- (ومنها): لو اشترى أمة مزوجة؛ صح، سواء علم بذلك أو لم يعلم، وتقع منافع البضع مستثناة في هذا العقد حكمًا، ولو استثناها في العقد لفظًا؛ لم يصح (١).
- (ومنها): لو اشترى شجرًا [و] (٢) عليه ثمر، [أو] (٣) أرضًا فيها زرع، أو دارًا فيها طعام كثير؛ صح، ووقع بقاء الثمر والزرع والطعام مستثنى إلى أوان تفريغه على ما جرت به العادة، وذلك مجهول، ولو استثنى بلفظه مثل هذه المدة؛ لم يصح.
стр. 317
- (ومنها): لو اشترى أمة أو عبدًا مُحرمًا؛ صَحَّ، ووقع مدة إحرامه مستثنى من البيع، وسواء علم بذلك المشتري أو لم يعلم، نص [على ذلك] (١) أحمد؛ مع أن مدة الإحرام لا تنضبط، لا سيما بالعمرة (٢) قد يقع الإبطاء في السير لعائق أو غيره، لكن قد يقال: إن المسافة معلومة وأفعال النسك [مدة] (٣) معلومة؛ فصار كاستثناء ظهر الدابة إلى بلد معين (٤).
* * *
стр. 318
(القاعدة الرابعة والثلاثون)
استحقاق منافع العبد بعقد لازم يمنع من سريان العتق إليها.
كالاستثناء في العقد، وأولى؛ لأن الاستثناء الحكمي أقوى، ولهذا يصح بيع العين المؤجرة والأمة المزوَّجة عند من لا يرى استثناء المنافع في العقد، خلافًا للشيخ تقي الدين [﵀] (١) في قوله: يسري العتق إليها إن لم يستثن.
ويتفرع على هذا مسائل (٢):
- (منها): إذا عُتقت الأمة المزوجة لم تملك منفعة البضع التي هي موردُ النكاح، وإنما يثبت لها الخيار تحت العبد؛ لأنها كملت تحت ناقص فزالت كفاءته بذلك، أو تعبدًا غير معقول المعنى، ومن قال بسراية العتق؛ قال: قد ملكت بِضْعَها، فلم يبق لأحد عليها ملك؛ فصار الخيار لها في المقام مع الزوج أو مفارقته، سواء كان حرًّا أو عبدًا (١)، وعلى هذا
стр. 321
لو (١) استثنى منفعة بضعها للزوج؛ صح، ولم تملك الخيار، سواء كان زوجها حرًّا أو عبدًا، ذكره الشيخ وقال: هو مقتضى المذهب.
ويرد على [هذا] (٢) القول بملكها بضعها: أنه يلزم منه انفساخ نكاحها؛ حيث لم يبق للزوج ملك عليها ولا قائل بذلك، على أنه يمكن أن يقال: عِتْقُ [بضعها] (٣) لا يلزم منه ثبوت الخيار لها على الحر؛ لأن حرية البضع لا تنافي [ثبوت] (٤) استحقاق منفعته بعقد النكاح ابتداءً؛ فالحرية الطارئة [به] (٥) أولى.
- (ومنها): لو أجر عبده مدة ثم أعتقه في أثنائها؛ لم تنفسخ الإجارة على المذهب، وعند الشيخ [تقي الدين] (٦) تنفسخ؛ إلا أن يستثنيها في العتق.
стр. 322
وخرج صاحب "المقنع" (١) ذلك وجهًا لنا لا بناءً على السراية، بل [بناءً] (٢) على زوال ولاية السيد عن عبده بعتقه؛ فيكون كما لو أجر الولي الصبي مدة ثم بلغ في أثنائها؛ فإنه ينفسخ في وجه، وهو ضعيف؛ فإن الولي تنقطع ولايته بالكلية عن الصبي ببلوغه رشيدًا، بخلاف السيد، فإنَّ له استثناء منافعه بالشرط، والاستثناء الحكمي أقوى كما تقدم.
- (ومنها): لو أعتق الورثة العبد المُوْصى بمنافعه؛ صح، ولم يَسْرِ إلى المنافع.
* * *
стр. 323
(القاعدة الخامسة والثلاثون)
من ملك منفعة عين بعقد، ثم ملك العين بسبب آخر؛ هل ينفسخ العقد الأول أم لا؟
ها هنا صورتان:
(إحداهما): أن يكون العقد الذي ملك به المنفعة عقدًا مؤبدًا، فإن لم يكن عقد معاوضة؛ فلا معنى لانفساخه؛ كالموصى له بمنافع الأمة إذا اشتراها؛ فإنه يجتمع له ملكها بالعقدين، ولا ضرر في [ذلك] (١)؛ فهو كما لو كان ملكه للمنفعة بغير عقد؛ كملك الورثة لمنافع العين الموصى [برقبة عينها] (٢) إذا [اشتروا العين] (٣) من الموصى له، وإن كان عقد معاوضة -وهو النكاح- انفسخ بملك الرقبة؛ لأنه ملك ضعيف ومختلف في مورده؛ هل هو المنفعة أو الانتفاع؟ ويختص بمنفعة البضع ويملك به الاستمتاع بنفسه دون المعاوضة عليه؛ فلا يجتمع مع الملك القوي وهو ملك الرقبة، [بل يندفع به، ولا نقول: إنه يدخل ملكه في ملك الرقبة]؛ لأن مالك الرقبة لم يكن مالكًا له؛ فكيف يتضمن عقده على الرقبة [ملكه] (٤)؟ بل نقول:
стр. 324
[إنه] (١) قد اجتمع له ملك الرقبة بجميع (٢) منافعها بجهة، وملك البضع [ملكًا] (٣) بجهة أخرى ضعيفة؛ فبطلت خصوصيات الجهة الضعيفة كلها لمصيره مالكًا للجميع ملكًا تامًّا، وهذا صحيح؛ فإنه لا يمكن بعد هذا الملك أن يقال: إنه يملك الانتفاع بالبضع دون منفعته، ولا أنه يملك الانتفاع به بنفسه دون المعاوضة عليه؛ فتعين إلغاء خصوصيات عقد النكاح كلها (٤).
(والصورة الثانية): أن يكون العقد المملوك به المنفعة غير مؤبد؛ كالإجارة، فإذا ملك العين بعد ذلك؛ فهل ينفسخ؟
فيه وجهان، ويندرج تحت ذلك صور:
стр. 325
- (منها): لو اشترى المستأجر العين المستأجرة من مؤجرها؛ ففي انفساخ الإِجارة وجهان حكاهما الأصحاب، وربما حُكي روايتان:
(أحدهما): ينفسخ؛ لأنه ملك الرقبة، فبطل ملك المنفعة كما لو اشترى زوجته.
(والثاني): لا ينفسخ، وهو الصحيح، [وهو] (١) اختيار القاضي وابن عقيل والأكثرين؛ لأن المنافع ملكها أولًا بجهة الإِجارة وخرجت عن ملك المؤجر، والبيع بعد ذلك يقع على ما يملكه البائع، وهو العين المسلوبة النفع؛ فصار كما لو اشترى العين الموصى بمنافعها من الورثة، واستأجر المنافع من مالكها في عقد أو عقدين؛ فإن الإجارة لا تنفسخ بغير خلاف ولا منافاة بين ثبوت البيع والإجارة، بخلاف النكاح.
وأيضًا؛ فالملك ها هنا أقوى من ملك النكاح؛ لأنه يملك [به] (٢) الانتفاع والمعاوضة، ويملك به عموم المنافع؛ فلا تنفسخ بملك الرقبة (٣)،
стр. 326
فإن قيل: لو لم تنفسخ الإجارة؛ لعادت المنافع بعد انقضاء مدتها إلى المؤجر؛ [لأنها لم تدخل] (١) في عقد البيع، وإنما استأجرها مدة مؤقتة، بخلاف الزوج؛ لأنه ملك المنفعة ملكًا مؤبدًا.
فالجواب: أن البائع باع ما يملكه من العين ومنافعها التي يستحقها بعد انقضاء مدة الإجارة؛ فإنه يملك العقد على المنافع التي تلي العقد والتي تتأخر عنه بالإجارة عندنا؛ فبالبيع أولى، أما إن كان الاستئجار من غير البائع، وكان مالكًا للمنافع [مؤبدة] (٢)؛ فالإجارة باقية، وتعود إليه بعد انقضاء المدة بغير تردد، ولو ملك المستأجر العين بهبة؛ فهو كما لو ملكها بشراء، صرح به الشيخ مجد الدين في "مُسَوَّدته على الهداية"، فأما إن وهب العين المستعارة من المستعير؛ فإنه تبطل العارية.
[و] (٣) ذكرهُ القاضي وابن عقيل؛ لأنه عقد غير لازم.
- (ومنها): لو استأجر دارًا من أبيه، ثم مات الأب [فورثها] (٤)؛ فهل تنفسخ الإِجارة؟
فيه وجهان أيضًا، وخرجهما صاحب "التلخيص" من المسألة التي قبلها، والمذهب عند القاضي في "الخلاف": أنه لا ينفسخ؛ كشراء المستأجر، وقال في "المجرد": ينفسخ. وتوجه بأن الملك بالإرث قهري
стр. 327
يقتضي تملك مالًا يتملك مثله بالعقود؛ فجاز أن يملك به المنافع المستأجرة [من] (١) مستأجرها، فتنفسخ الإجارة.
وأيضًا؛ فقد ينبني هذا على [أن] (٢) المنافع المستأجرة هل تحدث على ملك المؤجر ثم تنتقل إلى ملك المستأجر؟ فإن قلنا بذلك؛ فلا معنى لحدوثها على ملكه وانتقالها إليه، هذا إذا كان ثَمَّ وارث سواه؛ لأن فائدة بقاء الإجارة استحقاق بقية الأجرة، فإذا لم يكن وارث سواه؛ فلا معنى لاستحقاقه العوض [على نفسه] (٣)؛ إلا أن يكون على أبيه دين لغيره، وقد مات مفلسًا بعد أن أسلفه الأجرة (٤).
- (ومنها): لو اشترى طلعًا لم يؤبر في رؤوس نخله بشرط قطعه، ثم اشترى أصله في الحال؛ فهل يتخرج انفساخ البيع في الطلع على ما مر من الوجهين؛ لأنه بمنزلة المنفعة لتبعه في البيع، أم لا لأنه عين مستقلة؟
فيه تردد، والمجزوم به في "الكافي" (٥): أنه لا ينفسخ بغير
(القاعدة السادسة والثلاثون)
من استأجر عينًا ممن له ولاية الإيجار، ثم زالت ولايته قبل انقضاء المدة؛ فهل تنفسخ الإِجارة؟
هذا قسمان:
(أحدهما): أن تكون إجارته بولاية محضة، فإن كان وكيلًا محضًا؛ فالكلام في موكله دونه؛ وإن كان مستقلًا بالتصرف، فإن انتقلت الولاية إلى غيره؛ لم تنفسخ الإجارة لأن الولي الثاني يقوم مقام الأول كما يقوم المالك الثاني مقام الأول؛ وإن زالت الولاية عن المولى عليه بالكلية؛ كصبي يبلغ بعد إيجاره (١) أو إيجار عقاره والمدة باقية؛ ففي الانفساخ وجهان:
أشهرهما: وهو قول القاضي وأصحابه؛ لأنه تصرف له تصرفًا لازمًا؛ فلا ينفسخ ببلوغه كما لو زوجه أو باع عقاره.
والثاني: ينفسخ، ذكره في "المغني" (٢) وجهًا؛ لأنه أجره مدة لا ولاية له عليه فيها بالكلية، فأشبه إجارة البطن الأول للوقف إذا انقرض قبل انقضاء المدة، وفارق البيع؛ لأنه ينبرم في الحال وتنقطع [علته] (٣).
стр. 330
نعم، لو كان بلوغه في مدة الخيار؛ ففيه نظر، [وكذلك] (١) النكاح ينبرم من حينه، ويستقر المهر [فيه] (٢) بالدخول، بخلاف الإِجارة؛ لأن الأجرة تتقسط فيها على المدة ولا يستقر الملك فيها إلا باستيفاء المنافع شيئًا بعد شيء.
وذكر في "المغني" (٣) وجهًا آخر: أنه إن أجره مدة يعلم بلوغه فيها قطعًا؛ لم يصح في [الزائد] (٤)، ويخرج الباقي على تفريق الصفقة ونحوه، ذكره صاحب "التلخيص" (٥).
стр. 331
(والقسم الثاني): أن تكون إجارته بملك ثم تنتقل إلى غيره، وهو أنواع:
(أحدها): أن تنتقل عنه إلى من يملك بالقهر ما يستولي عليه؛ فتنفسخ الإجارة لملكه المنافع الباقية منها، ودخل تحت هذا إذا أجر مسلم شيئًا ثم استولى عليه الكفار، وإذا أجر الحربي شيئًا لحربي ثم استولى عليه المسلمون، أما إن أجر الحربي شيئًا لمسلم أو ذمي ثم استولى عليه المسلمون؛ فالإجارة باقية لأن المنافع ملك لمعصوم؛ فلا تملك (١).
(وثانيها): أن ينتقل الملك إلى من [يخلفه] (٢) في ماله ويقوم مقامه ويتلقى الملك عنه؛ فلا اعتراض له على عقوده، بل هو منفذ لها، وذلك كالوارث والمشتري والمتهب والموصى له بالعين والزوجة إذا أخذت العين صداقًا أو أخذه الزوج منها عوضًا عن خلع أو صلحًا أو غير ذلك (٣).
стр. 332
(وثالثها): أن يكون مزاحمًا للأول في الاستحقاق [و] (١) متلقيًا للملك عمن تلقاه الأول، لكن لا حق له في العين إلا بعد انتهاء استحقاقه؛ كالبطن الثاني من أهل الوقف إذا أجر البطن الأول ثم انقرض والإجارة قائمة.
[وفي المسألة] (٢) وجهان:
(أحدهما): وهو ما قال القاضي في "المجرد" أنه قياس المذهب: إنه لا [ينفسخ] (٣)؛ لأن الثاني لا حق له في العين إلا بعده؛ فهو كالوارث.
(والثاني): وهو المذهب الصحيح، وبه جزم القاضي في "خلافه"، وقال: إنه ظاهر كلام أحمد وابنه أبو الحسين (٤) وحكياه عن أبي إسحاق بن شاقلا، واختاره ابن عقيل وغيره: أنه ينفسخ؛ لأن الطبقة الثانية تستحق العين بجميع منافعها تلقيًا عن الواقف بانقراض الطبقة الأولى؛ فلا حق للأولى فيه بعد انقراضهم، بخلاف الورثة؛ فإنهم لا يتلقون عن [موروثهم] (٥) إلا ما خلفه في ملكه من الأموال ولم يخلف هذه المنافع، وحق المالك لم ينقطع عن ميراثه بالكلية، بل آثاره باقية، ولذلك (٦) تقضى
стр. 333
ديونه وتنفذ وصاياه من [التركة] (١)، وهي ملكه على قول (٢) إلى أن [تقضى ديونه] (٣)؛ فكيف [يعترض] (٤) عليه في تصرفاته بنفسه؟!
وأيضًا؛ فهو كان يملك التصرف في ماله على التأبيد بوقف عقاره والوصية به وبما [يحمل شجره] (٥) أبدًا، والموقوف عليه بخلافه في ذلك كله.
وخرج صاحب "المغني" (٦) وجهًا آخر ببطلان العقد من أصله بناءً على تفريق الصفقة كما سبق، لكن الأجرة إن كانت مُقَسَّطة على أشهر مدة الإجارة أو أعوامها؛ فهي صفقات متعددة على أصح الوجهين؛ فلا تبطل جميعًا (٧) ببطلان بعضها، وإن لم تكن مقسطة؛ فهي صفقة واحدة، فيطرد فيها الخلاف المذكور.
واعلم أن في ثبوت الوجه الأول [نظرًا] (٨)؛ لأن القاضي إنما فرضه فيما إذا أجر الموقوف عليه لكون النظر له مشروطًا (٩)، وهذا محل تردد
стр. 334
(أعني: إذا أجر بمقتضى النظر المشروط له)؛ هل يلحق بالناظر العام [فلا ينفسخ] (١) بموته الأجارات (٢) أم لا؟ فإن من أصحابنا المتأخرين من ألحقه بالناظر العام في ذلك، وهكذا حكم المُقْطَع إذا أجر إقطاعه ثم انتقلت عنه [إلى غيره] (٣) بإقطاع [آخر] (٤).
стр. 335
(ورابعها): أن يكون مزاحمًا للأول في استحقاق التلقي عمن تلقى عنه الأول بسبق حقه وتقديمه عليه، وهو المشتري للشِّقْص المشفوع إذا أجَّر، وقلنا بصحة تصرفاته بالإجارة [و] (١) غيرها ثم انتزعه الشفيع، وفيه ثلاثة أوجه (٢):
(أحدها): وهو ما ذكره صاحب "المقنع" (٣): لا تنفسخ الإجارة؛ لأن ملك المؤجر ثابت، ويستحق الشفيع الأجرة من يوم أَخْذِهِ؛ لأنه يستحق انتزاع العين والمنفعة، فإذا فات أحدهما؛ رجع إلى بدله وهو الأجرة ها
стр. 336
هنا، كما نقول في الوقف إذا انتقل إلى البطن الثاني ولم تنفسخ إجارته: إنهم يستحقون الأجرة من يوم الانتقال.
وكذلك نص أحمد في رواية جعفر بن محمد على مثل ذلك في بيع العين المؤجرة، وأن المشتري يستحق الأجرة من حين البيع (١)، وهو مشكل؛ لأن المنافع [في] (٢) مدة الإجارة غير مملوكة للبائع؛ فلا [تدخل] (٣) في عقد البيع.
ويجاب عنه: بأن البائع يملك عوضها، وهو الأجرة، ولم يستقر بعد، ولو انفسخ العقد؛ لرجعت المنافع إليه، فإذا باع العين ولم يستثن شيئًا؛ لم تكن تلك المنافع ولا عوضها مستحقًا له؛ لشمول البيع للعين ومنافعها، فيقوم المشتري مقام البائع فيما كان يستحقه منها، وهو [استحقاق] (٤) عوض المنافع مع بقاء الإجارة وفي رجوعها إليه مع الانفساخ.
[وهذا هو أحد الوجهين للأصحاب، وهو [قياس] (٥) نص أحمد المذكور أولًا، وما ذكرناهُ قبل ذلك من رجوع المنافع إلى البائع عند الانفساخ هو الذي ذكره صاحب "المغني"] (٦).
стр. 337
(والثاني): أنه تنفسخ الإجارة بأخذه، وهو المجزوم به في "المحرر" (١)؛ لما قلنا من ثبوت حقه في العين والمنفعة، فيملك انتزاع كل منهما ممن هو في يده وفارق إجارة الوقف على وجه؛ لأن البطن الثاني لا حق لهم قبل انقراض الأول، وهنا حق الشفيع ثابت قبل إيجار المشتري، فينفسخ بأخذه لسبق حقه، ولهذا قلنا على رواية: أن تصرف المشتري في مدة الخيار مراعى، فإن فسخ البائع؛ بطل.
وأيضًا؛ فلو لم تنفسخ الإجارة؛ لوجب ضمان المنافع على المشتري بأجرة المثل لا بالمسمى لأنه ضمان حيلولة، كما قلنا في أحد الوجهين إذا أعتق عبده المستأجر لزمه ضمان قيمة منافعه فيما بقي من المدة.
والثالث: أن الشفيع بالخيار بين أن يفسخ الإجارة أو يتركها، وهو ظاهر كلام القاضي في "خلافه" في مسألة اعارة [العارية] (٢)، وهو أظهر؛ فإن الإجارة بيع المنافع، ولو باع المشتري العين أو بعضها؛ كان الشفيع مخيرًا بين الأخذ ممن [هي] (٣) في يده وبين الفسخ؛ ليأخذ من المشتري (٤).
стр. 338
وخامسها: أن ينفسخ ملك (١) المؤجر ويعود إلى من انتقل الملك إليه منه؛ فالمعروف من (٢) المذهب أن الإجارة لا تنفسخ بذلك؛ لأن فسخ العقد رفع له من حينه لا من أصله.
وصرح أبو بكر في "التنبيه" بانفساخ النكاح لو أنكحها المشتري ثم ردها بعيب؛ بناءً على أن الفسخ رفع للعقد من أصله.
وقال القاضي وابن عقيل في "خلافيهما": الفسخ بالعيب (٣) رفع للعقد من حينه، والفسخ بالخيار رفع للعقد [له] (٤) من أصله؛ لأن الخيار يمنع اللزوم بالكلية، ولهذا يمنع معه من التصرف في المبيع وثمنه، بخلاف العيب (٥).
стр. 339
(القاعدة السابعة والثلاثون)
في توارد العقود (١) المختلفة بعضها على بعض وتداخل أحكامها.
ويندرج تحتها صور:
- (منها): إذا رهنه شيئًا ثم أذن له في الانتفاع به؛ فهل يصير عارية حالة الانتفاع أم لا؟
قال القاضي في "خلافه" وابن عقيل في "نظرياته" (٢) وصاحب "المغني" (٣) و"التلخيص": يصير مضمونًا بالانتفاع؛ لأن ذلك حقيقة العارية.
وأورد ابن عقيل في "نظرياته" في وقت ضمانه احتمالين:
(أحدهما): أنه لا يصير مضمونًا بدون الانتفاع.
(والثاني): يصير مضمونًا بمجرد القبض إذا قبضه على هذا الشرط؛
стр. 340
لأنه صار ممسكًا للعين لمنفعة نفسه منفردًا [بها] (١).
وهل يزول لزومه أم لا؟ ينبني على أن إعارة الراهن بإذن المرتهن هل يزيل لزوم الرهن أم لا؟
وفيه [طريقتان] (٢):
(إحداهما): أنه على روايتين، وهي طريقة "المحرر" (٣).
(والثانية): إن أعاره من المرتهن لم يزل اللزوم بخلاف غيره، وهي طريقة "المغني" (٤).
وقال صاحب "المحرر" في "شرح الهداية" (٥): ظاهر كلام أحمد أنه لا يصير مضمونًا بحال.
ويشهد له قول أبي بكر في "خلافه": شرط منفعة الرهن باطل، وهو
стр. 341
رهن بحاله (١).
- (ومنها): إذا أودعه شيئًا، ثم أذن له في الانتفاع به؛ فقال القاضي في "خلافه" وابن عقيل في "نظرياته" وصاحب "التلخيص" (٢): يصير مضمونًا حالة الانتفاع؛ لمصيره عارية حينئذ.
قال ابن عقيل: ولا يضمن بالقبض قبل الانتفاع ها هنا؛ لأنه لم يمسكه لمنفعة نفسه منفردًا، بل لمنفعته ومنفعه مالكه، بخلاف الرهن.
ومن المتأخرين من قال: ظاهر كلام أحمد أنه لا يصير مضمونًا أيضًا؛ كالرهن، وفرق صاحب "المحرر" (٣) بينهما.
ولا اختلاف ها هنا بين العقدين في الجواز؛ إلا أن يكون مدة الانتفاع مؤقتة، فيخرج فيها وجه باللزوم من رواية لزوم العارية المؤقتة (٤).
стр. 342
- (ومنها): إذا أعاره شيئًا ليرهنه؛ صح، [نص] (١) عليه، ونقل ابن المنذر (٢) الاتفاق عليه، ويكون مضمونًا على الراهن؛ لأنه مستعير وأمانة عند المرتهن عليه.
وأما اللزوم وعدمه؛ فقال الأصحاب: هو لازم بالنسبة إلى الراهن والمالك، لكن للمالك المطالبة بالافتكاك، فإذا انفك؛ زال اللزوم، فيرجع فيه المالك.
واستشكل ذلك الحارثي وقال: إما [أن يكون] (٣) لازمًا [اعتبارًا بحكم العارية، وفي كلام أحمد إيماء إليه، وإما أن يكون لازمًا] (٤)؛ فلا يملك المالك المطالبة [بالافتكاك] (٥) قبل الأجل، وتكون العارية هنا لازمة لتعلق حق الغير وحصول الضرر بالرجوع كما في العارية؛ كبناء حائط، ووضع خشب وشبههما. انتهى.
وصرح أبو الخطاب في "انتصاره" بعدم لزومه، [وأن] (٦) للمالك انتزاعه من يد المرتهن؛ فيبطل الرهن (٧).
стр. 343
- (ومنها): لو أعاره شيئًا ثم رهنه عنده؛ فقال أبو البركات في "الشرح": قياس المذهب [يصح] (١)، ويسقط ضمان العارية؛ لأنها ليست لازمة، وعقد هذه الأمانة لازم (٢). ثم أخذه من كلام [الإمام] (٣) أحمد في ورود عقد الإعارة على الرهن كما سبق.
ويتخرج في هذه المسألة ما في تلك.
- (ومنها): ورود عقد الرهن على الغصب؛ فيصح عندنا، ذكره أبو بكر والقاضي، ويبرأ به الغاصب، وكذا لو أودعه عنده أو أعاره إياه أو استأجره لخياطته (٤) أو نحوها، ذكره أبو الخطاب (٥) وغيره.
وذكر القاضي في "خلافه" فيما إذا استأجرهُ لخياطته (٤) ونحوها؛ هل يبرأ به؟
على وجهين.
وذكر [هو] (٦) في "المجرد" وابن عقيل في "الفصول" في المضاربة:
стр. 344
إذا جعل المالك المغصوب مع الغاصب مضاربة؛ صح، ولم يبرأ من ضمانه إلى أن يدفعه ثمنًا فيما يشتري به، فيبرأ حينئذ من الضمان، وعلى قول أبي الخطاب يبرأ في الحال.
- (ومنها): رهن المبيع المضمون على البائع قبل قبضه على ثمنه أو غيره إذا قيل بصحته يزول به الضمان على قياس التي قبلها؛ لأن يده صارت يد ارتهان.
- (ومنها): لو قال الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك إلى وقت كذا، وإلا؛ فالرهن لك بالدين، وقبل ذلك؛ فهو أمانة عنده إلى ذلك الوقت، ثم يصير مضمونًا؛ لأن قبضه صار بعقد فاسد، ذكره القاضي وابن عقيل.
والمنصوص عن أحمد في رواية محمد بن الحسن (١) بن هارون: أنه لا يضمنه بحال، ذكره القاضي في "الخلاف"؛ لأن الشرط يفسد فيصير وجوده كعدمه (٢).
стр. 345
- (ومنها): لو كاتب المدبَّر أو دبَّر المكاتب؛ صح، نص عليه، ثمَّ إن مات السيد ولم يؤد العبد من الكتابة شيئًا؛ عتق بالتدبير من الثلث، وهل يكون كسبه له كما لو عتق في حياة السيد وهو مكاتب، أو للورثة كعتقه بالتدبير؟
على وجهين.
وهكذا حكم [اجتماع] (١) الاستيلاد والكتابة؛ [إلا أنها تعتق من رأس المال] (٢).
ونقل ابن الحكم عن أحمد ما يدل على بطلان التدبير بالكتابة بناءً على أن التدبير وصية، فيبطل بالكتابة (٣).
* * *
стр. 346
(القاعدة الثامنة والثلاثون)
فيما إذا وصل بألفاظ العقود ما يخرجها عن موضوعها؛ فهل يفسد العقد بذلك، أو يجعل كناية عما يمكن صحته على ذلك الوجه؟
فيه خلاف يَلْتَفِتُ إلى أنَّ المغلب هل هو اللفظ أو المعنى، ويتخرج على ذلك مسائل:
- (منها): لو أعاره شيئًا وشرط عليه العوض؛ فهل يصح أم لا؟
على وجهين:
(أحدهما): يصح، ويكون كناية عن القرض؛ فيملكه بالقبض إذا كان مكيلًا أو موزونًا، ذكره أبو الخطاب في "انتصاره".
وكذلك ذكر القاضي في "خلافه" وأبو الخطاب في موضع من "رؤوس المسائل" (١): أنه يصح عندنا شرط العوض في العارية كما يصح شرط العوض في الهبة؛ لأن (٢) العارية هبة منفعة ولا تفسد بذلك، مع أن
стр. 347
القاضي قرر أن الهبةَ المشروطَ فيها العوض ليست بيعًا، وإنما الهبة تارة تكون تبرعًا وتارة تكون بعوض، وكذلك العتق، ولا يخرجان [عن] (١) موضوعها؛ فكذلك العارية، وهذا (٢) مأخذ آخر للصحة.
(والثاني): إنها تفسد بذلك، وجعله أبو الخطاب في موضع آخر المذهب؛ لأن العوض يخرجها عن موضوعها (٣)، وفي "التلخيص": إذا أعاره عبده على أن يعيره الآخر فرسه؛ فهي إجارة فاسدة غير مضمونة، [وهذا] (٤) رجوع إلى أنها كناية في عقد آخر، والفساد إما أن يكون لاشتراط عقد في عقد [آخر] (٥)، وإما لعدم تقدير المنفعتين، وعليه خرجه الحارثي [وقال] (٦): وكذلك لو قال: أعرتك عبدي لتمونه، أو دابتي لتعلفها، وهذا يرجع إلى أن مؤنة العارية على المالك، وقد صرح الحلواني في "التبصرة" (٧) بأنَّها على المستعير (٨).
стр. 348
- (ومنها): لو قال: خذ هذا المال مضاربة والربح كله لك أولي؟
فقال القاضي وابن عقيل: هي مضاربة فاسدة يستحق فيها أجرة المثل. وكذلك قال صاحب "المغني" (١)؛ لكنه قال: لا يستحق شيئًا في الصورة الثانية؛ لأنه دخل على أن لا شيء له ورضي به.
[وقاله] (٢) ابن عقيل في موضع آخر من المساقاة، وقال في
стр. 349
"المغني" (١) في موضع آخر: إنه إبضاع صحيح. فراعى الحكم دون اللفظ.
وعلى هذا؛ فيكون [في] (٢) الصورة الأولى قرضًا (٣).
- (ومنها): لو استأجر المكيل أو الموزون أو النقود أو الفلوس ولم يذكر ما يستأجرها له؟
فقال القاضي في "خلافه" في الإجارات: يصح ويكون قرضًا، [ولنا] (٤) وجه آخر: أنه لا يصح (٥).
стр. 350
- (ومنها): لوأجره الأرض بثلث ما يخرج منها من زرع؟
نص أحمد على صحته، واختلف الأصحاب في معناه؛ فقال القاضي: هي إجارة على حدّ المزارعة تصح بلفظ الإجارة، وحكمها حكمها، وقال أبو الخطاب (١) وابن عقيل وصاحب "المغني" (٢): هي مزارعة بلفظ الإِجارة؛ فتصح على قولنا، يجوز أن يكون البذر من العامل، وإلا؛ فلا (٣).
- (ومنها): لو أسلم في شيء حالًا؛ فهل يصح ويكون بيعًا أو لا يصح؟
فيه وجهان.
(أحدهما): وهو ظاهر كلام أحمد في رواية المروذي: لا يصح البيع
стр. 351
بلفظ السلم.
(والثاني): يصح، قاله القاضي في موضع من "خلافه" (١).
- (ومنها): إذا قال: أنت علي حرام، أعني به الطلاق. وقلنا: الحرام صريح في الظهار؛ فهل يلغو تفسيره ويكون ظهارًا، أو يصح ويكون طلاقًا؟
على روايتين (٢).
стр. 352
- (ومنها): لو قال له في دَيْن السَّلم: صالحني منه على مثل الثمن؟
قال القاضي: يصح ويكون إقالة، وقال هو وابن عقيل: لا يجوز بيع الدين من الغريم بمثله؛ لأنه نفس حقه.
فيخرج في المسألة (١) وجهان؛ التفاتًا إلى اللفظ والمعنى (٢).
стр. 353
(القاعدة التاسعة والثلاثون)
في انعقاد العقود بالكنايات واختلاف (١) الأصحاب في ذلك.
فقال القاضي في مواضع: لا كناية إلا في الطلاق والعتاق، وسائر العقود لا كناية فيها (٢).
وذكر أبو الخطاب في "الانتصار" نحوه، وزاد: ولا تحل العقود بالكنايات غير النكاح والرق.
وقال في موضع آخر منه: تدخل الكنايات في سائر العقود سوى النكاح؛ لاشتراط الشهادة عليه، وهي لا تقع على النية.
وأشار إليه صاحب "المغني" (٣) أيضًا، وكلام كثير من الأصحاب يدل عليه [أيضًا] (٤)، وهل المعاطاة التي ينعقد بها البيع والهبة ونحوهما إلا
стр. 354
كنايات؟!
وكذلك كنايات الوقف تنعقد به في الباطن؛ [إذا لم يقترن بحكمه أو أحد ألفاظه؛ فإنه ينعقد به الظاهر أيضًا] (١)، صرح به الحلواني، وقد تقدم في القاعدة التي قبلها كثير من فروع هذه القاعدة (٢).
- (ومنها): لو أجره عينًا بلفظ البيع، ففي الصحة وجهان.
وقال صاحب "التلخيص": إن أضاف البيع إلى العين؛ لم يصح، والوجهان في إضافتها إلى المنفعة (٣).
- (ومنها)؛ الرجعة بالكنايات ان اشترطنا الإشهاد عليها؛ لم يصح، وإلا؛ فوجهان.
[وأطلق الوجهين صاحب "الترغيب"] (٤) [والأجود] (٥) ما
стр. 355
ذكرنا (١).
فأما قوله لأمته: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك؛ فجعله ابن حامد كناية، ولم [ينعقد] (٢) به النكاح حتى يقول: وتزوجتك، وقال القاضي: هو صريح بقرينة ذكر الصداق، فإن الصريح قد يكون مجازًا إذا اشتهر وتبادر فهمه؛ ولو مع القرينة، وفسره القاضي بأنه الظاهر، ولا يشترط أن يكون نصًّا.
وكلام أحمد صريح في أن هذا اللفظ كناية؛ فإنه قال في رواية صالح: إذا قال: "أَجْعَلُ عتْقَكِ صَدَاقك، أو قال: صداقُك عتقُك؛ كل ذلك جائز إذا كانت له نية مبيتة" (٣)؛ [فصرح] (٤) باعتبار النية [له] (٥)، وتأوله القاضي بتأويل بعيد جدًّا.
وكذلك نص [أحمد] (٦) على ما إذا قال الخاطب للولي: أزوَّجتَ وليتك؟ [فقال] (٧): نعم. وقال للمتزوج: أَقَبِلْتَ؟ قال: نعم: أن النكاح