← Каваид фикха

Каваид фикха · id 17894

قواعد ابن رجب - ت مشهور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 699 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

القاضي وأصحابه نظرًا إلى توزيع العوض بالقيمة؛ فيؤدي ذلك [ها هنا] (١) إلى تعين المفاضلة؛ [إذ] (٢) ليس ها هنا شيء من غير الجنس يجعل في مقابلة الفاضل. والثاني: الجواز ها هنا، وهو طريق أبي بكر، ورجحه صاحب "المغني" (٣) و"التلخيص" نظرًا إلى أن الجودة والرداءة لا تعتبر في الربويات مع اتحاد النوع؛ فكذا في الجنس الواحد، والتقسيط إنما يكون في غير أموال الربا (٤) أو في غير الجنس، بدليل ما لو باع نوعًا بنوع يشتمل على جيد ورديء؛ فإن المذهب جوازه، ولكن ذكر أبو الخطاب في "انتصاره" [فيه] (٥) احتمالًا بالمنع، ونقل ابن القاسم عن أحمد إن كان نقدًا؛ لم يجز، وإن (٦) كان ثمرًا؛ جاز، والفرق أن أنواع الثمار يكثر اختلاطها ويشق تمييزها، بخلاف أنواع النقود، وهذا كله فيما إذا كان الربوي مقصودًا بالعقد، فإن كان غير مقصود بالأصالة، وإنما هو تابع لغيره؛ فهذا ثلاثة أنواع: أحدها: ما لا يقصد عادة ولا يباع مفردًا؛ كتزويق الدار ونحوه؛ فلا يمنع من البيع بجنسه بالاتفاق.

стр. 1087

والثاني: ما يقصد تبعًا لغيره وليس أصلًا لمال (١) الربا؛ كبيع العبد ذي المال بمال من جنسه إذا كان المقصود الأصلي هو العبد، وفيه ثلاثة طرق (٢): أحدها: إنه يصح، رواية واحدة، سواء قلنا: إن العبد يملك أوْ لا يملك، وهي طريقة أبي بكر والخرقي (٣) والقاضي في "خلافه" وابن عقيل في موضع من "فصوله" وصاحب "المغني" (٤)، وهي المنصوصة عن أحمد. والثانية: البناء على ملك العبد، فإن قلنا: يملك؛ صح (٥)؛ لأن المال ملك العبد؛ فليس بداخل في عقد البيع؛ كمال المكاتب لا يدخل معه في بيعه، وإن قلنا: لا يملك اعتبر له شروط البيع، وهي طريقة القاضي في "المجرد" وأبي الخطاب في "انتصاره". والثالثة: طريقة صاحب "المحرر" (٦): إن قلنا: لا يملك [اعتبر] (٧) له شروط البيع، وإن قلنا: يملك؛ فإن كان مقصودًا اعتبر له ذلك وإلا؛ فلا.

стр. 1088

وأنكر القاضي في "المجرد" أن يكون القصد وعدمه معتبرًا في صحة العقد في الظاهر، وهو عدول عن قواعد المذهب وأصوله. النوع الثالث: ما لا يقصد، وهو تابع لغيره، وهو أصل لمال الربا إذا بيع (١) بما فيه منه، وهو ضربان: أحدهما: أن يمكن إفراد التابع بالبيع؛ كبيع نخلة عليها رطب برطب، وفيه طريقان: أحدهما: وهو طريق القاضي في "المجرد": المنع؛ لأنه مال مستقل بنفسه، فوجب اعتبار أحكامه بنفسه منفردًا عن حكم الأصل. والثاني: الجواز، وهو (٢) طريقة أبي بكر والخرقي (٣) وابن بطة والقاضي في "الخلاف" كما سبق في بيع العبد ذي المال، واشترط ابن بطة وغيره أن يكون الرطب غير مقصود، وكذلك (٤) شرط في بيع النخلة التي عليها ثمر لم يبد صلاحه: أن يكون الثمر غير مقصود، ونص أحمد عليه في "رواية إبراهيم بن الحارث" و"الأثرم"، وتأوله القاضي لغير معنى (٥) , ومعنى قولنا: غير مقصود؛ أي: بالأصالة، وإنما المقصود الأصلي (٦) الشجر، والثمر مقصود تبعًا.

стр. 1089

والضرب الثاني: أن لا يكون التابع (١) مما يجوز (٢) إفراده بالبيع؛ كبيع شاة لبون بلبن أو ذات صوف بصوف، وبيع التمر (٣) بالنوى؛ فيجوز ها هنا عند القاضي في "المجرد" وابن حامد وابن أبي موسى، ومنع منه أبو بكر والقاضي في "خلافه"، وقد حكى في المسألة روايتان عن أحمد، ولعل المنع يتنزل على ما إذا كان الربوي مقصودًا والجواز على عدم القصد، وقد صرح باعتبار عدم القصد ابن عقيل وغيره ويشهد له تعليل الأصحاب كلهم الجواز بأنه تابع غير مقصود. واعلم أن هذه [المسائل مقتطعة] (٤) عن مسائل مد عجوة، فإن (٥) القول بالجواز فيها لا يتقيد بزيادة المفرد على ما معه [غيره] (٦). وقد نص [عليه] (٦) أحمد في بيع العبد الذي له مال بمال دون الذي معه، وقاله القاضي في "خلافه" في مسألة العبد والنوى بالتمر (٧)، وكذلك المنع فيها مطلق عند الأكثرين. ومن الأصحاب من خرجها أو بعضها على مسائل مد عجوة؛ ففرق بين أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره أولًا، وقد صرح به طائفة من

стр. 1090

الأصحاب؛ كأبي الخطاب وابن عقيل في مسألة العبد ذي المال، وكذلك حكى أبو الفتح الحلواني رواية في بيع الشاة ذات الصوف واللبن بالصوف ؤاللبن أنه يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر مما في الشاة من جنسه، ولعل هذا مع قصد اللبن والصوف بالأصالة والجواز مع عدم القصد؛ فيرتفع الخلاف حينئذ، واللَّه أعلم. وإن حمل على إطلاقه؛ فهو متنزل على أن التبعية ها هنا لا عبرة بها، وأن الربوي التابع لغيره كالمستقل (١) بنفسه، [واللَّه أعلم] (٢). - (ومنها): إذا باع رجل عبدين له من رجلين بثمن واحد؛ فإن المبيع يقع شائعًا بينهما؛ فيكون لكل رجل (٣) منهما نصف كل عبد. ولا يتخرج هنا وجه آخر: أن يكون لكل واحد عبد؛ لأنه يلزم من ذلك عدم تعيين المبيع؛ فيفسد البيع. نعم، لو كان العقد مما يصح مبهمًا (٤)؛ كالوصية والمهر والخلع توجه هذا التخريج فيه، ولو أقر لرجل بنصف عبدين، ثم فسره بعبد معين قبل بخلاف ما إذا أقر له بنصف هذين العبدين، ثم فسره بأحدهما، ذكره صاحب "الترغيب"؛ لأن الأول مطلق، فيصح تفسيره بمعين؛ كما لو قال لزوجته: أنت طالق نصف طلقتين (٥)؛ فإنها تطلق واحدة، وأما إذا أوصى

стр. 1091

له بثلث ثلاثة أعبد، ثم استحق منهم اثنان؛ فهل يستحق ثلث الباقي أو كله؟ فيه وجهان، وهذا قد يتوهم منه قبول التفسير بعبد مفرد مع التعيين، وليس كذلك، بل مأخذ هذين الوجهين أنه هل يدخل العبيد ونحوهم (١) قسمة الإجبار أم لا؟ وفيه وجهان، والمنصوص دخولها. - (ومنها): إذا رهنه اثنان عينين أو عينا لهما صفقة واحدة على دين له عليهما، مثل أن يرهناه دارًا لهما على ألف درهم له عليهما؛ فنص (٢) أحمد في "رواية مُهَنَّأ" على أن أحدهما إذا قضى ما عليه ولم يقض الآخر: إن الدار رهن (٣) على ما بقي. وظاهر (٤) هذا أنه جعل نصيب كل واحد رهنًا بجميع (٥) الحق توزيعًا للمفرد على الجملة، لا على المفرد، وبذلك جزم أبو بكر في "التنبيه" وابن أبي موسى وأبو الخطاب، وهو المذهب عند صاحب "التلخيص". قال القاضي [في "الخلاف"] (٦): هذا بناءً على الرواية التي تقول:

стр. 1092

إن عقد الاثنين مع الواحد في حكم الصفقة الواحدة، فأما (١) إذا قلنا بالمذهب الصحيح: أنهما في حكم عقدين؛ كان نصيب كل واحد مرهونًا بنصف الدين. قال: ويجوز أن يكون كل منهما (٢) لما رهن صار كفيلًا عن صاحبه؛ فلا ينفك الرهن في نصيبه حتى بؤدي جميع (٣) ما عليه. وتأوله [أيضًا] (٤) في موضع آخر على أن كل واحد منهما كان كفيلًا عن صاحبه، فإذا قضى أحدهما؛ لم ينفك حقه من الرهن؛ لأنه مطالب بما ضمنه، قال: وأما إن لم يضمن كل واحد منهما [ما] (٤) على صاحبه؛ فله الرجوع بقدر حصته، وليس في كلام أحمد ما يدل على الضمان، وقد نبه على ذلك الشيخ مجد الدين وقال: على هذا يصح الرهن ممن ليس الدين عليه، وعلى الأول لا يصح (٥). [وتأول القاضي أيضًا] (٦) في "المجرد" وابن عقيل وصاحب "المغني" (٧) كلام أحمد على أن الرهن انفك في نصيب الموفي للدين، لكن ليس للراهن مقاسمة المرتهن؛ لما عليه من الضرر، لا بمعنى (٨) أن

стр. 1093

العين تكون (١) كلها رهنًا، وبمثل ذلك تأول صاحب "المغني" ما قاله أبو الخطاب والحلواني وغيرهما فيمن رهن عند رجلين فَوَفَّى (٢) أحدهما أنه يبقى جميعه رهنًا عند الآخر (٣)، وتأويله (٤) على المنع من المقاسمة ضعيف (٥) لوجهين: أحدهما: أن أحمد نص على أن الدار رهن على ما بقي. والثاني: أن انفكاك أحد النصيبين (٦) وقبض صاحبه له لا يتوقف على المقاسمة؛ فإن الشريك يقبض نصيبه [من] (٧) المشترك من غير اقتسام، ويكون قبضًا صحيحًا؛ إذ القبض يتأتى في المشاع. ويشبه هذه المسألة ما إذا كاتب عبدين له صفقة بعوض (٨) واحد، ثم أدى أحدهما حصته من الكتابة؛ هل يعتق أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يعتق، وهو اختيار القاضي وأصحابه؛ لأنه أدى ما يخصه؛ فهو كما لو أدى أحد المشتريَيْن حصته من الثمن؛ فإنه يتسلم نصيبه

стр. 1094

تسلمًا (١) مشاعًا عند الأصحاب. وما ذكره في "المغني" من منع التسليم [في هذه المسألة] (٢)؛ فهو يرجع إلى أنه لا يتسلم العين كلها، وهذا صحيح، وقد صرح به القاضي في "الخلاف" و"الجامع الصغير". والوجه الثاني: إنه لا يُعتَق واحدٌ منهما حتى يؤديان جميع مال الكتابة، وهو قول أبي بكر وأبن أبي موسى، ونقل مُهَنَّأ عن أحمد ما يشهد له، واختلف (٣) مأخذه؛ فقيل: لأن عتق الكتابة (٤) معلق بشرط؛ فلا يقع إلا بعد كمال شرطه، وهو ها هنا أداء جميع المال، وهذا بعيد على أصل أبي بكر؛ لأنه يرى أن الكتابة عقد معاوضة محضة لا تعليق فيها بحال، وقيل: لأن كل واحد منهما (٥) كفيل ضامن عن صاحبه؛ فلا يعتق حتى يؤدي جميع ما عليه، وقيل: لأنها صفقة واحدة؛ فلا تتبعض، وهذا قد يرجع إلى الضمان أيضًا، كأنه التزم كل واحد منهما الألف عنه وعن صاحبه؛ فيكون توزيعًا على الجملة (٦) إذ لو لم يلزم أحدهما أداء جميع المال؛ لما وقف عتقه على أدائه. وقد اختلف كلام القاضي وابن عقيل في ضمان كل منهما عن

стр. 1095

الآخر؛ فنفياه تارة وأثبتاه أخرى. ونقل ابن منصور عن أحمد في رجل له على قوم حق أنه كتب في كتابهم: أيهم شئت أخذت بحقي منه يأخذ أيهم شاء، ومفهومه أن الغرماء لا ضمان بينهم بدون الشرط [بحال] (١). - (ومنها): لو وضع المتراهنان الرهن على يدي عدلين، وكانا عينين منفردين، أو كان مما يقسم؛ كالمكيل والموزون؛ فهل لهما اقتسامه (٢) وانفراد كل واحد منهما بحفظ نصفه (٣) أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يجوز ذلك، قاله القاضي في "المجرد" توزيعًا للمفرد على المفرد؛ فيكون كل واحد منهما أمينًا على نصفه، وصرح القاضي بذلك. وعلى هذا، فلو دفع أحدهما النصف المقسوم الذي بيده إلى الآخر؛ فتلف [في يده] (٤)؛ فهل يضمنه؟ على احتمالين ذكرهما القاضي؛ لأنه انفرد به بعد القسمة، بخلاف ما إذا سلم الكل قبل القسمة؛ فإنه لا يضمن، كذا قال القاضي. وقال مرة أخرى: يضمن نصفه أيضًا.

стр. 1096

والثاني: لا يجوز اقتسامه، بل يتعين حفظه كله على كل واحد منهما مجتمعين، وهو قول القاضي في "خلافه" وابن عقيل وصاحب "المغني" (١) و"التلخيص"؛ لأن المتراهنَيْن إنما رضيا بحفظهما جميعًا؛ فلا يجوز لهما الانفراد؛ كالوصيين والوكيلين (٢) في البيع. وعلى هذا تخرج (٣) الوديعة لاثنين والوصية بالنسبة إلى الحفظ خاصة دون التصرف؛ فإنه لا يستقل أحدهما بشيء منه. وقد روي عن أحمد ما يدل على جواز انفراد كل واحد منهما بنصف التصرف؛ فنقل عنه حرب فيمن قال لرجلين: تصدقا عني بألفي درهم من ثلثي. فأخذ كل واحد ألفًا فتصدق بها على حدة ليكون أسهل عليهما؛ فلم ير به بأسًا، وهذا قد يختص بالصدقة لحصول المقصود بها (٤) بالانفراد، بخلاف غيرها من التصرفات التي يقصد [بها] (٥) الحظ والغبطة والكسب. قال في "التلخيص": ولو وكل اثنين في المخاصمة؛ لم يكن لواحد الاستبداد بها؛ كالوصيين ووكيلي التصرف، ويحتمل أن يكون له لأن العرف في الخصومة يقتضيه بخلاف غيرها. انتهى. وقال أيضًا (٦): ولو تعدد المعين؛ فاحتمالان (يعني: في تعدد

стр. 1097

الصفقة واتحادها). - (ومنها): الضمان، فإذا ضمن اثنان دين (١) رجل لغريمه؛ فهل كل واحد منهما ضامن لجميع الدين أو بالحصة؟ على وجهين: أحدهما: كل منهما ضامن للجميع، نص عليه أحمد في رواية مُهَنَّأ في رجل له على رجل ألف درهم؛ فكفل بها كفيلان كل واحد منهما كفيل ضامن؛ فأيهما شاء أخذ جميع حقه منه، وكذلك قال أبو بكر (٢) فيمن قال [في السفينة] (٣) لرجل: ألق متاعك في البحر على أني وركبان السفينة ضمناء، فألقاه؛ ضمنه دونهم إلا أن يتطوعوا بالضمان معه، وقد يكون مأخذ أبي بكر أن هذا من باب التغرير؛ فإنه إنما ألقاه ظنّاَّ (٤) منه أن قيمته ترد عليه اعتمادًا على قول هذا القائل؛ فلذلك لزمه الضمان [كله] (٥). وعلى هذا؛ فيفرق بين أن يكون صاحب المتاع عالمًا بالحكم أو جاهلًا به. والوجه الثاني: أن الضمان بالحصة إلا أن يصرحوا بما يقتضي خلافه، مثل أن يقولوا: ضمنا لك، [و] (٦) كل واحد [منا] (٦) الألف التي لك

стр. 1098

على فلان فإن كل واحد يلزمه الألف حينئذ. وأما مع إطلاق ضمان الألف منهم؛ فبالحصة (١)، وهذا قول القاضي في "المجرد" و"الخلاف" وصاحب "المغني" (٢). وذكر ابن عقيل في المسألة احتمالين، وبناه القاضي على أن الصفقة تتعدد بتعدد الضامنين؛ فيصير الضمان موزعًا عليهما. وعلى هذا، فلو كان المضمون دينًا متساويًا على رجلين، فهل يقال: كل [واحد] (٣) منهما ضامن لنصف الدينين، أو كل منهما ضامن لأحدهما بانفراده؟ إذا قلنا بصحة ضمان المبهم يحتمل وجهين، والأول أشبه بكلام الأصحاب، وشبيهه بهذه المسألة ما إذا كفل اثنان شخصًا لآخر، فسلمه أحدهما إلى المكفول له؛ فهل يبرأ الكفيل الآخر أم لا؟ على وجهين: أشهرهما: إنه لا يبرأ؛ لأنهما كفالتان، والوثيقتان إذا انحلت إحداهما بغير توفية؛ بقيت الأخرى؛ كالضامنين إذا أُبرئ (٤) أحدهما، وهذا قول القاضي وأصحابه. والثاني: يبرأ؛ لأن التوفية قد وجدت بالتسليم؛ فهو كما لو سلم

стр. 1099

المكفول نفسه أو وفى أحد الضامنين الدين، وهو احتمال في "الكافي" (١)، وقواه (٢) الأزجي في "نهايته"، وهو ظاهر كلام السامري في "فروقه" (٣)، وهو يعود إلى أنها كفالة واحدة، والأظهر أنهما [إن] (٤) كفلا كفالة اشتراك بأن (٥)

стр. 1100

قالا: كفلنا لك زيدًا نسلمه إليك، فإذا سلمه أحدهما؛ برئ الآخر؛ لأن التسليم الملتزم واحد؛ فهو كأداء أحد الضامنين للمال، وإن كفلا كفالة انفراد واشتراك بأن قالا: كل واحد منا كفيل لك بزيد؛ فكل منهما ملتزم له إحضارًا (١)؛ فلا يبرأ بدونه ما دام الحق باقيًا على المكفول؛ فهو كما لو كفلاه (٢) في عقدين متفرقين، وهذا قياس قول القاضي في ضمان الرجلين للدين (٣). واعلم أن عقود التوثقات والأمانات إذا اشتملت على جمل؛ فإنه يمكن فيها توزيع أفراد الجملة أو أجزائها على أفراد الجملة المقابلة لها، أو على أجزاء العين المقابلة لها؛ فيقابل كل مفرد لمفرد أو كل مفرد لجزء، أو كل جزء لجزء، ويمكن توزيع كل فرد من الجملة على مجموع أفراد الجملة الأخرى، أو أجزائها؛ فيثبت الاشتراك بالإِشاعة، ويكون العقد على هذين الاحتمالين واحدًا، ويمكن أن يثبت حكم التوثقة والأمانة بكماله لكل فرد فرد؛ فيكون (٤) ها هنا عقود متعددة، وقد ذكرنا في هذه المسائل التفريع على هذه الاحتمالات الثلاث. فأما عقود التمليكات؛ فلا يتأتى فيها الاحتمال الثالث، ولو قيل بتعدد الصفقة فيما يتعدد المتعاقدين لاستحالة أن يكون الملك ثابتًا في

стр. 1101

عين واحدة لمالكين على الكمال، وإنما يقع التردد فيها بين الاحتمالين الأولين، ويستثنى من ذلك صورتان: إحداهما (١): أن يوصى بعين لزيد ثم يوصى بها لعمرو، وتقول (٢): ليس برجوع (٣) كما هو المشهور من المذهب؛ فيكون كل (٤) منهما مستحقًّا للعين بكمالها، ويقع التراحم (٥) فيشتركان في قسمتها (٦)، فلو مات أحدهما قبل الموصى أوْ رد؛ لاستحقها الآخر بكمالها. والثانية: أن يقف على قوم معينين أو موصوفين، ثم على آخرين بعدهم؛ فإن كل واحد من الطبقة الأولى مستحق لجميع الوقف بانفراده، حتى لو لم يبق من الطبقة سواه لاستحق الوقف كله، هكذا ذكره القاضي والأصحاب. وقد نص أحمد (٧) في "رواية يوسف ابن موسى" (٨) و"محمد بن عبيد

стр. 1102

اللَّه المنادي" (١) فيمن وقف ضيعة على ولده وأولادهم وأولاد أولادهم أبدًا ما تناسلوا، فإن حدث بواحد منهم حدث الموت؛ دفع ذلك إلى ولد ولده (يعني: الواقف وولد أولادهم) يجري ذلك عليهم ما تناسلوا، وقد ولد لهؤلاء (٢) القوم الذين وقف (٣) عليهم أولاد [يدخلون مع أولادهم] (٤) في القسمة، أو يصير هذا الشيء إليهم بعد موت آبائهم (٥)، ومن مات منهم ولم يخلف ولدًا يرجع نصيبه إلى إخوته أم لا؟ قال: يجري ذلك على الولد وولد الولد يتوارثون ذلك حتى لا يكون للميت ولد، فيرد على الباقين من إخوته، وظاهر كلامه أنه (٦) يكون ترتيب أفراد بين كل ولد ووالده؛ لقوله (٧): يتوارثون ذلك، وجعل قول الواقف من

стр. 1103

مات عن ولد؛ فنصيبه لولده مقتضيًا لهذا الترتب ومخصصًا لعموم أول الكلام المقتضي للتشريك (١). وقد زعم الشيخ مجد الدين أن كلام القاضي في "المجرد" يدل على خلاف ذلك، وأنه يكون مشتركًا بين الأولاد وأولادهم، ثم يضاف إلى كل ولد نصيب والده بعد موته (٢)، وليس في كلام القاضي ما يدل على ذلك لمن راجعه وتأمله. وأما قوله: حتى لا يكون للميت ولد فيرد على الباقين من إخوته (٣)؛ فيعني به: أن من مات عن غير ولد؛ فنصيبه لإِخوته، وهذا قد يدل لما ذكره الأصحاب: إن من مات من طبقة انتقل نصيبه إلى الباقين منها بإطلاق الوقف (٤)، وقد يقال: لا دلالة فيه على ذلك؛ لأن هذا الواقف وقف على ولده وولد ولده أبدًا بالتشريك، فلو تُرِكْنَا وهذا (٥)؛ لشَرَكْنَا (٦) بين البطون كلها، لكنه استثنى من ذلك أن من مات عن ولد فنصيبه لولده؛ ففهم منه أن الولد لا يستحق مع والده، فيبقى ما عداه داخلًا في عموم أول الكلام،

стр. 1104

فاستحقاق الأخوة ها هنا متلقى من كلام الواقف. ومثل هذا لا نزاع فيه، إنما النزاع فيما إذا لم يدل كلام الواقف عليه ولا يقال: قد دل كلام الواقف عليه حيث جعله بعد تلك الطبقة لطبقة أخرى، فلم يجعل للثانية حقًّا فيه مع وجود الأولي؛ فدل على أن الأولى هي المستحقة ما دامت موجودة؛ لأنه قد يجاب عنه بأن نفي استحقاق الثانية مع وجود الأولى لا يدل على أن الأولى هي المستحقة لجميعه؛ لجواز صرفه مصرف (١) المنقطع؛ إلا أن هذا بعيد من مقصود الواقف، والأظهر من مقصوده ما ذكرنا؛ فعلى هذا يكون عوده إلى بقية الطبقة مستفادًا (٢) من معنى كلام الواقف، ويشبه ذلك ما لو وقف على فلان، فإذا انقرض أولاده؛ فعلى المساكين؛ فهل يكون بعد موت فلان لأولاده، ثم بعدهم (٣) للمساكين (٤) أو يصرف (٥) بعد موت فلان مصرف المنقطع حتى تنقرض (٦) أولاده، ثم يصرف للمساكين (٤) على وجهين مذكورين في "الكافي" (٧)، والأول (٨) قول القاضي وابن عقيل. ولنا في المسألة مسلك آخر، وهو أن يقال: الوقف تحبيس للمال في

стр. 1105

وجوه البر، والموقوف عليهم [هم] (١) المصرف المعين لاستحقاقه؛ فلا يمتنع (٢) أن يستحقه كل (٣) واحد منهم بانفراده، ويقع التزاحم فيه عند الاجتماع، بخلاف التمليكات المحضة، فإنه يستحيل (٤) أن يملك كل واحد من المملكين جميع ما وقع فيه التمليك، وهذا على قولنا: إن الموقوف عليه لا يملك عين الوقف أظهر، ويتعلق بهذا من مسائل التوزيع ما إذا وقف على أولاده ثم على أولاد أولاده أبدًا؛ فهل يقال: لا ينتقل إلى أحد من أولاد أولاده إلا بعد انقراض جميع أولاده، أو ينتقل بعد كل ولد إلى ولده؟ المعروف (٥) عند الأصحاب: الأول، وهو الذي ذكره القاضي وأصحابه ومن اتبعهم. وحكى الشيخ تقي الدين [رحمه اللَّه تعالى] (٦) وجهًا آخر بالثاني، ورجحه (٧)؛ فعلى الأول يكون من باب توزيع الجملة على الجملة، وعلى

стр. 1106

الثاني [هو] (١) من باب توزيع المفرد على المفرد. ويشهد لهذا من كلام أحمد ما رواه عنه يوسف بن موسى (٢) ومحمد ابن عبيد اللَّه المنادي في رجل أوقف ضيعة على أن لعلي بن إسماعيل ربع غلتها ما دام حيًّا، وربع منها لولد عبد اللَّه وولد محمد وولد أحمد بينهم بالسوية، وإن مات علي بن إسماعيل؛ فوزعوا هذين الربعين بين ولده وولد الثلاثة؛ ففعلوا ذلك، ثم إن بعض ولد علي بن إسماعيل مات وترك ولدًا؛ كيف نصنع بنصيبه يدفع إلى ولده أو يرد [على] (٣) شركائه؟ ولم يقل الميت: إن مات علي بن إسماعيل دفع إلى ولد ولده إنما قال: ولد علي ابن إسماعيل. قال [الإمام] (٤) أحمد: يدفع ما جعل لولد علي بن إسماعيل إلى ولده، فإن مات بعض ولد علي بن إسماعيل دفع إلى ولده أيضًا؛ لأنه قال: بين ولد علي بن إسماعيل، وهذا من ولد علي بن إسماعيل؛ فدل هذا الكلام على أصلين: أحدهما: أن ولد الولد داخل في مسمى الولد عند الإطلاق. والثاني: أنه إنما يستحقه ولد الولد بعد موت أبيه ويختص به دون طبقة أبيه المشاركين له، حيث ذكر أن [علي] (٥) بن إسماعيل توفي عن

стр. 1107

ولد، وأن بعض ولده توفي عن ولد، ونقل إلى هذا الولد نصيب أبيه مع وجود المشاركين للأب من إخوته. ووجه هذا أنه لما رتب بين علي بن إسماعيل وولده، ولم يجعل لولده شيئًا إلا بعد موته؛ فكذلك ينبغي أن يكون الترتيب بين ولده وولد ولده، وهذا خلاف ما ذكره الأصحاب من الوجهين في كيفية استحقاق ولد الولد إذا قيل بدخوله في مطلق الولد: [هل يستحق مع الولد مشركًا (١) أو بعد انقراض الولد] (٢)؟ كلهم مرتبًا ترتيب طبقة على طبقة؛ فإن أحمد جعله مرتبًا ترتيب أفراد بين كل ولد ووالده، فيؤخذ من ذلك أن من وقف على أولاده، ثم على أولادهم أبدًا: أنه (٣) يكون مرتبًا بين كل والد وولده [دون] (٤) بقية طبقته، وقد يفرق بينهما بأن الوقف ها هنا أولًا كان [بين] (٥) شخص وولده؛ فروعي هذا الترتيب في استحقاق ولده وولد ولده، وليس فيه طبقة (٦) بعد طبقة، ولكن سنذكر من كلام أحمد في مسألة التدبير ما يحسن تخريج هذا الوجه منه إن شاء اللَّه تعالى. - (ومنها): إذا علق طلاق نسائه أو عتق رقيقه على صفات متعددة،

стр. 1108

فوجد بعضها من بعض وباقيها من بعض آخر؛ فهل يكفي في وقوع الطلاق والعتاق مع قطع النظر عن الحنث بوجود بعض الصفة؟ فإن للأصحاب في الاكتفاء ببعض الصفة في الطلاق والعتاق طرقًا ثلاثة: إحداهن: أنه يكتفي بها كما يكتفي بذلك في الحنث في اليمين، وهي طريقة القاضي، [واستثنى في "الجامع" من ذلك أن تكون الصفة معاوضة] (١). والثانية: لا يكتفي بها؛ وإن اكتفينا ببعض المحلوف عليه في الحنث؛ لأن هذا شرط ومشروط وعلة ومعلول؛ فلا يترتب الأثر إلا على تمام المؤثر، وهي طريقة ابن عقيل وصاحب "المغني" (٢). والثالثة: إن كانت الصفة [تقتضي حضًّا أو منعًا] (٣) أو تصديقًا أو تكذيبًا؛ فهي كاليمين، وإلا؛ فهي علة محضة؛ فلا بد من وجودها بكمالها، وهي طريقة صاحب "المحرر" (٤). والقاضي يفرع على اختياره في هذه [المسائل] (٥)، فقال فيما إذا قال لعبيده: إذا أديتم إلي ألفًا؛ فأنتم أحرار؛ عتق كل واحد منهم بأداء حصته، وكذلك إذا قال لعبيده: إذا دخلتم الدار؛ فأنتم أحرار؛ عتق من دخل منهم؛

стр. 1109

لأن وجود الصفة تقوم مقام جميعها؛ فمتى أدى واحد منهم عتق، فكذا ذكره في باب الكتابة. ورده الشيخ مجد الدين، وقال: هو عندي خطأ يقينًا؛ لأن هذه الصفة لا تشتمل (١) على منع ولا حث. [انتهى] (٢). وعندي أنه لو صح الاكتفاء ببعض الصفة ها هنا؛ لم يصح ما قاله القاضي، ولم يتفرع على الاكتفاء ببعص الصفة؛ إذ لو كان التفريع على ذلك لعتقوا كلهم بأداء (٣) بعضهم لبعض الألف، وبدخول بعضهم الدار، وهذا خلاف قول القاضي، وإنما يتوجه ما قاله القاضي على أن يكون من باب توزيع المفردات على المفردات؛ فكأنه قال: من دخل منكم الدار؛ فهو حر، ومن أدى إلي حصته من الألف؛ فهو حر، وهذا لا تعلق له بمسألة الاكتفاء ببعض الصفة، وكلام أحمد يدل على اعتبار هذا التوزيع في مثل هذه التعليقات (٤)؛ فإنه نص في "رواية مُهَنَّأ" في عبد بين رجلين قالا له: إذا متنا فأنت حر، ثم مات أحدهما؛ عتقت حصته فقط، فإذا مات الآخر عتقت حصته. قال أبو بكر: لأنهما كالمعتقين على انفرادهما، وهذا هو المذهب عند أبي بكر وابن أبي موسى. وتعليل أبي بكر يدل على أنه جعله من باب توزيع المفرد على

стр. 1110

المفرد، كأنهما قالا: إن مات أحد منا فنصببه [منك] (١) حر، وتأول القاضي ذلك على أن العتق حصل بوجود بعض الصفة، ورده الشيخ مجد الدين بأن الصفة إنما يكتفى ببعضها إذا كانت [في معنى اليمين يقتضي حضًّا] (٢) أو منعًا، وما لم يكن كذلك؛ كطلوع الشمس وقدوم زيد؛ فلا يكتفى فيه بالبعض، ونقل الإجماع عليه (٣). وهو مردود من وجه آخر، وهو أنه لو أكتفي ببعض الصفة؛ [لعتق العبد كله عليها] (٤) بموت أحدهما، ولم يكن وجه لعتق نصيب أحدهما، وإنما لم يسر إلى نصيب صاحبه لأحد أمرين؛ إما لأن السراية تمنع بعد الموت كما هو إحدى الروايتين، أو لأن التدبير يمنع السراية، وهو أحد الوجهين. وخرج الشيخ مجد الدين المسألة [على] (١) روايتين من مسألة تعليق العتق على صفة بعد الموت (٥)؛ فإن في صحته روايتين: إحداهما: بصح هذا التعليق؛ فلا (٦) يعتق [منه] (٧) شيء هاهنا حتى يموت الآخر منهما، فيعتق العبد كله حينئذ. والثانية: لا يصح هذا التعليق؛ فلا (٦) يعتق به شيء من العبد ها

стр. 1111

هنا؛ لأن كلًّا منهما علق عتقه على موته وموت شريكه، ولا يوجد إلا بعد موته! ولكن ها هنا [قد] (١) يمكن اجتماع موتهما في آن واحد؛ فلا يتوجه إبطال التعليق من أصله، بخلاف قوله: إن دخلت الدار بعد موتي؛ فأنت حر. - ومن هذه المسائل: لو قال لزوجتيه: إن دخلتما هاتين الدارين أو كلمتما زيدًا وعَمرًا؛ فأنتما طالقتان، فكلمت إحداهما زيدًا والأخرى عمرًا، أو دخلت كل واحدة منهما دارًا، وقلنا: لا يكتفى ببعض الصفة؛ فهل تطلقان أم لا؟ فيه وجهان ذكرهما أبو الخطاب ومن بعده من الأصحاب، وجعل أبو الخطاب المذهب الوقوع، وإنما ذكر الأخرى تخريجًا، ومذهب الحنفية والمالكية الوقوع، وهو أحد وجهي الشافعية مع قولهم وقول الحنفية: إن بعض الصفة لا يكفي (٢) في الحنث؛ فعلم بذلك أن هذا ليس مفرعًا على الاكتفاء ببعض الصفة. ويتخرج [من] (٣) مسألة التدبير السابقة أن يطلق (٤) ها هنا [كل واحدة بدخول الدار عقب] (٥) دخولها، ولا يتوقف طلاقها على دخول الأخرى؛ لأن معنى كلامه: من دخلت منكما دارًا من هاتين الدارين؛ فهي طالق.

стр. 1112

ويتخرج من هذا القول ها هنا فيما إذا قال لهما: إن حضتما فأنتما طالقتان وجه: إن كل واحدة تطلق بحيض نفسها وإن لا يشترط ثبوت حيض كل واحدة منهما بالنسبة إليهما، بل يكفي ثبوت حيضها في حقها بإقرارها (١)، وكذلك في قوله: إن شئتما فأنتما طالقتان، فشاءت إحداهما، أو إن حلفت بطلاقكما فأنتما طالقتان، ثم حلف بطلاق إحداهما: أنها تطلق. ومن العجب أن القاضي لم يفرع شيئًا من هذه المسائل على اختياره في الاكتفاء بوجود بعض الصفة مطلقًا، سواء اقتضت حثًّا أو منعًا أو كانت تعليقًا محضًا، ومقتضى قوله: إن تطلقا (٢) ها هنا معًا بوجود حيض إحداهما، ومشيئة إحداهما، والحلف بطلاق إحداهما في هذه المسائل. - (ومنها): إذا قال لزوجاته الأربع: أوقعت بينكن أو عليكن ثلاث تطليقات؛ فهل تقسم كل طلقة على الأربع أرباعًا ثم يكمل فيقع بهن الثلاث جميعًا، أو توزع (٣) الثلاث على الأربع فيلحق كل واحدة ثلاثة أرباع طلقة ثم تكمل فتطلق كل واحدة منهن طلقة؟ على روايتين، والأولى اختيار أبي بكر والقاضي، والثانية اختيار أبي الخطاب وصاحب "المغني" (٤)؛ قال: لأن القسمة بالأجزاء إنما تكون في

стр. 1113

المختلفات؛ كالدور ونحوها، فأما الجمل المتساوية من جنس؛ كالنقود؛ فإنها تقسم برؤوسها، ويكمل نصيب (١) كل واحدٍ (٢)، كأربعة لهم درهمان صحيحان، يقسم لكل واحد نصف من درهم واحد؛ فكذلك الطلقات، ويمكن الأولين الجواب عن هذا بأن هذه القسمة لا تمنع الاشتراك في الاستحقاق من كل جزء، ولهذا قيل في قسمة الأموال المشتركة: إنها بيع، ومتى ثبت استحقاق كل واحد من الشركاء لجزء من كل عين قبل القسمة توجه وقوع الطلاق الثلاث هنا (٣) بكل واحدة، كما لو مات زوج المرأة وخلف إخوتها أرقاء مع عبيد أخر؛ فإنه يعتق عليها من كل أخ لها بنسبة نصيبها من الميراث، وإن كان نصيبها لا يستوعب قيمة الجميع، ولو قال: أنتن طوالق ثلاثًا؛ طلق كلهن ثلاثًا ثلاثًا، نص عليه في "رواية ابن منصور"، ولم يذكر القاضي فيه خلافًا؛ لأنه أضاف الثلاث إلى الجميع، وفي الصورتين الأولتين أرسل الثلاث بينهن [أو عليهن، ويتوجه تخريج الخلاف فيها أيضًا؛ لأن إضافة الثلاث إليهن لا ينافي أن يوزع الثلاث على مجموعهن، لا على كل واحدة منهن] (٤). ومما يدخل في هذا الباب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. . .﴾ (٥) الآية؛ فهل المراد توزيع مجموع الصدقات على

стр. 1114

مجموع الأصناف، أو كل فرد من أفراد الصدقات على مجموع الأصناف؟ وينبني على ذلك مسألة وجوب استيعاب (١) الأصناف بكل [صدقة] (٢)، وفي ذلك روايتان، أشهرهما أنه غير واجب. وهل يجب على الإمام إذا اجتمعت عنده الصدقات أن يعم الأصناف منها أم لا؟ قال ابن عقيل: يجب ذلك؛ لتحصل التوفية باستيعاب الأصناف بمجموع الصدقات كما دلت عليه الآية. وقال القاضي: يستحب ذلك، ولا يجب؛ لأن حق بقية الأصناف يسقط بإعطاء الملاك لهم، وأيضًا؛ فليس في الآية إيجاب الاستيعاب بصدقات (٣) كل عام؛ فيجوز تعويضهم في عام (٤) آخر. ومما يدخل فيه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ. . .﴾ (٥) الآية؛ هل اقتضت مقابلة مجموع المظاهرين بمجموع (٦) نسائهم [وتوزيع] (٧) كل مظاهر على زوجته، أو مقابلة كل فرد من المظاهرين بمجموع (٦) نسائه المظاهر منهن؟

стр. 1115

قرر أبو الخطاب وغيره من أصحابنا الثاني، واستدل [به] (١) على أن المظاهرة (٢) من جميع الزوجات بكلمة واحدة لا يوجب سوى كفارة واحدة، وكذلك قال في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ. . .﴾ (٣) إلى [آخرها] (٤): إن المراد حرمت على كل واحد بناته وأخواته وعماته وخالاته، فأما الأمهات؛ فجعلها [من] (٥) مقابلة الأفراد [بالأفراد] (٦)، [قال: لأنه] (٧) لما لم يتصور أن يكون للواحد أمان (٨)؛ علم أنه أراد الواحد في مقابلة الواحد، وأما ما احتمل الجمع في مقابلة الواحد؛ فإنه [يحمل عليه] (٩)، والأظهر -واللَّه أعلم- أن الكل مما قوبل فيه الواحد بالواحد والجملة بالجملة، وأن المعنى: حرمت على كل واحد أمه وبنته وأخته؛ إذ لو أريد مقابلة الواحد بالجمع؛ لحرم على كل واحد أمهات الجميع وبناتهم، وهو باطل قطعًا. * * *

стр. 1116

(القاعدة الرابعة عشر بعد المئة) إطلاق الشركة؛ هل يتنزل على المناصفة، [أم] (١) هو مبهم يفتقر إلى تفسير؟ فيه وجهان ذكرهما صاحب "التلخيص" في البيع، والذي ذكره الأصحاب في الإقرار أنه مبهم، وكذلك صرح به ابن عقيل في "نظرياته" مختارًا له، وقال القاضي في "المجرد" في البيع وفي (٢) "خلافه" أيضًا: ينزل على المناصفة، وهل يقال باستحقاق الشريك من كل جزء [جزءً] (٣) أو بالتشاطر؟ يحتمل وجهين، وكلام الأصحاب يدل على التشاطر، ويتفرع على [هذا] (٤) مسائل: - (منها): لو قال لمشتري سلعة: أشركني في هذه السلعة؛ فهل يصح وينزل على المناصفة، أم لا للجهالة؟ على وجهين ذكرهما في "التلخيص"، والجزوم به في ["المجرد"] (٥)

стр. 1117

الصحة تنزيلًا على المناصفة. - (ومنها): لو قال: هذا العبد شركة بيني وبين فلان، أو هو شريكي فيه؛ فوجهان (١)، المجزوم [به] (٢) في الإِقرار: الإِبهام، ويرجع في تفسيره إليه، وهو اختيار ابن عقيل، وقال القاضي في "خلافه": هو بينهما نصفين. - (ومنها): لو أوقع طلاقًا ثلاثًا بامرأة له، ثم قال لأخرى: أشركتك] (٣) معها، فإن قلنا بالمناصفة؛ اقتضى وقوع اثنتين، وإن قلنا بالإِبهام؛ لم يقع أكثر من واحدة لأنها اليقين؛ [إلا أن يفسره بأكثر من ذلك] (٤)، ويحتمل أن يقع ثلاثًا بناءً على أن الشركة تقتضي الاستحقاق من كل جزء (٥)، وقد يقال هذا إنما [يمكن] (٦) في التمليكات دون الطلاق، فإن حقيقة الاشتراك في طلاق الأولى لا يمكن (٧)؛ فحمل على استحقاق نظيره، أما لو تعدد الشركاء؛ فهل يقال: يستحق الشريك مثل نصف ما لهم، أو مثل واحد منهم؟ على وجهين ذكرهما القاضي في البيع، وبنى عليهما: لو اشترى اثنان شيئًا، ثم أشركا ثالثًا فيه؛ فهل له نصفه أو ثلثه؟

стр. 1118

على وجهين. وخرج صاحب "الترغيب" والشيخ مجد الدين في "المسودة" الوجهين فيما إذا قال لثلاث نسوة: أوقعت بينكن طلقة، ثم قال لرابعة: أشركتك معهن؛ هل يقع بها [طلقة] (١) واحدة أو طلقتين؟ على الوجهين. * * *

стр. 1119

(القاعدة الخامسة عشر بعد المئة) الحقوق المشتركة بين اثنين فصاعدًا نوعان: أحدهما: ما يقع استحقاق كل واحد بانفراده بجميع (١) الحق ويتزاحمون فيه عند الاجتماع. والثاني: ما يستحق كل واحد من الحق بحصته خاصة. وللأول أمثلة كثيرة: - (منها): الشفعاء المجتمعون كل منهم بستحق الشفعة بكمالها، فإذا عفى أحدهم عن حقه؛ توفر على الباقين. - (ومنها): غرماء المفلس الذي لا يفي ماله بدين كل واحد على انفراده، وهم كالشفعاء. - (ومنها): الأولياء المتساوون في النكاح. - (ومنها): العصبات المجتمعون في الميراث، ويتفرع على ذلك لو اجتمع ابنان (٢) نصف كل واحد منهما حر؛ فهل يستحقان المال كله أم لا؟

стр. 1120

على وجهين: أحدهما: يستحقان جميع المال، رجحه القاضي والسامري وطائفة من الأصحاب، وله مأخذان: أحدهما: جمع الحرية [فيهما؛ فيكمل] (١) بها حرية ابن، وهو مأخذ أبي الخطاب وغيره. والثاني: إن حق كل واحد منهما مع كمال حريته في جميع المال لا في نصفه، وإنما أخذ نصفه لمزاحمة أخيه له، وحينئذ؛ فقد أخذ كل واحد منهما نصف المال هنا، وهو نصف حقه مع كمال حريته؛ فلم يأخذ زيادة على قدر ما فيه من الحرية. والوجه الثاني: لا يستحقان المال كله؛ لئلا تستوي حال حريتهما الكاملة والمبعضة، وهل يستحقان نصفه تنزيلًا لهما حالين أو ثلاثة أرباعه تنزيلًا لهما ثلاثة أحوال؟ على وجهين، ولو كان ابن نصفه حر (٢) مع أم؛ فعلى [هذا] (٣) المأخذ [الثاني في الوجه الأول] (٤) يتوجه أن يأخذ نصف المال كله، وهو أحد الوجوه للأصحاب، ورجحه الشيخ تقي الدين، وذكر أنه اختيار أبيه، وقيل: يأخذ نصف الباقي بعد ربع الأم، وهو اختيار أبي بكر القاضي في "خلافه"، وقيل: يأخذ نصف ما كان يأخذه حال كمال

стр. 1121

الحرية، وهو هنا (١) ربع وسدس، وهو الذي ذكره إبراهيم الحربي في "كتاب الفرائض" (٢)، واختاره القاضي في "المجرد" وابن عقيل وصاحب "المحرر"؛ لأن القدر الذي حجب (٣) عنه الأم يستحقه كله، وإنما يتنصف عليه ما عداه. - (ومنها): ذوو الفروض المجتمعون المزدحمون في فرض واحد كالزوجات والجدات، ويتفرع على هذا إذا اجتمعت جدتان أم أم وأم أب مع ابنها الأب، وقلنا: إنه يحجبها؛ فهل تستحق [أم] (٤) الأم السدس كله أو نصفه؟ على وجهين: أصحهما: أنها تستحق السدس كله لزوال المزاحمة مع قيام الاستحقاق لجميعه. والثاني: تستحق (٥) نصفه، وله مأخذان: أحدهما: أن أم الأب تحجبها عن السدس إلى نصفه، ولا (٦) أثر

стр. 1122

لكونها محجوبة كما يحجب ولد الأم الأم مع انحجابهم بالأب، وفيه نظر؛ فإن حجب [الجد للجدة] (١) إنما هو بطريق المزاحمة، ولا مزاحمة هنا، وحجب الأخوة للأم ليس بالمزاحمة؛ فإنهم لا يشاركونها في فرضها، وإنما وجودهم مقتض (٢) لتنقيص فرضها. والثاني: أن أم الأب لها مع أم الأم نصف السدس، فلما حجب [الأب] (٣) أمه؛ توفر ذلك عليه لا على الأخرى، ورد بأن ولد الأم يحجبون الأم عن السدس، ثم لا يأخذونه، بل يتوفر على الأب، وقد يجاب عنه بأن ولد الأم لما كانوا محجوبين بالأب توفر ما حجبوا عنه الأم على من حجبهم، وهو الأب كذلك هنا. - (ومنها): الوصايا المزدحمة في عين أو مقدار من المال، فإن حق كل واحد منهم في مجموع وصيته، وإنما يأخذ دون ذلك للمزاحمة، فإذا رد بعضهم توفر على الباقين، وإن أجاز الورثة بعض الوصايا دون بعض؛ فهل يعطى المجاز له القدر الذي [كان] (٣) يأخذه في حال الإِجارة للكل، أو يكمل له الجزء المسمى في الوصية كله إن أمكن لقيام استحقاقه له وقد أمكن وصوله إليه بزوال المزاحمة بالرد على غيره؟ فيه وجهان، صحح صاحب "المحرر" الثاني (٤)، ومن رجح الأول قال: القدر المزاحم به كان حقًّا للمزاحم، فإذا رده الورثة عليه توفر

стр. 1123

[عليهم] (١) لا على الوصية الأخرى، ويشهد للأول ما ذكره الخرقي وابن حامد والقاضي والأصحاب فيمن وصى لرجل بعبد قيمته ثلث ماله، ولآخر بثلث ماله، فإن أجاز (٢) الورثة؛ فللموصى له بالعبد [ربعه] (٣) لمزاحمة الآخر له فيه، ولصاحب الثلث ربع العبد وثلث باقي المال، وإن ردوا قسم [الثلث] (٤) بينهما نصفين؛ فيأخذ صاحب وصية العبد بقدر سدس المال كله من العبد، ويأخذ الآخر سدس العبد وسدس باقي المال لزوال المزاحمة بالرد؛ فأمكن وصول كل منهما إلى نصف ما سمى له كاملًا؛ فلا ينقص منه (٥). وخرج صاحب "المحرر" وجهًا آخر من الوجه الثاني في المسألة التي قبلها: إنه يقسم الثلث بينهما على حسب ما كانا (٦) يقتسمان وصيتيهما حال الإجازة؛ فيفضل نصيب صاحب الثلث على نصيب صاحب العبد (٧)، وهو اختيار صاحب "المغني" تسوية بينهما في الرد والإِجازة (٨). وفي تخريج هذا من المسألة التي قبلها نظر؛ لأن الورثة هناك قد

стр. 1124

يكون مقصودهم بالرد على أحدهما توفير ما كان يأخذه بالمزاحمة [عليهم] (١)، كما لو أجازوا لصاحب الوصية بالكل وردوا على الموصى له بالثلث؛ فلو أعطينا صاحب الكل ما ردوه على صاحب الثلث؛ لم يبق في ردهم فائدة لهم، وهنا لا يخرج عنهم سوى الثلث؛ فينبغي أن تقسمه (٢) الوصيتان على قدرهما عملًا بمراد الموصي من التسوية، حيث أمكن ولا ضرر على الورثة في ذلك. - (ومنها): استحقاق الغانمين من الغنيمة متى رد أحدهم (٣) توفر على الباقين، وسواء قلنا ملكوه بالاستيلاء أو لم يملكوه. - (ومنها): الموقوف عليهم؛ إذا رد بعضهم توفر على الباقين؛ كما لو مات بعضهم، وقد سبقت. - (ومنها): حد القذف الموروث لجماعة يستحق كل واحد بانفراده، فلو (٤) أسقطه بعضهم؛ فللباقين استيفاؤه. • وأما النوع الثاني؛ فله أمثلة: - (منها): عقود التمليكات الحضانة إلى عدد؛ فيملك كل واحد منهم بحصته لاستحالة أن يكون كل واحد منهم مالكًا لجميع العين، ثم ها هنا حالتان:

стр. 1125

إحداهما: أن يكون التمليك بعوض؛ مثل أن يبيع من رجلين عبدًا أو عبدين بثمن، فيقع الشراء بينهما نصفين، ويلزم كل واحد نصف الثمن، وإن كان لاثنين عبدان مفردان، لكل واحد عبد، فباعاهما من رجلين صفقة واحدة، لكل واحد عبدًا معينًا بثمن واحد؛ ففي صحة البيع وجهان، أصحهما -وهو المنصوص-: الصحة، وعليه؛ فيقتسمان الثمن على قدر قيمتي العبدين. وذكر القاضي وابن عقيل وجهًا آخر: أنهما يقتسمانه على عدد رؤوس المبيع نصفين تخريجًا من أحد الوجهين فيما إذا تزوج أربعًا في عقد بمهر واحد أو خالعهن بعوض واحد: أنه يكون بينهن أرباعًا، وهو ها هنا بعيد جدًّا؛ لأن البضع ليس بمال محض؛ فكيف تُسَوَّى (١) به الأموال المبتغى بها الأرباح والتكسب؟! وخرجاه أيضًا في الكتابة وهو أقرب من البيع؟ إذ الكتابة فيها معنى العتق. الحالة الثانية: أن يكون بغير عوض، مثل أن يهب لجماعة شيئًا أو يملكهم إياه عن زكاة أو كفارة مشاعًا في الكفارة؛ فقياس كلام الأصحاب في التمليك بعوض أنهم يتساوون في ملكه. وحكى صاحب "المغني" فيما إذا وضع طعامًا في الكفارة بين يدي عشرة مساكين، فقال: هو بينكم بالسوية، [فقبلوه] (٢) ثلاثة أوجه:
следующие страницы →