← Каваид фикха

Каваид фикха · id 17894

قواعد ابن رجب - ت مشهور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 699 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وكذلك الفيء إذا قلنا: إنه يخمس. ذكره أبو حفص العكبري، حكاه عنه الآمدي، وذكر في ذلك آثارًا عن عثمان (١) وعلي (٢) وغيرهما من الصحابة ﵃ [أجمعين] (٣)] (٤). - (ومنها): لو حلف بيمين ولم يدر أي الأيمان هي؛ فالمنصوص عن أحمد أنه لا يلزمه شيء، قال في "رواية ابن منصور" في رجل حلف بيمين لا يدري ما هي: طلاق أو غيره؛ قال: لا يجب عليه الطلاق حتى

стр. 1472

يعلم أو يستيقن. وظاهره أنه لا يلزمه شيء من موجبات الأيمان كلها؛ لأن الأصل براءة الذمة من موجب كل يمين بانفرادها. وتوقف أحمد في رواية أخرى، قال صالح: سألت أبي عن رجل حلف على يمين لا يدري [بما] (١) حلف؛ باللَّه أو (٢) بالطلاق أو بالمشي؟ قال: لو عرف اجترأت أن أجيب فيها؛ فكيف إذا لم يدر (٣)؟! وفي المسألة قولان آخران: أحدهما: إنه يقرع بين الأيمان كلها؛ من الطلاق والعتاق والظهار واليمين باللَّه؛ فما خرج بالقرعة؛ لزمه مقتضاه، وهو بعيد؛ لما يتضمنه من إيقاع الطلاق والعتاق بالشك، ولكنه احتمال ذكره ابن عقيل [في "فنونه"] (٤). وذكر القاضي في بعض تعاليقه أنه استفتي في هذه المسألة، فتوقف فيها، ثم نظر؛ فإذا قياس المذهب أنه يقرع بين الأيمان (٥) كلها؛ الطلاق والعتاق والظهار واليمين باللَّه [تعالى] (٦)، فأي يمين وقعت عليها القرعة؛ فهي المحلوف عليها. قال: ثم وجدت عن أحمد ما يقتضي أنه لا يلزمه حكم هذه اليمين. وذكر "رواية ابن منصور" [المتقدمة] (٧).

стр. 1473

[وحكاه في موضع آخر منها عن القاضي: إنه كان يجيب بذلك قبل وقوفه على "رواية ابن منصور" المذكورة] (١). والثاني: إنه يلزمه كفارة كل يمين؛ لأنه يتيقن وجوب أحدهما وشك في عينه، ذكره (٢) ابن عقيل في "فنونه" أيضًا، وهو متجه فيما إذا علم أنها إحدى الأيمان المكفرة، وأما إن شك هل هي مما يدخله التكفير أو لا؛ فلا يزول شكه بالتكفير المذكور. وفي "مسائل إبراهيم الحربي" (٣): سمعت رجلًا يسأل (٤) أحمد بن حنبل عن يمين حلفها، فقال له أحمد: كيف حلفت؟ فقال [له الرجل] (٥): [لا] (٦) أدري كيف حلفت؟ فقال أحمد: حدثنا يحيى بن آدم؛ قال: قال

стр. 1474

رجل لشريك: حلفت ولست (١) أدري كيف حلفت؟ فقال له شريك: ليتني إذا دريتَ أنت كيف حلفتَ دريتُ أنا كيف أُفتيتك! انتهى (٢). وهذه الرواية يحتمل أن يكون المراد أنه لم يدر بماذا حلف؛ فيكون (٣) كرواية صالح السابقة، [ويحتمل أنه لم يدر ما] (٤) حلف عليه؛ مثل أن يعلم أنه حلف بالطلاق مثلًا [أنه يفعل] (٥) شيئًا، [ثم] (٦) نسي ما حلف عليه؛ فهنا (٧) قد شك في شرط الطلاق، وهو عدمي؛ فلا يلزمه الطلاق (٨) على المذهب عند صاحب "المحرر" (٩). وفيه وجه: يحنث في آخر أوقات الإمكان؛ لأن الأصل وجود ما علق عليه، وهو العدم، وإن حلف بالطلاق لا يفعل كذا، فهنا شرط الطلاق وجودي، وهو الفعل؛ فلا يقع الطلاق بالشك في وجوده.

стр. 1475

وأفتى الشيخ تقي الدين فيمن حلف ليفعلن (١) شيئًا ثم نسيه أنه لا يحنث؛ لأنه عاجز عن البر (٢)، وهو يرجع إلى الوجه المذكور في الصورة الأولى. - (ومنها): إذا تناضل حزبان واقتسموا الرجال بالاختيار، واختلفوا في البادي بالاختيار من كل حزب؛ أقرع بينهم لذلك، وكذلك إذا اختلف (٣) الرماة في المبتدئ بالرمي (٤) وتشاحوا؛ أقرع بينهم في قياس المذهب، قاله (٥) الآمدي، واختار القاضي أنه يقدم من أخرج السبق، فإن لم يكن أقرع بينهم، واختار صاحب "الترغيب" أنه لا يصح عقد المناضلة حتى يعين فيه المبتدئ (٦) بالرمي (٧). - (ومنها): إذا استوى اثنان من أهل الفيء في درجة (٨)؛ ففي "المجرد": يُقدَّمُ أسنُّهما (٩)، ثم أقدمهما هجرة، وفي "الأحكام السلطانية": يقدم بالسابقة (١٠) في الإسلام، ثم بالدين، ثم بالسن، ثم

стр. 1476

بالشجاعة، ثم ولي الأمير مخير: إن شاء أقرع بينهما، وإن شاء رتبهما على رأيه (١) واجتهاده (٢). - (ومنها): إذا تنازع الإمامة العظمى اثنان وتكافئا في صفات الترجيح؛ قدم أحدهما (٣) بالقرعة، قال القاضي (٤): هذا قياس المذهب؛ كالأذان. - (ومنها): لو عقدت الإمامة لاثنين في عقدين مترتبين، وجهل السابق منهما؛ فقال القاضي (٥): يخرج على روايتين: إحداهما (٦): بطلان العقد فيهما. والثانية: استعمال القرعة بناءً على ما إذا زوج الوليان وجهل السابق منهما؛ فإنه على روايتين، كذلك هنا. انتهى. ولكن المشهور في حكاية الرواية الأولى في كتب (٧) القاضي وأصحابه: إنه يفسخ النكاحان، وقياس (٨) هذا أن (٩) يفسخ العقدان لا أنهما

стр. 1477

يبطلان من غير فسخ. - (ومنها): إذا ولى الإمام قاضيين في بلد عملًا واحدًا، وقلنا بصحة ذلك، فاختلف الخصمان فيمن يحتكمان إليه؛ فالقول قول المدعي، فإن تساويا في الدعوى؛ اعتبر أقرب الحاكمين إليهما، فإن استويا؛ أقرع بينهما، وقيل: يمنعان من التخاصم حتى يتفقا (١) على أحدهما، قال القاضي (٢): والأول أشبه بقولنا. - (ومنها): إذا هجم الخصوم على (٣) القاضي دفعة واحدة، وتشاحوا في المتقدم، وليس فيهم مسافر؛ فإنه يقدم أحدهما بالقرعة، [وكذلك (٤) إذا ادعى الخصمان عنده معًا؛ فإنه يقدم أحدهما بالقرعة] (٥). - (ومنها): القرعة في القسمة، إذا عدل القاسم السهام بالأجزاء إن تساوت وبالقيمة إن اختلفت وبالرد فيما يقتضي الرد؛ فإنه يقرع بين الشركاء، وهو مخير: إن شاء كتب اسم كل [واحد] (٦) منهم في رقعة، ثم

стр. 1478

تخلط الرقاع ويخرج على [كل] (١) سهم (٢) رقعة منها، وإن شاء كتب اسم كل سهم في رقعة، ثم خلطها وأخرج واحدة واحدة [منها] (٣) على اسم واحد [واحد] (٤) من الشركاء، فإذا تمت القرعة؛ لزمت القسمة للشركاء. وفيه وجه: لا يلزم (٥) فيما فيه رد حتى يتراضيا به بعد القسمة؛ لأنها بيع، إذا دخلها الرد؛ فيشترط لها التراضي (٦). - (ومنها): إذا تداعى اثنان عينًا بيد ثالث، فأقر بها لأحدهما مبهمًا وقال: لا أعلم عينه؛ فإنه يقرع بينهما، فمن قرع؛ فهي له، وهل يحلف؟ على وجهين ذكرهما أبو بكر، والمنصوص عن أحمد أن عليه اليمين، وعليه حمل حديث أبي هريرة: "إذا أحب الرجلان اليمين أو كرهاها؛ فليستهما عليها" (٧)، لكنه قال: إذا كرها اليمين وخرجت القرعة

стр. 1479

لأحدهما؛ فهي له بغير يمين، ولا فرق بين أن يكون (١) وديعة أو عارية أو رهنًا أو بيعًا مردودًا بعيب أو خيار أو غيرهما، نص عليه في المردود في "رواية ابن منصور" (٢). وإن قال من هي في يده: ليست لي، ولا أعلم لمن هي؛ ففيها ثلاثة أوجه:

стр. 1480

أحدها: يقترعان عليها، كما لو أقر بها لأحدهما مبهمًا. والثاني: تجعل (١) عند أمين الحاكم. والثالث: تقر في يد من هي في يده. والأول ظاهر كلام [الإمام] (٢) أحمد في "رواية صالح" (٣) وأبي طالب وأبي النضر (٤) وغيرهم، والوجهان الآخران مخرجان من مسألة من في (٥) يده شيء معترف (٦) بأنه ليس له، [ولا يعرف مالكه] (٧)، فادعاه معين؛ فهل يدفع إليه أم لا؟ وهل يقر (٨) بيد من هو في يده، أم ينزعه (٩) الحاكم؟ فيه خلاف [معروف] (١٠). - (ومنها): إذا تداعا اثنان عينًا ليست في يد أحد [هما] (١١)؛ ففيها

стр. 1481

وجهان: أحدهما: تقسم (١) بينهما؛ كالتي بأيديهما. والثاني: يقرع بينهما؛ فتعطى (٢) لمن قرع؛ كما لو كانت بيد ثالث، وهو ظاهر كلام أحمد في "رواية صالح" في اثنين تداعيا كيسًا ليست أيديهما عليه: إنهما يستهمان عليه، فمن خرج سهمه؛ فهو له مع يمينه (٣)، ولم يفرق بين أن يكون في يد غيرهما، أو لا يكون في يد [أحد] (٤). - (ومنها): إذا تعارضت البينتان؛ ففي المسألة ثلاث روايات: إحداهن: يسقطان بالتعارض، ويصيران كمن لا بينة لهما. والثانية: تستعملان (٥) بقسمة العين بينهما بغير يمين. والثالثة: ترجح (٦) إحداهما بالقرعة، فمن قرع؛ حلف وأخذ العين. هكذا حكى القاضي في "بعض كتبه" هذه الرواية، وتبعه عليها كثير من الأصحاب، وأنكرها في [كتاب] (٧) "المجرد" و"الخلاف"، وقال: إنما

стр. 1482

معناها أن البينتين يسقطان بالتعارض، وتصير العين في يد غير (١) المتداعيين؛ فيقرع بينهما على ما تقدم. وصرح أحمد بهذا المعنى في "رواية حنبل"؛ فقال: لو أقاما البينة جميعًا؛ أسقطت البينتين جميعًا؛ لأن كل واحدة منهما قد أكذبت صاحبتها، ويستهمان على اليمين. وحكى ابن شهاب في "عيون المسائل" (٢) رواية أخرى: إنه يوقف [الأمر] (٣) حتى يتبين أو يصطلحا عليه، ولو كانت العين المتنازع (٤) فيها بيد أحدهما؛ فلا تعارض، بل تقدم بينة الخارج في أشهر الروايتين، وفي الأخرى بينة الداخل؛ إلا أن يكون التنازع في سبب اليد بأن يدعي كل منهما أنه اشتراها من زيد أو إتهبها منه، ويقيم (٥) بذلك بينة؛ ففيه روايتان: إحداهما (٦): إنه كبينة الداخل والخارج على ما سبق، وهي المذهب عند القاضي.

стр. 1483

والثانية: يتعارضان؛ لأن سبب اليد هو نفس المتنازع فيه؛ فلا تبقى مؤثرة لأنهما اتفقا على أن ملك هذه الدار لزيد، وعنه هو متلقى؛ [فلذلك لم] (١) يبق لليد تأثير لأنه قد علم مستندها، وهو الشراء الذي عورض بمثله، وهذه الرواية اختيار أبي بكر وابن أبي موسى وصاحب "المحرر" (٢). واختار أبو بكر وابن أبي موسى ها هنا (٣): إنه يرجح بالقرعة، ونص عليه أحمد في "رواية ابن منصور" في رجل باع ثوبًا، فجاء رجل، فأقام البينة أنه اشتراه بمئة، وأقام الآخر البينة أنه اشتراه بمئتين، والبائع يقول: بعته بمئتين، والثوب في يد البائع بعد، قال: ليس قول البائع بشيء، يقرع بينهما، فمن أصابته القرعة، فهو له بالذي ادعى أنه اشتراه به. قلت: فإن كان الثوب في يد أحدهما، ولا يدرى أيهما [اشتراه أول] (٤)؟ قال: لا ينفعه ما في يديه (٥)، إذا (٦) كان مقرًّا أنه اشتراه من فلان (٧)؛ فلا ينفعه ما في يديه (٨).

стр. 1484

والعجب أن القاضي في "المجرد" حكى هذا النص عن أحمد، وذكر أنه أجاب بقسمة الثوب بينهما نصفين، ثم تأوله على أنه كان في أيديهما، وإنما أجاب أحمد فيه بالقرعة كما ذكرناه، وإنما المجيب بالقسمة سفيان الثوري؛ فإن إسحاق ابن منصور يذكر لأحمد أولًا المسألة وجواب سفيان فيها، فيجيبه أحمد عنها بعد ذلك بالموافقة أو بالمخالفة؛ فربما يشتبه جواب أحمد بجواب سفيان، وقد وقع ذلك للقاضي كثيرًا؛ فلينبه لذلك، وليراجع كلام أحمد من أصل "مسائل ابن منصور". ووقع في "الإِرشاد" (١) لابن أبي موسى في هذه المسألة كما وقع للقاضي؛ فإنه نقل عن أحمد: إنه إذا كان الثوب في يد البائع، فهو بينهما نصفين، وإن كان في يد أحدهما؛ أقرع بينهما، وهو وهم أيضًا. [وذكر الشيخ تقي الدين [﵀] (٢) أن مقتضى المذهب أنه إذا شهدت البينتان [بالعقدين أو الإقرارين أو الحكمين؛ أن يصدق البينتان] (٣)، ثم (٤) إن علم السابق، وإلا؛ كان بمنزلة أن تشهد بينة واحدة

стр. 1485

بالعقدين ولا يعلم السابق منهما (١)؛ فهنا إما أن يقرع، أو يبطل العقدان؛ فلا يبقى هنا عقد صحيح يحكم به؛ فيقر في يد ذي اليد، وتكون الدعوى حينئذ لمن انتقل عنه على صاحب اليد. قال: وقياس المذهب فيما إذا اشتبه أسبق عقدي البيع: أن يفسخهما؛ إلا أن يتعذر (٢) موجب الفسخ من رد الثمن ونحوه؛ فإنا (٣) [نقرع (٤) لأن من أصلنا أنه إذا اشتبه المالك بغير المالك أو الملك بغير [الملك] (٥)؛ فإنا] (٦) نقرع، فإذا أمكن فسخ العقد ورد كل مال إلى صاحبه؛ فهو خير من حظر القرعة] (٧). - (ومنها): الإقراع في العتق، وهو أشهر ما وردت [فيه] (٦) السُّنة بالإقراع فيه (٨)، ويندرج تحته صور كثيرة:

стр. 1486

- (فمنها) (١): إذا أعتق في مرضه عبيده أو دبرهم، ولم يخرجوا من ثلثه؛ فإنه يقرع بينهم، فيعتق منهم بقدر الثلث، نص عليه أحمد في رواية جماعة (٢)، قال القاضي: ويكون العتق مراعًا، فإن مات ولم يجز الورثة؛ تبينا أن الحر منهم اثنان مثلًا، وأن العتق كان واقعًا عليهما دون غيرهما، ولكنهما كانا غير معينين، وإنما تميزا وتعينا (٣) بالقرعة؛ كما تتميز وتتعين (٤) الحقوق المشتركة في العقار وغيره بالإقراع في القسمة وغيرها. ويستثنى من هذا صور لا إقراع فيها ذكرها الأصحاب: - (أحدها): إذا كان عتق أحد العبدين مرتبًا على الآخر، بأن قال: إن أعتقت سالمًا؛ فغانم حر؛ فإَه يعتق سالم وحده إذا أعتقه (٥)، ولا يقرع؛ لأن القرعة قد تفضي إلى عتق غانم وحده؛ فيلزم (٦) منه ثبوت المشروط بدون شرطه. (والثانية): إذا قال في مرضه: أعتقوا سالمًا إن خرج من الثلث،

стр. 1487

وإلا؛ فاعتقوا منه ما عتق، وقال أيضًا: أعتقوا غانمًا إن خرج من الثلث، وإلا؛ فاعتقوا منه ما عتق. قال الأصحاب: يعتق من كل واحد نصفه مع تساوي قيمتهما؛ لأنه لم يقصد بالوصية تكميل الحرية في كل واحد؛ فلم يقرع؛ كما لو قال: أعتقوا نصف سالم، وإلا؛ فنصف غانم. (والثالثة): لو (١) أعتق أمة حاملًا في مرض موته، ولم يتسع الثلث لها ولحملها؛ قالوا: لا يجوز الإقراع؛ لأن الحمل تبع لأمه وجزء منها؛ فلا يجوز إفراده بالعتق دونها، والقرعة قد تفضي إلى ذلك [ولا] (٢) أن تعتق هي دون حملها إذا استوعبت قيمتها الثلث؛ لأن الولد تبع لها، وعتقه ملازم لعتقها؛ فلا يمكن أن يعتق منها شيء ولا يعتق منه مثله؛ فيتعين أن يعتق منها ومن حملها بالحصة. وذهب [أبو] (٣) علي بن أبي موسى إلى أن الإقراع إنما يدخل حيث كان العتق لمبهم (٤) غير معين وتشاح العبيد فيه، فأما إن كان لمعين؛ فلا إقراع، وكذا إن لم يتشاح فيه العبيد، وحكي عن أبي بكر في "خلافه" ما يوافق ذلك؛ فعلى هذا إذا وصى بعتق عبيده ولم يجز الورثة؛ أعتقوا منهم بمقدار الثلث، فإن تشاح العبيد في العتق؛ أقرع بينهم؛ فعتق من وقع عليه سهم الحرية منهم، وكذلك لو دبرهم، ذكره ابن أبي موسى، وذكر هو وأبو

стр. 1488

بكر فيما إذا شهدت بينة على مريض أنه أعتق عبده هذا، وشهدت أخرى أنه أعتق عبده هذا: إنه يجب العتق لهما، ويتحاص (١) فيه العبدان. قال أبو بكر: لأن القرعة إنما تجب إذا كان أحدهما حرًّا والآخر عبدًا. يعني: إذا كان العتق لواحد لا للجميع. وهذا مناقض لما ذكره ابن أبي موسى في تدبيرهم كلهم؛ إلا أن نقول (٢): تدبيرهم يقع موقوفًا مراعًا؛ كعتقهم المنجز في مرضه، فيعتق منهم من عدم الإجازة قدر الثلث، وهو مبهم؛ فيميز بالقرعة، بخلاف ما إذا أعتق عبدين معينين وهو ضعيف؛ فإنه لا فرق بين أن يكون العبيد (٣) جميع ماله أو نصفه مثلًا؛ إذ لا بد من الرد إلى الثلث. وقد نقل ابن منصور عن أحمد فيمن قال في مرضه: أعتقوا عني أحد عبدي هذين: إنه يعتق أحدهما، فإن تشاحا في العتق؛ يقرع بينهما، وإنما قال: يعتق أحدهما ابتداءً؛ لأنها (٤) وصية؛ فالواجب فيها ما يصدق عليه الاسم؛ كما لو وصى بأحدهما لزيد. - (ومنها): لو أعتق أحد عبديه (٥)؛ فإنه يعين بالقرعة. ويتخرج وجه آخر: إنه يعينه (٦) بتعيينه من الرواية السابقة في الطلاق،

стр. 1489

ولو أعتق عبدًا من عبيده، ثم أنسيه أو جهله ابتداءً؛ كمسألة الطائر (١) المشهورة؛ فإنه يخرج بالقرعة أيضًا (٢). ويتخرج وجه آخر: إنه لا يقرع ها هنا من الطلاق، وأشار إليه بعض الأصحاب، لكن قياس الرواية المذكورة في الطلاق أنه يقرع، فمن خرجت له القرعة؛ عتق، ويستدام الملك في غيره؛ إلا أنه لا يستباح وطئ شيء منهن إذا كن إماء، ولو قال رجل: إن كان هذا الطائر غرابًا؛ فعبدي حر، وقال آخر: إن لم يكن غرابًا؛ فعبدي حر، وجهل (٣) أمره؛ فالمشهور أنه لا يعتق واحد من العبدين، فإن اشترى أحد المالكين عبد الآخر؛ ففيه وجهان: أحدهما: يعتق ما اشتراه؛ لأن استدامته لاسترقاق عبده إقرارًا منه بأن عبد صاحبه هو الذي عتق، فإذا اشتراه؛ نفذ إقراره على نفسه، فعتق عليه. والثاني: إنه يعتق أحدهما غير معين، ثم يميز بالقرعة، وهو أصح؛ لأن تمسكه بعبده [إنما كان] (٤) استصحابًا للأصل لا غير. وأما الولاء؛ فعلى الوجه الأول: هو موقوف حتى يتصادقا على أمر يتفقان عليه، وعلى الثاني: إن وقعت الحرية على المشتري؛ فكذلك، وإن وقعت على عبده؛ فولاؤه له، ويتوجه أن يقال: يقرع بينهما، فمن

стр. 1490

قرع؛ فالولاء له كما تقدم مثل ذلك في الولد الذي يدعيه أبوان، وأولى؛ لأنه (١) ها هنا إنما عتق على واحد غير معين، وهناك يمكن أن يكون الولد لهما، وكذلك يقال: لو كان عبد بين شريكين موسرين، فقال أحدهما: إن كان الطائر غرابًا؛ فنصيبي حر، وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا؛ فنصيبي حر؛ فإن العبد عتق (٢) على أحدهما، وهو غير معلوم؛ فيميز بالقرعة، ويكون له الولاء. - (ومنها): لو قال لأمته: أول ما تلدينه حر، فولدت ولدين، واشتبه أولهما خروجًا؛ فإنه يميز بالقرعة، نص عليه (٣)؛ لأن العتق وقع على معين وجهل ابتداءً (٤)، ولو قال: أول غلام لي بطلع؛ فهو حر، فطلع عبيده كلهم، أو قال لزوجاته: أيتكن طلع، أولًا؛ فهي طالق. فطلعن كلهن؛ فنص أحمد على أنه يميز واحد من العبيد وامرأة من الزوجات بالقرعة في "رواية مُهَنَّأ" (٥). واختلف الأصحاب في هذا النص؛ فمنهم من حمله على أن

стр. 1491

اطلاعهم كان مرتبًا [وأشكل السابق منهم؛ فيميز بالقرعة] (١)؛ كمسألة الولادة، ومنهم من أقر النص على ظاهره، وأنهم طلعوا دفعة واحدة، وقال: صفة الأولية شاملة لكل واحد منهم بانفراده، والمعتق إنما أراد عتق واحد منهم؛ فميز بالقرعة، وهي طريقة القاضي في "خلافه" (٢)، ومن الأصحاب من قال: يعتق ويطلق الجميع؛ لأن الأولية صفة لكل واحد منهم، ولفظه صالح للعموم؛ لأنه مفرد [مضاف]، أو يقال: الأولية صفة للمجموع لا للأفراد، وهو الذي ذكره صاحب "المغني" في الطلاق (٣)، ومنهم من قال: لا تطلق، ولا يعتق شيء منهم؛ لأن الأول لا يكون إلا فردًا لا تعدد فيه، والفردية منتفية (٤) هنا، وهو الذي ذكره القاضي وابن عقيل في الطلاق والسامري وصاحب "الكافي" (٥). ويتخرج وجه آخر، [وهو] (٦) أنه إن طلع بعدهم [غيرهم] (٧) من عبيده

стр. 1492

وزوجاته؛ طلقن وعتقن (١)، وإلا؛ فلا بناءً على أن الأول هو السابق لغيره؛ فلا يكون أولًا حتى يأتي بعده غيره؛ فيتحقق [بذلك له] (٢) صفة (٣) الأولية، وهو وجه لنا ذكره ابن عقيل وغيره. وقريب من هذه المسألة ما ذكره ابن أبي موسى في كتاب العتق؛ فقال: واختلف قوله في الرجل يقول لعبيده: أيكم جاءني بخبر كذا؛ فهو حر، فأتى بذلك الخبر اثنان معًا أو أكثر؛ على روايتين، قال في إحداهما: قد عتق واحد منهم؛ فيقرع بينهم، فمن قرع صاحبه؛ فقد عتق، وقال في الأخرى: فقد عتقا جميعًا. انتهى. فأما وجه عتقهما جميعًا؛ فظاهر؛ لأن أَيًّا من صيغ العموم، وأما وجه عتق أحدهما بالقرعة؛ فهو أن المتبادر إلى الأفهام من هذا التعليق الخصوص، و [أنه] (٤) إنما أريد به عتق واحد يجيء بالخبر؛ فيصير عموم هذا اللفظ عموم بدلية (٥) لا عموم شمول؛ فلا يعتق [به] (٤) أكثر من واحد (٦)، فإذا اجتمع اثنان على الإتيان بالخبر؛ أعتق أحدهما بالقرعة، وليس هذا كما لو قال لزوجاته: أيتكن خرجت؛ فهي طالق، فإذا خرجن جميعًا طلقن؛ لأن الخروج بالنسبة إلى الجميع سواء.

стр. 1493

وأما الإخبار؛ فالمقصود منه يحصل من أحد المخبرين؛ فلا حاجة إلى الآخر، ولهذا قلنا على أحد الوجوه -وهو قول القاضي-: إنه لو قال لزوجاته: من أخبرني منكن بكذا؛ فهي طالق، فأخبرنه متفرقات؛ أنه لا يطلق منهن إلا الأولى؛ لأن مقصوده من الأخبار -وهو الإعلام- حاصل بها، ولهذا لو قال: من دخل داري؛ فله درهم، فدخل جماعة؛ فلكل واحد منهم درهم، ولو قال: من جاءني؛ فله درهم، فجاءه جماعة؛ فلهم درهم واحد بينهم، ذكره القاضي في كتاب "أحكام القرآن"؛ قال: لأن الشرط وجد من الجماعة وجودًا واحدًا، بخلاف دخول الدار؛ فإن كل واحد [منهم] (١) وجد منه دخول كامل، ولو قال رجل: من سبق؛ فله كذا، فسبق اثنان معًا؛ ففيه وجهان: أحدهما: السبق المذكور بينهما؛ كما لو قال: من رد ضالتي؛ فله كذا، فردها جماعة. والثاني: لكل منهم سبق كامل؛ لأنه سابق بانفراده. وحاصل الأمر في هذا الباب أن المعلق عليه تارة يكون شيئًا واحدًا لا تعدد فيه؛ كرد الآبق ونحوه؛ فلا يتعدد المشروط بتعدد (٢) المحصلين له؛ لأنهم اشتركوا في تحصيل شيء واحد، فاشتركوا في استحقاق المرتب عليه، وتارة يكون قابلًا للتعدد (٣)، وهو نوعان:

стр. 1494

أحدهما: ما يكون التعدد فيه مقصودًا؛ كدخول (١) الدار ونحوه؛ فيتعدد الاستحقاق على الصحيح؛ كما إذا قال: من دخل داري؛ فهو حر، أو فله درهم، أو فهي طالق، وكذلك تجيء على هذا إذا قال: من جاءني؛ فله درهم؛ لأن تعدد الآتين (٢) مطلوب، بخلاف ما ذكره القاضي. ومسألة السبق قد يقال: هي من هذا النوع، وقد يقال: السبق إنما حصل من المجموع لا من كل فرد منهم؛ إذ (٣) كل فرد منهم ليس [بـ] (٤) سابق للباقين، بل هو سابق لمن تأخر عنه ومساوٍ (٥) لمن جاء معه؛ فالمتصف بالسبق هو المجموع، لا كل فرد منهم؛ فلذلك استحقوا جعلًا واحدًا، وهذا أظهر. والنوع الثاني: ما لا يكون التعدد فيه مقصودًا؛ كالإتيان بالخبر؛ فهل يشترك الآتون به في الاستحقاق، أم يختص به واحد منهم ويميز بالقرعة؟ فيه الخلاف الذي ذكره ابن أبي موسى، والذي نقله صالح عن أحمد أنه يعتق الجميع (٦)، ونقل حنبل أنه يعتق واحد منهم بالقرعة، وحمل أبو بكر "رواية صالح" على أنه أراد العموم، و"رواية حنبل" على أنه أراد واحدًا غير معين، وما ذكرنا [هُ] (٧) أشبه.

стр. 1495

وعلى هذا يتخرج مسألة: أو لكن يطلع علي؛ إذا قيل: إن الأولية صفة لكل واحد من المجتمعين؛ لأن هذا التعليق لم يقصد به إلا [واحدًا] (١) غير معين، لم يرد به الجميع، وأما إن قبل: الأولية صفة للمجموع؛ توجه (٢) وقوع العتق والطلاق [على الكل] (٣). - (ومنها): لو اشتبه عبده بعبيد غيره؛ قال القاضي: قياس المذهب أنه يعتق عبده الذي يملكه [عن واجب وغيره] (٤)، ثم يقرع بينهم؛ فيخرج عبده بالقرعة، ولو اشتبهت زوجته بأجانب، فطلقها؛ فله إخراجها بالقرعة، ونكاح البواقي على قياس ما ذكره الأصحاب فيمن أسلم على أكثر من أربع، فطلق الجميع ثلاثًا: إنه يخرج أربعًا بالقرعة، ثم ينكح البواقي، ولو اشتبهت أخته بأجنبيات؛ فقال القاضي في "خلافه": لا يمتنع التمييز (٥) بالقرعة؛ [كما لو زوج إحدى بناته برجل واشتبهت فيهن؛ فإنها تميز بالقرعة] (٦) على المنصوص (٧).

стр. 1496

[وفي "عمد الأدلة" لابن عقيل: لو اختلط عبده بأحرار؛ لم يقرع، ولو اختلط من أعتقه وله عتقه ومن لا يملك عتقه إلا بإجازة؛ جاز أن يقرع بينهما لأن القرعة لا تعمل في آكد التحريمين، وتعمل في أيسرهما] (١)، [واللَّه أعلم] (٢). [كملت القواعد] (٣). * * *

стр. 1497

(فصل) وهذه فوائد تلتحق (١) بالقواعد، وهي فوائد مسائل مشتهرة فيها اختلاف في المذهب، ينبني على الاختلاف فيها فوائد متعددة: [١ - (الأولى)] (٢): فمن ذلك ما يدركه المسبوق في الصلاة؛ هل هو آخر صلاته أو أولها؟ وفي هذه المسألة روايتان عن الإمام أحمد: [إحداهما: إن] (٣) ما يدركه آخر صلاته وما يقضيه أولها، وهي (٤) فتلغى هذه الفائدة. والثانية: عكسها. ولهذا الاختلاف فوائد: (إحداها): محل الاستفتاح؛ فعلى الأولى يستفتح في أول ركعة يقضيها؛ إذ هي أول صلاته، نقلها حرب، وفي "شرح المذهب" للقاضي: لا يشرع الاستفتاح فيها؛ لفوات محله، وعلى الثانية يستفتح في أول ركعة

стр. 1498

أدركها (١)؛ لأنها أولته، نقلها ابن أصرم (٢). - (الفائدة الثانية): التعوذ؛ فعلى الأولى يتعوذ إذا قام للقضاء خاصة، وعلى الثانية يتعوذ في أول ركعة يدركها، وهذا بناءً على قولنا: إن التعوذ يختص بأول ركعة، فأما (٣) على قولنا: هو مشروع في كل ركعة؛ فتلغى هذه الفائدة. - ([و] (٤) الفائدة الثالثة): هيئة القراءة في الجهر والإِخفات، فإذا فاته (٥) الركعتان الأولتان من المغرب أو العشاء؛ جهر في قضائهما من غير كراهة، نص عليه في "رواية الأثرم"، وإن أم فيهما وقلنا بجوازه؛ سن له الجهر، وهذا على الرواية الأولى، وعلى الثانية لا جهر ها هنا. - (الفائدة الرابعة): مقدار القراءة، وللأصحاب في ذلك طريقان: أحدهما: [إنه] (٦) إذا أدرك ركعتين (٧) من الرباعية؛ فإنه يقرأ في المقضيتين بالحمد [للَّه] (٨) وسورة معها على كلا الروايتين، قال ابن أبي موسى: لا يختلف قوله في ذلك، وذكر الخلال أن قوله استقر على ذلك،

стр. 1499

وفي "المغني": هو قول الأئمة الأربعة لا نعلم عنهم فيه خلافًا (١). والطريق الثاني: بناؤه على الروايتين، فإن قلنا: ما يقضيه أول صلاته؛ فكذلك، وإلا؛ اقتصر فيه على الفاتحة، وهي طريقة القاضي ومن بعده، وذكره ابن أبي موسى تخريجًا. وقد نص عليه أحمد في "رواية الأثرم"، وأومأ إليه في "رواية حرب" وغيره، وأنكر صاحب "المحرر" الطريقة الأولى، وقال: لا يتوجه إلا على رأي من يرى (٢) قراءة السورة [في كل ركعة أو على رأي من يرى (٢) قراءة السورة (٣)] (٤) في الآخرتين إذا نسيهما في الأولتين (٥). قلت: وقد أشار أحمد إلى مأخذ ثالث، وهو الاحتياط؛ للتردد فيهما، وقراءة السورة سنة مؤكدة؛ فيختلط [لها] (٦) أكثر من الاستفتاح والاستعاذة، ولو أدرك من الرباعية ركعة واحدة، فإن قلنا: ما يقضيه أولى صلاته؛ قرأ في [الأولتين من الثلاثة] (٧) بالحمد وسورة، وفي الثالثة بالحمد وحدها. ونقل عنه الميموني: يحتاط، ويقرأ في الثلاث بالحمد وسورة. قال الخلال: رجع عنها أحمد.

стр. 1500

- (الفائدة الخامسة): قنوت الوتر إذا أدركه المسبوق مع من يصلي الوتر بسلام واحد؛ فإنه يقع في محله ولا يعيده إن قلنا: ما يدركه آخر صلاته، وإن قلنا: أولها؛ أعاده في آخر ركعة يقضيها. - (الفائدة السادسة): تكبيرات العيد الزوائد، إذا أدرك المسبوق الركعة الثانية من العيد، فإن قلنا: هي أول صلاته؛ كبر خمسًا في المقضية، وإلا؛ كبر سبعًا. - (الفائدة السابعة): إذا سبق ببعض تكبيرات [صلاة] (١) الجنازة، فإن قلنا: ما يدركه آخر صلاته؛ تابع (٢) الإمام في الذكر الذي هو فيه، ثم قرأ في أول تكبيرة يقضيها، وإن قلنا: ما يدركه أول صلاته، قرأ فيها بالفاتحة (٣). - (الفائدة الثامنة): محل التشهد الأول في حق من أدرك من المغرب أو الرباعية ركعة، وفي المسألة روايتان: إحداهما: يتشهد عقيب قضاء ركعة. والثانية: عقيب ركعتين، نقلها حرب. والأولى اختيار أبي بكر والقاضي، وذكر الخلال أن الروايات (٤) استقرت عليها.

стр. 1501

واختلف في بناء الروايتين؛ فقيل على الروايتين في أصل المسألة: إن قلنا: ما يقضيه أول صلاته؛ لم يجلس إلا عقيب ركعتين، وإن قلنا: هو آخرها؛ تشهد عقيب ركعة لأنها ثانيته، وهذه طريقة ابن عقيل في [موضع من] (١) "فصوله"، وأومأ إليها أحمد في "رواية حرب"، وقيل: [بل الروايتان] (٢) على قولنا: ما يدركه آخر صلاته، وهي طريقة صاحب "المحرر" (٣) وغيره، ونص أحمد على ذلك صريحًا في "رواية عبد اللَّه" (٤) [والبُراثي، مفرقًا بين القراءة والتشهد، وعلل في "رواية عبد اللَّه"] (٥) بأنه احتياط (٦) بالجمع من مذهب ابن مسعود في الجلوس عقيب ركعة (٧)،

стр. 1502

ومذهب (١) ابن عمر في القراءة في الركعتين (٢). وقد صح عن ابن مسعود: إنه يجلس عقيب ركعة مع قوله: إن "ما أدركه مع الإِمام آخر صلاته" (٣) نقله عنه أحمد، وزعم صاحب "المغني"

стр. 1503

أن الكل جائز (١)، ويرده ما نقله مُهَنَّأ عن أحمد: إنه إذا جلس عقيب [ركعتين؛ يسجد] (٢) للسهو؛ فجعله (٣) كتارك التشهد الأول. ومما يحسن تخريجه على هذا الخلاف ولم نجده منقولًا: تطويل (٤) الركعة الأولى على الثانية، وترتيب السورتين في الركعتين، فأما رفع اليدين إذا قام من التشهد الأول، إذا قلنا باستحبابه (٥)؛ فيحتمل أن يرفع إذا قام إلى الركعة المحكوم بأنها ثالثة (٦)، سواء قام عن تشهد أو غيره، ويحتمل أن يرفع إذا قام من تشهده الأول المعتد به، سواء كان عقيب الثانية (٧) أو لم يكن؛ لأن (٨) محل هذا الرفع هو القيام من هذا التشهد؛ فيتبعه حيث كان، وهذا أظهر واللَّه أعلم. [٢ - (الثانية)] (٩): الزكاة، هل تجب في عين النصاب أو ذمة مالكه؟

стр. 1504

اختلف العلماء في ذلك على طرق: (إحداها): إن الزكاة تجب في العين رواية واحدة، وهي طريقة ابن أبي موسى والقاضي في "المجرد". (والثانية): إن الزكاة تجب في الذمة رواية واحدة، وهي طريقة أبي الخطاب في "الانتصار" (١) وصاحب "التلخيص" متابعة للخرقي. (والثالثة): إنها تجب في الذمة، وتتعلق بالنصاب، وقع ذلك في كلام القاضي وأبي الخطاب وغيرهما، وهي طريقة الشيخ تقي الدين (٢). (والرابعة): إن في المسألة روايتين: إحداهما: تجب في العين. والثانية: في الذمة، وهي طريقة كثير من الأصحاب المتأخرين. وفي كلام أبي بكر في "الشافي" ما يدل على هذه الطريقة، ولكن آخر كلامه يشعر بتنزيل القولين على اختلاف حالين، وهما يسار المالك وإعساره، فإن كان موسرًا؛ وجبت الزكاة في ذمته، وإن كان معسرًا، وجبت في عين ماله، وهو غريب، وللاختلاف في محل التعلق؛ هل هو العين أو الذمة؛ فوائد كثيرة: (الأولى): إذا ملك نصابًا واحدًا ولم يؤد زكاته أحوالًا، فإن قلنا: الزكاة في العين؛ وجبت زكاة الحول الأول دون ما بعده، ونص عليه أحمد، واختاره أكثر الأصحاب؛ لأن قدر الزكاة زال الملك فيه على قول،

стр. 1505

وعلي آخر ضعف الملك فيه؛ لاستحقاق تملكه، والمستحق في حكم المؤدي؛ فصار كالمنذور سواء، فإن المنذور يجوز عندنا إبداله بمثله، [وهذا] (١) كذلك، وإن قلنا: الزكاة في الذمة؛ وجبت لكل حول؛ إلا إذا قلنا: إن دين اللَّه يمنع الزكاة، وقال السامري: تتكرر (٢) زكاته لكل حول على القولين، وتأول [كلام أحمد] (٣) بتأويل فاسد، وهذا فيما كانت زكاته من جنسه، فأما إن كانت من غير جنسه؛ كالإِبل المزكاة بالغنم؛ تكررت [زكاته] (٤) لكل حول على كلا القولين، نص عليه معللًا بأنه لم يستحق إخراج جزء منه؛ فيبقى الملك فيه تامًا. [هكذا] (٥) ذكر الخلال وابن أبي موسى والقاضي والأكثرون، وذكر الشيرازي (٦) في "المبهج" أنه كالأول، لا يجب [فيه] (٤) سوى زكاة واحدة، ومتى استأصلت الزكاة المال؛ سقطت بعد ذلك، صرح به في "التلخيص"، ونص أحمد في "رواية مُهَنَّأ" على وجوبها في الدين بعد استغراقه بالزكاة؛ فإما أن يحمل ذلك على القول بالوجوب في الذمة، وإما أن يفرق بين الدين والعين بأن (٧) الدين وصف حكمي لا وجود له في

стр. 1506

الخارج؛ فتتعلق زكاته بالذمة (١) رواية واحدة، ولكن نص أحمد في رواية غير واحد على التسوية بين الدين والعين في امتناع الزكاة فيما بعد الحول الأول، وصرح بذلك أبو بكر وغيره. (تنبيه): تعلق الزكاة بالعين مانع من وجوب الزكاة في الحول الثاني وما بعده، وهل هو مانع من انعقاد الحول الثاني ابتداءً؟ فيه وجهان: أحدهما: إنه مانع منه؛ لقصور الملك؛ فهو كدين الآدمي وأولى لتعلقه بالعين، وهو قول القاضي في شرح المذهب وصاحب "المغني" (٢). والثاني: إنه غير مانع من الانعقاد، وهو قول القاضي في "المجرد" وابن عقيل، ونقل صاحب "المحرر" الاتفاق عليه (٣)، وهو ظاهر ما ذكره الخلال في "الجامع"، وأورد عن أحمد من "رواية حنبل" ما يشهد له، فلو أخرج الزكاة الأولى من غير النصاب في أثناء الحول الثاني؛ بنى الحول الثاني على الأول من غير فصل بينهما على هذا، وعلي الأول يستأنفه من حين الإخراج. وينبني على هذين الوجهين مسألة معروفة في باب الخلطة، واللَّه أعلم.

стр. 1507

- (الفائدة الثانية): إذا تلف النصاب أو بعضه قبل التمكن من أداء الزكاة وبعد تمام الحول؛ فالمذهب المشهور أن الزكاة لا تسقط بذلك، إلا زكاة الزروع (١) والثمار إذا تلفت بجائحة قبل القطع؛ فتسقط (٢) زكاتها اتفاقًا لانتفاء التمكن من الانتفاع بها، وخرج ابن عقيل وجهًا بوجوب زكاتها أيضًا، [وهو ضعيف] (٣) مخالف للإجماع. وعن أحمد رواية ثانية (٤) بالسقوط؛ فمنهم من قال: هي عامة في جميع الأموال، ومنهم من خصها بالمال الباطن دون الظاهر، ومنهم من عكس ذلك، ومنهم من خصها بالمواشي، واختلفوا في مأخذ الخلاف على طريقين: أحدهما: إنه البناء على الخلاف (٥) في محل الزكاة، فإن قيل: هو الذمة؛ لم يسقط، وإلا؛ سقطت، وهو طريق الحلواني في التبصرة والسامري، وقيل: إنه ظاهر كلام الخرقي، وفي كلام أحمد إيماء إليه أيضًا. والطريق الثاني: عدم البناء على ذلك، وهو طريق القاضي والأكثرين.

стр. 1508

فوجه استقرار الوجوب مطلقًا [أنا] (١) إن قلنا: التعلق بالذمة؛ فظاهر، وإن قلنا: بالعين؛ فلأن وجوبها كان شكرًا لنعمه ثم سببها -وهو [ملك] (٢) النصاب النامي (٣) - وشرطها -وهو الحول-؛ فاستقر وجولها بتمام الانتفاع بهذا المال حولًا؛ كالأجرة المعينة المستقرة بانقضاء مدة الإجارة، وأيضًا؛ فمنهم من قال: [تعلقها بالعين لا ينفي تعلقها] (٤) بالذمة؛ فهي كدين الرهن، ووجه (٥) السقوط مطلقًا أنا إن قلنا: تعلقها بالعين؛ فواضح؛ كالأمانات والعبد الجياني، وإن قلنا: بالذمة؛ فالوجوب إنَّما يستقر فيها بالتمكن من الفعل؛ كالصلاة على رواية، يوضحه أن الزكاة وجبت مواساةً (٦) للفقراء من المال؛ فتسقط (٧) بتلفه وفقر (٨) صاحبه، واختار السقوط (٩) مطلقًا صاحب "المغني" (١٠). - (الفائدة الثالثة): إذا مات من عليه زكاة ودين، وضاقت التركة

стр. 1509

عنهما؛ فالمنصوص عن أحمد أنهما يتحاصان، نقله عنه أحمد بن القاسم وحرب ويعقوب بن بختان، واختلف الأصحاب في ذلك؛ فمنهم من أقر النص على ظاهره وأجرى المحاصة (١) على كلا القولين في محل الزكاة؛ لأنا إن قلنا: هو الذمة؛ فقد تساويا في محل التعلق، وفي أن [في كل] (٢) منهما حقًّا لآدمي، وتمتاز الزكاة [بما فيها] (٣) من حق اللَّه ، وإن قلنا: العين؛ فدين الآدمي يتعلق بعد موته بالتركة أيضًا؛ فيتساويان، وهذه طريقة أبي الخطاب (٤) وصاحب "المحرر"، ومنهم من حمل النص بالمحاصة على القول بتعلق الزكاة بالذمة؛ لاستوائهما (٥) في محل التعلق، فأما على القول بتعلقها بالنصاب؛ فتقدم الزكاة لتعلقها بالعين؛ كدين الرهن، وهذه طريقة القاضي في "المجرد" والسامري، وفي كلام أحمد إيماء إليها، ومن الأصحاب من وافق على هذا البناء، لكن بشرط (٦) أن يكون النصاب موجودًا؛ إذ لا تعلق بالعين إلا مع وجوده، فأما مع تلفه؛ فالزكاة في الذمة؛ فتساوي (٧) دين الآدمي، وهذا تخريج في "المحرر"، مع أن صاحبه ذكر في "شرح الهداية" أن النصاب متى كان موجودًا؛ قدمت

стр. 1510

الزكاة، سواء قلنا: يتعلق بالعين أو بالذمة؛ [لأنه] (١) تعلق بسبب المال، يزداد بزيادته وينقص بنقصه ويختلف باختلاف صفاته، والزكاة من [قبيل مؤن] (٢) المال وحقوقه ونوائبه؛ [فيقدم لذلك] (٣) على سائر الديون. وحمل نص أحمد بالمحاصة على حالة عدم النصاب، فأما إن كان المالك حيًّا وأفلس؛ فظاهر كلام أحمد في "رواية القاسم" أنه يقدم الدين على الزكاة؛ لأن تأخير (٤) إخراج الزكاة سائغ للعذر (٥)، وهو محتاج ها هنا إلى إسقاط مطالبة الآدمي له وملازمته وحبسه؛ فيكون عذرًا له في التأخير (٦)، بخلاف ما بعد الموت؛ فإنه لو قدم دين الآدمي؛ لفاتت الزكاة بالكلية، وظاهر كلام القاضي والأكثرين أنه تقدم الزكاة حتى في حالة الحجر، وهذا قد يتنزل على القول بالوجوب في العين؛ إلا أن صاحب "شرح الهداية" صرح بتقديمها على كلا القولين، مع بقاء النصاب؛ كقوله فيما بعد الموت على ما سبق. - (الفائدة الرابعة): إذا كان النصاب مرهونًا ووجبت فيه الزكاة؛ فهل تؤدي زكاته منه (٧) ها هنا حالتان:
следующие страницы →