Полный текст (3 626 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
في الصلاة، فأرادت الإعلام، فإنها تصفِّقُ، والرجل يسبِّح؛ لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله- ﷺ قال: "التَّسبيح للرجال، والتصفيق للنساء".
ولا نعني بالتصفيق ضرب الكف على الكف؛ لأنه يشبه اللهو، بل تكون آخذة كوعها اليسرى بكفها الأيمن، فتضرب ظهر اليسرى ببطن اليمنى.
ويجب عليها ستر العورة، كما يجب على الرجل، غير أنهما يفترقان في العورة، فعورة الرجل ما بين السُّرَّة والركبة، والمرأة إن كانت حرَّة فجميع بدنها عورة إلا الوجه
стр. 527
والكفَّين، ونعني بالكفَّين بطن الكفين وظهرهما إلى الكُوعين، وفي أخمص قدميها قولان.
الأصح: أنه عورة، كظهر القدم، فلو ظهر شيء من بدنها ولو شعرة من رأسها سوى الوجه والكفين لا تصح صلاتها.
стр. 528
وعند أبي حنيفة: إذا ظهر من السَّوْءة قدر درهم أو من سائر البدن أقل من ربع العضو صحت صلاتها.
قلنا: صلت مكشوفة بعض العورة مع القدرة على الستر، فوجب ألا تصح، كما لو زاد على قدر الربع، أما الأمة ففي عورتها وجهان:
أصحهما: ما بين السُّرة والركبة كالرجل.
والثاني: عورتها ما لا يبدو في الفضلة والمهنة.
ولو انكشف من عورة المصلي في خلال الصلاة بريح أو غيرها، إن ستر في الحال صحت صلاته؛ لأنه معذور، وإن لم يستر في الحال علم به أو لم يعلم بطلت صلاته.
ولو صلّت الأمة مكشوفة الرأس تصح صلاتها؛ لأن رأسها ليس بعورة، فلو عتقت في خلال الصلاة يجب عليها ستر الرأس، ثم إن علمت بالعتق في الحال والثوب قريب منها سترت رأسها، وبنت على صلاتها، وإن لم تستر في الحال إما لجهل بالعتق أو لبُعد الثوب عنها بطلت صلاتها.
وخرج قول ممن صلى وعلى ثوبه نجاسة لم يعلمها أنَّ ها هنا إذا لم تعلم بعتقها لا تعيد، والمذهب وجوب الإعادة في الموضعين.
وخرج قول من سبق الحدث عن القديم أن الثوب إذا كان بعيداً عنها مشت إليه، وسترت رأسها، وبنت على صلاتها، وكذلك العُريان إذا وجد الثوب في خلال الصلاة، وهو قريب منه لبسه، وبنى على صلاته، وإن كان بعيداً بطلت صلاته.
فصلُ: فيما يفسد الصلاة
روي عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نسلم على النبي- ﷺ وهو في الصلاة قبل أن يأتي أرض "الحبشة" فيرد علينا فلما رجعنا أتيته لأسلم عليه، فوجدته يصلي، فسلمت عليه، فلم يرد عليّ فأخذني ما قرُب وما بعد، فجلست حتى إذا قضى صلاته، قال: إن الله يحدث من أمره ما شاء وإنَّ ما أحدث ألا تَكَلَّموا في الصلاة".
стр. 529
إذا تكلم في صلاته، أو سلَّم في غير موضعه عمداً بطلت صلاته، وإن كان ناسياً لا تبطل صلاته، وعليه سجود السهو، وإن تكلم جاهلاً بأن الكلام يبطل الصلاة، نظر إن كان قريب العهد بالإسلام لا تبطل صلاته، كالناسي، وإن كان بعيد العهد بطلت صلاته؛ لأنه كان عليه أن يتعلَّم، ولو أكره حتى تكلم، أو أكره حتى فعل فعلاً لا يلائم الصلاة بطلت صلاته؛ لأنه نادر، بخلاف النسيان، فإنه عام هذا كما لو قيل له: إن تطهَّرت بالماء قتلناك، والماء موجود، أو قيل له: إن قمت في الصلاة قتلناك، فصلى بلا وضوء، أو قاعداً تجب عليه الإعادة. وكذلك لو حوَّل رجل وجه المصلي عن القِبلة، فصلى مستدير القِبلة يجب الإعادة، وإن كثر كلام الناسي تبطل صلاته على ظاهر المذهب؛ لأنه يقطع الموالاة، ولأن الاحتراز عن الكثير ممكن، فإن وقع يكون نادراً.
وقال النَّخَعِيُّ، وأبو حنيفة: كلام الناسي يبطل الصلاة.
لنا ما روي عن أبي هريرة، قال: صلى رسول الله- ﷺ إحدى صلاتي العشاء، فسلم في ركعتين، ثم أتى جذعاً في قِبلة المسجد، فاستند إليه مغضباً، وفي القوم أبو بكر وعمر فهاباه أن يتكلما، وخرج سرعان الناس يقولون: قصرت الصلاة، فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله قصرت الصلاة، أو نسيت؟ فنظر النبي- ﷺ يميناً وشمالاً فقال: "ما يقول ذو اليدين؟ " فقالوا: صدق لم تصلِّ إلا ركعتين، فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر، فرفع ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع.
стр. 530
وفي رواية "وسلم".
وقال الأوزاعي: كلام العَمْدِ إذا كان من مصلحة لا تبطل الصلاة مثل أن يقوم الإمام
стр. 531
في محل القعود، فقال له: اقعُد أو يقعد في محل القيام، فقال: قم، واحتج بهذا الحديث.
قلنا: النبي- ﷺ كان ناسياً، وذو اليدين كان جاهلاً بكونه في الصلاة؛ لأنه كان يقدر
стр. 532
قصر الصلاة، والقوم كانوا يجيبون النبي- ﷺ وإجابة النبي- ﷺ فرضٌ على من دعاه، وإن كان في الصلاة لا تبطل الصلاة بإجابته لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] وبدليل أنك تخاطبه في الصلاة فتقول: سلام عليك أيها النبي، ومثل هذا الخطاب مع غيره يبطل الصلاة.
ولو تكلم بكلام موافق نظمه نظم القرآن مثل إن دق رجل الباب فقال: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، أو أراد دفع كتاب إلى رجل فقال: ﴿يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢] نظر إن لم يكن قصده به قراءة القرآن بطلت صلاته، وإن قصد قراءة القرآن وإعلامه لا تبطل صلاته كما يرفع صوته بالتكبير إعلاماً.
وعند أبي حنيفة: تبطل صلاته، وكذلك لو عطس أو بشَّر بشيء في الصلاة، فحمد الله.
وإن فتح القراءة على إمامه، أو على غير إمامه، أو نبَّه إمامه، أو غير إمامه بذكر من أذكار الله- تعالى- أو رفع صوته بالقراءة إعلاماً لا تبطل صلاته.
وقال أبو حنيفة: إن فتح على غير إمامه بطلت.
ولو قرأ القرآن من المصحف، أو من مكتوب لا تبطل صلاته، سواء كان يحسن عن ظهر القلب، أو لا يحسن.
وعند أبي حنيفة تبطل صلاته.
ولو وقع بصره على شيء فتفكر فيه أو تفكر في مسألة، أو استمع لكلام متكلم لا تبطل صلاته، ولو أنَّ في صلاته أو بكى أو تنحنح، أو نفخ فظهر منه حرفان بطلت صلاته، وإن لم يظهر منه حرفان لا تبطل صلاته، سواء كان بكاؤه لمصيبة الدنيا أو الآخرة.
وعند أبي حنيفة إن بكى لمصيبة الدنيا تبطل صلاته، والتبسُّمُ لا يبطل الصلاة، والقهقهة تبطلها، فإن سبق الكلام إلى لسانه من غير قصد أو غلب عليه الضحك، أو غلب عليه السُّعال لا تبطل صلاته.
стр. 533
ولو تنحنح الإمام، فظهر منه حرفان هل يدوم المأموم على متابعته؟ ذكر القاضي- ﵀ وجهين:
أحدهما: يدوم، ويحمل على أنه مغلوب؛ لأن الأصل بقاء العبادة.
والثاني: لا يتابعه؛ لأن الأصل صحته وإن كان مختاراً.
ولو سلم ناسياً في غير محله، نظر إن تذكر والفصل قريب يبني على صلاته، وإن عمل أعمالاً أو فارق مُصلَّاه بنى حيث هو، ولا يعود إلى مُصلاه، وإن طال الفضل استأنف.
وكذلك لو نسي ركناً من الصلاة فتذكَّر بعد ما سلم وطال الفصل استأنف الصلاة والمرجعُ في الطول والقرب إلى العادة؛ لأنه ليس له حدّ في الشرع، وقدر الشافعي الطول بقدر ركعة لا طويلة ولا قصيرة، وما دونها قصير، وإن كان قد شرع في صلاة أخرى، ثم تذكر فالثانية غير منعقدة، لأنه في حكم الأولى، ثم إن ذكر والفصل قريب بنى، وما أتى به من الأعمال بعد ما أحرم بالثانية لا يحسب عن الأولى، وإن ذكر بعد طول الفصل، فهما باطلان.
فصلٌ
روي عن علي بن طَلْقٍ قال: قال رسول الله- ﷺ : "إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف وليتوضأ وليُعِدِ الصلاة".
إذا أحدث متعمّداً في صلاته بطلت صلاته، وإن سبقه الحدثُ قال في الجديد، وهو المذهب: تبطل صلاته؛ لأن الطَّهَارة شرط صحة الصلاة، وقد بطلت الطهارة.
وقال في القديم، وبه قال أبو حنيفة: لا تبطل صلاته، بل يتوضأ، ويبنِي على صلاته.
وفرّع على قوله القديم قال: لو سبقه الحدثُ فخرج وبالَ لا تبطل صلاته؛ لأن الطَّهارة
стр. 534
قد انقضت بالحدث الأول، فهذا البول لا تأثير له في بطلان الطهارة، وهو عمل قليل لا يبطل الصلاة وعند أبي حنيفة شيء من الأحداث لا تبطل الصلاة إذا غلب على المُصَلّي إلا شيئان:
أحدهما: القهقَهَةُ.
والثاني: إذا غلب عليه النَّوم فاحتلم قالوا: تبطل صلاته، وعلى قولنا القديم إذا نام في الصلاة فاحتلم فاغتسل وبنى، كما لو سبقه الحدث.
والعمل القليل في الصلاة لا يبطلها، وإن كان عمداً لما روي عن أبي قتادة أن رسول الله- ﷺ كان يصلّي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله- ﷺ فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها.
وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ : "اقتلوا الأسوَدَيْن في الصَّلاة: الحيَّة والعقرب".
وهذا بخلاف الكلام القليل عمداً يبطل الصلاة؛ لأن الاحتراز عنه ممكن، ولا يمكن
стр. 535
الاحتراز عن العمل القليل من تحرُّك أو حكة أو نحوها.
والعمل الكثير يبطل الصلاة، وإن كان سهواً، والمرجع فيه إلى العادة مما يعدّه الناس قليلاً مثل: إشارة بردِّ السلام، أو حملِ صبي، أو وضعه، أو لبس ثوب خفيف، أو نزعِهِ، أو قتل حيَّة بضربة أو ضربتين لا تبطل الصلاة، وكذلك مشيُ خطوتين، أو دفع مارٍّ بين يديه دفعتين لا تبطل صلاته، فإن من ضرب ثلاثاً، أو خطا ثلاث خطوات، أو دفع ثلاث مرات على التَّوَالي بطلت صلاته، وكذلك لو حكَّ ثلاثاً نفسه على التوالي بطلت صلاته، ولو فرق الضَّربات، أو الخطوات بأن ضرب ضربتين ثم بعد زمان ضرب ضربتين لا تبطل صلاته.
قال الشيخ: وحدُّ التفريق عندي أن يكون بين الأوليين والأخريين قدرُ ركعةٍ؛ لحديث أمامة، فإن النبي- ﷺ كان يضعها ويحملها في كل ركعة وإن أكل في الصلاة شيئاً عمداً وإن قلَّ بطلت صلاته، كما يبطل به الصوم حتى لو كان بين أسنانه شيء، أو نزلت نُخامة من رأسه، فابتلعها عمداً بطلت صلاته، فإن وصل إلى حلقه، ولم يمكنه إمساكها لم تبطل صلاته وإن أكل ناسياً لا تبطل صلاته فإن كثر بطلت، ولو مضغ علكاً بطلت صلاته، فإن أمسكه في فمه ولم يمضغ، نظر إن كان جديداً يذوب ويتصل إلى جوفه بطلت صلاته، كما لو أمسك في فمه سكرة وإن كان مستعملاً لا تبطل صلاته كما لو أمسك في فمه حصاة أو إجَّاصَة.
أما إذا عمل في الصلاة عملاً ليس منها، ولكنها من جنس أعمالها، مثل أن زاد رُكوعاً أو سجوداً عمداً بطلت صلاته، وإن فعل ناسياً لا تبطل صلاته، وإن زاد على ركعة؛ لأن النبي- ﷺ صلّى الظهر خمساً، فسجد للسهو، ولم يُعِدِ الصلاة، ولو كرر قراءة الفاتحة، أو قراءة التشهد لا تبطل صلاته، وعند أبي حنيفة إذا زاد ركوعاً أو سجوداً عمداً لا تبطل صلاته ما لم يكملها ركعةً وإن سكت في الصلاة طويلاً نظر إن كان لغرض بأن نسي شيئاً ليتذكر لا تبطل صلاته وإن كان لغير غرض ففيه وجهان.
стр. 536
فصلٌ: في سُترة المُصلِّي
روي عن أبي هريرة أن النبي- ﷺ قال: "إذا صلَّى أحدُكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، وإن لم يجد فلينصب عصاةً، فإن لم يكن معه عصا فليخطط خطاً ثمَّ لا يضره ما مر بين يديه".
ويستحب للمصلي أن يكون بين يديه سترٌ، من جدار أو أسطوانة، ويدنو منها بحيث لا يكون بينه وبينها إلا قدر مكان السجود، وهو ثلاثة أذرع، وكذلك بين الصفين في صلاة الجماعة.
روي عن سهل بن سعدٍ قال: كان النبي- ﷺ يصلي وبينه وبين القِبْلة قدرُ ممرِّ الشاة.
стр. 537
فإن كان في صحراء يغرز بين يديه عصا، أو يضع شيئاً قدر مؤخِّرة الرحل، ويجعل السُّترة على جانبه الأيمن، أو الأيسر؛ لما روي عن المقداد بن الأسود قال: ما رأيت رسول الله- ﷺ يصلي إلى عودٍ ولا عمودٍ ولا شجرة، إلا جعله على جانبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمداً.
وعن موسى بن طلحة عن أبيه قال: قال رسول الله- ﷺ : "إذا وضع بين يديه مثل مؤخرة الرِّحل فليُصلِّ ولا يبال من وراء ذلك؛ فإن لم يجد المُصلِّي شيئاً يضعه بين يديه يخُطُّ خطّاً.
وإن فرش مصلى فكالخط، فإذا صلَّى إلى سُترةٍ لا يجوز لأحد أن يمرَّ بينه وبين السترة، فإن أراد إنسان أن يمر بين يديه له أن يدفعه.
روي عن أبي جهم قال: قال رسول الله- ﷺ : "لو يعلم المارُّ بين يدي المصلِّي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين يوماً خيرٌ له من أن يمرَّ بين يديه قال أبو نصرٍ: وهو الراوي
стр. 538
للحديث: لا أدري قال: "يوماً أو شهراً أو سنةً".
стр. 539
وروي عن أبي سعيد الخُدري قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: "إذا صلى أحدكُم إلى شيءٍ يستره من الناس فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنه شيطان".
فإن لم يجعل بين يديه سُترة أو وقف بعيداً من السترة فلا حرج على من مرَّ بين يديه، وليس له دفعه؛ لأنه الذي ضيَّع حظَّ نفسه، ولو مرَّ بين يدي المصلي مارّ لا تبطل صلاته أي شيء كان.
قالت عائشة: كان رسول الله- ﷺ يصلي بالليل، وأنا معترضة بينه وبين القِبْلَةِ كاعتراض الجنازة.
стр. 540
وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله- ﷺ : "لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما استطعتم فإنما هو شيطان".
وعن عائشة أن الكلب الأسود يقطع الصلاة، وهو قول أحمد، وإسحاق، ويكره أن يصلي وبين يديه إنسان يستقبله بوجهه، روي أن عمر ضرب على مثله بالضرة.
فصلٌ: في المسبوق ببعض الصلاة
روي عن عليٍّ ومعاذ قالا: قال النبي- ﷺ : "إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام".
إذا أدرك رجل بعض صلاة الإمام يصلي معه ما أدرك، وما أدركه أول صلاته، وإن كان آخر صلاة الإمام، فإذا سلم الإمام قام، وأتمَّ صلاته، وما يأتي به بعد الإمام آخر صلاته، وهو قول عليّ وأبي الدرداء، وقول أكثر أهل العلم.
стр. 541
وقال الثوري، وأبو حنيفة: ما أدركه آخر صلاة المسبوق، كما هو آخر صلاة الإمام، والدليل على أن ما أدرك أول صلاته اتفاقنا على أنه لو أدرك ركعة من المغرب، فإذا سلم الإمام، وقام فصلى ركعة يقعد في الثانية، ولو كان ما يقضي آخر صلاته لكان لا يقعد، وكذلك لو أدرك الركعة الثالثة من الوتر، وقنت مع الإمام، فإذا أتم صلاته يقنت في الثالثة، وكذلك عندنا لو أدرك الركعة الثانية من الصبح وقنت مع الإمام فإذا قام الإتمام صلاته يقنت ثانياً في الركعة الثانية، ولو أدرك ركعة من صلاة المغرب، فإذا قام لإتمام الباقي يجهر في الركعة الثانية، ويسر في الثالثة، ولو أدرك ركعتين من صلاة ذات أربع، فإذا قام لإتمام صلاته نص على أنه يقرأ الفاتحة مع السورة في الأخريين.
قيل: هذا جواب على القول الذي قال: إنه يقرأ السورة في الركعات كلها.
وقيل: أراد به إذا لم يكن قراءة السورة في الأوليين مع الإمام يقرأ في الأخريين، كما لو ترك التعوذ في الركعة الأولى قضى في الثانية، وكما قال: لو ترك قراءة سورة "الجمعة" في الركعة الأولى من صلاة الجمعة قرأها مع سورة "المنافقين" في الركعة الثانية، وإذا قام المسبوق لقضاء ما فاته يقوم مكبراً، نظر إن كان ذلك في محل تكبيرة بأن أدرك معه ركعتين يقوم مكبراً، وإن لم يكن محل تكبيره بأن أدرك معه ركعة أو ثلاث ركعات فيه وجهان.
قال القفال: يقوم غير مكبر، لأنه ليس محل تكبيره.
وقال أبو حامد: يقوم مكبراً.
أما إذا كان يقوم مع الإمام يكبر معه، ولو أدرك الإمام في الركوع يكبر للافتتاح، ثم لا يجوز أن يشتغل بقراءة الفاتحة، بل يكبر، ويهوي إلى الركوع، وكذلك لو أدركه قائماً، فلما كبر ركع الإمام يركع معه، وتحسب له تلك الركعة، وتسقط عنه القراءة وقيامها؛ لأنه أدرك معظم الركعة، فجعل مدركاً لها ترغيباً في الجماعة، فلو أدرك الإمام في الركوع، فكبر تكبيرة واحدة، نظر إن نوى تكبيرة الافتتاح صحت صلاته؛ لأن تكبيرة الركوع سُنة لا يمنع تركها صحة الصلاة، ولو نوى تكبيرة الركوع لم يصح، وكذلك لو نواهما؛ لأنه لم يخلص النية للفرض.
وقيل: ينعقد نفلاً كمن أخرج خمسة دراهم، ونوى الزكاة والتطوع يكون تطوعاً، ولو أدرك الإمام في الركوع، فكبر وهوى، وكان هو في الهوى، والإمام في الارتفاع، نظر إن بلغ حدّاً يمكنه وضع الراحتين على الركبتين، والإمام لم يرتفع عن هذا الحد صار مدركاً للركعة، وإن بلغ هذا الحد بعدما ارتفع عنه الإمام لم يصر مدركاً لها.
ولو أدركه في الركوع فكبر، ولم يركع حتى رفع الإمام رأسه بطلت صلاته، كما لو
стр. 542
تخلف عن الإمام بغير عذر حتى سبقه بركن كامل، ولو أدرك الإمام بعد ما اعتدل عن الركوع، أو أدركه في السجود، فكبر يجب عليه أن يتابعه بعد ما كبر في الركن الذي هو فيه حتى لو لم يفعل بطلت صلاته، وإن تابعه لا تحسب له تلك الركعة، وهل يكبر للانتقال إلى الركن الذي فيه الإمام؟ نظر إن أدركه حالة الاعتدال ينتقل معه إلى السجود مكبراً، وكذلك في سائر الانتقالات الذي ينتقل مع الإمام يكبر مع الإمام، وإن لم يكن محسوباً له، وإن أدركه بعد ما سجد، أو في السجود الثاني، أو في التشهد هل يكبر للانتقال إليه أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكبر، كما لو أدرك في الركوع ينتقل إليه مكبراً.
والثاني: لا يكبر؛ لأنه لم يدرك محل التكبير.
ولو أدركه في التشهد فكبر وجلس هل يقرأ التشهد، أو أدركه في السجود هل يسبح؟ فيه وجهان:
أصحهما: يتابع الإمام في الذكر، كما يتابعه في الفعل، كما في سجود السهو، لم تابعه في السجود تابعه في تسبيحه.
والثاني: لا؛ لأنه ليس في ترك الذِّكر مخالفة ظاهرة، فأمرناه به، ولو أدركه في السجود فقبل أن يسجد رفع الإمام رأسه لا يسجد؛ لأنه لزمه المتابعة، وقد ارتفعت المتابعة.
وإذا أدرك الإمام في القيام، وخاف ركوعه لا يقرأ دعاء الاستفتاح، ويشتغل بقراءة الفاتحة؛ لأنها فرضٌ، فلو ركع الإمام، وهو في خلال الفاتحة هل يتمها؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يركع معه، ويسقط عنه ما بقي من الفاتحة.
والثاني: يتم الفاتحة؛ لأنه أدرك محلها، ثم يتبع الإمام.
والثالث: وهو الأصح إن لم يكن قرأ شيئاً من دعاء الاستفتاح يقطع القراءة، ويركع معه، وهو مدرك للركعة؛ لأنه لم يدرك من القيام إلا قدر قراءة بعض الفاتحة، فيسقط عنه الباقي، كما لو لم يدرك شيئاً من القيام يسقط عنه جميعها، وإن كان قد قرأ شيئاً من دعاء الاستفتاح يقرأ بقدره من الفاتحة؛ لأنه أدرك من القيام بذلك القدر، ثم هو كالمتخلف عن الإمام بالعذر، وسواء كان عالماً بأن ليس له الاشتعال بدعاء الاستفتاح، أو جاهلاً؛ لأنا لما أمرناه بقراءة الفاتحة كان معذوراً.
أما المأموم الموافق إذا قرأ دعاء الاستفتاح، فركع الإمام أو كان بطيء القراءة، فركع الإمام قبل فراغه من الفاتحة، فإنه يتم الفاتحة، وهو كالمتخلف بالعُذر.
стр. 543
ولو نسي المأموم الفاتحة فتذكر بعد ما ركع مع الإمام، أو شك في قراءتها بعدما ركع مع الإمام لا يجوز أن يعود؛ لأنه فات محل القراءة، فإذا سلم الإمام يقوم ويصلي ركعة، كما لو قام إلى الركعة الثانية مع الإمام، ثم تذكر أنه نسي سجدةً من الأولى لا يعود، بل يتابع الإمام، ثم يقضي ركعة، ولو ركع الإمام، فقبل أن يركع المأموم معه تذكَّر أنه لم يقرأ الفاتحة، أو شكَّ في قراءتها، أو تذكّر قبل أن يركع الإمام فركع الإمام قبل كمالها لا تسقط عنه القراءة، لأنه لا يعذر بالنسيان، ثم فيه وجهان:
أحدهما: يركع معه ثم يقضي ركعة، كما لو تذكَّر بعد ما ركع معه.
والثاني: يقرأ الفاتحة، ويتمها؛ لأنه في محل القراءة.
ولو قام الإمام إلى الركعة الخامسة ساهياً، فأدركه مسبوق في هذه الركعة، فاقتدى به، نظر إن كان عالماً أنها خامسة لا تنعقد صلاته على الصحيح من المذهب، كما لو اقتدى بجنبُ عالماً بجنابته.
وقال الشيخ القفال: تنعقد صلاته جماعة؛ لأن الإمام في الصلاة، ولكن لا يتابعه في أفعاله، بل كما كبَّر يقعد للتشهد، ينتظر الإمام؛ لأن التشهد محسوب للإمام، وكذلك لو نسي الإمام سجدة من الركعة الأولى، فأدركه رجل في الركعة الثانية في القيام، واقتدى به وهو عالم هل تنعقد صلاته؟ فعلى هذين الوجهين إن قلنا: تنعقد يسجد وينتظر الإمام ساجداً، وإن كان جاهلاً بحال الإمام تنعقد صلاته، فإذا صلى مع الإمام تلك الركعة تحسب له ما أتى به مع الإمام، فلو أدركه في الركوع في هذه الركعة لا تحسب له تلك الركعة؛ لأن القراءة إنما تسقط عنه بإدراك ركوع هو محسوب للإمام، وهذا الركوع غير محسوب للإمام، فهو كما لو نسي الإمام الفاتحة. فركع فأدركه مسبوق فيه، أو كان الإمام محدثاً أو ترك تسبيحات الرُّكوع واعتدل لا يجوز أن يعود إلى الركوع فعاد فأدركه مسبوق لا يكون مدركاً للركعة.
أما إذا أدرك الإمام في الركوع فركع معه، ثم في السجود سبق الإمام الحدث كان مدركاً لتلك الركعة؛ لأنه أدرك ركوعاً محسوباً للإمام.
فصلٌ: في صلاة المريض
روي عن عمران بن حصين قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي- ﷺ فقال: "صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنبٍ".
стр. 544
لا يجوز أداء صلاة الفرض قاعداً مع القدرة على القيام، ولا نائماً مع القدرة على القعود، فإن عجز عن القيام يصلِّي قاعداً، ولا ينتقص ثوابه، والعجز ألا يكون له آلة القيام أو لا يمكنه القيام إلا بمشقة شديدة، وكيف يقعد في محل القيام؟ فيه قولان:
أصحهما: يقعد مفترشاً؛ لأنه قعود لا يعقبه السلام كالقعود للتشهد الأول.
والثاني: يقعد متربعاً.
يروى عن ابن عمر وأنس؛ لأنه قعود بدل عن القيام، فيكون مغايراً لسائر القعدات، فإذا عجز عن القعود يصلِّي نائماً، وكيف ينام؟ فيه قولان:
أصحهما: ينام على جنبه الأيمن مستقبل القِبلة، كما يضجع الميت في اللحد؛ لقول النبي- ﷺ : "فإن لم يستطع فعلى جَنبٍ".
والثاني: وبه قال أبو حنيفة: ينام مستلقياً ورجلاه إلى القبلة، يوضع الميت على المغتسل فإن قلنا بالأول فلو نام على جنبه الأيسر مستقبل القِبلة جاز، ويكون تاركاً لسُنَّة التَّيامُنِ، فإن عجز عن الاضطجاع على الجنب صلى مستلقياً ورجلاه إلى القِبلة، وإذا صلى نائماً، ولم يمكنه وضع الجبهة على الأرض في السجود يومئُ بالركوع والسجود برأسه،
стр. 545
ويجعل السجود أخفض من الركوع، ويدني جبهته من الأرض ما أمكنه، ولا يشترط وضع الجبهة على الوسادة، فإن كان به صداع أو رمدٌ لا يمكنه وضع الجبهة على الأرض، ويمكنه أن يضع على وسادة لا تخرج عن حد الساجدين يجب وضعها على الوسادة روي أن أم سلمة كانت تسجد على مخدة لرمد بها.
ولو عجز عن الإيماء بالرأس يومئ بعينيه، فإن عجز يتفكر بالقلب، ولا قضاء عليه، ولا ينتقص ثوابه، ولا يسقط الفرض منه ما دام العقل معه.
وعند أبي حنيفة: إذا عجز عن الإيماء بالرأس سقط عنه الفرض، ولو لم يمكنه القيام إلا معتمداً على غيره أو مستنداً إلى جدار، يلزمه أن يصلي قائماً مستنداً.
وقيل: لا يلزمه ذلك، بل يصلي قاعداً، فإن صلى قائماً مستنداً جاز.
وإن كان بظهره علة لا تمنعه من القيام، وتمنع من الركوع والسجود لزمه القيام، ويركع ويسجد على قدر طاقته.
قال الشيخ- ﵀: يحني بالركوع قائماً، وبالسجود قاعداً، فإن لم يمكنه أن يحنيَ ظهره في الركوع والسجود حنى رقبته، وإن أمكنه القيام والاضطجاع، ولا يمكنه القعود يتشهد، ويأتي بالجلوس قائماً.
قلنا: لأنه قعود وزيادة وإن تقوَّس ظهره حتى صار كأنه راكعٌ أو كانت به علة، لا تمكنه الاعتدال، وأمكنه القيام على هيئة الراكعين يجب أن يقوم كذلك، ويرفع رأسه وإن كان بعينيه وجع وهو قادر على القيام، فقيل له: إن صليت مستلقياً أمكن مداواتك ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز له ترك القيام كالمريض.
والثاني: لا يجوز؛ لما روي عن ابن عباس أنه لما وقع في عينه الماء فقال له الأطباء: تمكث سبعاً لا تصلي إلا مستلقياً فسأل عائشة وأم سلمة فنهتاه.
стр. 546
وإذا كان يصلي قائماً فعجز عن القيام في خلال الصلاة يقعد، ويبني على صلاته، وإن عجز عن القعود ينام، ويبني، وإن كان يُصلي قاعداً للعجز فقدر على القيام في محل القيام عليه أن يقوم، فإذا كان يصلي نائماً فقدر على قيام، أو قعود- عليه أن يقوم أو يقعد ويبني.
وعند أبي حنيفة: النائم إذا قدر على قيام، أو قعود لا يبني فيقيس على بناء القيام على القعود، وإن كان يصلي قاعداً، فقدر على القيام في خلال الفاتحة، فقرأ بعض الفاتحة في الارتفاع لا تحسب، وعليه أن يعيد ما قرأ في الارتفاع بعدما اعتدل قائماً؛ لأن الواجب عليه في هذه الحالة أن يقرأ بقية الفاتحة قائماً، وحالة الارتفاع دون حالة القيام، وإن كان يصلي قائماً فعجز عن القيام في خلال الفاتحة، فقرأ بعضها في خلال الهويّ تحسب؛ لأن الواجب عليه أن يقرأ قاعداً، وحالة الهويّ فوق حالة القعود، فحيث قلنا: لا يحسب لا تبطل صلاته ولا سجود عليه إن كان ساهياً.
ولو قدر المريض على القيام بعد القراءة قبل أن يركع يجب أن يقوم فيركع، وليس له أن يقوم راكعاً؛ لأن الهوي من القيام شرط، وبمثله لو قدر على القيام في خلال الركوع، فله أن يقوم راكعاً، ولا يجوز أن يستوي قائماً، ثم يركع؛ لأنه يصير كأنه زاد ركوعاً.
قال الشيخ- ﵀: فلو قام من الركوع وسجد جاز؛ لأن ركوعه قد تم قاعداً، ولو قدر على القيام بعدما اعتدل عن الرُّكوع، واطمئن لم يلزمه أن يقوم فيسجد؛ لأن الاعتدال ركن قصير لا يمد.
وقيل: يلزمه أن يقوم فيسجد كما لو قدر بعد القراءة يلزمه أن يقوم فيركع، ولو قدر بعد الركوع قبل أن يعتدل عليه أن يعتدل قائماً، ثم يسجد، فإن كان في الركعة الثانية من صلاة الصبح قدر بعدما رفع من الركوع، واطمأنّ قبل أن يقنت، عليه أن يقنت قائماً، فلو
стр. 547
قنت جالساً بطلت صلاته ولو قدر أن يصلي قائماً منفرداً، ويخفف القراءة.
وإذا صلى جماعة يحتاج أن يقعد في بعضها فالأفضل أن يصلي قائماً منفرداً؛ لأن القيام فرض، والجماعة فضيلة، فمراعاة الفرض أولى، فلو صلى مع الإمام وقعد في بعضها جاز، وكذلك لو أمكنه أن يصلي بأمِّ القرآن وحدها قائماً، وإن زاد عجز صلى بأمر القرآن قائماً، فلو ابتدأ السورة، وعجز فقعد جاز، ولا يجب أن يقطع السورة فيركع.
وأما السُّنن والتطوعات يجوز أداؤها قاعداً مع القدرة على القيام، ويكون ثوابه على النصف من ثواب القائم؛ لما روي عن عمران بن الحصين قال: سألت رسول الله- ﷺ عن صلاة الرجل وهو قاعد، فقال: "من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد".
فلو صلى مضطجعاً مع القدرة على القيام والقعود هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجوز بدليل الحديث، وثوابه نصف ثواب القاعد.
والثاني: لا يجوز؛ لأن عماد الصلاة الفعل، وهو يترك أكثر أفعالها مع القدرة عليها، ولو صلى بعض النافلة قائماً، والبعض قاعداً جاز.
فصلٌ: في سجود التِّلاوة
روي عن ابن عمر أن النبي- ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، فيسجد ويسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعاً لمكان جبهته.
стр. 548
سجود التِّلاوة مشروع عند عامة العلماء، وهو سُنَّة عند أكثرهم.
وقال أبو حنيفة: واجب، والدليل على أنه غير واجب ما روي عن زيد بن ثابت أنه قرأ عند رسول الله- ﷺ و"النَّجم" فلم يسجد فيها، ولو كان واجباً لأمره النبي- ﷺ وقال عمر بن الخطاب: إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء.
وعدد سجود القرآن أربع عشرة، وبه قال أبو حنيفة لأن عندنا في "الحج" سجدتين وسجود "ص" سجود شكر ليس من عزائم السجود.
وعند أبي حنيفة سجود "ص" سجود تلاوة ولا سجود في آخر سورة "الحج"، والدليل على أن سجود "ص" ليس من عزائم السجود ما روي عن ابن عباس أن النبي- ﷺ سجد
стр. 549
في "ص" وقال: سجدها داود توبة، وسجدتها شكراً.
وعن ابن مسعود أنه كان لا يسجد في "ص"، وقال: إنما هي توبة نبيٍّ.
والدليل على أن في سورة "الحج" سجدتين ما روي عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله فضلت سورة "الحج" بأن فيها سجدتين قال: "نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأها".
وقال ابن سُريج: عدد سجون القرآن خمس عشرة، وهو قول إسحاق بن راهويه؛ لما روي عن عمرو بن العاص أن النبي- ﷺ أقرِأَه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث
стр. 550
في المُفَصّل، وفي سورة "الحج" سجدتان.
وقال مالك: سجود القرآن إحدى عشرة وليس في المفصل سجود وهو قول الشافعي في القديم؛ لما روي عن ابن عباس أن النبي- ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحوَّل إلى "المدينة"، والدليل على أنه يسجد فيها ما روي عن أبي هريرة قال: سجدنا مع النبي- ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ واتفقوا على مواضع السجود إلا في "حم السجدة" فإن فيه وجهين:
стр. 551
أصحهما: يسجد عند قوله: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾.
وقيل: عند قوله: ﴿إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧].
ويجوز سجود التلاوة في الصلاة وغير الصلاة، أما سجدة "ص" لو سجدها خارج الصلاة فحسنٌ ولو سجد في الصلاة فيه وجهان:
أصحهما: تبطل صلاته، كما لو سجد للشكر في الصلاة.
والثاني: لا تبطل صلاته؛ لأن سببه تلاوة القرآن، فإن كان الإمام حنفياً، فهو كما لو ترك قراءة الفاتحة على اعتقاده.
وإذا قرأ آية السجدة في الصلاة يكبر فيهوي، ولا يكبر للافتتاح، ولا يرفع يديه، ثم يكبر فيرفع رأسه ويقوم ولا يجلس للاستراحة، فإذا قام يستحب أن يقرأ شيئاً ثم يركع، فلو لم يقرأ وركع جاز، ولو قام راكعاً ولم يعد إلى القيام لم يجز؛ لأن عليه أن يبتدئ الركوع من القيام، وإن كان خارج الصلاة يستحب أن يكبر للافتتاح، ويرفع يديه حذو منكبيه، ويستحب أن يقوم فيكبر، ثم يكبر فيجسد ثم يكبر فيرفع، ولا يتشهد وهل يسلم؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يسلم.
والثاني: وبه قال عطاء يسلم؛ لأنه مفتقر إلى الإحرام فيفتقر إلى السلام، وقد قال الشافعي- ﵁: وأقله أن يضع جبهته بلا شروع ولا سلام، ويقول في سجود التلاوة ما روي عن عائشة- ﵂ قالت: كان رسول الله- ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل: "سجد وجهي للذي خلقه وشقَّ سمعه وبصره بحوله وقوته".
стр. 552
وإن قال ما يقول في سجود صلاته جاز، ولو قرأ آية السجدة في الصلاة قبل الفاتحة يسجد، بخلاف ما لو قرأ في الركوع أو السجود لا يجوز أن يسجد؛ لأن القيام محل القراءة حتى لو قرأ آية السجدة في الصلاة، فهوى يسجد فشك، هل قرأ الفاتحة؟ فإنه يسجد للتلاوة، ثم يعود إلى القيام فيقرأ الفاتحة؛ لأن سجود التلاوة لا يؤخر، وإذا سجد التالي يستحب أن يسجد معه من يسمع تلاوته، سواء كان التالي في الصلاة، أو لم يكن في الصلاة، ويتأكد الاستحباب بشرطين:
أحدهما: أن يكون مستمعاً لقراءته قاصداً، فإن لم يكن قاصداً إلى استماعه إنما سمعه مارّاً فلا يتأكد.
قال ابن عباس: السَّجدة لمن جلس لها.
الثاني: أن يسجد التالي، فإن لم يسجد التالي لا يتأكد في حق المستمع، ولو سجد فحسن روي عن عطاء بن يسار أن رجلاً قرأ عند النبي- ﷺ السجدة، فسجد فسجد النبي- ﷺ ثم قرأ عنده آخر السجدة، فلم يسجد فلم يسجد النبي- ﷺ فقال: يا رسول الله قرأ فلان عندك السجدة فسجدت، وقرأت عندك السجدة فلم تسجد، فقال النبي- ﷺ : "كنت إماماً فلو سجدتَ سجدتُ".
وإذا سجد المستمع مع التالي لا يلزمه نيَّة الاقتداء به، ويجوز أن يرفع قبله، أما الإمام إذا سجد في الصلاة يجب على المأموم متابعته، ولو لم يسجد الإمام لا يجوز للمأموم أن يسجد؛ لأن متابعة الإمام فرض عليه، ولا يجوز للمصلِّي أن يسجد للتلاوة، غير إمامه، فلو فعل بطلت صلاته، فإذا فرغ فحسنٌ أن يسجد، كما يجيب المؤذّن بعد الفراغ من الصلاة.
ولو سجد الإمام للتلاوة، فلم ينتبه المأموم حتى رفع رأسه لا يجوز أن يسجد، ولو علم قبل أن يرفع رأسه يسجد، فلو كان في الهُويّ، فرفع رأسه يرجع معه، ولا يسجد. وكذلك الضعيف الذي هوى مع الإمام قبل أن يصل إلى الأرض قام الإمام يقوم معه، ولو
стр. 553
قرأ رجل آيات السجدة في مكان واحد، أو في الصلاة في ركعة واحدة: يسجد لكل آية، ولو قرأ آية واحدة مراراً، فإن سجد للأولى يسجد للثانية، وإن لم يسجد للأولى يكفيه للكل سجود واحد.
وقال أبو حنيفة: يكفيه سجود واحد سجد أولاً أو آخراً، وبه قال ابن سُريج.
ولو تلا في سجود التلاوة لا يسجد ثانياً.
والركوع لا يقوم مقام السجود، وعند أبي حنيفة يقوم مقامه.
ولو قرأ آية السجدة في الصلاة، فلم يسجد وركع، ثم بدا له أن يسجد ليس له ذلك؛ لأنه شرع الفرض كما لو ترك التشهد الأول، وقام لا يجوز أن يعود إلى التشهد، فإن كان قبل بلوغه حدّ الراكعين يجوز أن يسجد.
ولو هوى يسجد للتلاوة، ثم في خلال الهُويّ بدا له ألا يسجد، فرجع جاز، كما لو قعد للتشهد الأول، فقرأ بعضه، ثم قام صحَّت صلاته، ولو بلغ حد الراكعين فبدا له أن يركع عن فرض الصلاة يجب أن يعود إلى القيام، ثم يركع؛ لأنه لم يقطع القيام لقصد الرُّكوع، كما قال الشافعي- ﵁: لو رفع رأسه من الركوع لينتقل يجب عليه أن يعود.
ويشترط في سجود التلاوة الطهارة عن الحدث، وطهارة الثوب والمكان عن النَّجاسة، وسترُ العورة، واستقبال القِبْلَةِ، كما في الصلاة، وإن كان في السّفر سائراً، فإن كان راكباً سجد بالإيماء إلى الطريق، وإن كان ماشياً سجد على الأرض متمكناً إلى القِبلةِ.
ولو قرأ وهو غير متطهر فتطهر، فحسن أن يقضي، وكذلك المستمع إذا لم يكن على الطَّهارة، فحسن أن يتطهر، ويقضي ولا يتأكّد.
وعند أبي حنيفة- ﵀ يجب عليه أن يقضي إلا أن يكون السامع حائضاً فلا يقضي، وكذلك لو قرأ الإمام في الصلاة آية السجدة، ولم يسجد لا يجوز للمأموم أن يسجد، فإذا فرغ من الصلاة وسلم، فحسن أن يقضي ولا يتأكد.
ولو قرأ في الأوقات المنهية عن الصلاة سجد، وعند أبي حنيفة لا يسجد، ويقضي بعده. والله أعلم بالصواب.
بابُ سُجُود السَّهْوِ
روي عن أبي سعيد الخُدريّ قال: قال رسول الله- ﷺ : "إذا شك أحدكم في صلاته
стр. 554
فلم يدر كم صلَّى ثلاثاً أم أربعاً، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم.
стр. 555
فإن كان يصلي خمساً شفعها بهاتين السجدتين، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان.
الشَّك في الصلاة قسمان: شك في أصل الصلاة أنه هل صلاها أم لم يصلها؟ فالأصل أنه لم يُصلّ، وعليه أن يصليها.
وشك في أفعالها، مثل أن شكَّ أنه صلى ثلاث ركعات، أم أربع ركعات؟ عليه أن يبني على اليقين، فيأخذ بالأقل، وهو أنه صلى ثلاثاً، فيصلي ركعة أخرى، ويسجد في آخر صلاته سجدتين للسهو، ولا يأخذ بغلبة الظن.
وعند أبي حنيفة: إن وقع له هذا أول مرة بطلت صلاته، وإن اعتاد ذلك يتحرَّى، ويأخذ بغلبة الظن، والحديث حُجَّة عليه.
ولو شك برُكنٍ من أركان الصلاة، أنه هل أتى به أم لا؟ فالأصل أنه لم يأت به، ثم ينظر إن لم يصل إلى ذلك الركن في الركعة الثانية، يعود إليه مثل أن شك في الركوع، أو في السجود أنه هل قرأ الفاتحة في هذه الركعة أم لا؟ يجب عليه أن يعود إلى القيام، فيقرأ ويعيد الركوع والسجود، وما أتى به لا يحسب؛ لأن الترتيب واجب في أفعال الصلاة، وإن وصل إلى ذلك الركن في الركعة الثانية، مثل أن قام إلى الركعة الثانية، وشك هل قرأ الفاتحة في الركعة الأولى، فهذه الركعة أُولاهُ، فإن كان قد ركع أو سجد في الثانية يمضي في صلاته، وهذه أُولاه فيصلي بعدها ثلاث ركعات إن كانت الصلاة [ذات] أربع ركعات، ويسجد للسهو في آخر الصلاة، ولو شكَّ بعد الفراغ من الصلاة أنه صلّى ثلاثاً أو أربعاً أو شكَّ في
стр. 556
ركن أنه هل أتى به أم لا، لا يلزمه شيء؛ لأن الظاهر أنه أدَّاها على التمام، ولو اعتبر الشَّك الطارئ بعد الفراغ من الصلاة لضاق الأمر على الناس.
وقيل: فيه قولان:
أحدهما: هذا.
والثاني: حكمه حكم ما لو تيقن الترك إن كان الفصل قريباً بنى، وإن طال استأنف.
قال الشيخ- ﵀: عندي إن هذا وقع الشك والفصل قريب، فهو كما لو وقع في الصلاة وإن كان بعد طول الفصل فلا يعتبر.
ومحل سجود السهو قبل السلام، وهو قول أكثر أهل العلم، بدليل حديث أبي سعيد.
وعند أبي حنيفة، والثوري يسجد بعد السلام، ثم يتشهد ويسلم.
وذهب قوم إلى أنه إذا سجد بعد السلام يتشهد ويسلم.
وقال بعضهم: يسلم، ولا يتشهد فقال مالك: إن كان سهوه بزيادة فعل يسجد بعد السلام، وإن كان بنقصان فقبل السلام، وإن شك في عدد الركعات بنى على اليقين وسجد بعد السلام.
وإذا قام إلى الخامسة في صلاة ذات أربع ركعات، ثم تذكر يجب أن يعود إلى التشهد سواء قيد الخامسة بالسجود، أو لم يقيد، وسواء قعد في الرابعة، أو لم يقعد حتى لو صلَّى خمس ركعات ساهياً سجد للسهو وسلم وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: إن لم يكن قيد الخامسة بالسجود عاد وسلم، وسجد للسهو، وإن كان قد قيد بالسجود، نظر إن لم يكن قعد في الرابعة بطلت صلاته، وإن قعد في الرابعة ضم إليها ركعة أخرى حتى يصير شفعاً، فأربعة فرض، وركعتان نفل، وبه قال الثوري.
والدليل على ما قلنا ما روي عن عبد الله بن مسعود ـن رسول الله- ﷺ صلى الظهر خمساً فقيل، له: أزيد في الصلاة فقال: "وما ذاك؟ " قالوا: صليت خمساً فسجد سجدتين بعدما سلم، فالنبي- ﷺ إن لم يكن قعد في الرابعة لم يعد الصلاة، وإن كان قد قعد لم يضم إليها ركعة أخرى.
ثم عندنا إذا عاد إلى القعود، نظر إن لم يكن قد تشهَّد في الرابعة، أو شك هل تشهد أم لا؟ فيجب عليه أن يتشهد، ثم يسجد للسهو، [ويسلم] وإن كان قد تشهَّد سجد
стр. 557
للسهو، ويسلم ولا تجب إعادة التشهد على ظاهر المذهب.
وفيه وجه آخر: أنه يعيد التشهد حتى يكون منتقلاً من ركن التشهد إلى السلام؛ لأن الموالاة شرط.
وعلى هذا لو شك في السجود أنه هل ركع أم لا؟ أو تيقن أنه ترك الركوع، عليه أن يعود إلى الركوع، ويجوز أن يقوم راكعاً على ظاهر المذهب.
وعلى الوجه الآخر يقوم، ثم يركع، كما قال الشافعي.
ولو قدر المريض على القيام بعد القراءة لا يقوم راكعاً، بل يعتدل قائماً، ثم يركع، والأول أصح كما لو قام إلى الخامسة ساهياً بعد السجود، ثم ذكر، فلا يعود على السجود، بل يجلس ويتشهد.
ولو شكَّ في عدد الركعات، أو في ركن من أركان الصلاة أنه هل أتى به أم لا؟ ثم تذكَّر أنه قد أتى به هل يلزمه سجود السهو؟
نظر إن كان مفعوله من وقت الشك إلى زمان التذكر مما يقطع على المغيب أن عليه فعله لا يلزمه سجود السهو، وإن كنا لا نقطع أن عليه فعله يلزمه سجود السهو.
بيانه: إذا شك في القيام من صلاة الظهر أن هذه ثالثته أم رابعته؟ فبنى على اليقين فركع وسجد على هذا الشك، ثم تذكر قبل القيام إلى الركعة الأخرى أنها ثالثته، أو رابعته لا يلزمه سجود السهو؛ لأن هذه الأفعال كانت عليه في المحتملين جميعاً قطعاً، فإن لم يتذكر حتى قام إلى الركعة الأخرى يلزمه سجود السهو، وإن تذكر أنها كانت ثالثته، وهذه رابعته؛ لأنا لم نكن نقطع على المغيب أن عليه فعل هذا القيام؛ لأنه كان في أحد المحتملين أنه قام إلى الخامسة.
وإن وقع له هذا الشك في ركن، وزال الشك قبل الانتقال عن ذلك الركن، وكان ذلك الركن في أحد المحتملين قبل التذكر زائداً مثل أن شك في التشهد أنه صلى أربعاً أم خمساً؟ ثم تذكر أنه صلى أربعاً أو لم يتذكر لا سجود عليه؛ لأنه في الحقيقة شك في أنه هل سها أم لا؟ والأصل أنه غير ساهٍ.
ولو وقع له هذا الشك في السجود، فتذكر قبل أن يرفع رأسه أنه في الرابعة لا سجود عليه، وإن رفع رأسه، ثم تذكر أنه في الرابعة، نظر إن وقع له هذا الشك في السجود الأول، فرفع رأسه وسجد الثانية، ثم تذكر عليه سجود السهو، وإن وقع في السجود الثاني، فلا سجود عليه؛ لأن الرفع أمر لابدّ منه، فهو كما لو تذكر في السجود.
стр. 558
ولو شَكّ في التشهد أن هذا تشهده الأول، أو الثاني، فقرأ التشهد الثاني على الشك، ثم تذكر بعد ما قام، عليه سجود السهو، وإن بان أنه تشهده الأول؛ لأن هذا القيام زائد في أحد المحتملين، وإن تذكر قبل أن قام، سواء تذكر أنه تشهده الأول أو الثاني، لا سجود عليه؛ لأنه في أحد المحتملين عليه إلا أنه إذا بان أنه تشهده الثاني يجب عليه أن يعيد ما قرأ من التشهد في حال الشك؛ لأنه قراءة بنيَّة السُّنة.
ولو شك في القيام في صلاة المغرب أنها أولاه أو ثانيته؟ فأخذ باليقين أنها أولاه، فأتم تلك الركعة، وقام على الثانية، ثم تذكر، نظر، إن تذكر أنه قام على الثالثة، عليه سجود السهو لترك التشهد الأول، وإن تذكر أنه قام إلى الثانية، فلا سجود عليه.
وإن كان في أحد المحتملين أنه قام على الثالثة، وترك التشهد الأول، لأن هذا القيام في المحتملين كان عليه وسجود السهو لو لزمه [لزمه] بترك التشهد الأول، وبان أنه لم يتركه.
فصلٌ
روي عن عبد الله ابن بحينة أن النبي- ﷺ صلى الظهر، فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس، فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة، وانتظر الناس تسليمه كبّر، وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم.
стр. 559
القعود للتشهد الأول، والقنوت في الوتر في النصف الأخير من شهر رمضان سُنتان لو ترك واحداً منهما ناسياً يلزمه سجود السهو، ولو ترك عامداً ففيه وجهان:
أصحهما: يسجد؛ لأنه إذا لزمه السجود بالسهو فبالعمد أولى؛ لأنه أفحش.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة- لا يسجد؛ لأنه سجود مضاف إلى السهو، فلا يلزم بالعمد، فإذا نسي التشهد الأول قعوداً أو قراءة، فقام ثم تذكر بعدما اعتدل قائماً لا يجوز أن يعود؛ لأن القيام فرض، فلا يجوز أن يعود منه إلى السُّنة، فإن عاد عالماً بطلت صلاته، وإن
стр. 560
عاد ساهياً لم تبطل صلاته، فإن تذكر عليه أن يقوم في الحال ولو عاد جاهلاً بالحكم هل يعيد؟ فيه وجهان:
أصحهما: يعذر كالناسي؛ لأنه مما يخفى على العوام، وإن قام فتذكر قبل أن يعتدل قائماً يعود ويتشهد، وهل يسجد للسهو أم لا؟ ينظر إن كان إلى الجلوس أقرب، وهو أن يكون قبل انتصاب الساقين لا يسجد للسهو، وإن كان إلى القيام أقرب سجد للسهو؛ لأن ذلك القدر لو فعله عمداً في غير موضعه تبطل صلاته.
والدليل عليه ما روي عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله- ﷺ قال: إذا قام الإمام في الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً فليجلس، وإن استوى قائماً، فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو، وكذلك لو ترك القنوت، فتذكر بعدما وضع جبهته على الأرض
стр. 561
لا يجوز أن يعود، فإن عاد بطلت صلاته، وإن تذكر قبل أن يضع جبهته يعود، ويقنت، ثم إن عاد بعد بلوغه حد الراكعين يلزمه سجود [للسهو]، وإن عاد قبل بلوغه هذا الحدَّ لا يلزمه سجود السهو.
ولو كان يصلي مع الإمام فترك الإمام التشهد الأول، وقام، أو ترك القنوت وسجد لا يجوز للمأموم أن يشتغل به، فلو فعل بطلت صلاته، بل يجب عليه متابعة الإمام، فلو خرج عن متابعته وتشهد، فهو خروج بالعذر.
ولو قعد الإمام للتشهد الأول، فقام المأموم ساهياً، يجب عليه أن يعود؛ لأن متابعة الإمام فرض، فإن لم ينتبه حتى قام الإمام لا يجوز أن يعود، فلو نسي الإمام التشهد، فقام، وقام المأموم معه، ثم عاد الإمام لا يجوز للمأموم أن يعود معه، بل يخرج عن متابعته، فلو انتظره قائماً وحمل عوده على النسيان هل يجوز؟ فيه وجهان.
ولو ترك التشهد الأول عمداً، ثم عاد قبل أن اعتدل قائماً، نظر إن عاد بعد ما صار إلى القيام أقرب بطلت صلاته، وإن عاد قبله لا تبطل صلاته، وكذلك القُنُوت.
فصلٌ
إذا جلس في الركعة الأولى على اعتقاد أنها ثانيته، نظر إن زاد جلوسه على جلسة الاستراحة يلزمه سجود السهو، سواء قرأ شيئاً من التشهد، أو لم يقرأ، وإن فعله عمداً بطلت صلاته، وإن لم يزد، نظر إن لم يقرأ شيئاً من التشهد، لا سجود عليه؛ لأن هذا الجلوس سُنة، ولو أوجبنا سجود السهو لقصده عن غيره، لأوجبنا بمجرَّد عمل القلب، ومجرد عمل القلب لا يوجب سجود السهو.
وإن قرأ شيئاً من التشهد وإن قلَّ، فهو كما لو تشهد في القيام أو قرأ الفاتحة في التشهد ساهياً، فيلزمه سجود السهو، كما لو سجد أو ركع في غير محله، هذا هو المذهب،
стр. 562
وقيل: لا يلزمه سجود السهو؛ لأن حكم الذِّكر أخف من حكم الفعل ولو فعله عمداً، والمذهب أن صلاته لا تبطل.
وقيل: تبطل، وكذلك لو مد الاعتدال عن الركوع في غير محل القنوت [بالقنوت]، أو بذكر آخر، أو بالسكوت، أو أطال القعود بين السجدتين عمداً، بطلت صلاته، ولو سها يلزمه سجود السهو، فلو لم يطل، لكنه قرأ [فيه] التشهد، أو الفاتحة، أو قنت، فالمذهب أنه يلزمه سجود السهو، وإن تعمد فالمذهب أن صلاته لا تبطل.
واعلم أن سجود السهو إنما يجب بأحد أمرين: إما بترك مأمور، أو بارتكاب منهيّ أما ترك المأمور، فما يوجب عمده بطلان الصلاة يوجب سهوه سجود السهو، مثل أن يترك ركوعاً أو سجوداً أو قراءة، وما لا يوجب عمده بطلان صلاته، مثل إن ترك قراءة السورة، وتكبيرات الانتقالات والتسبيحات والجهر والإسرار وغيرها من السنن، فسهوه لا يوجب سجود السهو إلى الأبعاض، وهي التشهد الأول قعوداً وقراءة؛ والقنوت والصلاة على النبي- ﷺ في التشهد الأول على أحد قولين، فإن تركها عمداً لا توجب بطلان الصلاة، ولو تركها سهواً يلزمه سجود السهو.
وأما ارتكاب المنهي، فما يوجب عمده بطلان الصلاة، يوجب سهوه سجود السهو، إن لم تبطل الطهارة، وذلك مثل أن يتكلم أو يسلم في غير موضعه، أو يعمل عملاً، أو يزيد ركوعاً، أو سجوداً، أو قياماً، أو قعوداً.
وما لا يوجب عمده بطلان الصلاة، فسهوه لا يوجب سجود السهو، مثل الالتفات، والخطوة والخطوتين، إلا نفل القراءة، فإن عمده لا يوجب بطلان الصلاة على ظاهر المذهب، وسهوه يوجب سجود السهو.
أما إذا أحدث فيستوي عمده وسهوه؛ لأنه يبطل الطهارة في الحالين.
فصلٌ
الترتيب في أركان الصلاة واجب، فإن ترك عمداً بأن سجد قبل الركوع، أو ركع قبل القراءة، بطلت صلاته، وإن سها عليه أن يعود إلى الركن المتروك.
بيانه: إذا نسى السجدة الأخيرة من الركعة الأولى فقام، ثم تذكَّر، لا يخلو إما أن يذكر قبل أن يسجد، أو بعد ما سجد.
стр. 563
فإن تذكر قبل أن يسجد في الثانية، عليه أن يعود لإتمام الركعة الأولى، حتى لو كان في الركوع لا يجوز أن يعتدل قائماً، بل يهوي، ثم ينظر إن كان قد قعد بين السجدتين في الركعة الأولى يهوي إلى السجود، هذا هو المذهب.
وإن لم يكن قد قعد بين السجدتين، فإنه يجلس، ثم يسجد.
وقيل: يهوي إلى السجود، ولا يجلس؛ لأن الجلوس بين السجدتين للفصل بينهما، وقد حصل الفصل بالقيام، وليس بصحيح؛ لأن الجلوس فريضة، فلا يقوم القيام مقامه، كما لا يقوم الجلوس مقام التشهد.
وإن كان قد جلس بين السجدتين بنية جلسة الاستراحة، أو بنية التشهد الأول، فقد قيل: يعود ساجداً، ويحسب هذا الجلوس غير الجلوس بين السجدتين.
والمذهب أنه لا تحسب، لأنه جلس بنيَّة السُّنة، فلا يقوم مقام الفرض، كما لو سجد للتلاوة، أو للسهو لا يقوم مقام [سجود] الفرض، بل عليه أن يجلس ثم يسجد.
وإن وقع هذا في الركعة الأخيرة، فجلس بنيَّة التشهد الأخير، قام مقام القعود بين السجدتين؛ لأنه فرض.
أما إذا تذكَّر بعد أن سجد في الثانية نظر إن تذكر في السجدة الأولى، وكان قد قعد بين السجدتين، تمَّت الأولى بهذه السجدة، فعليه أني قوم، فإن لم يكن قد قعد بين السجدتين، فلا تتم أولاه بهذه السجدة، بل يقعد، ثم يسجد الثانية حتى يتم الركعة الأولى، ثم يقوم، وأعماله في الثانية كلا عملٍ إلا هذه السجدة الواحدة.
وإن تذكر في السجدة الثانية تمَّت الأولى بإحدى السجدتين، إما بالأولى إن كان قد قعد بين السجدتين، أو بالثانية إن لم يكن قد قعد، فيقوم إلى الركعة الثانية.
وإذا صلى صلاة ذات أربع ركعات، ففي التشهد الأخير تذكر أنه نسي سجدة منها، نظر إن علم أنه نسيها من الأخيرة سجدها، واستأنف التشهد، وسجد للسهو وسلم، وإنما قلنا: يسجد للسهو؛ لأنه طوَّل الجلوس بين السجدتين بالتشهد، فإن لم يكن طوَّل، ولا قرأ شيئاً من التشهد لا يلزمه سجود السهو، وإن علم أنه تركها من إحدى الركعات الثلاث، أو لم يدرِ أنه ترك من الركعة الأخيرة، أو من إحدى الثلاث يأخذ بأسوأ الأحوال، وهو أنه تركها من إحدى الثلاث، فعليه أني قوم ويصلي ركعة، ويسجد للسهو.
وإنما قلنا: يصلي ركعة؛ لأنه إن تركها من الأولى تمَّت الأولى بالثانية، وأعماله في
стр. 564
الثانية كلا عملاٍ، وإن ترك من الثانية تمَّت الثانية بالثالثة، وأعماله في الثالثة كلا عمل. وإن ترك من الثالثة تمَّت الثالثة بالرابعة وأعماله في الرابعة كلا عملٍ، فعليه أن يصلِّي ركعة.
وإن تذكر أنه نسي سجدتين، ولا يدري كيف تركهما من الرَّكعة الأخيرة، أو من إحدى الركعات، وعلم أنه تركهما من ركعة واحدة، حصل له ثلاث ركعات، فعليه أن يقوم ويصلِّي ركعة، وإن شك لم يدرِ أنه تركهما من ركعة واحدة، أو من ركعتين، يحصل له ركعتان لاحتمال أنه ترك واحدة من الأولى، وواحدة من الثانية تتم الأولى بالثانية، وتتم الثالثة بالرابعة، واعماله فيما بينهما كلا عملٍ، فيقوم ويصلِّي ركعتين.
وإن تذكر أنه نسي ثلاث سجدات لا يدري كيف تركها؟ يحصل له ركعتان، يجعل كأنه ترك من كل ركعة من الأوليات سجدة.
وإن نسي أربع سجدت تجعل له ركعتان إلا سجدة، يجعل كأنه ترك من الأولى سجدة، ومن الثالثة سجدتين، ومن الرابعة سجدة، تمت الأولى بالثانية، وصارت رابعته ثانيته، فيسجد في الحال سجدة، حتى تتم هذه الركعة، ثم يقوم ويصلّي ركعتين.
وإن نسيَ خمس سجدات، حصلت له ركعة، يجعل كأنه ترك من الأولى سجدة، ولم يسجد في الثانية، ولا في الثالثة، وسجد في الرابعة سجدة، تتم الأولى بهذه السجدة، فيقوم ويصلي ثلاث ركعات.
ولو ترك ست سجدات، يحصل له ركعة.
وإن ترك سبع سجدات فركعة إلا سجدة يسجد في الحال سجدة، ثم يقوم، ويصلي ثلاث ركعات، هذا كله فيما إذا علم أنه قعد بين السجدتين، ثم نسي السجدة الثانية، أو قلنا بالوجه البعيد أن القيام يقوم مقام القعود بين السجدتين.
فإن قلنا: لا يقوم مقامه، ولم يكن قعد بين السجدتين، أو شكّ هل قعد أم لا؟ فإذا شك في أربع سجدات، لا يحصل له إلا ركعة ناقصة سجدة، ثم قعود للتشهد الأخير، يقوم مقام القعود بين السجدتين، فيسجد سجدة أخرى، ويقوم ويصلّي ثلاث ركعات.
ولو أن مسافراً شرع في الظهر بنيَّة القصر، فصلاها أربع ركعات ساهياً، وترك من كل ركعة سجدة حصلت له ركعتان، وصحت صلاته، فيسجد للسهو، ويسلم، وكذلك الجمعة لو صلاها أربعاً سهواً.
كذلك لو قعد للتشهد في صلاة الصبح، فتذكر أنه ترك ركوعاً، نظر إن علم أنه ترك من الأولى، تمَّت الأولى بركوع الثانية، وما قبل الركوع لغوٌ، فيقوم ويصلي ركعة، وإن علم أنه ترك من الثانية يعود إلى القيام، ثم إلى الركوع، ويعيد السجدتين والتشهد.
стр. 565
وإن شك لم يدرِ من أيهما ترك، يجعل كأنه ترك من الأولى، فيقوم ويصلّي ركعة ولو كان في الركوع من الرَّكعة الثانية، فتذكر أنه ترك الفاتحة من إحدى الركعتين، نظر إن علم أنه ترك من الأولى، فهذه الركعة أولاه يتمُّها، ويصلي ركعة أخرى، وإن علم أنه تركها من الثانية يعود إلى القيام فيقرأ ثم يركع.
وإن شك لم يدر من أيهما ترك، يجعل كأنه ترك من الأولى، وحصل له قيام وركوع، فيمضي في ركعة فيتمها، ثم يقوم ويصلي ركعة أخرى.
وإن تيقَّن في آخر الصلاة أنه ترك ركناً يعرف عينه، يجب عليه أن يصلي ركعة كاملة إذا تحقق الإتيان بالنية والتكبير، فإن شك في واحد منهما عليه استئناف الصلاة.
فصلٌ
إذا شك المصلّي أنه هل سها أم لا؟ أو هل ارتكب منهياً؟ فلا سجود عليه؛ لأن الأصل عدم السهو، وكذلك لو شك في الجملة أنه هل ترك مأموراً أم لا؟ فلا سجود عليه.
أما إذا شك مفصلاً، نظر إن كان في ارتكاب منهي، مثل أن شك هل تكلم ناسياً؟ أو هل سلم في غير موضعه؟ أو هل شك في عدد الركعات فبنى على اليقين؟ فالأصل أنه لم يفعل، ولا سجود عليه وإن شك في ترك مأمور، مثل أن شك هل ترك مأمور كذا؟ فالأصل أنه لم يأت به، وكذلك لو شك هل قعد للتشهد الأول، أو هل قنت أم لا؟ فالأصل أنه لم يأت به، فعليه سجود السهو ولو تيقن السهو، لكنه لم يدرِ أنه ترك مأموراً وارتكب منهياً يجب عليه سجود السهو؛ لأن السهو يقينٌ، ولو تيقَّن السهو، وشكّ أنه هل سجد لسهو أم لا؟ فالأصل أنه لم يسجد، فعليه أن يسجد، وكذلك لو شك أنه سجد للسهو واحدة أو ثنتين، سجد سجدة أخرى، فإذا سجد ثم تحقق أنه كان قد سجد سجدتين، لا يلزمه أن يسجد ثانياً؛ لأنه سهو في سجود السهو، والسهو في سجود السهو لا يوجب سجود السهو، حتى لو تكلم في سجدتي السهو، أو في أحدهما، أو سلّم بينهما لا يلزمه سجود السهو؛ لأنه لا يمن من وقوع مثله في السجود فيؤدي إلى ما لا يتناهى كما يقال في اللغة: التصغير لا يُصغّر.
وقال صاحب "التلخيص": إذا سها بعد سجدتي السهو، يلزمه سجود السهو؛ لأن السجود السابق لا يجبر سهواً وقع بعده، والأول المذهب للاتفاق على أنه لو سجد ثلاثاً لا يلزمه سجود السهو.
أما السهو بسجود السهو موجب سجود السهو، مثل أن شك هل قعد للتشهد الأول أو هل قنت أم لا؟ فسجد للسهو، ثم بان أنه قد أتى به، يلزمه أن يسجد ثانياً، لأن سهوه هذا السجود، فعليه جبرُهُ.
следующие страницы →