- (ومنها): لو جرح المحرم صيدًا جرحًا غير مُوَحٍّ، ثم غاب عنه، ثم وجده ميتًا؛ فهل يضمنه كله أو أرش الجرح؟
على وجهين، وجزم بعض الأصحاب بضمان أرش الجرح فقط؛ لأنه المتيقن، والأصل براءة الذمة (١).
- (ومنها): لو جرح آدميًا معصومًا جرحًا غير موح، ثم مات وادعى أنه مات بسبب غير سراية جرحه، وأنكر الولي؛ فالقول قول الولي مع يمينه، ولم يحك أكثر الأصحاب في ذلك خلافًا إحالة للزهوق على الجرح المعلوم.
وفي "المجرد" (٢): أنه إن مات عقيب الجرح؛ فالقول قول الولي؛
стр. 177
وإن مات بعد مدة يندمل الجرح في مثلها، [فإن قامت] (١) بينة بأنه لم يزل ضمنًا من الجرح حتى مات؛ فكذلك (٢)، وإلا؛ فالقول قول الجاني.
وفيه وجه آخر: أن القول قول الولي (٣).
- (ومنها): لو قال لأمته ولها ولد: هذا الولد مني؛ فهل يثبت بذلك استيلاد الأمة؟
стр. 178
على وجهين:
أحدهما: نعم؛ لأنا لا نعلم سببًا يتحقق به لحوق النسب هنا غير ملك اليمين، فيحال اللحوق عليه، فيستلزم ذلك ثبوت الاستيلاد في الأمة.
والثاني: لا؛ لاحتمال استيلاده قبل ذلك في نكاح أو وطء شبهة (١).
- (ومنها): لو ادعى رق مجهول النسب، فشهدت له بينة أن أمته ولدته ولم تقل في ملكه؛ فهل يحكم له به؟
على وجهين، رجح الشيخ مجد الدين أنها إن شهدت أن أمته ولدته ونحو ذلك مما فيه إضافة الولد إلى الأمة المضافة إليه؛ حكم له بالولد، فإن (٢) لم يكن كذلك بأن شهدت أن هذا ولد هذه الأمة، وأن أمه ملك له؛ لم يحكم له بالولد.
- (ومنها): لو قال رجل: هذا ابني من زوجتي وادعت زوجته ذلك وادعته امرأة أخرى؛ فهو ابن الرجل، وهل ترجح زوجته على الأخرى؟
[على] وجهين:
أحدهما: ترجح؛ لأن زوجها أبوه؛ فالظاهر أنها أمه.
[والثاني: يتساويان]؛ لأن كل واحدة منهما لو انفردت لأُلْحِقَ بها، فإذا اجتمعتا تساوتا. [ذكره في "المغني"] (٣).
стр. 179
- (ومنها): لو باع أمة له من رجل، فولدت عند المشتري، فادعى البائع أنه ولده، فصدته المشتري؛ أنها تصير أم ولد للبائع، وينفسخ البيع، نص عليه أحمد [﵀] (١) فى رواية مهنا، وذكره أبو بكر، وذكر ذلك القاضي في "خلافه"، وتأوله على أنه ادعى أنها ولدت في ملكه وصدقهن المشتري على ذلك.
- (ومنها): لو ولدت المطلقة الرجعية ولدًا لا يمكن إلحاقه بالمطلق إلا بتقدير وطء حاصل منه في زمن العدة؛ فهل يلحق به الولد في هذه الحال أم لا؟
على روايتين، أصحهما لحوقه؛ لأن الفراش لم يزل بالكلية؛ فإحالة الحمل عليه أولى؛ كحالة صلب النكاح، وعلى هذا؛ فهل يحكم بارتجاعها بلحوق النسب؟
على وجهين، أصحهما -وهو المنصوص-: أنها [تصير] مرتجعة بذلك، وينبني على ذلك مسألة مشكلة في تعليق الطلاق بالولادة، ذكرها صاحب "المحرر" فيه (٢).
стр. 180
وأما شكل (١) توجيهها (٢) على الأصحاب؛ [فقد] (٣) أفردنا لها جزءً.
- (ومنها): أنه يجوز استيفاء الحق من مال الغريم إذا كان ثم سبب ظاهر يحال الأخذ عليه، ولا يجوز [ذلك] (٤) إذا كان السبب خفيًّا، هذا [هو] (٥) ظاهر المذهب؛ فيباح للمرأة أن تأخذ من مال زوجها نفقتها ونفقة ولدها بالمعروف، وللضيف إذا نزل بالقوم فلم يقروه أن يأخذ من أموالهم بقدر قراه بالمعروف؛ لأن السبب إذا ظهر لم ينسب [أخذ] (٦) إلى خيانة، بل يحال أخذه على السبب الظاهر، بخلاف ما إذا خفي؛ فإنه ينسب بالأخذ إلى الخيانة (٧).
- (ومنها): لو قال في مرضه: إن مت من مرضي هذا؛ فسالم حر، وإن برئت منه؛ فغانم حر، ثم مات، ولم يعلم؛ هل مات من المرض أو برئ منه؟
ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يعتق سالم؛ لأن الأصل دوام المرض وعدم البرء، [ولأننا] (١) قد تحققنا انعقاد سبب الموت بمرضه وشككنا في حدوث سبب آخر غيره؛ فيحال الموت على سببه المعلوم.
والثاني: يعتق أحدهما بالقرعة؛ لأن أحد الشرطين وجد ظاهرًا وجهل عينه.
стр. 183
والثالث: لا يعتق واحد منهما؛ لاحتمال أن يكون مات في مرضه ذلك بسبب حادث فيه من قتل أو غيره، فلم يمت من مرضه، ولم يبرأ منه؛ فلم يتحقق وجود واحد من الشرطين.
- (ومنها): لو أصدقها تعليم سورة [من القرآن] (١) ثم طلقها ووجدت حافظة لها، وتنازعا: هل علمها الزوج فبرئ (٢) من الصداق أم لا؛ فأيهما يقبل قوله؟
فيه وجهان، وخرج عليهما الشيخ تقي الدين [﵀] (٣) مسألة اختلافهما في النفقة والكسوة مدة مقامها عند الزوج: هل كانت من الزوج أو منها (٤)؟
стр. 184
- (ومنها): لو ادعى صاحب الزرع أن غنم فلان نفشت (١) فيه ليلًا، ووجد في الزرع أثر غنمه (٢)؛ قضي بالضمان على صاحب الغنم، نص عليه في رواية ابن منصور (٣)، وجعل الشيخ تقي الدين هذا وأشباهه من القيافة في الأموال، وجعلها معتبرة كالقيافة في الأنساب.
ويتخرج فيه وجه آخر: أنه لا يكتفي بذلك (٤).
стр. 185
- (ومنها): لو تزوج بكرًا، فادعت أنه عنين، فكذبها [وادعى] (١) أنه أصابها، وظهرت ثيبًا فادعت أن ثيوبتها بسبب آخر؛ فالقول قول الزوج. ذكره الأصحاب.
ويتخرج فيه وجه آخر من المسائل المتقدمة (٢).
(القاعدة الرابعة عشرة) (١)
إذا وجد سبب إيجاب أو تحريم من أحد رجلين لا يعلم عينه منهما؛ فهل يلحق الحكم بكل [واحد] (٢) منهما، أو لا يلحق بواحد منهما شيء؟.
في المسألة خلاف، ولها صور:
(إحداها) (٣): إذا وجد اثتان مَنِيًّا في ثوب ينامان فيه، أو سمعا صوتًا خارجًا ولم يعلم من أيهما هو؛ ففي المسألة روايتان:
(إحداهما): لا يلزم واحدًا منهما غسلٌ ولا وضوءٌ؛ نظرًا إلى أن كل واحد منهما متيقن للطهارة شاك في الحدث.
(والثانية): يلزمهما الغسل والوضوء، لأن الأصل زال يقينًا في أحدهما؛ فتعذر البقاء عليه، وتعين الاحتياط، ولم يلتفت إلى النظر في كل واحد بمفرده؛ كثوبين أو إناءين نجس أحدهما (٤).
стр. 190
(الصورة الثانية) (١): قال أحد الرجلين: إن كان هذا الطائر غرابًا؛ فامرأتي طالق. وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا؛ فامرأتي طالق، وغاب ولم يعلم ما هو؛ ففيها (٢) وجهان:
стр. 191
أحدهما: ما قال القاضي في "المجرد" وأبو الخطاب وغيرهما: يبني كل واحد منهما على يقين نكاحه.
والثاني: وهو اختيار الشيرازي في "الإيضاح" (١) وابن عقيل: أنه تخرج المطلقة منهما بالقرعة، وقال القاضي في "الجامع" (٢): هو قياس المذهب؛ لأن واحدة منهما طلقت يقينًا، فأخرجت بالقرعة كما لو كانت الزوجتان لرجل واحد.
وذكر بعض الأصحاب احتمالًا يقتضي وقوع الطلاق بهما حكمًا كما تجب الطهارة عليهما في المسألة الأولى، وقد أومأ إليه أحمد في رواية صالح (٣)، وحكى له قول الشعبي في رجل قال لآخر: إنك لحسود. فقال له الآخر: أَحْسَدُنا امرأتُه طالقٌ ثلاثًا. فقال الآخر: نعم. قال الشعبي: حنثتما وخسرتما، وبانت منكما امرأتاكما جميعًا (٤)، وحكى له قول
стр. 192
الحارث: أُدِيْنُهما وآمُرُهما بتقوى اللَّه [ ] (١)، وأقول: أنتما أعلم بما حلفتما عليه (٢). فقال أحمد: "هذا شيء لا يدرك ألقاهما في التهلكة" (٣)؛ فإنكاره لقول الحارث يدل على موافقته لقول الشعبي بوقوع الطلاق لهما (٤).
هذا هو الظاهر (٥)، ذكره الشيخ تقي الدين، وقال: هو بناء على
стр. 193
أنه (١) حلف على ما لم (٢) يعلم صحته أو ما لا (٣) تدرك صحته؛ فيحنث؛ كقول مالك (٤).
стр. 194
ويدل عليه تعليل أحمد وقوع (١) الطلاق على من قال: أنت طالق إن شاء اللَّه؛ بأن (٢) مشيئة اللَّه لا تدرك، وهذا القول فيه بعد؛ لأن إيقاع طلاقهما يفضي إلى أن يباح للأزواج من هي في زوجية الغير باطنًا، وفي إجبارهما على تجديد الطلاق إجبار للإنسان على قطع ملكه بغير حق، وهو ضرر، بخلاف إيجاب الطهارة عليهما؛ فإنه لا ضرر فيه.
ولنا وجه آخر بوجوب اعتزال كل منهما زوجته حتى يتيقن الأمر، ونص عليه أحمد [﵀] (٣) في رواية عبد اللَّه (٤)، ونقل حرب عن أحمد ﵀: أنه ذكر [له] (٥) هذه المسألة؛ فتوقف فيها وقال: أحب إلي أن لا أقول فيها شيئًا، وتوقف عنها (٦).
(الصورة الثالثة): قال أحدهما: إن كان غرابًا فأمتي حرة، وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا فأمتي حرة.
وفيها الوجهان المذكوران في الطلاق، وقياس المنصوص (٧) ها هنا أن يكف كل واحد عن وطئ أمته حتى يتيقن، فإن اشترى أحدهما أمة
стр. 195
الآخر؛ عين (١) المعتقة منهما بالقرعة على أصح الوجهين؛ لاجتماعهما في ملكه، وإحداهما عتيقة (٢) كما قلنا، لا يصح أن يأتم أحدهما بالآخر في الصورة الأولى؛ لأن أحدهما محدث يقينًا، فينظر إليهما مجتمعين في حكم يتعلق باجتماعهما.
وليس من هذه القاعدة إذا وطئ اثنان امرأة بشبهة في طهر وأتت بولد وضاع نسبه لفقد القافة أو غير ذلك، وأرضعت أمه بلبنه ولدًا آخر؛ فإنه يصير حكم كل من الصغيرين حكم ولد لكل واحد من الرجلين على الصحيح؛ لأنه لم يتعين أن يكون الولد لواحد منهما (٣)، بل يجوز عندنا أن يكون لهما؛ فليس مما نحن فيه.
* * *
стр. 196
(القاعدة الخامسة عشرة)
إذا استصحبنا أصلًا، [أو] (١) أعملنا ظاهرًا في طهارة شيء، أو حله، أو حرمته، وكان لازم ذلك تغير أصل آخر يجب استصحابه، أو ترك العمل بظاهر آخر يجب إعماله؛ لم يلتفت إلى ذلك اللازم على الصحيح (٢).
ولذلك صور:
- (منها): إذا استيقظ من نومه، فوجد في ثوبه بللًا، وقلنا: لا يلزمه الغسل على ما سبق فيما إذا تقدم منه سبب المذي؛ فلا يلزمه أيضًا غسل ثوبه بحيث نقول: إنما سقط عنه الغسل؛ لحكمنا بأن البلل مذي، بل نقول في ثوبه: الأصل طهارته؛ فلا ينجس بالشك، والأصل طهارة بدنه؛ فلا يلزمه الغسل بالشك؛ فيبقى في كل منهما على أصله، ذكره ابن عقيل في "فنونه" (٣) عن الشريف أبي جعفر، وينبغي على هذا التقدير أن لا تجوز
стр. 197
له الصلاة قبل الاغتسال في ذلك [الوقت في ذلك] (١) الثوب [قبل غسله] (٢)؛ لأنا (٣) نتيقن وجود المفسد للصلاة (٤) لا محالة (٥).
- (ومنها): إذا لبس خفًا، ثم أحدث، ثم صلى وشك: هل مسح على الخف قبل الصلاة أو بعدها، وقلنا: ابتداء المدة من المسح؛ جعلنا
стр. 198
ابتداءها قبل الصلاة، وأوجبنا إعادة الصلاة؛ لأن الأصل وجوب غسل الرجلين (١)، والأصل بقاء الصلاة في الذمة (٢).
- (ومنها): إذا رمى حيوانًا مأكولًا بسهم ولم يوحه، فوقع في ماء يسير، فوجده ميتًا فيه؛ فإن الحيوان لا يباح خشية أن يكون الماء أعان على قتله، والأصل تحريمه حتى يتيقن وجود السبب المبيح [له] (٣)، ولا يلزم من ذلك نجاسة الماء أيضًا؛ لحكمنا على الصيد بأنه ميتة، بل يستصحب في الماء أصل الطهارة؛ فلا [ينجسه] (٤) بالشك، ذكره ابن عقيل في "فصوله" (٥).
- (ومنها): لو قال لامرأته في غضب: اعْتَدِّي، وظهرت منه قرائن
стр. 199
تدل على إرادته (١) التعريض بالقذف أو فسره [بالقذف] (٢)؛ فإنه [مُحَدُّ بذلك، وهل] (٣) يقع به الطلاق [لأنه كنا اقترن بها غضب، وهل يحد معها] (٤)؟
ذكر ابن عقيل في "المفردات" (٥) احتمالين:
(أحدهما): وبه جزم في "عُمدة الأدلة" (٦): أنه [يحد] (٧)؛ لأنهما
стр. 200
حقان عليه؛ فلا يصدق فيما يسقط واحدًا منهما.
(والثاني): لا يحد؛ لأنه لو كان [طلاقًا لم يكن قذفًا] (١) لتنافيهما.
[قال ابن عقيل في معنى تنافيهما: بأن كنايات القذف في حالة الخصومة كالصرائح، وصرائح القذف لا يقع به الطلاق. ثم ذكر مسألة القذف بالكنايات أنها صرائح في حال الغضب] (٢).
ومن هذه القاعدة الأحكام التي يثبت (٣) بعضها دون بعض؛ كإرث الذي أقر بنسبه من لا يثبت النسب بقوله، والحكم بلحوق النسب في مواضع كثيرة لا يثبت فيها لوازمه المشكوك فيها من بلوغ أحد أبويه (٤)، [أو] (٥) استقرار المهر، أو ثبوت العدة والرجعة أو الحد، أو ثبوت الوصية له أو الميراث، وهي مسائل كثيرة (٦).
стр. 201
(القاعدة السادسة عشرة) (١)
إذا كان للواجب بدل (٢)، فتعذر الوصول إلى الأصل حالة الوجوب؛ فهل يتعلق الوجوب بالبدل تعلقًا مستقرًا بحيث لا يعود إلى الأصل عند وجوده؟
للمسألة صور عديدة:
- (منها): هدي المتعة إذا عدمه ووجب الصيام عليه (٣)، ثم وجد الهدي قبل الشروع فيه، فهل يجب عليه الانتقال، أم لا ينبني على أن
стр. 202
الاعتبار في الكفارات بحال الوجوب (١) أو بحال الفعل؟
وفيه روايتان، فإن قلنا بحال الوجوب؛ صار الصوم أصلًا [لا بدلًا، وعلى هذا؛ فهل يجزئه فعل الأصل -وهو الهدي-؟ المشهور أنه يجزئه؛ لأنه الأصل] (٢) في الجملة، وإنما سقط رخصة، وحكى القاضي في "شرح المذهب" عن ابن حامد: أنه لا يجزئه (٣).
- (ومنها): كفارة الظهار واليمين ونحوهما، والحكم فيهما (١)؛ كهدي المتعة.
- (ومنها): اذا أتلف شيئًا له مثل، وتعذر وجود المثل، وحكم الحاكم بأداء القيمة، ثم وجد المثل قبل الأداء؛ وجب أداء المثل، ذكره الأصحاب؛ لأنه قدر على الأصل قبل أداء البدل؛ [فيلزمه كما إذا] (٢) وجد الماء قبل الصلاة، وينبغي أن يحمل كلامهم على ما إذا قدر على المثل عند الإتلاف ثم عدمه، أما إن عدمه ابتداءً؛ فلا يبعد أن يخرج في وجوب أداء المثل خِلافٌ.
وأما التيمم؛ فلا يشبه ما نحن فيه؛ لأنه لو وجد الماء بعد فراغه منه لبطل، ووجب استعمال الماء بنص الشارع، وها هنا لو أدى القيمة؛
стр. 205
لبرئ، ولم يلزمه أداء المثل بعد وجوده، وقال في "التلخيص": على الأظهر، وهو يشعر بخلاف فيه (١).
- (ومنها): لو جعل [الإِمامُ] (٢) لمن دله على حِصْنٍ جاريةً من أهله (٣)، فأسلمت بعد الفتح أو قبله، وكانت أمة؛ فإنه يجب له قيمتها إذا كان كافرًا؛ لأنه تعذر تسليم عينها إليه، فوجب له البدل، فإن أسلم بعد إسلامها؛ فهل يعود حقه إلى عينها فيه؟
لأصحابنا وجهان:
أحدهما: لا يعود؛ لأنه حقه استقر في القيمة، فلا ينتقل إلى غيرها.
والثاني: بلى؛ لأنه إنما انتقل إلى القيمة لمانع، وقد زال؛ فيعود حقه إليها.
- (ومنها): لو أصدقها شجرًا فأثمرت، ثم طلقها قبل الدخول،
стр. 206
وامتنعت من دفع نصف الثمرة مع الأصل؛ تعينت له القيمة (١)، فإن قال: أنا أرجع في نصف الشجرة (٢) [وأترك الثمرة] (٣) عليها، أو أترك الرجوع حتى تجدي ثمرتك (٤)، ثم أرجع فيه؛ ففيه وجهان، حكاهما القاضي وغيره:
(أحدهما): لا يجبر (٥) على قبول ذلك، وهو الذي ذكره ابن عقيل؛ لأن الحق قد انتقل من العين، فلم يعد إليها إلا بتراضيهما.
(والثاني): يجبر (٦) عليه؛ لأنه لا ضرر عليها؛ فلزمها كما لو [وجدها] (٧) ناقصة فرضي بها؛ فعلى هذا الحق (٨) باق في العين لبقائها في ملكها، وكذلك ذكر القاضي في موضع من "المجرد": أنه إذا لم يأخذ القيمة حتى قطع الطلع وعاد النخل كما كان أن للزوج الرجوع في نصفه.
- (ومنها): لو طلقها قبل الدخول وقد باعت الصداق، فلم يأخذ نصف قيمته حتى فسخ البيع؛ لعيب (٩).
стр. 207
قال الأصحاب: ليس له أخذ نصفه؛ لأن حقه وجب في القيمة، ولم تكن العين [حينئذ] (١) في ملكهما (٢).
ولا يبعد أن يخرج (٣) فيه وجه آخر بالرجوع كالتي قبلها، وهذا إذا لم نقل: إنه يدخل (٤) في ملكه قهرًا كالميراث؛ فإن قلنا: يدخل قهرًا؛ عاد حقه إلى العين بعودها إليها [بعيب] (٥)، ولا يقال: هذا عاد إليها ملكًا جديدًا؛ فلا يستحق الرجوع فيه كما لا يستحق الأب الرجوع فيما خرج عن ملك الابن ثم عاد؛ لأنهم قالوا: لو عاد إليها قبل الطلاق لرجع فيه بغير خلاف؛ لأن حقه فيه ثابت بنصّ القرآن (٦).
وفي "شرح الهداية" لأبي البركات ما يدل على عكس ما ذكرنا، وهو أنا إن قلنا: يدخل نصف المهر في ملك الزوج قهرًا؛ فليس له العود (٧) إلى عينه بحال نظرا إلى أن القيمة تقوم مقام العين عند امتناع الرجوع في العين؛ فيملك نصف القيمة قهرًا حينئذ، ولا ينتقل حقه عنها بعد ذلك.
- (ومنها): لو اشترى عينًا ورهنها أو تعلق بها حق شفعة أو جناية،
стр. 208
ثم أفلس، ثم أسقط المرتهن أو الشفيع أو المجني عليه حقه؛ فالبائع أحق بها من الغرماء لزوال المزاحمة على ظاهر كلام القاضي وابن عقيل، ذكره أبو البركات في "شرحه".
ويتخرج فيه وجه آخر: أنه أسوة الغرماء.
* * *
стр. 209
(القاعدة السابعة عشرة) (١)
إذا تقابل عملان: أحدهما ذو شرف في نفسه ورفعة وهو واحد، والآخر ذو تعدد في نفسه وكثرة؛ فأيهما يرجح؟
ظاهر كلام أحمد ترجيح الكثرة، ولذلك صور (٢):
стр. 210
(أحدها): إذا تعارض صلاة ركعتين طويلتين وصلاة أربع ركعات في زمن واحد؛ فالمشهور أن الكثرة أفضل، وحكي عن أحمد رواية أخرى بالعكس، وحكي عنه رواية ثالثة بالتسوية (١).
стр. 211
(والثانية): أهدى بدنة سمينة بعشرة وبدنتين بعشرة أو بأقل.
قال ابن منصور: قلت لأحمد: بدنتان سمينتان بتسعة وبدنة بعشرة. قال: ثنتان (١) أعجب إلي.
ورجح الشيخ تقي الدين تفضيل البدنة السمينة، وفي "سنن أبي داود" حديث يدل عليه (٢).
стр. 212
(والثالثة): رجل قرأ بتدبر وتفكر سورة وآخر قرأ في تلك المدة سورًا عديدة سردًا.
قال أحمد في رواية جعفر بن أحمد بن أبي قيماز و [قد] (١) سئل: أيما أحب إليك: الترسل أو الإسراع؟ قال: أليس قد جاء بكل حرف كذا وكذا حسنة (٢)؟ قالوا له: في السرعة؟ قال: إذا صور الحرف بلسانه ولم
стр. 213
يسقط من الهجاء. وهذا ظاهر في ترجيح الكثرة على التدبر.
ونقل عنه حرب: أنه كره السرعة؛ إلا أن يكون لسانه كذلك لا يقدر أن يترسل.
وحمل القاضي (١) الكراهة على ما إذا لم يبين الحروف (٢)، نقل (٣) عنه مثنى بن جامع (٤) في رجل أكل فشبع وأكثر الصلاة والصيام، ورجل أقل الأكل فقلت نوافله وكان أكثر فكرة (٥)؛ أيهما أفضل؟ فذكر ما جاء في
стр. 214
الفكر: تفكر ساعة خير من قيام ليلة (١). قال: فرأيت هذا عنده أكثر (يعني: [التفكر]) (٢)، وهذا (٣) يدل على تفضيل قراءة التفكر على السرعة. وهو اختيار الشيخ تقي الدين (٤)، وهو المنصوص صريحًا عن الصحابة
стр. 215
والتابعين.
(والرابعة): رجلان: أحدهما ارتاضت نفسه على الطاعة وانشرحت بها وتنعمت وبادرت إليها طواعية ومحبة، والآخر يجاهد نفسه على تلك الطاعات ويكرهها عليها (١)؛ أيهما أفضل؟
قال الخلال: كتب إليَّ يوسف بن عبد اللَّه الإسكافي: حدثنا الحسن بن علي بن الحسن: أنه سأل أبا عبد اللَّه عن الرجل يشرع له وجه بر فيحمل نفسه على الكراهة، وآخر يشرع له فيسر بذلك؛ فأيهما أفضل؟ قال (٢): ألم تسمع النبي ﷺ يقول: "من تعلم القرآن وهو كبير يشق عليه؛ فله أجران" (٣)؟!