← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17901

آراء ابن الجوزي التربوية

ليلى عطار

Полный текст (608 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قِبَل الخالق " (١). وهذه الشهوات أو الدوافع هي التي أشار إليها ابن الجوزي في قوله "وخُلقت الشياطين من ظلمة لا نور فيها وركب البشر من الضدين" وهذه الظلمة مقصود بها قبضة الطين المقتضية لشهوات الإِنسان ودوافعه. ب: رأي ابن الجوزي في الجانب الروحي والجانب الثاني المكوَّن لطبيعة الإنسان، هي النفخة من روح الله تعالى، وهذه النفخة من روح الله تعالى "تتمثل في الجانب الروحي للإنسان. تتمثل في الوعي والإدراك والإرادة. تتمثل في كل القيم والمعنويات التي يمارسها الإنسان" (٢). وهذه النفخة من روح الله .. هي إشراقة النور الرباني الذي تميزت به الملائكة والتي عبر عنها ابن الجوزي بقوله: "خلقت الملائكة من نور لا ظلمة فيه". فعلى ذلك نجد أن ابن الجوزي يقرر الحقيقة القرآنية حين رأى أن البشر مركب من الضدين .. الطين والروح، لأنه بطبيعته المزدوجة يجمع بين "درجات تختلف بين الشدة واللطف، بين اللهفة والتمهل، بين الغلظة والرقة، بين العتامة والصفاء. أدناها شبيه بالحيوان، وأعلاها صاف رائق جميل. درجات تبدأ عند الطرف الحيواني من الإنسان، فتغلب عليها حركة الجسد الفائر المتلمظة، وتنتهي عند الطرف الملائكي من الإِنسان، فتغلب عليها رقة الروح ونورانية الشعاع" (٣). ثم وضح ابن الجوزي أن الكائن الإنساني مترابط الأجزاء يعمل عمل الوحدة المتكاملة وبطريقة متداخلة ومتشابكة؛ فلكل عضو من أعضائه دوره الخاص، ووظيفته المكلف أداءها، فالروح في نظر ابن الجوزي "جوهر لا يتجزأ ولا يموت، وقدره جوهر لا قيمة له، وإنما آلات البدن خادم له تعين على السفر، له في زجاجة القلب نار

стр. 107

كالسراج، الحياة ضوؤها، والدم دهنها، والحركة نورها، والشهوة حرارتها، والغضب دخانها" (١)، وهو بذلك يعتبر الروح العنصر الأساسي للكائن البشري، وله ارتباط وثيق بجميع جوانب النفس البشرية، فهو مركز الكيان البشري، والمهيمن الأكبر على حياة الإنسان. وقد بَّين الإمام الغزالي للروح معنيين: أحدهما: "أنه جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني، فينشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن، وجريانه في البدن وفيضان أنوار الحياة والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها، يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا البيت، فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا ويستنير به، والحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان، والروح مثالها السراج، وسريان الروح وحركته في الباطن مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه" (٢). وثانيهما: فهو "اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان، وهو الذي أراده الله تعالى بقوله:، ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٣)، وهو أمر عجيب رباني تعجز أكثر العقول والأفهام عن درك حقيقته" (٤)، والمقصود من وصف ابن الجوزي، "إن الروح في ذاته جوهر لا يتجزأ، له في زجاجة القلب نار كالسراج .. الخ العبارة"، ووصفه الغزالي بأنه جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني، فينتشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن" ليس إلا الأوكسجين، الذي يتحد مع خضاب الدم (الهيموجلوبين) الموجود في كريات الدم الحمراء وذلك في أثناء دورة الدم في الرئة .. فينفذ إليها الأوكسجين بواسطة الانتشار من الأسناخ (الحويصلات) الهوائية الموجودة في الرئة، عابرًا الحواجز الرقيقة من جدار الحويصلة الهوائية والشعيرات الدموية المنتشرة حول الحويصلة. ثم ينتقل بواسطة الأوردة الرئوية إلى الأذين الأيسر ومنه إلى البطين الأيسر، ومنه إلى

стр. 108

العروق الضوارب إلى سائر البدن بواسطة الشريان الأبهر (الأورطَى) فينتشر بواسطتها إلى كل خلية في جسم الإنسان ويدخل إلى كل خلية حيث توجد الميتوكوندريا (المقدرة أو المصورة الحية) وهناك يقوم الأوكسجين بوظيفته في إحراق السكر والدهون في عمليات كيميائية بالغة التعقيد. وكما يقوم الأوكسجين بإشعال البنزين في موتور السيارة فيعطيها قوة الدفع والحركة، فكذلك يفعل الأوكسجين في الجسم حيث يحرق السكر والدهن ويحولهما إلى طاقة وثاني أوكسيد كربون وماء .. وهي عملية الاحتراق نفسها التي تحدث في البنزين وفي قطعة الفحم وفي قطعة الخشب" (١). ج - رأي ابن الجوزي في طبيعة العقل والدماغ وصلتهما بالجسم وبعد بيان رأي ابن الجوزي في الروح، نبين رأيه في العقل الذي قال فيه: "وقد اتخذ من مقدم الدماغ حارسًا، ومن وسطه وزيرًا، ومن مؤخره حافظًا، وجعل العقل أستاذًا، والحس تلميذًا، وفرق الأعضاء في خدمته رجالًا وركبانًا" (٢). وقبل أن نحلل ما قاله، لابد من بيان أن كلمة الدماغ أصح وأشمل من كلمة المخ، لأن لفظ المخ "يطلق في الطب على جزء من الدماغ، وأما لفظ الدماغ فيطلق على المخ والمخيخ وجذع الدماغ" (٣). وقد قسم ابن الجوزي الدماغ إلى ثلاثة أقسام: مقدّم الدماغ ووسطه ومؤخره. وهذا ما أثبته الطب الحديث، وجعله ثلاثة أجزاء رئيسية وهي: ١ - الدماغ المقَدّمي: ويشمل فَصي المخ وبكل فص مراكز هامة، عديدة إذ يكونا مهد الفطنة والذكاء والعبقرية في الإِنسان الذي يمتاز بوساطة المخ المقدمي على باقي المخلوقات، إذ يحكم ويملك ويسيطر، علاوة على وجود مراكز تتحكم في السيطرة على عضلات الجسم الإِرادية

стр. 109

وأُخرى في السيطرة على الإحساسات المتباينة المختلفة وثالثة للحواس وضبط النفس، ولكل مركز أو حاسة جزء خاص به. ٢ - الدماغ المتوسط: وأهميته تأتي من أنه مسؤول عن اليقظة والوعي. ٣ - الدماغ المؤخر: ويتكون من: أ- قنطرة فارول وهي تربط النخاع الستطيل بالمخ المتوسط والمخيخ. ب - النخاع المستطيل وهو: حلقة الاتصال بين النخاع الشوكي والدماغ، وبه مراكز الحياة الأساسية التي تتحكم في التنفس والدورة الدموية والقلب. جـ - المخيخ: ويتصل بالدماغ المتوسط وبالنخاع المستطيل وقنطرة فارول، وينحصر عمله في السيطرة على العضلات، ويحفظ قوة اتزان الجسم وينظم حركة العضلات الإرادية" (١). وإذا أصيب الدماغ المؤخري بأي إصابات، فإنه يسبب إغماء طويلًا أو فقدانًا للوعي. لذلك يقول ابن الجوزي: "وجعل العقل أستاذًا والحسّ تلميذًا"، إنها مجرد عبارة أدبية، تنقصها الدقة العلمية، لأن العقل ليس مهيمنًا على تصرفات الإنسان وسلوكه، وكذلك الحواس لها وظائف لا يسيطر عليها العقل البشري، بل هي مستقلة عنه كما يظهِر ذلك في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (٢). وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم المؤمنين الذين استخدموا حواسّهم في طريقها الصحيح: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٣). لولا العقل المفكر لَمَا دمعت العيون بمجرد معرفة الحق. أما الذين عطلوا حواسهم عن وظائفها الحقيقية فقد قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَقَدْ

стр. 110

مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١). وهكذا نجد أن الجسم الإنساني وما فيه من أعضاء وحواس لها وظائف متباينة ومتداخلة، لتمكن الفرد من القيام بواجب الاستخلاف في الأرض. وقد أثبت النص السابق قدرة ابن الجوزي وسَعة اطلاعه وثقافته في ترابط خلق الإِنسان الذي يعمل عمل وحدة متكاملة بما أثبت أكثره الطب الحديث من معلومات علمية قيمة، وقد صاغ ابن الجوزي تلك المعارف في أسلوب أدبي لطيف. د - رأي ابن الجوزي في وظائف العقل البشري وصفاته يرى ابن الجوزي أن الكائن البشري يتميز عن الحيوان بالعقل لأنه مناط التكليف، ويقرر أنه أجل الأشياء التي وهبها الله للإنسان وبه معرفة الإله وبه تضبط المصالح وتلحظ العواقب وتدرك الغوامض وتجمع الفضائل (٢). وهذه تعتبر من وظائف العقل البشري الأساسية. ثنم وضَّح ابن الجوزي أربعة جوانب يتميز بها الإنسان عن الحيوان بصفات العقل فقال: "العقل ويطلق بالاشتراك على أَربعة معان أحدها الوصف الذي يفارق به الإنسان البهائم وهو الذي به استعد لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية وهو الذي أراده من قال: هو غريزة وكأنه نور يقذف في القلب يستعدّ به لإدراك الأشياء، والثاني ما وضع في الطباع من العلم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، والثالث علوم تستفاد من التجارب تسمى عقلًا. والرابع أن منتهى قوته الغريزية إلى أن تقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة، والناس يتفاوتون في هذه الأحوال إلا في القسم الثاني الذي هو العلم الضروري" (٣).

стр. 111

الجانب الأول من خلال تحليلنا للنص السابق، سنوضح أهم المميزات التي يتصف بها الإنسان، وهي موجودة فيه من أصل خلقه، ففي قوله في وصف العقل: "الوصف الذي يفارق به الإنسان البهائم وهو الذي به استعد لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية، وهو الذي أراده من قال: هو غريزة وكأنه نور يقذف في القلب يستعدّ به لإدراك الأشياء". والمقصود هنا تميز الإنسان بالعقل البشري المميز والمدرك فنرى أن الله خلق آدم "من أجزاء مختلفة وقوى متباينة مستعدًّا لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات والمتخيلات والموهومات وألهمه معرفة ذوات الأشياء وأسمائها وخواصها ومعارفها وأصول العلم وقوانين الصناعات، وتفاصيل آلاتها وكيفيات استعمالاتها" (١)، وبغير هذا الاستعداد الإدراكي الفطري الموجود ما كان في مقدور الإنسان أن يتعلم ويدرك، وهو استعداد عام في جميع الكائنات البشرية، وهذا الاستعداد هو نفسه الذي ميز الإنسان عن الملائكة ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٢). ويعتبر العقل "قوة مدركة فطرية في الإنسان، وأنه يستعمل لثلاثة معان الأول: الإدراك، والثاني: العمل بمقتضى الإدراك وهو العقل العملي أو الحكمة. والثالث: التعقل القلبي" (٣). الجانب الثاني مما يتميز به الإنسان عن الحيوان هو الإدراك البَدَهي الذي عبر عنه ابن الجوزي بقوله: "ما وضع في الطباع من العلم بجواز الجائزات

стр. 112

واستحالة المستحيلات"، وقد فضل هذا المعنى بقوله أيضًا: "إن الله وضع في النفوس أشياء لا تحتاج إلى دليل. فالنفوس تعلمها ضرورة، وأكثر الخلق لا يحسنون التعبير عنها. فإنه وضع في النفس أن المصنوع لابد له من صانع، وأن المبنى لابد له من بانٍ، وأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في حالة واحدة" (١). ويؤكد على هذا المعنى د. مقداد يالجن بقوله: "ولهذا نجد الإِسلام يركز على مثل هذه الاستدلالات في تثبيت العقيدة لأنه جاء للناس كافة وليس لمجموعة من المتخصصين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). ومن ثم كان لابد من أن يعتمد في الاستدلال على مبادئ مناسبة للناس كافة وهذا ما فعله، فاستخدم مثلًا: دلالة الصنعة على الصانع لإثبات وجود الله إذ ليس من الضروري أن نرى الصانع لإثبات الصنعة، لكن وجود الصنعة تجعلنا نعترف بالضرورة بوجود الصانع، بل نضطر إلى ذلك اضطرارًا، ولهذا دعا الله سبحانه الناس إلى التأمل في آيات الله في الكون وفي الأرض وفي السماء وفي أنفسهم لما في تلك المخلوقات من دلالة الصنعة التي تدل على وجود صانعها. . . ." (٣). وقد اعتمد المنهج الإِسلامي على "الأدلة البديهية القائمة على التفكير الفطري لأنها تتلاءم مع معظم المستويات من التفكير، ولأن هذه الاستدلالات البديهية لا تثير الشك وتؤدي إلى اليقين" (٤). الجانب الثالث ويتمثل في قدرة الإنسان على تعلم العلوم والتعمق فيها. وقد وصف ابن الجوزي العقل بأنه: "علوم تستفاد من التجارب تسمى

стр. 113

عقلًا". وقد ناقشها الدكتور حسن عبد العال في ضوء بعض كتابات التربويين المسلمين فقال: "وردت في القرآن الكريم الألفاظ التي تدل على النشاط العقلي بصفة عامة، مثل التفكر والتدبُّر والعلم والنظر، والتبصُّر والتذكر. مئات المرات. وفي الحقيقة لا يعرف العلم كائنًا موجودًا بذاته يسمى عقلًا يمكن إجراء التجارب عليه أو ملاحظته (١) " "ولا يقول بأن هناك شيئًا خاصًّا موجودًا تصدر عنه الأعمال التي نسميها في الإنسان أعمالًا عقلية، بل إنه لا يكلف نفسه مؤنة البحث عن هذه الأشياء. والنظر هل هي موجودة أو لا؛ لأن البحث لا يفيده شيئًا، إنما يعترف بوجود أعمال خاصة لها خصائصها ومميزاتها وقوانينها، وليست بأعمال مادية بل هي معنوية تصحبها أو تتبعها أعمال أو آثار جثمانية، فمجموع هذه الأعمال المعنوية يسمى عقلًا" (٢). الجانب الرابع يبين ابن الجوزي في الصفة الرابعة "أن منتهى قوته الغريزية أن تقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة"، فهنا يوضح أن من أعلى وظائف العقل البشري الذي يفترق به الإنسان عن الحيوان، أن يضبط ويوجه دوافع الإِنسان الفطرية -التي يشترك فيها مع الحيوان- نحو غايات سامية، بدون كبت بغيض أو إطلاق يدمر كيان الإنسان، فيتعامل مع المنهج التربوي الإسلامي الذي في ضوئه يتربى الإنسان على أن يأخذ الكائن البشري بواقعه الذي هو عليه. يعرف حدود طاقاته ويعرف مطالبه وضروراته، ويقدر هذه وتلك: كما في قول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣). وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤)، ويعرف ضعفه إزاء المغريات ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ

стр. 114

وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ (١). وضعفه إزاء التكاليف: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٢). يعرف كل ذلك فيساير فطرته في واقعها، ولا يفرض عليه من التكاليف ما ينوء به كاهله ويعجز عن أدائه: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣). ويجعل التكليف الملزم في حدود الطاقة الممكنة ولكنه مع ذلك لا يتركه لفطرته الضعيفة دون تقويم، فتظل تهبط وتتراجع عن موقفها إلى موقف دون" (٤). وبهذه الطريقة يستطيع العقل البشري ضبط الشهوات الداعية إلى اللذة العاجلة .. والمتعة الوقتية .. إلى ارتقاء بالنفس البشرية .. وإعلاء دوافعها .. حتى تصل إلى عبودية مطلقة الله تعالى. بالإضافة إلى تلك القدرات والاستعدادات التي رُكبت في الإنسان لمساعدته على عمارة الأرض، فقد زُوّد "بقدرة يصنع بها ما يقيه الأَذى من القطن والصوف، لم يجعَل على جلده ما يقيه خلقة، بخلاف الحيوان البهيم، فإنه لما لم يكن له قدرة على صُنع ما يغطي جلده عوضه بالريش والشعر والوبر" (٥). وذلك تأكيدًا لقول الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (٦). وهكذا فإن الله قد زود الإنسان بقدرات وقوى واستعدادات مختلفة، لتساعده في تكيفه مع البيئة التي يعيش فيها، كما أعطاه القدرة على تسخير ما في الكون لعمارة الأرض بما يرضي الله . ثالثًا: جوانب النفس البشرية وأساليب تزكيتها وتوجيهها لقد حدد ابن الجوزي جوانب النفس البشرية بأنواع ثلاثة هي:

стр. 115

أ - قوة ناطقة. ب - قوة شهوانية. جـ - قوة غضبية. وقبل مناقشة رأي ابن الجوزي في هذه الجوانب بأنواعها الثلاثة، لابد من الإشارة إلى تأثر ابن الجوزي برأي أفلاطون في تقسيم هذه الجوانب إلى أنواعها الثلاثة بالمسميات نفسها الناطقة والشهوانية والغضبية. والاختلاف الذي يميز ابن الجوزي عن أفلاطون -رغم تأثره- هو أنه ربط هذه الأنواع عند شرحها بطبيعة النفس البشرية حسب التصور الإسلامي. ولمناقشة هذه القوى الثلاثة فقد قال ابن الجوزي في القوة الناطقة: "فينبغي لمن شرفه الله تعالى بحب العلم أن يعتني بتكميل النفس الناطقة التي فضله الله تعالى بها على سائر الحيوانات، وشارك بها الملائكة، فيجعلها هي المسلَّطة على القوتين الأخريين، أعني الشهوانية والغضبية، لتكون منزلتها في البدن بمنزلة الراكب للفرس، فإن الفارس ينبغي أن يكون هو المسلَّط على الفرس لاستعلائه، فيمضي بها أين يشاء ويقفها إذا شاء. فكذلك ينبغي أن تكون القوة الناطقة هي المستعلية على باقي القوى تستعملها كما تحب وتكفُّها حين تحب، ومن كان كذلك استحقّ أن يسمى إنسانًا حقيقة، قال أفلاطون: الإِنسان بالحقيقة من كانت نفسه الناطقة أقوى الأنفس" (١). يتضح لنا من رأي ابن الجوزي أن أعلى مراتب النفس البشرية هي القوة الناطقة، التي تتميز بالعقل والحكمة والتمييز بين الخير والشر، والضبط والتوجيه لدوافع الإنسان ورغباته، كما أنها تتميز بالقدرة على التعلم عن الملائكة والحيوانات. وهذه القوة المستعلية على شهواتها ورغباتها، استطاعت أن توجه سلوك الإِنسان إلى الخير والصلاح بسبب خوفها وخشيتها من الله تعالى، فاستحقت صفة الإنسانية التي تميزها عن

стр. 116

المخلوقات الأُخرى. أما القوة الشهوانية فهي التي قال ابن الجوزي بشأنها إن: "الشهوانية إذا أفرطت خرج الإنسان إلى طبع البهيمية، ومن سيَّب هواه في مرعاه، وجعل حبله على غَاربه فقد خرج عن مركزه فصار أخسَّ من البهائم، لأن تلك تمضي بطباعها، وهذا قد خالف طبعه" (١). ومن المعروف أن الإنسان قد جُبل على حب الشهوات والمتع الدنيوية بكل أنواعها لقَول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (٢). والإِنسان يشترك مع الحيوان في هذه الدوافع والحاجات ولكنه يفترق عنه في وجود ضوابط إرادية تُعلي من شأن هذه الدوافع. ولكن متى غلبت على الإنسان شهواته .. واندفع في إشباعها بسرف وإفراط .. فإنه يصل إلى مرتَبة الحيوان الذي تحركه الدوافع فقط، بل ربما صار أضل من الحيوان لأنه مزود بالعقل والضوابط التي تهذب دوافعه وشهواته .. ولكنه تجاهلها واستعبدته الشهوات وألصقته بالأرض، فاستحق صفة الحيوانية. أما الجانب الثالث من النفس وهو القوة الغضبية -كما بينها ابن الجوزي- فهي التي إذا أفرط فيها "خرج الإنسان إلى أخلاق السباع والضواري، فينبغي أن يروض نفسه بمخالفة الشهوانية، ويكسر الغضبية، ويتبع القوة الناطقة، حتى يتشبه بالملائكة، ويتحرز من عبودية الشهوة والغضب" (٣). إن القوة الغضبية التي زود الله تعالى بها الإنسان هي لحمايته من الأخطار، وتوجيهها نحو الخير، "فيتحول الغضب من الغضب من أجل

стр. 117

الذات إلى الغضب للحق أو الغضب في الله، والنزوع للقتال دفاعًا عن النفس فقط إلى النزوع للدفاع عن الحق وانتشار كلمة الله وسيادة الإِسلام" (١). وتتحول الشهوة من الانغماس في المال والجنس والجاه والسلطان إلى السيطرة والاستبداد والظلم إلى الخير والتعمير والبناء، وهكذا تتحول جميع الانفعالات إلى صلاح الإنسان إذا أحسن توجيهها، وأما إذا أفرط فيها خرج من إنسانيته إلى وحشية الحيوانات، فعلى الإنسان أن يجاهد نفسه ويدربها على ضبط انفعالاتها بما فيه استقراره وأمنه وأمانه. وبما يساعده على أداء مهمة الخلافة الأرضية بما يرضي الله تعالى وعلى حسب المنهج الإِسلامي الحكيم. رابعًا: خصائص النفس البشرية إن طبيعة النفس البشرية -كما سبق ذكرها- طبيعة مزدوجة تجمع بين المادة والروح، ومن خلال امتزاج هذين العنصرين نتجت لدينا دوافع وصفات إنسانية متعددة ومتباينة ومتداخلة، لها وظائفها المختلفة في ربط الكائن البشري بالحياة وعمارة الأرض لتحقيق العبودية لله تعالى. وقد كان لابن الجوزي رأيه في الطبيعة البشرية كما خلقها الله تعالى، فقال: "جواذب الطبع إلى الدنيا كثيرة، ثم هي من داخل، وذكر الآخرة أمر خارج عن الطبع، ثم هي غيب، وربما ظنّ من لا علم له أن جواذب الآخرة أقوى، لما يسمع من الوعيد في القرآن. وليس كذلك لأن مثل الطبع في ميله إلى الدنيا، كالماء الجاري يطلب الهبوط وإنما رفعه إلى فوق يحتاج إلى التكلّف" (٢). وتأمُّل قول ابن الجوزي يدلّ على أن الطبيعة البشرية تمتلك طاقات ضخمة وهبها الله تعالى للإنسان، إلا أن هذه الطاقات لم تحفظه من نقطة ضعف أصيلة في تكوينه النفسي وهي حب الشهوات والميل إليها، وهذا الميل والحب للمتع الدنيوية قوي يطلب الهبوط بالإِنسان، فهو يحتاج إلى

стр. 118

جهد، ومجاهدة للإعلاء من هذه الشهوات وتهذيبها حسب المنهج التربوي الإِسلامي، وهنا كما يقول الأستاذ محمد قطب: "تتجلى رحمة الله بعباده .. إنه لا يريدهم على المستحيل. وهو يعلم أن الطلاقة الدائمة الكاملة بالنسبة للبشر مستحيل. فقبضة الطين لها ثقله. ودفعة الشهوة لها قوه. وثقلة المادة لها ضغط" (١). ومن ثم يقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢) ويقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣). أ- الهوى من حيث حقيقته وعلاجه (٤) من خصائص النفس البشرية الهوى، ويتفرع منه جميع الشهوات الإِنسانية على اختلافها وتعددها وتنوعها. ويطلق الهوى على مجموع الشهوات البشرية في النفس الإنسانية من حب الدنيا وزينتها وحب المال والجاه والسلطان .. والولد .. وشهوة النكاح .. وعمومًا كل حظوظ الدنيا. أما معناه اللغوي كما ورد في لسان العرب: "الهوى، العشق، يكون في مداخل الخير والشر. قال اللغويون: الهَوىَ محبةُ الإنسانِ الشيء وغَلَبَهُ على قلبهِ، قال الله : ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ (٥)، معناه نهاها عن شهواتها وما تدعو إليه من معاصي الله " (٦). وقد عرفه ابن الجوزي بقوله: "الهوى ميل الطبع لما يلائمه" (٧). وقد عرفه الجرجاني بقوله: "الهوى ميلان النفس إلى ما تستلذه من

стр. 119

الشهوات من غير داعية الشرع" (١). وعرَّفه ابن قيم الجوزية بقوله: "ميل النفس إلى الشيء. وفعله: هَوِيَ يَهْوَى هوىً، مثل عَمِي يَعمَى عَمّى. وأما هَوَى يَهوِيَ بالفتح فهو السقوط، ومصدره الهُوِيُّ بالضم. ويقال الهوىَ أيضًا على نفس المحبوب، واستشهد بقول الشاعر: إن التي زعمت فؤادك ملّها ... خُلِقَتْ هواك كما خُلِقْت هوىً لها ويقال: هذا هوى فلانٍ وفلانة هواه، أي مهويته ومحبوبته، وأكثر ما يستعمل في الحب المذموم ثم استشهد بقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٢) ثم يضيف. . . . قائلًا إنما سمي هوىّ لأنه يهوي بصاحبه. وقد يستعمل في الحب الممدوح استعمالًا مقيدًا" (٣). ومنه قول النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" (٤). وقد قصر البعض كلمة الهوى على الحب، وآخرون ومنهم ابن الجوزي أطلقوه على عموم ذم الهوى والشهوات، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "ولما كان الغالب من موافق الهوى أنه لا يقف منه على حد المنتفع، أطلق ذم الهوى والشهوات، لعموم غلبة الضرر، لأنه يبعد أن يفهم المقصود من وضع الهوى في النفس، وإذا فهم تعذر وجود العمل به وندر" (٥). وعلى ذلك فقد وضح ابن الجوزي حقيقة الهوى بقوله: "مطلق الهوى يدعو إلى اللذة الحاضرة من غير فكر في عاقبة، ويحث على نيل

стр. 120

الشهوات عاجلًا، وإن كانت سببًا للألم والأذى في العاجل، ومنع لذّاتٍ في الآجل" (١). والسبب فيما ذكر ابن الجوزي من حقيقة الهوى التي تدعو إلى الانسياق وراء الشهوات دون تفكرٍ أو ترو في عواقبه، أن الهوى يعتبر "قيدًا للعقل وعائقًا في سبيل انطلاقه وتحرره. ذلك أنه يجعل صاحبه يتأثر بعواطفه ورغباته في نظرته للأمور فيراها من زاويته الخاصة، فلا تصبح الحقيقة المجردة بغيته ومطلبه، ويجعله يصدر أحكامه على شتى الموضوعات تبعًا لحبه للشيء أو بغضه له، ويجعله يدرك الأشياء من منظور مصلحته الشخصية واعتباراته الذاتية" (٢). وعلى هذا يمكن اعتبار الهوى هو "جماع الميول الفطرية التي تتجه بالإنسان إلى متاع الحياة الدنيا، فإذا طاوعه واتبع دواعيه أوقعه في أسر اللذات الأرضية المحسوسة حتى يصبح كل همه في أن يأكل ويتمتع كشأن البهائم، وحتى يذبل عنصره الروحي، ويَنْبَتُّ الحبل بينه وبين عالم الغيب. ولا يزال الهوى بصاحبه حتى يبطل سرّ كرامته على سائر الأشياء ويعطل تعلقاته العلوية من فرط شغله بالشهوة السفلية، بل حتى يغشى بصيرته جميعًا فلا يرى إلا ما تحت قدميه، ولا يعنى إلا بالقريب العاجل، لا ينظر في حياته لمآلاتها البعيدة، ولا يقدم شيئًا لآجلته" (٣). لذلك كان لابد من مجاهدة النفس ومخالفة الهوى، والاعتدال في إشباع الحاجات والدوافع الفطرية حتى يسير الإنسان منضبطًا في حياته دون تعثر أو انحراف، وفي ذلك يقول ابن الجَوزي: "فلا يذم هذا المقدار إذا كان المطلوب مباحًا، وإنما يذم الإفراط فيه، فمن أطلق ذم الهوى فلأن الغالب فيه ما لا يحل أو يتأول المباح بإفراطه" (٤).

стр. 121

وقد وضع الله تعالى شهوة النكاح في الإِنسان لحكمة بليغة، ألا وهي استمرار تناسل وتكاثر الجنس البشري، لاستمرار الحياة الدنيوية حسب تقدير الله تعالى لها، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وهذا الميل قد خُلق في الإنسان لضرورة بقائه، فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل، وإلى المشرب ما شَرب، وإلى المنكح ما نكح، وكذلك كل ما يشتهيه، فالهوى مستجلب له ما يفيد، كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذي، فلا يصلح ذم الهوى على الإطلاق، وإنما يذم المفرط من ذلك، وهو ما يزيد على جلب المصالح ودفع المضارّ" (١). ولما كان الغالب على النفس البشرية الهوى واتباع الشهوات، فلابد من تحكيم العقل في ضبط وتوجيه الشهوات .. ومخالفة الهوى وجعل العقل واعظًا وحائلًا دون ارتكاب المعاصي .. التي تمنح الإنسان لذةً موقتة .. ومتعةً عاجلة .. يعقبهما ألمُ وحسرةً وندمُ آجل، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وإذا عرف العاقل أن الهوى يصير غالبًا، وجب عليه أن يرفع كل حادثة إلى حاكم العقل، فإنه سيشير عليه بالنظر في المصالح الآجلة، ويأمره عند وقوع الشبهة باستعمال الأحوط في كفّ الهوى، إلى أن يتيقن السلامة من الشر في العاقبة" (٢). وما من مفرط في اتباع الهوى دون تفكير وتدبر فيما يصيبه من عاجل اللذة والسعادة، وآجل العاقبة والشقاء، إلا ظلم نفسه ظلمًا عظيمًا، وخرج من دائرة الإِنسانية إلى الحيوانية المحضة، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "ولو زال رين الهوى عن بصر بصيرته، لرأى أنه قد شقي من حيث قدَّر السعادة، واغتَّم من حيث ظن الفرح، وألم من حيث أراد اللذة. فهو كالحيوان المخدوع بحَبِّ الفخ، لا هو نال مَا خُدع به، ولا أطاق التخلص مما وقع فيه" (٣). وحتى يجد المفرط في اتباع الهوى، خلاصه من أسر ذله وهواه، فعليه بالعلاج التربوي الذي رآه ابن الجوزي في قوله: "فعليه بالعزم

стр. 122

القوي في هجران ما يؤذي، والتدرج في ترك ما لا يؤمَن أذاه" (١). وقد جعل ابن الجوزي علاج الهوى على مرحلتين: الأولى: العزم الصادق في ترك ما يؤذي، ومجاهدة النفس في مخالفة الهوى. الثانية: التدرج في الإقلاع. وقد أكّد هذا المعنى الذي اشتقه ابن الجوزي من المنهج التربوي الإِسلامي، د. مقداد يالجن الذي نوه بأهمية استخدام "التدريب المتدرج على كل مبدأ من المبادئ الأخلاقية، سواء كان ذلك عند التحلي بالفضائل أو التخلي عن الرذائل: التدرج في تكوين كل فضيلة والتدرج أيضًا في ترك كل رذيلة" (٢). وتبرز ضرورة استخدام هذا المبدأ في حال المدمن؛ فإنه لا يمكن لمدمن الشهوات أن يتركها دفعة واحدة .. وإنما لابد من التدرج في مجاهدة النفس وتطويعها بالصبر والعزم والإرادة القوية على التقليل من الشهوات، وفي أثناء هذه المجاهدة والمصابرة، لابد من تذكّر أمور سبعة أوجزها ابن الجوزي للمساعدة على علاج الهوى وهو يتم فيما يأتي: الأول: "التفكر في أن الإِنسان لم يخُلق للهوى، وإنما هُيئ للنظر في العواقب والعمل للآجل، ويدل على هذا أن البهيمة تصيب من لذة المطعم والمشرب والمنكح ما لا يناله الإِنسان، مع عيش هنّي خالٍ عن فكرٍ وهمّ. ولهذا تساق إلى منحرها وهي منهمكة على شهواتها، لفقدان العلم بالعواقب. والآدمي لا ينال ما تناله لقوة الفكر الشاغل والهم الواغل، وضعف الآلة المستعملة. فلو كان نيل المشتهى فضيلة لما بخس حظ الآدمي الشريفَ منه، وزيد حظُّ البهائم. وفي توفير حظ الآدمي من العقل وبخس حظه من الهوى ما يكفي في فضل هذا وذم ذلك" (٣). وفي عبارته هذه يؤكد ابن الجوزي أهمية إدراك الإنسان لوظيفته

стр. 123

الأساسية في الكون .. وأنه لم يخلق عبثًا أو لإشباع الشهوات، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (١). وإذا أدرك الإِنسان غاية وجوده، وسار في الأرض بمقتضى تميزه بالعقل الضابط، والمنهج القرآني الحكيم، استطاع أن يخالف هواه ويطوعه في مرضاة الله تعالى. ثم ذكر ابن الجوزي في علاجه الثاني والثالث المعنى نفسه فقال: والثاني: أن يفكر في عواقب الهوى. فكم قد أفات من فضيلة، وكم قد أوقع في رذيلة، وكم من مطعم قد أوقع في مرض، وكم من زلة أوجبت انكسار جاهٍ وقبح ذكرٍ مع إثم! والثالث: "أن يتصور العاقل انقضاء غرضه من هواه، ثم يتصور الأذى الحاصل عقيب اللذة" (٢). في هاتين العبارتين، يوجه ابن الجوزي إلى أهمية العقل وتدبره في إدراك عواقب ونتائج الهوى، لأنه لو تفكر الإِنسان فيما سيجنيه من لذته الحاضرة .. ومتعته العاجلة، من أسىً في نفسه، وألمٍ في قلبه، وحسرةٍ في وجدانه، وذلةٍ وانكسار عند خلقه، لما أقدم على فعله، واستعلى على هواه وطلب أجر الآخرة. ثم ذكر في علاجيه الرابع والخامس أهمية التفكر في عواقب الهوى على الآخرين، وقياسه على نفسه ليدرك سوء نتائجه، فقال: والرابع: أن يتصور ذلك في حق غيره، ثم يتلمح عاقبته بفكره، فإنه سيرى ما يعلم به عيبه إذا وقف في ذلك المقام. والخامس: أن يتفكر فيما يطلبه من اللذات، فإنه سيخبره العقل أنه ليس بشيء وإنما عين الهوى عمياء" (٣) وقد استشهد ابن الجوزي بما جاء في الحديث عن ابن مسعود ﵁:"إذا أعجبت أحدكم امرأة فليذكر مناتنها" (٤).

стр. 124

في هذين العلاجين، يلفت ابن الجوزي نظر الإِنسان إلى أنه حتى يدرك مغبة اتباع الهوى وما يتبعه من أذى، فعليه أن يرى المفرطين في اتباع الشهوات ليدرك ما أصابهم من جراء ذلك، فيكون له رادعًا وعاصمًا من الوقوع في زلات الهوى. وحتى يدرك تمامًا أن عين الهوى عمياء عن كشف العيوب والمخاطر والذنوب. السادس: ثم يبين ابن الجوزي في علاجه السادس وهو مخالفة الهوى والتفكر في عواقب اتباعه، حتى تكون دافعًا وحافزًا لمجاهدة النفس، فقال في ذلك: "أن يتدبر عز الغلبة وذل القهر، فإنه ما من أحد غلب هواه إلا أحس بقوة عز، وما من أحد غلبه هواه إلا وجد في نفسه ذل القهر". السابع: وهو العلاج الأخير، أن يتفكر في فائدة المخالفة للهوى، من اكتساب الذكر الجميل في الدنيا، وسلامة النفس والعرض، والأجر في الآخرة. ثم يعكس، فيتفكر لو وافق هواه في حصول عكس ذلك على الأبد، وليفرض لهاتين الحالتين حالتي آدم ويوسف ﵉. في لقمة هذا وصبر هذا! أين لذة آدم التي قضاها، من هَمَّة يوسف التي ما أمضاها؟ " (١). وبعد أن بيَّن ابن الجوزي فوائد مخالفة الهوى من الذكر الجميل في الدنيا والآخرة، وجهنا للاعتبار والاتعاظ من قصة آدم ﵇ في اتباعه هوى نفسه، بأكله من الشجرة المنهي عنها، وخروجه من الجنة وحرمانه من نعيمها، فناله ذل المسلم المتبع شهواته لولا رحمة الله تعالى به في توبته الصادقة المطهرة له من ذنوبه. ومن قصة يوسف ﵇ ومخالفته لهوى نفسه في اتباع أمر امرأة العزيز، وتفضيله السجن في طاعة الله تعالى، على الحرية في معصية الله تعالى، فنال عز المؤمن القوي المستعلي على شهواته. وقد أورد ابن الجوزي هذين المثالين ليكونا عبرة وعظة وذكرى لمن غلبت عليه شهوته .. أو غفل ونسي في زحمة مطامعه الدنيوية، فيقوم من تعثره وانحرافه بنفسٍ قويةٍ مجاهدةٍ.

стр. 125

ب- الدوافع وتوجيهها: حقيقة الدوافع: يطلق على الدافع ألفاظ عدة منها الميل والفطرة والحاجة، وله تعريفات عدة منها: إنه "حالة داخلية تهيئ الفرد أو تنزع به إلى سلوك معين، ظاهرًا كان أم باطنًا التماسًا لأهداف معينة" (١). أو هو "كل ما يدفع الإِنسان إلى القيام بسلوك معين أو تغير معين في داخل الكائن الحي أو سلوكه إزاء مواقف معينة، سواء كان هذا الدافع نابعًا من داخل الكائن الحي أم من بيئته، فهو بهذا المعنى يشمل كل الدوافع مثل الحاجات والحوافز والرغبات والميول" (٢). وقد صنفت الدوافع بوجه عام إلى زمرتين: إحداهما: الدوافع الفطرية التي يولد الفرد مزودًا بها مثل دافع الأكل والشرب والنكاح. والثانية: الدوافع المكتسبة التي يكتسبها الإنسان من بيئته الاجتماعية المحيطة به. مثل الدافع إلى التعليم والتعلم، ومثل الميل إلى التعامل مع فئة من الناس. وقد بيَّن ابن الجوزي أن الدوافع وضعت في النفس البشرية لعمارة الكون، ولقيام الإنسان بمهمة الاستخلاف، فدافع الأكل والشرب لاستمرار بقاء الإنسان، ودافع النكاح لاستمرار بقاء الجنس البشري، والدوافع الأُخرى من دفاعية وهجومية وتعلّمية لمساعدته على إقامة شرع الله تعالي. وقد أباح الله تعالى للإنسان كلّ طيبات الأرض في حدود ما شرع له، لقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ

стр. 126

يَعْلَمُونَ﴾ (١). وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "إن جميع ما وضع في الآدمي إنما وضع لمصلحته، إما لاجتلاب نفع كشهوة المطعم أو لدفع ضر كالغضب" (٢). ولما كانت هذه الدوافع "ناشئة أساسًا من التكوين المادي، وهي تدفع الإِنسان إلى الالتصاق بالحياة المادية الأرضية والانهماك في الأمور الحسية، فقد جاءت آيات كثيرة تصف طبيعة الإِنسان من هذه الناحية وانهماكه في الحياة المادية، وإخلاده إليها" (٣) وقد استشهد المؤلفان بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (٥). وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "رأيت ميل النفس إلى الشهوات زائدًا في المقدار حتى إنها إذا مالت، مالت بالقلب والعقل والذهن، فلا يكاد المرء ينتفع بشيء من النصح" (٦)، ويقر ابن الجوزي بأهمية الدوافع في حياة الإنسان ولكن يرى تحقيقها بطريقة معتدلة ومتوازنة ومتكاملة، حتى يسير الإنسان مشبعا لدوافعه منضبطًا، مستغلًا لكل طاقاته لتكون أداة تعمير لا تدمير للكيان البشري وتكون الدوافع عونًا له في عمارتها بما يرضي الله تعالى. أما عندما تطغى شهوات الإنسان عليه كشهوة المال أو النكاح أو الجاه أو السلطان فيكون الأمر كما قال في ذلك محمد قطب: "فذلك اختلال في باطن نفسه، لا يسعده في الحقيقة وإن بدا له في أول الأمر أنه مستمتع وراض وسعيد. إنما هو في الواقع شقوة دائمة، لأنه قلق على ما عنده وراغب في المزيد، ثم هو اختلال في واقع الحياة، فكل شهوة زائدة عن الحد لا تجرف صاحبها وحده، وإنما تصيب غيره من الناس في الطريق. تصيبهم بعدوان يقع عليهم لا محالة من هذه الشهوة التي تجاوز الحدود" (٧).

стр. 127

أنواع الدوافع بالتفصيل: لذلك فقد حدد ابن الجوزي أنواعًا مختلفة من الدوافع، ويعدَّ منها الشهوات التي تنتج عن الشره (١)، كالشره في الطعام والشراب والجماع وجمع المال، وفيما يلتذ به من الأبنية المنقوشة، والخيل المسومة والملابس الفاخرة وغير ذلك من متاع الدنيا. أ - رأي ابن الجوزي في دافع الطعام وتوجيهه: وقد عالج ابن الجوزي هذه الشهوات بطريقة تبين مضارها وفوائدها وحكمتها، وقد بدأها ببيان ضرر الشره في الطعام، فقال: "إنَّ العاقل يحب أن يأكل ليبقى، والجاهل يؤثر أن يبقى ليأكل، وربَّ لقمةٍ منعت لقماتٍ وكانت سبب الهلاك، وإنما المقصود هنا زجر النفس الشرهة لتكفَّ الكف عما يؤذيها" (٢). إن شهوة الطعام كغيرها من الشهوات (الدوافع الفطرية)، التي وضعت في الإِنسان ليست غاية في ذاتها بل هي وسيلة إلى غاية سامية وهي العبودية المطلقة لله تعالى، فالمسلم العاقل هو الذي يجعل الطعام وسيلة حيوية لحفظ حياته، وقوة جسمه، فالمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، كما أن "الجسد الهزيل المريض لا يأخذ نصيبه الحق من المتاع، فوق أنه لا يوصل شحنة الحياة إلى النفس توصيلًا صحيحًا تقوم عن طريقه بمهمتها المفروضة عليها، وفوق أن جهاد الحياة -والحياة كلها جهاد- في حاجة إلى جسم وثيق متين البنيان" (٣). ومن هنا ندرك أن المنهج التربوي الإِسلامي، قد وضع موجهات وضوابط لشهوة الطعام فلم يجعله هدفًا لذاته "والجاهل يؤثر أن يبقى ليأكل" وإنما جعله وسيلة لغاية سامية، كما أنه قيدها بالحلال لقوله

стр. 128

تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١). وأن يكون في حدود الاعتدال لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٢) ولا يستأثر بها لنفسه بل يكون للفقراء والمساكين والمحتاجين منها نصيب، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٣). وإذا راعى الإنسان هذه الضوابط الشرعية، فإنه لن يصل إلى الشره المذموم، الذي يؤدي إلى هلاك النفس الإِنسانية. ب - رأي ابن الجوزي في دافع النكاح وتوجيهه: فيقول معبرًا عن هذا الدافع: "إنه كلما كثر استعماله امتنعت أوعية المنيّ من الدر فانجذب إليها غذاء ليس بنضيج، واستلبت قوى الأصول وهي الدماغ والقلب والكبد، فتبرد الحرارة الغريزية، ويسرع لذلك الهلاك" (٤). يعتبر الجماع -في نظر ابن الجوزي- من الدوافع الفطرية في النفس البشرية، ولابد من إشباعها بطريقة صحيحة تتفق مع المنهج التربوي الإِسلامي، لتحقق الغاية من وجود هذا الدافع وفي عبارة ابن الجوزي، نجده يحذر من الإكثار من الجماع لضرره البالغ على النفس البشرية، ولبعده عن المقصد الأساسي منه، والتحول إلى تشبه بالحيوان. أما الضرر الحاصل من كثرة الجماع، فيؤيده ما قاله الشيخ ابن سينا بقوله: "والجماع المتكلف وغير المشتهى مضرته النقصان في جوهر الروح الحيواني، وتضعيف القلب، والخفقان، وظلمة الحواس، وسقوط القوة والتهيؤ لجميع أمراض العصب لبارد المزاج، والدق لحار المزاج" (٥).

стр. 129

ولدفع هذه الأضرار عن النفس البشرية لابد من الاعتدال في تصريف الطاقات الكامنة فيها، وسيتم ذلك إذا أدرك الإنسان الحكمة الإِلهية من وجود هذا الدافع وكيفية إشباعه، فجعلها علاقة روحية وجسدية في وقت واحد، لقوله ﷺ -وإن لم يستشهد بهذا الحديث ابن الجوزي-: "وفي بُضع أَحَدِكُم صَدَقَةْ. قالوا: يا رسولَ الله! أَيَأتي أَحَدُنَا شَهوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجر؟ قَالَ: أَرَأيْتُم لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامَ أكَانَ عَلَيهِ فِيهَا وِزر؟ فَكَذلِكَ إِذَا وَضَعَها فِي الحلالِ كَانَ لَهُ أَجرُ" (١) ثمَ إذا أدرك المقاصد الأصلية له، والتي تتمثل في نظر ابن قيم الجوزية في أمور ثلاثة وهي: أولها: "حفظ النسل ودوام النوع الإنساني إلى أن تتكامل العدة التي قدر الله بروزها إلى هذا العالم. الثاني: إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن. الثالث: قضاء الوطر، ونيل اللذة، والتمتع بالنعمة -وهذه وحدها- هي الفائدة التي في الجنة: إذ لا تناسل هناك، ولا احتقان يستفرغه الإِنزال" (٢). وهذا ما قرره ابن الجوزي أيضًا في قوله: "ثم إن صورة الوطء تنبو عنها النفوس الشريفة، إلا أن يُدفع شر محتقن أو يطلب ولد. فأما أن يصير عادة يكون بالتمتع بنفس الفعل، فتلك مزاحمة البهائم" (٣). ثم قال ابن الجوزي في الاستمتاع: "فإن طلب التزوج للأولاد فهو الغاية في التعبد، وإن أراد التلذذ فمباح يندرج فيه من التعبد ما لا يحصى من إعفاف نفسه والمرأة .. إلى غير ذلك" (٤).

стр. 130

جـ - رأي ابن الجوزي في دفع جمع المال وتوجيهه: وبعد معالجة الشره في الجماع وضرره على الإنسان، تعرض ابن الجوزي للشره في جمع المال، الذي اعتبره "من الجنون البارد إذا زاد على قدر الحاجة، لأن المال لا يراد لنفسه وإنما يراد لغيره، ولا ينكر على من جمع ما لا غنى للنفس عنه، فاستغنى به عن الناس، وأغنى أولاده، وبذل بعضه للمحتاجين" (١). وعند تحليلنا لما ذكره ابن الجوزي، فإننا نرى أنه لا ينكر على الإنسان جمعه المال لأن من طبيعة النفس البشرية حب المال والحرص على جمعه، لقول الله تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (٢)، لأن جمع المال في الحس الإسلامي، يعتبر وسيلة لمرضاة الله تعالى في الدنيا والآخرة، عن طريق كسبه بالحلال، ثم إنفاقه في وجوهه المشروعة، لأن المال -كما ذكر ابن الجوزي- لا يراد لنفسه وإنما يراد لغيره. ولا باس إذا كان جمع المال لطلب الاستغناء به عن الناس من السؤال، وصيانة الأبناء من التذلل إلى الآخرين، ولاسيما أن رسولنا الكريم ﷺ قد نهى عن السؤال فقال: "لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره، فيتصدق به ويستغني به عن الناس، خير له من أن يسأل رجلًا، أعطاه أو منعه ذلك. فإن اليد العليا أفضل من اليد السفلى. وأبدأ بمن تعول" (٣). وقصة رسولنا ﷺ عندما عاد سعد بن أبي وقاص بمكة فبكى. فقال له: "ما يبكيك؟ فقال: قد خشيت أن أموتَ بالأرضِ التي هاجرتُ منها. كما مات سعدُ بن خولةَ. فقال النبي ﷺ : "اللهم اشفِ سعدًا. اللهم اشفِ سعدًا" ثلاثَ مرات. قال: يا رسول الله: إن لي مالًا كثيرًا. وانما يرثُني ابنتي. أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا. قال: فبالثلثين؟ قال: لا. قال: فالنصفُ؟ قال: لا. قال: فالثلثُ؟ قال: الثلثُ، والثلثُ

стр. 131

كثيرٌ، إن صدقتَك من مالِك صدقة. وإن نفقتَك على عيالِك صدقةٌ وإن ما تأكلُ امرأتك من مالِك صدقةٌ. وإنك أن تدع أهلَك بخيرِ (أو قال بعيش) خيرٌ من أن تدعُهم يتكفَّفُون الناسَ" (١). وهذا ما أقرته الشريعة الإسلامية عندما أباحت "للفرد أن يأخذ من مال الله ما يكفي حاجته" وحاجة أهله الذين تلزمه نفقتهم كالزوجة والأولاد والأبوين، وله أن يأخذ بعض مال الله لينفقه في حفظ بقية المال، وفي استغلاله واستثماره، وله أن يفعل ذلك كله في حدود الاعتدال دون سرف أو تقتير" (٢). وأن لا يصرف كل همه وجلَّ وقته في جمع المال، لأن صرف الاهتمام في جمع المال يشغل الإنسان عن طاعة الله وعمارة الأرض لغاية عليا، فيخسر المَرء الدين والنفس والوقت في معصية الله لذا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٣). توجيه الدوافع في نظر ابن الجوزي: حذر ابن الجوزي من مغبة جمع المال في معصية الله، وأكد بعض التوجيهات في هذا المجال فقال في ذلك: "ينبغي للعاقل بعد حصول المقدار المتوسط من ذلك أن لا يضيع الزمان الشريف، وألا يخاطر بالروح في الأسفار وركوب البحار" (٤). كما اعتبر جمع المال من الأمراض التي تصيب النفس البشرية، التي ينبغي معالجتها ببيان المعنى الحقيقي للمال ووظيفته في حياة الإنسان فقال: "ينبغي أن يُداوى بتلمح المقصود من المال" (٥)، ولم يوضح ذلك من خلال الآيات القرآنية الكريمة التي وردت

стр. 132

في هذا الشأن ولكن الباحثة وضحته لمعرفة القارئ به، فينبغي أن يدرك الإنسان ان المال مال الله لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (١). وأنه مستخلف فيه للإنفاق في الوجوه المشروعة لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (٢)، وأهم هذه الوجوه هي كما وردت في قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (٤) إلى غير ذلك من الآيات القرآنية الكريمة التي توضح وجوه الإنفاق المشروعة. وإذا أدرك الإنسان هذه المعاني الأصيلة فإنه يسلم من داء الشح والبخل وإهلاك النفس والوَقت، ويكسب حياته في الدنيا والآخرة. وهذا ما قصده ابن الجوزي في قوله: "وهذا المرض ينبغي أن يداوى بتلمح المقصود من المال، والموازنة بين حصوله وبين المخاطرة بأنفس نفيس وهي النفس والوقت، فمن شاور عقله فهم المراد، ومن غلبه مرض الحرص هلك في بيداء الشره، ولا وارث له إلا المطية والرحل" (٥). ثم بيَّن أيضًا أن النفس البشرية بين بخل وتبذير، وكلاهما شر على الإنسان، فالبخل كما عرفه ابن الجوزي هو إنما يقع "على مانع الحق الواجب، قال ابن عمر من أدى الزكاة فليس ببخيل، ثم يقال لمن منع ما لا يضره ولا يكاد يؤثر فيه مما ينتفع به الناس بخيل" (٦) لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٧). والبخل صفة مذمومة في النفس البشرية، لأنها تحرم صاحبها من

стр. 133

المتاع الدنيوي المباح، وتضر دينه بمنع الزكاة والإنفاق في سبيل الله، وتبعده عن حب الناس له. أما إذا اقتصد الإنسان دون إسراف وبخل، وادّخر من بعض ماله للظروف الطارئة والمفاجئة في المستقبل، حتى لا يضطر إلى سؤال الغير، فهذا لا يسمى بخلًا، بل يعتبر من باب الحيطة والحذر المطلوب والمباح للإِنسان فعله، وفي هذا يقول ابن الجوزي: "إن مجرّد الإمساك للمال لا يسمى بخلا، لأن الإنسان قد يمسك فاضل المال لحاجته، ولحوادث دهره، ولأجل عياله وأقاربه، وهذا كله من باب الحزم، فلا يذم" (١). علاج البخل في نظر ابن الجوزي: قد وصف ابن الجوزي علاجًا لمرض البخل، وهذا العلاج التربوي لا يخرج عن الإطار الإسلامي المستمد من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة وإن لم يستشهد بها ابن الجوزي في علاجه، وسوف تجمل الباحثة هذا العلاج في نقاط ثم تفصل فيه مستشهدة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية المناسبة -في حدود ما اطلعت عليه- ويتمثل العلاج في النقاط الآتية: ١ - : قال ابن الجوزي: "علاج البخل أن يتفكر، فيرى أن فقراء بني آدم إخوانه، وقد أوثر عليهم وأحوِجوا إليه، فليجعل شكر المنعم مواساة الإخوان" (٢). ومن هنا لابد أن يعلم الإنسان البخيل أن أخوته للناس جميعًا أخوة إيمان وإسلام لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٣). ولهذه الأخوة الإسلامية حقوق وواجبات كثيرة منها ما يتمثل في قول الرسول ﷺ : "المسلمُ أخو المسلمِ، لا يظلمُه ولا يُسْلِمُه. من كان في حاجةِ أخيه كان الله في حاجتِه، ومن فرجَ عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربةَ من كُرَب يومِ القيامةِ، ومن ستَر مسلمًا سترة الله يوم القيامة" (٤).

стр. 134

٢ - قال ابن الجوزي: "ولينظر في شرف الكرم، وليعلم أنه يسترقُّ الأحرار إذا أسدى إليهم معروفًا، وينهب عرضه الأشرار إذا بخل" (١). وهنا يرى ابن الجوزي أن على الإنسان البخيل أن يدرك أن للكرم والسخاء فضائل متعددة منها أنه يسترقِّ الأحرار إذا أسدى إليهم معروفًا ويكون قريبًا منهم، حتى أنه يتحول بغضهم حبًا، كما حدث مع رسول الله ﷺ عندما حكى ابن شهاب قال: "غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح، فتح مكة. ثم خرج رسول الله ﷺ بمن معه من المسلمين. فاقتتلوا بحنين. فنصر الله دينه والمسلمين. وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم. ثم مائة. ثم مائة. قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب؛ أن صفوان قال: والله! لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي. فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي" (٢). ٣ - قال ابن الجوزي في هذا العلاج: "وليتيقن أنه سيترك ما في يديه ذميمًا، فليخرج منه قبل أن يخرج عنه" (٣). وهذا معناه أن الإنسان البخيل إذا علم مصير ماله الذي جمعه، وأنه سيكون لغيره من الناس بعده، فإنه لا شك سينفقه في سبيل الله، قبل أن يبدده ورثته، وذلك مصداق لقول الرسول ﷺ : "يقول العبد مالي. مالي، إنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس" (٤). ٤ - وهذا العلاج الترهيبي لم يذكره ابن الجوزي، وهو أنه إذا تدبر

стр. 135

عقاب الله ﵎ لمن يمنع ماله من إنفاقه في سبيله، فإنه سيتعظ وينفق بسخاء، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١). أما التبذير فهو ضد البخل والمبذَّر هو من فرق وبدّد ماله في غير موضعه، وهو يؤدي إلى الفقر والإفلاس، وإلى خراب النفس والمال والوقت، ويؤدي إلى الكفر بنعم الله تعالى، لذلك قال فيه ابن الجوزي: "التبذير مما يأمر به الهوى وينهى عنه العقل" (٢)، ولذلك وردت الآيات القرآنية محذرة منه، فذكر ابن الجوزي قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (٣). العلاج: ولعلاج مرض التبذير رأى ابن الجوزي أن على المرء النظر والتدبر في عاقبة الإسراف وما يجره من فقر وحاجة ومذلة عند سؤال الناس، فقال: "النظر في العواقب، والحذر مما يجوز كونه من الحاجة إلى الناس والفقر فذلك يكف كفَّ التبذير" (٤). وحتى يكون الإنسان معتدلا في كسبه وإنفاقه، بعيدًا عن البخل والإسراف، حدد ابنَ الجوزي مقدار اكتسابه بطريقة تكفل تأمين حاجاته الضرورية اليومية، وما يمكن أن يحدث من ظروف مفاجئة في مستقبل أيامه، حتى لا يحتاج إلى الناس وبذل عند السؤال، وهذا ما اعتبره ابن الجوزي من كمال العقل وبعد النظر في تدبير المعيشة. قال: "وينبغي للعاقل أن يكتسب أكثر مما يحتاج إليه، ويقتني ما يعلم أنه لو حدثت به حادثة كان في المقتنى عوض عما ذهب، ولو عرض له مانع من الاكتساب قام المقتنى بحاجته بقية عمره، ولو جاءه أولاد أو احتاج إلى

стр. 136

فضل زوجة أو خادم، أو احتاج ولده إلى مثل ذلك كان في كسبه ما يكفيه، وفي الجملة ينبغي أن تكون النفقة أقل من الكسب، ليقتني من الفضل ما يكون مُعدا لحادثة لا تؤمن، وهذا ما يأمر به العقل الناظر في العواقب، ولا يبالي به الهوى الناظر إلى الحالة الحاضرة" (١)، ولذلك مدح الله تعالى الملتزمين بالمنهج المالي القويم في الإنفاق، فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٢) وقد استشهد ابن الجوزي بما جاء عن أبي الدرداء مرفوعا "من فقهِ الرجلِ بعدُ النظرِ في معيشتهِ" وقد رُوي موقوفا (٣). د - رأي ابن الجوزي في دافع حب التمتع بالأبنية والخيل المسومة والملابس الفاخرة: كذلك من الشهوات التي تميل إليها النفس البشرية، حب التمتع بالأبنية المزخرفة الجميلة والخيل المسوّمة والسيارات الفارهة. والملابس الفاخرة، وهذا شيء طبيعي لأن "حب الحياة والأمل فيها جزء من فطرة الإنسان، ولولا ذلك ما عُمِرت الأرض، ولا ترعرعت شجرة الحياة، فلم يكن مما ينافي الحكمة أن يزين للناس حب الشهوات، ولكن الخطر كل الخطر أن يستغرق الناس في حب الدنيا وطول الأمل فيها، وأن تكون هذه الحياة القصيرة أكبر همهم ومبلغ علمهم ومنتهى آمالهم" (٤)، وهنا يكون الشره المنهى عنه والذي خرج عن الهدف الأساسي من عمارة الأرض، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وقد يقع الشره في فنون ما يلتذ به من الأبنية المنقوشة، والخيل المسومة، والملابس الفاخرة وغير ذلك، وهذا مرض أصله موافقة الهوى" (٥). ولعلاج حب الدنيا وزينتها، المتمكن في النفس البشرية، استخدم ابن الجوزي أسلوب

стр. 137

الترهيب ليكون أدعى للكف عن السلوكيات السيئة، فنبه المتهالك عليها "أن الحساب على كسب الحلال شديد عسير، والتبذير ممنوع منه، وأن الله تعالى لا ينظر إلى من جر ثوبه خيلاء، وأن كل شيء يؤجر المؤمن عليه إلا البناء، فالعاقل من نظر في مقدار إقامته، وتلمح بيت نقلته، فحينئذ يقنع من الثياب بما يواريه ومن البنيان ما يؤويه" (١). إن ابن الجوزي لا ينكر على الإنسان استمتاعه بالطيبات التي أباحها الله تعالى، مصداقًا لقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢)، ولكن يوجه نظر الإنسان إلى ضرورة التفكر والتدبر في التنعم بالمباحات، حتى لا تخرجه إلى دائرة الحرام، فعليه أن يدرك أن الله تعالى سيحاسبه يوم القيامة حسابا دقيقا على كسبه الحلال، لقوله ﷺ : "لا تزولُ قدما عبد يوم القيامةِ حتى يُسألَ عن عمرهِ فيم أفناهُ، وعن علمِه فيم فعل وعن مالِه من أين اكتسبَه وفيم أنفقَه، وعن جسمِه فيمَ أبلاهُ" (٣) فإذا كان الحساب عسيرًا على المال الحلال .. فكيف يكون على المال الحرام؟!! كذلك إذا أدرك الإنسان أن الحكمة من إباحة الملابس الجميلة، هي إشباع فطرة الإنسان المحبة للزينة واللبس ولستر العورة، والظهور بمظهر يليق وكرامة الإنسان، لقوله ﷺ : "كُلوا وتَصَدَّقُوا والبَسُوا في غَيْرِ إِسراف ولا مَخِيلَة" (٤). أما إذا تحول هذا الميل إلى فخر ومباهاة وشهرة، فقد خرج عن حدوده المباحة، وأصبح وزرًا على صاحبه لقوله ﷺ : "لا ينظرُ الله يومَ

стр. 138

القيامةِ إلى من جرَ إزارَه بطرًا" (١). وقوله ﷺ : "لا يدخلُ الجنةَ من كانَ في قلبهِ مثقالُ ذرة من كبر" قال رجل: إن الرجلَ يحبُ أن يكونَ ثوبهُ حسنًا ونعلُه حسنةً. قال: إن الله جميلٌ يحبُ الجمالَ. الكبرُ بطرُ الحقِ وغمطَ الناسَ" (٢). أما قوله ﷺ : "كلُ شيء يؤجرُ المؤمنُ عليه إلا البناءَ"، فهي إشارة حكيمة للإنسان باجتناب المبالغة في تشييد المباني الفاخرة بقصد المباهاة والمفاخرة، والمقبول اهتمام معقول يسد حاجة الإنسان في مسكن مناسب، وذلك حتى لا يتعلق بالدنيا وزينتها، ويميل إلى حب الإقامة فيها، فيصرفه هذا عن القيام بعبادة الله تعالى، ولتوضيح مدى صحة العبارة السابقة فقد ورد في ذم البناء مطلقًا حديث خباب رفعه قال: "يؤجر الرجل في نفقته كلها إلا التراب" أو قال "البناء" أخرجه الترمذي وصححه وأخرج له شاهدًا عن أنس بلفظ "إلا البناء فلا خير فيه" والطبراني من حديث جابر رفعه "إذا أراد الله بعبد شرا خَضَّر له في اللَّبنِ والطين حتى يبني" ومعنى "خضَّر" بمعجمتين حسَّن، وزنا ومعنى. وله شاهد في "الأوسط" من حديث أبي بشر الأنصاري بلفظ "إذا أراد الله بعبد سوءا أَنفق ماله في البنيان" وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: مر بي النبي ﷺ وأنا أطين حائطًا فقال: الأمر أعجل من ذلك، وصححه الترمذي وابن حبان، وهذا كله محمول على ما لا تمس الحاجة إليه مما لابد منه للتوطن وما يقي البرد والحر، وقد أخرج أبو داود أيضًا من حديث أنس رفعه "أما أن كل بناء وبال على صاحبه إلا ما لا" أي إلا ما لابد منه (٣).

стр. 139

وقد ضرب ابن الجوزي مثالين لذلك فقال: في الحديث أن نوحًا ﵇ لبث في بيت شعر ألف سنة إلا خمسين عامًا. وأن رسول الله ﷺ ما وضع لبنة على لبنة (١) وهذا القول الأخير مخالف لما ورد من بنائه ﷺ بيوت نسائه إلى جانبيه -مسجد قباء- بيوت الحجر باللبن، وسقفها بالجذوع والجريد، بعد بنائه المسجد (٢). ثم نصح ابن الجوزي بطريقة غير مباشرة إلى أهمية أن يدرك الإنسان العاقل، أن الدنيا مطية المؤمن للدار الآخرة، وأن الحياة قصيرة .. والعمر زائل، وأنه مهما قصرت حياته أو طالت .. فلابد من الرحيل إلي دار الإقامة، فإذا فهم الإِنسان حقيقة الدنيا والغاية من وجوده، ووظيفته منها، فإنه حينئذ يقنع من الثياب بما يواريه، ومن البنيان بما يؤويه ووعى حديث رسولنا الكريم ﷺ : "من أصبح منكم آمنًا في سربه, معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا" (٣). توجيه الدافع: وحتى يؤتي علاج ابن الجوزي ثمرته في النفس البشرية، فإنه وجَّه إلى أهمية النظر في العلم والتأمل في سير العلماء والعقلاء (٤)، وهذان العلاجان مفيدان في الشفاء من مرض الشره، فعن طريق العلم الإسلامي الذي يوضح المقاصد الحقيقية للشريعة الإِسلامية وما فيها من أحكام ومعاملات وآداب، يدرك المرء الحكمة من المتاع الدنيوي المباح، والطريقة الصحيحة لإشباعه من دون إسراف أو تقتير. ويثبت هذا العلم في النفس البشرية الاقتداء بسلوك العلماء العاملين المخلصين الملتزمين

стр. 140

بتطبيق منهج الإِسلام، لأن النفس الإنسانية جُبلت على حب اتباع الصالحين والتأسي بسلوكهم وخلقهم، ويؤكد ذلك الأستاذ النحلاوي بقوله: "إن حاجة الناس إلى القدوة نابعة من غريزة تكمن في نفوس البشر أجمع هي التقليد، وهي رغبة ملحة تدفع الطفل والضعيف والمرؤوس إلى محاكاة سلوك الرجل والقوي والرئيس" (١). فيكون ذلك أسرع في التخلص من أمراض النفوس. هـ - رأي ابن الجوزي في حب الرئاسة في الدنيا وطريقة توجيهه: كذلك من الشهوات التي تميل إليها النفس البشرية، حب الرئاسة في الدنيا دون التفكر في عواقبها، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "إن النفس تحب الرفعة والعلو على جنسها، فتؤثر الإمارة والولاية لمكان الأمر والنهي، وهذا وإن كان مطلوبًا إلا أن فيه مخاطراتٍ أقلُها العزل بعد الولاية، وأعظمها الجور في الحكومة، وأوسطها تضييع الزمان إذا لم تَصُحَّ للوالي نية" (٢). وهنا يتعرض ابن الجوزي لشهوة السلطان التي تتملك النفس البشرية وما يصحبها من حب الرفعة والعلو على غيرها من الناس، وهذا الأمر وإن كان محببًا ومطلوبًا -في نظر ابن الجوزي- إلا إنه يحذر من عواقبه في الدنيا والآخرة، فأقل المخاطر التي تحيط به هو العزل من السلطة إذا لم ينفذ ما يطلب منه سواء كان حقًا أم باطلًا، وكون الإِنسان شاعرًا بأنه مهدَّد في منصبه، فهذا يجعله قلقًا متوترًا حريصًا على تنفيذ ما يُطلب منه وإن كان فيه مخالفة واضحة لشرع أو عرفٍ صحيح، حتى يحافظ على منصبه. وهذا الحرص يؤدي به إلى الظلم وانتهاك الحرمات والتعدي على حقوق غيره من الناس، يضاف إلى ذلك إضاعة عمر الإنسان فيما قد يضره ولا يفيده. هنا نجد ابن الجوزي يذم الرئاسة، ولكن الأمر ليس على إطلاقه، لأن الحاكم إذا كان عادلًا فهو يكون من الذين يظلُّهم الله يوم القيامة

стр. 141

بظله. ثم يبادر ابن الجوزي ببيان علاج شهوة السلطان، التي تبدو في خيال طالبها وراغبها، أنها عظيمة القيمة، بعيدة المنال فإذا وصل إليها هانت عليه وتاقت نفسه إلى غيرها .. وهكذا في إلحاح دائم .. وإصرار دائب للوصول إلى أعلى المناصب، دون تحسب للعقاب الآجل والعاجل .. فيمضي عمره في لذة تزول .. وحسرة تدوم .. وذنب مكتوب، فمن هنا يتبين أن على الإِنسان أن يتمهل ويتفكر في العواقب حتى يسلم دينه ونفسه، ويشتري بحياته الدنيا نعيم الآخرة في مقابل نعيم السلطة في الدنيا وعقابها في الآخرة. وفي هذا يقول ابن الجوزي: "وينبغي لمن أحب الولاية أن يعلم أنه إنما يتخايلها عظيمة ما لم ينلها، فإذا نالها هانت عنده، وسما إلى غيرها، فاللذة تزول، والأوزار تبقى، والمخاطرة بالنفس والدين، فالتفكر في هذه الأشياء علاج" (١). وقد أورد ابن الجوزي بعضًا من أحاديث رسولنا الكريم ﷺ للتحذير من الفتنة بالسلطة وذلك بالورع والتقوى لمن تسلمها، فقال في ذلك: بسنده عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "ما من رجلٍ يلي أمرَ عشرةٍ فما فوق ذلك إلا أتى الله يومَ القيامةِ مغلولةٌ يده إلى عنقِه، فكه برُه، أو أوبقَه إثمُه، أولُها ملامةٌ، وأوسطَها ندامةٌ، وآخرُها خزيٌ يومَ القيامةِ" (٢). ثم قال وعن أبي هريرة مرفوعًا: "ويلٌ للأمراءِ، ويلٌ للعرفاءِ، ويلٌ للأمناءِ ليتمنَينَّ أقوامٌ يومَ القيامةِ أن ذوائبَهم كانت معلقةً بالثريا يتذبذبون بين السماءِ والأرضِ ولم يكونوا عملوا على شيء" (٣). "وفي أفراد مسلم (٤) من حديث أبي ذر قال: قلت يا رسول الله: ألا تستعملني؟ قال: فضربَ بيدِه على منكِبي. ثم قال: يا أبا ذر! إنك ضعيفٌ. وإنها أمانةٌ وإنها يومَ القيامةِ، خزيٌ وندامةٌ. إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها" (٥). وعلى الرغم من وجود أحاديث نبوية

стр. 142

شريفة عن فضيلة وأجر من أدى حق أمانة السلطة، إلا أن ابن الجوزي لم يذكرها هنا؛ منها قوله ﷺ : "إن المقسِطين عند الله على منابرَ من نورٍ. عن يمينِ الرحمن ، وكلتا يديهِ يمينٌ، الذين يعدلون في حكمِهم وأهليهم وما وَلُوا" (١). وهناك عدد من الأحاديث النبوية التي تحث الحاكم على العدل، ولا شك في أننا بحاجة دائمة إلى الإمام العادل لتولي السلطة، والذمُّ المتكرر لا يزيل الحاجة، لذلك فنحن بحاجة إلى التربية الإِسلامية لتربية القيادات الصالحة، لأننا لا نعاني إلا بسبب غياب هذه القيادات الإِسلامية الرشيدة والحكيمة. جـ - الانفعالات وعلاجها: قبل أن أتعرض لموضوع الانفعالات عند ابن الجوزي، لابد من توضيح أمرٍ في عرض هذا الموضوع؛ والملاحظ أنه لم يتبع منهجية محددة واضحة في حديثه، فقد تكلم عن الانفعالات بصفة عامة دون تحديد مسماها "الانفعالات" وعند معالجته لموضوع الانفعالات، عالج كل انفعال على حدة، ولكن دون إعطاء تعريف دقيق لمعنى الانفعال خلافًا لما فعل الإمام الغزالي (٢)، وقد وثق معظم كلامه بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الحكماء والعلماء إن وجد، وأيده بقصص من سير الصحابة والسلف الصالح إن لزم الأمر، ثم أنهى موضوعه بالعلاج المناسب، الذي غالبًا ما يكون موافقا لرأي الإِسلام التربوي والنفسي. وبناء على ذلك ستقوم الباحثة بتعريف معنى الانفعال العام ثم أهم

стр. 143

الانفعالات التي ذكرها ابن الجوزي وتعريفها في ضوء أقوال العلماء من المسلمين وغيرهم من المحدثين، ثم تحليل هذا الانفعال كما ورد في الكتابات. النفسية والتربوية مدعمة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. حقيقة الانفعال: وقبل أن نحلل كل انفعال على حده، سنعرَّف معنى الانفعال، فبعض العلماء يعرّف الانفعال بأنه: "ضرب من السلوك الخارجي، من المحال أن يخطئه الملاحظ لما ينجم عن الانفعال من تغيرات في ملامح الوجه والحركات والتعبيرات اللغوية. فالانفعال حالة بارزة تسهل ملاحظتها لأنها تعقب حالة من الهدوء والاتزان والسكون، وتكون فيها ملامح الوجه منسجمة والحركات عادية والتفكير هادئًا. وهذا يعني أن الانفعال يخل بميزان التوافق للفرد. وقد عرَّفه بعضهم بأنه تغير مفاجئ يشمل الفرد كله نفسًا وجسمًا، وعلى ذلك فإن الانفعال يؤثر في الإنسان كله، فيؤثر في سلوكه الخارجي كما يؤثر أيضًا في تكويناته العضوية الداخلية" (١). أنواع الانفعال وعلاجها: وقد عالج ابن الجوزي انفعالات عدة منها: انفعال الحسد والحقد والغضب والحزن والهم والغم والخوف والحذر من الموت، والفرح. ١ - حقيقة انفعال الحسد: وسنبدأ تحليلنا التربوي بذكر انفعال الحسد، الذي عرَّفه ابن الجوزي بقوله: "الحسد تمنّي زوال نعمة المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها. وسبب ذلك حب الميزة على الجنس، وكراهة المساواة. فإذا حصلت للغير نعمة تميّز بها، تألّم هذا الإنسان لتلك الميزة أو بمساواته له فيها، فلا يزيل ذلك الألم إلا زوال تلك النعمة عن المحسود، وهذا أمر

стр. 144

لا يكاد أحد ينفك منه في باطنه، ولا يأثم الإنسان بوجود ذلك بل يأثم بالتمني لزوال النعمة عن أخيه المسلم" (١). ومن خلال تحليل الباحثة لانفعال الحسد الذي ستوثقه بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية المناسبة، والتي لم يستشهد بها ابن الجوزي، ومن أقوال ابن الجوزي في الحسد يتضح لنا أن انفعال الحسد انفعال نفسي داخلي موجود عند كل الناس، ولكنه متفاوت من شخص إلى آخر حسب إيمانه بالقدر وحكمة الله في توزيع النعم والأرزاق على الناس بأقدار متفاوتة، قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢)، كما يظهر لنا أن الحسد قد يكون ناتجًا من قلة حب الخير للناس جميعا، لذلك لا يكمل إيمان المرء حتى يحب لغيره ما يحب لنفسه، لقوله ﷺ : "لا يؤمنُ أحدُكم حتى يحبَ لأخيهِ ما يحبُ لنفسه" (٣)، فإذا فهم المسلم الحكمة الإلهية من ذلك، عاش راضيًا هانئًا سعيدًا بما وهبه الله من نعم سواء كثرت أو قلت، أما إذا لم يرض بحاله، وتذمر من حياته، وتفكر في نعم الله على غيره، وقلتها أو عدمها لديه، فإن هذا الإحساس سيصيبه بالألم الدفين، والقلق الدائم، والحزن الملازم والضيق والهمّ والغم، والتفكير العقيم في كيفية زوال نعم المحسود، فلا يهنأ له بال ولا يقر له قرار، ولا يذوق طعم الرضا والاطمئنان، هذه هي الأعراض الملازمة لداء الحسد وقد ذكرها ابن الجوزي بقوله: "الحسد يوجب طول السهر، وقلة الغذاء، ورداءة اللون، وفساد المزاج، ودوام الكمد" (٤). وبسبب حب الحاسد للدنيا ومتعها، فإن الحسد لا يتم إلا في الأمور الدنيوية، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "لا يقع الحسد إلا في أمور الدنيا، فإنك لا ترى أحدًا يحسد قوَّام الليل ولا صوَّام النهار، ولا

стр. 145

العلماء على العلم، بل على الصيت والذكر" (١). ويتولد من داء الحسد، الكثير من آفات القلوب المدمرة للنفس البشرية، مثل العداوة والبغضاء والحقد والغضب والكبر والتعجب والخوت من فوت المقاصد الدنيوية المحبوبة وحب الرياسة وخبث النفس وبخلها. معالجة الحسد: وحتى لا يتمكن هذا المرض الخبيث في النفس البشرية، لابد من علاجه حتى لا يضر دينه ودنياه، فأما ضرر الدين فيكمن في سخطه على قضاء الله وقدره وكراهيته لما رزق غيره من نعم مختلفة، وقد جسَّد ابن الجوزي داء الحسد ووصف دواءه وهو يقول: "أن يعلم الإِنسان أولًا أن الأقدار السابقة لابد أن تجري، وأن الاحتيال في صرف المقدور غير ممكن، وأن القسَّام حكيم، ثم هو مالك، يعطي ويحرم، فهو الذي خلق الطَّرف السابق (٢) والكودن (٣). وكأن الحاسد مضاد لإرادة المعطي سبحانه" (٤). فإذا أدرك الحاسد ذلك سلم دينه وإيمانه بالقدر خيره وشره وسلم من سخط الله تعالى. أما ضرر الدنيا فيكمن في ألم الحاسد وما ينتابه من غمّ وهمّ وضيق دائم على ما أنعم الله به على غيره -وهو في مكانه- فحسده لم يُزل النعم ولم يحصل هو عليها، فما جنى إلا حرمانًا من متع الدنيا قليلها وكثيرها, وعلاج هذا يبيّنه ابن الجوزي بقوله: "ينبغي للحاسد أن
следующие страницы →