(القسم الثاني): ما أخذه لمصلحة مالكه خاصة؛ كالمودع؛ فهو أمين محض، لكن إذا تلفت الوديعة من بين ماله؛ ففي ضمانه خلاف؛ فمن الأصحاب من يبنيه على أن قوله: هل يقبل في ذلك أم لا، ومنهم من يقول: تلفها من بين ماله أمارة على تفريطه فيها.
وقد فرق أحمد بين العارية والوديعة بأن اليد في العارية آخذة وفي الوديعة [معطاة] (١)، وهو يرجع إلى تعيين جهة المصلحة فيهما، وكذلك الوصي والوكيل بغير جعل، حتى لو كان [له دين و] (٢) [لآخر] (٣) عليه دين، فوكله في قبض دينه (٤) وأذن له أن يستوفي حقه منه، فتلف المال قبل استيفائه؛ فإنه لا يضمنه، نص عليه أحمد في رواية مثنى الأنباري (٥).
(القسم الثالث): ما قبضه لمنفعة تعود إليهما، وهو نوعان:
أحدهما: ما أخذه على وجه الملك فتبين فساده، أو على [وجه] (٦) السوم.
فأما الأول؛ فهو المقبوض بعقد فاسد، وهو مضمون في المذهب؛
стр. 387
لأنه قبضه على وجه الضمان ولا بد، ونقل ابن مشيش وحرب عن أحمد ما يدل على أنه غير مضمون؛ كالمقبوض على وجه السوم، وكذلك صرح بجريان الخلاف فيه ابن الزاغوني في "فتاويه" (١)، ونقل حنبل عن أحمد في الهبة للثواب (٢): إن أراد ردها على صاحبها وقد نقصت بغير استعماله؛ لم يضمن النقص، وشبهه بالرهن وتأوله القاضي بتأويل بعيد جدًّا، وقد رده (٣) أبو البركات في "تعليقه على الهداية"، ثم اختار هو تخريجه على أن الهبة للثواب يغلب فيها حكم الهبات، ومن حكم الهبة أن لا يضمن نقصها. قال: ولازم هذا أن نقول: لا يضمن قيمتها إذا (٤) تلفت بغير تعد. قال: وهذا عندي أحسن الوجوه. [قال] (٥): ومع هذا؛ ففيه نظر، وهو كما قال؛ لأنه لو كان كذلك؛ لما فرق بين أن تنقص (٦) بفعله أو بغير فعله، ولما صح [تشبيهُهُ] (٧) بالرهن، ويحتمل عندي تخريجه على أحد وجهين:
إما أن يكون على أن الهبة بالثواب المجهول فاسدة، فيكون ذلك
стр. 388
موافقًا لما روي عنه في المقبوض بعقد فاسد: أنه غير مضمون.
وإما على أنها صحيحة، وهو الأظهر لقوله، ثم أراد رده إلى مالكه؛ فدل على أن له إمساكه، وذلك لا يكون إلا مع الصحة.
فعلى هذا إنما لم يضمنه النقص؛ لأن الهبة للثواب لا تملك بدون دفع العوض، وكذلك (١) شبهها بالرهن، وسنزيده إيضاحًا في المقبوض بالسوم إن شاء اللَّه [تعالى] (٢).
وأما المقبوض على وجه السوم؛ فمن الأصحاب من يحكي في ضمانه روايتين، سواء أخذ بتقدير الثمن أو بدونه، وهي طريقة القاضي وابن عقيل، وصحح الضمان؛ لأنه مقبوض على وجه البدل والعوض؛ فهو كالمقبوض بعقد فاسد (٣)، ثم إن كان لم يُقَدِّر الثمن ضَمِنَهُ بقيمته، وإلا؛ فهل
стр. 389
يضمنه بالقيمة أو بالثمن المقدر؟
على وجهين، ذكرهما ابن عقيل، وقال ابن أبي موسى: إن أخذه مع تقدير الثمن ليريه أهله، فإن رضوه؛ ابتاعه؛ فهو مضمون بغير خلاف، وكذلك إن ساوم صاحبه [به] (١) ولم يقطع ثمنه وأخذه ليريه أهله، وإن أخذه بإذن مالكه من غير سوم ولا قطع ثمن ليريه أهله، فإن رضوه؛ وَزَنَ ثمنه؛ ففيه روايتان أيضًا، أظهرهما أنه غير مضمون [عليه] (٢).
وجعل السَّامُرِيُّ الضمان فيما قطع ثمنه مبنيًّا على أنه بيع بالمعاطاة بشرط الخيار، وهذا يدل على أنه يجرى فيه الخلاف إذا قلنا: لم ينعقد البيع بذلك.
وفي كلام أحمد إيماء إلى ذلك؛ لأنه علل الضمان في رواية ابن منصور بأنه ملكه، وعلل في رواية غيره انتفاء الضمان فيما إذا لم يقطع ثمنه بأنه ملك للبائع بعد حتى يقطع (٣) ثمنه فَفُهِمَ منه أنه مع القطع ينتقل الملك فيه إلى المشتري، ويؤخذ من ذلك أن المقبوض بعقد فاسد لا يضمن [أيضًا] (٤) لبقاء الملك فيه لمالكه.
وكذلك فرق بين أن يكون المأخوذ سلعتين ليختار أيتهما (٥) شاء فلا
стр. 390
يضمنها (١)، وبين أن يكون سلعة واحدة، وهذا يحتمل ثلاثة أمور:
(أحدها): ما قال السامري أنه بيع بشرط الخيار، ويكون المعلق على الرضا فسخه لا عقده.
(والثاني): أن يكون بيعًا معلقًا على شرط؛ فقد فعله أحمد بنفسه لما رهن نعله بالثمن (٢)، ويبعد هذا أنه لم يفرق بين أن يتلف قبل الرضى به أو بعده.
(والثالث): أن يكون بيعًا بمعاطاة تراخي القبولُ فيه عن المجلس، وقد نص على صحة مثل ذلك في النكاح في رواية أبي طالب، ومن هذا النوع ما إذا قبض المشتري زيادة على حقه غلطًا؛ فإنها تكون مضمونة عليه؛ لأنه قبضها على وجه العوض (٣)، ذكره (٤) القاضي وابن عقيل
стр. 391
والأصحاب.
ويحتمل أن لا يضمن على معنى تعليل أحمد في المقبوض بالسوم أنه على ملك البائع، ومن ذلك لو دفع إليه كيسًا وقال له: استوف منه قدر حقك، ففعل؛ فهل يصح؟
على وجهين بناءً على قبض الوكيل لنفسه من نفسه، والمنصوص الصحة، نص عليه في رواية الأثرم، ويكون الباقي في يده وديعة، وعلى عدم الصحة قدر حقه؛ كالمقبوض [على وجه السوم] (١) والباقي أمانة، ذكره في "التلخيص"، ولو دفع إلى غريم له نقدًا من غير جنس ما عليه ليصارفه عليه فيما بعد؛ فهي أمانة محضة، نص عليه؛ مع أنها قبضت للمعاوضة، وقياس قول الأصحاب أنها مضمونة؛ كما قالوا في الضامن إذا قبض من المضمون عنه قبل الأداء على وجه الاستيفاء منه عند الوفاء: أنه مضمن لقبضه على وجه المعاوضة، و [هو] (٢) أولى؛ لأن القبض هنا وجد قبل الاستحقاق؛ فهو كما لو أقبضت المرأة زوجها مالًا عوضًا عما يستحقه عليها بالطلاق قبله.
(النوع الثاني): ما أخذ (٣) لمصلحتهما (٤) على غير وجه التمليك لعينه؛ كالرهن والمضاربة والشركة والوكالة بجعل والوصية كذلك؛ فهذا كله
стр. 392
أمانة على المذهب.
وفي الرهن رواية أخرى تدل على ضمانه، وتأولها القاضي وأثبتها ابن عقيل. والأعيان المستأجرة والموصى بنفعها (١) أمانة كالرهن؛ لأنه مقبوض على وجه الاستحقاق.
تنبيه:
من الأعيان المضمونة ما ليس له مالك من الخلق، وما له مالك غير معين (٢).
فالأول: كالصيد إذا قبضه المحرم؛ فإنه يجب تخليته وإرساله، وسواء ابتدأ قبضه في الإِحرام أو كان في يده ثم أحرم؛ وإن تلف قبل إرساله، فإن كان بعد التمكن منه؛ وجب ضمانه للتفريط، وإن كان قبله؛ لزمه الضمان فيما ابتدأ قبضه في الإحرام دون ما كان في يده قبله لتفريطه في الأولى دون الثانية، هذا قول القاضي وصاحب "المغني" (٣)، وخرج ابن عقيل الضمان فيهما؛ لأنها عين مضمونة، فلا يقف ضمانها على [عدم] (٤) التمكن من الرد؛ كالعواري والغُصُوب.
والثاني: الزكاة، إذا قلنا تجب في العين؛ فالمذهب وجوبُ الضَّمان بتلفها بكل حال؛ لأنها وجبت شكرًا لنعمة المال النامي الموجود في جميع
стр. 393
الحول؛ فهي شبيهة (١) بالمعاوضة، ويُستثنى من ذلك ما لم يدخل تحت اليد؛ كالديون والثمر في رؤوس الشجر؛ لانتفاء قبضه وكمال الانتفاع به، ومن الأصحاب من خرج وجهًا بسقوط الضمان قبل إمكان الأداء مطلقًا (٢).
* * *
стр. 394
(القاعدة الرابعة والأربعون)
في قبول قول الأمناء في الرد والتلف.
أما التلف؛ فيقبل فيه قول كل أمين؛ اذ لا معنى للأمانة إلا انتفاء الضمان، ومن لوازمه قبول قوله في التلف، وإلا؛ للزم الضمان باحتمال التلف، وهو لا يلزمه الضمان مع تحققه، ويستثنى من ذلك الوديعة إذا هلكت [دون] (١) مال المودع على طريقة من يحكي الخلاف فيها في قبول قول المودع في التلف لا في أصل ضمانه، وكذلك العين المستأجرة والمستأجر على عمل فيها، حكى فيها رواية بالضمان؛ فمن الأصحاب من جعلها رواية بثبوت الضمان فيها؛ فلا تكون أمانة، ومنهم من حكى الخلاف في قبول دعوى التلف بأمر خفي، وهي طريقة ابن أبي موسى؛ فلا تخرج بذلك عن الأمانة.
وأما الرد؛ فالأمناء [فيه] (٢) ثلاثة أقسام (٣):
стр. 395
الأول: من قبض المال لمنفعة مالكه وحده؛ فالمذهب أن قولهم في الرد مقبول، ونقل أبو طالب وابن منصور عن أحمد: أن الوديعة إذا ثبتت ببينة؛ لم تقبل دعوى الرد بدون بينة، وخرجها ابن عقيل على أن الإشهاد على دفع الحقوق الثابتة بالبينة واجب؛ فيكون تركه تفريطًا، فيجب [به] (١) الضمان، وكذلك خرج طائفة من الأصحاب في وصي اليتيم أنه لا يقبل قوله في الرد بدون بينة.
وعزاه القاضي في "خلافه" إلى قول الخرقي، وهو متوجه على هذا المأخذ؛ لأن الإِشهاد بالدفع إلى اليتيم مأمور به بنص القرآن، وقد صرح أبو الخطاب في "انتصاره" باشتراطه الإِشهاد (٢) عليه؛ كالنكاح.
القسم الثاني: من قبض المال لمنفعة نفسه كالمرتهن؛ فالمشهور أن قوله في الرد غير مقبول لشبهه بالمستعير، وخرج أبو الخطاب وأبو الحسين وجهًا آخر بقبول قوله في الرد؛ لأنه أمين في الجملة، وكذلك الخلاف في المستأجر (٣).
стр. 396
القسم الثالث: من قبض المال لمنفعة مشتركة (١) بينه وبين مالكه؛ كالمضارب والشريك والوكيل بجعل (٢) والوصي كذلك؛ ففي قبول قولهم في الرد وجهان معروفان لوجود الشائبتين في حقهم:
(أحدهما): عدم القبول، ونص عليه أحمد في المضارَبْ في رواية ابن منصور: أن عليه البينة بدفع رأس المال (٣)، وهو اختيار ابن حامد وابن
стр. 397
أبي موسى والقاضي في "المجرد" وابن عقيل وغيرهم (١).
(والثاني): قبول قولهم [في ذلك] (٢)، [و] (٣) هو اختيار القاضي في "خلافه" وابنه أبي الحسين والشريف أبي جعفر وأبي الخطاب في "خلافه".
ووجدت ذلك منصوصًا عن أحمد في "رواية ابن منصور" (٤) في المضارب أيضًا في رجل دفع إلى آخر ألف درهم مضاربة، فجاء بألف، فقال: هذا ربح، وقد دفعت إليك ألفًا رأس مالك. قال: هو مصدق فيما قال (٥).
ووجدت في "مسائل أبي داود" (٦) عن أحمد نحو هذا أيضًا.
стр. 398
وكذلك نقل عنه مهنا في مضارب دفع إلى رب المال كل يوم شيئًا، ثم قال: كان من رأس المال أن القول قوله مع يمينه، وحكم الأجير المشترك حكم هؤلاء، وكذلك من يعمل في عين بجزء من نمائها؛ لأنه إما أجير أو شريك، والفرق بينهم وبين المستأجر أن المستأجر قبض مال المؤجر ليستوفي منه حق نفسه؛ فصار حفظه لنفسه [وهؤلاء] (١) المال في أيديهم أمانة لا حق لهم فيه، وإنما حقهم فيما يُنَمِّى منه أوفي ذمة المالك، فأما من يعمل في المال بجزء من عينه؛ فهو كالوصي الذي يأكل من مال اليتيم، [و] (٢) القول قوله في الرد أيضًا، صرح به القاضي؛ لأن المال لم يقبضه لحق نفسه، بل للحفظ على المالك وحقه فيه متعلق بعمله بخلاف المرتهن والمستأجر.
ثم ها هنا أربعة أقسام:
(أحدها): أن يدعي الأمين أنه رد الأمانة إلى من ائتمنه، وهذا هو الذي ذكرناه.
(والثاني): أن يدعي الرد إلى غير من ائتمنه بإذنه؛ فهل يقبل قوله؟
على وجهين:
(أحدهما): وهو المنصوص، وهو اختيار أبي الحسن التميمي: أنه
стр. 399
يقبل قوله.
(والثاني): لا يقبل؛ فقيل: لتفريطه بترك الإشهاد على المدفوع إليه، فلو صدقه [الآمر] (١) على الدفع؛ لم يسقط الضمان، وقيل: بل لأنه ليس أمينًا للمأمور بالدفع إليه؛ فلا يقبل قوله في الرد إليه؛ كالأجنبي.
وكل من هذه الأقوال الثلاثة قد نسب إلى الخرقي، بل ونسب إليه أن دعوى الوصي الرد إلى اليتيم غير مقبول كما سبق؛ فربما أطرد هذا في دعوى الرد [من] (٢) جميع الأمناء إلى من ائتمنهم، وهو بعيد جدًّا، وربما اختص بالوصي؛ لأن ائتمانه ليى من جهة الصبي؛ فهو كالأجنبي معه، هذا إذا ادعى الرد بإذن المالك، وإن ادعاه مع عدم إذنه؛ فلا يقبل منه حتى ولا الأداء إلى الوارث والحاكم؛ لأنهما لم يأتمناه، نقله في "التلخيص"؛ إلا أن يدعي الرد إلى من يده كيد المالك؛ كوكيله، أو رد الوديعة إلى عبده وخازنه ونحوهما ممن يحفظ ماله؛ لأن أيديهم كيده، ويتوجه في دعوى الرد إلى الحاكم والوارث بعد موت الموروث القبول؛ لقيامهما (٣) مقام المؤتمن، وهو رد مبرئ (٤).
стр. 400
القسم الثالث: أن يدعي غير الأمين؛ كوارثه: أن الأمين رد إلى المالك؛ فلا يقبل لأنه غير مؤتمن، فلا يقبل قوله.
ومن المتأخرين من خرج وجهًا بالقبول؛ لأن الأصل عدم حصولها في يده، وجعل أصل (١) أحد الوجهين فيما إذا مات من كان عنده أمانة، ولم توجد في تركته، ولم يعلم بقاؤها عنده: أنها لا تضمن، ولا حاجة إلى التخريج إذًا؛ لأن الضمان على هذا الوجه منتفٍ، سواء ادعى الوارث الرد أو التلف أو لم يدع شيئًا.
القسم الرابع: أن يدعي من حكمه حكم الأمناء في سقوط الضمان عنه بالتلف قبل التمكن من الرد؛ كوارث المودع ونحوه، والملتقط بعد ظهور المالك، ومن أطارت الريح إلى داره ثوبًا إذا ادعوا (٢) الرد إلى المالك؛ ففي "التلخيص": لا يقبل؛ لأن المالك لم يأتمنه، ويتوجه قبول دعواه في حالة لا يضمن فيها بالتلف؛ لأنه مؤتمن شرعًا في هذه الحالة.
تنبيه:
عامل الصدقة مقبول القول في دفعها إلى المستحقين؛ ولو كذبوه
стр. 401
بغير خلاف، وإن كان وكيلًا بجُعْل (١)، ذكره القاضي في "الأحكام السلطانية" (٢)؛ لأن الصدقة عبادة؛ فلا استحلاف فيها، ولذلك (٣) لا يستحلف أربابها إذا ادعوا الدفع إلى العامل وأنكر، فكذلك العامل؛ لأنه أمين لأربابها، فيقبل قوله عليهم في الرد.
وأما عامل الخراج؛ فلا يقبل قوله في الدفع إلا ببينة أو تصديق، ذكره القاضي أيضًا، وعلل بأن الخراج دين؛ فلا يقبل قول مستوفيه في دفعه إلى مستحقه، وهذا التعليل منتقض بالوكيل في استيفاء دين ودفعه إلى مستحقه، فإن قوله مقبول في ذلك كما سبق، والأظهر تخريج حكم عامل الخراج على الوكيل، فإن كان متبرعًا؛ فالقول قوله، وإن كان بجعل؛ ففيه وجهان، وكذلك يخرج فى عامل الوقف وناظره.
* * *
стр. 402
(القاعدة الخامسة والأربعون)
عقود الأمانات؛ هل تنفسخ بمجرد التعدي فيها أم لا؟
المذهب أن الأمانة المحضة تبطل بالتعدي، والأمانة المتضمنة لأمر آخر لا تبطل على الصحيح، ويتخرج على هذا مسائل:
- (منها): إذا تعدى في الوديعة؛ بطلت، ولم يجز له الإمساك، ووجب الرد إلى الفور؛ لأنها أمانة محضة وقد زالت بالتعدي؛ فلا تعود بدون عقد متجدد، هذا هو المشهور، ولو كانت عينين؛ فتعدي في إحداهما؛ فهل يصير ضامنًا لهما، أو لما وجد فيه التعدي خاصة؟
فيه تردد، وذكره القاضي أبو يعلى الصغير، [وذكر] (١) ابن الزاغوني أنه إذا زال (٢) التعدي وعاد إلى الحفظ؛ لم تبطل، وقد يوجه بأن المالك أسند إليه الحفظ لرضاه بأمانته، فمتى وجدت الأمانة؛ فالإِسناد موجود لوجود علته؛ [فهو] (٣) كما لو صرح بالتعليق فقال: كلما خنت ثم عدت؛ فأنت أمين؛ فإنه يصح لصحة تعليق الإيداع على الشرط؛ كالوكالة، صرح
стр. 403
به القاضي (١).
- (ومنها): الوكيل إذا تعدى؛ فالمشهور أن وكالته لا تنفسخ، بل تزول أمانته ويصير ضامنًا، ولهذا لو باع بدون ثمن المثل صح وضمن النقص؛ لأن الوكالة إذن في التصرف مع [ائتمان] (٢)، فإذا زال أحدهما؛ لم يزل الآخر، هذا هو المشهور، [و] (٣) على هذا؛ فإنما يضمن ما [وقع] فيه التعدي خاصة حتى لو باعه وقبض ثمنه لم يضمنه؛ لأنه لم يتعد في عينه، ذكره في "التلخيص"، ولا يزول الضمان عن عين ما وقع فيه التعدي بحال إلا على طريقة ابن الزاغوني في الوديعة، وظاهر كلام كثير من
стр. 404
الأصحاب أن المخالفة من الوكيل تقتضي فساد الوكالة لا بطلانها؛ فيفسد العقد، ويصير متصرفًا بمجرد الإذن.
وحكى ابن عقيل في "نظرياته" وصاحب "المحرر" (١) وجهًا آخر، وبه جزم القاضي في "خلافه": أن الوكالة تبطل كالوديعة لزوال الائتمان، والإذن في التصرف كان منوطًا به (٢).
- (ومنها): الشركة والمضاربة إذا تعدى فيهما (٣)؛ فالمعروف من المذهب أنه يصير ضامنًا، ويصح تصرفه لبقاء الإذن [فيه] (٤)، ويتخرج بطلان تصرفه من الوكالة.
- (ومنها): الرهن إذا تعدى المرتهن فيه؛ زال ائتمانه وبقي مضمونًا عليه ولم تبطل توثقته، وحكى ابن عقيل في "نظرياته" احتمالًا ببطلان الرهن، وفيه بُعْدٌ؛ لأنه عقد لازم وحق للمرتهن على الراهن، لا سيما إن كان مشروطًا في عقد وقلنا: يلزم بمجرد العقد؛ فإن الراهن يجبر على تقبيضه، فكيف يزول بالتعدي؟!
- (ومنها): إذا استأجره لحفظ شيء مدة، فحفظه في بعضها ثم ترك؛ فهل تبطل الإِجارة؟
فيه وجهان:
стр. 405
قال ابن المثنى: أصحهما: لا تبطل، بل يزول الاستئمان ويصير ضامنًا، وفي "مسائل ابن منصور" (١) عن أحمد: إذا استاجر أجيرًا شهرًا معلومًا، فجاء إليه في نصف ذلك الشهر أن للمستأجر الخيار.
والوجه الآخر: يبطل العقد؛ فلا يستحق شيئًا من الأجرة بناءً على أصلنا فيمن امتنع من تسليم بعض المنافع المستأجرة أنه لا يستحق أجرة، وبذلك أفتى ابن عقيل في "فنونه".
- (ومنها): الوصي إذا تعدى في التصرف؛ فهل يبطل كونه وصيًا أم لا؟
ذكر ابن عقيل في "المفردات" فيه احتمالين:
أحدهما: لا يبطل، بل تزول أمانته ويصير ضامنًا؛ كالوكيل.
والثاني: تبطل؛ لأنه خرج من حيز الأمانة بالتفريط، فزالت ولايته بانتفاء شرطها؛ كالحاكم إذا فسق.
وفرض المسألة فيما إذا أقدم على البيع بدون [قيمة] (٢) المثل، وعلى هذا يتخرج بيع العدل الذي بيده الرهن له بدون ثمن المثل أو الثمن المقدر؛ هل يصح [أم] (٣) لا لأن الأمانة معتبرة فيه؟
стр. 406
واختيار (١) صاحب "المغني" (٢) أنه لا يصح بيعه بدون ثمن المثل، لكنه علل بمخالفة الإذن، وهو منتقض بالوكيل، ولهذا ألحقه القاضي في "المجرد" وابن عقيل في "الفصول" ببيع الوكيل؛ فصححاه وضمناه للنقص، ومثله إجارة الناظر للوقف بدون أجرة المثل.
* * *
стр. 407
(القاعدة السادسة والأربعون)
في العقود الفاسدة؛ هل هي منعقدة [أو] (١) لا؟
وهي نوعان:
أحدهما: العقود الجائزة؛ كالشركة والمضاربة والوكالة، وقد ذكرنا آنفًا أن [فسادها] (٢) لا يمنع نفوذ التصرف فيها بالإذن، لكن خصائصها تزول بفسادها؛ فلا يصدق عليها أسماء العقود الصحيحة إلا مقيدة بالفساد.
وصرح القاضي في "خلافه" بأنه لو حلف على الشركة الفاسدة من أصلها أنها شركة حنث. قال: ويمنع من التصرف فيها والمنع من التصرف مع القول بنفوذه وبقاء الإذن مشكل، لا سيما وقد قرر أن العامل يستحق (٣) المسمَّى (٤).
стр. 408
والنوع الثاني: العقود اللازمة، فما كان منها لا يتمكن العبد من الخروج منه بقوله كالإحرام؛ فهو منعقد لأنه لا سبيل إلى التخلص منه إلا بإتمامه أو الإحصار عنه، وما كان العبد متمكنًا من الخروج منه [بقوله] (١)؛
стр. 409
فهو منقسم إلى قسمين:
أحدهما: ما يترتب عليه حكم مبني على التغليب والسراية والنفوذ؛ فهو منعقد، وهو النكاح والكتابة يترتب عليهما الطلاق والعتق؛ فلقوتهما ونفوذهما انعقد العقد المختص بهما، ونفذا فيه، وتبعهما (١) أحكام كثيرة من أحكام العقد؛ ففي النكاح يجب المهر بالعقد، حتى لو طلقها قبل الدخول لزمه نصف المهر على وجه، ويستقر بالخلوة، وتعتد فيه من حين الفرقة لا من حين الوطء، وتعتد للوفاة [فيه] (٢) قبل الطلاق، وفي الكتابة تستتبع الأولاد والأكساب (٣).
стр. 410
والثاني: ما لا يترتب عليه ذلك؛ كالبيع والإِجارة؛ فالمعروف من المذهب أنه غير منعقد، ويترتب عليه أحكام الغصب (١).
وخرج أبو الخطاب في "انتصاره" صحة التصرف في البيع الفاسد من النكاح، واعترضه أحمد الحربي في "تعليقه" وقال: النكاح الفاسد منعقد؛ فلهذا صح التصرف فيه بخلاف البيع، ولكن أبو الخطاب قد لا يسلم انعقاد النكاح الفاسد ولا غيره؛ لأنه يرى أن المجامع يحل من إحرامه، وأن الطلاق في النكاح الفاسد إنما يقع ممن يعتقد صحته؛ فمن ها هنا حسن
стр. 411
عنده هذا التخريج؛ إذ البيع والنكاح في هذا على حد واحد.
وأبدى ابن عقيل في "عمده" احتمالًا بنفوذ الإقالة في البيع الفاسد؛ كالطلاق في النكاح الفاسد؛ قال: ويفيد ذلك أن حكم الحاكم بعد الإقالة بصحة العقد لا يؤثر.
وذكر ابن عقيل وغيره وجهين في نفوذ العتق [في البيع الفاسد؛ كالطلاق (١) في النكاح الفاسد، وفرق] (٢) بينهما على أحد الوجهين بأن الطلاق يسقط به حق نفسه، فنفذ (٣) بخلاف العتق؛ فإنه يسقط به حق غيره، وهو البائع، وهذا كله يشعر بانعقاد البيع.
وذكر ابن عقيل في "فصوله" احتمالين فيما إذا قال لغيره بعد نداء الجمعة: اعتق عبدك عني وعلي ثمنه، ففعل؛ هل ينفذ عتقه عن نفسه أو عن الأمر له؟ ولكن هذا عقد موضوع للعتق والملك تابع له؛ فهو كالكتابة بخلاف البيع (٤).
стр. 412
فإن قيل: [فهلَّا] (١) قلتم: إن صحة التصرف في البيع الفاسد مستند إلى الإذن؛ كما في العقود الجائزة إذا فسدت؟
قيل: [ذلك] (٢) لا يصح؛ لوجهين:
(أحدهما): أن البيع وضع لنقل الملك لا للإذن، وصحة التصرف فيه تستفاد من الملك لا من الإذن، بخلاف الوكالة؛ فإنها موضوعة للإِذن، يوضحه أن الموكل أذن لوكيله أن يتصرف له وقد فعل ما أمره، والبائع إنما أذن للمشتري في التصرف لنفسه بالملك لا ملك ها هنا.
(والثاني): [أن] (٣) الإذن في البيع مشروط بسلامة عوضه، فإذا لم يسلم العوض؛ انتفى الإِذن، والوكالة إذن مطلق بغير شرط.
* * *
стр. 413
(القاعدة السابعة والأربعون)
في ضمان المقبوض بالعقد الفاسد، كل عقد يجب الضمان في صحيحه يجب الضمان في فاسده، وكل عقد لا يجب الضمان في صحيحه لا يجب [الضمان] (١) في فاسده.
ونعني بذلك أن العقد الصحيح إذا كان موجبًا للضمان؛ فالفاسد كذلك، وإذا لم يكن الصحيح موجبًا للضمان؛ فالفاسد كذلك؛ فالبيع والإِجارة والنكاح موجبة للضمان مع الصحة، فكذلك مع الفساد، [والأمانات؛ كالمضاربة والشركة والوكالة والوديعة وعقود التبرعات كالهبة؛ لا يجب الضمان فيها مع الصحة، فكذلك مع الفساد] (٢)، وكذلك الصدقة.
فأما قول أصحابنا فيمن عجل زكاته ثم تلف المال وقلنا: له الرجوع به: إنه إذا تلف ضمنه القابض، فليس من القبض الفاسد بشيء؛ لأنه وقع صحيحًا، لكنه مراعى، فإن بقي النصاب تبينا أنه قبض زكاة، وإن تلف [تبينا أنه لم يكن] (٣) زكاة؛ فيرجع بها.
стр. 414
نعم، [إذا] (١) ظهر قابض الزكاة ممن لا يجوز له أخذها؛ فإنه يضمنها لكون القبض لم يملك به، وهو مفرط بقبض ما لا يجوز له قبضه؛ فهذا من القبض الباطل لا الفاسد، وليس المراد أن كل حال ضمن فيها في العقد الصحيح [و] (٢) ضمن في مثلها [في] (٣) الفاسد، فإن البيع الصحيح لا يجب فيه ضمان المنفعة، وإنما يضمن (٤) العين بالثمن، [و] (٥) المقبوضِ بالبيعِ الفاسدِ يجب ضمان الأجرة فيه على المذهب.
والإِجارة الصحيحة تجب فيها الأجرة بتسليم العين المعقود عليها، سواء انتفع بها المستأجر أو لم ينتفع.
وفي الإِجارة الفاسدة روايتان:
إحداهما: كذلك.
والثانية: لا تجب الأجرة إلا بالانتفاع.
ولعلها راجعة إلى أن المنافع لا تضمن في الغصب ونحوه؛ إلا بالانتفاع، وهو الأشبه.
وكذلك يخرج (٦) في ضمان منفعة المبيع (٧) ها هنا، ولكن نقل جماعة
стр. 415
عن أحمد ما يدل على أن الإجارة الصحيحة لا تجب فيها الأجرة إلا بقدر الانتفاع إذا ترك المستأجر بقية الانتفاع بعذر من جهته، وتأولها القاضي وابن عقيل، وأقرها صاحب "شرح الهداية" والقاضي أيضًا في "بعض تعاليقه".
والنكاح الصحيح يستقر فيه المهر بالخلوة بدون الوطء، وفي النكاح الفاسد روايتان أيضًا، وقد قيل: إن ذلك مبني على أن البضع هل يثبت عليه اليد أم لا؟ وقد نقل عن أحمد فيما إذا نكح العبد نكاحًا فاسدًا: أنه لا مهر لها، وهو محمول على أنه [لم] (١) يوجد دخول [أو] (٢) على أنهما كانا عالمين بالتحريم؛ فتكون زانية.
ونقل ابن مشيش وحرب عنه: أن المبيع (٣) المقبوض من غير تسمية ثمن لا يضمن؛ لأنه على ملك البائع، وقد سبق ذلك، والعمل في المذهب على خلافه، إذا تقرر هذا؛ فهل يضمن في العقد الفاسد بما سمى فيه أو بقيمة المثل؟
فيه خلاف في مسائل (٤):
стр. 416
- (منها): المبيع، والمعروف في المذهب ضمانه بالقيمة لا بالثمن المسمى فيه، نص عليه أحمد في رواية ابن منصور وأبي طالب؛ لأن المسمى إنما وقع الرضى به في ضمان العقد، والعقد غير موجب للضمان،
стр. 417
وإنما يترتب الضمان بأمر آخر [طارئ] (١) على العقد، وهو التلف تحت يده، فيجب ضمانه بالقيمة أو المثل، كما لو اتفقا على ضمان العارية عند إقباضها بشيء ثم تلفت؛ فإنه يلغي (٢) المتفق عليه، ويجب المثل أو القيمة كذلك ها هنا.
وحكى القاضي في "المجرد" وابن عقيل في "الفصول" في الكتابة عن أبي بكر عبد العزيز: أن المقبوض بالبيع الفاسد يضمن بالمسمى، وهو اختيار الشيخ تقي الدين (٣)، وقال: إنه قياس المذهب؛ آخذًا له من النكاح. قال: لأن إقباضه إياه إذن له في إتلافه بالعوض المسمى، فأشبه ما لو قال له: أتلفه بألف درهم فأتلفه؛ فإنه لا يستحق [عليه] (٤) غير ما سمى له، وقد يجاب عن هذا بأن المسمى إنما جعل عوضًا عن الملك لا عن الإِتلاف، ولم يتضمن العقد إذنًا في الإِتلاف، إنما تضمن نقل ملك بعوض، ولم يوجد [نقل الملك] (٥)؛ فلا يثبت العوض، وإنما وجب الضمان بسبب متجدد (٦).
стр. 418
- (ومنها): الإجارة الفاسدة، والمعروف من المذهب ضمانها بأجرة المثل أيضًا، ويتخرج على قول أبي بكر أنها تضمن بالأجرة المسماة، والقول فيها كالقول في البيع سواء.
- (ومنها): الكتابة الفاسدة تضمن بالمسمى، فإذا أدى ما سمى فيها؛ حصل العتق ولم يلزمه ضمان قيمته، ذكره أبو بكر، وهو ظاهر كلام أحمد، واتفق الأصحاب على ذلك، لكن المتأخرون زعموا أن الكتابة الفاسدة تعليق بصفة؛ فلا يؤثر فسادها ولا تحريمها، كما لو قال لعبده: إن أعطيتني خمرًا فأنت حر، فأعطاه؛ عتق لوجود الصفة، وأما أبو بكر؛ فعنده أن الكتابة عقد معاوضة أبدًا، وهو اختيار ابن عقيل، وهو الأظهر، ولا يقع
стр. 419
العتق عنده بأداء المحرم؛ لأن العقد لا ينعقد بعوض محرم، بل هو عنده باطل (١).
- (ومنها): النكاح الفاسد يستقر بالدخول فيه وجوب المهر المسمى في الرواية المشهورة عن أحمد، وهي المذهب عند أبي بكر وابن أبي موسى، واختارها القاضي وأكثر أصحابه في كتب الخلاف، ويفرق بين النكاح والبيع بأن النكاح مع فساده منعقد، ويترتب عليه أكثر أحكام الصحيح؛ من وقوع الطلاق، ولزوم عدة الوفاة بعد الموت، والاعتداد منه بعد المفارقة في الحياة، ووجوب المهر فيه بالعقد، وتقرره بالخلوة؛ فلذلك لزم المهر المسمى فيه كالصحيح، يوضحه أن ضمان المهر في النكاح الفاسد ضمان عقد؛ كضمانه في الصحيح، وضمان البيع الفاسد ضمان تلف، بخلاف البيع الصحيح؛ فإن ضمانه ضمان عقد.
وحكي عن أحمد رواية أخرى: أن الواجب مهر المثل (٢)؛ أخذًا من
стр. 420
رواية المروذي عنه في عبد تزوج بغير إذن سيده، فدخل بها؛ فقد جعل لها عثمان الخُمُسَيْن (١)، وأنا أذهب إلى أن يعطى شيئًا (٢)؛ فلم يوجب
стр. 421
المسمى، وهو اختيار الخرقي (١) وصاحب "المغني" (٢).
واستدلوا بقوله [﵊] (٣) فيمن أنكحت نفسها: [أن] لها المهر بما استحل منها (٤)؛ فأوجب المهر بالاستحلال وهو الإِصابة؛
فدل على أنه لم يجب بالعقد، وإنما وجب بالوطء، والواجب بالوطء مهر المثل.
وهذا ضعيف؛ فإن الاستحلال يحصل بمحاولة الحل وتحصيله وإن لم يوجد الوطء، وقد يطلق على استحلال [ما لا] (١) يحل من الأجنبية مثله، وهو الخلوة أو المباشرة، وذلك مقرر عندنا للمهر، وقد قال [النبي] (٢) ﷺ للملاعن مثل ذلك (٣)، وليس محمولًا عندنا إلا على [مثل ما ذكرنا، لا] (٤)
стр. 425
على حقيقة الوطء.
فأما عقود المشاركات إذا فسدت؛ كالشركة والمضاربة؛ فهل يجب لمسمى فيها أو أجرة المثل؟
فيه خلاف بين الأصحاب، وليس ذلك مما نحن فيه؛ لأن كلامنا في ضمان القابض بالعقد الفاسد، وهذه العقود لا ضمان فيها على القابض، وإنما يجب له فيها العوض بعمله؛ إما المسمى، وإما أجرة المثل على خلاف فيه (١).
* * *