العمل، ولم يحصل بعمله ربح، والثمر متولد من عين الشجر، وقد عمل على الشجر عملًا مؤثرًا في الثمر؛ فكان لعمله تأثير في حصول الثمر وظهوره بعد الفسخ (١).
- (ومنها): أن المشاركة بين اثنين بمال أحدهما وعمل الآخر إن [كانت] (٢) المشاركة فيما ينمو من العمل كالربح؛ جاز؛ كالمضاربة، وكمن دفع دابته أو عبده إلى من يعمل عليه بشيء (٣) من كسبه، فإنه يجوز على الأصح، وإن كانت المشاركة فيما يحدث [من] (٤) عين المال؛ كدر الحيوان ونسله؛ ففيه روايتان.
وكثير من الأصحاب [اختار] (٥) فيه المنع؛ لأن العامل [لا] (٦) يثبت حقه في أصل عين المال، والمتولد من العين حكمه حكمها، ولكن هذا ممنوع عند من أجاز الاستئجار على حصاد الزرع بجزء منه أو على نسج الثوب ببعضه (٧)، وذلك منصوص عن أحمد أيضًا.
стр. 247
واستثنى ذلك أبو الخطاب في "انتصاره" (١) ثمر الشجر، فإذا عمل الشريكان في شجر (٢) بينهما نصفين، [واشترطا] (٣) التفاضل في ثمره (٤)؛ جاز عنده،، وفرق بين الثمر وغيره مما يتولد من عين المال: بأن للعمل تأثيرًا في حصول الثمر بخلاف غيره، ولهذا المعنى جازت المساقاة.
فأما الإجارة المحضة، [فتجوز] (٥) فيما ينتفع باستغلاله وإجارته من العقار وغيره، ولا يجوز فيما ينتفع بأعيانه؛ إلا فيما استثني من ذلك للحاجة؛ كالظئر ونحوها.
وعند [الشيخ] (٦) تقي الدين [﵀] (٧): أن الأعيان التي
стр. 248
تستخلف شيئًا فشيئًا حكمه حكم المنافع؛ فيجوز استيفاؤها بعقد الإجارة كما [تستوفى بالوقف] (١) والوصية (٢).
* * *
стр. 249
(القاعدة الحادية والعشرون)
وقد يختص الولد من بين سائر النماء المتولد من العين بأحكام.
ويعبر عن ذلك بأن:
الولد هل هو كالجزء أو كالكسب؟ والأظهر أنه [كالجزء] (١).
فمن ذلك لو ولدت الأمة الموقوفة ولدًا؛ فهل يكون ملكًا للموقوف عليه كثمر الشجرة، أو يكون وقفًا معها؟
على وجهين، أشهرهما: أنه وقف معها؛ لأنه جزء منها، ولهذا يصح [وقفه ابتداءً] (٢)، بخلاف الثمرة (٣).
- (ومنها): لو ولدت الموصى بمنافعها، فإن قلنا: الولد كسب؛ فكله لصاحب المنفعة، وإن قلنا: هو جزء، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه بمنزلتها.
والثاني: أنه للورثة؛ لأن الأجزاء لهم دون المنافع.
стр. 250
- (ومنها): هل يتبع الولد أُمَّهُ في الكتابة الفاسدة كالصحيحة؟
فإن قلنا: هو جزء منها؛ تبعها، وإن قلنا: هو كسب؛ ففيه وجهان بناء على سلامة الاكتساب في الكتابة الفاسدة (١).
* * *
стр. 251
(القاعدة الثانية والعشرون) (١)
العين المنغمرة في غيرها إذا لم يظهر أثرها؛ فهل هي كالمعدومة حكمًا أو لا؟
فيه خلاف، وينبني عليه مسائل (٢):
- (منها): الماء الذي استهلكت فيه النجاسة، فإن كان كثيرًا؛ سقط حكمها بغير خلاف، وإن كان يسيرًا؛ فروايتان.
ثم [إن] (٣) من الأصحاب من يقول: إنما سقط حكمها، وإلا؛ فهي موجودة، ومنهم من يقول: بل الماء أحالها؛ لأن له قوة الإحالة، فلم يبق لها وجود، بل الموجود غيرها؛ فهو (٤) عين طاهرة، وهي طريقة أبي الخطاب (٥).
стр. 252
- (ومنها): اللبن المشوب بالماء المنغمر فيه؛ هل يثبت به تحريم الرضاع؟
فيه وجهان:
أحدهما -وهو المحكي عن القاضي-: أنه يثبت.
والثاني: لا، واختاره صاحب "المغني" (١).
وعلى الأول؛ فإنما يحرم إذا شرب الماء كله؛ ولو في دفعات، ويكون رضعة واحدة، ذكره القاضي في "خلافه" (٢).
- (ومنها): لو خلط خمرًا بماء، واستهلك فيه ثم شربه؛ لم يحد، هذا هو المشهور، وسواء قيل بنجاسة الماء أو لا.
وفي "التنبيه" (٣) لأبي بكر عبدالعزيز: مَنْ لتَّ بالخمر سويقًا أو
стр. 253
صبها في لبن أو ماءٍ جارٍ ثم شربها؛ فعليه الحد. ولم يفرق بين أن يستهلك أو لا يستهلك (١).
стр. 254
- (ومنها): لو خلط (١) زيته بزيت غيره على وجه لا يتميز؛ فهل هو استهلاك بحيث يجب لصاحبه عوضه من أي موضع كان، أو هو اشراك؟
في المسألة روايتان:
المنصوص في رواية عبد اللَّه (٢) وأبي الحارث أنه اشتراك، واختاره ابن حامد والقاضي في "خلافه"، واختار في "المجرد" أنه استهلاك (٣).
стр. 255
وأما إن كان المختلط غصبًا؛ فقال في رواية أبي طالب: هذا قد اختلط أوله وآخره، أعجب إليَّ أن يتنزه عنه كله يتصدق به، وأنكر قول من قال: يخرج منه قدر ما خالطه.
واختار ابن عقيل في "فنونه" التحريم؛ لامتزاج الحلال بالحرام، واستحالة انفراد أحدهما عن الأخر.
وعلى هذا؛ فليس له إخراج قدر الحرام منه بدون إذن المغصوب منه؛ لأنها قسمة؛ فلا يجوز بدون رضا الشريكين.
لكن لأصحابنا وجه في المكيل والموزون المشترك: أن لأحد الشريكين الانفراد بالقسمة دون الآخر، وهو اختيار أبي الخطاب، ونص عليه أحمد في "الدراهم"، ومنعه القاضي؛ لكنه قال في "خلافه" (١): إن كان الحق في القدر المختلط لآدمي معين؛ لم تجز القسمة بدون إذنه، وإن كان لغير معين كالذي انقطع خبر مالكه ووجب التصدق به؛ فللمالك الاستبداد بالقسمة؛ لأن له ولاية التصرف فيه بالصدقة، وهذا [كله] (٢) بناءً على أنه اشتراك، وعن أحمد [﵀] (٢) رواية أخرى: أنه استهلاك. قال في رواية المرُوْذِي: يخرج العوض منه، وهذا يحتمل أنه أراد [أن] (٣) يخرج بدله عوضًا منه.
стр. 256
وكذا ساقه المروذي في كتاب "الورع" (١) له: أن أحمد قال: يعطي العوض، ولم يقل: منه، وإن كان أراد أنه يخرج العوض من نفس المخْتَلِط؛ فهو بناءً على أنه شركة، وأن له الاستبداد بقسمة (٢) ذلك (٣).
- (ومنها): لو وصى له برطل من زيت معين، ثم خلطه بزيت آخر، فإن قلنا: هو اشتراك؛ لم تبطل الوصية، وإن قلنا: هو استهلاك؛ بطلت (٤).
- (ومنها): لو حلف لا يأكل شيئًا، فاستهلك في غيره ثم أكله؟
قال الأصحاب (٥): لا يحنث، ولم يخرجوا فيه خلافًا؛ لأن مبنى
стр. 257
[الأيمان] (١) على العرف، ولم يقصد الامتناع من مثل ذلك.
وقد يخرج فيه وجه بالحنث، وقد أشار إليه أبو الخطاب كما سنذكره، وهذا كله في المائعات والأدقة (٢) ونحوها مما يختلط بعض أجزائه ببعض.
فأما الحبوب والدراهم ونحوها؛ فمن الأصحاب من قال: حكمها حكم المائعات فيما سبق، وفرعوا على ذلك مسائل:
- (منها): لو اشترى ثمرة، فلم يقبضها حتى اختلطت بغيرها، ولم تتميز؛ فهل ينفسخ البيع؟
على وجهين، اختار القاضي في "خلافه" الانفساخ، وفي "المجرد" عدمه.
- (ومنها): لو حلف لا يأكل حنطة، فأكل شعيرًا فيه حبات حنطة؟
ففي حنثه وجهان ذكرهما أبو الخطاب، وغلطه صاحب "الترغيب" وقال: يحنث بلا خلاف؛ لأن الحب متميز لم يستهلك، بخلاف ما لو طحنت الحنطة بما فيها فاستهلكت؛ فإنه لا يحنث.
- (ومنها): لو اختلطت دراهمه (٣) بدراهم مغصوبة؛ فالمنصوص
стр. 258
عن أحمد في رواية المروذي: إن كانت الدراهم قليلة؛ كثلاثة فيها درهم حرام؛ وجب التوقف عنها حتى يعلم، وإن كانت كثيرة؛ كثلاثين فيها درهم حرام؛ فإنه يخرج منها درهمًا [واحدًا] (١)، ويتصرف في الباقي.
وله نصوص كثيرة في هذا المعنى، وعلل بأن الكثير يجحف بماله إخراجه، وأنكر على من قال: [يخرج قدر الحرام] (٢) من القليل؛ كالثلاثة إنكارًا شديدًا.
وأما القاضي؛ فتأول كلامه على الاستحباب؛ لأنه كلما كثر الحلال بعد تناول الحرام، وشق التورع عن الجميع بخلاف القليل، قال: والواجب في الجميع إخراج قدر الحرام.
وكذلك ذكر ابن عقيل في "فصوله"، وخالف في "الفنون" وقال: يحرم الجميع (٣).
стр. 259
- (ومنها): لو خلط الوديعة -وهي دراهم- بماله، ولم تتميز؛ فالمشهور الضمان؛ لعدوانه حيث فوت تحصيلها (١).
وعنه رواية أخرى: لا ضمان عليه؛ لأن النقود لا يتعلق الغرض بأعيانها، بل بمقدارها، وربما كان خلطها مع ماله أحفظ لها، وعلى هذه الرواية؛ فإذا تلف بعض المختلط بغير عدوان جعل التالف كله من ماله، وجعل الباقي من الوديعة، نص عليه؛ لأن هذه [الأمانةَ الأصلُ] (٢) بقاؤها ووجوب تسليمها، ولم يتيقن زوال ذلك، ولهذا قلنا: لو مات وعنده وديعة وجُهِلَ بقاؤها أنها تكون دينًا على التركة.
وتأول القاضي وابن عقيل كلام أحمد [﵀] (٣) في الضمان هنا على أن الخلط كان عدوانًا، وهذا يدل على أنه لا ضمان عندهما إلا مع التعدي، [ولو] (٤) اختلطت الوديعة بغير فعله، ثم ضاع البعض؛ جعل من مال المُوْدَع في ظاهر كلام أحمد، ذكره أبو البركات [ابن تيمية] (٥) في "شرح الهداية"، وقد تقدم أن القاضي ذكر في "الخلاف" أنهما يصيران شريكين، قال أبو البركات: ولا يبعد على هذا أن يكون الهالك منهما (٦).
стр. 260
وذكر القاضي أيضًا في بعضِ "تعاليقه" فيمن معه دينار أمانة لغيره، فسقط منه مع دينار له في رحى، فدارت عليهما حتى نقصا، وكان نقص أحدهما أكثر من نقص الآخر، ولم يدر أيهما له؛ أنه يحتاط فيدفع إلى صاحب الأمانة ما يغلب على ظنه أنه قدر حقه، فإن ادعى أن الثقيل له؛ فالقول قوله في الظاهر؛ لأن يده عليه، [واللَّه أعلم] (١).
* * *
стр. 261
(القاعدة الثالثة والعشرون)
من حرم عليه الامتناع من بذل شيءٍ سُئله فامتنع؛ فهل (١) يسقط إذنه بالكلية، أو يعتبر ويجبره الحاكم عليه؟
هذا نوعان:
(أحدهما): أن يكون المطلوب منه إذنًا مجردًا (٢)، ويندرج تحته صور:
- (منها): وضع الخشب على جدار جاره إذا لم يَضُرَّ به، وقد نص أحمد على عدم اعتبار إذنه [بالكلية] (٣) في ذلك، وفي "التلخيص" أنه يجبر عليه إن أباه (٤).
стр. 262
- (ومنها): حج الزوجة الفرض، ونص أحمد في رواية صالح على أنها لا تحج إلا بإذنه، وأنه ليس له منعها؛ فعلى هذا يجبر (١) على الإذن لها، ونقل ابن أبي موسى عن أحمد: أن استئذانها له مستحب ليس بواجب.
- (ومنها): إذا قلنا بوجوب الجمعة على العبد؛ فهل يتوقف على إذن السيد [له] (٢)؟
حكى الأصحاب فيه روايتين:
إحداهما: لا تجب على العبد حتى يأذن له السيد.
والثانية: تجب بدون إذنه، ويستحب له استئذانه، فإن أذن له، وإلا؛ خالفه وذهب.
- (ومنها): أخذ فاضل الكلأ والماء من أرضه؛ هل يقف جواز
стр. 263
الدخول الى الأرض على إذنه [ويُجْبَر عليه إن أباه] (١)، أم يجوز بدون إذنه؟
على وجهين (٢).
стр. 264
ونص أحمد على جواز الرعي في الأرض المغصوبة يدل على عدم اعتبار الإذن في ذلك، ومن الأصحاب من قال: الخلاف في غير المُحَوَّط، فأما المُحَوَّط؛ فلا يجوز دخوله بغير إذن بغير خلاف. [قال] (١): ومتى تعذر الاستئذان لغيبة المالك أو غيرها، أو استؤذن فلم يأذن؛ سقط إذنه كما في الولي في النكاح، ونقل مثنى الأنباري (٢) عن أحمد ما يشعر بالفرق بين الدخول للماء والكلأ؛ فيتعين الاستئذان للدخول للكلأ دون الماء.
- (ومنها): بذل الضِّيافة الواجبة إذا امتنع منها جاز الأخذ من ماله، ولا يعتبر إذنه في أصح الروايتين.
نقلها علي بن سعيد عن أحمد، ونقل عنه حنبل: لا يأخذ إلا بعلمهم ويطالبهم بقدر حقه (٣).
- (ومنها): نفقة الزوجة الواجبة (٤).
стр. 265
- (ومنها): الطعام الذي يضطر إليه غيره؛ فإنه يلزمه بذله له بقيمته، فإن أبى؛ فللمضطر أخذه قهرًا، وإنما سقط اعتبار الإذن في هذه الصور؛ لأن اعتباره يؤدي إلى مشقة وحرج، وربما [أفضى] (١) إلى فوات الحق بالكلية (٢).
(النوع الثاني): أن يكون المطلوب منه تصرفًا [بعقد] (٣) أو فسخ أو غيرهما، ويندرج تحته صور:
- (منها): إذا طُلِبَ منه القسمة التي تلزمه الإجابةُ إليها، والأصحابُ يقولون: يجبر على ذلك، فإن كان المشْتَرَكُ مثليًا -وهو الكيل والموزون-، وامتنع أحدُ الشَّريكين من الإذن في القسمة أو غاب؛ فهل يجوز للشريك الأخر أخذ [قدر] (٤) حقه منه بدون إذن الحاكم؟
على وجهين:
(أحدهما): الجواز، وهو قول أبي الخطاب.
(والثاني): المنع، وهو قول القاضي؛ لأنَّ القسمة مختلف في كونها
стр. 266
بيعًا، وإذن الحاكم يرفع النزاع (١).
- (ومنها): إذا امتنع من بيع الرهن؛ فإنَّ الحاكمَ يجبره عليه ويحبسه، فإن أصرَّ؛ باع عليه، ومن الأصحاب من يقول: الحاكم مخير؛ إن شاء أجبره على البيع، وإن شاء باع عليه. وهو المجزوم به في "المغني" (٢).
- (ومنها): إذا امتنع من الإنفاق على بهائمه؛ فإنه يجبر على الإنفاق (٣) أو البيع، كذا أطلقه كثير من الأصحاب، وقال ابن الزاغوني: إن أبى؛ باع الحاكم عليه.
стр. 267
- (ومنها): المؤلي (١) إذا وُقِّفَ، ثم امتنع من الفَيْئَةِ (٢)؛ فإنه يُؤْمَرُ بالطَّلاقِ، فإن طلق؛ فذاك، وإلا؛ ففيه روايتان:
(إحداهما): يجبر على الطلاق بالحبس والتضييق.
(والثانية): يُطَلِّقُ الحاكم عليه (٣).
- (ومنها): العِنِّين إذا انقضت مدته وتحقَّق عجزُه وأبى أن يُفارقَ زوجَته (٤)؛ فَرَّق الحاكمُ بينهما (٥).
стр. 268
- (ومنها): إذا مُثِّل بعبده، قال أحمدُ في رواية الميموني (١): يعتقه السلطان عليه، وظاهر هذا أنه لا يعتق بمجرد التمثيل، ولكن يعتقه السلطان عليه بغير اختياره؛ لأن عتقه صار محتمًا (٢) لا محالة؛ كما فعل عمر ﵁ (٣)، بخلاف طلاق المؤلي (٤)؛ فإنه لو فاء لم يطالب
بالطلاق [كما هو المشهور عند الأصحاب؛ فـ] (١) يحتمل أن يكون مراده أن السلطان يحكم عليه بوقوع العتق كما هو المعروف في المذهب، وفيه بُعْدٌ.
- (ومنها): الموصى بعتقه إذا امتنع الوارث من إعتاقه؛ أعتقه السلطان عليه.
- (ومنها): إذا اشترى عبدًا بشرط العتق، وقلنا: يصح على الصحيح، فأبى أن يعتقه؛ ففيه وجهان، وقيل روايتان:
стр. 271
(إحداهما) -ونص عليها أحمد في رواية الأثرم-: أن للبائع الفسخ؛ بناءً على أنه حق له.
(والثاني): أنه يجبر المشتري على عتقه؛ بناءً على أنه حق للَّه [تعالى] (١).
فعلى هذا [إنْ] (٢) امتنع وأصر؛ توجه أن يعتقه الحاكم عليه.
- (ومنها): الحوالة على المليء؛ هل يُعتبر لبراءة المُحِيل رضا [المحتال] (٣)، فإن أبى أجبره الحاكم عليه؛ لأن احتياله على المليء (٤) واجب عندنا أو يبرأ بمجرد الحوالة؟
فيه عن أحمد روايتان (٥) حكاهما القاضي في "خلافه" وطائفة من
стр. 272
الأصحاب، ومبناهما على أن الحوالة هل هي نقل للحق أو تقبيض؛ فإن [كانت] (١) نقلًا؛ لم يعتبر لها قبول، وإن كانت تقبيضًا؛ فلا بد من القبض بالقول، وهو [قبولها] (٢)؛ فيجبر المحتال عليه.
- (ومنها): الولي في النكاح إذا امتنع من التزويج؛ فهل يسقط حقه وينتقل إلى غيره ممن هو أبعد منه، [أو لا فيقوم] (٣) الحاكم مقامه؟
على روايتين (٤).
- (ومنها): إذا أسلم على أكثر من [أربع] (٥)، وأبى أن يختار منهن؛ أجبره الحاكم على الاختيار، وعزَّره مرَّةً بعد أُخرى حتى يختار ولم يختر له؛ إذ الاختيار موكول إلى شهوته وغرضه لا غير.
- (ومنها): الكتابة إذا أوجبناها بسؤال العبد، فأبى السيد؛ أجبره
стр. 273
الحاكم عليها (١).
- (ومنها): إذا أتاه الغريمُ بدينه الذي يجب عليه قَبْضُهُ، فأبى أن يقبضه؟
[قال في] (٢) "المغني" (٣): يقبضه الحاكمُ، وتبرأ ذمة الغريم لقيام الحاكم مقام الممتنع بولايته، ولو أتاه الكفيل بالغريم، فأبى أن يتسلمه؛ فقال في "المغني" (٤): يُشهد على امتناعه، ويبرأ لوجود الإحضار (٥) وذكر عن القاضي: أنه يرفعه إلى الحاكم أولًا لِيُسَلمَهُ إليه، فإن تعذَّر؛ أشهد على امتناعه.
* * *
стр. 274
(القاعدة الرابعة والعشرون)
من تعلق بماله حق واجب عليه، فبادر إلى نقل الملك عنه؛ صح، ثم إن كان الحق متعلقًا بالمال نفسه؛ لم يسقط، وإن كان متعلقًا بمالكه لمعنى زال بانتقاله عنه؛ سقط، وإن كان لا يزول بانتقاله؛ لم يسقط على الأصح.
ويدخل تحت ذلك صور:
- (منها): لو بادر الغال قبل إحراق رحله وباعه؛ ففيه وجهان حكاهما في "المغني" (١):
(أحدهما): يصح؛ لأنَّ مُلْكَهُ باقٍ لم يَزُل، ويسقط التحريق لانتقاله عنه؛ فهو كما لو مات وانتقل إلى وارثه.
(والثاني): ينفسخ البيع ويحرق؛ لأن حق التحريق أسبق، وقد تعلق بهذا المال عقوبةً لمالكِهِ على جريمته السَّابقة (٢).
- (ومنها): لو باع المشتري الشقص المشفوع قبل المطالبة
стр. 275
بالشفعة؛ ففيه وجهان:
(أحدهما): أن البيع باطل؛ لأن ملكه غير تام (١)، وهو ظاهر كلام أبي بكر في "التنبيه".
(والثاني): أن البيع صحيح، وهو قول الخرقي (٢) والمشهور في المذهب؛ لأن أخذ الشفيع من المشتري الثاني ممكن، فإن اختار ذلك؛ فعل، وإلا؛ فسخ البيع الثاني، وأخذ من الأول لسبق حقه عليه.
- (ومنها): لو أمر الذمي بهدم بنائه العالي، فبادر وباع من مسلم؛ صح، وسقط الهدم لزوال علته؛ فإنه لم يجب الهدم إلا لإزالة ضرر استدامة تعلية الذمي، لا عقوبة للتعلية الماضية، وقد زال الضرر بانتقاله إلى المسلم؛ فهو كما لو بادر المالك وأسلم؛ فإن الهدم يسقط بلا تردد (٣).
- (ومنها): لو مال جداره الى ملك جاره، فطولب بهدمه، فباع داره؛ صح، وهل يسقط الضمان عنه بالسقوط بعد ذلك على رواية التضمين أم لا؟
قال القاضي: يسقط؛ لأن الوقوع في غير ملكه.
وقال ابن عقيل: إنْ قصد ببيعه الفرارَ من المطالبة بهدمه؛ لم يسقط الضَّمان لانعقاد سببه في ملكه، كما لو باع سهمًا بعد خروجه من كبد
стр. 276
القوس؛ فإنَّ عليه ضمان ما يتلفه. قال: وكذا لو باع فَخًّا أو شبكة منصوبتين، فوقع فيهما صيد في الحرم أو مملوك للغير؛ لم يسقط عنه ضمانه.
والظاهر أن القاضي لا يخالف في هذه الصور؛ فإنه قال فيما إذا أخرج جناحًا أو ميزابًا إلى الطريق، ثم باع ملكه بعد المطالبة بإزالته، ثم سقط؛ فعليه الضمان؛ لأن خروجه إلى غير ملكه حصل بفعله، بخلاف ميل الحائط؛ فإنه لا فعل له فيه، وإنما يلزمه إزالته على وجه ممكن، ولا يمكنه نقضه بعد زوال ملكه عنه.
- (ومنها): لو اشترى عبدًا بشرط العتق، ثم باعه بهذا الشرط؛ فهل يصح أم لا؟
على وجهين حكاهما الأزجي في "نهايته" (١)، وصحح عدم الصحة؛ لأنه يتسلسل، ولأن تعلق حق العتق الواجب عليه يمنع الصحة كما لو نذر
стр. 277
عتق عبد؛ فإنه لا يصح بيعه، وعندي أن هذا الخلاف مترتب على أن الحق هل هو للَّه ويجبر عليه إن أباه، أو للبائع؟ فعلى الأول هو كالمنذور عتقه، وعلى الثاني يسقط الفسخ لزوال المُلْكِ، وللبائع الرجوع بالأرْشِ، فإن هذا الشرط ينقص به الثَّمنُ عادة، ويحتمل أن يثبت له الفسخُ لسبق حقه.
- (ومنها): لو باع العبدَ الجاني لزمه افتداؤه، فإن كان معسرًا؛ فُسخ البيع تقديمًا لحق المجني عليه لسبقه.
- (ومنها): لو باع الوارث التركة مع استغراقها الدَّين (١) ملتزمًا لضمانه، ثم عجز عن وفائه؛ فإنه يفسخ البيع.
- (ومنها): لو باع نصاب الزكاة بعد الوجوبِ، ثم أعسر؛ فهل يفسخ في قدر الزكاة أم لا؟
فيه وجهان مرتبان على أن الزكاة هل كانت متعلِّقةً بعين المال أو بذمة ربِّه؟ فإن قيل بعين المال؛ فُسخ البيعُ لاستيفائها منه، وإلا؛ فلا (٢).
* * *
стр. 278
(القاعدة الخامسة والعشرون) (١)
من ثبت له ملك عين ببينة أو إقرار؛ فهل يتبعها ما يتصل بها، أو [يتولَّدُ] (٢) منها أم لا؟
في المسألة خلاف، ولها صور:
- (منها): أن من ثبت له ملك أمة في يد غيره ومعها ولدها؛ فهل يتبعها في الملك إذا ادعاه؟
على وجهين:
(أحدهما): لا، وهو الذي ذكره القاضي؛ لأنه لا يتبعها في بيع ولا غيره، ويجوز أن تكون ولدته قبل ملكه لها.
(والثاني) -وإليه ميل ابن عقيل-: أنه يتبعها؛ لأنه من أجزائها، وقد ثبت سبق اليد الحكمية لليد المشاهدة؛ فتكون مرجحة عليها.
ويشبه هذه المسألة ما إذا ادعى أمة في يد غيره أنها أم ولده، وأن ولدها منه [حر]، وأقام بذلك شاهدًا أو حلف معه أو رجلًا وامرأتين، ثبت ملكه عليها، وثبت استيلادها بإقراره.
стр. 279
وفي الولد روايتان حكاهما أبو الخطاب:
(إحداهما): يثبت نسبه وحريته لكونه من نمائها؛ فيتبعها، ويكون ثبوت ذلك بالإقرار لا بالبينة.
(والثانية): لا يثبت النسب ولا الحرية؛ لأنهما لا يثبتان بهذه الشهادة.
وفيه وجه يثبت النسب دون الحرية، وتبقى [صحة] (١) الولد على ملك من كانت بيده بناءً على صحة استلحاق نسب العبد؛ كما جزم به صاحب "التلخيص".
- (ومنها): لو ثبت له ملك أرض في يد غيره ببينة أو إقرار، وفيها شجر قائم؛ فهل يتبعها أم لا؟
يحتمل أن يخرج على وجهين بناءً على أن الشجر هل يتبع في البيع أم لا؟ وأفتى الشيخ تقي الدين (٢) ﵀ [تعالى] (٣): أن ما كان متصلًا بالأرض من الشجر؛ فيد أهل الأرض ثابتة عليه ما لم تأت حجة تدفع موجب اليد، مثل أن يكون الغارس قد عرف أنه غرسه بماله، وهو ظاهر كلام القاضي وابن عقيل في الرهن فيما إذا اختلف المتراهنان في رهنية الشجر في الأرض المرهونة: أن القول قول المالك؛ لأن الاختلاف هنا في عقد واليد لا تدل عليه، بخلاف ما لو كان الاختلاف في ملك.
стр. 280
وصرح صاحب "التلخيص" بأن ما في دار الإِنسان يكون في يده؛ ولو كان منفصلًا منقولًا، ويحتمل تخريج ذلك على الروايتين في ملك المباحات الحاصلة في أرضه بمجرد حصولها في الأرض؛ نظرًا إلى أن الأرض هل هي كاليد أم لا؟ فإن قامت البينة أن هذه الشجرة له وعليها ثمر؛ فقال ابن عقيل: يحكم له به، حتى لو كان الثمر [في يد] (١) رجل [وثبت] (٢) سبق ملك الشجرة لغيره؛ حكم له بالثمرة؛ لثبوت سبق ملكه على أخذ غيره [للثمر] (٣)، ويتخرج فبه وجه آخر؛ كالولد، وبه جزم ابن عقيل في كتاب "القضاء" (٤).
стр. 281
- (ومنها): لو ثبت أن هذا العبد ملك له وهو في يد غيره، وعلى العبد ثياب فادعاها من العبد في يده؛ فقال صاحب "الكافي" (١) و"الترغيب": هي له؛ لأن يده عليها، وهي منفصلة عن العبد.
ويحتمل وجهين آخرين:
(أحدهما): أن ما يتبع العبد من الثياب في البيع يتبعه ها هنا، وما لا؛ فلا (٢).
(والثاني): إن تطاولت مدة هذه اليد، بحيث تبلى فيها ثياب العبد عادة؛ فالقول قول من هي في يده، وإلا؛ فلا إلحاقًا لها بالعيب المتنازع في حدوثه عند البائع أو المشتري إذا لم يحتمل الحال إلا قول أحدهما وحده.
- (ومنها): لو تنازع المُؤْجِر والمستأجر في شيء من الدار المستأجرة، فذكر الأصحاب أن ما يتبع في البيع؛ فهو للمؤجر، وما لا يتبع إن كانت جرت به العادة في المنازل؛ ففيه خلاف، والمنصوص أنه للمؤجر أيضًا، وكذلك الوجهان لو تنازع المؤجر والمستأجر في كنز مدفون في الأرض، وهل الحكم مختص بحالة بقاء يد المستأجر أم لا؟
стр. 282
صرح في "التلخيص" في مسألة الكنز بأن الخلاف في صورة بقاء الإجارة وانقضائها، ويشهد له مسألة المال المدفون إذا ادعاه من كانت الأرض له، ووصفه أنه يقبل منه، وكذلك حكم اختلاف الزوجين في متاع البيت [جارٍ] (١) مع بقاء الزوجة وزوالها في أحد [الطريقتين] (٢) للأصحاب (٣).
- (ومنها): لو أقر له بمظروف في ظرف؛ كتمر في جراب، أو [سيف] (٤) في قراب، أو فص في خاتم، أو رأس وأكارع (٥) في شاة، أو نوى
стр. 283
في تمر؛ ففيه وجهان:
أشهرهما: يكون مقرًّا بالمظروف دون ظرفه، وهو قول ابن حامد والقاضي وأصحابه؛ لأن الظرف غير مقر به، وإنما هو موصوف به؛ فهو كقوله: دابة في إصطبل.
والوجه الثاتي: هو مقر بهما، وإلا؛ لم يكن [ثَمَّ] (١) فائدة [لذلك] (٢) الظرف.
وفرق بعض المتأخرين بين ما يتصل بظرفه عادة أو خلقة، فيكون إقرارًا به دون ما هو منفصل عنه عادة، ويحتمل التفريق بين أن يكون الثاني تابعًا للأول، فيكون إقرارًا به؛ كتمر في جراب أو سيف في قراب، وبين أن يكون متبوعًا؛ فلا يكون إقرارًا به؛ كنوى في تمر ورأس في شاة.
وأما إذا قال: خاتم فيه فص، وجراب فيه تمر، وقراب فيه سيف؛ فقيل: هو على الوجهين مطلقًا.
وقيل في قوله: خاتم فيه فص: أنه إقرار بهما جميعًا بغير خلاف؛ لأن إطلاق الخاتم يدخل فيه الفص، فإذا وصفه بالفص، تيقن دخوله فيه، ولم يجز إخراجه منه؛ كقوله: نعل لها شراك، أو شاة عليها صوف أو في ضرعها لبن، ونحو ذلك.
وفي "التلخيص": لو أقر بخاتم ثم جاء بخاتم فيه فص، وقال: ما أردت الفص؛ احتمل وجهين، أظهرهما دخوله لشمول الاسم. قال: ولو قال: له عندي جارية؛ فهل يدخل الجنين في الإقرار إذا كانت حاملًا؟
(القاعدة السادسة والعشرون)
من أتلف شيئًا لدفع أذاه له؛ لم يضمنه، وإن أتلفه لدفع أذاه به؛ ضمنه.
ويتخرج على ذلك مسائل:
- (منها): لو صال عليه حيوان آدمي أو [بهيم] (١)، فدفعه عن نفسه بالقتل؛ لم يضمنه، ولو قتل حيوانًا لغيره في مخمصة ليحيي به نفسه؛ ضمنه (٢).