← Каваид фикха

Каваид фикха · id 17894

قواعد ابن رجب - ت مشهور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 699 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

لا بد من تمكينه منه، ولا ضمان عليه فيه، حيث لم يأذن فيه، وإنما الضمان على الغار (١)؛ لتعديه، كما أن تضمين القابض ما لم يلتزم (٢) ضمانه ممتنع، حيث أمكن تضمين الغاصب لالتزامه الضمان (٣)؛ فيضمنه، وهل يرجع به؟ على روايتين؛ كرجوع المغرور في النكاح (٤) بالمهر. تنبيه: لو أقر المشتري للبائع بالملك؛ فلا رجوع له عليه، ولو أقر بصحة البيع؛ ففي الرجوع احتمالان ذكرهما القاضي، وقد يخرج كذلك في الإقرار بالملك حيث علم أن مستنده اليد، وقد بان عدوانها [وتعديه؛ فظهر بهذا أن الذي يدل عليه كلام أحمد: إن القابض لا يضمن إلا ما حصل له به نفع] (٥). (اليد السادسة): القابضة عوضًا مستحقًا بغير عقد البيع؛ كالصداق، و [عوض] (٦) الخلع والعتق والصلح عن [دم] (٧) عمد إذا كان

стр. 947

معينًا (١)، أو كان القبض وفاءً لدين (٢) مستقر في الذمة من ثمن مبيع، أو [أجرة، أو] (٣) صداق، أو قيمة متلف ونحوه، فإذا تلفت هذه الأعيان في يد من قبضها، ثم استحقت؛ [فللمستحق] (٤) الرجوع على القابض ببدل العين والمنفعة على ما تقرر. ويتخرج وجه (٥) آخر: أن لا مطالبة له عليه، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى في الصداق، والباقي مثله على القول بالتضمين؛ فيرجع على الغاصب بما غرم (٦) من قيمة المنافع لتغريره؛ إلا ما (٧) انتفع به؛ فإنه مخرج على الروايتين. وأما قيم الأعيان؛ فمقتضى ما ذكره القاضي ومن اتبعه أنه لا يرجع بها؛ لأنه دخل على أنها مضمونة عليه بحقه، وسواء كانت القيمة المضمونة وفق حقه أو دونه أو أزيد منه إلا على الوجه المذكور في البيع بالرجوع بفضل القيمة، ثم إن كان القبض وفاء عن دين ثابت في الذمة؛ فهو باقٍ بحاله، وإن كان عوضًا معينًا (٨) في العقد؛ لم ينفسخ العقد ها هنا

стр. 948

باستحقاقه (١). ولو قلنا: إن النكاح على المغصوب لا يصح؛ لأن القول بانتفاء الصحة مختص (٢) بحالة العلم كذلك (٣)، ذكره ابن أبي موسى، ويرجع على الزوج بقيمة المستحق في المنصوص، وهو قول القاضي في "خلافه"، وقال في "المجرد": يجب (٤) مهر المثل، وأما عوض الخلع والعتق والصلح عن دم العمد؛ ففيها (٥) وجهان: أحدهما: يجب الرجوع فيها بقيمة العوض المستحق، وهو المنصوص؛ لأن هذه العقود لا تنفسخ باستحقاق أعواضها؛ فتجب (٦) قيمة العوض، وهو قول القاضي في أكثر كتبه، وجزم به صاحب "المحرر" (٧). والثاني: تجب (٨) قيمة المستحق في الخلع والصلح عن الدم، بخلاف العتق؛ فإن الواجب فيه قيمة العبد؛ لأن العبد له قيمة في نفسه، فيرجع بقيمته، بخلاف البضع والدم؛ فإن القيمة لعوضهما لا لهما، وهو قول القاضي في (البيوع) من "خلافه". ويشبه قول أصحابنا فيما إذا جعل عتق أمته صداقها، وقلنا: لا ينعقد

стр. 949

به النكاح، وأبت (١) أن تتزوجه على ذلك: إن (٢) عليها قيمة نفسها لا قيمة مهر مثلها. وعلى الوجه المخرج في البيع أن المغرور يرجع بقيمة العين على الغاصب ها هنا كذلك. (اليد السابعة): القابضة بمعاوضة عن المنفعة، وهي يد المستأجر؛ فقال القاضي والأكثرون: إذا ضمنت المنفعة؛ لم يرجع بها, ولو زادت أجرة المثل على الأجرة المسماة؛ ففيه ما مر من زيادة قيمة العين على الثمن، وإذا ضمنت قمة العين؛ رجعت بها على الغاصب لتغريره. وفي "تعليقة أبي البركات على الهداية": يتخرج (٣) لأصحابنا وجهان: أحدهما: أن المستأجر لا ضمان عليه بحال؛ كقول (٤) الجمهور. [والثاني: تضمين] (٥) العين، وهل القرار عليه؟ لنا وجهان: أحدهما: عليه. والآخر (٦): على الغاصب، وهو الذي ذكره القاضي في "خلافه". انتهى.

стр. 950

والوجه الأول منزل على القول بأن المغرور لا يضمن شيئًا ابتداءً ولا استقرارًا، والوجه الآخر في قرار ضمان العين عليه يتنزل على الوجه المذكور في استقرار الضمان على المرتهن ونحوه بتلف العين تحت يده. (اليد الثامنة): القابضة للشركة، وهي المتصرفة في المال بما ينميه بجز من النماء؛ كالشريك والمضارب والمزارع والمساقي، ولهم الأجرة (١) على الغاصب؛ لعملهم له بعوض لم يسلم، فأما المضارب والمزارع بالعين المغصوبة وشريك العنان (٢)، فقد دخلوا على أن لا ضمان عليهم بحال، فإذا ضمنوا على المشهور؛ رجعوا بما ضمنوا؛ إلا حصتهم من الربح؛ فلا يرجعون بضمانها لدخولهم على ضمانها عليهم بالعمل، كذلك (٣) ذكره القاضي وابن عقيل في المساقي والمزارع نظيره. أما المضارب والشريك؛ فلا ينبغي أن يستقر عليهم ضمان شيء بدون القسمة، سواء قلنا: ملكوا الربح بالظهور أو لا؛ لأن حصتهم وقاية لرأس المال، وليس لهم الانفراد بالقسمة؛ فلم يتعين لهم شيء مضمون. وحكى الأصحاب في المضارب [للمضارب] (٤) بغير إذن وجهًا آخر: إنه (٥) لا يرجع بما ضمنه بناءً على الوجه المذكور باستقرار الضمان على من تلف المال بيده.

стр. 951

ويتخرج وجه آخر: إنه (١) لا بملك المالك تضمينهم بحال لدخولهم على الأمانة، وقد ذكرنا فيما (٢) تقدم حكم ضمان الشريك والمضارب [للمال] (٣)، وإنما أعدناه ها هنا لذكر النماء. وأما المساقي إذا ظهر الشجر مستحقًا بعد تكملة العمل؛ فللعامل أجرة المثل لعمله على الغاصب. وأما الثمر إذا تلف؛ فله حالتان: إحداهما: أن بتلف بعد القسمة؛ فللمالك تضمين كل من الغاصب والعامل ما قبضه، وله أن يضمن الكل للغاصب، فإذا ضمنه الكل؛ رجع على العامل بما قبضه لنفسه؛ لأنه أخذ العوض؛ فهو كالمشتري من الغاصب. وفي "المغني" احتمال: لا يرجع عليه؛ لتغريره (٤)؛ فأشبه من قال [لغيره] (٥): كُلْ هذا؛ فإنه طعامي، ثم بان مستحقًّا. وهو قريب من الوجه السابق باستقرار ضمان المبيع على الغاصب بكل حال، وهل للمالك أن يضمن العامل جميع الثمرة؟ ذكر القاضي فيه احتمالين: أحدهما: نعم؛ لأن يده ثبتت (٦) على الكل مشاهدة بغير حق، ثم

стр. 952

يرجع العامل على الغاصب بما قبضه من الثمر على المشهور، وبالكل على الاحتمال المذكور. والثاني: لا؛ لأنه لم يكن قابضًا على الحقيقة، وإنما كان مراعيًا حافظًا، ويشهد لهذا ما قاله ابن حامد فيما إذا ختلف المساقي والمالك (١) في قدر المشروط (٢) للعامل من الثمر، [وأقاما بينتين] (٣) أنه تقدم بينة (٤) العامل؛ لأنه خارج والمالك هو الداخل لاتصال الثمر بملكه، ولو اشترى ثمرة شجر شراءً فاسدًا، وخلى البائع بينه وبينه على شجره (٥)؛ لم يضمنه بذلك لعدم ثبوت يده عليه، ذكر (٦) بعض أصحابنا أنه محل وفاق. الحالة الثانية: أن يتلف الثمر قبل القسمة؛ إما على الشجر، أو بعد جده؛ ففي "التلخيص" في مطالبة العامل بالجميع احتمالان، وكذا لو تلف بعض الشجر وهو ملتفت إلى أن يد العامل هل تثبت على الشجر والثمر الذي عليه أم لا؟ والأظهر أن لا؛ لأن الضمان عندنا لا ينتقل في الثمر المعلق على شجرة بالتخلية؛ إلا أن يقال: يده ها هنا على الثمر حصلت تبعًا لثبوت يده على الشجر؛ فيقال: وفي (٧) ثبوت يده على الشجر هنا (٨)

стр. 953

تردد ذكرناه آنفًا، حتى لو تلف بعض الشجر؛ ففي تضمينه للعامل الاحتمالان (١)، صرح به في "التلخيص" أيضًا، ولو اشترى شجرة بثمرها؛ فهل يدخل الثمر في ضمانه (٢) تبعًا لشجره؟ قال ابن عقيل في "فنونه": لا يدخل. [ويتخرج وجه آخر بدخوله] (٣) تبعًا لانقطاع علق البائع عنه من السقي وغيره. وبكل حال؛ فيتوجه أن يضمن العامل الثمر التالف بعد جذاذه (٤) واستحفاظه، بخلاف ما على الشجر. (اليد التاسعة): القابضة تملكًا لا بعوض؛ إما للعين (٥) بمنافعها بالهبة والوقف والصدقة [والهدية] (٦) والوصية أو للمنفعة؛ كالموصى له بالمنافع؛ فالمشهور أنها ترجع بما ضمننه بكل حال؛ لأنها دخلت على أنها غير ضامنة لشيء؛ فهي مغرورة، إلا ما حصل لها به نفع؛ ففي رجوعها بضمانه الروايتان. ويتخرج وجه آخر: أنها لا تضمن ابتداءً ما لا (٧) يستقر [ضمانها

стр. 954

عليه] (١). وذكر القاضي وابن عقيل رواية: أنها لا ترجع بما ضمنته بحال، وهو منزل على القول باستقرار الضمان على ص تلف (٢) تحت يده، وإن كان أمينًا كما سبق. ثم اختلف الأصحاب في محل الروايتين في الرجوع بما انتفعت به على طرق ثلاثة: إحداهن: أن محلهما إذا لم يقل الغاصب: هذا ملكي، أو ما يدل عليه؛ فإن قال ذلك؛ فالقرار (٣) عليه بغير خلاف لاعترافه باستقرار الضمان عليه ونفيه عن القابض، وهي طريقة "المغني" (٤). والثانية: إن ضمن المالك القابض ابتداءً؛ ففي رجوعه على الغاصب الروايتان (٥) مطلقًا، وإن ضمن الغاصب ابتداءً، فإن كان القابض قد أقر [له بالملكية] (٦)؛ لم يرجع على القابض رواية واحدة، ولو قلنا: إن ما ينتفع به يستقر ضمانه عليه؛ لأنه بإقراره بالملك معترف بأن المستحق ظالم له بالتغريم؛ فلا يرجع بظلمه على غير ظالمه، وهي طريقة القاضي.

стр. 955

والثالث: الخلاف في الكل من غير تفصيل، وهي طريقة أبي الخطاب وجماعة (١). (اليد العاشرة): المتلفة للمال نيابةً عن الغاصب؛ كالذابح (٢) للحيوان والطابخ له؛ فلا قرار عليها بحال، وإنما القرار على الغاصب؛ لوقوع الفعل له، فهو كالمباشر، كذا قال (٣) القاضي وابن عقيل والأصحاب. ويتخرج وجه آخر بالقرار عليها فيما أتلفته (٤)؛ كالمودع إذا تلف (٥) تحت يده، وأولى؛ لمباشرتها للإتلاف. ويتخرج وجه آخر بلا ضمان عليها بحال من نص أحمد فيمن حفر لرجل في غير ملكه بئرًا فوقع فيها إنسان، فقال الحافر (٦): ظننت أنها في ملكه؛ فلا شيء عليه. وبذلك جزم القاضي وابن عقيل في (كتاب الجنايات) (٧)، مع اشتراك الحافر والآمر [في التسبب] (٨) وانفراد الحافر بمباشرة السبب، وإنما

стр. 956

سقط عنه الضمان (١) لعدم علمه بالحال، وها هنا؛ أولى لاشتراكهما (٢) في ثبوت اليد، ولو أتلفته على وجه محرم شرعًا عالمة بتحريمه؛ كالقاتلة للعبد المغصوب، والمحرقة للمال بإذن الغاصب؛ ففي "التلخيص" يستقر عليها الضمان لأنها عالمة بالتحريم (٣)؛ فهي كالعالمة بأنه مال الغير، ورجح الحارثي دخولها في قسم المغرور؛ لأنها غير عالمة بالضمان؛ فتغرير الغاصب لها حاصل، واللَّه أعلم. * * *

стр. 957

(القاعدة الرابعة والتسعون) وقبض (١) مال الغير من يد قابضه بحق بغير إذن مالكه. إن كان يجوز له إقباضه؛ فهو أمانة عند الثاني إن كان الأول أمينًا، وإلا؛ فلا، كان لم يكن (٢) إقباضه جائزًا؛ فالضمان عليها. ويتخرج [فيه] (٣) وجه آخر: ألا يضمن غير الأول، ويندرج تحت ذلك صور: - (منها): مودع المودع، فإن كان حيث يجوز الإيداع؛ فلا ضمان على واحد منهما، وإن كان (٤) حيث لا يجوز؛ فالضمان على الأول، وفي الثاني وجهان سبق ذكرهما. - (ومنها): المستأجر من المستأجر، فإن كان حيث يجوز الإيجار (٥) بأن كان لمن يقوم مقامه في الانتفاع؛ فلا ضمان، وإلا؛ ثبت (٦) الضمان عليهما (٧)، وقراره في العين على الأول.

стр. 958

ويتخرج وجه آخر: أن (١) لا ضمان على الثاني بحال من المودع. - (ومنها): مضارب (٢) المضارب، حيث يجوز (٣)؛ فهو أمين، وهل الثاني مضارب للمالك والأول وكيل في العقد لا شيء له من الربح، أو هو مضارب للأول فالربح بينهما؟ على وجهين، جزم القاضي (٤) في "المجرد" بالأول، ثم اختار الثاني فيما إذا دفعه مضاربة وقلنا: لا يجوز له ذلك، وحيث منع من دفعه مضاربة؛ فللمالك تضمين أيهما شاء، ويرجع الثاني على الأول إن لم يعلم بالحال؛ لدخوله على الأمانة. وفيه وجه آخر: لا يرجع؛ لحصول التلف تحت يده، وقد سبق أصله. ويتخرج: أن لا يضمن الثاني بحال؛ كان علم بالحال؛ فهل هو كالغاصب لا أجرة له، أو كالمضارب المتعدي أجرة المثل؟ يحتمل وجهين، قاله صاحب "التلخيص"، وحكاهما صاحب "الكافي" روايتين من غير تقييد بحالة العلم (٥). - (ومنها): وكيل الوكيل حيث لا يجوز له التوكيل، وهو (٦)

стр. 959

كالمضارب في (١) الضمان. - (ومنها): المستعير من المستعير، فإن قلنا بجوازه؛ فكل مهما ضامن للعين دون المنفعة لدخوله على ذلك على بصيرة، وإذا تلف (٢) عند الثاني؛ ضمنه المالك كما لو كان هو المعير له، ولم يرجع على الأول لانتفاء التغرير، وإن قلنا بالمنع، وهو المشهور؛ فللمالك مطالبة كل منهما بضمان العين والمنفعة والقرار (٣) على الثاني لحصول التلف [في] (٤) يده إن كان عالمًا بالحال، ومع عدم العلم يستقر عليه ضمان العين دون المنفعة؛ فإنه يستقر ضمانها على الأول لتغريره، كذا قال الأصحاب. ويتخرج وجه آخر: إنه لا يضمن الثاني إذا لم يعلم بالحال. - (ومنها): المستعير من المستأجر، قال في "التلخيص": هو أمين [في] (٥) الصحيح؛ لقبضه من يد أمين؛ فلا يكون ضامنًا. - (ومنها): المشتري من الوكيل المخالف مخالفة يفسد بها البيع إذا تلف المبيع في يده؛ فللموكل تضمين القيمة من شاء (٦) من الوكيل والمشتري على المشهور، ثم إن ضمن الوكيل؛ رجع على المشتري لتلفه في يده.

стр. 960

(القاعدة الخامسة والتسعون) من أتلف [مال غيره] (١) وهو يظن أنه له، أو تصرف فيه يظن لنفسه ولاية عليه، ثم تبين (٢) خطأ ظنه (٣). فإن كان مستندًا إلى سبب ظاهر من غيره، ثم تبين خطأ المتسبب، أو أقره (٤) بتعمده للجناية؛ ضمن المتسبب، وإن كان مستندًا إلى اجتهاد مجرد؛ كمن دفع مالًا تحت يده إلى من يظن أنه مالكه أو أنه يجب الدفع إليه، أو أنه يجوز ذلك، أو دفع ماله الذي يجب عليه إخراجه لحق اللَّه [تعالى] (٥) إلى من يظنه مستحقًّا، ثم تبين الخطأ؛ ففي ضمانه قولان، وإن تبين أن المستند لا يجوز الاعتماد عليه، ولم يتبين أن الأمر بخلافه؛ فإن تعلق به حكم فنقص؛ فالضمان على المتلف، وإلا؛ فلا ضمان، ويندرج تحت هذه الجملة مسائل:

стр. 961

- (منها): أن يشهد شاهدان بموت زيد، فيقسم ماله بين ورثته، ثم تبين (١) بطلان الشهادة بقدومه حيًّا؛ فنص أحمد في "رواية الميموني": أنهما يضمنان المال، ولم يتعرض للورثة، وظاهر كلامه استقرار الضمان على الشهود (٢) أو اختصاصهم به، وهو في الجملة موافق لقوله المشهور (٣) عنه في تقرير الضمان على الغار كما سبق، وقال القاضي: يحتمل أن يكون أغرم الورثة، ورجعوا بذلك على الشهود لتغريرهم، ولا ضمان هنا على الحاكم! لأنه ملجأ إلى الحكم [جرحة] (٤) الشهود. ونقل أبو النصر العجلي (٥) عن أحمد في حاكم رجم رجلًا بشهادة أربعة بالزنا، ثم تبين أنه مجبوب: أن الضمان على الحاكم، ولعل تضمينه ها هنا لتفريطه؛ إذ المجبوب لا يخفى أمره غالبًا؛ فترك (٦) الفحص عن حاله تفريط.

стр. 962

- (ومنها): لو حكم الحاكم بمال، ثم رجع الشهود وصرحوا بالخطأ أو التعمد بشهادة (١) الزور؛ فإن الضمان يختص بهم لاعترافهم، ولا ينقض (٢) حكم الحاكم بمجرد ذلك، ولا يرجع على المحكوم له بشيء، كما لو باع عينًا أو وهبها (٣) أوأقر بها لرجل ثم أقر بها بعد [ذلك] (٤) لآخر؛ فإنه لا يقبل إقراره على الأول، ويضمن الثاني. - (ومنها): أن يحكم الحاكم بمال ويستوفي، ثم تبين (٥) أن الشهود فساق أو كفار؛ فإن حكمه في الباطن غير نافذ بالاتفاق، نقله [عنه] (٦) أبو الخطاب في "انتصاره"، وأما في الظاهر؛ فهو نافذ، وهل يجب نقضه؟ المذهب وجوبه، وهو قول الخرقي (٧)؛ لتبين (٨) انتفاء شرط الحكم، فلم يصادف محلًّا، ثم يجب ضمان المال على المحكوم له [به] (٩) لإتلافه له مباشرة. قال القاضي: ولو كان المحكوم له معسرًا، فللمستحق مطالبة الإِمام، وقرار (١٠) الضمان على المحكوم له ولا شيء على المزكين بحال،

стр. 963

ولو حكم لآدمي بإتلاف نفس أو طرف؛ فطريقان: أحدهما: هو كالمال؛ لأن المستوفي هو المحكوم له، والإمام ممكن لا غير، وهي طريقة "المحرر" (١). والثاني: يضمنه الحاكم، صرح به القاضي في "المجرد"، وهو وفق إطلاق الأكثرين؛ لأن المحكوم له لم يقبض شيئًا؛ فنسب الفعل (٢) إلى خطأ الامام، كما لو كان المستوفى حقًّا للَّه (٣)؛ فإن ضمانه على الإمام. وحكى القاضي وغيره رواية أخرى: أنه لا ينقض الحكم إذا بأن الشهود فساقًا، ويضمن الشهود؛ كما لو رجعوا عن الشهادة، وهذا ضعيف جدًّا، ولا أصل لذلك في كلام أحمد، وإنما أخذوه من "رواية الميموني" في المسألة الأولى، وتلك لا فسق فيها؛ لجواز غفلة (٤) الشهود، وإنما ضمنوا لتبين بطلان شهادتهم بالعيان؛ فهو أعظم من الرجوع، ولا يمكن بقاء (٥) الحكم بعد تبين فساد المحكوم به عيانًا، ولا يصح إلحاق الفسق في الضمان بالرجوع؛ لأن الراجعين اعترفوا ببطلان شهادتهم وتسببهم إلى انتزاع مال المعصوم، وقولهم غير مقبول على نقض الحكم؛ فتعين تغريمهم، وليس ها هنا اعتراف ينبني (٦) عليه التغريم؛ فلا وجه له؛

стр. 964

فالصواب الجزم بأنه لا ضمان على أحد على القول بأن الحكم لا ينقض؛ كما جزم به في "المحرر" (١). - (ومنها): إذا وصى إلى (٢) رجل بتفريق ثلثه ففعل، ثم تبين (٣) أن عليه دينًا مستغرقًا للتركة؛ ففي ضمانه روايتان، ولكن هنا لم يتصرف في ملك الغرماء، بل فيما تعلق به حقهم، [ولكنه تعلق قوي] (٤)، لا سيما إن قلنا: لم ينتقل إلى الورثة، ولهذا قال أحمد في "رواية ابن منصور": التركة (٥) هي للغرماء لا للورثة، ولهذا لا يملك الورثة التصرف فيها إلا بشرط الضمان. وخرج الشيح تقي الدين على هذا الخلاف كل من تصرف بولاية في مال، ثم تبين أنه مستحق (٦). - (ومنها): لو وصى لشخص بشيء، فلم يعرف الموصى له؛ صرفه الوصي أو الحاكم فيما يراه من أبواب البر، فإن جاء الموصى له وأثبت ذلك؛ فهل يضمن المفرق ما فرقه؟ على روايتين، قال ابن أبي موسى: أظهرهما لا ضمان عليه، وقال أبو بكر في "الشَّافي": إنْ فعله الوصي بإذن الحاكم؛ لم يضمن، وإن

стр. 965

[كان] (١) بدون إذنه؛ ضمن. - (ومنها): لو اشترى الورثة عبدًا من التركة وأعتقوه تنفيذًا لوصية مورثهم بذلك، ثم ظهر دين مستغرق؛ فإنهم يضمنون للغرماء، ذكره القاضي وابن عقيل. ويتخرج فيه وجه آخر بانتفاء الضمان من مسألة الوصي. - (ومنها): لو اشترى المضارب من يعتق على رب المال (٢)؛ صح، وعتق عليه، وهل يضمن (٣) العامل؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يضمن بكل حال، سواء كان عالمًا بالحال أو جاهلًا، قاله القاضي في "المجرد" وأبو الخطاب (٤). والثاني: إن كان جاهلًا؛ لم يضمن، وإن كان عالمًا؛ ضمن، كما لو عامل فاسقًا أو مماطلًا، أو سافر سفرًا مخوفًا، أو دفع الوصي وأمين (٥) الحاكم مال اليتيم مضاربة إلى من ظاهره العدالة، فبان بخلافه؛ فإنه لا

стр. 966

ضمان في ذلك كله إلا مع العلم، وهو قول أبي بكر في "التنبيه" والقاضي في "خلافه". والثالث: لا ضمان بكل حال، حكاه أبو بكر، وعلى (١) الضمان؛ فهل (٢) يضمنه بالثمن المشتري أو بقيمة المثل ويكون شريكًا في الربح الزائد؟ على قولين (٣) ذكرهما أبو بكر. - (ومنها): إذا دفع القصار ثوب رجل إلى غيره خطأ، فتصرف فيه المدفوع إليه بقطع أو لبس يظنه ثوبه؛ فنقل حنبل عن أحمد في قصار أبدل الثوب فأخذه صاحبه فقطعه وهو لا يعلم: أنه ثوبه، قال على القصار إذا أبدل قيل له: فإن كان مالًا فأنفقه؟ قال: [ليس هذا] (٤) مثل المال على الذي أنفقه؛ لأنه مال تلف؛ ففرق بين المال إذا أنفق وتلف وبين الثوب إذا قطع؛ لأن العين هنا موجودة فيمن الرجوع فيها ويضمن نقصها القصار بجنايته (٥) خطأ. وظاهر كلامه [أنه لا يضمن] (٦) القاطع؛ لأنه مغرور، ولم (٧) يدخل

стр. 967

على الضمان، أما إن دفع إليه دراهم غيره يظنه صاحبها، فأنفقها؛ فالضمان على المنفق؛ وإن كان مغرورًا لتلف المال تحت يده بانتفاعه به، وذلك مقرر للضمان مع [التعزير في] (١) إحدى الروايتين. ونقل محمد بن الحكم عن أحمد في هذه المسألة أنه ذكر له قول مالك: لا يغرم الذي لبسه ويغرم الغسال لصاحب الثوب. فقال: لا يعجبني ما قال، ولكن إذا هو لم يعلم، فلبسه؛ فإن عليه ما نقص ليس على القصار شيء، فأوجب هنا الضمان (٢) على اللابس لاستيفائه المنفعة دون الدافع؛ لأنه (٣) لم يتعمد الجناية، فكأن إحالة الضمان على المستوفي للنفع أولًا. وهذه الرواية توافق ما قبلها في تقرير الضمان على المنتفع، لا سيما والدافع هنا معذور (٤)، وإنما ضمن القصار القطع؛ لأنه تلف لم يحدث من انتفاع القابض؛ فكان ضمانه على الدافع لنسبته إليه. فالروايتان إذًا متفقتان، ومن الأصحاب من جعلهما مختلفتين في أن الضمان هل هو على القصار أو [على] (٥) المدفوع إليه، ثم منهم من حمل رواية ضمان القصار على أنه كان أجيرًا مشتركًا فيضمن جناية يده ورواية عدم ضمانه على أنه كان أجيرًا خاصًّا؛ فلا يضمن جنايته ما لم يتعمدها،

стр. 968

وأشار القاضي في "المجرد" إلى ذلك (١). - (ومنها): لو دفع الملتقط اللقطة إلى واصفها، ثم أقام غيره البينة أنها له، فإن كان الدفع بحكم حاكم؛ فلا ضمان على الدافع، وإن كان بدونه؛ فوجهان: أحدهما: لا ضمان لوجوب الدفع (٢) عليه؛ فلا ينسب إلى تفريط. والثاني: عليه الضمان، وهو قول القاضي، ثم يرجع به على الواصف؛ إلا أن يكون قد أقر له بالملك. أما لو دفع الوديعة إلى من يظنه صاحبها، ثم تبين الخطأ؛ فقال الأصحاب: يضمن لتفريطه. ويتخرج فيه وجه آخر: أن الضمان على المتلف وحده، وهو ظاهر ما نقله حنبل عن أحمد في مسألة القصار، ولو قتل من يظنه قاتل أبيه لاشتباهه به في الصورة؛ قتل به لتفريطه في اجتهاده، ذكره ابن عقيل في "مفرداته". ويتخرج (٣) [فيه وجه آخر] (٣): أن لا قود، وأنه يضمن بالدية، كما لو قطع يسار قاطع يمينه ظانًّا أنها اليمين؛ فإنه لا قود، وسواء كان الجاني عاقلًا أو مجنونًا، وفي وجوب الدية [له] (٤) وجهان.

стр. 969

- (ومنها): لو مضى على المفقود (١) من تجوز فيه قسمة ماله، فقسم، ثم قدم؛ فذكر القاضي أن أبا يكر حكى في ضمان ما تلف في أيدي الورثة منه روايتين، والمنصوص عن أحمد في "رواية الميموني" و"ابن منصور" [وأبي داود] (٢): عدم الضمان، وهو الذي ذكره أبو بكر في "التنبيه"، ووجهه أنه جاز اقتسام المال في الظاهر والتصرف فيه، ولهذا يباح لزوجته أن تتزوج، وإذا قدم خير بينها وبين المهر؛ فجعل التصرف فيما يملكه من مال وبضع موقوفًا على تنفيذه وإجازته ما دام موجودًا، فإذا تلف؛ [فقد] (٣) مضى الحكم فيه ونفذ، فإن إجازته ورده إنما يتعلق بالموجود لا بالمفقود، وقد نص أحمد في "رواية أبي طالب" على أنه إذا قدم بعد أن تزوجت زوجته وماتت؛ فلا خيار له ولا يرثها، ويشبه ذلك اللقطة إذا قدم المالك بعد الحول والتملك وقد تلفت؛ فالمشهور أنه يجب ضمانها للمالك، وذكر ابن أبي موسى رواية أخرى: أنه لا يجب الضمان مع

стр. 970

التلف، وإنما يجب الرد مع بقاء العين. - (ومنها): لو قبضت المطلقةُ البائن النفقةَ يظن أنها حامل، [ثم بانت حائلًا] (١)؛ ففي الرجوع عليها روايتان. - (ومنها): لو غاب الزوج، فأنفقت الزوجة من ماله، ثم تبين موته؛ فهل يرجع عليها [بما أنفقته بعد موته] (٢)؟. على روايتين. - (ومنها): لو دفع زكاة ماله (٣) أو كفارته إلى من بظنه فقيرًا، فبان أنه غني؛ ففي وجوب الضمان عليه روايتان، أصحهما أن لا ضمان، وكذلك لو كان العامل هو الدافع، قاله القاضي في "الأحكام السلطانية" (٤)، وقال في "المجرد": لا يضمن الإمام بغير خلاف؛ لأنه أمين، ولم يفرط لأن هذا لم يمكن الاحتراز منه، وإن بأن عبدًا أو كافرًا أو هاشميًّا؛ فقيل: هو على الخلاف، وبه جزم ابن عقيل في "الفنون" (٥)، وكذلك ذكر القاضي في آخر "الجامع الصغير"؛ إلا أنه خرج الخلاف في الضمان هنا على القول بعدمه في الغنى (٦)، وقيل: لا يجزئه رواية واحدة؛ لظهور التفريط في الاجتهاد، فإن هذه الأوصاف لا تخفى بخلاف الغنى،

стр. 971

وإن بان أنه بسبب نفسه؛ فطريقان: أحدهما: لا يجزئ (١) قولًا واحدًا. [والثاني: هو كما لو بان] (٢) غنيًّا. والمنصوص ها هنا الإجزاء؛ لأن المانع خشية المحاباة؛ وهو منتف مع عدم العلم. قال الشيخ تقي الدين: وعلى قياس ذلك مال الفيء والخمس والأموال الموصى بها والموقوفة إذا ظن المتصرف فيها أن الآخذ مستحق فأخطأ. * * *

стр. 972

(القاعدة السادسة والتسعون) من وجب عليه أداء عين مال، فأداه عنه غيره بغير إذنه؛ هل تقع موقعه وبنتفي الضمان عن المؤدي؟ هذا على قسمين: أحدهما: أن تكون العين ملكًا لمن وجب عليه الأداء، وقد تعلق بها حق [الغير] (١)، فإن كان المتصرف له ولاية التصرف؛ وقع الموقع ولا ضمان، ولو كان الواجب دينًا؛ وإن لم يكن له ولاية؛ فإن كانت العين متميزة بنفسها؛ فلا ضمان، ويجزئ (٢)، وإن لم تكن متميزة من بقية ماله؛ ضمن ولم يجزئ، إلا أن يجيز المالك التصرف، ويقول (٣) بوقف عقود الفضولي على الإجازة، ويتفرع على هذا مسائل: - (منها): لو امتنع من وفاء دينه وله مال، فباع الحاكم ماله ووفاه عنه؛ صح، وبرئ منه ولا ضمان. - (ومنها): لو امتنع من أداء الزكاة، فأخذها الإمام منه قهرًا؛ فإنها (٤)

стр. 973

تجزئ عنه ظاهرًا وباطنًا في أصح الوجهين، وهو ظاهر كلام [الإمام] (١) أحمد والخرقي (٢)؛ لأن للإمام ولاية على الممتنع، وهذا حق تدخله النيابة، فوقع موقعه. - (ومنها): لو تعذر استئذان من وجبت عليه الزكاة لغيبة (٣) أو حبس، فأخذ الساعي الزكاة من ماله؛ سقطت عنه. - (ومنها): ولي الصبي والمجنون يخرج عنهما الزكاة، ويجزئ؛ كما يؤدي عنهما سائر الواجبات المالية من النفقات والغرامات (٤). - (ومنها): إذا عين أضحية، فذبحها غيره [عنه] (٥) بغير إذنه؛ أجزأت عن صاحبها، ولم يضمن الذابح شيئًا، نص عليه؛ لأنها متعينة للذبح ما لم يبدلها، وإراقة دمها واجب؛ فالذابح قد عجل الواجب، فوقع موقعه. ولا فرق عند الأكثرين بين أن تكون معينة ابتداءً، أو عن واجب في الذمة. وفرق صاحب "التلخيص" [بين ما وجب في الذمة وغيره] (٦) وقال: المعينة [عن واجب] (٧) في الذمة يشترط لها نية المالك (٨) عند الذبح؛ فلا

стр. 974

يجزئ ذبح غيره لها بغير إذنه؛ فيضمن. - (ومنها): لو أحرم وفي يده المشاهدة صيد، فأطلقه [غيره بغير إذنه؛ فقال] (١) القاضي والأكثرون: لا يضمن؛ لأنه فعل الواجب عليه، كما لو أدى عنه دينه في هذه (٢) الحال. وفي "المبهج" للشيرازي: أنه يضمن (٣)؛ لأن ملكه لم يزل عنه، وإرسال [الصيد] (٤) إتلاف يوجب الضمان؛ فهو كقتله، اللهم إلا أن يكون المرسل حاكمًا أو ولي صبي؛ فلا ضمان للولاية، وهذا كله بناءً على قولنا: يجب عليه إرساله وإلحاقه بالوحش، وهو المنصوص. أما إن قلنا: يجوز له نقل يده إلى غيره بإعارة أو إيداع -كما قاله القاضي في "المجرد" وابن عقيل في (باب العارية) -؛ فالضمان واجب بغير إشكال. - (ومنها): لو نذر الصدقة بمال معين، فتصدق [به] (٥) عنه غيره؛ ففيه وجهان: أحدهما: لا ضمان عليه؛ كالأضحية، وهو اختيار أبي الخطاب في "الانتصار" (٦)، سواء قيل بزوال ملكه أو امتناع الإبدال، كما (٧) اختاره، أو

стр. 975

ببقاء الملك وجواز الإبدال؛ إذ لا فرق بين الدراهم المنذورة وبين الأضحية في ذلك. والثاني (١): الضمان، وهو قول القاضي وابن عقيل. ويشكل الفرق بينه وبين الأضحية [لا سيما والنقود (٢) لا تتعين بالتعيين في العقود على إحدى الروايتين، بخلاف الحيوان، وقد يقال في الفرق: إن الأضحية إنما يجوز إبدالها بخير منها، والنقود متساوية غالبًا؛ فلا معنى لإبدالها] (٣). وقد أشار القاضي إلى الفرق بأن النذر يحتاج إخراجها (٤) إلى نية كالزكاة، وهذا (٥) ممنوع، بل نقول في نذر الصدقة بالمعين ما نقول في الأضحية المعينة. وأما إذا أدى غيره زكاته الواجبة من ماله أو نذره الواجب في الذمة أو كفارته من ماله بغير إذنه، حيث لا ولاية له عليه؛ فإنه يضمن في المشهور؛ لأنه لا يسقط به فرض المالك لفوات النية المعتبرة منه وممن يقوم مقامه، وخرج الأصحاب نفوذه بالإجازة من نفوذ تصرف الفضولي بها، وهذا الذي ذكرناه في العبادات؛ كالزكاة والأضحية والنذر إنما هو إذا نواه المخرج عن المالك، فأما [إن] (٦) نوى عن نفسه، وكان عالمًا بالحال، فهو غاصب

стр. 976

محض؛ فلا يصح تصرفه لنفسه بأداء الزكاة ولا بذبح الأضحية والهدي ولا غيرهما؛ لأنه وقع من أصله تعديًا، وذلك ينافي التقرب. وخرج بعض الأصحاب وجهًا [بوقفه على الإجازة من القول بوقف تصرف الغاصب، وربما] (١) ذكره بعضهم رواية في الزكاة، وخرجه ابن أبي موسى وجهًا في العتق، لكن إذا التزم ضمانه في ماله، وهذا شبيه بتصرف الفضولي، وهل يجزئ عن المالك في هذه الحال أم لا؟ حكى القاضي [والأكثرون] (٢) في الأضحية روايتين، والصواب أن الروايتين تتنزل على اختلاف حالين (٣) لا على اختلاف قولين؛ فإن نوى الذابح الذبح (٤) عن نفسه مع علمه بأنها أضحية الغير؛ لم يجزئ لغصبه واستيلائه على مال الغير وإتلافه له عدوانًا، وإن كان يظن الذابح أنها أضحيته (٥) لاشتباهها عليه؛ أجزأت عن المالك. وقد نص أحمد على الصورتين في "رواية ابن القاسم" و"سندي" مفرقًا بينهما مصرحًا بالتعليل المذكور، وكذلك الخلال فرق بينهما وعقد لهما بابين منفردين؛ فلا تصح (٦) التسوية بعد ذلك، ومتى قيل بعدم الإجزاء؛ فعلى الذابح الضمان، لكن هل يضمن أرش الذبح أو كمال

стр. 977

القيمة؟ أما على رواية تحريم ذبيحة الغاصب؛ فضمان القيمة متعين، و [أما] (١) على القول بالحل، وهو المشهور؛ فقد يقال: إن كانت معينة عن واجب في الذمة؛ فحكم هذا الذبح حكم عطبها، وإذا عطبت؛ فهل ترجع إلى ملكه؟ على روايتين، فإن قيل برجوعها إلى ملكه؛ فعلى الذابح أرش نقص الذبح خاصة، كان قيل: لا يرجع إلى ملكه؛ فالذبح حينئذ بمنزلة إتلافها بالكلية؛ فيضمن الجميع، ويشتري المالك بالقيمة ما بذبحه عن الواجب عليه، [ويتصدق بالكل] (٢)، كان كانت معينة ابتداءً أو تطوعًا؛ فقد فوت على المالك التقرب بها وكونها أضحية أو هديًا، لكن على وجه لا يلزمه بدلها؛ فيحتمل أن يتصدق بلحمها، كالعاطب دون محله، ويأخذ أرش الذبح من الذابح ويتصدق به، ويحتمل أن يضمنه قيمتها، وهو أظهر؛ لأنه فوت عليه التقرب بها على وجه لا يعود إليه منبها شيء؛ فهو كإتلافها. وأما إذا فرق الأجنبي اللحم؛ فقال الأصحاب: لا يجزئ؛ لأن أحمد قال في رواية ابن منصور فيما إذا ذبح كل واحد أضحية الآخر: يعتقد (٣) أنها أضحيته أنهما يترادان اللحم. قالوا: وإن تلف؛ فعليه ضمان قيمته.

стр. 978

وأبدى ابن عقيل في "فنونه" احتمالًا بالإجزاء؛ لأن التفرقة ليست واجبة على المالك، بدليل ما لو ذبحها فسرقت، ويشهد له قول أحمد في "رواية المروذي" وغيره في رجل اشترى لقوم نسكًا، فاشترى لكل واحد شاة، [ثم] (١) لم يعرف (٢) هذه من هذه؛ قال: يتراضيان ويتحالان، ولا بأس أن يأخذ كل واحد شاة بعد التحليل؛ فدل على أن التفريق إذا وقع عن (٣) غير قصد ولا تعمد إنه يجزئ، ولولا ذلك؛ لم تجز التضحية بهذه الأضحية المشتبهة، وقد يكون عن واجب في الذمة، ويحمل قوله "يترادان (٤) اللحم" مع بقائه. القسم الئاني: أن يكون الواجب أداؤه غير مملوك له؛ فاداه الغير إلى مستحقه، فإن كان مستحقه معينًا؛ فإنه يجزئ ولا ضمان، وإن لم يكن معينًا؛ ففي الاجزاء خلاف، ويندرج تحت ذلك مسائل: - (منها): الغصوب (٥) والودائع إذا أداها أجنبي إلى (٦) المالك؛ أجزأت ولا ضمان. - (ومنها): إذا اصطاد المحرم صيدًا في إحرامه، فأرسله غيره من يده؛ فلا ضمان.

стр. 979

- (ومنها): إذا دفع أجنبي عينًا موصى بها إلى مستحق معين؛ لم يضمن، ووقعت موقعها، وكذا لو كانت الوصية بمال غير معين، بل مقدر، وإن كانت لغير معين؛ ففي الضمان وجهان، ونص أحمد في رواية حنبل فيمن بيده وديعة وص بها لمعين (١) أن المودع يدفعها إلى الموصى له والورثة. قيل له: فإن دفعها إلى الموصى له يضمن؟ قال: أخاف. قيل له: فيعطيه القاضي؟ قال: لا، ولكن يدفعه إليهم. ونص في "رواية مُهنَّأ" على ضمانه بالدفع إلى الموصى [له] (٢)، وهذا محمول على [أن الوصية لم تثبت] (٣) ظاهرًا، وصرح الأصحاب بأنه لو كان عليه دين ووصى (٤) به صاحبه لمعين؛ كان مخيرًا بين (٥) دفعه إلى الورثة والموصى له؛ لأنه صار حقًّا له (٦)؛ فهو كالوارث المعين، وعلى هذا يتخرج دفع مال الوقف إلى مستحقه المعين مع وجود الناظر فيه. * * *

стр. 980

(القاعدة السابعة والتسعون) من بيده مال أو في ذمته دين يعرف مالكه، ولكنه غائب يرجى قدومه. فليس له التصرف فيه بدون إذن الحاكم؛ إلا أن يكون [يسيرًا] (١) تافهًا؛ فله الصدقة به عنه، نص عليه في مواضع، وإن كان قد آيس من قدومه بأن (٢) مضت مدة يجوز فيها أن تزوج امرأته ويقسم ماله وليس له وارث؛ فهل يجوز التصرف في ماله بدون إذن الحاكم؟ [قد يتخرج على وجهين، أصلهما الروايتان في امرأة المفقود: هل تتزوج بدون [إذن] (٣) الحاكم] (٤) أم لا؟ [والمنصوص] (٥) في رواية صالح (٦) جواز التصدق به، ولم [يعتبر

стр. 981

حاكمًا] (١)، وإن لم يعرف مالكه، بل جهل جاز التصدق به عنه بشرط (٢) الضمان بدون إذن حاكم (٣) قولًا واحدًا على أصح الطريقين. وعلى الثانية فيه روايتان، وهي طريقة القاضي في "كتاب الروايتين" (٤)، وفي موضع من "المجرد" وجزم في موضع آخر منه بتوقف التصرف على إذن الحاكم، والأولى أصح. ويتخرج على هذه القاعدة مسائل: - (منها): اللقطة التي لا تملك إذا أجزنا (٥) الصدقة بها أو التي يخشى فسادها إذا أراد التصدق بها؛ فالمنصوص جواز الصدقة بها من غير حاكم (٦). وذكر أبو الخطاب [رواية أخرى] (٧): أنه إن كان يسيرًا باعه وتصدق به، وإن كان كثيرًا (٨) رفعه إلى السلطان. وقال: نقلها مهنا، ورواية مُهَنَّأ إنما

стр. 982

هي فيمن باع من رجل شيئًا ثم مات المشتري قبل قبضه، وخشي البائع فساده، وهذا مما له ملك معروف، ويمكن الاطلاع على معرفة ورثته؛ فليست المسألة نبه على ذلك الشيخ مجد الدين [﵀] (١). - (ومنها): اللقيط إذا وجد معه مال؛ فإنه ينفق عليه منه بدون إذن حاكم ذكره ابن حامد، قال (٢) أبو الخطاب (٣): وروى عنه أبو الحارث ما يدل على أنه لا ينفق عليه إلا بإذن الحاكم (٤)، قال الشيخ مجد الدين: وهذه الرواية إنما هي في المودع أنه لا ينفق على زوجة المستودع وأهله في غيبته إلا بإذن الحاكم، وليس هذا نظير مسألتنا؛ لأن الولاية هنا على معروف؛ فنظيره من وجد طفلًا معروف النسب وأبوه (٥) غائب (٦). - (ومنها): الرهون التي لا يعرف (٧) أهلها، نص أحمد على جواز الصدقة بها في "رواية أبي طالب" وأبي الحارث وغيرهما، وتأوله القاضي في "المجرد" وابن عقيل على أنه تعذر إذن الحاكم؛ لما روى عنه أبو طالب أيضًا إذا كان عنده رهن وصاحبه غاثب وخاف فساده؛ يأتي السلطان ليأمر

стр. 983

ببيعه، ولا يبيعه بغير إذن السلطان. وأنكر ذلك الشيخ مجد الدين وغيره، وأقروا النصوص على وجوهها؛ فإن كان المالك معروفًا، لكنه غائب؛ رفع أمره إلى السلطان، وإن [كان مجهولًا] (١)؛ جاز التصرف فيه بدون حاكم، كان علم صاحبه لكنه أيس منه؛ تصدق به عنه، نص عليه في "رواية أبي الحارث". - (ومنها): الودائع التي جهل مُلَّاكُها (٢)؛ يجوز التصدق (٣) بها بدون حاكم، نص عليه، وكذلك إن فقد ولم يطلع على خبره وليس له ورثة؛ تصدَّق (٤) به، نص عليه، ولم يعتبر حاكمًا، قال القاضي في "المجرد": فيحتمل أن يحمل على إطلاقه؛ لأنه من فعل المعروف، ويحتمل أن يحمل عند تعذر إذن الحاكم؛ لأن هذا المال مصرفه إلى بيت المال، وتفرقة مال بيت المال موكول (٥) إلى اجتهاد الإمام. انتهى. والصحيح الإطلاق، وبيت المال ليس بوارث على المذهب المشهور، وإنما يحفظ فيه المال الضائع، فإذا أيس من وجود صاحبه؛ فلا معنى للحفظ، ومقصود الصرف في مصلحة المالك تحصل بالصدقة به عنه، وهو أولى من الصرف إلى بيت المال؛ لأنه ربما صرف عند (٦) فساد بيت المال إلى غير مصرفه.

стр. 984

وأيضًا؛ فالفقراء مستحقون من مال بيت المال، فإذا وصل إليهم (١) هذا المال على غير يد الامام؛ فقد حصل المقصود، [ولهذا قلنا على أحد الوجهين: إذا فرق الأجنبي الوصية، وكانت لغير معين كالفقراء؛ فإنها تقع الموقع، ولا يضمن كما لو كانت الوصية لمعين] (٢). وعلى هذا الأصل يتخرج جواز أخذ الفقير (٣) الصدقة من يد من ماله حرام؛ كقطاع الطريق، وأفتى القاضي بجوازه، ونص أحمد في "رواية صالح" فيمن كانت عنده وديعة (٤)، فوكل في دفعها، ثم مات، وجهل ربها، وأيس من الاطلاع عليه يتصدق بها عنه (٥) الوكيل، وورثة الموكل في البلد الذي كان صاجها فيه، حيث يرون أنه كان وهم ضامنون إذا ظهر له وارث واعتبار الصدقة في موضع المالك مع الجهل به، وقد (٦) نص على مثله في الغصب (٧) وفي مال الشبهة (٨)، واحتج بأن عمر جعل الدية على أهل

стр. 985

القرية (١) (يعني: إذا جهل القاتل)، وجه (٢) الحجة منه أن الغرم لما اختص بأهل المكان الذي فيه الجاني؛ لأن الظاهر إن الجاني أو عاقلته المختصين بالغرم لا يخلو المكان عنهم (٣)؛ فكذلك الصدقة بالمال المجهول مالكه ينبغي أن يختص بأهل مكانه؛ لأنه أقرب إلى وصول المال إليه إن كان موجودًا أو إلى ورثته، ويراعى في ذلك الفقير (٤)؛ لأنها صدقة؛ كما يراعى في وضع (٥) الدية الغني. - (ومنها): الغصوب التي جهل ربها، فيتصدق بها أيضًا، وقد نص على ذلك في رواية جماعة، ولم يذكر أكثر الأصحاب فيه خلافًا، وطرد القاضي في "كتاب الروايتين" فيه الخلاف بناءً على أنه مستحق لبيت المال (٦)، وكذلك حكم المسروق ونحوه، نص عليه، ولو مات المالك ولا وارث له يعلم؛ فكذلك يتصدق به [عنه] (٧)، نص عليه (٨) أيضًا.
следующие страницы →