← Каваид фикха

Каваид фикха · id 17894

قواعد ابن رجب - ت مشهور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 699 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وطرد القاضي ذلك حتى في حريم البئر، ورتب عليه أنه لو باعه الأرض (١) بفنائها؛ لم يصح البيع لأن الفناء لا يختص به؛ إذ استطراقه عام، بخلاف ما لو باع بطريقها، وأورد ابن عقيل أحتمالًا بصحة البيع بالفناء؛ لأنه من الحقوق؛ فهو كمسيل المياه. والوجه الثاني: الملك، وصرح به الأصحاب في الطرق، وجزم به في الكل صاحب "المغني" (٢)، وأخذه من نص أحمد والخرقي على ملك حريم البئر (٣). - (ومنها): مرافق الأسواق المتسعة التي يجوز البيع والشراء فيها؛ كالدكاكين المباحة ونحوها؛ فالسابق إليها أحق بها، وهل ينتهي حقه بانتهاء النهار أو يمتد إلى أن ينقل قماشه عنها؟ على وجهين، وظاهر كلام أحمد في "رواية حرب" الأول بجريان (٤) العادة بانتفاء (٥) الزيادة عليه. وعلى الثاني؛ فلو (٦) أطال الجلوس؛ فهل يصرف أم لا؟ على وجهين؛ لأنه يفضي إلى الاختصاص بالحق المشترك.

стр. 877

- (ومنها): الجلوس في المساجد ونحوها لعبادة أو مباح؛ فيكون الجالس أحق بمجلسه (١) إلى أن يقوم عنه باختياره قاطعًا للجلوس، أما إن قام لحاجة عارضة ونيته العود؛ فهو أحق بمجلسه (٢) ويستثنى من ذلك الصبي إذا قام [في صف فاضل أو] (٣) في وسط الصف؛ فإنه يجوز نقله عنه، صرح به القاضي (٤)، وهو ظاهر كلام أحمد، وعليه حمل (٥) فعل أبي بن كعب بقيس بن عباد (٦).

стр. 878

النوع الخامس (١): حق التعلق لاستيفاء الحق، وله صور: - (منها): تعلق حق المرتهن بالرهن، ومعناه أن جميع أجزاء الرهن محبوس بكل جزء من الدين حتى يستوفي جميعه. -[ومنها] (٢): تعلق حق الجناية بالجاني، ومعناه أن حقه انحصر في ماليته وله المطالبة بالاستيفاء منه، ويتعلق الحق بمجموع الرقبة لا بقدر الأرش [منها على] (٣) ظاهر كلام الأصحاب، ويباع (٤) جميعه في الجناية، ويستوفي (٥) منه الحق ويرد الفضل على السيد، وذكر القاضي في "المجرد" أن ظاهر كلام أحمد: إنه لا يرد عليه شيء، وهذا صريح في تعلق الحق بالجميع. وللأصحاب في العبد المرهون إذا جنى وكان في قيمته فضل عن الأرش؛ هل يباع جميعه أو بمقدار الأرش؟ فيه (٦) وجهان؛ لكن بيع جميعه يندفع به عن السيد ضر ونقص القيمة بالتشقيص. - (ومنها): تعلق حق الغرماء بالتركة؛ هل يمنع انتقالها بالإرث؟

стр. 879

على روايتين، وهل هو كتعلق الجناية أو كالرهن (١)؟ اختلف كلام الأصحاب في ذلك، وصرح الأكثرون بأنه كتعلق (٢) الرهن، ويفسر بثلاثة أشياء: أحدها: أن تعلق الدين بالتركة وبكل (٣) جزء [منها] (٤)؛ فلا ينقل (٥) منها شيء حتى يوفي الدين كله، وصرح بذلك القاضي في "خلافه" إذا كان الوارث واحدًا؛ قال: وإن كانوا (٦) جماعة؛ انقسم عليهم بالحصص، وتعلق (٧) كل حصة من الدين بنظيرها من التركة وبكل جزء منها؛ فلا ينقل (٥) شيء منها (٨) حتى يوفي جميع تلك الحصة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الدَّيْن مستغرقًا للتركة أو غير مستغرق، صرح به جماعة، منهم صاحب "الترغيب" في التفليس. والثاني (٩): أن الديْن في الذمة، ويتعلق بالتركة، وهل هو في ذمة الميت أو الورثة؟

стр. 880

على وجهين سبق ذكرهما. والثالث: أنه يمنع صحة التصرف، وفي ذلك وجهان أيضًا سبقا، وهل يتعلق (١) حقهم بالمال من حين المرض أم لا؟ تردد الأصحاب في ذلك، ونقل الميموني عن أحمد فيمن عليه دين يحيط بجميع ما ترك يجوز له أن يعتق أو يهب (٢) (أعني (٣): الميت)؛ قال: نعم. قلت: هذا ليس له مال. قال: أليس ثلثه له؟ قلت: ليس هذا المال له. قال: أليس هو الساعة في يده؟ قلت: بلى! ولكنه لغيره. قال: دعها؛ فإنها مسألة فيها لبس. والذي كان عنده على ما ناظرته (٤) أن [ذا] (٥) جائز. واستشكل القاضي هذه الرواية فيما قرأته بخطه، وجعل ظاهرها صحة الوصية بالثلث مع الدين، وحملها على أحد وجهين: إما أن يكون حكم المريض مع الغرماء كحكمه مع الورثة لتعلق حق الجميع بماله؛ فلا يكون ممنوعًا من التصرف بالشك مع واحد منهما، أو أن يقف صحة تصرفه على إجازة الغرماء. وقال الشيخ تقي الدين: هي تدل (٦) على أن الغرماء لا يتعلق حقهم بالمال إلا بعد الموت؛ لأن حقهم في الحياة في ذمته، والورثة لا يتعلق

стр. 881

حقهم بالمال مع الدين؛ فيبقى الثلث الذي ملكه الشارع التصرف فيه لا مانع له من التصرف فيه؛ فينفذ تصرفه فيه منجزًا لا معلقًا بالموت، بخلاف الزائد على الثلث إذا لم يكن عليه دين؛ فإن حق الورثة يتعلق به في مرضه؛ إذ لا حق لهم في ذمته. قلت: وتردد كلام القاضي وابن عقيل في "خلافيهما" (١) في المريض؛ هل لورثته منعه من إنفاق جميع ماله في الشهوات أم لا؟ ففي موضع جزما بثبوت المنع لهم لتعلق حقوقهم بماله، وأنكرا ذلك في مواضع. - (ومنها): تعلق حق الموصى له بالمال هل يمنع (٢) الانتقال إلى الورثة؟ جعل طائفة من الأصحاب حكمه حكم الدَّيْن، ومنهم أبو الخطاب في "انتصاره" وأبو الحسين في "فروعه" (٣)، ويشهد لذلك قول طائفة من الأصحاب: إن الموصى به قبل القبول على ملك الورثة. وجزم القاضي في "خلافه" بعدم انتقاله إلى الورثة؛ مفرقًا بين الدين والوصية بأن حق

стр. 882

الموصى له في عين التركة، ولا يملك الورثة إبدال حقه، بخلاف الدين؛ فإن حق صاحبه في التركة والذمة، وللورثة التوفية من غيره، وأخذ ذلك مما رواه ابن منصور عن أحمد فيمن أوصى أن يخرج من ماله كذا وكذا في كذا وكذا سنة؛ قال: "لا يقسم المال حتى ينفذوا ما قال، إلا إن يضمنوا أن يخرجوا (١)؛ فلهم أن يقسموا البقية". وكذلك في "المجرد" و"الفصول" في (باب الشركة): " [إن الموصى له إن كان] (٢) معينًا؛ فهو شريك في قدر ما وصى له به، وإن كان غير معين؛ كالفقراء والمساكين؛ لم يجز للورثة التصرف حتى يفردوا نصيب الموصى له، ومما يدل على عدم انتقاله إلى الورثة أن المشهور عندنا صحة الوصية بالزائد على الثلث، وأن إجازة الورثة لها تنفيذ [لا] (٣) ابتداء عطية (٤). - (ومنها): تعلق الزكاة بالنصاب؛ هل هو تعلق شركة أو ارتهان، أو تعلق الاستيفاء (٥)؛ كالجناية؟ اضطرب كلام الأصحاب في ذلك اضطرابًا كثيرًا، ويتحصل (٦) منه

стр. 883

ثلاثة أوجه: أحدها: إنه تعلق شركة، وصرح به القاضي في موضع من "شرح المذهب"، وظاهر كلام أبي بكر يدل عليه، وقد بيَّنْتُهُ (١) في موضع آخر. والثاني: تعلق استيفاء، وصرح به غير واحد؛ منهم القاضي، [ثم] (٢) منهم من يشبهه بتعلق الجناية، ومنهم من يشبهه بتعلق الدين بالتركة. والثالث: إنه تعلق رهن، وينكشف هذا النزاع بتحرير مسائل: - (منها): إن الحق؛ هل يتعلق (٣) بجميع النصاب أو بمقدار الزكاة منه (٤)؟ غير معين، وقد نقل القاضي وابن عقيل الاتفاق على الثاني. - (ومنها): إنه مع التعلق بالمال؛ هل يكون ثابتًا في ذمة المالك أم لا (٥)؟ ظاهر (٦) كلام الأكثرين أنه على القول بالتعلق بالعين لا يثبت في الذمة منه شيء؛ إلا أن يتلف المال أو يتصرف فيه المالك بعد الحول؛

стр. 884

فظاهر كلام أبي الخطاب (١) وصاحب "المحرر" في "شرح الهداية": أنا إذا قلنا: الزكاة في الذمة؛ فيتعلق بالعين تعلق استيفاء محض كتعلق الديون بالتركة، وهو اختيار الشيخ [تقي الدين] [شيخ الإِسلام ابن تيمية] (٢)، وهو حسن (٣). - (ومنها): منع التصرف، والمذهب أن لا منع (٤) كما سبق. - (ومنها) -أعني صور تعلق الحقوق بالأموال-: تعلق حق غرماء المفلس مسألة بعد الحجر، وهو تعلق استحقاق الاستيفاء منه. - (ومنها): تعلق ديون الغرماء بمال المأذون له، وقد ذكر القاضي في "المجرد" أن هذا التعلق هل يصح شراء السيد منه كمال المكاتب مع سيده، أو لا كالمرهون بالنسبة إلى الراهن؟ على احتمالين، وهذا لا يتوجه على ظاهر المذهب، وهو تعلق ديونه بذمة السيد، وإنما يتوجه على قولنا: يتعلق برقبة العبد، وقد صرح في "الخلاف الكبير" ببناء المسألة على هذا. - (ومنها): تعلق حقوق الفقراء بالهدي والأضاحي المعينة، ويقدمون بما يجب صرفه إليهم منها على الغرماء في حياة الموجب وبعد وفاته.

стр. 885

(القاعدة السادسة والثمانون) الملك أربعة أنواع: ملك عين ومنفعة، وملك عين بلا منفعة، وملك منفعة بلا عين، وملك انتفاع من غير ملك المنفعة. أما النوع الأول؛ فهو عامة الأملاك الواردة على الأعيان المملوكة بالأسباب المقتضية لها؛ من بيع وهبة وإرث وغير ذلك، واعلم أن ابن عقيل ذكر في "الواضح في أصول الفقه" (١) إجماع الفقهاء على أن العباد لا يملكون الأعيان، وإنما يملك (٢) الأعيانَ خالقُها ، وأن العباد لا يملكون سوى الانتفاع بها على الوجه المأذون فيه شرعًا (٣)، فمن كان مالكًا لعموم الانتفاع؛ فهو المالك المطلق، ومن كان مالكًا لنوع منه؛ فملكه مقيد ومختص (٤) باسم خاص يمتاز به! كالمستأجر والمستعير وغير ذلك، وكذلك (٥) ذكر ابن الزَّاغُوني في كتاب "غرر البيان" (٦)، ورجحه

стр. 886

الشيخ تقي الدين [﵀] (١) [تعالى] (٢)؛ فعلى هذا جميع الأملاك إنما هي ملك انتفاع (٣)، ولكن التقسيم ها هنا وارد على المشهور (٤). النوع الثاني: ملك العين بدون منفعة، وقد أثبته الأصحاب في الوصية بالمنافع لواحد وبالرقبة لآخر، أو تركها للورثة، وقد قال أحمد في

стр. 887

رواية مهنا فيمن أوصى بخدمة عبد (١) أو ظهر دابة [تركب] (٢) أو بدار تسكن؛ فقال: الدار لا بأس بها، وأكره العبد والدابة؛ لأنهما يموتان. قال أبو بكر: الذي أقول به إن الوصية تصح في جميع ذلك؛ لأن الدار تخرب أيضًا. وحمل القاضي كلام أحمد على الكراهة دون إبطال الوصية. قال الشيخ تقي الدين [﵀] (٣): لم يُرِدْ أحمد أن الوصيةَ لا تجوزُ إلا بما يدوم نفعُهُ؛ فإن هذا لا يقوله أدنى منْ له نظر في الفقه فضلًا عن أن يكون [مثل] (٤) هذا الإِمام، وإنما أراد أن العبد والدابة إذا وصَّى (٥) بمنافعهما على التأبيد، فلم يترك للورثة ما ينتفعون به، فلا يجوز أن يحسب ذلك عليهم من الميراث؛ فإنه لا فائدة في الرقبة المجردة عن المنافع، بل هو ضرر محض (٦)، وقد شرط اللَّه [ ] (٧) لجواز الوصية عدم المضارة، لكن إن قصد الموصي ايصال جميع المنافع إلى الموصى له؛ فهذه وصية بالرقبة؛ فلا يحسب (٨) على الورثة منها شيء، ولا يصح الإيصاء معها بالرقبة، وإن قصد مع ذلك ابقاء الرقبة للورثة أو الإيصاء بها لآخر؛ بطلت الوصية لامتناع أن تكون المنافع كلها لشخص والرقبة لآخر، ولا

стр. 888

سبيل إلى ترجيح أحد الأمرين؛ فيبطلان، أما إن وصى في وقت بالرقبة لشخص، وفي آخر بالمنافع لغيره؛ فهو كما لو وصى بعين لاثنين في وقتين، واستدل على أن تمليك (١) جميع المنافع تمليك للعين (٢) بالرُّقْبى والعُمْرَى؛ فإنها تمليك للرقبة؛ حيث كانت تمليكًا للمنافع في الحياة، وهذا المعنى منتف في الوصية بسكنى الدار؛ لأن هذا تمليك منفعة خاصة ينتهي بموت الموصى له وبخراب الدار؛ فيعود الملك إلى الورثة كما يعود الملك في السكنى في الحياة (٣). النوع الثالث: ملك المنفعة بدون عين، وهو ثابت بالاتفاق، وهو ضربان: أحدهما: ملك مؤبد، ويندرج تحته صور: - (منها): الوصية بالمنافع كما سبق، ويشمل جميع أنواعها إلا منفعة البُضْعِ، فإن في دخولها [في الوصية] (٤) وجهين (٥).

стр. 889

- (ومنها): الوقف؛ فإن منافعه وثمراته مملوكة للموقوف عليه، وفي ملكه لرقبته وجهان معروفان لهما فوائد متعددة (١). - (ومنها): الأرض الخراجية المُقَرَّة يزيد من هي في يده بالخراج يملك (٢) منافعها على التأبيد (٣)، والضرب الثاني ملك غير مؤبد؛ (فمنه): الإِجارة ومنافع المبيع المستثناة في العقد مدة معلومة، (ومنه): ما هو غير موقت، لكنه غير لازم؛ كالعارية على وجه وإقطاع الاستغلال (٤).

стр. 890

النوع الرابع: ملك الانتفاع المجرد، وله صور متعددة: - (منها): ملك المستعير فإنه يملك الانتفاع لا المنفعة؛ إلا على "رواية ابن منصور" عن أحمد: أن العارية المؤقتة تلزم (١)، كذا قال الأصحاب، ويمكن أن يقال: لزوم العارية المؤقتة إنما يدل على وجوب الوفاء ببدل الانتفاع لا على تمليك (٢) المنفعة (٣). - (ومنها): المنتفع بملك جاره من وضع خشب وممر في دار ونحوه وإن كان بعقد صلح؛ فهو إجارة. - (ومنها): إقطاع الأرفاق؛ كمقاعد الأسواق ونحوها. - (ومنها): الطعام في دار الحرب قبل حيازته يملك الغانمون الانتفاع به بقدر الحاجة، وقياسه الأكل من الأضحية والثمر المعلق ونحوه. - (ومنها): أكل الضيف لطعام المضيف؛ فإنه إباحة محضة لا

стр. 891

يحصل به الملك بحال على المشهور عندنا, وعن أحمد رواية بإجزاء الإطعام في الكفارات، وينزل (١) على أحد القولين: إما أن الضيف يملك ما قدم إليه؛ وإن كان ملكًا خاصًّا بالنسبة إلى الأكل، وإما أن الكفارة لا يشترط فيها تمليك (٢). - (ومنها): عقد النكاح، وترددت عبارات الأصحاب في مورده؛ هل هو الملك أو الاستباحة؟ فمن قائل: هو الملك، ثم ترددوا: هل هو ملك منفعة البضع أو ملك الانتفاع بها (٣)؟ وقيل: بل هو الحل لا الملك، ولهذا يقع الاستمتاع من جهة الزوجة مع أنه لا ملك لها، وقيل: بل المعقود عليه ازدواج كالمشاركة، ولهذا فرق اللَّه سبحانه [وتعالى] (٤) بين الازدواج وملك اليمين، وإليه ميل الشيخ تقي الدين؛ فيكون من باب المشاركات دون المعاوضات (٥).

стр. 892

(القاعدة السابعة والثمانون) فيما يقبل النقل والمعاوضة من الحقوق المالية والأملاك. أما الأملاك التامة؛ فقابلة للنقل بالعوض وغيره في الجملة. وأما ملك المنافع؛ فإن كان بعقد لازم ملك فيه؛ نقل الملك بمثل العقد الذي ملك به أو دونه [دون] (١) ما هو أعلا منه، ويملك المعاوضة عليه أيضًا، صرح بذلك (٢) القاضي في "خلافه". ويندرج تحت هذا صور: - (منها): إجارة المستأجر جائزة على المذهب الصحيح بمثل الأجرة وأكثر وأقل. - (ومنها): إجارة الوقف. - (ومنها): إجارة المنافع الموصى بها، وصرح بها القاضي في "خلافه". - (ومنها): إجارة المنافع المستثناة في عقد البيع. - (ومنها): [إجارة] (٣) أرض العنوة الخراجية، والمذهب الصحيح

стр. 893

صحتها، وهو نص أحمد، ولكن استحب المزارعة فيها على الاستئجار، وحكى القاضي وابن عقيل رواية أخرى بالمنع، كرباع مكة، وقد أشار أحمد في "رواية حنبل" إلى كراهة منعها، وسنذكره في موضعه [إن شاء اللَّه] (١). - (ومنها): إعارة العارية المؤقتة إذا قيل بلزومها وملك المنفعة فيها؛ فإنه يجوز ولا تجوز الإِجارة؛ لأنها أعلا، صرح به القاضي في "خلافه". وأما إجارة إقطاع الاستغلال التي موردها منفعة الأرض دون رقبتها؛ فلا نقل فيها نعلمه، وكلام القاضي [قد] (٢) يشعر بالمنع؛ لأنه جعل مناط صحة الإجارة للمنافع لزوم العقد، وهذا منتف في الأقطاع، و [قد] (٣) قال الشيخ تقي الدين [﵀] (٤): يجوز، وجعل الخلاف فيه مبتدعًا، وقرره بأن الإِمام جعله للجند عوضًا عن أعمالهم؛ فهو كالمملوك بعوض، ولأن إذنه في الإيجار عرفي؛ فجاز كما لو صرح به، ولو تهايأ الشريكان على الأرض، وقلنا: لا يلزم؛ فهل لأحدهما إجارة حصته؟ الأظهر جوازه؛ لأن المهايأة (٥) إذا فسخت؛ عاد الملك مشاعًا؛ فيخرج على الخلاف في إجارة المشاع.

стр. 894

[وأما ملك الانتفاع وحقوق الاختصاص سوى البضع وحقوق التملك؛ فهل يصح نقل الحق فيها أم لا؟ إن كانت لازمة؛ جاز النقل لمن يقوم مقامه فيها بغير عوض، وفي جوازه بعوض خلاف] (١)، وتستثنى من ذلك الحقوق الثابتة دفعًا لضرر الأملاك؛ فلا يصح النقل فيها بحال، وتصح المعاوضة على إثباتها [وإسقاطها] (٢)، ويندرج في ذلك (٣) مسائل: - (منها): ما ثبتت (٤) عليه يد الاختصاص؛ كالكلب والزيت النجس المنتفع به؛ فإنه تنتقل (٥) اليد فيه بالإرث، والوصية والإعارة (٦) في الكلب وفي الهبة وجهان، اختار القاضي عدم الصحة، وخالفه صاحب "المغني" (٧)، وليس بينهما خلاف في الحقيقة؛ لأن نقل اليد في هذه الأعيان بغير عوض جائز؛ كالوصية، وقد صرح [به] (٨) القاضي في "خلافه". وأما إجارة الكلب؛ فالمذهب أنها لا تصح؛ لأنها معاوضة ولا مالية

стр. 895

فيه، وحكى أبو الفتح الحلواني فيها وجهين، وكذلك (١) خرج أبو الخطاب وجهًا بالجواز (٢)؛ فيكون معاوضة عن نقل اليد ويرده النهي عن بيعه، وقد كان يمكن جعله معاوضة عن نقل اليد. - (ومنها): المستعير لا يملك نقل حقه من الانتفاع إلا أن يقول بلزوم العارية كما سبق. - (ومنها): مرافق الأملاك من الأفنية والأزقة المشتركة تصح (٣) إباحتها، والإذن في الانتفاع بها كالإذن في فتح باب ونحوه؛ قال في "التلخيص": ويكون إعارة على الأشبه، وتجوز المعاوضة عن فتح الأبواب ونحوها، ذكره في "المغني" (٤) و"التلخيص"، وهو شبيه بالمصالحة بعوض على إجراء الماء في أرضه أو فتح الباب في حائطه أو وضع الخشب (٥) على جداره ونحوه، وهذا يتوجه (٦) على القول بملك هذه المرافق، أما على القول بعدم الملك؛ فهو شبيه بنقل اليد بعوض كما سبق، وكذلك ذكر الأصحاب جواز المصالحة عن الروشن الخارج في الدرب المشترك. وأما الشجرة (٧)؛ ففيها خلاف معروف لكونها لا تدوم [على] (٨) حالة

стр. 896

واحدة. وأما الانتفاع بأفنية الأملاك والمساجد بغير إذن من الملاك (١) والإمام؛ فإن كان فيه ضرر؛ لم يجز، وإلا؛ ففي جوازه روايتان، ذكره القاضي في "الأحكام السلطانية" (٢). وتجوز المصالحة بعوض على إسقاط حقه من وضع الخشب على جداره ونحوه، ذكره في "المجرد". - (ومنها): متحجر الموات ومن أقطعه الإِمام مواتًا ليحييه [لا] (٣) يملكه بمجرد ذلك على المذهب، لكن يثبت له فيه حق التملك؛ فيجوز [له] (٤) نقل الحق إلى غيره بهبة وإعارة، وينتقل إلى ورثته من بعده، وهل له المعاوضة عنه؟ على وجهين أصلهما المعاوضة عن (٥) الحقوق؛ فإن هذا حق تملك كما سبق وفارق الشفعة، فإن النقل فيها ممتنع لأنها من حقوق الأملاك؛ فهي [مما] (٦) استُثْنِيَ من القاعدة. قال أحمد في "رواية ابن منصور": الشفعة لا تباع ولا توهب (٧).

стр. 897

وحمل القاضي قوله: (لا تباع) على أن المشتري ليس له أن يصالح الشفيع عنها بعوض؛ قال: لأنه خيار لا يسقط إلى مال؛ فلم يجز أخذ العوض عنه كخيار الشرط والمجلس، بخلاف خيار القصاص والعيب؛ لأنه يسقط إلى الدية والأرش، والأظهر حمل قول أحمد: "لا تباع ولا توهب" على أن الشفيع ليس له نقلها إلى غيره بعوض ولا غيره، فأما مصالحته للمشتري؛ فهو كالمصالحة عن (١) ترك وضع الخشب على جداره (٢) ونحوه. وذكر القاضي في (باب الشفعة) أيضًا أن خيار العيب تجوز المصالحة عنه بعوض، وعلل بأن العيب يمنع لزوم العقد، ومع عدم اللزوم تجوز الزيادة في الثمن والنقص منه؛ فجعل الصلح ها هنا إسقاطًا من الثمن كالأرش، وعلى قياسه (٣): خيارُ الشرط والمجلس؛ لأن التصرف في الثمن بالنقص والزيادة فيه ممكن. - (ومنها): الكلأ والماء في الأرض المملوكة إذا قلنا: لا يملكان بدون الحيازة، فللمالك الإذن في الأخذ، وليس له المعاوضة عند أكثر الأصحاب. ووقع في "المقنع" (٤) و"المحرر" (٥) ما يقتضي حكاية روايتين في

стр. 898

جواز المعاوضة، وإن قلنا بعدم الملك -ولعله من باب المعاوضة عما يستحق تملكه-؛ فيلتحق بالقاعدة. - (ومنها): مقاعد الأسواق ومجالس المساجد ونحوها يصح نقل الحق فيهما بغير عوض؛ لأن الحق فيهما لازم بالسبق، ولو آثر بها [رجلًا] (١) [فسبق غيره] (٢) فجلس؛ فهل يكون أحق من المؤثر أو لا؟ على وجهين: أحدهما: نعم؛ لأن حق القائم زال بانفصاله؛ فصار الحق ثابتًا بالسبق. والثاني: لا؛ لأنه لو قام لحاجة ونحوها؛ لم يسقط حقه؛ فكذا إذا آثر غيره؛ لأنه أقامه مقام نفسه، وبنى بعضهم هذا الخلاف على القول بعدم كراهية (٣) الإيثار بالقرب، فأما إن قلنا بكراهته (٤)؛ فالسابق أحق به وجهًا واحدًا، وفرق بعضهم بين مجالس المساجد ونحوها ومقاعد الأسواق؛ فأجاز النقل في المقاعد خاصة لأنها منافع دنيوية؛ فهي كالحقوق المالية. - (ومنها): الطعام المباح في دار الحرب يجوز نقل اليد فيه إلى من هو من أهل الاستحقاق من المغنم أيضًا لاشتراك الكل في استحقاق الانتفاع، ولا يكون ذلك تمليكًا لانتفاء ملكه بالأخذ حتى لو احتاج إلى

стр. 899

صاع من بُرٍّ جيِّد وعنده صاعان رديئان؛ فله أن يبدلهما بصاع؛ إذ هو مأخوذ على الإباحة دون التمليك، صرح به القاضي وابن عقيل (١). - (ومنها): المباح أكله من مال الزكاة والأضاحي يجوز إطعامه الضيفان (٢) ونحوهم؛ لاستقرار الحق فيه، بخلاف طعام الضيافة، ولا تجوز (٣) المعاوضة عن شيء من ذلك. - (ومنها): منافع الأرض الخراجية؛ فيجوز نقلها بغير عوض إلى من يقوم مقامه فيها، وينتقل إلى الوارث؛ فيقوم (٤) مقام موروثه (٥) فيها، وكذلك يجوز جعلها مهرًا، نص عليه في "رواية عبد اللَّه" (٦)، ونص في "رواية ابن هانئ" وغيره على جواز دفعها إلى الزوجة عوضًا عما يستحقه عليه من المهر (٧)، وهذا معاوضة عن منافعها المملوكة.

стр. 900

فأما البيع؛ فكرهه أحمد ونهى عنه، واختلف قوله في بيع العمارة التي فيها؛ لئلا يتخذ طريقًا إلى بيع رقبة الأرض التي لا تملك، بل هي إما وقف وإما [فيء] (١) للمسلمين جميعًا، ونص في "رواية المروذي" على أنه يبيع آلات عمارته بما تساوي (٢)، وكره أن يبيع بأكثر من ذلك لهذا المعنى، وكذلك نقل عنه ابن هانئ: أنه قال: يقوَّم دكانه وما (٣) فيه من غلق وكل شيء يحدثه فيه؛ فيعطى ذلك، ولا أرى أن يبيع سكنى دار ولا دكان (٤)، ورخص في رواية عنه في شرائها دون بيعها؛ لأن شراءها استنقاذ لها بعوض ممن يتعدى بالتصرف (٥) فيها، وهو جائز، ورخص في رواية المروذي أيضًا في بيع ما يحتاج إليه للنفقة منها، وإن (٦) كان فيه فضل عن النفقة تصدق به، وكل هذا بناء على أن رقبة هذه الأرض وقفها عمر [﵁] (٧).

стр. 901

ومن الأصحاب من حكى رواية [أخرى] (١) بجواز البيع مطلقًا، كالحلواني وابنه، وكذلك خرجها ابن عقيل [من] (٢) نص أحمد على صحة وقفها, ولو كانت وقفًا؛ لم يصح وقفها. وكذلك وقع في كلام أبي بكر وابن شاقلا وابن أبي موسى ما يقتضي الجواز، وله مأخذان: أحدهما: أن الأرض ليست وقفًا، وهو مأخذ ابن عقيل، وعلى هذا؛ فإن كانت مقسومة؛ فلا إشكال في ملكها، وإن كانت فيئًا لبيت المال -وأكثر كلام أحمد يدل عليه-؛ فهل تفسير وقفًا بنفس الانتقال إلى بيت المال أم لا؟ على وجهين، فإن قلنا: لا تصير وقفًا؛ فللإمام بيعها وصرف ثمنها [في] (٣) المصالح، وهل له إقطاعها إقطاع تمليك؟ على وجهين، ذكر ذلك القاضي في "الأحكام السلطانية" (٤). والمأخذ الثاني: أن البيع هنا وارد على المنافع دون الرقبة، فهو نقل للمنافع (٥) المستحقة بعوض. وهذا اختيار الشيخ تقي الدين، ويدل عليه من كلام أحمد أنه أجاز

стр. 902

دفعها عوضًا عن المهر، ويشهد له ما تقدم من المعاوضة عن المنافع في مسائل متعددة، وإن كان القاضي وابن عقيل والأكثرون صرحوا بعدم صحة بيع المنافع المجردة، والتحقيق في ذلك أن المنافع نوعان: أحدهما: منافع الأعيان المملوكة التي تقبل المعاوضة مع أعيانها؛ فهذه قد جوز الأصحاب بيعها في مواضع. - (منها) (١): أصل (٢) وضع الخراج على العنوة إذا قيل: هي فيء؛ فإنه ليس بأجرة، بل هو شبيه بها ومتردد بينها وبين البيع. - (ومنها): المصالحة بعوض على وضع الأخشاب وفتح الأبواب ومرور المياه ونحوها, وليس بإجارة محضة؛ لعدم تقدير المدة، وهو شبيه بالبيع. - (ومنها): [لو] (٣) أعتق عبده (٤) واستثنى خدمته سنة؛ فهل له أن يبيعها منه؟ على روايتين ذكرهما ابن أبي موسى، وهما منصوصتان عن أحمد، ولا يقال: هو [لا] (٥) يملك بيع العبد في هذه الحال؛ لأن هذه المنافع كان يملك (٦) المعاوضة عنها في حال الرق، وقد استبقاها بعد زواله؛ فاستمر

стр. 903

حكم المعاوضة عليها كما يستمر حكم وطء المكاتبة إذا استثناه في عقد المكاتبة، وهل الكتابة إلا عقد معاوضة على المنافع؟! النوع الثاني: المنافع التي ملكت مجردة عن الأعيان أو كانت أعيانها غير قابلة للمعاوضة؛ فهذا محل الخلاف الذي نتكلم فيه ها هنا (١)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 904

(القاعدة الثامنة والثمانون) في الانتفاع وإحداث ما ينتفع به [في] (١) الطرق المسلوكة في (٢) الأمصار والقرى وهوائها وقرارها. أما الطريق نفسه، فإن كان ضيقًا، أو (٣) أحدث فيه ما يضر بالمارة؛ فلا يجوز بكل حال، وأما مع السعة وانتفاء الضرر، فإن كان المحدث فيه (٤) متأبدًا؛ كالبناء والغراس؛ فإن كان لمنفعة خاصة بآحاد (٥) الناس؛ لم يجز على المعروف من المذهب، وإن كان لمنفعة عامة؛ ففيه خلاف معروف: منهم من يطلقه (٦)، ومنهم من يخصه بحالة انتفاء إذن الإمام فيه، وإن كان غير متأبد ونفعه خاص؛ كالجلوس وإيقاف الدابة؛ ففيه (٧) خلاف أيضًا. وأما القرار الباطن؛ فحكمه حكم الظاهر على المنصوص.

стр. 905

وأما الهواء، فإن كان الانتفاع به خاصًّا بدون إذن الإمام؛ فالمعروف منعه، وبإذنه فيه خلاف، ويندرج تحت ذلك مسائل كثيرة: - (منها): إذا حفر في طريق واسع بئرًا، فإن كان لنفع المسلمين؛ ففيه طريقان: أحدهما: إن كان بإذن الإِمام؛ جاز، وإن كان بدون إذنه؛ [ففيه روايتان] (١)، قاله القاضي وابن عقيل وصاحب "المحرر" (٢). والثاني: فيه روايتان على الإطلاق، قاله أبو الخطاب وصاحب "المغني" (٣)؛ إذ البئر مظنة العطب، وإن (٤) كان الحفر لنفسه ضمن بكل حال؛ ولو كان في فنائه، نص عليه، ولا يجوز إذن الإمام فيه عند الأصحاب. وفي "الأحكام السلطانية" للقاضي: إن له التصرف في فنائه بما شاء من حفر وغيره إذا لم يضر، وأما في فناء غيره؛ فإن أضر بأهله؛ لم يجز، وإن لم يضر؛ جاز، وهل يعتبر إذنهم أو إذن الإِمام في فناء المسجد؟ على وجهين (٥).

стр. 906

- (ومنها): إذا بني مسجدًا في طريق واسع، ولم (١) يضر بالمارة؟ قال الأكثرون من الأصحاب: إن كان بإذن الإِمام؛ جاز، وإلا؛ فروايتان. وقال أحمد في "رواية ابن الحكم": أكره الصلاة في المسجد الذي يؤخذ (٢) من الطريق؛ إلا أن يكون بإذن الإِمام. ومنهم من أطلق الروايتين، وكلام أحمد أكثره غير مقيد، قال في "رواية المروذي": المساجد التي في الطرقات حكمها أن تهدم. وقال إسماعيل الشالنجي: سألت أحمد عن طريق واسع للمسلمين عنه غنى وبهم إلى أن يكون هناك مسجد حاجة؛ هل يجوز أن يبنى هناك مسجد؟ قال: لا بأس بذلك إذا لم يضر بالطريق. [قال] (٣): وسألت أحمد: هل يبنى على خندق مدينة المسلمين مسجد للمسلمين عامة؟ قال: لا بأس بذلك إذا لم يضر بالطريق. قال الجوزجاني في "المترجم" (٤): والذي عني أحمد من الضرر

стр. 907

بالطريق ما وقت النبي ﷺ من السبع الأذرع (١)، كذا قال، ومراده أنه يجوز البناء إذا فضل من الطريق سبعة أذرع، والمنصوص عن أحمد إن قول النبي ﷺ : "إذا اختلفتم في الطريق؛ فاجعلوه سبعة أذرع" (٢) في أرض مملوكة لقوم أرادوا البناء فيها، وتشاجروا (٣) في مقدار ما يتركونه منها (٤) للطريق، وبذلك فسره ابنُ بطة وأبو حفص العكبري والأصحاب، وأنكروا جواز تضييق الطريق الواسع إلى أن يبقى منه سبعة أذرع (٥).

стр. 908

- (ومنها): بناء غير المساجد في الطرقات، فإن كان البناء للوقف على المسجد؛ فهو كبناء المسجد، قاله الشيخ تقي الدين [بن تيمية] (١)، وكذا إن كان لمصلحة عامة؛ كخان مسبل ونحوه، وإن كان لمنفعة تختص بآحاد (٢) الناس؛ فالمشهور عدم جوازه؛ لأن الطريق مشترك؛ فلا يملك أحد إسقاط الحق المشترك منه والاختصاص به، ولا يملك الإِمام الإِذن في ذلك. وفي "كتاب الطرقات" (٣) لابن بطة: إن بعض الأصحاب أفتى بجوازه، وأخذه من نص أحمد في بناء المسجد، والفرق واضح؛ لأن المسجد (٤) حق الاشتراك فيه باقٍ، غير أنه انتقل من استحقاق المرور إلى استحقاق اللبث للعبادة (٥). وكلام أحمد بدل على المنع، [قال في] (٦) رواية ابن القاسم: إذا

стр. 909

كان الطريق قد سلكه الناس وصير طريقًا؛ فليس لأحد أن يأخذ منه (١) شيئًا قليلًا ولا كثيرًا. وقال في "رواية العباس بن موسى": إذا نضب الماء عن جزيرة؛ لم يبن فيها لأن فيه (٢) ضررًا، وهو أن الماء يرجع. قال القاضي: معناه إذ ابني في طريق المارة، فيضر (٣) بالمارة في ذلك الطريق؛ فلم يجوزه، وكره في "رواية ابن بختان" أن يطحن في الغروب، وقال: ربما غرقت السفن، وقال في "رواية مثنى" (٤): إذا كانت في طريق الناس؛ فلا يعجبني، والغروب كأنها طاحونة تصنع (٥) في النهر الذي تجري فيه السفن، وكره شراء ما يطحن فيها، وذكر ابن عقيل في الغربة في النهر: إن كان وضعها بإذن الإِمام، والطريق واسع، والجريان معتدل بحيث يمكن الاحتراز منه؛ جاز، وإلا؛ لم يجز، ولعل الغربة -كالسفينة- لا تتأبد، بخلاف البناء، وحكم الغراس حكم البناء، وقد قال أحمد في النخلة المغروسة في المسجد: إنها غرست بغير حق؛ فلا أحب الأكل منها, ولو قلعها الإِمام كان أولى،

стр. 910

ومن الأصحاب من أطلق فيها الكراهة؛ كصاحب "المبهج" (١)، وجعل ثمرها لجيران المسجد الفقراء، ونص أحمد في "رواية ابن هانئ" و"ابن بختان" في دار السبيل يغرس فيها كرم؛ قال: إن كان يضر بهم؛ فلا (٢)، وظاهره جوازه، مع انتفاء الضرر، ولعل الغرس كان لجهة السبيل أيضًا. - (ومنها): اختصاص آحاد الناس في الطريق بانتفاع لا يتأبد، فمن ذلك الجلوس للبيع والشراء؛ فقال الأكثرون: إن كان الطريق واسعًا ولا ضرر (٣) في الجلوس بالمارة؛ جاز بإذن الإِمام وبدون (٤) إذنه، وإلا؛ لم يجز، وللإمام أن يقطعه من شاء، وذكر القاضي في "الأحكام السلطانية" في جوازه بدون إذن الإِمام روايتين (٥)، وحكى في كتاب "الروايتين" في المسألة روايتين الجواز (٦) والمنع، ثم حملهما على اختلاف حالين (٧)؛ فالجواز إذا لم يضر بالمارة والمنع إذا ضر (٨)، وجعل حق الجلوس كحق الاستطراق؛ لأنه لا يعطل حق المرور بالكلية؛ فهو كالقيام [فيها] (٩) لحاجة، وأظن ابن بطة حكى فيه (١٠) روايتين مطلقتين في الجواز وعدمه،

стр. 911

وكذلك ذكر صاحب "المقنع" في الجلوس في الطريق الواسع؛ هل يوجب ضمان ما عثر به؟ على وجهين (١)، وذلك يدل على الخلاف في جوازه. وأما القاضي؛ فقال: لا يضمن بالجلوس، رواية واحدة، ومن ذلك لو ربط دابته أو أوقفها في الطريق، والمنصوص منعه، قال في رواية أبي الحارث: إذا أقام دابته (٢) على الطريق؛ فهو ضامن لما جنت ليس له في الطريق حق. وكذلك (٣) نقل عنه أبو طالب وحنبل ضمان جناية الدابة إذا ربطها في الطريق، وكذلك (٣) اطلق ابن أبي موسى وأبو الخطاب من غير تفريق بين حالة التضييق (٤) والسعة، ومأخذه أن طبع الدابة الجناية بفمها أو رجلها؛ فإيقافها في الطريق كوضع الحجر ونصب السكين فيه. وحكى القاضي في "كتاب الروايتين" (٥) رواية أخرى بعدم الضمان إذا وقف (٦) في طريق واسع؛ لقول أحمد في رواية أحمد بن سعيد: إذا وقف على نحو ما يقف الناس أو في موضع يجوز أن يقف في مثله، فنفحت

стр. 912

بيد أو رجل؛ فلا شيء عليه. قال القاضي: ظاهره أنه لا ضمان إذا كان واقفًا لحاجة، وكان الطريق واسعًا. وأما الآمدي؛ فحمل المنع على حالة ضيق الطريق والجواز على حالة سعته، والمذهب عنده (١) الجواز مع السعة وعدم الإضرار رواية واحدة. ومن المتأخرين من جعل المذهب [المنع] (٢) رواية واحدة، وصرح صاحب "التلخيص" بجريان الخلاف في صورتي القيام والربط، وخالف بعض المتأخرين، وقال: الربط عدوان بكل حال، وربط السفينة وإرساؤها (٣) في النهر المسلوك؛ قال ابن عقيل: إن كان بإذن الإمام، والطريق واسع، والجريان معتدل؛ جاز، وإلا؛ لم يجز. وخالف بعض الأصحاب في اعتبار إذن الإِمام في هذا لتكرره، قال الميموني: ملت أنا وأبو عبد اللَّه إلى الزواريق (يعني: في دجلة)، فاكترى زورقًا من الزواريق، فرأيته يتخطى زواريق عدة لأناس ولم أره استأذن أحدًا منهم؛ قال بعض الأصحاب: لأنه حريم دجلة، وهو مشترك بين المسلمين، فلما ضيقوه؛ جاز المشي عليه. وعلى قياس ذلك لو وضع في المسجد سرير ونحوه جازت الصلاة عليه من غير استئذان، بخلاف ما إذا بسط فيه مصلى وقلنا: لا يثبت [به] (٤)

стр. 913

السبق؛ فإنه يرفع ويصلى [في] (١) موضعه، ولا يصلي عليه؛ لأن رفعه لا مشقة فيه. ومن ذلك الانتفاع بالطريق بإلقاء الكناسة والأقذار، فإن كان نجاسة؛ فهو كالتخلي في الطريق، وهو منهي عنه (٢)، لكن هل هو نهي كراهة أو [نهي] (٣) تحريم؟ كلام الأصحاب مختلف في ذلك، وإن كان مما يحصل بن الزلق؛ كرش الماء وصبه وإلقاء قشور البطيخ، أو يحصل (٤) به العثور؛ كالحجر؛ فلا يجوز، والضمان واجب به، وقد نص عليه أحمد في رش الماء، قال في "الترغيب": إلا أن يرشه ليسكن (٥) الغبار؛ فهو مصلحة عامة، فيصير

стр. 914

كحفر البئر للسابلة (١)، وفيه روايتان. - (ومنها): الحفر في الطريق، وهو ممنوع؛ سواء تركه ظاهرًا أو غطاه وأسقف عليه، قال المروذي: سألت أبا عبد اللَّه عن الرجل يحفر في فنائه البئر أو المخرج المغلق؟ قال: لا، هذا طريق (٢) للمسلمين. قلت: إنما هي بئر تحفر وتسد (٣) رأسها. قال: أليس في طريق المسلمين؟! أكره هذا كله. فمنع من التصرف في باطن الطريق بالحفر. ونقل عنه ابن هانئ وابن بختان والفضل بن زياد في رجل في داره شجرة، فنبت من عروقها شجرة في دار رجل آخر: لمن [هذه] (٤) الشجرة؟ قال: ما أدري ما هذا (٥)؟ ربما (٦) كان ضررًا على صاحب الأرض. قال القاضي: وظاهر هذا أنه إذا لم يكن فيها ضرر -وهو أن تكون عروقها تحت الأرض-؛ لا يؤخذ بقلها؛ لأن الضرر إنما يكون بظهورها على وجه الأرض. انتهى. وفيه نظر، وصرح ابن عقيل في "الواضح في أصول الفقه" بوجوب إزالة عروق شجرته (٧) من أرض غيره.

стр. 915

- (ومنها): إشراع الأجنحة والساباطات والخشب والحجارة في الجدار إلى الطريق؛ فلا يجوز، ويضمن به، نص عليه أحمد في "رواية أبي طالب" و"ابن منصور" ومهنا وغيرهم، ولم يعتبر إذن الإمام في ذلك، وكذا (١) ذكر القاضي في "المجرد" وصاحب "المغني" (٢)، وقال القاضي في "خلافه": والأكثرون يجوز بإذن الإِمام مع انتفاء الضرر به، وفي "شرح الهداية" للشيخ مجد الدين في (كتاب الصلاة): إن كان لا يضر بالمارة؛ جاز، وهل يفتقر إلى إذن الإِمام؟ على روايتين: إحداهما (٣): يفتقر؛ لأنه ملك مشترك بين المسلمين؛ فلا يجوز تخصيصه بجهة خاصة إلا للإمام. والثانية: لا يفتقر؛ لأن منفعة الطريق المرور، وهو لا يختل بذلك. وأما الميازيب ومسيل المياه؛ فكذلك عند الأصحاب، قال المروذي: سقف لأبي عبد اللَّه سطح الحاكة، وجعل مسيل المياه إلى الطريق، وبات تلك الليلة، فلما أصبح؛ قال: ادع لي النجار يحول الميزاب إلى الدار، فدعوته له، فحوله، وهذا لا يدل على التحريم؛ لأنه لو اعتقده محرمًا لم يفعله ابتداءً، وإنما حوله تورعًا لحصول (٤) الشبهة فيه.
следующие страницы →