وكذلك ذكر صاحب "المقنع" في الجلوس في الطريق الواسع؛ هل يوجب ضمان ما عثر به؟
على وجهين (١)، وذلك يدل على الخلاف في جوازه.
وأما القاضي؛ فقال: لا يضمن بالجلوس، رواية واحدة، ومن ذلك لو ربط دابته أو أوقفها في الطريق، والمنصوص منعه، قال في رواية أبي الحارث: إذا أقام دابته (٢) على الطريق؛ فهو ضامن لما جنت ليس له في الطريق حق.
وكذلك (٣) نقل عنه أبو طالب وحنبل ضمان جناية الدابة إذا ربطها في الطريق، وكذلك (٣) اطلق ابن أبي موسى وأبو الخطاب من غير تفريق بين حالة التضييق (٤) والسعة، ومأخذه أن طبع الدابة الجناية بفمها أو رجلها؛ فإيقافها في الطريق كوضع الحجر ونصب السكين فيه.
وحكى القاضي في "كتاب الروايتين" (٥) رواية أخرى بعدم الضمان إذا وقف (٦) في طريق واسع؛ لقول أحمد في رواية أحمد بن سعيد: إذا وقف على نحو ما يقف الناس أو في موضع يجوز أن يقف في مثله، فنفحت
стр. 912
بيد أو رجل؛ فلا شيء عليه. قال القاضي: ظاهره أنه لا ضمان إذا كان واقفًا لحاجة، وكان الطريق واسعًا.
وأما الآمدي؛ فحمل المنع على حالة ضيق الطريق والجواز على حالة سعته، والمذهب عنده (١) الجواز مع السعة وعدم الإضرار رواية واحدة.
ومن المتأخرين من جعل المذهب [المنع] (٢) رواية واحدة، وصرح صاحب "التلخيص" بجريان الخلاف في صورتي القيام والربط، وخالف بعض المتأخرين، وقال: الربط عدوان بكل حال، وربط السفينة وإرساؤها (٣) في النهر المسلوك؛ قال ابن عقيل: إن كان بإذن الإمام، والطريق واسع، والجريان معتدل؛ جاز، وإلا؛ لم يجز.
وخالف بعض الأصحاب في اعتبار إذن الإِمام في هذا لتكرره، قال الميموني: ملت أنا وأبو عبد اللَّه إلى الزواريق (يعني: في دجلة)، فاكترى زورقًا من الزواريق، فرأيته يتخطى زواريق عدة لأناس ولم أره استأذن أحدًا منهم؛ قال بعض الأصحاب: لأنه حريم دجلة، وهو مشترك بين المسلمين، فلما ضيقوه؛ جاز المشي عليه.
وعلى قياس ذلك لو وضع في المسجد سرير ونحوه جازت الصلاة عليه من غير استئذان، بخلاف ما إذا بسط فيه مصلى وقلنا: لا يثبت [به] (٤)
стр. 913
السبق؛ فإنه يرفع ويصلى [في] (١) موضعه، ولا يصلي عليه؛ لأن رفعه لا مشقة فيه.
ومن ذلك الانتفاع بالطريق بإلقاء الكناسة والأقذار، فإن كان نجاسة؛ فهو كالتخلي في الطريق، وهو منهي عنه (٢)، لكن هل هو نهي كراهة أو [نهي] (٣) تحريم؟
كلام الأصحاب مختلف في ذلك، وإن كان مما يحصل بن الزلق؛ كرش الماء وصبه وإلقاء قشور البطيخ، أو يحصل (٤) به العثور؛ كالحجر؛ فلا يجوز، والضمان واجب به، وقد نص عليه أحمد في رش الماء، قال في "الترغيب": إلا أن يرشه ليسكن (٥) الغبار؛ فهو مصلحة عامة، فيصير
стр. 914
كحفر البئر للسابلة (١)، وفيه روايتان.
- (ومنها): الحفر في الطريق، وهو ممنوع؛ سواء تركه ظاهرًا أو غطاه وأسقف عليه، قال المروذي: سألت أبا عبد اللَّه عن الرجل يحفر في فنائه البئر أو المخرج المغلق؟ قال: لا، هذا طريق (٢) للمسلمين. قلت: إنما هي بئر تحفر وتسد (٣) رأسها. قال: أليس في طريق المسلمين؟! أكره هذا كله. فمنع من التصرف في باطن الطريق بالحفر.
ونقل عنه ابن هانئ وابن بختان والفضل بن زياد في رجل في داره شجرة، فنبت من عروقها شجرة في دار رجل آخر: لمن [هذه] (٤) الشجرة؟ قال: ما أدري ما هذا (٥)؟ ربما (٦) كان ضررًا على صاحب الأرض.
قال القاضي: وظاهر هذا أنه إذا لم يكن فيها ضرر -وهو أن تكون عروقها تحت الأرض-؛ لا يؤخذ بقلها؛ لأن الضرر إنما يكون بظهورها على وجه الأرض. انتهى.
وفيه نظر، وصرح ابن عقيل في "الواضح في أصول الفقه" بوجوب إزالة عروق شجرته (٧) من أرض غيره.
стр. 915
- (ومنها): إشراع الأجنحة والساباطات والخشب والحجارة في الجدار إلى الطريق؛ فلا يجوز، ويضمن به، نص عليه أحمد في "رواية أبي طالب" و"ابن منصور" ومهنا وغيرهم، ولم يعتبر إذن الإمام في ذلك، وكذا (١) ذكر القاضي في "المجرد" وصاحب "المغني" (٢)، وقال القاضي في "خلافه": والأكثرون يجوز بإذن الإِمام مع انتفاء الضرر به، وفي "شرح الهداية" للشيخ مجد الدين في (كتاب الصلاة): إن كان لا يضر بالمارة؛ جاز، وهل يفتقر إلى إذن الإِمام؟
على روايتين:
إحداهما (٣): يفتقر؛ لأنه ملك مشترك بين المسلمين؛ فلا يجوز تخصيصه بجهة خاصة إلا للإمام.
والثانية: لا يفتقر؛ لأن منفعة الطريق المرور، وهو لا يختل بذلك.
وأما الميازيب ومسيل المياه؛ فكذلك عند الأصحاب، قال المروذي: سقف لأبي عبد اللَّه سطح الحاكة، وجعل مسيل المياه إلى الطريق، وبات تلك الليلة، فلما أصبح؛ قال: ادع لي النجار يحول الميزاب إلى الدار، فدعوته له، فحوله، وهذا لا يدل على التحريم؛ لأنه لو اعتقده محرمًا لم يفعله ابتداءً، وإنما حوله تورعًا لحصول (٤) الشبهة فيه.
стр. 916
وفي "المغني" احتمال بجوازه مطلقًا مع انتفاء الضرر (١)، واختاره طائفة من المتأخرين، وقال الشيخ تقي الدين: إخراج الميازيب إلى الدرب النافذ هو السُّنة (٢)، وذكر حديث العباس في ذلك (٣)، والمانعون يقولون:
стр. 917
ميزاب العباس وضعه النبي ﷺ بيده؛ فكان أبلغ من إذنه فيه، ولا كلام فيما أذن [به] (١) الإمام.
* * *
стр. 918
(القاعدة التاسعة والثمانون)
أسباب الضمان ثلاثة: عقد، ويد، وإتلاف (١).
أما عقود الضمان؛ فقد سبق ذكرها، وكذلك سبق ذكر الأيدي الضامنة.
وأما الإتلاف؛ فالمراد به أن يباشر الإتلاف بسبب يقتضيه؛ كالقتل والإحراق، أو ينصب سببًا عدوانًا فيحصل به الإِتلاف؛ بأن يحفر بئرًا في غير ملكه عدوانًا، أو يؤجج نارًا في يوم ريح عاصف فيتعدى إلى إتلاف مال الغير، أو كان الماء محتبسًا بشيء وعادته الانطلاق فيزيل احتباسه، وسواء كان له اختيار في انطلاقه أو لم يكن؛ فدخل تحت ذلك ما إذا حل وكاء زق مائع فاندفق، أو فتح قفصًا عن طائر فطار، أو حل [قيد عبد آبق] (٢) فهرب، هذا هو الذي ذكره ابن حامد والقاضي والأكثرون؛ لأنه تسبب إلى
стр. 919
الإتلاف بما يقتضيه عادة.
واستثنى ابن عقيل في "فنونه" ما كان من الطيور يألف الرواح (١) ويعتاد العود؛ فقال: لا ضمان في إطلاقه وإن لم يعد؛ لأن العادة جارية بعوده؛ فليس إطلاقه إتلافًا.
وقال أيضًا في "الفنون": الصحيح التفرقة بين ما يحال الضمان على فعله؛ كالآدمي، وما لا يحال عليه الضمان؛ كالحيوانات والجمادات، فإذا حل قيد العبد؛ لم يضمن لأن العبد له اختيار، ويصح إحالة الضمان عليه؛ فيقطع مباشرته للتلف لتسبب (٢) مطلقه، وهذا الذي قاله إنما يصح لو كان العبد من أهل الضمان لسيده، فأما إذا لم يكن من أهل الضمان للسيد؛ تعين إحالة الضمان على المتسبب، ولهذا قال الأصحاب: إن جناية العبد المغصوب على سيده مضمونة على الغاصب، حيث لم يكن العبد من أهل الضمان للسيد، فأحيل على الغالب لتعديه بوضع يده عليه، مع أنه ليس سببًا للجناية.
ولكن خرج ابن الزاغوني في "الإقناع" وجهًا آخر: أنه لا ضمان على الغاصب؛ لأن الجناية من أصلها غير قابلة للتضمين لتعلقها بالرقبة المملوكة للمجني عليه؛ فلا يلزم الغاصب منها شيء (٣)، ولا يلزم مثله في مطلق العبد؛ لأنه متسبب إلى الإتلاف، فإذا لم يمكن إحالة الضمان على
стр. 920
المباشر؛ أحيل على المتسبب صيانة للجناية على مال المعصوم [عن] (١) الإهدار مهما أمكن.
وخرج الآمدي وجهًا آخر: أن جناية العبد على سيده مضمونة عليه في ذمته، يتبع بها بعد عتقه، وها هنا فرع متردد (٢) فيه بين ضمان اليد والإتلاف (٣)، وهو ما إذا حفر بئرًا عدوانًا أو نصب شبكة أو منجلًا للصيد، ثم مات، ثم وقع في البئر حيوان مضمون أو عثر بآلات الصيد حيوان مضمون؛ فإن جعلناه من باب الإتلاف؛ ضمن من التركة، وبه صرح [القاضي] (٤) في "المجرد" وابن عقيل في "الفصول" في (باب الرهن)؛ حتى قالا: لو بيعت التركة؛ لفسخ في قدر الضمان منها لسبق سببه، ولو كانت التركة عبدًا فأعتقه الورثة قبل الوقوع ضمنوا قيمة العبد؛ كالمرهون، صرح به القاضي في "الخلاف"، وإنْ جعلناه من ضمان اليد؛ فهل يجعل كيده (٥) المشاهدة بعد الموت، أو يجعل اليد لمن انتقل الملك إليه؟
يحتمل على وجهين أصلهما اختلاف الأصحاب فيما لو نصب شبكة فوقع فيها صيد بعد موته؛ هل هو تركة موروثة جعلًا لها كيده المشاهدة، أو هو ملك للورثة لأنه صار (٦) كأيديهم؟
والذي صرح به القاضي وابن عقيل: أنه تركة موروثة، وقال أبو
стр. 921
الخطاب في "الانتصار": [بل] (١) هو ملك للوارث (٢) [بانتقال ملك الشبكة إليه، كما يتولد من النتاج الموروث ويثمر من الشجر] (٣)، وأما في العدوان المجرد؛ فيحتمل أن ينقطع حكمه بالموت (٤)، ويحتمل أن يكون ضمانه مِنْ ترِكَةِ المتعدِّي لانعقاد سببه في حياته، ويشبه ذلك الخلاف فيمن مال حائطه، فطولب بنقضه، فباعه، ثم سقط؛ هل يسقط عنه الضمان؟
فيه وجهان سبق ذكرهما، وهل يجب الضمان على من انتقل الملك إليه إذا استدامه أم لا؟
الأظهر وجوبه [عليه] (٥) كمن اشترى حائطًا مائلًا؛ فإنه يقوم مقام البائع فيه، فإذا طولب بإزالته فلم يفعل؛ ضمن على رواية, ولو حفر عبده بئرًا عدوانًا بغير إذنه، ثم أعتقه، ثم تلف بها قال أو غيره؛ ففي "المغني" الضمان على العبد لاستقلاله بالجناية (٦)، وفي "التلخيص": هو على السيد بقدر قيمة العبد فما دون لثبوته عليه قبل العتق بذلك؛ فقد وجد السبب في ملكه، فلا ينتقل، وهو بعيد.
تنبيه:
لو أتلف الغاصب المغصوب ضمنه ضمان إتلاف ويد، وقد نص
стр. 922
أحمد على أن من أمسك صيدًا في الحرم، ثم كفر عنه، ثم ذبحه: أنه يجزئه، وهذا يدل على أنه جعله ضمان يد، وإلا؛ لما جاز تقديم كفارة الإتلاف عليه، ويدل أيضًا على جواز تقديم الكفارة، وإن كان [يمكن أن يوجبها] (١) معصية، وفيه وجه بالمنع ذكره القاضي في "تعليقه"؛ لأن التقديم رخصة؛ فلا تستباح بمحرم.
* * *
стр. 923
(القاعدة التسعون)
الأيدي المستولية على مال الغير بغير إذنه ثلاثة:
يد يمكن أن يثبت باستيلائها الملك؛ فينتفي الضمان [عما يستولي] (١) عليه، سواء حصل الملك به أو لم يحصل، ويد لا يثبت لها الملك وينتفي عنها الضمان، ويد لا يثبت لها الملك ويثبت عليها الضمان.
أما الأولى؛ فيدخل فيها صور:
- (منها): استيلاء المسلمين على أموال أهل الحرب.
- (ومنها): استيلاء أهل الحرب على أموال المسلمين؛ لأنهم يملكون علينا بالاستيلاء، وهو المشهور عند الأصحاب، وينتفي الضمان عنهم فيما لم يملكوه أيضًا مما تثبت (٢) عليه الأيدي؛ كأم الولد، وما لم يحوزوه إلى دارهم وما شرد إليهم من دواب المسلمين وأرقائهم على قولنا: انهم لا يملكون ذلك (٣).
стр. 924
- (ومنها): استيلاء الأب على مال الابن، فإن كان استيلاء يحصل به الملك؛ فلا إشكال في انتفاء الضمان، وإن كان على غير وجه (١) التملك؛ فلا يثبت به الضمان، ولو أتلفه على أصح الوجهين، وهو المذهب عند صاحب "المحرر".
وأما اليد الثانية؛ فيدخل فيها صور:
- (منها): من له ولاية شرعية بالقبض.
- (ومنها): من قبض المال لحفظه على المالك؛ فإنه لا يضمنه، وقد نص أحمد فيمن أخذ آبقًا ليرده [على] (٢) سيده، فهرب منه: أنه لا ضمان عليه (٣)، لكن أخذ الآبق فيه إذن شرعي.
وفي "التلخيص" وجه آخر بالضمان في المستنقذ من الغاصب للرد لعدم الولاية، وهو ضعيف، ولو كان القابض حاكمًا؛ فهو أولى بنفي الضمان لعموم ولايته.
وفي "التلخيص" فيما إذا حمل المغصوب إليه ليدفعه إلى مالكه؛ فهل (٤) يلزمه قبوله؟
стр. 925
على وجهين، وصحح اللزوم، وهو تفريق بين الحاكم وغيره، وفي "المجرد" و"الفصول" و"المغني": ليس للحاكم انتزاع مال الغائب المغصوب إلا أن يكون له ولاية عليه بوجه ما (١)، مثل أن يجده في تركة ميت ووارثه غائب؛ فله الأخذ لأن له ولاية على تركة الميت بتنفيذ (٢) وصاياه وقضاء ديونه، أو يجدها في يد سارق فيقطعه وينتزع (٣) منه العين تبعًا لولاية القطع.
والمسألة مذكورة في مسألة وجوب القصاص للغائب ومسألة قطع السارق لمال الغائب.
- (ومنها): الطائفة الممتنعة عن حكم الإِمام كالبغاة؛ لا يضمن الإِمام، وطائفته ما أتلفوه عليهم حال الحرب، وفي تضمينهم ما أتلفوه على الإِمام في تلك الحال روايتان، أصحهما نفي الضمان إلحاقًا لهم بأهل الحرب، وأما أهل الردة إذا لحقوا بدار الحرب أو اجتمعوا بدار منفردين [ولهم منفعة] (٤)؛ ففي تضمينهم روايتان [أيضًا] (٥)، واختار أبو بكر عدم التضمين (٦) إلحاقًا لهم بأهل دار الحرب.
وأما اليد الثالثة؛ فهي اليد العارية التي يترتب عليها الضمان.
стр. 926
(القاعدة الحادية والتسعون)
يضمن (١) بالعقد وباليد الأموال المحضة المنقولة إذا وجد فيها النقل.
فأما غير المنقول؛ فالمشهور عند الأصحاب أنه يضمن بالعقد وباليد أيضًا، كما يضمن في عقود التمليكات بالانفاق، ونقل ابن منصور عن أحمد: أن العقار لا يضمن بمجرد اليد في الغصب من غير إتلاف (٢)، وكذلك قال أبو حفص (٣) العكبري في العارية فيما قرأته بخط القاضي.
وأما المنقول؛ فإن حصل نقله؛ ترتب عليه ضمان اليد والعقد، وإن لم يوجد النقل؛ فهل يضمن بالعقد؟ فيه كلام سبق في أحكام القبوض (٤).
وأما اليد المجردة؛ فقال القاضي في "خلافه": لا يتوقف الضمان بها على النقل أيضًا؛ كالعقد، وكما يصير المودع ضامنًا بمجرد جحود الوديعة من غير نقل ولا إزالة يد (٥)، ورتب على ذلك أنه لو باع الغاصب
стр. 927
العين المغصوبة وخلى بينها (١) وبين المشتري، فتلفت قبل النقل، ثم جاء المالك: أن له [تضمين] (٢) المشتري. قال: وإن سلمناه (يعني (٣): مفع تضمينه)، فلأنه لم يحصل كمال الاستيلاء، وهو النقل فيما يمكن نقله، [وجزم ابن عقيل في "نظرياته" بأن المشتري ها هنا لا يضمنه ضمان غصب، وإن كان يضمنه في البيع الصحيح ضمان عقد بمجرد التخلية وقاسه على العقار، فإن البائع إذا خلى بينه وبين المشتري؛ صار من ضمانه بالعقد، ولو ظهر له مستحق؛ لم يضمنه بذلك ضمان غصب] (٤) , [وإنما تردد في هذا؛ لأنه فرع متردد بين الضمان بالعقد وباليد] (٥) , [وفي "التلخيص" إثبات اليد] (٦) فيما [ينقل بالنقل] (٧)؛ إلا في الدابة؛ فإن ركوبها كافٍ، وكذلك الجلوس على الفرش؛ لأنه غاية الاستيلاء، وصرح القاضي في "خلافه" بمثل ذلك في الدابة.
وأما غير الأموال المحضة؛ فنوعان:
أحدهما: ما فيه شائبة الحرية لثبوت بعض (٨) أحكامها دون
стр. 928
حقيقتها؛ كأم الولد والمكاتب والمدبر! فيضمن باليد على ما ذكره القاضي والأصحاب، وكذلك يضمن بالعقد الفاسد في قياس المذهب، قاله أبو البركات في "تعليقه على الهداية".
والثاني: الحر المحض؛ هل تثبت عليه اليد فيترتب عليها (١) الضمان أم لا؟
المعروف من المذهب أن الحر لا تثبت عليه اليد؛ فلا يضمن بها بحال، ولو كان تابعًا لمن تثبت عليه اليد كمن غصب أمة حاملًا بحر، ذكره القاضي في "خلافه" بما يشعر أنه محل وفاق؛ وحكى القاضي في "خلافه" (٢) وتابعه صاحب "المحرر" (٣) في ثبوت اليد على الحر الصغير وضمانه بالتلف تحتها روايتين منصوصتين لشبهه بالعبد، حيث يتمكن (٤) من دعوى نسبه مع جهالته ودعوى رقه، وقال القاضي في مواضع متعددة من "خلافه": تثبت اليد على الحر الكبير بالعقد دون اليد. وبنى على ذلك أن الأجير الخاص إذا سلم نفسه إلى مستأجره، فلم يستعمله؛ استقرت له الأجرة لتلف منافعه تحت يده.
وكذلك يجب المهر بالخلوة في النكاح الفاسد عندنا لدخول المنفعة تحت اليد بالتمكن من الاستيفاء، وكذلك لو تداعا اثنان زوجية امرأة،
стр. 929
وأقاما (١) البينة وهي في يد أحدهما؛ فهي له ترجيحًا باليد، كذا ذكره القاضي، وإنما يتوجه على قولنا بتقديم (٢) بينة الداخل.
وحكى صاحب "التلخيص" وجهًا بثبوت اليد على منافع الحر دون ذاته، ورتب عليه صحة إجارة المستأجر للأجير الخاص، وجزم الأزجي في "النهاية" بصحته، وبنى عليه جواز إجارة (٣) الكافر للمسلم (٤) المستأجر معه، وذكر احتمالين، وبنى صاحب "التلخيص" أيضًا على ذلك [مسألة] (٥) غصب الحر وحبسه عن العمل، فإن في [وجوب] (٥) ضمان أجرته وجهين.
تنبيه:
من الأصحاب من قال: منفعة البضع لا تدخل تحت اليد، [وبه جزم] (٦) القاضي في "خلافه" وابن عقيل في "تذكرته" وغيرهما، وفرعوا عليه (٧) صحة تزويج الأمة المغصوبة، وأن الغاصب لا يضمن مهرها ولو حبسها عن النكاح حتى فات بالكبر.
وخالف ابن المَنِّيِّ، وجزم في "تعليقه" (٨) بضمان مهر الأمة بتفويت
стр. 930
النكاح، وذكر في الحرة ترددًا لامتناع ثبوت اليد عليها، وقد يتفرع على ذلك أن الأمة الموطوءة بغير إذن المالك لو حملت ثم تلفت [من الولادة] (١) ضمنها الواطئ، بخلاف الحرة إذا زنى بها كرهًا، فحملت، ثم ماتت من الطلق؛ قال في "التلخيص": لأن [الاستيلاد كأنه] (٢) إثبات يد وهلاك تحت اليد المستولية على الرحم، والحرة لا تدخل تحت اليد، ومجرد السبب ضعيف. وفي "المغني" يضمنها مطلقًا بحصول (٣) التسبب في التلف (٤).
* * *
стр. 931
(القاعدة الثانية والتسعون)
هل تثبت يد الضمان مع ثبوت يد المالك أم لا؟
في المسألة خلاف، وقد قال أحمد في "رواية ابن الحكم" فيمن أسره أهل الحرب ومعه جاريته (١): أنها ملكه. مع أن مذهبه المشهور عنه أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء، والأظهر أنه إن زال امتناع (٢) المالك وسلطانه؛ ثبت الضمان، وإلا؛ فلا، ويتفرع على ذلك مسائل:
- (منها): لو غصب دابة عليها (٣) مالكها ومتاعه؛ ففي "الخلاف الكبير" لا يضمن، وكذلك قال الأصحاب: لو استولى على حر كبير لم يضمن ثيابه؛ لأنها في يد المالك، ولو كان الحر صغيرًا، وقلنا: لا تثبت [اليد عليه] (٤)؛ ففي ثيابه وجهان نظرًا إلى أن يده لا قوة لها [على المنع] (٥)، وهذا يشهد لاعتبار بقاء الامتناع (٦) في انتفاء الضمان.
стр. 932
- (ومنها): لو استأجر الدابة (١) إلى مسافة فزاد عليها، أو لحمل شيء فزاد عليه، وهي في يد المؤجر فتلفت؛ قال في "المجرد": يضمن؛ لتعدِّيه بالزيادة، وسكوت المالك لا يمنع الضمان؛ كمن خرق ثوبه وهو لا يمنع. وفي "التلخيص": يضمن إذا تلفت بفعل اللَّه تعالى، وإن تلفت بالحمل؛ ففي تكميل الضمان عليه وتنصيفه (٢) وجهان، ويتوجه التفريق بين أن يكون قادرًا على الامتناع، أو لا يكون كذلك؛ فيجب الضمان مع عدم القدرة، كمن غصب دابة وأكره المالك على أن يحمل له عليها متاعه، فإن هذا زيادة عدوان؛ فلا يسقط به الضمان.
- (ومنها): الأجير المشترك إذا جنت يده على العين المستأجرة على العمل فيها ويد صاحبها ثابتة عليها؛ فلا ضمان، قاله القاضي في "المجرد"، قال: لأنه ليس بأكثر من الغاصب، والغاصب لا يضمن ما دام يد صاحيه ثابتة عليه. [انتهى] (٣).
ومراده بثبوت (٤) يد صاحبه ثبوت سلطنته (٥) وتصرفه، ولهذا لو أعاد الغاصب المغصوب إلى يد المالك على وجه لا يعود تصرفه إليه مثل: إن رهنه عنده (٦)، أو استأجره للعمل [فيه] (٧)؛ لم يبرأ بذلك على الصحيح؛
стр. 933
إلا أن يعلم أنه ملكه.
- (ومنها): لو دخل دار إنسان بغير إذنه أو جلس على بساطه بغير إذنه، والمالك جالس في الدار أو على البساط؛ ففي "الخلاف الكبير": لا ضمان، وعلل بانتفاء الحيلولة ورفع اليد، وكذلك قال فيمن ركب دابة غيره: إن حال بينه وبينها ورفع يده عنها؛ ضمن، وهذا يرجع إلى اشتراط القهر والحيلولة (١) للضمان.
وفي "التلخيص": لو دخل دار المالك وهو فيها قاصدًا للغصب؛ فهو غاصب للنصف لاجتماع يدهما واستيلائهما بشرط قوة الداخل وتمكنه من القهر، وإن كان المالك غائبا؛ فالدخول غصب بكل حال لحصول الاستيلاء به.
وذكر بعض أصحابنا في "خلافه": أن المجالس على بساط غيره بغير إذنه يكون ضامنًا لما جلس عليه منه، والداخل إن دخل بنية الغصب صار غاصبًا.
- (ومنها): لو أردف المالك خلفه على الدابة، فتلفت؛ فهل يضمن الرديف نصف القيمة لكونه مستعيرًا، أم لا لثبوت يد المالك عليها؟
ذكر في "التلخيص" احتمالين، وصحح الثاني.
تنبيه:
لو كانت العين ملكًا لاثنين، فرفع الغاصب يد أحدهما ووضع يده
стр. 934
موضع يده، وأقر الآخر على حاله؛ فهل يكون غاصبًا لنصيب [من] (١) رفع جده خاصة، [أم] (٢) هو غاصب لنصف العين من الشركين (٣) مشاعًا؟
قال القاضي وابن عقيل: هو غاصب لنصف (٤) من رفع يده فقط، ورجحه الشيخ تقي الدين مستدلًّا بأن الأعمال بالنيات (٥)؛ فعلى هذا، لو استغل (٦) الغاصب والشريك الملك، [أو] (٧) انتفعا به؛ لم يلزم هذا الشريك لشريكه المخرج شيء، فلو باعا العين (٨)؛ صح في نصبب الشريك البائع كله وبطل في النصف الذي باعه الغاصب، والمنصوص عن أحمد يدل على خلاف [ذلك] (٩)؛ لأنه نص في "رواية حرب" على أن من غصب من قوم ضيعة ثم رد إلى أحدهم نصيبه مشاعًا؛ لم يطلب للمردود عليه الانفراد بما رد عليه، وهو يشبه أصله المنصوص عنه في منع إجارة المشاع من غير الشريك لتعذر تسليمه بانفراده؛ فعلى هذا ليس للشريك
стр. 935
الذي [لم] (١) يرفع يده التصرف إلا في الربع، خاصة والربع الآخر حق لشريكه المغصوب منه، ولم تجتمع (٢) ها هنا [يد المالك مع يد الغاصب] (٣) في شيء.
* * *
стр. 936
(القاعدة الثالثة والتسعون)
من قبض مغصوبًا من غاصبه، ولم يعلم أنه مغصوب.
فالمشهور [بين] (١) الأصحاب إنه بمزلة الغاصب في جواز تضمينه ما كان الغاصب يضمنه من عين ومنفعة، ثم إن كان القابض قد دخل على ضمان عين أو منفعة؛ استقر ضمانها عليه، ولم يرجع على الغاصب، وإن ضمنه المالك ما لم يدخل على ضمانه ولم يكن حصل له بما ضمنه نفع؛ رجع به على الغاصب، وإن كان حصل له به نفع؛ فهل يستقر ضمانه عليه، أم يرجع [به] (٢) على الغاصب؟
على روايتين، هذا ما ذكره القاضي والأكثرون، وفي بعضه خلاف نشير إليه في موضعه إن شاء اللَّه [تعالى] (٣)، وهذه الأيدي القابضة من
стр. 937
الغاصب مع عدم العلم بالحال عشرة:
(الأولى): الغاصبة، ويتعلق (١) بها الضمان كأصلها، ويستقر عليها مع التلف تحتها, ولا يطالب (٢) بما زاد على مدتها.
(الثانية): الآخذة (٣) لمصلحة الدافع؛ كالاستيداع والوكالة بغير جعل؛ فالمشهور أن للمالك تضمينها، ثم [ترجع بما ضمنت] (٤) على الغاصب؛ لتغريره.
وفيه وجه آخر باستقرار الضمان عليها لتلف المال تحتها من غير إذن. صرح به القاضي في "المجرد" في (باب المضاربة)، وسيأتي أصله.
ويتخرج وجه (٥) آخر: إنه لا يجوز تضمينها بحال من الوجه المحكي، كذلك في المرتهن ونحوه، وأولى، وخرجه الشيخ تقي الدين من مودع المودع، حيث لا يجوز له الإيداع، فإن الضمان على الأول وحده (٦)، كذلك قال القاضي في "المجرد" وابن عقيل في "الفصول"، وذكر أنه ظاهر
стр. 938
كلام أحمد، ومن الأصحاب من منع ظهوره.
وعلى تقدير أنه كذلك؛ ففرقوا (١) بين مونع المودع ومودع الغاصب بأن (٢) الموجب للضمان في الأول القبض، وهو سبب واحد؛ فلا يجب به الضمان من جهتين (٣)، بخلاف مونع الغاصب؛ فإن قبضه صالح لتضمينه، حيث [كان] (٤) الضمان مستقرًّا على الغاصب قبله، وبأن الضمان ترتب على التقبيض (٥)؛ فهو متأخر عنه، والقبض [وقع من] (٦) يد أمينة، ولا عدوان فيه لعدم العلم؛ فاختص الضمان بالتعدي (٧)، بخلاف مودع الغاصب لقبضه من يد ضامنه قبل القبض.
واعلم أن ما ذكره الأصحاب في الوكالة والرهن إن الوكيل والأمين في الرهن إذا باعا وقبضا الثمن، ثم بان المبيع مستحقًّا؛ لم يلزمهما شيء لا تناقض هذه المسألة كما يتوهمه من قصر فهمه؛ لأن مراد الأصحاب بقولهم لم يلزم الوكيل شيء أنه لا يطالبه المشتري بالثمن الذي أقبضه (٨) إياه؛ لأن حقوق العقد تتعلق (٩) بالموكل دون الوكيل، أما أن الوكيل لا يطالبه
стр. 939
المستحق للعين بالضمان؛ فإذا لم يتعرضوا له ها هنا ألبتة، وهو بمعزل من مسألتهم بالكلية.
(الثالثة): القابضة لمصلحتها (١) ومصلحة الدافع؛ كالشريك والمضارب والوكيل بجعل والمرتهن؛ فالمشهور جواز تضمينها أيضًا، وترجع بما ضمنت؛ لدخولها على الأمانة.
وذكر القاضي في "المجرد" وابن عقيل وصاحب "المغني" في الرهن احتمالين آخرين:
أحدهما: أنه يستقر الضمان على القابض لتلف مال الغير تحت يده التي لم يؤذن لها (٢) في القبض؛ فهي كالعالمة بالحال، وحكوا هذا الوجه في المضارب أيضًا.
والثاني: لا يجوز تضمينها بحال لدخولها على الأمانة (٣)، وينبغي أن يكون هو [هذا] (٤) المذهب، وأنه لا يجوز تضمين القابض ما لم يدخل على ضمانه في جميع هذه الأقسام؛ فإن المنصوص عن أحمد فيمن اشترى أرضًا فغرس فيها ثم ظهرت مستحقة: إنه لا يملك المستحق قلعه إلا مع ضمان نقصه؛ كالغراس المحترم المصادر عن إذن المالك؛ فجعل المغرور كالمأذون له؛ فلا يضمن ابتداء ما لم يلتزم (٥) ضمانه.
стр. 940
وكذلك نقل حرب وغيره عن أحمد في المغرور في النكاح أن فداء ولده على من غيره، ولم يجعل على الزوج مطالبة، وقريب من ذلك ما نقل عنه مُهَنّأ فيمن بعث رجلًا إلى رجل له عنده مال، فقال له: خذ منه دينارًا. فأخذ منه أكثر: أن الضمان على المرسل لتغريره، ويرجع هو على الرسول.
وحكى القاضي وغيره في المضاربة وجهًا آخر: أن الضمان في هذه الأمانات يستقر على من ضمن منهما؛ فأيهما ضمن؛ لم يرجع على الآخر.
(الرابعة): القابضة لمصلحتها خاصة؛ إما باستيفاء العين؛ كالقرض (١)، أو باستيفاء المنفعة؛ كالعارية؛ فهي داخلة على (٢) الضمان في العين دون المنفعة، فإذا ضمنت العين والمنفعة؛ رجعت على الغاصب بضمان المنفعة؛ [لأن ضمانها كان بتغريره.
وفي المذهب رواية ثانية: لا يرجع (٣) بضمان المنفعة] (٤) إذا تلفت بالاستيفاء، ويستقر الضمان عليها في مقابلة الانتفاع لاستيفائها بدله كيلا يجتمع لها العوض والمعوض.
وأصل الروايتين الروايتان في رجوع المغرور بالمهر على من غره، وإن ضمن الغاصب المنفعة ابتداءً؛ ففيه طريقان:
أحدهما: البناء على الروايتين، فإن قلنا: لا يرجع القابض عليه إذا
стр. 941
ضمن ابتداءً؛ رجع الغاصب هنا عليه، وإلا؛ فلا، وهو طريقة (١) أبي الخطاب ومن اتبعه والقاضي وابن عقيل في موضع.
والثاني: إنه لا يرجع الغاصب على القابض قولًا واحدًا، وقاله (٢) القاضي وابن عقيل في موضع آخر.
وأما العين؛ فلا يرجع (٣) بضمانها، حيث دخلت على ضمانها وعلى الاحتمال الأول في القسم الذي قبله يستقر ها هنا عليها ضمان العين والمنفعة، سواء تلفت المنفعة باستيفاء أو تفويت (٤).
وعلى الاحتمال الآخر، وهو أنه لا يجوز تضمينها بالكلية؛ فلا يطالب (٥) هذه بضمان ما لم يلتزم ضمانه ابتداءً ويستقر عليها ضمان [ما دخلت على ضمانه] (٦).
ويتخرج لنا (٧) وجه آخر: إنه لا يستقر عليها ضمان شيء [بحال] (٨)، وسنذكر أصله في القسم الذي بعده.
- (الخامسة): القابضة تملكًا بعوض مسمى عن العين بالبيع؛ فهي
стр. 942
داخلة على ضمان العين دون المنفعة، فإذا ضمنت قيمة العين والمنفعة؛ لم ترجع (١) بما ضمنت من قيمة العين لدخولها (٢) على ضمانها, ولكن تسترد (٣) الثمن من الغاصب؛ لأنه لم يملكه لانتفاء صحة العقد، وسواء كانت القيمة التي ضمنت للمالك (٤) وفق الثمن أو دونه أو فوقه على ما اقتضاه كلام الأصحاب ها هنا، وفي البيع الفاسد، وفي ضمان المغرور المهر.
وفي "التلخيص" احتمال إن كانت القيمة أزيد رجعت بالزيادة على الغاصب، حيث لم يدخل (٥) على الضمان بأكثر من الثمن المسمى، وبه جزم ابن المَنِّيِّ في "خلافه"، وقد سبق في قاعدة ضمان العقود الفاسدة بالمسمى أو بعوض المثل ما يشبه هذا, ولو طالب المالك الغاصب بالثمن كله إذا كان أزيد من القيمة؛ فقياس المذهب أن له ذلك، كما نص عليه أحمد في المتجر [في الوديعة من غير] (٦) إذن: إن الربح للمالك. ثم من الأصحاب من يبنيه (٧) على القول بوقف العقود على الإجازة، وهي طريقة
стр. 943
القاضي في "خلافه" وابن عقيل، ومنهم من يطلق ذلك، وكذا في المضارب إذا خالف.
وعنه رواية أخرى: يتصدق بالربح؛ لأنه ربح ما لم يضمن، وهل للمضارب أجرة المثل؟
على روايتين، وطردهما أبو الفتح الحلواني في "الكفاية" في الغاصب، وحكى صاحب "المغني" في (باب الرهن) رواية أخرى باستقرار الضمان على الغاصب في البيع؛ فلا يرجع على المشتري بشيء مما ضمنه (١)، وحكاه في "الكافي" في (باب المضاربة) وجهًا (٢)، وصرح القاضي بمثل ذلك في "خلافه" في مسألة رجوع المغرور بالمهر، وهو عندي قياس المذهب؛ حيث قلنا في إحدى الروايتين برجوع المغرور بنكاح الأمة على من غيره مع استيفائه منفعة البضع واستهلاكها ودخوله على ضمانها, ولهذا طرد محققوا الأصحاب هذا الخلاف فيما إذا زوجها الغاصب ووطئها الزوج؛ هل يرجع بالمهر على الغاصب سواء ضمنه المالك المهر أو لم يضمنه؟
وأيضًا؛ فإن المنصوص عن أحمد إن البائع إذا دلس العيب ثم تلف عند المشتري؛ فله الرجوع بالثمن، وكذلك لو نقص أو تعيب وهو موجود؛ فإنه يرده بغير شيء، ويأخذ الثمن إلا أن يكون حصل له انتفاع بما نقصه،
стр. 944
فإنه يرد عوف على أحد الوجهين إلحاقًا له بلبن المصراة مع أنه قد دخل على ضمان العين بالثمن (١)، ولكن سقط عنه لتدليس (٢) البائع العيب (٣)، وهو لا يمنع صحة العقد على الصحيح من المذهب، فلأن (٤) لا يستقر الضمان على المشتري من الغاصب مع تدليس الغاصب عليه وعدم صحة العقد أولى.
وأما المنافع إذا ضمنها المالك للمشتري (٥) بناءً على أن منافع (٦) المغصوب مضمونة، وهو المذهب؛ فيرجع بذلك على الغاصب لدخوله على استيفائها في ملكه بغير عوض، وسواء انتفع بها أو تلفت تحت يده.
وعن أحمد رواية أخرى: لا يرجع بما انتفع به لاستيفائه عوضه كما تقدم، وهي اختيار أبي بكر وابن أبي موسى، وحكم الثمرة والولد الحادث من المبيع حكم المنافع، إذا ضمنها رجع ببدلها (٧) على الغاصب، وكذلك الكسب، صرح به القاضي في "خلافه"؛ إلا أن يكون انتفع بشيء من ذلك؛ فيخرج على الروايتين.
وقد أشار أحمد إلى هذا في "رواية ابن منصور" فيمن باع ماشية أو شاة
стр. 945
فولدت أو نخلًا لها ثمرة فوجد بها عيبًا أو استحق أحد منه قيمة الثمرة وقيمة الولد إن كان أحدث فيهم شيئًا أو كان (١) باع أو استهلك، فإن كان مات أو ذهب به الريح؛ فليس عليه شيء، فأوجب عليه ضمان ما انتفع به من الثمرة والنتاج دون ما تلف (٢) في يده بغير فعله (٣)، ولم يذكر رجوعًا على الغاصب، وظاهر كلامه أن ما تلف في يده من النماء؛ فليس للمالك تضمينه ابتداءً؛ لأنه لم يدخل على ضمانه ولم ينتفع به، وهذا يقوي التخريج المذكور في القسم الذي قبله، وكذلك ظاهر كلام ابن أبي موسى [أنه] (٤) لا يضمن المشتري إلا ما يستقر عليه ضمانه، سواء دخل على ضمانه أو لم يدخل عليه، لكن انتفع (٥) به؛ كالخدمة ومهر المشتراة، وأما قيمة الأولاد؛ فيرجع (٦) بها عنده؛ لأن نفعها لغيره [لا له] (٧)، وأوجب على الغاصب قيمة غرس المشتري غير مقلوع إذا قلعه المالك، ومراده ما نقص بقلعه (٨)، وإنما أجاز للمالك قلع الغراس من غير ضمان نقصه؛ لأن ذلك ليس من باب تضمين [القابض من] (٤) الغاصب، بل هو من باب امتناع المالك من الضمان له، فإن تفريغ الأرض من الغراس الذي لم يأذن فيه
стр. 946
لا بد من تمكينه منه، ولا ضمان عليه فيه، حيث لم يأذن فيه، وإنما الضمان على الغار (١)؛ لتعديه، كما أن تضمين القابض ما لم يلتزم (٢) ضمانه ممتنع، حيث أمكن تضمين الغاصب لالتزامه الضمان (٣)؛ فيضمنه، وهل يرجع به؟
على روايتين؛ كرجوع المغرور في النكاح (٤) بالمهر.
تنبيه:
لو أقر المشتري للبائع بالملك؛ فلا رجوع له عليه، ولو أقر بصحة البيع؛ ففي الرجوع احتمالان ذكرهما القاضي، وقد يخرج كذلك في الإقرار بالملك حيث علم أن مستنده اليد، وقد بان عدوانها [وتعديه؛ فظهر بهذا أن الذي يدل عليه كلام أحمد: إن القابض لا يضمن إلا ما حصل له به نفع] (٥).
(اليد السادسة): القابضة عوضًا مستحقًا بغير عقد البيع؛ كالصداق، و [عوض] (٦) الخلع والعتق والصلح عن [دم] (٧) عمد إذا كان
стр. 947
معينًا (١)، أو كان القبض وفاءً لدين (٢) مستقر في الذمة من ثمن مبيع، أو [أجرة، أو] (٣) صداق، أو قيمة متلف ونحوه، فإذا تلفت هذه الأعيان في يد من قبضها، ثم استحقت؛ [فللمستحق] (٤) الرجوع على القابض ببدل العين والمنفعة على ما تقرر.
ويتخرج وجه (٥) آخر: أن لا مطالبة له عليه، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى في الصداق، والباقي مثله على القول بالتضمين؛ فيرجع على الغاصب بما غرم (٦) من قيمة المنافع لتغريره؛ إلا ما (٧) انتفع به؛ فإنه مخرج على الروايتين.
وأما قيم الأعيان؛ فمقتضى ما ذكره القاضي ومن اتبعه أنه لا يرجع بها؛ لأنه دخل على أنها مضمونة عليه بحقه، وسواء كانت القيمة المضمونة وفق حقه أو دونه أو أزيد منه إلا على الوجه المذكور في البيع بالرجوع بفضل القيمة، ثم إن كان القبض وفاء عن دين ثابت في الذمة؛ فهو باقٍ بحاله، وإن كان عوضًا معينًا (٨) في العقد؛ لم ينفسخ العقد ها هنا
стр. 948
باستحقاقه (١).
ولو قلنا: إن النكاح على المغصوب لا يصح؛ لأن القول بانتفاء الصحة مختص (٢) بحالة العلم كذلك (٣)، ذكره ابن أبي موسى، ويرجع على الزوج بقيمة المستحق في المنصوص، وهو قول القاضي في "خلافه"، وقال في "المجرد": يجب (٤) مهر المثل، وأما عوض الخلع والعتق والصلح عن دم العمد؛ ففيها (٥) وجهان:
أحدهما: يجب الرجوع فيها بقيمة العوض المستحق، وهو المنصوص؛ لأن هذه العقود لا تنفسخ باستحقاق أعواضها؛ فتجب (٦) قيمة العوض، وهو قول القاضي في أكثر كتبه، وجزم به صاحب "المحرر" (٧).
والثاني: تجب (٨) قيمة المستحق في الخلع والصلح عن الدم، بخلاف العتق؛ فإن الواجب فيه قيمة العبد؛ لأن العبد له قيمة في نفسه، فيرجع بقيمته، بخلاف البضع والدم؛ فإن القيمة لعوضهما لا لهما، وهو قول القاضي في (البيوع) من "خلافه".
ويشبه قول أصحابنا فيما إذا جعل عتق أمته صداقها، وقلنا: لا ينعقد
стр. 949
به النكاح، وأبت (١) أن تتزوجه على ذلك: إن (٢) عليها قيمة نفسها لا قيمة مهر مثلها.
وعلى الوجه المخرج في البيع أن المغرور يرجع بقيمة العين على الغاصب ها هنا كذلك.
(اليد السابعة): القابضة بمعاوضة عن المنفعة، وهي يد المستأجر؛ فقال القاضي والأكثرون: إذا ضمنت المنفعة؛ لم يرجع بها, ولو زادت أجرة المثل على الأجرة المسماة؛ ففيه ما مر من زيادة قيمة العين على الثمن، وإذا ضمنت قمة العين؛ رجعت بها على الغاصب لتغريره.
وفي "تعليقة أبي البركات على الهداية": يتخرج (٣) لأصحابنا وجهان:
أحدهما: أن المستأجر لا ضمان عليه بحال؛ كقول (٤) الجمهور.
[والثاني: تضمين] (٥) العين، وهل القرار عليه؟
لنا وجهان:
أحدهما: عليه.
والآخر (٦): على الغاصب، وهو الذي ذكره القاضي في "خلافه". انتهى.
стр. 950
والوجه الأول منزل على القول بأن المغرور لا يضمن شيئًا ابتداءً ولا استقرارًا، والوجه الآخر في قرار ضمان العين عليه يتنزل على الوجه المذكور في استقرار الضمان على المرتهن ونحوه بتلف العين تحت يده.
(اليد الثامنة): القابضة للشركة، وهي المتصرفة في المال بما ينميه بجز من النماء؛ كالشريك والمضارب والمزارع والمساقي، ولهم الأجرة (١) على الغاصب؛ لعملهم له بعوض لم يسلم، فأما المضارب والمزارع بالعين المغصوبة وشريك العنان (٢)، فقد دخلوا على أن لا ضمان عليهم بحال، فإذا ضمنوا على المشهور؛ رجعوا بما ضمنوا؛ إلا حصتهم من الربح؛ فلا يرجعون بضمانها لدخولهم على ضمانها عليهم بالعمل، كذلك (٣) ذكره القاضي وابن عقيل في المساقي والمزارع نظيره.
أما المضارب والشريك؛ فلا ينبغي أن يستقر عليهم ضمان شيء بدون القسمة، سواء قلنا: ملكوا الربح بالظهور أو لا؛ لأن حصتهم وقاية لرأس المال، وليس لهم الانفراد بالقسمة؛ فلم يتعين لهم شيء مضمون.
وحكى الأصحاب في المضارب [للمضارب] (٤) بغير إذن وجهًا آخر: إنه (٥) لا يرجع بما ضمنه بناءً على الوجه المذكور باستقرار الضمان على من تلف المال بيده.