الامتثال بدون الإتيان بكماله.
فأخذ الشيخ تقي الدين من هذا أن اليمين في الإثبات لا تعم، وفي النفي تعم؛ كما عمت أجزاء المحلوف [عليه] (١). قال: وقد ذكر القاضي في موضع من "خلافه": أن السبب يقتضي التعميم في النفي دون الإثبات. قال الشيخ: وهذا قياس المذهب في الأيمان. وقرره بأن المفاسد يجب اجتنابها كلها، بخلاف المصالح؛ فإنه إنما يجب تحصيل ما يحتاج إليه منها، فإذا (٢) وجب تحصيل مصلحة (٣)؛ لم يجب تحصيل أخرى مثلها للاستغناء عنها بالأولى.
وكلامه يشمل التعميم بالنية أيضًا؛ حتى ذكر في العلة المنصوصة في كلام الشارع: إنها [إن] (٤) كانت في تحريم تعدت (٥) بالقياس إلى غير المنصوص عليه بالعلة، وإن كانت ايجابًا؛ لم تتعد، وذكر أن هذا قياس (٦) المذهب، وحكى عن أبي الخطاب: أنه [لو] (٧) أوجبت كل يوم أكل السكر لأنه حلو؛ وجب أكل كل حلو. ثم قال: وهذا (٨) بعيد، بل الذي يقال: إنه
стр. 1192
يجب كل يوم [أكل شيء] (١) من الحلو كائنًا ما كان. قال: وفيه نظر؛ لأنه يبطل إيجاب السكر، وعلى هذا التقدير؛ فلا (٢) إشكال في مسألة قول السيد: أعتقت غانمًا لسواده، وأنه لا يعتق عليه كل أسود؛ كما هو قول الجمهور، خلافًا لما ذكره أبو الفتح الحلواني وأبو الخطاب، [واللَّه أعلم] (٣).
* * *
стр. 1193
(القاعدة السادسة والعشرون بعد المئة)
الصور التي لا تقصد من العموم عادةً؛ إما لندورها، أو لاختصاصها بمانع، لكن يشملها اللفظ مع اعتراف المتكلِّم بأنه لم يرد إدخالها فيه؛ هل يحكم بدخولها أم لا؟
في المسألة خلاف، ويترجح في بعض المواضع الدخول وفي بعضها عدمه؛ بحسب قوة القرائن وضعفها.
ويتخرج على هذه القاعدة مسائل كثيرة:
- (منها): إذا قيل [له] (١): تزوجت على امرأتك؟ فقال: كل امرأة [لي] (١) طالق؛ هل تطلق المرأة المخاطبة أم لا، إذا قال لم أردها؟
وقد سبق أن أحمد نص تارة على أنها تطلق وتوقف فيها أخرى، وخرجها ابن عقيل على روايتين.
- (ومنها): لو قذف أباه إلى آدم وحواء؛ فنص أحمد في "رواية حرب": إن عليه حدًّا واحدًا، ولم يجعله ردة عن الإِسلام؛ لأنه لم يقصد دخول الأنبياء في ذلك، ولا يقصد ذلك مسلم.
وخرج [الشيخ تقي الدين فيه] (٢) وجهًا آخر: إنه ردة من المسألة
стр. 1194
الآتية.
- (ومنها): لو قال: عصيت اللَّه فيما أمرني به؛ هل يكون يمينًا؟
قال القاضي: ليس بيمين؛ لأن المشهور تخصيص المعاصي بالذنوب دون الكفر، وقال صاحب "المحرر": عندي أنه يمين لدخول التوحيد فيه (١).
- (ومنها): لو قال لعبيده وهم عنده: أنتم أحرار، وكان فيهم أم ولده وهو لا يعلم بها ولم يرد عتقها؛ هل تعتق أم لا؟
على روايتين حكاهما أبو بكر وابن أبي موسى، ونص أحمد على عتقها في "رواية ابن هانئ" (٢) وغيره، وشبهها في رواية أحمد بن الحسين بن حسان بمن نادى امرأة له، فأجابته أخرى، فطلقها يظنها المناداة، وقال: تطلق هذه بالإجابة وتلك بالتسمية.
وهذه المسألة (أعني: مسألة المناداة) فيها روايتان (٣):
إحداهما: تطلق المناداة وحدها، نقلها مُهنَّأ، وهي اختيار الأكثرين؛ كأبي بكر وابن حامد والقاضي؛ فيتعين تخريج رواية في أم
стр. 1195
الولد: إنها لا تعتق منها.
وعلى الرواية الثانية: [تطلق] (١) المناداة والمجيبة.
وظاهر كلام أحمد في "رواية أحمد بن الحسين بن حسان": إنهما يطلقان جميعًا في الباطن والظاهر؛ كما يقول (٢) في إحدى الروايتين: إذا لقي امرأة يظنها أجنبية، فطلقها، فإذا هي زوجته؛ تطلق ظاهرًا وباطنًا.
وزعم صاحب "المحرر" أن المجيبة إنما تطلق ظاهرًا (٣)، والفرق بينهما وبين المطلقة التي يعتقدها أجنبية: إن الطلاق ها هنا صادف محلًّا، ينفذ (٤) فيه، وهو المناداة؛ فلا يحتاج إلى محل آخر، بخلاف طلاق من يعتقدها أجنبية؛ فإنه لو لم يقع بها؛ للغي الطلاق الصادر من أهله في محله، ولا سبيل إليه، وقد أشار أحمد إلى معنى هذا الفرق، وسنذكره فيما بعد إن شاء اللَّه [تعالى] (٥).
- (ومنها): لو حلف: لا يسلم على فلان، فسلم على جماعة هو فيهم، و [هو لا يعلم] (٦) بمكانه، ولم يرده بالسلام؛ فحكى الأصحاب في حنثه الروايتين، ويشبه تخريجهما على مسألة من حلف لا يفعل [شيئًا] (٧)
стр. 1196
ففعله جاهلًا: بأنه المحلوف عليه.
والمنصوص عن أحمد ها هنا (١) الحنث في "رواية مهنأ"؛ حتى فيما إذا كان المحلوف عليه مستترًا بين القوم بسارية في المسجد وهو لا يراه، ونقل عنه أبو طالب: إن كان وحده فسلم عليه وهو لا يعرفه؛ حنث، وإن كان بين جماعة ولم (٢) يعلم به؛ لم يحنث لأنه أراد الجماعة. وهذا يشبه ما تقدم في الفرق بين المناداة إذا أجابت (٣) غيرها وبين من يطلقها يعتقدها أجنبية؛ فإن المحلوف عليه لم يقصد السلام عليه بالكلية، وهناك من يصح قصده غيره (٤)، فانصرف السلام إليه دونه، بخلاف ما إذا كان وحده؛ فإن المحلوف عليه وجد، ولكن مع الجهل به.
وقد تأول القاضي رواية أبي طالب هذه على أنه أخرجه بالنية من السلام، ولا يصح؛ لأنه لم يكن عالمًا بحضوره بينهم؛ فكيف يستثنيه بالنية؟!
- (ومنها): لو وقف المسلم على قرابته أو أهل قريته أو وصى لهم وفيهم مسلمون وكفار؛ لم يتناول الكفار حتى يصرح بدخولهم، نص عليه في "رواية حرب" و"أبي طالب"، ولو كان فيهم مسلم واحد والباقي كفار؛ في الاقتصار عليه وجهان؛ لأن حمل اللفظ العام على واحد بعيد جدًّا.
- (ومنها): لو تهايأ المعتق بعضه هو وسيده على منافعه وأكسابه؛
стр. 1197
فهل يدخل فيها الأكساب النادرة؛ كالركاز والهدية واللقطة، أم لا؟
على وجهين.
- (ومنها): لو قال: ما أحل اللَّه علي حرام، وله زوجة ومال، وقال: لم أرد زوجتي؛ فهو مظاهر، عليه كفارة الظهار، نص عليه في "رواية ابن منصور"؛ لأن الزوجة أشهر أفراد الحلال الذي يقصد تحريمه، ولا ينصرف الذهن ابتداءً إلى غيره؛ فلا يصح إخراجه من العموم بعدم إرادة دخوله، وإنما يصح إخراجه بإرادة عدم دخوله، فأما إن لم تكن (١) له زوجة وله مال؛ فهو يمين كسائر تحريم المباحات، وإذا كان له زوجة ومال؛ فعليه كفارة ظهار (٢) لا غير، نص عليه أحمد في "رواية أبي طالب" و"ابن منصور" (٣) في صورة كلُّ ما أحل اللَّه علي حرام، وقال ابن عقيل: يجب مع كفارة الظهار كفارة يمين؛ لدخول المال في العموم.
ووجه القاضي نص أحمد بتوجيهات مستبعدة، وعندي في تخريجه وجهان:
أحدهما: إن المتبادر إلى الأفهام من تحريم الحلال تحريم الزوجة دون الأموال؛ فإنها لا تقصد بالتحريم؛ فلا تدخل في العموم لكونها لا تقصد عادة؛ فتكون المسألة حينئذ من صور [القاعدة] (٤).
стр. 1198
والثاني: أن تكون مخرجة على قوله بتداخل الأيمان، وأن موجبها واحد؛ فإن الجنس ها هنا واحد، وهو تحريم الحلال؛ فصار موجبه كفارة واحدة، ثم تعينت بكفارة الظهار؛ لدخول كفارة اليمين فيها من غير عكس.
* * *
стр. 1199
(القاعدة السابعة والعشرون بعد المئة)
إذا استند إتلاف أموال الآدميين ونفوسهم إلى مباشرة وسبب تعلق الضمان بالمباشرة دون السبب؛ إلا أن تكون المباشرة مبنية على السبب وناشئة عنه، سواء كانت ملجئة إليه أو غير ملجئة، ثم إن كانت المباشرة والحالة هذه لا عدوان فيها بالكلية؛ استقل السبب وحده بالضمان، وإن كان فيها عدوان؛ شاركت السبب في الضمان (١).
فالأقسام ثلاثة.
ومن صور القسم الأول مسائل (٢):
стр. 1200
- (منها): إذا حفر واحد بئرًا عدوانًا، ثم دفع غيره فيها آدميًا معصومًا أو مالًا لمعصوم، فسقط، فتلف؛ فالضمان على الدافع وحده (١).
- (ومنها): لو فتح قفصًا عن طائر، فاستقر بعد فتحه، فجاء آخر فنفره؛ فالضمان على المنفِّر (٢) وحده (٣).
- (ومنها): لو رمى معصومًا من شاهق، فتلقاه آخر بسيف، فقدّه [به] (٤)؛ فالقاتل هو الثاني دون الأول (٥)، [فأما إذا] (٦) ضرب بطن امرأة فألقت جنينًا وفيه حياة غير مستقرة، فضربه آخر فمات؛ فالقاتل هو الأول، وعليه الغرة، ويعزر الثاني؛ لأن الضارب (٧) ليس بمتسبب، بل هو مباشر
стр. 1201
للقتل؛ فلذلك لزمه الضمان (١).
وكذا لو رمى (٢) صيدًا فأصاب مقتله، ثم رماه آخر فمات؛ فالقاتل هو الأول، فيباح الصيد بذلك، والثاني جانٍ عليه؛ فيضمن ما خرق من جلده، هذا قول القاضي والأكثرين (٣).
وخرجه طائفة على الخلاف في تحريم ما سقط بعد الذبح في ماء (٤) ونحوه لإِعانته على قتله، وظاهر كلام الخرقي تحريمه ها هنا (٥)؛ فيضمن الثاني قيمته كاملة (٦)، وسقط منها جرح الأول (٧).
ومن صور القسم الثاني مسائل:
- (منها): إذا قدم إليه طعامًا مسمومًا عالمًا به، فأكله وهو لا يعلم بالحال؛ فالقاتل هو المقدم، وعليه القصاص والدية (٨).
- (ومنها): لو قتل الحاكم حدًّا أو قصاصًا بشهادة، ثم أقر الشهود
стр. 1202
أنهم تعمدوا الكذب؛ فالضمان والقود عليهم دون الحاكم، ونقل أبو النضر العجلي عن أحمد: إذا رجم الحاكم بشهادة أربعة، ثم تبين أن المرجوم مجبوب؛ فالضمان على الحاكم. وهو مشكل؛ لأنه قد تبين كذبهم بالعيان؛ فهو كإقرارهم بتعمد الكذب، وقد يفرق بأن المجبوب [لا يخفى أمره] (١) غالبًا؛ فالإقدام على رجمه لا يخلو من تفريط، وبأنَّ الشهود قد يشتبه عليهم؛ فلا يتحقق تعمدهم للكذب، وأما إن تبين أن الشهود فسقة أو كفار، وقلنا: ينقض الحكم، وكان الحق لآدمي؛ فالضمان على المحكوم له، وإن كان للَّه تعالى؛ فله حالتان:
إحداهما: أن يستند الحاكم في قبول الشهادة إلى تزكية من زكاهم، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها (٢): الضمان على المزكيين، قاله أبو الخطاب، وصححه صاحبا (٣) "الكافي" (٤) و"الترغيب"؛ لأنهم ألجؤوا الحاكم إلى الحكم، والحاكم فعل ما وجب عليه، والشهود لا يعترفون ببطلان (٥) شهادتهم؛ فتعيَّن (٦) إحالة الضمان على المزكيين.
والثاني: الضمان على الحاكم وحده، قاله القاضي وابن عقيل في
стр. 1203
كتاب الشهادات؛ لأنه مفرط بالحكم بشهادة من لا تجوز شهادته (١)، وحكمه يختص بالمحكوم به، بخلاف التزكية؛ فإنها لا تختص المحكوم به.
والثالث: يخير المستحق بين تضمين من شاء من الحاكم والمزكيين والقرار على المزكيين، قاله القاضي وابن عقيل في كتاب الحدود؛ لما ذكرنا من وجه تغريم كل منهما؛ فيخير المستحق ويستقر الضمان على المزكيين لإلجائهم الحاكم إلى الحكم.
وحكي عن أبي الخطاب وجه رابع: إن الضمان على الشهود؛ كما لو رجعوا عن الشهادة، ولا تصح (٢) حكايته عنه؛ لتصريحه بخلافه، وهو غير متوجه (٣)؛ لأنهم لم يعترفوا ببطلان شهادتهم ولا ظهر كذبهم، بخلاف الراجعين عن الشهادة، ولكن ذكر القاضي وأبو الخطاب رواية: إنه لا ينقض الحكم ويضمن الشهود، وهذا ضعيف جدًّا.
وخرج صاحب "المحرر" في "تعليقه على الهداية" ضمان الشهود من إحدى الروايتين فيما إذا شهد أربعة بالزنا ثم بانوا فساقًا؛ فإنهم يحدون على إحدى الروايتين؛ وإن لم يعترفوا ببطلان قولهم، وهذا تخريج ضعيف؛ لأن الشهادة بالزنا قذف في المعنى موجبة للحد في نفسها؛ إلا أن يوجد معها كمال النصاب المعتبر، ولم يوجد ذلك هنا، وكذلك (٤) يجب
стр. 1204
عليهم حد القذف، سواء استوفى من المشهود عليه الحد أو لا، وليس المستوفى من الشاهد نظير المستوفى من المشهود عليه، وأما الشهادة بالمال؛ فلا يترتب عليها ضمان إلا أن (١) ينشأ عنها غرم، ثم يتبين بطلانها؛ إما بإقرار الشاهد، أو يتبين كذبها بالعيان، ولم يوجد هنا واحد منهما.
والحالة الثانية: أن لا يكون ثم تزكية؛ فالضمان على الحاكم وحده، ذكره الخرقي (٢) والأصحاب لتفريطه بقبول [الشهادة مـ] (٣) من لا تجوز قبول شهادته من غير إلجاء له إلى القبول (٤).
- (ومنها): المكره على إتلاف مال الغير، وفي الضمان وجهان:
أحدهما: إنه [على المكره] (٥) وحده، لكن للمستحق مطالبة
стр. 1205
المتلف ويرجع به على المكره؛ لأنه معذور في ذلك الفعل؛ فلم يلزمه الضمان، بخلاف المكره على القتل؛ فإنه غير معذور؛ [فلهذا شاركه] (١) في الضمان، وبهذا جزم القاضي في كتاب "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (٢) وابن عقيل في "عمد الأدلة".
والثاني: عليهما الضمان؛ كالدية، صرح (٣) به [في] (٤) "التلخيص"، وذكره القاضي في "بعض تعاليقه" احتمالًا، وعلل باشتراكهما في الإثم، وهذا تصريح بأن الإكراه لا يبيح إتلاف مال الغير، وكان فرض الكلام في الوديعة، وحكى احتمالًا آخر: إن الضمان على المتلف وحده، كما لو اضطر إلى طعام الغير فأكله، وهذا ضعيف جدًّا؛ لأن المضطر لم يلجئه إلى الإتلاف من يُحال الضمان عليه (٥)؛ ولو أُكْره
стр. 1206
على تسليم الوديعة إلى غير المالك، فقال القاضي: لا ضمان؛ لأنه ليس بإتلاف، كذا (١) ذكره في "بعض تعاليقه"، وصرح به في "المجرد" مفرقًا بينه وبين الإكراه على القتل بأن القتل لا يعذر فيه بالإكراه، بخلاف هذا، وهذا التعليل يشمل الإتلاف أيضًا.
وتابع ابن عقيل في "الفصول" وصاحب "المغني" (٢) القاضي في "المجرد". وفي "شرح الهداية" لأبي البركات: المذهب (٣) أنه لا يضمن؛ كما لو حلف لا يدخل الدار فدخلها مكرهًا.
وفي "الفتاوى الرَّحبيات" عن أبي الخطاب وابن عقيل الضمان مطلقًا؛ لأنه افتدى بها ضرره. وعن ابن [الزاغوني] (٤): أنه إن أكره على التسليم بالتهديد والوعيد؛ فعليه الضمان ولا إثم، وإن ناله العذاب؛ فلا إثم ولا ضمان.
стр. 1207
وأشار صاحب "المحرر" في مسألة الإكراه على الأكل في الصوم من "شرح الهداية" إلى خلاف في أصل جواز تضمين المكره على إتلاف المال، وقد ذكر صاحب "المغني" في الأيمان أن المحرم إذا قتل صيدًا مكرهًا؛ فضمانه على المكره له (١)، وقد نص أحمد في "رواية ابن ثواب" على أن حافر البئر عدوانًا إذا أكرهه السلطان على الحفر؛ لم يضمن، لكن هذا إكراه على السبب دون المباشرة.
[وهذه النقول الثلاثة ترجع إلى أنه لا يضمن ابتداءً من لا يستقر عليه الضمان، وقد تقدم ذلك] (٢).
وأما المكرهة على الوطئ في الحج والصيام إذا أفسدنا حجَّها وصيامها؛ فهل تجب (٣) عليها الكفارة في مالها، أم (٤) لا يجب عليها شيء، أو يجب على الزوج أن يتحملها عنها؟
على ثلاث روايات، وتأول بعضهم الأولى على أنها ترجع بها على الزوج، والمكره على حلق رأسه في الإحرام تجب الفدية على الحالق في أشهر الوجهين، قاله أبو بكر، والثاني على المحلوق يرجع بها على الحالق، ذكره ابن أبي موسى وجهًا؛ [لأن حلق الشعر كالإِتلاف، ولهذا يستوي عمده وسهوه على المشهور] (٢).
стр. 1208
ومن صور القسم [الثالث] (١) مسائل:
- (منها): المكره على القتل، والمذهب اشتراك المكره والمكره في القود والضمان؛ لأن الإكراه ليس بعذر في القتل، وذكر القاضي في "المجرد" وابن عقيل في باب الرهن: أن أبا بكر ذكر أن القود على المكره المباشر، ولم يذكر على المكره قودًا؛ قالا: والمذهب وجوبه عليهما؛ كما نص عليه أحمد في الشهود الراجعين إذا اعترفوا بالعمد.
وقد بين القاضي في "خلافه" كلام أبي بكر، وأنه قال في الأسير إذا أكره على قتل مسلم فقتله: فعليه القود، وها هنا المكره ليس من أهل الضمان؛ لأنه حربي؛ فلذلك لم يذكر تضمينه.
وذكر ابن الصيرفي أن أبا بكر السمرقندي من أصحابنا خرج وجهًا: إنه لا قود على واحد منهما من رواية امتناع قتل الجماعة بالواحد، وأولى؛ لأن السبب [ها] (٢) هنا غير صالح في كل واحد منهما؛ لأن أحدهما متسبب والآخر ملجأ، وفي صورة الاشتراك هما مباشران مختاران.
- (ومنها): الممسك مع القاتل؛ فإنهما يشتركان في الضمان والقود على إحدى الروايتين، وفي الأخرى يختص [بالقود] (٣) المباشر بهما، ويحبس الممسك (٤) حتى يموت.
стр. 1209
- (ومنها): لو حفر بئرًا عدوانًا في الطريق، فوضع آخر حجرًا إلى جانبها؛ فهل يختص بالضمان الواضع جعلًا له؛ كالدافع، أويشتركان فيه؛ كالممسك والقاتل؟
على روايتين، ولو كان الحافر غير متعد؛ فالضمان على الواضع وحده، وهي من صور القسم الثاني.
- (ومنها) (١): لو دل المودع لصًّا على الوديعة، فسرقها؛ فالضمان عليهما، ذكره القاضي وغيره؛ كما لو دل المحرم محرمًا آخر على صيد فقلته، ولو دل حلالًا؛ فالضمان على المحرم [وحده] (٢)، وهي من صور القسم الثاني.
- (ومنها): لو أحرم وفي يده المشاهدة صيد، وتمكن من إرساله، فلم يفعل حتى قتله محرم آخر؛ ففيه احتمالان ذكرهما القاضي في "المجرد":
أحدهما: الضمان على القاتل؛ لأنه مباشر والأول متسبب غير ملجئ.
والثاني: الضمان عليهما على الأول باليد وعلى الثاني بالمباشرة.
ويتخرج على هذين الوجهين كل من أتلف عينًا في يد من هي مضمونة عليه باليد؛ هل يضمن المتلف وحده الجميع دون صاحب اليد، أو يجوز تضمين صاحب اليد ويرجع على المتلف؟
стр. 1210
وفرض القاضي في "كتاب التخريج" (١) مسألة الصيد في حالين: صاد أحدهما في الحرم صيدًا، فقتله الآخر فيه، وذكر أن عليهما جزاءين كاملين: أحدهما على القاتل بقتله، والآخر على الممسك لتلفه في يده قبل إرساله، ثم يرجع الذي في يده على القاتل بما غرمه؛ لأنه قرر عليه ضمانًا كان قادرًا على التخلص منه بالإرسال، [وصرح] (٢) في أثناء المسألة بأن المغصوب إذا أتلفه متلف في يد الغاصب؛ كان المالك مخيرًا في المطالبة لمن شاء منهما.
* * *
стр. 1211
(القاعدة الثامنة والعشرون بعد المئة)
إذا اختلف حال المضمون في [حالي] (١) الجناية والسراية (٢).
[فها هنا] (٣) أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون مضمونًا في الحالين، لكن يتفاوت قدر الضمان فيهما؛ فهل الاعتبار بحال السراية أو بحال (٤) الجناية؟
على روايتين.
стр. 1212
والقسم الثاني: أن يكون مهدرًا في الحالين؛ فلا ضمان بحال.
والثالث: أن تكون الجناية مهدرة والسراية في حال الضمان؛ فتهدر تبعًا للجناية بالاتفاق.
والرابع: أن تكون الجناية [في حال الضمان] (١) والسراية في حال الإهدار؛ فهل يسقط الضمان أم لا؟
على وجهين.
فأما القسم الأول؛ فله أمثلة:
- (منها): لو جرح ذميًّا، فأسلم ثم مات؛ فلا قود، وهل تجب (٢) فيه دية مسلم أو دية ذمي؟
على وجهين، اختار القاضي وأبو الخطاب وجوب دية ذمي اعتبارًا بحال الجناية، وابن حامد وجوب دية مسلم، وذكر ابن أبي موسى أنه نص أحمد، وبكل حال؛ فالدية تكون لورثته من المسلمين؛ لأنه استحق أرش جرحه حيًّا، فملكه ثم أسلم ومات؛ فانتقل ما ملكه إلى ورثته المسلمين، ذكره القاضي في "خلافه" وأبو الخطاب في "الانتصار".
- (ومنها): لو جرح عبدًا، ثم أعتق، ثم مات من الجرح؛ فهل يضمن بقيمته أو بديته؟
على روايتين، نقل حنبل عن أحمد: يضمنه بقيمته لا بالدية. وكذلك ذكره أبو بكر في "خلافه"، ونصره القاضي في "الخلاف" أيضًا.
стр. 1213
ونقل ابن منصور عنه فيمن ضرب بطن أمة، فأُعتقت، ثم أسقطت جنينًا حيًّا، ثم مات: هو حر، وعليه ديته؛ لأن العتق لا يجب إلا بالولادة. وهذا اختيار ابن حامد، حكاه (١) عنه القاضي: إنه يجب أقل الأمرين من قيمة العبد أو الدية.
وحكى أبو الخطاب عن القاضي: إن ابن حامد أوجب دية حر للمولى منها أقل الأمرين من نصف الدية أو نصف القيمة والباقي لورثته.
وذكر القاضي في "المجرد" احتمالًا بوجوب أكثر الأمرين من القيمة أو الدية.
و [ذكر] (٢) ابن أبي موسى أن المنصوص في الذمي إذا أسلم وجوب دية مسلم، وفي العبد إذا عتق قيمة عبد، ثم خرج المسألتين (٣) على روايتين، وعلى الأولى (٤)؛ فجميع القيمة للسيد، ذكره أبو بكر والقاضي والأصحاب؛ لأن السراية لا تثبت منفردة، وإنما تجب تابعة للجناية، وقد ثبت أرش الجرح (٥) للسيد حين كان المجروح عبدًا لا يملك؛ فتتبع السراية الجناية، ويكون أرشها لمستحق أرش الجناية، وهو السيد، وهكذا لو باعه المولى بعد الجرح، ثم مات عند المشتري؛ فالقيمة كلها للأول، ذكره القاضي.
стр. 1214
وذكر ابن الزاغوني في "الإِقناع" فيما إذا قطع يدي عبد وقيمته ألفا دينار، فأعتقه سيده ثم مات؛ احتمالين:
أحدهما: إن الألفين بين السيد والورثة نصفين توزيعًا للقيمة على السراية والجناية.
والثاني: يقسم بينهما أثلاثًا؛ لأن للسيد ما يقابل اليدين، وهو كمال الدية، وللورثة كمال الدية، وهي (١) بقدر نصف القيمة، ولا قصاص على الحر المسلم في هذه المسألة والتي قبلها؛ لانتفاء المكافأة حال الجناية.
[وفرق القاضي في "المجرد" وابن عقيل في موضعين بين مسألة العبد والذّميّ، قال في "المسودة": "لا أعلم للتفرقة وجهًا"، واضطرب كلام أبي الخطاب في "الهداية" فيها في مواضع] (٢).
(تنبيه):
ذكر القاضي في "خلافه" أن رواية الضمان بدية حر، نقلها حرب عن أحمد، وتبعه صاحب "المحرر" وزاد: إن للسيد منها أقل الأمرين (٣)، ولم ينقل حرب شيئًا من ذلك، وإنما نقل: إنه ذكر له قول الزهري: يضمنه (٤) [بقيمة مملوك] (٥)؛ فقال: ما أدري كيف هذا؟ ولم يجب [فيه] (٦) بشيء،
стр. 1215
وهذا يدل على أنه أنكر ضمانه بالقيمة، وإنما نقل ابن منصور عن أحمد أنه يضمنه بدية حر كاملة باللفظ الذي زعم القاضي أن حربًا نقله.
- (ومنها): لو ضرب بطن أمة حامل، فأعتقت أو جنينها، ثم ألقته ميتًا؛ فهل يضمنه (١) بغرة جنين حر أو بقيمة جنين أمة؟
على وجهين، وكذلك لو ضرب بطن نصرانية حامل بنصراني، [ثم] أسلمت (٢)، ثم ألقت جنينًا ميتًا؛ هل يضمنه ضمان جنين مسلم أو ذمي؟
على الوجهين.
- (ومنها): لو قطع يدي عبد وقيمته ألفان، ثم سرت إلى نفسه ومات وقيمته ألف؛ فقال القاضي في "خلافه": قياس المذهب أنه يضمنه بألفين؛ لأن نقصان القيمة كنقصان بدله بالحرية، وقد قلنا: يضمن بألفين إذا عتق، كذلك هنا (٣). قال: وهذا موضع مجمع عليه؛ لأن موته حصل بقطع يده وقيمته في تلك الحال ألفان.
ويلتحق بهذا ما إذا جرح ذمي خطأً، ثم أسلم وسرى الجرح إلى النفس، وفيه ثلاثة أوجه مذكورة في "المغني" (٤) و"المحرر" (٥):
أحدها: الدية على عاقلته حال الجرح، وبه جزم في "الكافي" (٦)
стр. 1216
و"المحرر" (١) اعتبارًا بحال الجناية.
والثاني: على عاقلته أرش الجرح، والزائد بالسراية في ماله؛ لأنه حصل بعد مخالفته لدين عاقلته.
والثالث: الدية كلها في ماله؛ كما لو [اختلفت ديته] (٢) حال الرمي والإصابة على ما يأتي ذكره؛ لأن أرش الجرح إنما يستقر بالاندمال أو السراية، ولو كان الجاني ابن معتقة لقوم، ثم أنجز ولاؤه (٣) إلى موالي أبيه؛ ففي "المحرر": هو على هذا الخلاف (٤)، وفي "الكافي": الدية في ماله. ولم يذكر خلافًا.
وأما القسم الثاني؛ فمن أمثلته: ما إذا جرح عبدًا حربيًّا ثم عتق ثم مات، أو جرح عبدًا مرتدًّا ثم عتق ثم مات؛ فلا ضمان لأن الحربي والمرتد لا يضمن، حرًّا كان أو عبدًا.
وأما القسم الثالث؛ فله أمثلة:
- (منها): لو جرح حربيًّا، ثم أسلم، ثم مات؛ فلا ضمان.
- (ومنها): لو جرح مرتدًّا، ثم أسلم، ثم مات؛ فلا ضمان أيضًا.
وذكر صاحب "الترغيب" أن الضمان هنا مخرج على الضمان فيما
стр. 1217
إذا طرأ الإسلام بعد الرمي وقبل الإصابة.
- (ومنها): لو جرح صيدًا في الحل، ثم دخل الحرم فمات فيه؛ فلا ضمان، ويحل أكله؛ لأنه ذكاة في الحل، ذكره القاضي ونص عليه أحمد في "رواية ابن منصور"، وقد سأله عن قول سفيان في صيد رمي (١) في الحل، فتحامل، فدخل الحرم، فمات؛ قال: ليس عليه كفارة، ويكره أكله؛ لأنه مات في الحرم. قال أحمد: ما أحسن ما قال! وهذه الكراهة (٢) كراهة تنزيه.
- (ومنها): لو جرح عبد نفسه، ثم عتق، ثم مات؛ فهل يضمنه أم لا؟
على وجهين ذكرهما في "الترغيب"؛ لأن عبد نفسه إنما يهدر ضمانه على السيد دون غيره؛ فهو مضمون في الجملة، بخلاف المرتد والحربي، وظاهر كلام القاضي أنه يضمنه بدية حر، وأما على قول أبي بكر: إن الضمان بالقيمة؛ فلا إشكال في عدم ضمانه، ولهذا خرجه صاحب "الكافي" على الوجهين في الاعتبار بحال الجناية أو السراية (٣).
وأما القسم الرابع؛ فله أمثلة:
- (منها): لو جرح مسلمًا أو قطع يده عمدًا، فارتد ثم مات؛ فهل يجب القود في طرفه أم لا؟
стр. 1218
على وجهين، المرجح منهما عدمه؛ لأن الجراحة صارت نفسًا لا قود فيها بالاتفاق، وفي "الترغيب": أصل الوجهين الخلاف (١) فيما إذا قطع يده عمدًا، فسرت إلى نفسه؛ هل يقتص في الطرف ثم في النفس، أم في النفس [فحسب (٢)؟ وعلى وجه ثبوت القود؛ هل يستوفيه الإِمام أو وليه المسلم؟
على وجهين] (٣)، والمحكي عن أبي بكر: أنه يستوفيه الولي.
قال في "الترغيب": أصلهما أن ماله هل هو فيء أو لورثته؟ وهو ظاهر كلام الآمدي. قال في "الترغيب": وعلى القول بأن الوارث يستوفيه لو عفا على مال؛ لم يكن له المال لامتناع إرثه.
وفي "المحرر" (٤) وجهان على قولنا: ماله فيء.
وأما ضمان طرفه؛ ففيه وجهان:
أحدهما: لا ضمان أيضًا؛ لأن الجناية صارت نفسًا مهدرة.
والثاني: يضمن؛ لثبوت ضمان الطرف قبل الردة.
ثم هل يضمن بأقل الأمرين من دية النفس أو الطرف، أو بدية الطرف مطلقًا؟
стр. 1219
على وجهين، المرجح منهما (١) الأول، ولم (٢) يذكر في "المحرر" سواه.
- (ومنها): لو جرح صيدًا في الحرم، فخرج إلى الحل، فمات؛ لزمه كمال ضمانه، ذكره القاضي وأبو الخطاب في "خلافيهما"؛ تغليبًا لضمان الصيد حيث كان له حالان يضمن في أحدهما دون الآخر؛ كالمتولد بين مأكول وغيره، ويتوجه أن يضمن أرش جرحه خاصة من المسألة التي قبلها.
* * *
стр. 1220
(القاعدة التاسعة والعشرون بعد المئة)
إذا تغير (١) حال المرمي أو الرامي بين الرمي والإصابة؛ فهل الاعتبار بحالة (٢) الإصابة أم بحالة الرمى، أم يفرق بين القود والضمان، أم بين أن يكون الرمي مباحًا أو محظورًا (٣)؟
فيه للأصحاب أوجه، ويتفرع (٤) على ذلك مسائل:
- (منها): لو رمى مسلم ذميًّا أو حرٌّ عبدًا، فلم يقع بهما السهم حتى أسلم الذمي وعتق العبد ثم ماتا؛ فهل يجب القود أم لا؟
على وجهين:
أحدهما: لا يجب، وهو قول الخرقي (٥) وابن حامد، وصححه القاضي؛ لفقد التكافئ حين الجناية، وهو حالة الإِرسال؛ فهو كما لو رمى
стр. 1221
إلى مرتد فأسلم قبل الإِصابة.
والثاني: يجب، وهو قول أبي بكر، وأخذه مما روى الحسن بن محمد بن الحارث (١) عن أحمد في رجل أرسل سهمًا على زيد، فأصاب عَمرًا؛ قال: هو عمد، عليه القود. فاعتبر الرمي المحظور إذا أصاب به معصومًا؛ وإن كان غير المقصود.
وفرق أبو بكر بين رمي المرتد والذمي: بأن رمى المرتد مباح، ورده القاضي بأن رميه إلى الإِمام (٢) لا إلى آحاد الناس؛ فهو غير مباح لآحادهم، وأما النص المذكور؛ فلم يجب عنه القاضي، ويمكن الجواب عنه: بأنه قصد هناك مكافئًا وأصاب نظيره، وهنا لم يقصد مكافئًا.
وقد خرج صاحب "الكافي" وجوب القصاص في مسألة النص على قول أبي بكر (٣)، وقد تبين أنها أصله، وأما صاحب "المحرر"؛ فجعله خطأ بغير خلاف؛ لأنه أصاب من لم يقصده! فأشبه ما إذا قصد صيدًا (٤)، وهذا ضعيف؛ لأنه قصد معصومًا فأصاب نظيره، بخلاف من قصد صيدًا، ولهذا لو قصد صيدًا معينًا فأصاب غيره؛ حل، بخلاف ما إذا رمى هدفًا
стр. 1222
يعلمه فأصاب صيدًا؛ [فإنه] (١) لا يحل، أما لو ظن الهدف صيدًا فأصاب صيدًا؛ فوجهان، وقد يتخرج ها هنا مثلهما لو رمى هدفًا يظنه آدميًّا معصومًا، فأصاب آدميًّا معصومًا غيره لأن أصل الرمي كان محظورًا؛ فهذا الكلام في القود، وأما الضمان؛ فيضمنه بدية حر، ذكره الخرقي (٢) والقاضي والأكثرون، ولم يحكوا فيه خلافًا؛ حتى نقل صاحب "الترغيب" اتفاق الأصحاب على ذلك اعتبارًا بحالة الإصابة؛ فإنه إنما أصاب حرًّا مسلمًا، وتكون دية المعتق لورثته دون السيد، ذكره القاضي.
- (ومنها): لو رمى إلى مرتد أو (٣) حربي فأسلما، ثم وصل إليهما السهم فقتلهما؛ فلا قود بغير خلاف؛ لأن دمهما حال الرمي كان مهدرًا، وهل يجب الضمان؟
فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: وجوبه فيهما، قاله القاضي في "خلافه" والآمدي (٤) وأبو الخطاب في موضع من "الهداية"، وعزاه غير واحد إلى الخرقي اعتبارًا بحالة الإِصابة، وهما حينئذ مسلمان معصومان، ولا أثر لانتفاء العصمة حال السبب؛ كما لو حفر بئرًا لهما فوقعها فيها بعد إسلامهما؛ فإنه يضمنهما بغير خلاف، ذكره القاضي وغيره، قال القاضي: ولا نسلم أن
стр. 1223
رمي الحربي والمرتد مباح مطلقًا، بل هو مراعا، فإن أسلم قبل الوقوع؛ تبينا أنه لم يكن مباحًا.
والثاني: لا ضمان فيهما، وهو أشهر، وحكاه القاضي في روايتيه (١) عن أبي بكر في المرتد، وقال: لا خلاف فيه في المذهب، لأن رميهما كان مأمورًا به، وقد حصل على وجه لا يمكن تلافيه؛ فأشبه ما إذا جرحهما ثم أسلما.
والثالث: يضمن المرتد دون الحربي، وأصل هذا الوجه طريقة القاضي في "المجرد" وابن عقيل وأبي (٢) الخطاب في موضع من "الهداية": إنه لا يضمن الحربي بغير خلاف، وفي المرتد وجهان. والفرق إن المرتد قتله إلى الإمام؛ فالرامي إليه متعد؛ فهو كالرامي (٣) إلى الذمي، بخلاف الحربي؛ فإن لكل أحد قتله؛ فرميه ليس بعدوان، أما عكسه، وهو لو (٤) رمى إلى معصوم، فأصابه السهم وهو مهدر [الدم] (٥)؛ كمسلم ارتد، أو ذمي (٦) نقض العهد بين الرمي والإصابة؛ فلا ضمان، بغير خلاف أعلمه بين الأصحاب؛ لأن الإصابة لم تصادف معصومًا؛ فهو كما لو رمى معصومًا، فأصابه السهم بعد موته، وكذلك لو رمى عبدًا قيمته عشرون
стр. 1224
دينارًا، فأصابه السهم وقيمته عشرة؛ فإنه يضمنه بقيمته وقت الإِصابة لا وقت الرمي بغير خلاف، ذكره القاضي وغيره.
- (ومنها): لو رمى الذمي سهمًا إلى صيد فأصاب آدميًّا، وقد أسلم الرامي؛ فقال الآمدي: يجب ضمانه في ماله؛ لأنه لم يكن مسلمًا حال الرمي لتعقله (١) عاقلته المسلمون، ولا يجب على عاقلته من أهل الذمة؛ لأنه حين الإصابة كان مسلمًا، وبذلك جزم صاحب (٢) "المحرر" (٣) و"الكافي" (٤)، وكذلك حكم ما إذا (٥) رمى ابن معتقة، فلم يُصَب حتى انجر ولاؤه (٦) إلى موالي أبيه، ولو رمى مسلم (٧) سهمًا ثم ارتد ثم أصاب سهمه فقتل؛ فهل تجب الدية في ماله اعتبارًا بحال الإِصابة، أم على عاقلته اعتبارًا بحال الرمي؟
على وجهين ذكرهما صاحب "المستوعب".
ويتخرج منهما (٨) في المسألتين الأولتين وجهان أيضًا:
أحدهما: إن الضمان على أهل الذمة وموالي الأم.
стр. 1225
والثاني: إنه على المسلمين وموالي الأب.
- (ومنها): لو رمى الحلال إلى صيد ثم أحرم قبل أن يصيبه؛ ضمنه، ولو رمى المحرم إلى صيد ثم [أحل] (١) قبل الإِصابة؛ لم يضمنه اعتبارًا بحال الإِصابة فيهما (٢)، ذكره القاضي في "خلافه" في الجنايات، قال: ويجيء على قول أحمد فيمن رهى طيرًا على غصن في الحل أصله في الحرم: أن يضمن هنا في الموضعين تغليبًا للضمان. انتهى.
ويتخرج عدم الضمان فيما إذا رمى وهو محل ثم أحرم من عدم ضمان الحربي إذا أسلم قبل الإِصابة؛ اعتبارًا بإباحة الرمي؛ إلا أن يفرق بأن قصد الإحرام عقيب (٣) الرمي تسبب (٤) إلى الجناية على الصيد فيه، ولا سيما إن قصد الرمي قبيل (٥) الإِحرام لذلك.
- (ومنها): لو رمى الحلال من الحل صيدًا في الحرم، فقتله؛ فعليه ضمانه على المنصوص، قال أحمد في "رواية ابن منصور" في رجل رمى صيدًا في الحل فأصابه في الحرم؛ قال: عليه جزاؤه. وقال أيضًا في روايته: وذكر له قول سفيان: لو رمى شيئًا في الحل، فدخلت رميته في الحرم فأصابت شيئًا؛ ضمن لأن يده التي جنت. قال أحمد: ما أحسن ما قال!
стр. 1226
وكذلك نص [أحمد] (١) في "رواية ابن منصور": في شجرة في الحل غصنها في الحرم عليه طير؛ لا يرمى. ولم يفصل بين رميه من الحل والحرم، وبهذا جزم ابن أبي موسى والقاضي والأكثرون، ولم يذكر القاضي في "خلافه" سواه؛ لأنه صيد معصوم بمحله؛ فلا يباح قتله بكل حال، وفيه الضمان.
وذكر القاضي في "المجرد" وأبو الخطاب وجماعة رواية أخرى: إنه لا يضمنه اعتبارًا بحال الرامي ومحله، وهو ضعيف، ولا يثبت عن أحمد، وإنما أخذه القاضي من "رواية ابن منصور" في إباحة الاصطياد بالكلب وإرساله من الحرم إلى الحل؛ قال: فظاهر (٢) هذا أنه متى كان أحدهما في الحل والآخر في الحرم؛ فلا ضمان، ولا يصح؛ لوجهين:
أحدهما: أن النص في الكلب، والكلب له فعل اختياري، فإذا أرسله في الحرم على صيد في الحل؛ فهو بمنزلة من وكل عبده في الحرم في شراء صيد من الحل وذبحه فيه، وهذا بخلاف ما إذا أرسل سهمه؛ لأنه منسوب إلى فعله، ولهذا فرق أحمد في "رواية ابن منصور" بين أن يرسل سهمه من الحل إلى صيد في الحل، فيدخل الحرم، فيقتل فيه، فيضمنه، وبين أن يرسل الكلب، فلا يضمن؛ لأن دخول الكلب إلى الحرم باختياره (٣) ودخول السهم بفعل الرامي، ولهذا لو أصاب سهمه (٤) هذا
стр. 1227
آدميًّا؛ لضمنه، ولو أصاب الكب آدميًّا، لم يضمنه، وإلى هذا التفريق أشار ابن أبي موسى؛ حيث ضمن في رمي السهم في المسألتين، ولم يضمن في صيد الكب إذا أرسله في الحل فصاد في الحرم؛ إلا أن يرسله بقرب الحرم، وأما إن أرسله في الحرم فصاد في الحل؛ فحكى فيه روايتين؛ قال: والأظهر عنه أن (١) لا جزاء فيه، ولكن القاضي إنما صرح بالخلاف في الكلب، وأبو الخطاب هو الذي طرد الخلاف في السهم.
والوجه الثاني: إن هذا النص إنما يدل على انتفاء الضمان فيما إذا أرسل سهمه من الحرم على صيد في الحل؛ لأن صيد الحل غير معصوم؛ فلا (٢) يصح إلحاق صيد الحرم به.
وقد فرق طوائف من الأصحاب بين الصورتين؛ فمنهم من جزم بنفي الضمان فيما إذا أرسل سهمه من الحرم إلى الحل وبالضمان في العكس (٣)، من غير خلاف حكاه فيهما، وهو [الشيرازي في "المبهج"] (٤)، ومنهم من حكى الخلاف فيهما وصحح الفرق، وهو صاحب "المغني" (٥)، ومنهم من حكى الخلاف فيما إذا أرسل سهمه من الحرم إلى الحل ولم يحك الخلاف في ضمان عكسه، وهو القاضي في "خلافه"، وأخذ نفي الضمان في الصورة الأولى من "رواية ابن منصور" المذكورة والضمان من
стр. 1228
"رواية ابن منصور" أيضًا عن أحمد فيمن قتل صيدًا على غصن في الحل أصله في الحرم: إنه يضمنه.
وفي أخذ الضمان من هذا نظر؛ فإن الغصن تابع لمحل معصوم، وهو أصل الشجرة الذي في الحرم؛ فكان حكمه حكم الحرم، بخلاف الحل، ولهذا؛ لم يفرق أحمد بين قتله من الحل أو من الحرم؛ فدل على أن حكم الغصن عنده حكم الحرم.
ونقل ابن منصور عنه أيضًا وذكر له قول سفيان في شجرة أصلها في الحل وأغصانها في الحرم وعليها طير، فرماه إنسان، فصرعه؛ قال: ما كان في الحل؛ فليرم، وما كان في الحرم؛ فلا يرم. قال [أحمد] (١): ما أحسن ما قال!
فجعل القاضي هذه رواية ثانية مخالفة للأولى، وحكى في الصيد الذي على غصن في الحل أصله في الحرم روايتين، وليس كذلك، فإن أحمد ضمن الصيد في الأولى؛ إلحاقًا للفرع بأصله في الحرمة، ولم يضمن في الثانية؛ إلحاقًا للفرع بأصله في عدم الحرمة، وإنما ضمن ما كان على الغصن الذي في الحرم؛ لأنه في هواء الحرم؛ فهو (٢) معصوم بمحله، وهو الحرم، [وجعل ابن أبي موسى الغصن تابعًا لقراره من الأرض دون أصله، وهو مخالف لنص أحمد] (٣)؛ [لأنه في هواء الحرم] (٤).
стр. 1229
- (ومنها): هل الاعتبار [في حل] (١) الصيد بأهلية الرامي وسائر الشروط حال الرمي أو الإصابة؟
فيه وجهان:
أحدهما: الاعتبار بحال الإصابة، وبه جزم القاضي في "خلافه" في كتاب الجنايات وأبو الخطاب في "رؤوس مسائله" (٢)، فلو رمى سهمًا وهو محرم أو مرتد أو مجوسي ثم وقع السهم بالصيد وقد حل أو أسلم؛ حل أكله، ولو كان بالعكس؛ لم يحل، وقد سبق الخلاف في المحرم.
والثاني: الاعتبار بحال الرمي (٣)، قاله القاضي في ["خلافه" في] (٤) كتاب الصيد، وأخذه من نص أحمد في "رواية يوسف بن موسى" (٥) في رجل رمى بنشاب وسمى، فمات الرامي قبل أن يصيب؛ فلا بأس بأكله إذا رماه بما يجرح، وفرع عليه: ما إذا رمياه جميعًا، فأصابه سهم أحدهما أولًا فأثخنه، ثم أصابه سهم الآخر فقتله؛ أنه يجوز أكله؛ لأن الثاني أرسل سهمه قبل امتناعه والقدرة عليه؛ قال: وقد أومأ إليه أحمد في "رواية محمد بن الحكم" في رجلين رميا صيدًا فأصاباه جميعًا، فإن كانا قد ذكياه جميعًا؛ أكلاه، قال القاضي: معناه إذا كانا رمياه جميعًا [بما لهُ حَدٌّ] (٦)، ولم يفرق
стр. 1230
بين أن يتقدم إصابة أحدهما على الآخر أو يتأخر. انتهى.
ومما يتفرع على ذلك التسمية؛ فإنها تشترط عند الإِرسال، ولو سمى بعد إرساله؛ فإن انزجر بالتسمية وزاد جريه؛ كفى، وإلا؛ فلا، نص عليه في "رواية الميموني"، وقال القاضي في كتاب الجنايات: إنما اعتبرت التسمية وقت الإرسال؛ لمشقة معرفة (١) وقت الإِصابة، وهذا مشعر بأنه لو سمى عند الإصابة مع العلم بها؛ لأجزأ.
* * *