبله-: عليه الكفارة.
والوجه الثاني: يحصل العود بالوطء ههنا؛ لأن إمساكه إياها متردد يحتمل أنه يمسكها ليطأها في المدة؛ فيكون مخالفاً، ويحتمل أن يمسكها ليطأها بعد المدة؛ فلا يكون مخالفاً؛ فلا تجب الكفارة مع التردد.
فعلى هذا: إن لم يطأها حتى مضت المدة-: ارتفع الظهار، وإن وطئها في المدة-: تبينا أنه صار عائداً بمضي إمكان الطلاق عقيب اللفظ؛ فيلزمه الكفارة، ولا يجوز أن يعود إلى وطئها، حتى يكفر، أو تمضي المدة، فإن مضت المدة قبل أن يكفر-: يجوز له وطؤها، والكفارة في ذمته.
ولو طلقها عقيب اللفظ، ثم راجعها في المدة، ثم وطئها-: لزمته الكفارة، وإن لم يطأها حتى مضت المدة- فلا شيء عليه، والله أعلم بالصواب.
بَابُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ
قال الله ﵎: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]
الكفارات قسمان: مرتبة ومخيرة.
стр. 2483
فالمرتبة: كفارة الظهار، وكفارة الجماع في نهار رمضان؛ يجب فيها إعتاق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
وكذلك كفارة القتل مرتبة، إلا أن الإطعام: هل له مدخل فيها؟ فعلى قولين:
أحدهما: لا؛ لأن الله ﵎ قال ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢] ولم يذكر الإطعام.
والثاني: الإطعام يدخل فيها؛ قياساً على كفارة الظهار والجماع.
وأما الكفارة المخيرة: فكفارة اليمين، إذا حنث فيها: يتخير فيها بين أن يطعم عشرة من المساكين، أو يكسوهم، أو يعتق رقبة فإن لم يقدر على شيء منها-: فعليه صوم ثلاثة أيام، ولا يجوز في شيء من الكفارات إلا إعتاق رقبة مؤمنة.
стр. 2484
وقال الثوري وأبو حنيفة: يجوز في جميعها إعتاق الكافرة، إلا في كفارة القتل؛ لأن الله تعالى قد قيد فيها الرقبة بالإيمان، فقال ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ولم يقيد في غيرها.
قلنا: قيد فيها، وأطلق في غيرها؛ فيحمل المطلق على المقيد؛ كما أن الله تعالى قيد الشهادة بالعدالة في موضع، فقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وأطلق في موضع فقال ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فكان المطلق محمولاً على المقيد في اشتراط العدالة؛ كذلك ههنا.
ويجوز إعتاق الرقبة الأعجمية، إذا وصفت الإسلام وعقلته، وإن لم تصف، أو وصفت ولم تعقل بأن لقنت فتلقنت-: لم يجز.
ويجوز إعتاق الطفل، وإن كان ابن يوم، إذا كان أحد أبويه مسلماً [أصلياً]، أو أسلم قبل حصوله؛ لأن الولد محكوم بالإسلام، وإن كان أبواه كافرين-: فلا يجوز؛ لأنه محكوم بالكفر.
ولو أسلم الصبي بنفسه- لا يصح إسلامه؛ لأنه غير مكلف؛ كالمجنون.
وعند أبي حنيفة: يصح إسلامه؛ إذا كان يعقل، وهو قول الإصطخري [من أصحابنا]؛ كما تصح صلاته.
стр. 2485
قلنا: صلاته تكون نفلاً ولا يتنفل بالإسلام، بل الإتيان به يكون فرضاً، ولا يصح أداء الفرض من الصبي.
ومن أصحابنا من قال: يكون مراعى، فإن بلغ وأقام عليه-: بان أن إسلامه كان صحيحاً، وإن بلغ وأعرب عن الكفر فهو كافر أصلي، فإن لم يصح إسلامه-: يحال بينه وبين أهله من الكفار حتى لا يخدعوه فيزهدوه في الإسلام.
فإن بلغ ووصف الكفر-: هدد وطولب بالإسلام، فإن أصر على الكفر-: رد إلى أهله، فإن قلنا بقول الإصطخري: إنه يصح إسلامه-: جاز إعتاقه عن الكفارة.
وإن قلنا: يكون مراعى، فإذا أعتقه عن كفارته، ثم بلغ، وأعرب عن الإسلام-: هل يجوز إعتاقه عن الكفارة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه بان أنه كان محكوماً له بالإسلام.
والثاني: لا يجوز: لأنه كان ناقص الدين؛ ألا ترى أنه إذا أعرب عن الكفر: لا يجعل مرتداً، ولو أسلم أحد أبويه، وهو صبي، أو حمل في البطن-: يحكم بإسلام الولد، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] ويجري عليه في حال الصغر أحكام المسلمين، حتى إذا مات يغسل ويصلي عليه، ويرث منه قريبه المسلم، ويقتل به قاتله المسلم.
وإن كان عبداً فأعتقه مولاه عن كفارته، ومات في صغره-: جاز، وكذلك لو مات بعد بلوغه أو قبل مضي مدة يمكنه أن يعرب عن الإسلام.
ولو بلغ هذا الصبي، وأعرب عن الكفر-: هل يجعل مرتداً، أو نجعله كافراً أصلياً؟ نظر إن كان إسلام أحد أبويه بعد انفصاله عن الأم-: ففيه قولان:
أصحهما- وهو المذهب: نجعله مرتداً يقتل كالذي علق على الإسلام إذا بلغ وأعرب عن الكفر، يجعل مرتداً.
والثاني: يجعل كافراً أصلياً؛ لأنا حكمنا بإسلامه تبعاً، فإذا بلغ- بطل حكم التبعية.
وإن كان إسلام أحد أبويه بعد علوقه في البطن قبل خروجه-: ففيه وجهان:
أصحهما: حكمه حكم ما لو أسلم أحد أبويه بعد خروجه.
والثاني: هو كمن علق على الإسلام؛ لأنه لا حكم له قبل الانفصال.
وفائدة القولين تتبين فيما إذا بلغ، فقبل أن يعرب عن الإسلام بعد الإمكان، أو مات-: هل يرث منه قريبه المسلم وإذا مات له قريب مسلم-: هل يرث منه وهل يقتل
стр. 2486
به المسلم؟ وإن كان عبداً: هل يجوز إعتاقه عن الكفارة؟
إن قلنا: إذا أعرب عن الكفر-: يجعل مرتداً، يرث، ويورث منه، ويقتل قاتله، ويجوز إعتاقه عن الكفارة.
وإن قلنا: يجعل كافراً أصلياً-: فلا.
وهل يجب عليه أن يتلفظ بكلمة الإسلام بعد البلوغ
إن قلنا: إذا أعرب عن الكفر، يجعل مرتداً-: لا يجب؛ لأنه محكوم بالإسلام.
وإن قلنا: يجعل كافراً أصلياً-: يجب؛ حتى لو مات قبل أن يعرب-: مات كافراً.
فحيث قلنا: يجعل كافراً أصلياً: فإن وصف كفراً يقر أهله بالجزية-: يقر بالجزية، وإن لم يقبل الجزية-: يبلغ المأمن.
قال الشيخ- ﵀: وإن وصف كفراً لا يقر أهله بالجزية-: يبلغ المأمن.
ولو مات له قريب مسلم في صغره، فورثناه، ثم بلغ وأعرب عن الكفر: إن جعلناه مرتداً: لا يسترد منه المال، وإن جعلناه كافراً أصلياً-: يسترد، وكذلك: لو قطع مسلم يده في صغره، أو أعتقه مولاه عن كفارته، فبلغ، وأعرب عن الكفر.
إن جعلناه مرتداً-: يقطع قاطعه، وصح إعتاقه عن الكفارة، وإن جعلناه كافراً أصلياً: فلا يقطع قاطعه، ولا يصح إعتاقه عن الكفارة.
وقيل: لا يسترد المال، ويقطع القاطع، وصح الإعتاق عن الكفارة قولاً واحداً، ولا ينقضي ما مضى من الأحكام في الصغر؛ لأنه مضى بالاجتهاد؛ فلا يقضي، وإن جعلناه كافراً أصلياً.
ولو سبى مسلم صبياً كافراً- نظر: إن سباه مع أحد أبويه أو معهما، وهما كافران-: لا يحكم بإسلامه؛ لأن تبعية الأبوين أقوى من تبعية السابي، فلو مات الأبوان بعد السبي-: لا يحكم بإسلامه؛ لأن الاعتبار بحالة السبي، وإن سبي الصبي وحده-: نحكم بإسلامه، تبعاً للسابي.
وقيل: لا يحكم بإسلامه؛ لأن يد السابي ملك؛ كيد المشتري.
والأول أصح.
ولو سباه مسلم، وسبى أبويه الكفارين غيره-: ينظر: إن كان في عسكر واحد-: فهو تبع لأبويه، وإن كان في عسكرين-: فهو تبع للسابي.
فإذا حكمنا بإسلامه تبعاً للسابي: فإذا بلغ وأعرب عن الكفر-: فهو كمن حكمنا
стр. 2487
بإسلامه؛ تبعاً لأحد الأبوين، وإذا وجد لقيط في دار الإسلام-: يحكم بإسلامه تبعاً للدار، فإذا بلغ وأعرب عن الكفر-: هل نجعله مرتداً؟ قيل: فيه قولان؛ كمن حكمنا بإسلامه تبعاً لأحد الأبوين والسابي.
وقيل- وهو الأصح-: يجعل كافراً أصلياً قولاً واحداً؛ لأن تبعية الأبوين والسابي أقوى من حكم الدار؛ لأن الحكم بإسلام الدار من حيث الظاهر؛ بدليل أنه لو ادعاه كافر، وأقام عليه بينة-: يحكم بكفره.
ولو سبى ذمي صبياً حربياً، وحمله إلى دار الإسلام-: فهو تبع للسابي، ويترك في يده.
وقيل: يحكم بإسلامه تبعاً للدار، وينزع من يده، وحكم المجنون حكم الصبي يحكم بإسلامه تبعاً لأحد أبويه والسابي والدار، سواء بلغ مجنوناً أو بلغ عاقلاً ثم جن.
وإذا أفاق وأعرب عن الكفر-: هل يجعل مرتداً؟ فعلى ما ذكرنا من الاختلاف.
وقيل: إذا بلغ [الصبي] عاقلاً، ثم جن، ثم أسلم أحد أبويه-: لا يحكم بإسلامه تبعاً؛ لأنه زال حكم التبعية ببلوغه عاقلاً.
والأول المذهب.
فَصْلُ فِي عُيُوبِ الرَّقَبَةِ
إذا كان بالرقبة عيب يضر بالعمل ضرراً بيناً-: لا يجوز إعتاقه عن الكفارة، لأن المقصود من العتق تكميل حاله، فإذا كان به نقص لا يمكنه القيام بكفايته معه-: لا يحصل المقصود، وما لا يضر بالعمل ضرراً بيناً-: لا يمنع الجواز؛ بخلاف المبيع: يرد بجميع العيوب؛ لأن المقصود منه المال، فما ينقص المالية: يثبت حق الرد.
خرج من هذا: أنه يجوز العبد الأعور، والأبرص، والمجذوم، ومقطوع الأنف والأذنين، ومقطوع أصابع الرجل، ومندرد الأسنان، والأصم، والأخشم، والأقرع، والخصي، والمجبوب، وضعيف البطن، والأمة الرتقاء والقرناء.
ولا يجوز المقعد، والأعمى، ولا مقطوع إحدى اليدين، أو إحدى الرجلين، أو أشلهما.
وإن كان به عرج خفيف-: يجوز.
стр. 2488
وإن كان مقطوع بعض أصابع اليد- نظر: إن كان مقطوع الإبهام والسبابة والوسطى من إحدى اليدين-: لم يجز؛ لأن منفعة الكف تتعطل بفقد واحدة منهن.
وإن كان مقطوع الخنصر أو البنصر-: يجوز، وإن كان مقطوعهما من يد واحدة: لم يجز، وإن كان مقطوع الخنصر من يد والبنصر من يد أخرى-: يجوز.
فإن كان مقطوع أنملة- نظر: إن كان من الإبهام-: لا يجوز؛ لأن للإبهام أنملتين، فتتعطل منفعتهما بفقد إحداهما، وإن كان من أصبع أخرى-: جاز. وإن كان مقطوع أنملتين [من إصبع أخرى]- نظر: إن كان من سبابة أو وسطى-: لم يجز، وإن كان من خنصر أو بنصر-: يجوز.
وعند أبي حنيفة: كل عيب يفوت جنساً من المنفعة: يمنع الإجزاء، وما لا فلا، حتى قال: لا يجوز مقطوع الأذنين، ولا الأصم، ويجوز مقطوع إحدى اليدين، أو إحدى الرجلين، ومقطوع يد ورجل من خلاف.
ويجوز إعتاق المسن إلا أن يكون ضعيفاً بحيث لا يطيق العمل، بخلاف الصغير: يجوز؛ لأنه يكبر فيقوى بعده، ويجوز نضو الخلق إذا لم يعجز عن العمل، ويجوز المريض الذي يرجى زوال مرضه، وإن لم يرج-: لم يجز، وإن كان عبداً وجب عليه القتل.
стр. 2489
قال الشيخ القفال- ﵀: إذا أعتقه قبل أن يقدم للقتل-: جاز، وإن كان بعده-: لم يجز؛ كمريض لا يرجى زوال مرضه.
ويجوز الأخرس إذا كان يعقل الإشارة، فإن لم يعقل الإشارة-: لا يجوز.
وقيل: إن كان مع الخرس صمم لا يجوز، ولا يجوز في المجنون المطبق.
فن كان يجن يوماً ويفيق يوماً-: يجوز، وإن كان زمان الجنون أكثر-: لا يجوز ويجوز الأحمق وهو الذي يفعل الشيء في غير موضعه، مع علمه بقبحه، والمجنون: من لا يعلم قبحه.
ويجوز ولد الزنا؛ لأن نسب العبد غير مقصود.
فَصْلُ فِي سَلاَمَةِ رِقِّ العَبْدِ
ولا يجوز إعتاق المكاتب عن الكفارة، سواء أدى شيئاً من النجوم أو لم يؤد.
وقال أبو حنيفة: يجوز إن لم يكن أدى شيئاً من النجوم.
قلنا: المكاتب قد استحق العتق بجهد الكتابة؛ فلا يجوز صرفه إلى الكفارة كأم الولد.
стр. 2490
ولو قال لمكاتبه: إذا عجزت فأنت حر عن كفارتي، أو قال لعبده الكافر: إذا أسلمت فأنت حر عن كفارتي، فعجز وأسلم-: عتق لوجود الصفة، ولكن لا يجوز عن الكفارة؛ لأنه لم يكن حالة التعليق بصفة الجواز؛ كما لو قال لجنين في البطن: هو حر عن كفارتي، إن خرج سليماً، فخرج سليماً-: لا يجوز عن الكفارة.
ولا يجوز إعتاق أم الولد عن الكفارة؛ لأنها استحقت العتاق بجهة الاستيلاد.
ويجوز إعتاق المدبر والمعلق عتقه بصفة؛ كما يجوز بيعهما كما لو قال لعبده: أنت حر بعد سنة، ثم أعتقه عن كفارته قبل مضي السنة.
أما إذا قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر، ثم قال له بعد ذلك: إن دخلت الدار فأنت حر عن كفارتي، فإذا دخل-: عتق، ولا يجوز عن الكفارة؛ لأنه تعلق عتقه بالدخول لا عن الكفارة، فلا يمكن صرفه إلى الكفارة.
ولو اشترى أحد أبويه أو ولده، ونوى الكفارة-: عتق بالقرابة، ولا يجوز عن الكفارة؛ لأنه استحق العتاق بجهة القرابة؛ كأم الولد: لا يجوز صرف عتقها إلى الكفارة.
ولو اشترى عبداً بشرط العتق، سواء قال يعتقه عن كفارة، أو أطلق-: فلا يجوز إعتاقه عن الكفارة؛ لأنه إذا باعه بشرط العتق: يضع من ثمنه؛ فيصير كأنه أخذ عوضاً على عتق الكفارة.
ولو أعتق عبده المرهون أو الجاني عن كفارته: إن قلنا: ينفذ عتقه-: جاز عن الكفارة.
وإن قلنا: لا ينفذ عتق المرهون فإذا انفك عن الرهن-: ففي نفوذ العتق باللفظ السابق وجهان:
إن قلنا: ينفذ، وكان أعتقه عن الكفارة-: جاز عنها، ولو أعتق المغصوب عن كفارته-: جاز، قال الشيخ: وكذلك الآبق إذا علم حياته.
وقيل: لا يجوز المغصوب، لأنه ممنوع من التصرف فيه.
قال- ﵀: الآبق يكون كذلك، ولو أعتق عبده الغائب عن كفارته، ولا يعرف حياته-: لم يجز؛ على أصح الوجهين؛ لأن ذمته مشغولة بالكفارة، فلا تترك بالشك.
следующие страницы →