محرم؛ [حرم] (١) ضرورة ترك (٢) الحرام، كما لو اختلط لحم الخنزير بلحم مباح لا يمكنه أكلهُ إلا بأكل لحم الخنزير، أو اشتبهت ميتةٌ بمذكَّاةٍ؛ فإن الجميع يحرمُ (٣). انتهى.
وليس هذا مطابقًا لمسألتنا؛ فإن إبتداء الوطء هنا منفرد عن الحرام متميز عنه، لم يشتبه بحرام [و] (٤) لم يختلط به، فإذا انضم إلى ذلك أن النزع ترك للحرام؛ لم يبق ها هنا حرام.
وأيضًا؛ فإن النزع ها هنا مقارن البينونة؛ فيمكن النزاع في تحريمه كما وقع النزاع في ترتب أحكام الزوجية معه، وأما الإيلاج، فمقارن لشرط البينونة، فإن قيل: إن المقارن للشرط كالمقارن للمشروط على ما سبق تقريره في القاعدة التي قبلها، توجه تحريمه أيضًا، وإلا؛ فلا.
وأيضًا، فمن يقول: النزع جزء من الجماع، وأن الجماع عبارة عن الإِيلاج والنزع؛ يلتزم أن الطلاق والظهار إنما يقعان بعد النزع لا قبله؛ فلا يحصل النزع في أجنبية ولا مظاهر منها، ولا يقال: يلزم على هذا أن لا يفطر الصائم بالإيلاج قبل غروب الشمس إذا نزع بعده؛ لأن مفطرات الصائم لم تنحصر في الجماع وحده، بل تحصل بأمور متعددة؛ فيجوز أن يحصل بأحد جزأي الجماع كما يحصل بالإنزال بالمباشرة ونحوه، بخلاف الأحكام المترتبة على مسمى الوطء؛ فإنها لا تثبت إلا بعد تمام مسمى
стр. 562
الوطء (١).
النوع الرابع: أن يتعمد الشروع في فعل محرم عالمًا بتحريمه، ثم يريد تركه والخروج منه وهو متلبس به؛ فيشرع في التخلص منه بمباشرته (٢) أيضًا، كمن توسَّط دارًا مغصوبة ثم تاب وندم وأخذ في الخروج منها، أو طيب المحرم بدنه عامدًا ثم تاب وشرع في غسله بيده قصدًا لإزالته، أو
стр. 563
غصب عينًا ثم ندم وشرع في حملها على رأسه إلى صاحبها، وما أشبه ذلك.
والكلام ها هنا في مقامين:
أحدهما: هل تصح التوبة في هذه الحال ويزول الإثم بمجردها، أم لا يزول حتى ينفصل عن ملابسة الفعل بالكلية؟
وفيه لأصحابنا وجهان (١):
أحدهما: وهو قول ابن عقيل: أن توبته صحيحة، ويزول عنه الإثم بمجردها، ويكون تخلصه من الفعل طاعة وإن كان ملابسًا له؛ لأنه مأمور به؛ فلا يكون معصية، ولا يقال: من شرط التوبة الإقلاع، ولم يوجد؛ لأن هذا هو الإقلاع بعينه.
стр. 564
وأيضًا، فالإقلاع إنما يشترط مع القدرة عليه دون العجز، كما لو تاب الغاصب وهو محبوس في الدار المغصوبة، أو توسط جمعًا من الجرحى متعمدًا، ثم تاب وقد علم أنه إن أقام قتل من هو عليه -وإن انتقل-؛ [قُتِلَ] (١) غيره، لكن هذا من محل النزاع أيضًا.
والوجه الثاني: وهو قول أبي الخطاب: أن حركات الغاصب ونحوه في [خُرُوجِه] (٢) ليست طاعة ولا مأمورًا بها، بل هي معصية، ولكنه يفعلها لدفع أكبر المعصيتَيْن بأقلهما، وأبو الخطاب وإن قال ليست طاعة؛ فهو (٣) يقول: لا إثم فيها، بل يقول بوجوبها، وهو معنى الطاعة.
وخرَّج بعضُ الأصحاب الخلاف في هذه المسألة على الخلاف في جواز الإقدام (٤) على الوطء في مسائل النوع الثالث، فإن قيل بجوازه؛ لزم أن يكون الترك امتثالًا من كل وجه؛ فلا يكون معصية، وإن قيل بتحريمه؛ لزم تحريم الترك ها هنا، وقد يفرق [بأن التحريم] (٥) ثَمَّ طار وهنا مستصحب من الابتداء؛ فلا يلزم من الجواز ثَمَّ الجواز هنا، ويلزم من التحريم هناك التحريم ها هنا بطريق الأولى (٦).
стр. 565
والمقام الثاني في الأحكام المترتبة على هذا الأصل، وهي كثيرة:
- فمنها: غسل الطيب [للمحرم بيده] (١) يجوز؛ [لأنه ترك للتطيب] (٢) لا فعل له، ذكره الأصحاب واستدلوا بحديث الذي أحرم وهو متضمخ بطيب، فأمره النبي ﷺ أن يغسله عنه (٣)، ولكن هذا كان جاهلًا
стр. 566
بالحكم؛ فهو كمن تطيب بعد إحرامه ناسيًا؛ فإنه يغسله بغير خلاف، وخص كثير من الأصحاب؛ كالقاضي وغيره الحكم بالناسي وهو [مشعر أن] (١) العامد بخلافه، وهو متخرج على الخلاف السابق في كونه معصية، والصحيح التعميم؛ لأن مباشرة الفعل إنما جازت ضرورة الخروج منه، والمحرم لا ضرورة له في الغسل (٢) بيده، فلما أذن الشارع فيه؛ دل على أن مباشرة الطيب لقصد إزالته ومعالجته غير ممنوع (٣).
- ومنها: إذا تعمد المأموم سبق إمامه في ركوع أو سجود، وقلنا: لا تبطل صلاته بمجرد تعمد السبق (٤)؛ فهل يجب عليه العود إلى متابعة (٥) الإمام أم لا؟
أطلق كثيرٌ من الأصحاب وجوب العودِ من غير تفريق بين العامد
стр. 567
وغيره، كما وردت [به الآثار] (١) عن الصحابة؛ [كـ] (٢) عمر وابنه وابن مسعود ﵃ (٣).
وفرق صاحب "المحرر" (٤) بين العامد وغيره وقال: متى عاد العامد
стр. 568
بطلت صلاته؛ لأنه قد تعمد زيادة ركن كامل عمدًا، وإنما يعود الساهي والجاهل، وقد يقال: إن عود العامد يتخرج على أن العود إنما هو قطع للفعل المنهي عنه الذي ارتكبه ورجوع عنه إلى متابعة الإمام الواجبة؛ فلا يكون منهيًّا عنه، بل مأمور به؛ كالخروج من الدار المغصوبة ونحوها على ما سبق، وقد يفرق بأن حقيقة السجود وضع الأعضاء المخصوصة على الأرض، فإذا زيد هذا المقدار عمدًا؛ بطلت به الصلاة، وأما الهويُ إليه والرفع منه؛ فليسا من ماهيته، وإنما هما حدان له؛ فلا أثر لنية قطعهما بالرفع، فإن الرفع ليس منه، وإنما هو غاية له، وفصل بينه وبين غيره وما مضى منه، ووجد لا يمكن رفعه، وهو سجود تام (١)؛ فتبطل الصلاة بزيادته عمدًا، وهذا قد يلزم منه أن السبق للركن عمدًا يبطل الصلاة، وقد قيل: إنه المنصوص عن أحمد (٢)، وعلى الوجه الآخر؛ فيقال: لمَّا لحقه الامام في هذا الركن واجتمع معه فيه؛ اكتفى بذلك في المتابعة (٣).
стр. 569
(القاعدة التاسعة والخمسون)
العقود لا ترد إلا على موجود بالفعل أو بالقوة، وأما الفسوخ؛ فترد على المعدوم حكمًا واختيارًا على الصحيح.
وقد دل عليه حديث المصراة (١)؛ حيث أوجب الشارع رد صاع التمر عوضًا عن اللبن بعد تلفه، وهو مما ورد العقد عليه؛ فدل على أنه حكم بفسخ (٢) العقد فيه ورد عوضه مع أصله والرجوع بالثمن كاملًا.
فأما الانفساخ الحكمي بالتلف؛ ففي مواضع:
стр. 570
- منها: إذا تلف المبيع المبهم قبل قبضه، انفسخ العقد فيه وفي عوضه (١)، سواء كان ثمنًا أو مثمنًا.
- ومنها: إذا تلفت الثمار المشتراة في رؤوس النخل قبل جدها بجائحة؛ فإن العقد ينفسخ فيها.
- ومنها: إذا تلفت العين المستأجرة قبل مضي مدة الإجارة؛ انفسخ العقد فيما بقي منها.
وأما الفسخ الاختياري؛ فكثير، ومن مسائله: إذا تلف المبيع في مدة الخيار؛ هل يسقط الخيار أم لا يسقط؟
وللبائع الفسخ، [ويرجع] (٢) بعوضه، ويرد الثمن على روايتين معروفتين.
ونقل أبو طالب عنه (٣): إن أعتقه المشتري أو تلف عنده (٤)؛ فللبائع الثمن، وإن باعه ولم يمكنه رده؛ فله القيمة، ففرق بين التلف الحسي [والحكمي] (٥) وبين التفويت مع بقاء العين؛ فأجاز الفسخ مع بقائها لإمكان الرجوع، بخلاف التلف.
وأيضًا؛ فتصرفه بالبيع (٦) في مدة الخيار جناية حال بها بين البائع
стр. 571
والرجوع في ماله، فملك (١) أن يفسخ ويضمنه القيمة للحيلولة، وإلى هذا المأخذ أشار أحمد ﵀ [تعالى] (٢).
- ومنها: إذا اختلف المتبايعان في الثمن بعد تلف المبيع، وفيه روايتان:
إحداهما: يتخالفان، ويفسخ البيع، ويغرم المشتري القيمة.
والثانية: القول قول المشتري مع يمينه في قدر (٣) الثمن، ولا فسخ، اختارها أبو بكر.
- ومنها: إذا تبايعا جارية بعبد أو بثوب (٤)، ثم وجد أحدهما بما قبضه عيبًا وقد تلف الآخر، فإنه يرد ما بيده ويفسخ العقد ويرجع بقيمة التالف، نص عليه أحمد في "رواية حنبل" و"ابن منصور" (٥)، ولم يذكر الأصحاب فيه خلافًا؛ لأن هنا عين باقية يمكن الفسخ فيها، فيقع الفسخ في التالف تبعًا؛ كما لو كان الثمن نقدًا معينًا وقد تلف؛ فإنه لا خلاف أنه يرد السلعة بالعيب ويأخذ بدل الثمن.
- ومنها: إذا تلف بعض المبيع المعيب وأراد رده؛ فهل يجوز رد الموجود مع قيمة المفقود ويأخذ الثمن؟
стр. 572
ظاهر كلام القاضي في "خلافه" في المسألة التي قبلها جوازه؛ لأن الفسخ في المفقود [هنا] (١) تابع للفسخ في الموجود.
وخرجه صاحب "التلخيص" على روايتين فيما إذا اشترى شيئًا فبان معيبًا وقد تعيب عنده، فإنه يرده على إحدى الروايتين، ويرد معها أرش العيب الحادث عنده منسوبًا من قيمته لا من ثمنه، فورد الفسخ هنا على المفقود تبعًا للموجود.
واعتذر ابن عقيل عن ضمانه بالقيمة بأنه (٢) لما فسخ العقد صار المبيع في يده كالمقبوض على وجه السوم؛ لأنه قبض بحكم عقد، فلذلك ضمن بالقيمة، وهذا رجوع إلى أن الفسخ رفع للعقد من أصله، وهو ضعيف.
ومقتضى هذا [أن] (٣) الأصل ضمانه بجزء من الثمن، وهو مقتضى ما ذكره القاضي وابن عقيل في مسائل التفليس؛ لأن كل جزء من المبيع مقابل بجزء (٤) من الثمن، فإذا لم يمكن رد المبيع كله؛ رد الموجود منه بقسطه من الثمن كما في تفريق الصفقة، وهذا بخلاف (٥) أرش العيب الذي يأخذه المشتري من البائع، فإنه يأخذه منسوبًا [بقسطه] (٦) من الثمن.
стр. 573
واختلف الأصحاب فيه:
- فمنهم من يقول: هو فسخ للعقد في مقدار العيب ورجوع بقسطه من الثمن، وعلى هذا؛ فالفسخ ورد على معدوم (١) مستحق التسليم، وهذا في المشتري في الذمة كالسلم ظاهرًا؛ لأنه كان يستحقه سليمًا، فأما في المعين؛ فلم يقع العقد على غير عينه، فلا يمكن أن يكون الأرش فسخًا إلا أن [يقال] (٢): إطلاق العقد على العين يقتضي سلامتها؛ [فكأنها] (٣) موصوفة بصفة السلامة، وقد فاتت (٤).
- ومنهم من يقول: بل هو عوض عن الجزء الفائت، وعلى هذا؛ فهل هو عوض عن الجزء نفسه أو عن قيمته؟
ذهب القاضي في "خلافه" إلى أنه عوض عن القيمة، وذهب ابن عقيل في "فنونه" وابن المني إلى أنه عوض عن العين [الفائتة، وبنى على ذلك جواز المصالحة عنه بأكثر من قيمته، فإن قلنا: المضمون العين؛ فله المصالحة] (٥) عنها بما شاء، وإن قلنا: القيمة، لم يجز أن يصالح عنها بأكثر [منها] (٦) من جنسها.
стр. 574
- ومنهم من قال: هو إسقاط لجزء من الثمن في مقابلة الجزء الفائت الذي تعذر تسليمه لا على وجه الفسخ؛ لأن الفسخ لا يقابل الصحة والسلامة، وإنما يقابل الأجزاء المشاعة، فإذا عقد على عين موصوفة وفات بعض صفاتها؛ رجع بما قابله من الثمن من غير فسخ.
وكل من هذه الأقوال الثلاثة قاله القاضي في موضع من "خلافه"، وينبني على الخلاف في أن الأرش فسخ أو إسقاط لجز من الثمن أو [معاوضة] (١): أنه إن كان فسخًا أو إسقاطًا؛ لم يرجع إلا بقدره من الثمن، ويستحق جزءً من [غير] (٢) الثمن مع بقائه، بخلاف ما إذا قلنا: هو معاوضة، وأما إن أسقط المشتري خيار الرد بعوض بذله له البائع وقبله؛ فإنه يجوز على حسب ما يتفقان عليه، وليس من الأرش في شيء، ذكره القاضي وابن عقيل في "الشفعة"، ونص أحمد على مثله في النكاح في خيار المعتقة تحت عبد.
- ومنها: إذا تلفت العين المعيبة كلها؛ فهل يملك المشتري الفسخ ورد بدلها أم لا؟
الذي عليه الأكثرون: أنه لا يملك ذلك، وأشار إليه أحمد في "رواية ابن منصور" (٣)، قالوا: لأن الرد يستدعي مردودًا، ولا مردود إلا مع بقاء العين، وظلامته تستدرك بالأرش، وهو ضعيف؛ لأن البدل يقوم مقام العين.
стр. 575
وخرج القاضي في "خلافه" جواز ذلك من رد المشتري أرش العيب الحادث عنده كما تقدم، وذكر أنه قياس المذهب، وتابعه عليه أبو الخطاب في "انتصاره"، وجزم بذلك ابن عقيل في "الفصول" من غير خلاف حكاه.
- ومنها: إذا اشترى ربويًّا بجنسه فبان معيبًا، ثم تلف قبل رده؛ فإنه يملك الفسخ، ويرد بدله ويأخذ [الثمن] (١)؛ لأنه لا يجوز له أخذ الأرش على الصحيح لمحذور [الربا]؛ فتعين (٢) الفسخ.
- ومنها: الإقالة؛ هل تصح بعد تلف العين؟
قال القاضي مرة: لا تصح؛ لأنها عقد يقف على الرضا من الجانبين؛ فهي كالبيع، بخلاف الرد بالعيب، ثم قال في موضع آخر: قياس المذهب صحتها بعد التلف إذا قلنا: هي فسخ، وتابعه أبو الخطاب في "الانتصار" (٣) وابن عقيل في "نظرياته"، وحكى صاحب "التلخيص" فيها وجهين بخلاف الرد بالعيب، وفرق بأن الرد يستدعي مردودًا، بخلاف الفسخ، وهو ضعيف؛ فإن الرد فسخ أيضًا، والإقالة تستدعي مقالًا فيه، ولكن البدل يقوم مقام المبدل هنا للضرورة.
- ومنها: الشركة في البيوع، وهي نوع منها (٤)، وحقيقتها أن يشتري رجل شيئًا، فيقول لآخر: أشركتك في نصفه أو جزء مشاع منه، [فيقبل؛
стр. 576
فيصح] (١) ذلك، ويكون تمليكًا منجزًا بعوض في الذمة، وموضوع هذا العقد أنه إن ربح المال المشترك فيه؛ فالربح بينهما، [و] (٢) يتقاصان بالثمن، ويصير [المشترك] (٣) شريكًا في الربح، فيأخذ حصته منه، وإن تلف المال أو خسر؛ انفسخت الشركة؛ فيكون الخسران أو التلف على المشتري، فيقدر انفساخ الشركة حكمًا في آخر زمن الملك قبل بيعه بخسارة (٤) أو تلفه، وإنما يحكم (٥) بالانفساخ بعد التلف والخسران؛ فيكون هذا العقد مُقيَّدًا (٦) للشركة في الربح خاصة، ويكون فسخه معلقًا على شرط، ويكتفي في ذلك (٧) بمسمى الشركة من غير حاجة إلى شرط لفظي.
وقد نص أحمد على جواز هذا في رواية جماعة؛ منهم: الأثرم ومهنا وأحمد بن القاسم وسنديّ (٨) وأبو طالب وأحمد بن سعيد وابن منصور (٩) وغيرهم، ونقل مثل ذلك عن شريح والشعبي صريحًا، وسئل أحمد: هل
стр. 577
يدخل هذا في ربح ما لم يضمن؟ فقال (١): هو مثل المضارب (٢)، يأخذ الربح ولا ضمان عليه.
وقد أشكل توجيه كلام أحمد على القاضي [وغيره؛ فحملوه] (٣) على محامل بعيدة جدًّا، وحمله ابن أبي موسى على ظاهره، وتبعه الشيرازي؛ إلا أنه خرج وجهًا آخر: أن الوضيعة عليهما كالربح.
* * *
стр. 578
(القاعدة الستون)
التفاسخ في العقود الجائزة متى تضمن ضررًا على أحد المتعاقدين أو غيرهما ممن له تعلق بالعقد؛ لم يجز ولم ينفذ، إلا أن يمكن استدراك الضرر بضمان أو نحوه؛ فيجوز على ذلك الوجه.
- فمن ذلك: الموصى إليه؛ أطلق كثير من الأصحاب أن له الرد بعد القبول في حياة الموصي وبعده. وقيد ذلك صاحب "المحرر" (١) بما إذا وجد حاكمًا؛ لئلا يضيع إسناده فيقع الضرر، وأخذها من رواية حنبل عن أحمد في الوصي يدفع الوصية إلى الحاكم فيبرأ منها، قال: إن كان حاكمًا؛ فنعم. وحكى رواية أخرى: أنه لا يملك الرد بعد الموت بحال ولا قبله إن [لم] (٢) يعلمه بذلك؛ لما فيه من التغرير به، وحكى ابن أبي موسى رواية: [أنه] (٢) ليس له الرد بحال إذا قبل (٣)، ومن الأصحاب من حملها على ما بعد الموت وحكاها (٤) القاضي في "خلافه" صريحًا في الحالين.
стр. 579
- ومنها: الوكيل في بيع الرهن إذا عزله الراهن يصح عزله على المنصوص؛ لأن الحاكم يأمره بالبيع ويبيع عليه.
وخرج ابن أبي موسى وجهًا آخر: أنه لا ينعزل؛ لأن فيه تغريرًا للمرتهن.
ويتخرج وجه ثالث بالفرق بين أن يوجد حاكم يأمر بالبيع أو لا من مسألة الوصية.
- ومنها (١): أنه يجوز فسخ عقد الجعالة، لكن يستحق العامل أجرة المثل؛ لبطلان المسمى بالفسخ، فإذا عمل به [أحد] (٢) مستندًا إليه؛ استحق أجرة المثل، كما لو سمى له تسمية فاسدة، ويتخرج أن يستحق في جعل [الرد] (٣) الآبق المسمى بالشرع (٤)؛ لأن المستحق بالإِطلاق وقد صار وجود التسمية كالعدم.
- ومنها: إذا فسخ المالك عقد المساقاة، وقلنا: هي جائزة، فإن كان بعد ظهور الثمرة؛ فنصيب العامل فيها ثابت لأنه يملكه (٥) بالظهور رواية واحدة؛ لأن حصة المساقي ليست وقاية للمال، بخلاف المضارب، وكذلك لو فسخ العامل بعد الظهور، وأما إن كان الفسخ قبل الظهور، فإن كان من العامل؛ فلا شيء له لإعراضه، وإن كان من المالك؛ فعليه أجرة
стр. 580
المثل للعامل؛ لأنه منعه من إتمام عقد يفضي إلى حصول المسمى له غالبًا؛ فلزمه (١) ضمانه.
وأيضًا؛ فإن ظهور الثمرة بعد الفسخ لعمل العامل فيها أثر بالقيام عليها وخدمتها؛ فلا يذهب عمله مجانًا، وقد أثر في حصول المقصود، ويتوجه على قول ابن عقيل في المضاربة (٢) أن ينفسخ العقد بالنسبة إلى المالك دون العامل؛ فيستحق من الثمر (٣) المسمى له.
- ومنها: إذا زارع رجلًا على أرضه، ثم فسخ المزارعة قبل ظهور الزرع أو قبل البذر وبعد الحرث؟
قال ابن منصور في "مسائله": قلت لأحمد: الأكَّار (٤) يريد أن يخرج من الأرض فيبيع الزرع؟ قال: لا يجوز [بيعه] (٥) حتى يبدو صلاحه. قلت: فيبيع عمل يديه وما عمل في الأرض، وليس فيها زرع. قال: لم يجب له شيء بعد، إنما يجب بعد التمام.
قال ابن منصور (٦): يقول: بجب له بعد ما يبلغ الزرع لما اشترط عليه أن يعمل حتى يفرغ، فأما أن يكون يذهب عمل يديه وما أنفق في الأرض؛ فلا، وذلك أنه إذا أخرجه صاحبه أو خرج بإذنه، فإذا خرج من
стр. 581
ذات نفسه، فليس له شيء. انتهى.
فحمل ابن منصور قول أحمد: "أنه لا شيء له" على ما إذا خرج بنفسه؛ لأنه معرض عما يستحقه من الأرض، بخلاف ما إذا أخرجه المالك أو خرج بإذنه، وظاهر كلامه أنه تجب له أجرة عمله بيديه وما أنفق على الأرض من ماله، مع أن كلام أحمد [قد يحمل على أنه أراد] (١) أنه لا يبيع آثار عمله؛ لأنها ليست أعيانًا، وهذا لا يدل على أنه لا حق له فيها بالكلية، ولهذا نقول في آثار الغاصب: أنه يكون شريكًا بها على أحد القولين، والمفلس ونحوه لا خلاف فيه، مع أن القاضي قال في "الأحكام السلطانية" (٢): قياس المذهب جواز بيع العمارة التي هي الإثارة، ويكون شريكًا في الأرض بعمارته.
وأفتى الشيخ تقي الدين (٣) فيمن زارع رجلًا على مزرعة بستانه ثم أجرها؛ هل تبطل المزارعة: أنه إن زارعه مزارعة لازمة؛ لم تبطل بالإجارة، وإن لم تكن لازمة؛ أعطى الفلاح أجرة عمله.
وأفتى أيضًا في رجل زرع أرضًا وكانت بوارًا (٤) وحرثها؛ فهل له إذا خرج منها فلاحه؟ أنه إن كان له في الأرض فِلَاحة لم ينتفع بها؛ فله قيمتها على من انتفع بها، فإن كان المالك انتفع بها وأخذ عوضًا عنها من
стр. 582
المستأجر (١)؛ فضمانها عليه، وإن أخذ الأجرة عن الأرض وحدها؛ فضمان الفِلَاحة على المستأجر المنتفع بها.
ونص أحمد في "رواية صالح" فيمن استأجر أرضًا مفلوحة (٢) وشرط عليه أن يردها مفلوحة كما أخذها: أن له أن يردها عليه كما شرط، ويتخرج مثل ذلك في المزارعة.
- ومنها (٣): المضاربة تنفسخ بفسخ المالك لها ولو كان المال عرضًا، ولكن للمضارب بيعه بعد الفسخ لتعلق حقه بربحه، ذكره القاضي في "خلافه"، وهو ظاهر كلام أحمد في "رواية الشيخ ابن منصور" (٤).
وذكر القاضي في "المجرد" وابن عقيل في (باب الشركة): أن المضارب لا ينعزل ما دام [المال] (٥) عرضًا، بل يملك التصرف حتى ينض رأس المال، وليس للمالك عزله، وأن هذا ظاهر كلام أحمد في "رواية حنبل"، وذكرا في المضاربة أنه ينعزل بالنسبة إلى الشراء دون البيع، وحمل
стр. 583
صاحب "المغني" (١) مطلق كلامهما في الشركة على هذا التقييد، ومعناه أن المضارب بعد الفسخ يملك تنضيض المال، وليس للمالك منعه من ذلك إذا كان فيه ربح، لكن [ابن عقيل صرح] (٢) في موضع آخر بأن العامل لا يملك الفسخ حتى ينض رأس المال؛ مراعاة لحق مالكه.
ثم قال ابن عقيل: إذا قصد المالك بعزله الحيلة لاقتطاع الربح، مثل أن يشتري متاعًا يرجو به الربح في موسم، فينفسخ (٣) قبله ليقومه بسعر يومه ويأخذه؛ لم ينفسخ في حق المضارب في الربح، وإذا جاء الموسم، أخذ حصته منه، فجعل العقد باقيًا بالنسبة إلى استحقاق نصيبه من الربح الذي أراد المالك إسقاطه بعد انعقاد سببه بعمل المضارب؛ فهو كالفسخ بعد ظهور الربح.
وقال ابن عقيل أيضًا في (باب الجعالة): المضاربة كالجعالة، لا يملك رب المال فسخها بعد تلبس العامل [بالعمل] (٤)، وأطلق ذلك وقال في "مفرداته": إنما يملك المضارب الفسخ بعد أن ينض رأس المال، ويعلم رب المال أنه أراد الفسخ؛ لئلا يتمادى به الزمان [فتتعطل] (٥) عليه الأرباح.
[و] (٦) قال: وهذا هو الأليق بمذهبنا، وأنه لا يحل لأحد المتعاقدين
стр. 584
في الشركة والمضاربات الفسخ مع كتم شريكه؛ لأنه ذريعة إلى غاية الإضرار، وهو تعطيل المال عن الفوائد والأرباح، ولهذا لا يملك عندنا فسخها ورأس المال قد صار عروضًا، لكن إذا باعها (١) ونض رأس المال؛ فسخ (٢). انتهى.
وحاصله أنه لا يجوز للمضارب الفسخ حتى ينض رأس المال ويعلم به ربه؛ لئلا يتضرر بتعطيل ماله عن الربح، كما ذكر أنه في الفضول (٣) أن المالك لا يملك الفسخ إذا توجه المال إلى الربح ولا يسقط به حق العامل، وهو حسن جار على قواعد المذهب في اعتبار المقاصد وسد الذرائع، ولهذا قلنا: إن المضارب إذا ضارب لآخر من غير علم الأول، وكان عليه في ذلك ضرر؛ رد حقه من الربح في شركة الأول، مع مخالفته لإطلاق الأكثرين أنه إذا فسخ قبل الظهور فلا شيء له.
وأما ما ذكره في (باب الجعالة)، ففيه بُعْدٌ إلا أن ينزل على مثل هذا (٤) الحال، مع أن القاضي ذكر مثله أيضًا في (باب الجعالة).
- ومنها: الشركة إذا فسخ أحدهما عقدها بالقول؛ انْفَسَخت، وإن قال الآخر: عزلتك، انعزل المعزول وحده، ذكره القاضي، وينفسخ مع كون المال عروضًا أو ناضًا.
وحكى صاحب "التلخيص" رواية أخرى: لا ينعزل حتى ينض
стр. 585
[رأس] (١) المال؛ كالمضارب، قال: و [المذهب الأول] (٢)، وفرق بأن الشريك وكيل والربح يدخل تبعًا، بخلاف حق المضارب، فإنه أصلي، ولا يظهر (٣) بدون البيع.
- ومنها: الوكيل إذا وكله في فعل شيء، ثم عزله وتصرف قبل العلم تصرفًا يوجب الضمان؛ فهل يضمنه [الموكل] (٤)؟
فيه وجهان مذكوران فيما إذا وكله في استيفاء القصاص ثم عزله فاستوفاه قبل العلم، قال أبو بكر: لا ضمان على الوكيل، فمن الأصحاب من قال: لعدم تفريطه، ومنهم من قال: لأن عفو موكله لم يصح؛ حيث حصل على وجه لا يمكن استدراكه، فهو كما لو عفى بعد الرمي.
قال أبو بكر: وهل يلزم الموكل الضمان؟
على قولين:
أحدهما: لا ضمان عليه، ووجه بأن عفوه لم يصح كما ذكرنا، وبأنه محسن بالعفو؛ فلا يترتب عليه الضمان به.
والثاني: عليه الضمان؛ لأنه سلطه على قتل معصوم لا يعلم بعصمته؛ فكان الضمان عليه، كما لو أمر بالقتل من لا يعلم تحريمه فقتل؛ كان الضمان على الآمر.
стр. 586
وللأصحاب طريقة ثانية، وهي البناء على انعزال الوكيل قبل العلم، فإن قلنا: لا ينعزل؛ لم يصح العفو، فيقع القصاص مستحقًّا لا ضمان فيه، وإن قلنا: ينعزل؛ صح العفو وضمن الوكيل، كما لو قتل مرتدًّا، [و] (١) كان [قد] (١) أسلم ولم يعلم به، وهل يرجع على الموكل؟
على وجهين:
أحدهما: يرجع لتغريره (٢).
والثاني: لا؛ لأن العفو إحسان منه [(٣) لا يقتضي الضمان.
وعلى هذا؛ فالدية على عاقلة الوكيل عند أبي الخطاب؛ لأنه خطأ، وعند القاضي في ماله؛ لأنه عمد، وهو بعيد، وقد يقال: هو شبه عمد، كذا حكى صاحب "المغني" (٤).
وللأصحاب طريقة ثالثة، [وهي] (٥): إن قلنا: لا ينعزل؛ لم يضمن الوكيل، وهل يضمن العافي؟ على وجهين بناءً على صحة عفوه، وتردد بين تغريره وإحسانه، وإن قلنا: ينعزل؛ لزمته الدية، وهل يكون في ماله أو على عاقلته؟ [على وجهين] (٦).
وهذه طريقة أبي الخطاب وصاحب "الترغيب"، وزادوا: إذا قلنا:
стр. 587
في ماله؛ فهل يرجع بها إلى الموكل؟
على وجهين.
ولو وكله في بيع شيء أو وقف أو في عتق عبدٍ (١)، ثم عزله، ثم فعل ما وكل (٢) فيه قبل العلم بعزله؛ فإن قيل: لا ينعزل قبل العلم؛ فالتصرف صحيح، ولا كلام، وإن [قيل] (٣): ينعزل؛ فالعقد باطل، وكذلك وقف المشتري وعتقه.
وأما استقلاله؛ فقال الشيخ تقي الدين (٤): لا يضمنه الوكيل لانتفاء تفريطه، والمشتري مغرور، وفي تضمينه خلاف في المذهب، وإذا ضمن؛ رجع على الغار على الصحيح، والغار هنا لا ضمان عليه؛ فلا ضمان على واحد منهما. انتهى.
وعلى القول بضمان الوكيل في مسألة (٥) استيفاء القصاص من غير رجوع قد يتوجه ضمان الوكيل هنا، وفيه بُعْدٌ أيضًا؛ لأن الضمان هنا لو وجب لوجب للغار، والغار [من] (٦) شأنه أن يضمن لا أن يضمن له، وأما المشتري؛ فهو شبيه بالمشتري من المشترى من الغاصب إذا لم يعلما بالغصب، والمعروف في المذهب تضمينه، لكن لا يمكن الرجوع هنا على الوكيل.
стр. 588
(القاعدة الحادية والستون)
المتصرف تصرفًا عامًّا على الناس كلهم من غير ولاية أحد معين، وهو الإمام؛ هل يكون تصرفه عليهم بطريق الوكالة لهم، أو بطريق الولاية؟
في ذلك وجهان، وخرج الآمدي روايتين [بناءً] (١) على أن خطأه هل هو على عاقلته أو في بيت المال؛ لأنا إذا (٢) جعلناه على عاقلته؛ فهو متصرف بنفسه، وإن جعلناه في بيت المال؛ فهو متصرف بوكالتهم لهم وعليهم؛ فلا يضمن لهم ولا يهدر خطأه فيجب في بيت المال.
واختيار القاضي في "خلافه": أنه متصرف بالوكالة لعمومهم، وذكر في "الأحكام السلطانية" (٣) روايتين في انعقاد الإمامة بمجرد القهر من غير عقد، وهذا يحسن أن يكون أصلًا للخلاف في الولاية والوكالة أيضًا.
وينبني على هذا الخلاف أيضًا انعزاله بالعزل، ذكره الآمدي، فإن قلنا: هو وكيل، فله أن يعزل نفسه، وإن قلنا: هو والٍ؛ لم ينعزل بالعزل، كما أن الرسول ليس له عزل نفسه ولا ينعزل بموت من بايعه؛ لأنه وكيل
стр. 589
عن الجميع لا عن أهل البيعة وحدهم، وهل لهم عزله؟
إذا (١) كان بسؤاله، فحكمه حكم عزل نفسه، وإن كان بغير سؤاله؛ لم يجز بغير خلاف، هذا [هو] (٢) ظاهر ما ذكره القاضي وغيره.
وأما من كان تصرفه مستفادًا من توليته، فإن كان نائبًا عنه كالوزير؛ فإنه كالوكيل له ينعزل بعزله وبموته، وإن كان نائبًا عن المسلمين كالأمير العام؛ لم ينعزل بموت الإِمام، ذكره القاضي في "الأحكام السلطانية" (٣).
فأما القضاة؛ فهل هم نواب الإمام أو المسلمين؟
فيه وجهان معروفان ينبني عليهما جواز عزل الامام له وعزله لنفسه، وظاهر كلام القاضي في "الأحكام": أن الخلاف مطرد في ولاية الإمارة العامة على البلاد وجناية الخراج.
وأما نواب القاضي؛ فنوعان:
أحدهما: من ولايته خاصة؛ كمن فوض إليه سماع شهادة معينة أو إحضار المستعدى عليه؛ فهم كالوكلاء ينعزلون بعزله وموته.
والثاني: من ولايته عامة؛ كخلفائه وأمنائه على الأطفال ونوابه على القرى؛ فهل هم بمنزلة وكلائه أو نواب المسلمين فلا ينعزلون بموته؟
стр. 590
على وجهين ذكرهما الآمدي، وصحح صاحب "الترغيب" عدم الانعزال، وحكى ابن عقيل عن الأصحاب: أنهم ينعزلون؛ لأنهم نواب القاضي، بخلاف القضاة؛ فإنهم نواب للمسلمين (١)، ولهذا يجب على الإمام نصب القضاة، ولا يجب على [القاضي] (٢) الاستنابة.
ويجاب عنه بأن القضاء ليس بفرض كفاية على رواية، [فلا] (٣) يجب نصب قاض بالكلية، وبأن الوجوب لا يتعلق بمعين، فلا أثر له في عدم نفوذ العزل، ولهذا من عنده ودائع وعليه ديون خفية، يجب عليه الوصية عند الموت بأدائها، وله عزل الموصى إليه بذلك واستبداله.
وأما المتصرف تصرفًا خاصًّا بتفويض من ليس له ولاية عامة؛ فنوعان:
أحدهما: أن يكون المفوض له ولاية على ما يتصرف فيه؛ كولي اليتيم وناظر الوقف، فإذا عقد عقدًا جائزًا أو متوقع الانفساخ، كالشركة والمضاربة والوكالة وإجارة الوقف؛ فإنها لا تنفسخ بموته لأنه متصرف على غيره لا على نفسه، وكذلك الوكيل إذا أذن له مولكه أن يوكل؛ فيكون وكيله وكيلًا لموكله لا له.
والثاني: من يفوض حقوق نفسه؛ فهذه وكالة محضة.
стр. 591
(القاعدة الثانية والستون)
فيمن (١) ينعزل قبل العلم بالعزل.
المشهور أن كل من ينعزل بموت أو عزل، هل ينعزل بمجرد ذلك، أم يقف عزله على علمه؟
على روايتين، وسواء في ذلك الوكيل وغيره، والإذن للزوجة [و] (٢) العبد فيما لا يملكانه بدون إذن إذا وُجِد بعده نهيٌ لم يعلماه (٣) مخرَّجٌ على الوكيل، ذكره القاضي، وكذلك إذن المرتهن للراهن في التصرف إذا مُنع منه قبل تصرف الراهن ولم يعلم.
ومن الأصحاب من فرق بين الوكيل وغيره، ودخل في هذا صور (٤):
стр. 592
- منها: الحاكم إذا قيل بانعزاله، قال القاضي وأبو الخطاب: فيه الخلاف الذي في الوكيل، وفي "التلخيص": لا ينعزل قبل العلم بغير (١) خلاف.
ورجحه الشيخ تقي الدين (٢)؛ لأن [في ولايته] (٣) حقًّا للَّه، وإن قيل: إنه وكيل؛ فهو شبيه بنسخ الأحكام لا يثبت قبل بلوغ الناسخ على الصحيح، بخلاف الوكالة المحضة، قال: [و] (٤) هذا هو المنصوص عن أحمد.
وأيضًا؛ فإن ولاية القاضي عامة لما يترتب عليها من [عدم] (٥) العقود والفسوخ؛ فَتَعْظُمُ البلوى بإبطالها قبل العلم، بخلاف الوكالة (٦).
стр. 593
- ومنها: عقود المشاركات؛ كالشركة والمضاربة، والمشهور أنها تنفسخ قبل العلم؛ كالوكالة، وقد ذكرنا عن ابن عقيل فيما سبق في المضاربة: أنها لا تنفسخ بفسخ المضارب حتى يعلمَ ربُّ المال (١).
- ومنها: الوديعة، وقد ذكر القاضي في مواضع كثيرة من "خلافه": أن للمودع فسخها بالقول في غيبة الموح، وتنفسخ قبل علم المودع بالفسخ، وتبقى في يده أمانة؛ كمن أطارت الريح إلى بيته ثوبًا لغيره، ثم إنه ذكر في مسألة الوكالة أن الوديعة لا يلحقها الفسخ بالقول، وإنما تنفسخ بالرد إلى صاحبها أو بأن يتعدى المودع فيها، فلو قال المودع بمحضر من
стр. 594
رب الوديعة أو في غيبته: فسخت الوديعة، أو أزلت نفسي (١) عنها؛ لم ننفسخ قبل أن تصلَ (٢) إلى صاحبها ولم يضمنها؛ فإما أن يكون هذا تفريقًا بين فسخ المودع والمودع، أو يكون اختلافًا منه في المسألة، والأول أشبه؛ لأن فسخ المودع إخراج للمودع عن الاستحفاظ وهو يملكه، وأما المودَع؛ فليس له فيها تصرف سوى الإمساك والحفظِ؛ فلا يصح أن يرفعه مع وجوده، ويلتحق بهذه القاعدة (٣).
* * *
стр. 595
(القاعدة الثالثة والستون)
وهي أن من لا يُعتبر رضاه لفسخِ عَقْدٍ أو حَلِّه، لا يعتبر علمُه به.
ويندرج تحت ذلك مسائل:
- منها: الطلاق (١).
- ومنها: الخلع؛ فإنه يصح مع الأجنبي على المذهب، سواءٌ قيل هو فسخ أو طلاق، ولنا وجه آخر: أنه لا يصح مع الأجنبي إذا قلنا: إنه فسخ؛ كالإِقالة، والصحيح خلافه؛ لأنَّ فسخَ البيعِ اللازم لا يستقلُّ به أحد المتبايعين، بخلاف النكاح؛ فإن الزوج يستقل بإزالته بالطلاق (٢).
стр. 596
- ومنها: العتق، ولو كان على مال نحو: اعتق عبدك عني وعلي ثمنه (١).
- ومنها: فسخ المعتقة تحت عبد.
- ومنها: فسخ المبيع المعيب والمدلَّس، وكذلك الإجارة.
- ومنها: فسخ العقود الجائزة بدون علم الآخر، وقد سبقت.
- ومنها: الفسخ بالخيار يملكه من يملك الخيار بغير علم الآخر عند القاضي والأكثرين.
وخرج أبو الخطاب فيه وجهًا آخر: أنه لا ينفسخ إلا أن يبلغه في المدة من عزل الوكيل (٢)، وفيه نظر، فإن من له الخيار يتصرف بالفسخ لنفسه.
وهذه الفسوخ على ضربين:
أحدهما: ما هو مجمع على ثبوت أصل الفسخ به؛ فلا يتوقف الفسخ به على حاكم؛ كسائر ما ذكرنا.
والثاني: ما هو مختلفٌ فيه؛ كالفسخ بالعِنَّةِ والعيوب [في الزوج
стр. 597
وغَيْبَتِهِ] (١) ونحو ذلك؛ فيفتقر إلى حكم حاكم؛ لأنها أمور اجتهادية، فإن كان الخلافُ ضعيفًا يسوغُ نقضُ الحكمِ به؛ لم يفتقر الفسخُ به إلى [حكم] (٢) حاكم.
ويتفرع على ذلك أخذُ بائعُ المفَلِّس سلعَته إذا وجدها يعينها، وفيه وجهان بناءً على نقض الحكم بخلافه، والمنصوص عن أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد: [أن] (٣) له ذلك.
وكذلك تزوّجُ امرأة المفقود؛ فإن في توقف فسخ نكاحها على الحاكم روايتين، قال في "رواية ابن منصور": تتزوج وإن لم تأتِ السلطان، وأحبُّ إليَّ أن تأتيه، ولعله رأى الحكم بخلافه لا يسوغ؛ لأنه إجماع عمر والصحابة (٤). ورجح الشيخ تقي الدين (٥) أن جميع الفسوخ لا تتوقف على
(القاعدة الرابعة والستون)
من توقف نفوذ تصرفه أو سقوط الضمان أو الحنث عنه على الإذن، فتصرف قبل العلم به، ثم تبين أن الإذن كان موجودًا؛ هل يكون كتصرف المأذون له أو لا؟
في المسألة وجهان تتخرج عليهما صور:
- منها: لو تصرف في مال غيره بعقد أو غيره، ثم تبين أنه كان أذن له في التصرف؛ فهل (١) يصح أم لا؟
[فيه وجهان] (٢).
- ومنها: لو قال لزوجته: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق، ثم أذن لها ولم تعلم بإذنه، فخرجت؛ فهل تطلق؟
فيه وجهان، وأشهرهما -وهو المنصوص-: أنها تطلق؛ لأن المحلوف عليه قد وجد وهو خروجها على وجه المشاقة والمخالفة، فإنها أقدمت على ذلك، ولأن الأذن هنا إباحة بعد حظر؛ فلا يثبت في حقها بدون علمها كإباحة الشرع.
ولأبي الخطاب في "الانتصار" طريقة ثانية، وهي أن دعواه الإذن غير
стр. 600
مقبولة، لوقوع الطلاق في الظاهر، فلو أشهد على الإذن؛ لنفعه ذلك ولم تطلق، وهذا ضعيف.
- ومنها: لو أذن البائع للمشتري في مدة الخيار في التصرف، فتصرف بعد الإذن وقبل العلم؛ فهل ينفذ أم لا؟
يتخرج على الوجهين في التوكيل، وأولى، وجزم القاضي في "خلافه" بعدم النفوذ.
- ومنها: لو غصب طعامًا من إنسان، ثم أباحه له المالك، ثم أكله الغاصب غير عالم بالإذن؛ ضمن، ذكره أبو الخطاب في "الانتصار"، وهو بعيد جدًّا، والصواب الجزم بعدم الضمان؛ لأن الضمان لا يثبت بمجرد الاعتقاد فيما ليس بمضمون، كمن وطئ امرأة يظنها أجنبية، فتبينت زوجته، فإنه لا مهر عليه، ولا عبرة باستصحاب أصل الضمان مع زوال سببه، كما أنه لو أكل في الصوم يظن [أن] (١) الشمس لم تغرب، فتبين أنها كانت غربت؛ فإنه لا يلزمه القضاء (٢)، ويلتحق بهذه:
* * *