← Каваид фикха

Каваид фикха · id 17894

قواعد ابن رجب - ت مشهور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 699 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ابن أبي موسى، والمرجح عند صاحب "المغني" (١) أنها تصير مستولدة؛ لأن التحريم لا ينافي الاستيلاد؛ كالأمة (٢) المشتركة، ولكن بينهما فرق، وهو أن هذه محرمة على التأبيد، بخلاف المشتركة. وقد نص أحمد على أن النسب لا يلحق بوطء الأمة المزوجة؛ وإن كان زوجها صغيرًا لا يولد لمثله في "رواية حرب" (٣) و"ابن بختان"، وذكره أبو بكر وابن أبي موسى؛ فلمؤبدة التحريم أولى. هذا كله ما لم يكن الابن قد استولدها، فإن كان استولدها؛ لم ينتقل الملك فيها باستيلاد غيره كما لا ينتقل بالعقود، وذكر ابن عقيل في "فنونه" أنها تصير مستولدة لهما جميعًا (٤)، كما لو وطئ الشريكان أمتهما في طهر واحد، وأتت بولد ألحقته القافة بهما، لكن في مسألة القافة حكم [باستيلادها لهما] (٥) دفعة واحدة، وفي مسألتنا قد ثبت استيلاد الابن أولًا لها؛ فلا ينتقل إلى غيره؛ إلا أن يقال: أم الولد تملك بالقهر على رواية، والاستيلاد سبب قهري. - ومنها: تصرف السيد في مال عبده الذي ملكه إياه وقلنا يملكه،

стр. 527

ظاهر كلام أحمد أنه ينفذ ويكون استرجاعًا لتضمنه إياه، وذكر القاضي في "الجامع [الكبير] (١) ": أنه يحتمل حمله على أنه سبق رجوعه التصرفُ؛ لينفذ. - ومنها: تصرف الموصى له [في الوصية] (٢) بعد الموت؛ هل يقوم مقام القبول؟ الأظهر قيامه مقامه؛ لأن سبب الملك قد استقر له استقرارًا لا يمكن إبطاله، وقد [ملك] (٣) بالموت على أحد الوجوه، وهو منصوص عن أحمد، ومثله الوقف على معين إذا قيل باشتراط قبوله. فأما العقود التي تملك [له] (٤) موجبها الرجوع فيها قبل القبول؛ فهل يقوم التصرف فيها مقام القبول؟ فيه تردد يلتفت إلى انعقاد العقود بالمعاطاة. فأما الوكالة؛ فيصح [فيها] (٥) قبولها بالفعل، صرح به الأصحاب؛ لأنها إذن مجرد وأمر بالتصرف، فيصح امتثاله بالفعل، وهل يساويها في ذلك سائر العقود الجائزة؛ كالشركة والمضاربة والمساقاة؟ ظاهر كلام [صاحب] (٦) "التلخيص" أو صريحه: المساواة، وحكى

стр. 528

القاضي في "الأحكام السلطانية" (١) في صحة قبول القاضي القضاء بشروعه (٢) في النظر احتمالين، وجعل مأخذهما: هل يجري الفعل مجرى النطق لدلالته عليه؟ ويحسن بناؤهما على أن ولاية القضاء عقد جائز أو لازم. - ومنها: المطلقة الرجعية؛ هل تحصل رجعتها [بالوطء] (٣)؟ على روايتين، مأخذهما عند أبي الخطاب الخلاف في وطئها؛ هل هو [مباح أو محرم] (٤)؟ والصحيح بناؤه على اعتبار الإشهاد [للرجعة] (٥) وعدمه، وهو البناء المنصوص عن الإمام، ولا عبرة بحل الوطء ولا عدمه، فلو وطئها في [حيض] (٦) أو غيره؛ كانت رجعة، وهل يشترط أن (٧) ينوي بالوطء الرجعة أم لا؟ نقل ابن منصور عن أحمد اعتباره، وهو اختيار ابن أبي موسى، والمذهب عند القاضي ومن اتبعه خلاف ذلك، ولكن الرجعية لم يزل النكاح عنها بالكلية، وإنما حصل له تشعث، لكن الرجعة يترتب عليها الاستباحة حقيقةً في المدة الزائدة على العدة.

стр. 529

(القاعدة السادسة والخمسون) شروط العقود من أهلية العاقد، [و] (١) المعقود له أو عليه إذا وجدت مقترنة بها ولم تتقدم عليها، هل يكتفى بها في صحتها، أم لا بد من سبقها؟ المنصوص عن أحمد الاكتفاء بالمقارنة في الصحة. وفيه وجه آخر: لا بد من السبق، وهو اختيار ابن حامد والقاضي في الجملة. ويتخرج على ذلك مسائل قد ذكرنا عدة منها في القاعدة السابقة: - منها: إذا أعتق أمته وجعل عتقها صداقها؛ فالمنصوص الصحة اكتفاءً باقتران [شرط] (٢) النكاح، وهو الحرية [به] (٣)، كما دلت عليه السنة الصحيحة (٤)، واختار ابن حامد والقاضي عدم الصحة؛ فمنهم من

стр. 530

[جعل] (١) مأخذه انتفاء لفظ النكاح الصريح، وهو ابن حامد، ومنهم من [جعل] (١) مأخذه انتفاء تقدم الشرط. - ومنها: لو باعه شيئًا بشرط أن يرهنه على ثمنه، صح، نص عليه، وقال القاضي وابن حامد: لا يصح، لانتفاء [سبق] (٢) الملك للرهن، ولا تكفي المقارنة. - ومنها: لو كاتب عبده وباعه شيئًا صفقة واحدة، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يصح، وقيل: إنه المنصوص، وذكره القاضي وابن عقيل في "النكاح" وأبو الخطاب والأكثرون اكتفاءً باقتران البيع وشرطه، وهو كون المشتري مكاتبًا يصح معاملته للسيد. والوجه الثاني: لا يصح، قاله القاضي وابن عقيل في البيوع؛ لأن الكتابة لم تسبق عقد البيع. - ومنها: لو ادعى أنه وكيل لزيد، وأن لزيد على فلان ألفًا، وأقام البينة بالوكالة والدين في حالة واحدة، فهل يقبل ولدفع إليه المال، أم لا بد من تقدم ثبوت الوكالة على ثبوت الدين؟ قال القاضي في "خلافه": يحتمل وجهين، والأشبه اعتبار تقدم الوكالة؛ لأنه ما لم تثبت وكالته [لم] (٣) يجب الدفع إليه. واستشهد للقبول

стр. 531

بما لو شهد أنه ابتاع من فلان دارًا وهو مالك لها، [فإنه] (١) [تصح] (٢) شهادتهما بالبيع والملك في حالة واحدة. - ومنها: لو قال: إذا تزوجت فلانة، فقد وكلتك في طلاقها؛ ففي "التلخيص": قياس المذهب صحته. ويتخرج وجه آخر: أنه لا يصح، لاقتران الوكالة وشرطها؛ إذ شرطها (٣) أن يكون الموكل مالكًا لما وكل فيه، وملك الطلاق يترتب على ثبوت النكاح، فيقارن الوكالة. - ومنها: لو وجدت الكفاءة في النكاح حال العقد، بأن يقول سيد العبد [بعد] (٤) إيجاب النكاح [له] (٥): قبلت له [هذا] (٦) النكاح وأعتقته؛ فقال الشيخ تقي الدين (٧): قياس المذهب صحته (٨)، وقال: ويتخرج فيه وجه آخر بمنعها (٩).

стр. 532

فأما اقتران الحكم مع شرطه في غير عقد؛ هل يثبت به الحكم أم لا؟ يتخرج عليه مسائل: - منها: صحة الوصية لمن ثبتت أهلية ملكه بالموت؛ كأم الولد ومدبره، فإن السبب المستحق به هو الإِيصاء، وشرط الاستحقاق هو الموت، وعليه يترتب الاستحقاق، وقد اقترن به وجود أهلية المستحق؛ فيكفي في ثبوت الملك، هذا إذا قلنا: إن الوصية تملك بالموت من غير قبول، وإن قلنا: تتوقف على القبول -وهو المشهور-، فإن القبول يتأخر عن أهلية الاستحقاق، فيصح القبول حينئذ، ولا يضر فوات أهليته عند الموت، فإنه لو قال: اعتقوا عني عبدي (١) وأعطوه كذا؛ لصحت هذه الوصية. - ومنها: إذا وجدت الحرية عقيب (٢) موت الموروث أو معه، كما لو قال لعبده: إن مات أبوك فأنت حر، وكان أبوه حرًّا، فمات أو دبر ابن عمه ثم مات؛ فإنه [لا يرث] (٣)، ذكره القاضي وصاحب "المغني"، وعلله بأن المانع لا يؤثر زواله حال الاستحقاق كما لا يؤثر وجوده عندنا في إسلام الطفل بموت أبويه.

стр. 533

[و] (١) قال الشيخ تقي الدين: ينبغي أن يخرج على الوجهين فيما إذا حدثت الأهلية مع الحكم، هل يكتفي بها، أم يشترط تقدمها؟ فإن قلنا: تكفي المقارنة؛ ورث لأنه صار حرًّا ومالكًا في [زمن واحد] (٢). انتهى. ولا يقال: هذا [يفضي إلى] (٣) اقتران العلة ومعلولها، وهو عندكم باطل؛ لأنا نقول: علة الإِرث وسببه هو النسب وهو سابق على الموت، وإنما الحرية شرط له. - ومنها: عدة أم الولد إذا توفي [عنها] (٤) سيدها؛ هل هي عدة حرة أو أمة؟ وأكثر الروايات عن أحمد: أنها تعتد عدة أمة، وقال: "لو اعتدت عدة حرة، لورثت" (٥)، ثم توقف في ذلك، وقال: دخلني منه شيء، وقال مرة: تعتد عدة حرة اكتفاءً بالحرية المقارنة لوجوب العدة، ولزوم مقارنة العلة للمعلول هنا أظهر، ولا يلزم؛ لأن سبب العدة الاستفراش السابق

стр. 534

والموت شرطها، والحرية شرط للعدة [بالشهور] (١)، ومن ها هنا (٢) لم يلزم [التوريث] (٣)؛ لأن سببه منتف بالكلية، وهو النكاح والنسب والولاء. * * *

стр. 535

(القاعدة السابعة والخمسون) إذا تقارن الحكم ووجود المنع منه؛ فهل يثبت الحكم أم لا؟ المذهب المشهور أنه لا يثبت، وقال ابن حامد: يثبت. وإن تقارن الحكم ووجود المانع منه؛ فهل يثبت الحكم معه؟ فيه وجهان، واختيار (١) القاضي في "المجرد" وابن عقيل في "الفصول" وصاحب "المغني" (٢): أنه لا يثبت، واختار القاضي في "خلافه" وفي "الجامع الكبير": أنه يثبت، وكذلك ابن عقيل في "عمد الأدلة" وأبو الخطاب. فأما اقتران الحكم والمنع منه؛ فيندرج تحته مسائل: - منها: لو قال الزوج لامرأته: أنت طالق مع انقضاء عدتك، أو قال: كلما ولدت ولدًا فأنت طالق، فولدت ولدين متعاقبين، فإنها تطلق بالأول، وتنقضي العدة بالثاني ولا تطلق به، كما لا تطلق في قوله: مع انقضاء عدتك، هذا المذهب المشهور، وعليه أبو بكر وأبو حفص والقاضي وأصحابه، والخلاف فيه مع ابن حامد وحده، وفي "الفصول"

стр. 536

يشير إلى أن مأخذ ابن حامد في مسألة الولادة القول بتقارن العلة ومعلولها؛ فيقع الطلاق في حال الولادة قبل البينونة، ولا يصح؛ لأن البينونة [معلول الولادة] (١)، فلو اقترنت العلة ومعلولها؛ لبانت مع الولادة أيضًا. - ومنها: لو قال: أنت طالق بعد موتي؛ لم تطلق بغير خلاف نعلمه، ولو قال: مع موتي أو موتك؛ لم تطلق، نص عليه في رواية مهنا؛ لأن الموت سبب البينونة؛ فلا يجامعها الطلاق، ويلزم على قول ابن حامد الوقوع ها هنا؛ لأنه إذا [أوقع] (٢) الطلاق مع الحكم بالبينونة؛ فإيقاعه مع سبب الحكم أولى، ويلزم مثل ذلك القاضي ومن تابعه على الوقوع مع سبب الانفساخ؛ لتأخر الانفساخ عنه، ولم يلتزموا ذلك، وادعوا ها هنا المقارنة دون السبق، ولا يصح، ولعل المانع من إيقاع الطلاق مع الموت هو عدم الفائدة فيه، بخلاف إيقاعه مع البينونة في الحياة؛ فإنه يفيد التحريم أو نقص (٣) العدد. - ومنها: لو قال زوج الأمة لها: إن ملكتك فأنت طالق، ثم ملكها؛ لم تطلق، قال الأصحاب: وجهًا واحدًا، ولا يصح؛ لأن ابن حامد يلزمه القول ها هنا [القول] (٤) بالوقوع؛ لاقترانه بالانفساخ. - ومنها: لو أعتق الزوجان معًا، وقلنا: لا خيار للمعتقة تحت الحر؛

стр. 537

فهل يثبت لها الخيار ها هنا؟ على روايتين منصوصتين عن أحمد، وقد اقترن هنا المقتضي وهو حريتها والمانع وهو حريته، فحصل الحكم بثبوت الخيار مع المنع منه. فإن قيل: يشكل على ما ذكرتموه مسألتان منصوصتان عن الإمام أحمد: إحداهما: إذا قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، ثم باعه؛ فإنه يعتق على البائع من ماله، نص عليه أحمد في رواية جماعة (١)، ولم ينقل عنه في ذلك خلاف؛ فقد حكم بوقوع العتق مع وجود [المنع] (٢) منه، وهو انتقال الملك، وهذا يلزم منه صحة قول ابن حامد وطرده في إثبات الأحكام مع مقارنة المنع [منه] (٣)، مثل أن يقول لغير المدخول بها: إن طلقتك فأنت طالق، ثم طلقها؛ فينبغي أن تطلق طلقتين، وكذلك [إذا قال] (٤): إن فسختُ نكاحَكِ لعيب أو نحوه فأنت طالق، وكذلك [لو] (٥) قال: إن خالعتُكِ فأنت طالق. [و] (٦) المسألة الثانية: إذا مات الذمي وله أطفال صغار؛ حكم

стр. 538

بإسلام الولد وورث منه، نص عليه ولم يثبت عنه خلاف ذلك، حتى إن من الأصحاب من أنكر القول بعدم توريثه وقال: هو خلاف الإجماع، ويلزم من توريثه إثبات الحكم المقترن بمانعه، وهذا لا محيد عنه. والجواب إما على قول ابن حامد، فهذا متجه لا بعد فيه، وإما على قول جمهور الأصحاب؛ فقد اختلفوا في تخريج كلام الإِمام أحمد في مسألة العتق على طرق: أحدها: أنه مبني على قوله بأن الملك لم [ينتقل] (١) عن البائع في مدة الخيار، فأما على قوله بالانتقال، وهو الصحيح، فلا يعتق، وهذه طريقة أبي الخطاب في "انتصاره"، وفيها ضعف؛ فإن نصوص أحمد بالعتق هنا متكاثرة، ورواية بقاء الملك للبائع ربما لم تكن صريحة عن أحمد بل مستنبطة من كلامه، وإنما المنقول الصريح عنه انتقال الملك. والطريق الثاني: أن عتقه على البائع، لثبوت الخيار [له] (٢)، فلم تنقطع علقه عن المبيع بعد، وهي طريقة القاضي وابن عقيل وأبي الخطاب، وأورد عليهم أن تصرف البائع بالعتق في مدة الخيار لا ينفذ على المنصوص؛ فأجابوا بأن هذا العتق أنشأه في ملكه، فلذلك نفذ في مدة الخيار بعد زوال ملكه؛ [لأن] (٣) أحمد [شبهه] (٤) بنفوذ الوصية بعد الموت، وقال في رواية ابن ماهان: يعتق من مال البائع، قيل: لأنه خلف [على] (٥)

стр. 539

ملك؟ قال: نعم. والطريق الثالث: أنه يعتق على البائع عقيب (١) إيجابه وقبل قبول المشتري، وهي طريقة ابن أبي موسى والسامري وصاحبي "المغني" (٢) و"التلخيص"؛ لأنه إنما علقه على بيعه، وبيعه الصادر عنه هو الإيجاب فقط، ولهذا يسمى بائعًا والقابل مشتريًا، ويقال: باع هذا واشترى هذا، وإن كان العقد لا ينعقد [إلا] (٣) بقبول المشتري، لكن القبول شرط محض لانعقاد البيع وليس هو من ماهيته، فإذا وجد القبول، تبينا أنه عتق على البائع قبله في ملكه قبل الانتقال. وفي هذه [الطريقة] (٤) أيضًا نظر؛ فإن أحمد نص على نفوذه بعد زوال الملك، ولأن البيع المطلق إنما يتناول المنعقد لا صورة البيع (٥) المجردة. والطريق الرابع: أنه يعتق على البائع في حالة انتقال الملك إلى المشتري، حيث يترتب على الإِيجاب [و] (٦) القول وانتقال الملك و [نفوذ] (٧) العتق؛ فيتدافعان وينفذ العتق لقوته وسرايته دون انتقال الملك،

стр. 540

وهي طريقة أبي الخطاب في "رؤوس المسائل"، ويشهد لها تشبيه أحمد بالمدبر والوصية، ولا يقال في [التدبير] (١) والوصية: لا ينتقل إلى [ملك] (٢) الورثة لتعلق حق غيرهم بها؛ [لأنا نمنع] (٣) ذلك على أحد الوجهين، ونقول: بل ينتقل إليهم المال [الموصى به] (٤)، وهو ظاهر تعليل أحمد في هذه المسألة؛ فإنه قال في رواية الأثرم وقد قيل له: كيف يعتق على البائع وإنما وجب العتق بعد البيع؟ فقال: لو وصى [لرجل] (٥) بمئة درهم ومات؛ يعطاها، وإن كانت وجبت (٦) له بعد الموت ولا ملك؛ فهذا مثله، ونقل عنه صالح (٧) نحو هذا المعنى أيضًا. وعلى هذه الطريقة؛ فينفذ العتق مع قيام المانع له لقوته وسرايته، ولا يلزم مثل ذلك في غيره من العقود. والطريق الخامس: أنه (٨) يعتق بعد انعقاد البيع وصحته وانتقال الملك إلى (٩) المشتري، ثم ينفسخ البيع بالعتق على البائع، وصرح بذلك

стр. 541

القاضي في "خلافه" وابن عقيل في "عمده" وصاحب "المحرر" (١)، وهو ظاهر كلام أحمد وتشبيهه بالوصية. ووجه ذلك أن العتاق لقوته ونفوذه وسرايته إلى ملك الغير ينفد (٢)؛ وإن وجد أحد طرفيه في ملك والآخر في غير ملك، فإذا عقده في غير ملك مضافًا إلى وجود الملك؛ [صح] (٣) ونفذ في المذهب الصحيح المشهور، فكذا إذا عقده في ملك على نفوذه في غير [ملك] (٤)؛ فإنه ينفذ. ولهذا نقول على إحدى الروايتين: لو قال: مملوكي فلان حر بعد موتي بسنة؛ يعتق (٥) كما قال وإن كان ذلك بعد زوال ملكه وانتقاله عنه، ولا يقال: لا ينتقل ملكه مع قيام الوصية؛ لأن ذلك ممنوع على ظاهر كلام أحمد كما تقدم، ولا يلزم مثل هذا في غير العتق من العقود؛ لأنها لا تسري إلى ملك الغير، ولا عهد نفوذها في غير ملك بحال. وخرج صاحب "المحرر" في تعليقه على "الهداية" وجهًا فيما إذا علق طلاقها على خلعها فخالعها: أنه يقع الطلاق المعلق كما يقع العتق بعد البيع اللازم، فإن كان مراده أنه يقع مع الخلع، فهي مسألة ابن حامد في الوقوع مع البينونة (٦)، وإن أراد بعده، فمشكل، فإن الطلاق لم يعهد

стр. 542

عندنا وقوعه في غير ملك. وسلك الشيخ تقي الدين (١) طريقة أخرى، فقال: إن كان المعلق للعتق قصده اليمين دون التبرر بعتقه، أجزأه كفارة يمين؛ لأنه إذا باعه خرج عن ملكه، فبقي كنذره أن يعتق عبد غيره، فيجزئه الكفارة، وإن قصد به التقرب؛ صار عتقه مستحقًا كالنذر، فلا يصح بيعه، ويكون العتق معلقًا على صورة البيع، كما لو قال لما لا يحل بيعه: إذا بعته فعلي عتق رقبة، أو قال لأم ولده: إن بعتك فأنت حرة، وطرد قوله هذا في تعليق الطلاق على الفسخ والخلع، فجلعه معلقًا على صورة الفسخ والخلع، قال: ولو قيل بانعقاد الفسخ والخلع المعلق عليه، فلا يمتنع (٢) وقوع الطلاق معه على رأي ابن حامد، حيث أوقعه مع البينونة بانقضاء العدة؛ فكذا بالفسخ، واللَّه أعلم. وأما مسألة الميراث؛ فلا ريب أن أحمد نص على توريث الطفل من أبيه الكافر، والحكم بإسلامه بموته، وخرجه من خرحه من الأصحاب؛ كصاحب "المغني" (٣) على أن المانع لم يتقدم الحكم بالإِرث وإنما قارنه،

стр. 543

وهذا يرجع إلى ثبوت الحكم مع مقارنة المانع له؛ لأن الإِسلام سبب المنع، والمنع يترتب عليه، والحكم بالتوريث سابق على المنع لاقترانه بسببه. وأما اقتران الحكم [و] (١) المانع؛ فله صور: - منها: [مسألة] (٢) توريث الطفل المحكوم بإسلامه بموت أحد أبويه الكافرين منه، وقد ذكرت. - ومنها: إذا قتلت أم الولد سيدها، فإنه يلزمها أقل الأمرين من قيمتها أو الدية، نص عليه، قال الأصحاب: سواء قلنا: إن الدية تحدث على ملك الورثة ابتداءً أو على ملك الموروث أو لا؛ لأنا إن قلنا: تحدث على ملك الورثة، فقد اقترن الضمان بالحرية، وإنما لم يجب الضمان هنا بالدية مطلقًا اكتفاءً بمقارنة الشرط للحكم على ما تقدم؛ لأن الاعتبار هنا في الضمان بحالة الجناية، وهي حينئذ رقيقة، فلا يلزمها أكثر من ضمان جناية الرقيق، ولا يمنع [من] (٣) ذلك مقارنة الحرية بحالة وجوب الضمان بناءً على أن المانع إذا اقترن بالحكم لم يمنعه، وإن قلنا: إن الدية تحدث على ملك المقتول أولًا؛ فقد وجب له ذلك في آخر جزء في حياته، وهي إذ ذاك رقيقة؛ فسبق وقت وجوب الضمان وقت الحرية، وإنما وجب الضمان هنا للسيد، وإن كان السيد لا يجب له الضمان على رقيقه لتعلق

стр. 544

حق ورثته (١) بماله في هذه الحال؛ فصاركالواجب لها ابتداءً، ولهذا كانوا هم المطالبين به، [واللَّه أعلم] (٢). - ومنها: إذا تزوج العادم للطول الخائف للعنت في عقده حرة وأمة؛ فهل يصح نكاح [الأمة مع الحرة] (٣)؟ على وجهين. - ومنها: إذا قال المتزوج بأمة أبيه: إذا مات أبي فأنت طالق، ثم مات الأب، فهل يقع الطلاق؟ على وجهين: أحدهما: يقع، وهو قول القاضي في "الجامع" و"الخلاف" وابن عقيل في "العمد" واختيار أبي الخطاب؛ لأن الموت يترتب عليه وقوع الطلاق والملك، والملك سبب انفساخ النكاح، فقد سبق نفوذ الطلاق الفسخ (٤) فنفذ. والثاني: لا يقع، وهو قول القاضي في "المجرد" وابن عقيل في "الفصول"؛ لأن الطلاق قارن المانع، وهو الملك، فلم ينفذ. - ومنها: إذا تزوج أمة، ثم قال لها: إن اشتريتك؛ فأنت طالق.

стр. 545

فيه (١) الوجهان: إن قلنا: ينتقل الملك مع الخيار، وهو الصحيح، وإن قلنا: لا ينتقل؛ وقع الطلاق وجهًا واحدًا، كذا ذكره أبو الخطاب. وفي "خلاف القاضي": إذا حلف لا يبيع، فباع بشرط الخيار؛ هل يحنث؟ إن ذلك [ينبني] (٢) على نقل الملك وعدمه؛ فقياس قوله: إنه لا يقع الطلاق هنا في مدة الخيار إذا قلنا: لا ينتقل الملك فيها، وأنكر ذلك الشيخ مجد الدين وقال: يحنث بكل حال؛ لأن البيع قد وجد. - ومنها: إذا قال لامرأته التي لم يدخل بها: إن كلمتك فأنت طالق، ثم أعاده؛ فإنها تطلق بالإِعادة؛ [لأنها] (٣) كلام في المشهور عند الأصحاب. وقال ابن عقيل في "عمد الأدلة": قياس المذهب عندي أنه لا يحنث بهذا الكلام؛ لأنه من جنس اليمين الأولى ومؤكد لها، وإنما المقصود أذاها وهجرها وإضرارها بترك كلامها، وليس في هذه الإعادة ما ينافي ذلك؛ فلا يحنث به، وهذا أقوى (٤)، والتفريع على المشهور، فإذا وقع الطلاق بالإِعادة ثانيًا؛ فهل ينعقد به يمين ثانية أم لا؟ في المسألة وجهان:

стр. 546

أحدهما: لا ينعقد، وهو قول القاضي في ["الجامع" و"الخلاف"] (١) ومن اتبعه؛ كالقاضي يعقوب وابن عقيل، وهو قياس قول صاحب "المغني" (٢)، وله مأخذان: أحدهما: وهو مأخذ القاضي ومن اتبعه: أن الكلام يحصل بالشروع في الأعادة قبل [إتمامها] (٣)؛ فيقع الطلاق قبل [إنهاء] (٤) الإعادة؛ فلا ينعقد لأن [تمام اليمين] (٥) حصل بعد البينونة. والثاني: وهو الذي ذكره صاحب "المغني" في نظير هذه المسألة: أن الطلاق وإن وقف وقوعه إلى ما بعد إنهاء الإعادة، إلا أن الإعادة يترتب عليها البينونة، فيقع انعقاد اليمين مع البينونة، فيخرج على الخلاف في ثبوت الحكم مع المانع أو مع سببه، والأصح عنده عدمه. والوجه الثاني: تنعقد اليمين، وهو اختيار صاحب "المحرر" (٦) بناءً على أن الطلاق يقف وقوعه على تمام الإعادة؛ لأن الكلام المطلق إنما ينصرف إلى المقيد ولا تحصل الإفادة بدون ذكر جملة الشرط والجزاء، فيقف الطلاق عليهما ويقع عقيبهما لأنهما شرط لوقوعه، وأما اليمين؛ فوجدت مع شرط الطلاق، فسبقت وقوعه، يوضحه أن اليمين هي اللفظ

стр. 547

المجرد، وهو المعلق عليه الطلاق، فإذا قال: إن كلمتك فأنت طالق؛ فهو في معنى قوله: إن حلفت يمينًا بطلاقك على كلامك فأنت طالق؛ فتبين أن وجود اليمين سابقة لوقوع الطلاق. - ومنها: إذا قال لامرأتيه -وإحداهما غير مدخول بها-: إن حلفت بطلاقكما فأنتما طالقتان، ثم قاله ثانيًا، فإنهما يطلقان طلقة طلقة على المذهب المشهور، وانعقدت اليمين مرة ثانية في حق المدخول بها، وأما في حق التي لم يدخل بها؛ ففي انعقادها وجهان: أحدهما: أنها تنعقد، وهو قول أبي الخطاب وصاحب "المحرر" (١) ومقتضى ما ذكره القاضي وابن عقيل في المسألة التي قبلها؛ لأن اليمين [سبقت] (٢) البينونة، ووجدت مع شرط الطلاق لا مع وقوع الطلاق. والثاني: لا [تنعقد] (٣)، وهو اختيار صاحب "المغني" (٤)؛ غير أنه وقع في النسخ خلل في تعليله، ووجهه أن اليمين وإن وجدت مع شرط الطلاق، لكن انعقادها مقارن (٥) لوقوع الطلاق؛ فلم ينعقد لاقترانه [بما يمنعه] (٦)، فإن أعاده ثالثًا قبل أن يجدد نكاح البائن؛ لم تطلق واحدة منهما على الوجهين؛ لأن الحلف بطلاق البائن لا يمكن، [فإن عاد وتزوج

стр. 548

البائن، ثم حلف بطلاقها وحدها؛ فعلى الوجه الثاني لا تطلق؛ لأن اليمين الثانية لم تنعقد بحقها، وتطلق الأخرى طلقة؛ لوجود الحلف بطلاقها قبل نكاح الثانية والحلف بطلاق الثانية بعد نكاحها، فكمل الشرط في حق الأولى. وعلى الوجه الأول تطلق كل واحدة منهما طلقة طلقة؛ لأن الصفة الثانية منعقدة في حقهما جميعًا، كذا ذكره الأصحاب، وأورد عليه أن طلاق كل واحدة منهما معلق بشرط الحلف بطلاقها مع طلاق الأخرى؛ فكل واحد من الحلفين جزء علة لطلاق كل واحدة منهما، فكما أنه لا بد من الحلف بطلاقها في زمن يكون فيه أهلًا لوقوع الطلاق، كذلك الحلف بطلاق ضرتها؛ لأنه جزء علة لطلاق نفسها ومن تمام شرطه؛ فكيف يقع بهذه التي جدد نكاحها الطلاق وإنما حلف بطلاق ضرتها وهي بائن؟! وأجيب عنه: بأن وجود الصفة كلها في النكاح لا حاجة إليه، ويكفي وجود آخرها فيه، فيقع (١) الطلاق عقيبه (٢). وذكر صاحب "المحرر" في "تعليقه على الهداية": أن هذا هو المذهب، سواء قلنا: يكفي في الحنث وجود بعض الصفة أم لا. نعم، إن قلنا: يكفي وجود بعضها وقد وجد حال البينونة؛ انبنى على أن الخلاف في حل اليمين بالصفة الموجودة حال البينونة. انتهى. وعندي أن هذا قد يتخرج على اختلات المأخذين (٣) في أن اليمين

стр. 549

لا تنحل بوجود الصفة حال البينونة، فإن قلنا: إنها مستثناة من عموم كلامه بقرية الحال؛ فوجود بعضها حال البينونة لا عبرة به (١) أيضًا كوجود جميعها، وإن قلنا: إن اليمين لا تنحل بدون الحنث فيها؛ اكتفي بوجود آخرها في النكاح لإمكان الحنث فيه، على أن الاكتفاء بوجود بعض الصفة حال البينونة وبعضها في النكاح مع قولنا: لا يكتفى بوجود بعض الصفة في الطلاق، وقولنا: إن الصفة الموجودة حال البينونة لا تنحل بها اليمين؛ لا يخلو من (٢) إشكال ونظر، واللَّه أعلم] (٣). - ومنها: إذا اشترى مريض أباه بثمن لا يملك غيره وهو تسعة دنانير، وقيمة الأب ستة، فقد حصل [منه] (٤) عطيتان من عطايا المريض: محاباة البائع بثلث المال، وعتق الأب -إذا قلنا: إن عتقه من الثلث-، وفيه وجهان: أحدهما: وهو قول القاضي في ["المجرد"] (٥) وابن عقيل في "الفصول": يتحاصان؛ لأن ملك المريض لأبيه مقارن لملك المشتري لثمنه، وفي كل منهما عطية منجزة؛ فتحاصا لتقارنهما. والثاني: أنه تنفذ المحاباة ولا يعتق الأب، وهو اختيار صاحب

стр. 550

"المحرر" (١)؛ لأن المحاباة سابقة لعتق الأب، فإن ملك المشتري للثمن (٢) الذي وقعت المحاباة فيه وقع مقارنًا لملك الأب، وعتقه يترتب على ملكه ولم يقارنه، فقد قارنت المحاباة شرط عتق الأب لا عتقه؛ فنفذت كسبقها. - ومنها: لو أصدقها مئة درهم، ثم طلقها قبل الدخول على خمسين من المهر، فهل تستحق جميع المهر أو ثلاثة أرباعه؟ على وجهين: أحدهما: تستحقه كله؛ لأنه استحق عوضًا عن الطلاق خمسين، ورجع إليه بالطلاق [قبل الدخول] (٣) النصف الباقي. والثاني: تستحق ثلاثة أرباعه؛ لأن الطلاق يتنصف به المهر، [فيصير] (٤) مشاعًا بين الزوجين؛ فلا يستحق من الخمسين المخالع بها إلا نصفها، فلا يسلم للزوج عوضًا عن طلاقه إلا نصف الخمسين، ويرجع إليه بالطلاق النصف. ومن نصر الوجه الأول قال: تنصف المهر يترتب على الخلع لا [يقارنه] (٥)؛ فقد ملك الخمسين كلها قبل [التنصف] (٤)، لكن ملكه لها قارن سبب [التنصف] (٦) وهو البينونة؛ فهذا مأخذ الوجهين.

стр. 551

وللمسألة مأخذ آخر على تقدير التنصف قبل الملك، وهو أن يخالعها لخمسين من المهر مع علمها بأن المهر يتنصف بالمخالعة؛ هل يتنزل على خمسين مبهمة منه أو على الخمسين التي يستقر لها بالطلاق؟ وفي المسألة وجهان، وعليهما يتنزل الوجهان فيما إذا باع أحد الشريكين نصف السلعة المشتركة؛ هل [يتنزل] (١) البيع على نص مشاع وإنما له فيه نصفه وهو الربع، أو على النصف الذي يخصه بملكه، وكذلك في الوصية وغيرها؟ واختيار (٢) القاضي أنه يتنزل (٣) على النصف الذي يخصه كله، بخلاف ما إذا قال له: أشركتك في نصفه وهو لا يملك سوى النصف؛ فإنه يستحق منه الربع لأن الشركة تقتضي التساوي في الملكين، بخلاف البيع. والمنصوص عن أحمد في رواية ابن منصور (٤): أنه لا يصح بيع النصف حتى يقول: نصيبي؛ فإن أطلق؛ تنزل على الربع. - ومنها: إذا تزوج في مرض [موته] (٥) بمهر يزيد على مهر المثل؛ ففي المحاباة روايتان:

стр. 552

إحداهما: أنها موقوفة على إجازة الورثة؛ لأنها عطية لوارث (١). والثانية: تنفذ من الثلث، نقلها المروذي والأثرم وصالح (٢) وابن منصور والفضل بن زياد؛ فيحتمل (٣) أن يكون مأخذه أن الإرث المقارن للعطية لا يمنع نفوذها، ويحتمل أن يقال: إن الزوجة [ملكتها] (٤) في حال ملك الزوج للبضع (٥) وثبوت الإرث [يترتب] (٦) على ذلك. وكذلك نص في رواية أبي طالب فيمن أقر لزوجته في مرضه بمهر يزيد على مهل المثل: أن الزيادة تكون من الثلث، [ووجهه القاضي بما ذكرناه من الترتيب] (٧)؛ لأن الإقرار تبين به أن الاستحقاق كان بالعقد، وهذا كله يرجع إلى أن العطية والوصية لمن يصير وارثًا يعتبر من الثلث، وهو خلاف المذهب المعروف، لكن قد يفرق بين أن يكون الوارث نسيبًا أو زوجًا.

стр. 553

كما فرق القاضي في (كتاب الوصايا) من "خلافه" بينهما (١) في مسألة الإقرار؛ لأن النسب سبب إرثه قائم حال الوصية، بخلاف أحد الزوجين، وفيما ذكره القاضي في توجيه رواية أبي طالب نظر، فإن أحمد لو اعتبر حالة العقد؛ لما جعله من الثلث، وإنما يتخرج من هذه الرواية رواية عنه بأن إقرار المريض لوارثه يعتبر (٢) من الثلث، [واللَّه أعلم] (٣). * * *

стр. 554

(القاعدة الثامنة والخمسون) من تعلق به الامتناع من فعل هو متلبس به، فبادر إلى الإقلاع عنه، هل يكون إقلاعه فعلًا للممنوع منه، [أم] (١) تركًا له فلا يترتب عليه شيء من أحكامه؟ هذا عدة أنواع (٢): أحدها: ألا يتعلق به حكم الامتناع بالكلية إلا وهو متلبس به؛ فلا يكون نزعه فعلًا للممنوع منه، فمن ذلك: إذا حلف لا يلبس ثوبًا وهو لابسه، أو لا يركب دابة وهو راكبها، أو لا يدخل دارًا وهو فيها، وقلنا: إن الاستدامة كالابتداء في جميع هذه الأفعال؛ فخلع الثوب ونزل عن الدابة وخرج من الدار في أول أوقات الإمكان؛ فإنه لا يحنث لأن اليمين تقتضي الكف في المستقبل دون الماضي والحال، فيتعلق الحكم بأول أوقات الإمكان، ومنه ما إذا أحرم وعليه قميص؛ فإنه ينزعه في الحال، ولا فدية عليه؛ لأن محظورات الإحرام إنما تترتب على المحرم (٣) لا على المحل، ولا يقال: إنه بإقدامه على إنشاء الإحرام وهو متلبس [بمحظوراته

стр. 555

متسبب] (١) إلى مصاحبة اللبس في الإحرام، كما لا يقال مثل ذلك في الحالف والناذر؛ فإنه كان يمكنه أن لا يحلف ولا ينذر حتى يترك التلبس بما يحلف عليه، ومنه ما إذا فعل فعلًا محرمًا جاهلًا (٢) أو ناسيًا ثم ذكر؛ فإنه يجب عليه قطعه في الحال، ولا يترتب عليه أحكام المتعمد (٣) له. النوع الثاني: أن يمنعه الشارع من الفعل في وقت معين ويعلم المنع، ولكن لا [يشعر] (٤) بوقت المنع حتى يتلبس بالفعل، فيقع عنه في الحال، فاختلف أصحابنا في ذلك على وجهين: أحدهما: أنه لا يترتب عليه حكم الفعل المنهي عنه، بل يكون إقلاعه تركًا للفعل؛ لأن ابتداءه كان مباحًا، حيث وقع قبل وقت التحريم، وهو اختيار أبي حفص العكبري.

стр. 556

والثاني: أنه يكون حكمه حكم الفاعل بتركه، لإقدامه على الفعل، مع علمه بتحريمه في وقته، لا سيما مع قرب الوقت، وهذا ظاهر المذهب (١). -[و] (٢) من صور المسألة: ما إذا جامع في ليل رمضان، فأدركه الفجر وهو مجامع، فنزع في الحال؛ فالمذهب أنه يفطر بذلك، وفي الكفارة روايتان، واختار أبو حفص: أنه لا يفطر، ولا خلاف في أنه لا يأثم إذا كان حال الابتداء متيقنًا لبقاء الليل. [وبنى] (٣) بعض الأصحاب المسألة على أصل آخر، وهو أن النزع هل هو جزء من الجماع أو ليس من الجماع؟ [وحكوا] (٤) في المسألة

стр. 557

روايتين (١)، واختار الشيخ تقي الدين (٢): أنه لا يفطر بالنزع في هذه الحالة ولا بالأكل ولا بغيره بناءً على أنه إنما يتعلق به حكم وجوب الإِمساك عن المفطرات بعد العلم بطلوع الفجر؛ فلا يكون الواقع منها في حالة الطلوع مُحَرَّمًا ألبتة، كما قلنا في محظورات الإحرام: إنها إنما تثبت بعد التلبس به، وقد روي عن أحمد ما يدل على ذلك، فإنه قال: إذا شك في طلوع الفجر؛ فإنه يأكل حتى لا يشك أنه طلع (٣)، وفي المسألة أحاديث وآثار كثيرة (٤) تدل

стр. 558

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 559

على ذلك، واللَّه أعلم. - ومنها: إذا وطئ امرأته، فحاضت في أثناء الوطء، فنزع؛ هل يلزمه الكفارة؟ إذا قلنا: يلزم المعذور؛ فمن الأصحاب من خرجها على [أن] (١) النزع هل هو جماع أم (٢) ترك للجماع؟ ومنهم من خرجها على مسألة الصوم، والأظهر أنه إن كان يعلم بمقتضى العادة قرب وقت حيضها، ثم وطئ وهو يخشى مفاجأة الحيض؛ فهو (٣) شبيه بمسألة الصوم، وإلا؛ فلا كفارة لأنه إنما تعلق به المنع بعد وجود الحيض وقد ترك الوطء حينئذ،

стр. 560

وكذلك ينبغي أن يقال في الواطئ في ليل الصيام: إنه إن ظن بقاء الليل وأنه في مهلة منه؛ لم يفطر، وإن خشي مفاجاة الفجر أفطر؛ لأنه أقدم على مكروه أو محرم ابتداءً. النوع الثالث: أن يعلم قبل الشروع في فعل أنه [متى] (١) شرع فيه ترتب عليه تحريمه، وهو متلبس به، فهل يباح له الأقدام على ذلك الفعل لأن التحريم لم يثبت حينئذ، أم لا يباح لأنه يعلم أن إتمامه يقع حرامًا؟ فيه لأصحابنا قولان، ومثال ذلك أن يقول لزوجته: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثًا، أو فأنت علي كظهر أمي، ومثل أن يعلم أنه متى أولج في هذا الوقت؛ طلع عليه الفجر وهو مولج؛ فحكى الأصحاب في مسألة الطلاق والظهار روايتين بنوهما على أن النزع (٢) هل هو جماع أو ليس بجماع؟ ورجح صاحب "المغني" (٣) التحريم في مسألة الطلاق والظهار على كلا القولين؛ لأنه استمتاع بأجنبية، وهو حرام، ولو كان لمس بدنها (٤) لشهوة؛ فلمس الفرج بالفرج أولى، بخلاف الصائم؛ فإنه لا يفطر إلا بالوطء، ويمكن منع كون النزع (٢) وطئًا، قال: فإن قيل: فهذا (٥) إنما يحصلُ ضرورةَ تركِ الوطءِ الحرام، قلنا: فإذا لم يمكن الوطء إلا بفعل

стр. 561

محرم؛ [حرم] (١) ضرورة ترك (٢) الحرام، كما لو اختلط لحم الخنزير بلحم مباح لا يمكنه أكلهُ إلا بأكل لحم الخنزير، أو اشتبهت ميتةٌ بمذكَّاةٍ؛ فإن الجميع يحرمُ (٣). انتهى. وليس هذا مطابقًا لمسألتنا؛ فإن إبتداء الوطء هنا منفرد عن الحرام متميز عنه، لم يشتبه بحرام [و] (٤) لم يختلط به، فإذا انضم إلى ذلك أن النزع ترك للحرام؛ لم يبق ها هنا حرام. وأيضًا؛ فإن النزع ها هنا مقارن البينونة؛ فيمكن النزاع في تحريمه كما وقع النزاع في ترتب أحكام الزوجية معه، وأما الإيلاج، فمقارن لشرط البينونة، فإن قيل: إن المقارن للشرط كالمقارن للمشروط على ما سبق تقريره في القاعدة التي قبلها، توجه تحريمه أيضًا، وإلا؛ فلا. وأيضًا، فمن يقول: النزع جزء من الجماع، وأن الجماع عبارة عن الإِيلاج والنزع؛ يلتزم أن الطلاق والظهار إنما يقعان بعد النزع لا قبله؛ فلا يحصل النزع في أجنبية ولا مظاهر منها، ولا يقال: يلزم على هذا أن لا يفطر الصائم بالإيلاج قبل غروب الشمس إذا نزع بعده؛ لأن مفطرات الصائم لم تنحصر في الجماع وحده، بل تحصل بأمور متعددة؛ فيجوز أن يحصل بأحد جزأي الجماع كما يحصل بالإنزال بالمباشرة ونحوه، بخلاف الأحكام المترتبة على مسمى الوطء؛ فإنها لا تثبت إلا بعد تمام مسمى

стр. 562

الوطء (١). النوع الرابع: أن يتعمد الشروع في فعل محرم عالمًا بتحريمه، ثم يريد تركه والخروج منه وهو متلبس به؛ فيشرع في التخلص منه بمباشرته (٢) أيضًا، كمن توسَّط دارًا مغصوبة ثم تاب وندم وأخذ في الخروج منها، أو طيب المحرم بدنه عامدًا ثم تاب وشرع في غسله بيده قصدًا لإزالته، أو

стр. 563

غصب عينًا ثم ندم وشرع في حملها على رأسه إلى صاحبها، وما أشبه ذلك. والكلام ها هنا في مقامين: أحدهما: هل تصح التوبة في هذه الحال ويزول الإثم بمجردها، أم لا يزول حتى ينفصل عن ملابسة الفعل بالكلية؟ وفيه لأصحابنا وجهان (١): أحدهما: وهو قول ابن عقيل: أن توبته صحيحة، ويزول عنه الإثم بمجردها، ويكون تخلصه من الفعل طاعة وإن كان ملابسًا له؛ لأنه مأمور به؛ فلا يكون معصية، ولا يقال: من شرط التوبة الإقلاع، ولم يوجد؛ لأن هذا هو الإقلاع بعينه.

стр. 564

وأيضًا، فالإقلاع إنما يشترط مع القدرة عليه دون العجز، كما لو تاب الغاصب وهو محبوس في الدار المغصوبة، أو توسط جمعًا من الجرحى متعمدًا، ثم تاب وقد علم أنه إن أقام قتل من هو عليه -وإن انتقل-؛ [قُتِلَ] (١) غيره، لكن هذا من محل النزاع أيضًا. والوجه الثاني: وهو قول أبي الخطاب: أن حركات الغاصب ونحوه في [خُرُوجِه] (٢) ليست طاعة ولا مأمورًا بها، بل هي معصية، ولكنه يفعلها لدفع أكبر المعصيتَيْن بأقلهما، وأبو الخطاب وإن قال ليست طاعة؛ فهو (٣) يقول: لا إثم فيها، بل يقول بوجوبها، وهو معنى الطاعة. وخرَّج بعضُ الأصحاب الخلاف في هذه المسألة على الخلاف في جواز الإقدام (٤) على الوطء في مسائل النوع الثالث، فإن قيل بجوازه؛ لزم أن يكون الترك امتثالًا من كل وجه؛ فلا يكون معصية، وإن قيل بتحريمه؛ لزم تحريم الترك ها هنا، وقد يفرق [بأن التحريم] (٥) ثَمَّ طار وهنا مستصحب من الابتداء؛ فلا يلزم من الجواز ثَمَّ الجواز هنا، ويلزم من التحريم هناك التحريم ها هنا بطريق الأولى (٦).

стр. 565

والمقام الثاني في الأحكام المترتبة على هذا الأصل، وهي كثيرة: - فمنها: غسل الطيب [للمحرم بيده] (١) يجوز؛ [لأنه ترك للتطيب] (٢) لا فعل له، ذكره الأصحاب واستدلوا بحديث الذي أحرم وهو متضمخ بطيب، فأمره النبي ﷺ أن يغسله عنه (٣)، ولكن هذا كان جاهلًا
следующие страницы →