يكون أحق به إلا بالطلب، فلعله أن لا [يطلبه] (١). قلت: أرأيت إن طلبه منه، فلم يدفعه إليه؟ قال: فلا يجوز بيعه ولا هبته ولا صدقته بعد الطلب.
ونقل عنه إسماعيل أيضًا كلامًا يدل على أن مطالبة البائع تثبت؛ إما بتفليس الحاكم، أو باشتهار فلسه بين الناس.
وكذلك نقل عنه محمد بن موسى الزبداني (٢) أن اشتهار فلسه بظهور أماراته يمنع نفوذ تصرفاته مطلقًا (٣).
стр. 492
- ومنها: لو وجد مضطرًا وعنده طعام فاضل، فبادر فباعه أو رهنه؛ هل يصح؟
قال أبو الخطاب في "الانتصار" في الرهن: يصح، ويستحق أخذه من يد المرتهن والبائع مثله. ولم يفرق بين ما قبل الطلب وبعده، والأظهر أنه لا يصح [بيعه] (١) بعد الطلب؛ لوجوب الدفع، بل ولو قيل: لا يصح بيعه مطلقًا مع علمه باضطراره؛ لم يبعد لأن بذله له واجب بالثمن، فهو كما لو طالب الشفيع بالشفعة وأولى؛ لأن هذا يجب بذله ابتداءً لإحياء النفس، وقد يفرق بأن الشفيع حقه [منحصر] (٢) في عين الشقص، وهذا حقه في سد الرمق، ولهذا كان إطعامه فرضًا على الكفاية، فإذا نقله إلى غيره؛ تعلق الحق بذلك الغير ووجب البدل عليه (٣).
وأما ما تعلق به حق مجرد؛ فيندرج تحته مسائل متعددة (٤):
- منها: بيع النصاب بعد الحول؛ فإنه يصح، نص عليه؛ لأن
стр. 493
الوجوب إن كان متعلقًا بالذمة وحدها؛ فلا إشكال، وإن كان في العين وحدها؛ فليس بمعنى [الشركة] (١) ولا بمعنى انحصار الحق فيها، ولا تجوز المطالبة بالإِخراج منها عينًا مع وجود غيرها؛ فلا يتوجه انحصار الاستحقاق فيها بحال (٢).
- ومنها: بيع الجاني، يصح في المنصوص، وهو قول أكثر الأصحاب، وسواء طالب المجني عليه بحقه أم (٣) لا؛ لأن حقه ليس في ملك العبد، ولو كان كذلك؛ لملكه ابتداءً، وإنما وجب له أرش جنايته، ولم نجد (٤) محلًّا يتعلق به الوجوب سوى رقبة العبد الجاني؛ فانحصر الحق فيها بمعنى الاستيفاء منها، فإن رضي المالك ببذله؛ جاز، وإلا؛ فإنما له أقل الأمرين من قيمة الجاني أو أرش جنايته، فأيُّهما (٥) بُذِل [له] (٦)؛ لزمه
стр. 494
قَبولُه، والمطالبة منه إنما تتوجه (١) بحقه، وحقه هو أرش الجناية لا ملك رقبة العبد على الصحيح، فلا يتوجه المنع من التصرف فيه؛ لأن تسليمه إليه لم يتعين.
- ومنها: من ملك عبدًا من الغنيمة، ثم ظهر سيده، وقلنا: حقه ثابت فيه بالقيمة، فباعه المغتنم قبل أخذ سيده؛ صح، ويملك السيد انتزاعه من الثاني، وكذلك لو رهنه؛ صح، ويملك السيد انتزاعه من المرتهن، ذكره أبو الخطاب في "الانتصار" [أيضًا] (٢) ولم يفرق بين أن يطالب بأخذه أو لا، والأظهر أن المطالبة [تقطع] (٣) التصرف؛ [كمطالبة الشفيع] (٤).
- ومنها: تصرف الورثة في التركة المعلق بها حق الغرماء، وفي صحته وجهان، أصحهما الصحة، وعلى المنع ينفذ بالعتق، كالرهن، واختار ابن عقيل في "نظرياته": أنه لا ينفذ إلا مع يسارهم؛ لأن تصرفهم تبع لتصرف الموروث في مرضه، وهذا متوجه على قولنا: إن حق الغرماء تعلق بالتركة في المرض (٥).
стр. 495
- ومنها: تصرف الزوجة في نصف الصداق بعد الطلاق إذا قلنا: لم يدخل في ملك الزوج قهرًا؛ [فهذا] (١). قال صاحب "الترغيب": يحتمل وجهين؛ لتردده بين خيار البيع وبين خيار الواهب (٢).
- ومنها: تصرف من وهبه المريض ماله كله في مرضه قبل موته؛ فيجوز، وينفذ حتى لو كان أمه كان له وطؤها، ذكره القاضي [وحده] (٣) في "خلافه"، واستبعده الشيخ تقي الدين (٤)؛ لأنه يتوقف على إجازة الورثة؛ فكيف يجوز قبلها؟!
وقد يقال: هو في الظاهر ملكه بالقبض، وموت الواهب وانتقال الحق إلى الورثة (٥) مظنون؛ فلا يمنع التصرف (٦).
стр. 496
وأما تصرف المشتري في مدة الخيار له وللبائع؛ فالمنصوص عن أحمد: أنه موقوف على إمضاء البيع، وكذلك ذكره أبو بكر في "التنبيه"، وهو ظاهر كلام القاضي في "خلافه"؛ لأنه تصرف في خالص ملكه، ولم يتعلق به سوى حق البائع في الفسخ، وقد زال، فأشبه تصرف الابن فيما وهبه له الأب؛ غير أن تصرف الابن لا يقف على إمضاء الأب؛ لأن حق الأب في الفسخ يسقط بانتقال الملك، ولأن تسلط الأب على الرجوع لم يكن لبقاء أثر ملكه، بل هو حق ثابت بالشرع مع ثبوت ملك الولد واستقراره؛ فلا يمنع التصرف (١).
وطَرْدُ هذا في كل من تَصَرَّفَ في [ماله] (٢) وقد تعلق به حق غيره لا
стр. 497
يبطل من أصله، كتصرف المريض فيما زاد على ثلث ماله؛ فإنه يقف على إمضاء الورثة، وعتق المكاتب لرقيقه يقف على تمام ملكه [بالعتق] (١)، ذكره أبو بكر في "الخلاف".
وكذا ذكره أبو الخطاب في ["انتصاره"] (٢) في مسألة إجارة الورثة: أن تصرف الراهن يصح ويقف على إجازة المرتهن، وذكر الشيخ مجد الدين (٣) أن هذا قول من يقول بوقف تصرف الفضولي.
وذكر أبو الخطاب أيضًا أن تصرف المشتري في الشِّقْصِ المشفوع [يصح و] (٤) يقف على إجارة الشفيع (٥).
* * *
стр. 498
(القاعدة الرابعة والخمسون)
من ثبت له حق في عين وسقط بتصرف غيره فيها؛ فهل يجوز للمتصرف فيها الإقدام على التصرف المسقط لحق غيره قبل استئذانه أم لا؟
هذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون الحق الذي يسقط بالتصرت قد أخذ به صاحبه وتملكه.
والثاني: أن يكون قد طالب به صريحًا أو إيماءً.
والثالث: أن يثبت له الحق شرعًا ولم يأخذ به ولم يطالب به.
فأما الأول؛ فلا يجوز إسقاط حقه ولو ضمنه بالبدل؛ كعتق العبد المرهون إذا قلنا بنفوذه على المشهور من المذهب (١)؛ فإنه لا يجوز، ذكره غير واحد من الأصحاب، منهم القاضي وابن عقيل [وصاحب "الكافي"] (٢)، مع أن عتقه يوجب ضمان قيمته يكون رهنًا؛ لأن فيه إسقاطًا لحقه القائم في العين بغير رضاه، وكذلك إخراج الرهن بالاستيلاد محرم،
стр. 499
ولأجله منعنا أصل الوطء.
وكذلك ينبغي أن يكون عتق المفلس المحجور عليه إذا نفذناه؛ لأن غرماءه قد قطعوا تصرفه فيه بالحجر وتملكوا المال، وقد ذكره ابن عقيل أيضًا في تبذيره قبل الحجر، وذكر القاضي في "خلافه": أن ظاهر كلام أحمد جواز عتق الراهن؛ كاقتصاصه من أحد عبيده المرهونين إذا قتله الآخر، ولم يذكر [بذلك] (١) نصًّا، ولعله أخذه من قوله بنفوذ العتق ولا يدل.
وأما اقتصاص الراهن من العبد المرهون أو من قاتله؛ [فقد] (٢) صرح القاضي [ها هنا] (٣) وابن عقيل بأنه لا يجوز؛ لأن فيه تفويتًا لحق المرتهن من [عين الرهن] (٤) أو قيمته الواجبة له؛ [فأوجبنا] (٥) على الراهن قيمته تكون رهنًا.
وصرحا أيضًا بأن العتق [ها هنا] (٦) لا يجوز، وإنما ذكرا جوازه في مسألة العتق، وظاهر كلام أحمد جواز القصاص (٧)؛ فيكون الفرق بين القصاص والعتق أن وجوب القصاص تعلق بالعبد تعلقًا يقدم به على حق المرتهن، بدليل أن حق الجاني مقدم على المرتهن لانحصار حقه فيه،
стр. 500
بخلاف المرتهن، وهذا مفقود في العتق.
وأما الثاني؛ فلا يجوز أيضًا، ومنه خيار البائع المشترط في العقد لا يجوز للمشتري إسقاطه بالتصرف في المبيع، وإن (١) قلنا: إن الملك له؛ فإن اشتراطه الخيار في العقد تعريض بالمطالبة بالفسخ.
وأما الثالث؛ ففيه خلاف، والصحيح أنه لا يجوز أيضًا، ولهذا [لم يجز] (٢) إسقاط خياره الثابت في المجلس بالعتق ولا غيره، كما لو اشترطه.
ويندرج في صور الخلاف مسائل:
- منها: مفارقة أحد المتبايعين الآخر في المجلس بغير إذنه خشية أن يفسخ الآخر، وفيه روايتان:
إحداهما: يجوز؛ لفعل ابن عمر (٣).
стр. 501
والثانية: لا يجوز؛ لحديث عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ [قال: "و] (١) لا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله" (٢)، وهو صريح في التحريم، وهو اختيار أبي بكر وصاحب "المغني" (٣).
- ومنها: تصرف المشتري في الشِّقْص المشفوع بالوقف قبل الطلب ينبغي أن يخرج على الخلاف في التي قبلها، وصرح القاضي بجوازه، وظاهر كلامه في مسألة التحيل على إسقاط الشفعة تحريمه، وهو الأظهر، ويدل عليه أن النبي ﷺ نهى عن بيع الشريك حتى يعرض على
стр. 502
شريكه ليأخذ أو يذر (١)، مع أن حقه من الأخذ لا يسقط بذلك، [فالأولى] (٢) أن ينهى عما يسقط حقه بالكلية.
- ومنها: وطء العبد زوجته الأمة إذا عتقت ولم تعلم بالعتق ليسقط اختيارها للفسخ، الأظهر تخريجه على الخلاف [أيضًا] (٣)، وقال الشيخ مجد الدين في "تعليقه على الهداية": قياس مذهبنا جوازه. وفيما قاله نظر.
стр. 503
- ومنها: تصرف الزوجة في نصف الصداق إذا طلق الزوج قبل الدخول، وقلنا: لم يملكه [قهرًا] (١)؛ فإنه لا يجوز، صرح به في "المحرر" (٢)، فأما تصرف أحد المتبايعين فيما بيده من العوض إذا استحق الآخر رد ما بيده بعيب أو خلف في صفة، فيجوز، ذكره القاضي في "خلافه"؛ لأن تصرفه لا يمنع حق الآخر من رد ما بيده، فإذا ردَّهُ، استحقَّ الرُّجوع بالعوض الذي بدله إن كان باقيًا، وإلا؛ رجع ببدله، وقياس هذا أن للبائع التصرف في الثمن في مدة الخيار، وظاهر كلام أحمد في رواية [الأثرم] (٣) أن للبائع التصرف في (٤) الثمن في مدة الخيار، إلا أن يتخذ حيلة على أن يقرض غيره مالًا ويأخذ منه ما ينتفع به [على] (٥) صورة البيع ويشترط الخيار ليرجع فيه، وإن كان على غير وجه الحيلة، فيجوز، ولم يمنعه من التصرف في الثمن.
* * *
стр. 504
(القاعدة الخامسة والخمسون)
من ثبت له حق التملك بفسخ أو عقد؛ هل يكون تصرفه [تملكًا] (١) أم لا؟ وهل ينفذ تصرفه أم لا؟
[المشهور من المذهب] (٢) أنه لا يكون تملكًا، ولا ينفذ، وفي بعض صورها خلاف.
- ومن صور المسألة: البائع بشرط الخيار إذا تصرف في المبيع، لم يكن تصرفه فسخًا ولم ينفذ، نص عليه، وقال في رواية ابن القاسم: لا يجوز عتق البائع؛ لأنه غير مالك له في ذلك الوقت، إنما له فيه خيار، فإذا اختاره ثم أعتقه؛ جاز، فأما دون أن يرد البيع؛ فلا.
واختلف الأصحاب في المسألة على طرق:
أحدها: [أنه] (٣) لا يكون فسخًا رواية واحدة، وإنما ينفسخ بالقول، وهي طريقة أبي بكر والقاضي في "خلافه" وصاحب "المحرر" (٤)، وهي أصح، وقد نص أحمد على أن بيعه ليس بفسخ في رواية إسماعيل بن
стр. 505
سعيد (١)، ونص على أنه إذا وطئ؛ فعليه الحد في رواية مُهنَّأ.
والطريقة الثانية: أن المسألة على روايتين، وهي طريقة القاضي في "كتاب الروايتين" (٢) وأبي الخطاب (٣) وابن عقيل وصاحب "المغني" (٤)، ورجح (٥) أنه فسخ؛ لأن ملك المشتري في مدة الخيار غير مستقر؛ فينفسخ بمجرد تصرف البائع، بخلاف بائع (٦) المفلس؛ [لأن] (٧) ملك المفلس تام.
والطريقة الثالثة: أن تصرفه فسخ بغير خلاف، كما أن تصرف المشتري إمضاء وإبطال للخيار في المنصوص، وهي طريقة القاضي في "المجرد" والحلواني في "الكفاية" (٨)، وهي مخالفة للنصوص، ولا يصح
стр. 506
اعتبار فسخ البائع بإمضاء المشتري؛ لأن ملك المشتري قائم وملك البائع مفقود.
والطريقة الرابعة: أن تصرفه بالوطء فسخ بلا (١) خلاف؛ لأنه اختيار، بدليل وطء من أسلم على أكثر من أربع نسق وبغيره، [و] (٢) فيه الخلاف، وهي طريقة صاحب "الكافي" (٣).
وممن صرح بأن الوطء اختيار القاضي في "المجرد"، وحكاه في "الخلاف" عن أبي بكر في "التنبيه" ولم أجده فيه، ولا يصح إلحاق وطء البائع بوطء من أسلم على أكثر من أربع نسوة؛ لأن ملكه قائم؛ فلذلك (٤) كان الوطء اختيارًا في حقه، فهو كوطء المشتري ها هنا، والبائع بخلافه، وقد نص أحمد على أن عليه الحد في رواية مهنا.
وأما نفوذ التصرف؛ [فممتنع] (٥) على الأقوال كلها، صرح به الأكثرون من الأصحاب؛ لأنه لم يتقدمه ملك، اللهم إلا أن يتقدمه سبب يوجب الانفساخ كالسوم ونحوه، وذكر الحلواني في "التبصرة" أنه ينفذ، ويتخرج من قاعدة لنا ستذكر (٦) إن شاء اللَّه تعالى، وهي: أنه هل تكفي مقارنة شروط العقد للعقد في صحته؟
стр. 507
- ومنها: إذا باع أمة بعبد، [ثم وجد] (١) بالعبد عيبًا؛ فله الفسخ واسترجاع الأمة، وكذلك سائر السلع المعيبة إذا علم بها بعد العقد، وليس له التصرف [في عوضه] (٢) الذي أداه؛ لأن ملك الآخر عليه تام مستقر، فلو أقدم وأعتق الأمة أو وطئها؛ لم يكن ذلك فسخًا، ولم ينفذ عتقه، ذكره القاضي في "خلافه".
وذكر في "المجرد" وابنُ عقيل في "الفصول" احتمالًا آخر: أن وطئه يكون استرجاعًا كما في وطء المطلقة الرجعية، ومن أسلم على أكثر من أربع نسوة، وهذا واهٍ جدًّا، فإن الملك عن الرجعية، ومن أسلم عليهن لم يزل، [وها هنا] (٣) قد زال.
- ومنها: [لو] (٤) باع أمة، ثم أفلس المشتري قبل نقد الثمن والأمة موجودة بعينها، فله استرجاعها بالقول بدون إذن الحاكم على أصح الوجهين، حكاهما القاضي بناءً على نقض حكم الحاكم بخلافه؛ فيكون كالفسخ المجمع عليه، فلا يحتاج إلى حاكم، ولو أقدم على التصرف فيها ابتداءً؛ لم ينفذ، ولم يكن استرجاعًا، وكذلك الوطء، ذكره القاضي في "الخلاف" لتمام ملك المفلس.
وفي "المجرد" و"الفصول": أن الوطء استرجاع، وأن فيه احتمالًا
стр. 508
آخر بعدمه، ويمكن تخريج هذا الخلاف في سائر التصرفات على طريقة من أثبت الخلاف في تصرف البائع في مدة الخيار؛ لأن ملك المفلس غير تام، بدليل منعه من التصرف في ماله لحق البائع؛ فهو كالمشتري في مدة الخيار؛ غير أن ضعف الملك ها هنا طارئ، وفي مدة الخيار مبتدئ ولا أثر لذلك.
- ومنها: تصرف الشفيع في الشِّقص المشفوع قبل التملك؛ هل يكون تملكًا ويقوم ذلك مقام قوله: [تَمَلَّكْتُهُ] (١)، أو مقام المطالبة عند من أثبت بها الملك، أو مقام الأخذ باليد عند من أثبت الملك به؟
[يمكن] (٢) تخريجه على الخلاف في المسألة [التي] (٣) قبلها، ولا سيما بعد المطالبة؛ لأن حقه استقر وثبت، وانقطع تصرف المشتري.
- ومنها: لو وهب الأب لولده شيئًا وقبضه الولد، ثم تصرف الأب فيه بعد القبض؛ هل يكون تصرفه رجوعًا؟
المنصوص أن لا، قال أحمد في رواية أبي طالب: إذا وهب لابنه جارية وقبضها الابن، لم يجز للأب عتقها حتى يرجع فيها، وقال في "رواية ابن هانئ" (٤): هذه الجارية للابن وأعتق الأب ما ليس له.
стр. 509
وخرج أبو حفص البرمكي في كتاب "حكم الوالدين في مال ولدهما" رواية أخرى: أن العتق صحيح، ويكون رجوعًا، وسيأتي [ذكر أصل هذا التخريج] (١) إن شاء اللَّه [تعالى] (٢).
وفي "التلخيص": "لا يكون وطؤه رجوعًا، وهل يكون بيعه وعتقه ونحوهما رجوعًا؟ على وجهين، ولا ينفذ عليهما؛ لأنه لم يلاق (٣) الملك" [انتهى] (٤)، ويتخرج وجه بنفوذه؛ لاقتران الملك به كما سبق.
- ومنها: لو تصرف الوالد في مال ولده الذي يباح له تملكه قبل التملك؛ لم ينفذ (٥)، ولم يكن تملكًا على المعروف من المذهب، وأن تملكه لا يحصل بدون القبض الذي يراد [التملك به] (٦)، وقد نص عليه
стр. 510
[أحمد] (١) في مواضع؛ لأنه مباح، فلم يتملك بدون قبضه؛ كالاصطياد والاحتشاش، ولم يخرجوا في تملكه [بالقول بمجرده] (٢) خلافًا من الهبة ونحوها؛ لأن الهبة عقد [من] (٣) اثنين؛ فيكتفى فيه [بالقول؛ كعقد] (٤) المعاوضة، وها هنا [إكساب] (٥) مال مباح من غير عقد؛ فلا يكتفي فيه بدون القبض والحيازة، وما لم [يحز] (٦)؛ فهو باقٍ على ما كان عليه.
وخرج أبو حفص البرمكي رواية أخرى بصحة تصرفه بالعتق قبل القبض، وأخذ ذلك مما رواه المروذي (٧) عنه: أنه قال: لو أن لابنه جارية فعتقها، كان جائزًا.
стр. 511
وفي رواية محمد بن الحكم (١): يعتق الأب [من] (٢) مال الابن هو ملك الابن حتى يعتق الأب أو يؤخذ.
وفي "رواية الميموني" (٣): أرى أن ماله يؤخذ منه ويعتق منه؛ إلا أم ولد ابنه.
وفي توجيه هذه الرواية طريقان:
أحدهما: أن رقيق الابن له فيه [شبهة] (٤) ملك، ولذلك نفذ [استيلاده فيه] (٥)، فينفذ عتقه، كعتق [الغانم] (٦) أمه من المغنم، لكن لا يضمن؛ لأن الأب لا يطالب بما أتلفه من مال ولده.
стр. 512
والثاني: أن يقال: وقع الملك مقارنًا للعتق، فنفذ، وهذا القدر من الملك يكتفى به في العتق، كما لو قال لغيره: اعتق عبدك عني وعلي ثمنه، ففعل؛ صح ووقع العتق والملك معًا.
ونقل أبو طالب عن أحمد: أنه قال: بيع الأب وشراؤه على ابنه جائز؛ لقول النبي ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" (١)، وظاهر هذه الرواية جواز
الأقدام على التصرف في ماله ونفوذه وحصول [التملك] (١) به.
وفي "التنبيه" لأبي بكر: بيع الأب على ابنه وعتقه وصدقته ووطء
стр. 524
إمائه ولم (١) يكن الابن قد وطئ؛ جائز، ويجوز له بيع عبيده وإمائه وعتقهم.
ولهذا القول مأخذان أيضًا:
أحدهما: أن الملك يقترن بالتصرف، فينفذ كما في نظيره (٢).
والثاني: أن هذا تملك قهري في مال معين؛ فيكتفى فيه بالقول الدال على التملك كما [تملك] (٣) الهبة المعينة بمجرد القبول على رواية، ولهذا حكى طائفة من الأصحاب في بيع المباحات النابتة والجارية في الأرض المملوكة قبل حيازتها روايتين، ولم يذكروا خلافًا في أنها عين (٤) مملوكة.
وممن سلك هذا المسلك صاحب "المقنع" (٥) في (كتاب البيع) وصاحب "المحرر" (٦)، ووجه صحة البيع على هذا: أنه مقدور على تسليمه، وليس [ملكًا] (٧) لغيره؛ فهو كالمملوك [له] (٨)، وهو قريب من بيع الصكاك قبل استحقاقها، وقد تقدم الخلاف فيها.
وأما تصرف الأب في أمة ولده بالوطء قبل القبض، فإن أحبلها؛
стр. 525
صارت أم ولد له، وإن لم يحبلها، فإن قلنا: لا يملك الأب مال ولده إلا بالقبض؛ لم يملكها حتى يقبضها، وإن قلنا: يملك بمجرد التصرف؛ صارت ملكًا له بالوطء بمجرده.
ونقلت من خط القاضي -وذكر أنه نقله من خط ابن شاقلا-: قال الشيخ (يعني: أبا بكر عبد العزيز) روى الأثرم: أن المرأة إذا وطئها زوجها وانقضت العدة ثم تزوجت، فإن أتت بولد لستة أشهر، فتداعياه (١) جميعًا؛ أرى القافة، وقال: إذا وطء الرجل جارية ابنه وإن كان الابن قد وطئ؛ فلا حد على الأب لأنها بنفس الوطء ملك له. قال الشيخ [تقي الدين] (٢): في نفسي من مسألة الأثرم شيء. انتهى.
فإن كان قوله: إذا وطئ الرجل جارية ابنه. . . إلى آخره من تمام رواية الأثرم؛ فيكون ذلك منصوصًا عن أحمد، وإلا؛ فهو من كلام أبي بكر، وهو موافق لما ذكره في "التنبيه" كما حكيناه عنه.
وقوله: وإن كان الابن قد وطئ؛ يريد أن تملكها يثبت مع وطء الابن.
فأما ثبوت الاستيلاد؛ ففيه خلاف في المذهب، ونقل ابن منصور (٣) عن أحمد كلامًا يدل بمفهومه على أنها لا تصير مستولدة له، وهو ظاهر كلام
стр. 526
ابن أبي موسى، والمرجح عند صاحب "المغني" (١) أنها تصير مستولدة؛ لأن التحريم لا ينافي الاستيلاد؛ كالأمة (٢) المشتركة، ولكن بينهما فرق، وهو أن هذه محرمة على التأبيد، بخلاف المشتركة.
وقد نص أحمد على أن النسب لا يلحق بوطء الأمة المزوجة؛ وإن كان زوجها صغيرًا لا يولد لمثله في "رواية حرب" (٣) و"ابن بختان"، وذكره أبو بكر وابن أبي موسى؛ فلمؤبدة التحريم أولى.
هذا كله ما لم يكن الابن قد استولدها، فإن كان استولدها؛ لم ينتقل الملك فيها باستيلاد غيره كما لا ينتقل بالعقود، وذكر ابن عقيل في "فنونه" أنها تصير مستولدة لهما جميعًا (٤)، كما لو وطئ الشريكان أمتهما في طهر واحد، وأتت بولد ألحقته القافة بهما، لكن في مسألة القافة حكم [باستيلادها لهما] (٥) دفعة واحدة، وفي مسألتنا قد ثبت استيلاد الابن أولًا لها؛ فلا ينتقل إلى غيره؛ إلا أن يقال: أم الولد تملك بالقهر على رواية، والاستيلاد سبب قهري.
- ومنها: تصرف السيد في مال عبده الذي ملكه إياه وقلنا يملكه،
стр. 527
ظاهر كلام أحمد أنه ينفذ ويكون استرجاعًا لتضمنه إياه، وذكر القاضي في "الجامع [الكبير] (١) ": أنه يحتمل حمله على أنه سبق رجوعه التصرفُ؛ لينفذ.
- ومنها: تصرف الموصى له [في الوصية] (٢) بعد الموت؛ هل يقوم مقام القبول؟
الأظهر قيامه مقامه؛ لأن سبب الملك قد استقر له استقرارًا لا يمكن إبطاله، وقد [ملك] (٣) بالموت على أحد الوجوه، وهو منصوص عن أحمد، ومثله الوقف على معين إذا قيل باشتراط قبوله.
فأما العقود التي تملك [له] (٤) موجبها الرجوع فيها قبل القبول؛ فهل يقوم التصرف فيها مقام القبول؟
فيه تردد يلتفت إلى انعقاد العقود بالمعاطاة.
فأما الوكالة؛ فيصح [فيها] (٥) قبولها بالفعل، صرح به الأصحاب؛ لأنها إذن مجرد وأمر بالتصرف، فيصح امتثاله بالفعل، وهل يساويها في ذلك سائر العقود الجائزة؛ كالشركة والمضاربة والمساقاة؟
ظاهر كلام [صاحب] (٦) "التلخيص" أو صريحه: المساواة، وحكى
стр. 528
القاضي في "الأحكام السلطانية" (١) في صحة قبول القاضي القضاء بشروعه (٢) في النظر احتمالين، وجعل مأخذهما: هل يجري الفعل مجرى النطق لدلالته عليه؟ ويحسن بناؤهما على أن ولاية القضاء عقد جائز أو لازم.
- ومنها: المطلقة الرجعية؛ هل تحصل رجعتها [بالوطء] (٣)؟
على روايتين، مأخذهما عند أبي الخطاب الخلاف في وطئها؛ هل هو [مباح أو محرم] (٤)؟ والصحيح بناؤه على اعتبار الإشهاد [للرجعة] (٥) وعدمه، وهو البناء المنصوص عن الإمام، ولا عبرة بحل الوطء ولا عدمه، فلو وطئها في [حيض] (٦) أو غيره؛ كانت رجعة، وهل يشترط أن (٧) ينوي بالوطء الرجعة أم لا؟
نقل ابن منصور عن أحمد اعتباره، وهو اختيار ابن أبي موسى، والمذهب عند القاضي ومن اتبعه خلاف ذلك، ولكن الرجعية لم يزل النكاح عنها بالكلية، وإنما حصل له تشعث، لكن الرجعة يترتب عليها الاستباحة حقيقةً في المدة الزائدة على العدة.
стр. 529
(القاعدة السادسة والخمسون)
شروط العقود من أهلية العاقد، [و] (١) المعقود له أو عليه إذا وجدت مقترنة بها ولم تتقدم عليها، هل يكتفى بها في صحتها، أم لا بد من سبقها؟
المنصوص عن أحمد الاكتفاء بالمقارنة في الصحة.
وفيه وجه آخر: لا بد من السبق، وهو اختيار ابن حامد والقاضي في الجملة.
ويتخرج على ذلك مسائل قد ذكرنا عدة منها في القاعدة السابقة:
- منها: إذا أعتق أمته وجعل عتقها صداقها؛ فالمنصوص الصحة اكتفاءً باقتران [شرط] (٢) النكاح، وهو الحرية [به] (٣)، كما دلت عليه السنة الصحيحة (٤)، واختار ابن حامد والقاضي عدم الصحة؛ فمنهم من
стр. 530
[جعل] (١) مأخذه انتفاء لفظ النكاح الصريح، وهو ابن حامد، ومنهم من [جعل] (١) مأخذه انتفاء تقدم الشرط.
- ومنها: لو باعه شيئًا بشرط أن يرهنه على ثمنه، صح، نص عليه، وقال القاضي وابن حامد: لا يصح، لانتفاء [سبق] (٢) الملك للرهن، ولا تكفي المقارنة.
- ومنها: لو كاتب عبده وباعه شيئًا صفقة واحدة، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يصح، وقيل: إنه المنصوص، وذكره القاضي وابن عقيل في "النكاح" وأبو الخطاب والأكثرون اكتفاءً باقتران البيع وشرطه، وهو كون المشتري مكاتبًا يصح معاملته للسيد.
والوجه الثاني: لا يصح، قاله القاضي وابن عقيل في البيوع؛ لأن الكتابة لم تسبق عقد البيع.
- ومنها: لو ادعى أنه وكيل لزيد، وأن لزيد على فلان ألفًا، وأقام البينة بالوكالة والدين في حالة واحدة، فهل يقبل ولدفع إليه المال، أم لا بد من تقدم ثبوت الوكالة على ثبوت الدين؟
قال القاضي في "خلافه": يحتمل وجهين، والأشبه اعتبار تقدم الوكالة؛ لأنه ما لم تثبت وكالته [لم] (٣) يجب الدفع إليه. واستشهد للقبول