← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17901

آراء ابن الجوزي التربوية

ليلى عطار

Полный текст (608 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بظله. ثم يبادر ابن الجوزي ببيان علاج شهوة السلطان، التي تبدو في خيال طالبها وراغبها، أنها عظيمة القيمة، بعيدة المنال فإذا وصل إليها هانت عليه وتاقت نفسه إلى غيرها .. وهكذا في إلحاح دائم .. وإصرار دائب للوصول إلى أعلى المناصب، دون تحسب للعقاب الآجل والعاجل .. فيمضي عمره في لذة تزول .. وحسرة تدوم .. وذنب مكتوب، فمن هنا يتبين أن على الإِنسان أن يتمهل ويتفكر في العواقب حتى يسلم دينه ونفسه، ويشتري بحياته الدنيا نعيم الآخرة في مقابل نعيم السلطة في الدنيا وعقابها في الآخرة. وفي هذا يقول ابن الجوزي: "وينبغي لمن أحب الولاية أن يعلم أنه إنما يتخايلها عظيمة ما لم ينلها، فإذا نالها هانت عنده، وسما إلى غيرها، فاللذة تزول، والأوزار تبقى، والمخاطرة بالنفس والدين، فالتفكر في هذه الأشياء علاج" (١). وقد أورد ابن الجوزي بعضًا من أحاديث رسولنا الكريم ﷺ للتحذير من الفتنة بالسلطة وذلك بالورع والتقوى لمن تسلمها، فقال في ذلك: بسنده عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "ما من رجلٍ يلي أمرَ عشرةٍ فما فوق ذلك إلا أتى الله يومَ القيامةِ مغلولةٌ يده إلى عنقِه، فكه برُه، أو أوبقَه إثمُه، أولُها ملامةٌ، وأوسطَها ندامةٌ، وآخرُها خزيٌ يومَ القيامةِ" (٢). ثم قال وعن أبي هريرة مرفوعًا: "ويلٌ للأمراءِ، ويلٌ للعرفاءِ، ويلٌ للأمناءِ ليتمنَينَّ أقوامٌ يومَ القيامةِ أن ذوائبَهم كانت معلقةً بالثريا يتذبذبون بين السماءِ والأرضِ ولم يكونوا عملوا على شيء" (٣). "وفي أفراد مسلم (٤) من حديث أبي ذر قال: قلت يا رسول الله: ألا تستعملني؟ قال: فضربَ بيدِه على منكِبي. ثم قال: يا أبا ذر! إنك ضعيفٌ. وإنها أمانةٌ وإنها يومَ القيامةِ، خزيٌ وندامةٌ. إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها" (٥). وعلى الرغم من وجود أحاديث نبوية

стр. 142

شريفة عن فضيلة وأجر من أدى حق أمانة السلطة، إلا أن ابن الجوزي لم يذكرها هنا؛ منها قوله ﷺ : "إن المقسِطين عند الله على منابرَ من نورٍ. عن يمينِ الرحمن ، وكلتا يديهِ يمينٌ، الذين يعدلون في حكمِهم وأهليهم وما وَلُوا" (١). وهناك عدد من الأحاديث النبوية التي تحث الحاكم على العدل، ولا شك في أننا بحاجة دائمة إلى الإمام العادل لتولي السلطة، والذمُّ المتكرر لا يزيل الحاجة، لذلك فنحن بحاجة إلى التربية الإِسلامية لتربية القيادات الصالحة، لأننا لا نعاني إلا بسبب غياب هذه القيادات الإِسلامية الرشيدة والحكيمة. جـ - الانفعالات وعلاجها: قبل أن أتعرض لموضوع الانفعالات عند ابن الجوزي، لابد من توضيح أمرٍ في عرض هذا الموضوع؛ والملاحظ أنه لم يتبع منهجية محددة واضحة في حديثه، فقد تكلم عن الانفعالات بصفة عامة دون تحديد مسماها "الانفعالات" وعند معالجته لموضوع الانفعالات، عالج كل انفعال على حدة، ولكن دون إعطاء تعريف دقيق لمعنى الانفعال خلافًا لما فعل الإمام الغزالي (٢)، وقد وثق معظم كلامه بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الحكماء والعلماء إن وجد، وأيده بقصص من سير الصحابة والسلف الصالح إن لزم الأمر، ثم أنهى موضوعه بالعلاج المناسب، الذي غالبًا ما يكون موافقا لرأي الإِسلام التربوي والنفسي. وبناء على ذلك ستقوم الباحثة بتعريف معنى الانفعال العام ثم أهم

стр. 143

الانفعالات التي ذكرها ابن الجوزي وتعريفها في ضوء أقوال العلماء من المسلمين وغيرهم من المحدثين، ثم تحليل هذا الانفعال كما ورد في الكتابات. النفسية والتربوية مدعمة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. حقيقة الانفعال: وقبل أن نحلل كل انفعال على حده، سنعرَّف معنى الانفعال، فبعض العلماء يعرّف الانفعال بأنه: "ضرب من السلوك الخارجي، من المحال أن يخطئه الملاحظ لما ينجم عن الانفعال من تغيرات في ملامح الوجه والحركات والتعبيرات اللغوية. فالانفعال حالة بارزة تسهل ملاحظتها لأنها تعقب حالة من الهدوء والاتزان والسكون، وتكون فيها ملامح الوجه منسجمة والحركات عادية والتفكير هادئًا. وهذا يعني أن الانفعال يخل بميزان التوافق للفرد. وقد عرَّفه بعضهم بأنه تغير مفاجئ يشمل الفرد كله نفسًا وجسمًا، وعلى ذلك فإن الانفعال يؤثر في الإنسان كله، فيؤثر في سلوكه الخارجي كما يؤثر أيضًا في تكويناته العضوية الداخلية" (١). أنواع الانفعال وعلاجها: وقد عالج ابن الجوزي انفعالات عدة منها: انفعال الحسد والحقد والغضب والحزن والهم والغم والخوف والحذر من الموت، والفرح. ١ - حقيقة انفعال الحسد: وسنبدأ تحليلنا التربوي بذكر انفعال الحسد، الذي عرَّفه ابن الجوزي بقوله: "الحسد تمنّي زوال نعمة المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها. وسبب ذلك حب الميزة على الجنس، وكراهة المساواة. فإذا حصلت للغير نعمة تميّز بها، تألّم هذا الإنسان لتلك الميزة أو بمساواته له فيها، فلا يزيل ذلك الألم إلا زوال تلك النعمة عن المحسود، وهذا أمر

стр. 144

لا يكاد أحد ينفك منه في باطنه، ولا يأثم الإنسان بوجود ذلك بل يأثم بالتمني لزوال النعمة عن أخيه المسلم" (١). ومن خلال تحليل الباحثة لانفعال الحسد الذي ستوثقه بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية المناسبة، والتي لم يستشهد بها ابن الجوزي، ومن أقوال ابن الجوزي في الحسد يتضح لنا أن انفعال الحسد انفعال نفسي داخلي موجود عند كل الناس، ولكنه متفاوت من شخص إلى آخر حسب إيمانه بالقدر وحكمة الله في توزيع النعم والأرزاق على الناس بأقدار متفاوتة، قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢)، كما يظهر لنا أن الحسد قد يكون ناتجًا من قلة حب الخير للناس جميعا، لذلك لا يكمل إيمان المرء حتى يحب لغيره ما يحب لنفسه، لقوله ﷺ : "لا يؤمنُ أحدُكم حتى يحبَ لأخيهِ ما يحبُ لنفسه" (٣)، فإذا فهم المسلم الحكمة الإلهية من ذلك، عاش راضيًا هانئًا سعيدًا بما وهبه الله من نعم سواء كثرت أو قلت، أما إذا لم يرض بحاله، وتذمر من حياته، وتفكر في نعم الله على غيره، وقلتها أو عدمها لديه، فإن هذا الإحساس سيصيبه بالألم الدفين، والقلق الدائم، والحزن الملازم والضيق والهمّ والغم، والتفكير العقيم في كيفية زوال نعم المحسود، فلا يهنأ له بال ولا يقر له قرار، ولا يذوق طعم الرضا والاطمئنان، هذه هي الأعراض الملازمة لداء الحسد وقد ذكرها ابن الجوزي بقوله: "الحسد يوجب طول السهر، وقلة الغذاء، ورداءة اللون، وفساد المزاج، ودوام الكمد" (٤). وبسبب حب الحاسد للدنيا ومتعها، فإن الحسد لا يتم إلا في الأمور الدنيوية، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "لا يقع الحسد إلا في أمور الدنيا، فإنك لا ترى أحدًا يحسد قوَّام الليل ولا صوَّام النهار، ولا

стр. 145

العلماء على العلم، بل على الصيت والذكر" (١). ويتولد من داء الحسد، الكثير من آفات القلوب المدمرة للنفس البشرية، مثل العداوة والبغضاء والحقد والغضب والكبر والتعجب والخوت من فوت المقاصد الدنيوية المحبوبة وحب الرياسة وخبث النفس وبخلها. معالجة الحسد: وحتى لا يتمكن هذا المرض الخبيث في النفس البشرية، لابد من علاجه حتى لا يضر دينه ودنياه، فأما ضرر الدين فيكمن في سخطه على قضاء الله وقدره وكراهيته لما رزق غيره من نعم مختلفة، وقد جسَّد ابن الجوزي داء الحسد ووصف دواءه وهو يقول: "أن يعلم الإِنسان أولًا أن الأقدار السابقة لابد أن تجري، وأن الاحتيال في صرف المقدور غير ممكن، وأن القسَّام حكيم، ثم هو مالك، يعطي ويحرم، فهو الذي خلق الطَّرف السابق (٢) والكودن (٣). وكأن الحاسد مضاد لإرادة المعطي سبحانه" (٤). فإذا أدرك الحاسد ذلك سلم دينه وإيمانه بالقدر خيره وشره وسلم من سخط الله تعالى. أما ضرر الدنيا فيكمن في ألم الحاسد وما ينتابه من غمّ وهمّ وضيق دائم على ما أنعم الله به على غيره -وهو في مكانه- فحسده لم يُزل النعم ولم يحصل هو عليها، فما جنى إلا حرمانًا من متع الدنيا قليلها وكثيرها, وعلاج هذا يبيّنه ابن الجوزي بقوله: "ينبغي للحاسد أن

стр. 146

ينظر في حال المحسود، فإن كان إنما نال الدنيا فقط، فهذا ينبغي أن يُرحم، لا أن يحسد، لأن الذي ناله في الغالب عليه، لا له، وهل فضول الدنيا إلا هموم. . . وبيان هذا، أن كثيرَ المال شديدُ الخوف عليه، وكثيرَ الجواري شديدُ الحذر عليهن، قوي الاهتمام بهنّ، أو لهن، والوالي خائف من العزل. ثم ليعلم أن النعم كثيرة الأكدار، ثم هي قليلة اللبث، والمصائب تردفها، فإن صاحب النعمة ينتظر زوالها، أو زواله عنها، ثم ليوقِن أن ما يحسد عليه المحسود ليس هو عند المحسود كما هو عند الحاسد، فإن الناس يظنون في أرباب المناصب أنهم في غاية اللذة، ولا يدرون أن الإِنسان يسمو إلى أمر فإذا ناله برد عنده وصار عادة له، فهو يسمو إلى ما هو أعلى منه. وهذا الحاسد يرى الأمر بعين الجدة والغبطة. وليعلم الحاسد أنه لو عاقبه المحسود لما ناله بأشدّ من الأذى الذي هو فيه، فإن لم ينتفع بشيءٍ من هذا العلاج فليسع في التسبب إلى مثل ما نال المحسود" (١). فإذا تفكر الحاسد في علاج ابن الجوزي، وفهم حقيقة الدنيا ومتعها، وأنها لا تستحق منه أن يحسد غيره، لعاش مرتاحًا مطمئنًا، سليم القلب، خالي الفكر، راضي النفس، فحصل بذلك على سعادة الدارين. ٢ - وعلى الحاسد أن يستبدل الغبطة بالحسد وهي أن لا يحب زوال النعمة ولا يكره وجودها ودوامها، بل يتمنى لنفسه مثلها، وقد استشهد ابن الجوزي بقول الرسول - صلي الله عليه وسلم -: "لا حسد (٢) إلّا في اثنتين رجل آتاه الله

стр. 147

- القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه في الحق آناء الليل والنهار" (١). ٣ - وعلى الحاسد أن يدرب نفسه الخبيثة على الرضا بقدر الله تعالى والقناعة بما رزقه حتى يطهر قلبه وتصفو نفسه، وإذا لم يستطع فعليه بكتمان حسده حتى يبرأ تمامًا من مرض الحسد، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فلتكن مجاهدته إمساك لسانه عن ثلبه (٢)، وحبس ما في قلبه" (٣)، لأن ذلك أحفظ لنفسه من التردّي والوقوع في مهاوي المعصية والشرور. ٢ - حقيقة انفعال الحقد ومعالجته: يعتبر انفعال الحقد من الانفعالات المركبة من الغضب والغيظ، ومعنى الحقد في اللغة: "إمساك العداوة في القلب والتربُّص لفرصتها. والحقد: الضغن" (٤). وهذا المعنى موافق لتعريف الإِمام الغزالي الذي قال فيه: "إن الغضب إذا لزم كظْمُه لعجزٍ عن التشفّيَ في الحال ورجع إلى الباطن واحتقن فيه صار حقدًا، ومعنى الحقد أن يلزم قلبه استثقاله والبغضة له والنفار عنه وأن يدوم ذلك ويبقى. . .، فالحقد ثمرة الغضب" (٥). وفي المعنى نفسه قال ابن الجوزي في تعريف الحقد: "الحقد بقاء أثر القبيح من المحقود في النفس. ولعمري إن العقل يقضي ببقاء أثر القبيح كما يقضي ببقاء أثر الجميل" (٦). ويشير ابن الجوزي في تعريفه إلى أن الحقد ثمرة ونتيجة المعاملة

стр. 148

السيئة التي تترك أثرًا في النفس البشرية يتحوّل مع الأيام إلى حقدٍ وبغضٍ وعداوةٍ؛ لأنه كما يتأثر الإنسان بالمعروف والإحسان ويبقى أثرهما الطيّب فكذلك تأثره بالفعل السيّئ. معالجة الحقد: يصف ابن الجوزي هنا معالجات عدة للحقد، نذكرها باختصار فيما يأتي: ١ - قال ابن الجوزي: "وعلاج ذلك أن يكون بالعفو والصفح" (١)، بمعنى أن على الإِنسان أن يجتهد طاقته في إزالة ما علق في القلب بالعفو والصفح والتسامح والتجاوز عن السيئات, والتماس العذر للغير، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٢). ٢ - وإذا وجد الإنسان أن هناك آثارًا من الحقد في قلبه لم تمح بعد فعليه أن يدرك كما قال ابن الجوزي: "أن الذي سُلط عليه لأذاه إنما هو بذنب منه، أو لتكفير خطأ، أو لرفع درجة، أو لاختباره في صبره (٣). ٣ - أن يستقبل إيذاء الآخرين له بأنه قضاء وقدر، وفي هذا يقول ابن الجوزي: "وثَمَّ علاجٌ أدقّ من هذا وهو أن يرى الأشياء من المقدَّر" (٤). وإذا تدبَّر الإنسان في كلام ابن الجوزي وجد في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ما يؤيد قوله وإن لم يستشهد بها، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٥). وقول الرسول ﷺ : "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا همٍّ ولا حزنٍ، ولا أذي ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كَفَّر الله بها من خطاياه" (٦). وقوله ﷺ : "عجبًا لأمر المؤمن. إن أمره كله

стр. 149

خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر. فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له" (١) وأخيرًا إذا آمن إيمانًا صادقًا بأن أمر الله قدر مقدر، وأنه إذا أراد أمرًا قال له كن فيكون، فإنه لا شك سيصل إلى درجة الرضا والتسليم بالمكتوب، فتصفو نفسه، ويطهر قلبه من كل حقدٍ وعداوةٍ وأذىً فيعيش قرير العين، هادئ البال، محبًا ومحبوبًا من الجميع. ٣ - حقيقة انفعال الغضب ومعالجته: لقد أودع الله تعالى في الإنسان انفعال الغضب، ليدفع عن نفسه الأذى، ويحمي حياته من الأخطار المحيطة به، أما إذا زاد عن حده الطبيعي فإنه يجلب الضرر، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "إن الغضب إنما ركب في طبع الآدمي ليحثه على دفع الأذى عنه والانتقام من المؤذي له، وإنما المذموم إفراطه، فإنه حينئذ يزيل التماسك، ويخرج عن الاعتدال، فيحمل على تجاوز الصواب، وربما كانت مكانته في الغضبان أكثر من مكانته في المغضوب عليه" (٢). وحتى نتعرف على ماهية الغضب وأنواعه المحمود منها والمذموم، لابد من معرفة حقيقته التي عبر عنها ابن الجوزي بقوله: "والغضب حرارة تنتشر عند وجود ما يُغضب، فيغلي عندها دم الذات طالبًا للانتقام، وربما أَثَّر الحمى" (٣). وهكذا نجد أن حقيقة الغضب ما هي إلا حرارة تتولد من أثر الأذى لقوله ﷺ : "ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم" (٤). فيدفع

стр. 150

هذا الغضب إلى حرارة تنتشر في جميع جسم الإنسان فيرد بهذا الغضب، إما الأذى أو التشفي، فتبرد هذه الحرارة بعد ذلك. وتصحب هذه الغضبة حركات وانفعالات في وجه الغاضب، فيحمر الوجه والعين والبشرة من حرارة الغضب لقوله ﷺ : "ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم إلى حمرة عينيه، واننفاخ أوداجه، فمن أحس بشيءٍ من ذلك فليلصق بالأرض" (١). معالجة الغضب: ولتهدئة ثورة الغضبان، قرر ابن الجوزي بعض الإجراءات العلاجية التي اشتقها من أحاديث رسولنا الكريم ﷺ ، سنذكرها فيما يلي: ١ - الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: لابد من قول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لقوله ﷺ -الذي استشهد به ابن الجوزي- عندما رأى رجلين يستبّان، أحدهما قد احمر وجهه وانتفخت أوداجه، فقال ﷺ : "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي ﷺ ؟ قال: إني لست بمجنون" (٢). ٢ - تغيير الحركة: على الغضبان تغيير حاله، فإن كان قائمًا قعد وإن كان جالسًا وقف، أو اضطجع أو خرج من المكان كله، قال ابن الجوزي: "أن يتثبت الغضبان ويغير حاله، فإن كان ناطقًا سكت، وإن كان قائمًا قعد، وإن كان قاعدًا اضطجع ليسكن تلك الفورة، وإن خرج في الحال عن المكان، وبعد عن المغضوب عليه كان أصلح" (٣). وهذا مصداقُ لقول الرسول ﷺ الذي استشهد به ابن الجوزي - "إذا غضبَ أحدُكم وهو قائمٌ فليجلسْ، فإن ذهبَ عنه الغضبُ والا فليضطجعْ" (٤).

стр. 151

٣ - كظم الغيظ لأنه فضيلة: على الغاضب أن يتفكر في فضيلة كظم الغيظ وكسر حدة الغضب، يقول ابن الجوزي: "ثم يتفكر في فضل كظم الغيظ، فقد مدح الله سبحانه القوم" (١). فقال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (٢) وقول الرسول ﷺ -وإن لم يستشهد به ابن الجوزي- "من كَظَمَ غَيْظًا وهو قادرُ على أن ينفذُه دعاه الله يومَ القيامةِ على رؤوسِ الخلائقِ حتى يخيرهُ من أي الحورِ شاءَ" (٣). ٤ - ذكر قصة الناس الكثيري الغضب وعاقبة غضبهم: لقد أورد ابن الجوزي بعض القصص للعظة والعبرة لمن أفرط في غضبه، فقال: "ومتى لم يسكن الغضبان عند شدة فورته لم يؤمن أن تبدر منه نكاية يندم عليها إما في نفسه أو في المغضوب عليه، فكم ممن غضب فقتل وجرح اْو كسر عضو ولده ثم بقي الدهر نادمًا على ما فعل. ومنهم من ينكأ في نفسه، فإن رجلًا غضب مرةً فصاح فنفث الدم في الحال وأدى به الأمر إلى الهلاك، فمات، ولَكَم رجل رجلًا فانكسرت أصابع اللاكم ولم يستضرّ الملكوم" (٤). وهذه القصص التي أوردها ابن الجوزي، لها مغزى تربوي جليل، يتضح في أخذ العظة والعبرة من الآخرين في سلوكهم الغاضب، وما نتج منه من ضررٍ ظاهرٍ يحسه القارئ أو المستمع، فيتجنبه، والقصص أسلوب تربوي غير مباشر. ٥ - أن يتصور الإِنسان حاله أو منظره في حالة الغضب ويقيس ذلك بحال سكونه: وقد قال ابن الجوزي في ذلك: "أن يتصور الغضبان حاله عند الغضب، ثم يتصور حاله عند السكون، فحينئذ يعلم أن حالة الغضب حالة جنون وخروج عن مقتضى العقل. ومتى لم ينثن عزم الغضبان عن ضرب المغضوب عليه فاستقر وغير ذلك ووعد نفسه بالفعل

стр. 152

بشرط التثبت، فإنه إذا حصل التثبت رأى قبح ما عزم عليه فترك" (١). ومن علاج ابن الجوزي يتضح لنا أنه عندما وجهه إلى ضرورة النظر والتدبر في حالته عند الغضب والهدوء، فإنه لاشك سيلمس الفرق بينهما، فالغضب كما سبق أن ذكرنا حرارة تبعث على الحركة الطائشة التي لا تدرك ولا تميز في لحظة انفعالها بين الخطأ والصواب، فيتصرف الفرد بطريقة عشوائية تختلف عن لحظة هدوئه وسكونه، فإذا تفكر وتمعن الإنسان في حالته، فهو لا شك يثير في نفس الإنسانِ الخجل من تصرفاته .. فيحاول أن يهذب انفعال الغضب قدر الإمكان، ويتجنب ما يثيره، حتى لا يبدو في صورة مشينة في نظره ونظر الآخرين. ٦ - الاقتداء بالسلف الصالح في مجاهدتهم لنفوسهم وتهذيبها: فقد حث ابن الجوزي الغاضب على الاقتداء بالسلف الصالح في مجاهدتهم لنفوسهم وتطويعها لخلق الحلم والعفو وكظم الغيظ، ولاسيما أن النفس البشرية تميل إلى الاقتداء بالصالحين، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وقد كان السلف إذا غضبوا غفروا وصفحوا طلبًا لفضيلة العفو وكظم الغيظ. ومنهم من يرى السبب في إغضابه ذنوب نفسه، ومنهم من يرى أنه مختبر" (٢). وبهذه المعاني العظيمة، جاهد السلف الصالح نفوسهم وتحرروا من الثأر لأنفسهم طلبًا لمرضاة الله تعالى، ولكسب فضيلة الحلم والعفو، وحتى تسمو نفوسهم أرجعوا غضبهم إلى ذنوبهم ومعاصيهم، أو إلى ابتلاء الله لهم في إيمانهم حتى يعلم الصادق منهم. ٧ - ألا يعاقب الإِنسان من آذاه إلا بعد سكون غضبه: لقد أورد ابن الجوزي تحذيرًا تربويًا، لضبط النفس البشرية عند الغضب، وما ينتج منه من ظلم وبغي وعدوان على الآخرين، فقال: ولا ينبغي للغضبان على الشخص أن يعاقبه في حال غضبه، وإن كان مستحقًا للعقوبة، بل يمهل حتى يسكن الغضب، لتكون العقوبة بمقدار

стр. 153

الإساءة، لا بمقدار الغضب" (١). وقد قام الكثير من الأوائل بترجمة هذا القول إلى عمل، وبلغوا القمة في العدل عند الغضب، فقد أُتي عمر بن عبد العزيز برجل كان واجدًا عليه، فقال: لولا أني غضبان لضربتك، ثم خلى سبيله" (٢). وذلك حتى لا يدفعهم الغضب إلى ظلم الناس وإضاعة حقوقهم. وكل ما سبق ذكره من الغضب المذموم الذي عالجه الإِسلام، وبالغ في التحذير منه لما يجره من عواقب وخيمةٍ، أما الغضب المحمود -فلم يذكره ابن الجوزي- وهو الغضب الذي يحبذه الإِسلام، ويدعو إليه، وطبقه رسولنا الكريم ﷺ فيما روته السيدة عائشةَ ﵂ أنها قالت: "ما خُيِّر رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه. وما انتقم رسول الله - صلي الله عليه وسلم - لنفسه في شيء قط، إلا أن تُنتهك حرمة الله، فينتقم بها لله" (٣). وهكذا فإن الإِنسان المسلم مطالب بالغضب لله حين تنتهك حرمة من حرماته، أو يُعتدى على شعيرة من شعائر دينه، أو يُعطل حكمٌ من أحكامه، أو يستهزأ بآياته وحدوده، حتى يكون غضبه محمودًا لله وحده ولا يكون لنفسه. ٤ - حقيقة انفعال الحزن ومعالجته: إن انفعال الحزن كغيره من الانفعالات، التي تجلب خيرًا أو تدفع ضرًّا، إذا كانت معتدلة دون إفراط، والحزن ضد الفرح والسرور. وقد عرَّف ابن مسكويه الحزن بقوله: "ألم نفساني يعرض لفقد

стр. 154

محبوب أو فوت مطلوب، وسببه الحرص على القنيات الجسمانية، والشره إلى الشهوات البدنية، والحسرة على ما يفقده أو يفوته منها" (١). وقد عرفه ابن قيم الجوزية: "بأنه انخلاع عن السرور، وملازمة الكآبة لتأسف عن فائت أو توجّع لممتنع" (٢). والحزن من الأمور الطبيعية التي تصيب الإنسان في حياته اليومية، والإنسان منهي عن الحزن الشديد، الذي يقعده عن العمل وأداء الطاعات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣)، وهذا الحزن يضعف القلب ويوهن الإرادة والعزيمة، لذلك استعاذ منه رسولنا الكريم ﷺ : "اللهمَّ إني أعوذُ بك من الهمِّ والحزَنِ، والعَجْزِ والكَسلِ، والبخل والجبن وضَلَع الدينِ وغَلَبَةِ الرجالِ" (٤). ومن دواعي الفرح لأهل الجنة أن الله أذهَب عنهم الحزن، فلذلك يدعون قائلين: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٥). وقد اعتبره ابن قيم الجوزية مرضًا من أمراض القلب "التي تمنعه من نهوضه وسيره وتشميره، والثواب عليه ثواب المصائب التي يبتلى العبد بها بغير اختياره، كالمرض والألم ونحوهما" (٦). أما الحزن المحمود فهو الذي يحرك الهمة للعمل الصالح، ويوقظ القلب الغافل، وهذا الذي قال فيه ابن الجوزي: "إن العاقل لا يخلو من

стр. 155

الحزن، لأنه يتفكر في سالف ذنوبه فيحزن على تفريطه، وفيما قال العلماء والصالحون فيحزن لفوته" (١). وقد أيده في ذلك ابن قيم الجوزية فقال: "يحمد في الحزن سببه ومصدره ولازمه لا ذاته، فإن المؤمن إما أن يحزن على تفريطه وتقصيره في خدمة ربه وعبوديته، وإما أن يحزن على تورطه في مخالفته ومعصيته وضياع أيامه وأوقاته. وهذا يدل على صحة الإيمان في قلبه وعلى حياته، حيث شغل قلبه بمثل هذا الألم فحزن عليه" (٢). والإنسان المؤمن إذا عاش حزينًا على ما فاته من ثواب، نادمًا على تقصيره، حذرًا مما قد يرتكبه من آثام ومعاصي في مستقبل أيامه، تيقّظ قلبه، وتنبّهت جوارحه، ونشطت همته للمداومة والمثابرة على الطاعات والعمل الصالح. وهذا يعتبر في حد ذاته قيمة تربوية كبير لتعديل السلوك وضبط الشهوات والدوافع. وقد أورد ابن الجوزي بعض أقوال العلماء في الحزن، ليؤكد أهميته بما يزيد من إيمان المسلم، ويحفزه للعمل الصالح، فذكر قائلًا: "إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب، كما أن البيت إذا لم يسكن خرب" (٣) وذكر أيضًا قوله: "بقدر ما تحزن للدنيا، كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك، وإذ قد تبين أن الحزن لا يزال ملازمًا لقلوب المتقين، فينبغي أن يتقي إفراطه، لأن الحزن إنما يكون على الفائت" (٤) والحزن الذي يقصده ابن الجوزي، هو الذي يجعل المرء قريبًا من الله تعالى، بعيدا عن الذنوب والمعاصي وعن التفكير الدائم في متاع الدنيا وما فاته منها، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فإن كان المحزون عليه لا يمكن استدراكه لم ينفع الحزن وإن كان دينًا فينبغي أن يقاومه برجاء الفضل والرحمة لتعديل الحال، فأما إذا

стр. 156

كان الحزن لأجل الدنيا وما فات منها فذلك الحزن المبين، فليدفعه العاقل عن نفسه" (١). معالجة الحزن: والحزن في هذه الحالات، لابد له من علاجٍ تربوي حازمٍ، لينال المرء الأجر والمثوبة من الله تعالى ومن أقوى طرق علاجه التي ذكرها ابن الجوزي في قوله: "أن يعلم أنه لا يرد فائتًا وإنما يضم إلى المصيبة، مصيبة فتصير اثنتين، والمصيبة ينبغى أن تخفف عن القلب وتُدفَع، فإذا استعمل الحزن والجزع زادت ثقلًا" (٢). ويؤكد ابن الجوزي في علاجه أهمية إيمان واقتناع الإنسان بأنه لا يستطيع رد الفائت، وأن كل شيء بتقدير العزيز الحكيم، وإنما على الإنسان أن يؤمن بالسنن الإلهية ويصبر ويحتسب الأجر من الله تعالي: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٣). فإذا تدبر الإنسان ذلك عاش مرتاحًا، أما إذا استسلم للحزن والجزع، فإن ذلك سيقعده عن أداء العبادات والعمل الصالح، ويفوّت على نفسه أجرًا عظيمًا، ويرتكب إثمًا خطيرًا. ٥ - حقيقة انفعال الغم والهم ومعالجته: انفعال الغم والهم من الأعراض النفسية التي تصيب الإنسان، بسبب ما تمر به من أحداث ومشكلات ومصاعب في حياته اليومية، ولا يجد لها حلولًا مرضية له. وأورد معنى الغم كما ورد في لسان العرب، "الغم: واحد الغموم. والغم والغمة: الكرب، الأخيرة عن اللحياني، قال العجاج:

стр. 157

بل لو شهدت الناسَ إذ تُكموا (١) ... بغُمَّةٍ، لو لم تفرَّجُ غموا أما معنى الهم فهو: "الحزنُ، وجمعُه همومٌ، وهمَّه الأمر هَّمًا ومهمةً وأهمَّه فاهتمَّ واهتمَّ به. وقال ابن السكيت: الهمَّ من الحزنِ، والهمُ مصدر، همَّ الشحم يهمه إذا أذابه. والهمُ: مصدر هممتُ بالشيءِ همًّا (٢). ولابن الجوزي رأي في الهم والغم فهو يقول: "الغم يكون للماضي، والهم للمستقبل، فمن اغتمَّ لما مضى من ذنوبه نفعه غمه على تفريطه، لأنه يثاب عليه، ومن اهتم بعمل خير نفعته همته، فأما إذا اغتم لمفقود من الدنيا فالمفقود لا يرجع، والغمَّ يؤذي، فكأنه أضاف إلى الأذى أذى" (٣). ومن قول ابن الجوزي، يتضح لنا أنه حتى الغم والهم لابد أن يكونا معتدلين في الإنسان، ويكونا لله، وليس لحظ من حظوظ الدنيا، حتى يؤجر على ذلك، لقوله ﷺ : "ما يصيبُ المسلمَ من نصبٍ ولا وصب ولا هم، ولا حزن، ولا أذيٍ، ولا غمٍ، حتى الشوكةُ يشاكُها، إلا كَفَّرَ اللهُ بها من خطاياه" (٤). وقد عبر عن ذلك ابن قيم الجوزية بقوله: "والمكروه الوارد على القلب إن كان من أمر ماضٍ أحدث الحزن، وإن كان من مستقيل أحدث الهمَّ، وإن كان من أمر حاضر أحدث الغمَّ" (٥). علاج الغم والهم: لقد حاول ابن الجوزي معالجة الغم والهم في ضوء التفكير الإسلامي بالمعالجات الآتية:

стр. 158

١ - اجتناب كثرة التعلق بالدنيا ومتاعها: إن كثرة التعلق بالدنيا ومتاعها يجلب الغم والهم في نفس الإنسان، لذلك عليه بالتخفف من علائق الدنيا وعدم التكالب على متاعها وإنما يأخذ منها بقدر حاجته دون إفراطٍ أو تفريطٍ، وفي حدود المباح. . . وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وينبغي للحازم أن يحترز مما يجلب الغمّ، وجالبه فقد المحبوب، فمن كثرت محبوباته كثر غمه، ومن قللها قلَّ غمه" (١)، وبما أن الإنسان جُبلَ على حب الدنيا والاستمتاع بما فيها من طيبات، فكلما "طال إلفه لما يحبه واستمتاعه به تمكن من قلبه، فإذا فقده أحس من مر التألم في لحظة فقده بما يزيد على لذات دهره المتقدم، وهذا لأن المحبوب ملائم للنفس كالصحة، فلا تجد النفس لذتها إلا عند وجودها، وفقدها مناف لها، ولذلك تألم بالفقد ما لا تفرح بالموجود لأنها ترى وجود المحبوب كالحق الواجب لها" (٢). ٢ - العمل بالإيمان بالقدر: لابد من ترويض النفس البشرية وتعويدها على الصبر على المباحات، وتقليل المفرحات، وقد وضع ابن الجوزي علاجًا لإزالة الغم والهم الحاصل من فقد المحبوبات للنفس البشرية، فقال: "ينبغي للعاقل تقليل الألفة، فإن اضطر إلى جوالب الغم، فأثمرت الغم، فعلاجه في الأول الإيمان بالقدر وأنه لابد مما قُضي" (٣)، قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (٤)، وأنه تعالى جلت قدرته حكم: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٥). ٣ - معرفة حقيقة الدنيا والهدف من وجوده فيها: إذا آمن الإنسان بالقدر واستيقنته نفسه، فعليه أن يعلم حقيقة الدنيا حتى تهون عليه فإنها "موضوعة على الكدر، فالبناء إلى النقض، والجمع

стр. 159

إلى التفرق، ومن رام بقاء ما لا ينبغي، كان كمن رام وجود ما لا يوجد، فلا ينبغي أن يطلب من الدنيا ما لم توضع عليه، كما قال الشاعر: طُبِعَت عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُها ... صَفْوًا من الإِيذاءِ والأكدارِ" (١) فإذا أدرك حقيقة الدنيا والهدف من وجودنا، خفف من تعلقه بها، فذهب همه وغمه. ٤ - تصور حوادث الزمان بصورةٍ مبالغ فيها: ومن العلاج أيضًا لقطع دابر الغم والهم أن يبالغ في تصور حوادث الزمان حتى إذا نزلت هانت عليه، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "ثم يتصور ما نزل به مضاعفًا، فيهون عليه حينئذ ما هو فيه، ومن عادة الحمّال الحازم أن يترك فوق حمله شيئًا ثقيلًا، ثم يمشي خطواتٍ، ثم يرمي به فيخفُّ الأمر عنه، ثم ليرتقبْ زمن العافية هجوم البلاء، وليتخيل كما يتصور نزوله نازلًا. فإذا نزل بعض ذلك، كان ربحًا مثل أن يتصور أن يؤخذ ماله كله، فإذا أخذ البعض عد الباقي غنيمةً، ويتصور أن يعمى، فإذا رمد سهل الأمر، وكذلك جميع المضرات" (٢). فإذا تدرج المرء في الأخذ بهذا العلاج، خفت حدة الغم والهم على حظوظ الدنيا. ٥ - معالجة المزاج السوداوي: بيَّن ابن الجوزي أن الحزن والغمّ والهمّ قد يحدث من غلبة المزاج السوداوي، وهو الذي يميز صاحبه بأنه "شخص ضعيف ونحيل القوام، يتميز سلوكه بالانطواء والكآبة والتشاؤم وبطء التفكير وصعوبة التعامل مع الآخرين" (٣)، وعلاجه كما يرى ابن الجوزي: "بما يزيل السوداء

стр. 160

بالمفرحات" (١)، والمقصود بالمفرحات، كل ما يجلب الفرح والسرور، والهدوء والاطمئنان في نفس المكتئب حتى يعيش مسرورًا متفائلًا مقبلًا على الحياة. ٦ - النهي عن الإفراط في الغم أو السرور: وقد حذَّر ابن الجوزي من الإفراط في الغم أو السرور، بسبب ضررهما على النفس البشرية فقال: "والغم يجمد الدم، والسرور يلهب الدم حتى تعلو حرارته الغريزية، وهما جميعًا يضرّان، وربما قتلا إن لم يعجل تفتيرهما" (٢). لذلك استعاذ رسولنا الكريم ﷺ من الغمِّ والهمِّ، ونهى عن كثرة الضحك، وكان أكثر ضحكه ﷺ تبسمًا, كذلك أمر الله تعالى بالاعتدال في الهم والسرور لقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٣). ٦ - حقيقة انفعال الفرح وعلاجه يشعر الإنسان بانفعال الفرح أو السرور، إذا حصل على ما يحب من مالٍ أو جاهٍ أو نفوذٍ أو علمٍ أو إيمانٍ أو تقوى. وعلى ذلك فالفرح أمر نسبي يتوقف على هدف الإنسان في الحياة، فإذا كان يحب المال فإنه يفرح بعد جمعه، وإن كان يحب الجاه والسلطان وفاز به، كان هذا سببًا لفرحه وسروره، وإن كان يحب أن يكون مؤمنًا تقيًّا، فإنه يجد السعادة والسرور في تمسكه بدينه ومرضاة ربه .. وهكذا. حقيقة الفرح: ولمزيد من الدقة نذكر أن الفرح في اللغة: "نقيض الحزن، وقال ثعلب: هو أن يجد في قلبه خفةً" (٤). والفرح قد يكون مذمومًا وقد

стр. 161

يكون ممدوحًا، فأما المذموم حسب المعنى اللغوي، ما جاء معناه: الفرح: "البطر. وقوله تعالى: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (١)، قال الزجَّاج: معناه، والله أعلم: لا تفرح بكثرة المال في الدنيا لأن الذي يفرح بالمال يصرفه في غير أمر الآخرة، وقيل: لا تفرح لا تأشر، والمعنيان متقاربان لأنه إذا سُرَّ ربما أشر" (٢)، وقد قال الله تعالى في الفرح بمتاع الدنيا: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ (٣). أما الفرع المحمود في المعنى اللغوي، فهو كما جاء "في حديث التوبة: للهُ أشدُّ فرحًا بتوبةِ عبدهِ. الفرح ههنا وفي أمثاله كناية عن الرضا وسرعة القبول وحسن الجزاء لتعذر إطلاق ظاهر الفرح على الله تعالى" (٤). وقد وردت الآيات القرآنية الكريمة لتؤكد حسن هذا الفرح المحمود كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ (٦). والفرح كغيره من الانفعالات التي إذا قلت أو زادت ضرت الإنسان، لذلك ينبغي الاعتدال فيها، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "إذا اشتدَّ الفرح التهب الدم، وذلك يضرّ، وربما قتل إن لم يعدل" (٧)، ولاسيما إذا كان الباعث على الفرح متعة من متاع الدنيا، فإذا فقدها تملكه الحزن وانتابه اليأس، وقد صوره القرآن الكريم بقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (٨).

стр. 162

ولا يكون الفرِح إلا من فضل الله ورحمته، لقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١). علاج الفرح الضار: يمكن تلخيص أهم معالجات ابن الجوزي للفرح الضارّ في الأمور الآتية: ١ - أسلوب التدرج عند الأخذ بأسباب الفرح: بيَّن ابن الجوزي أنه لابد من التدرج في الأخذ بأسباب الفرح حتى لا يتأذَّى الإنسان، لأن المبدأ الإسلامي مبني على ذلك، وعلى اجتناب الإفراط أو التفريط في جميع أمورنا ومنها الانفعالات، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وينبغي للإنسان إذا رأى أسباب الفرح أن يدرج نفسه إليه، فإن يوسف ﵇ لما التقى بأخيه سأله هل لك من أبٍ؟ ولم يزل يلاطفه لئلا يفجأه بالسبب المفرِح، والفرح ينبغي أن يكون بمقدار ليعدل الحزن، فإذا ما أفرط فإنه دليل على الغفلة القوية، إذ لا وجه للفرح عند العاقل، فإنما يفرح بالطبع لما يُفرِحُ، ثم يذكر مصيره وخوف مآله، فينمحي ذلك الفرح، ومتى قويت غفلة الفرح حملت إلى الأشر والبطر، ومن هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (٢). يعني: الأشرين الذين خرجوا بالفرح إلى البطر" (٣). ٢ - التفكر في الذنوب ومصير الإنسان يخفف من الفرح الضارّ: وحتى لا يصل الإنسان بفرحه إلى مرحلة البطش والتجبر، عليه أن يضبط انفعاله ويتفكر فيها مضى من ذنوبه ومعاصيه، وما سيواجهه من مصاعب وشدائد، فيكون ذلك سببًا في حزنه بدلًا من فرحه الشديد الذي قد يطغيه، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وعلاج شدة الفرح بالفكر فيما قد سلف من الذنوب، وفيما سيأتيه من الشدائد" (٤).

стр. 163

٧ - انفعال الخوف والحذر من الموت وعلاجه إن الخوف من الانفعالات التي تبعد الإنسان عن المخاطر إذا كانت معتدلةً، وتضره إذا زادت على حدها الطبيعي، وتؤدي به إلى التخاذل والإحباط. حقيقة الخوف: وقد عرَّف الإمام الغزالي الخوف بأنه: "عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروهٍ في الاستقبال" (١). وقد بيَّن ابن مسكويه أن الخوف "يعرض من توقع مكروه وانتظار محذور، والتوقع والانتظار إنما يكونان للحوادث في الزمان المستقبل" (٢). وقد عرَّفه ابن الجوزي بقوله: "الخوف والحذر إنما هما للمستقبل، والحازم من أعد للخوف عدته قبل وقوعه، ونفي فضول الخوف مما لابد منه، إذ لا ينفعه خوفه منه" (٣). علاج الخوف: والخوف أمر فطري من طبيعة النفس البشرية، تعددت أنواعه، واختلفت طرق معالجته. فهناك خوف من أمور الدنيا .. مثل الخوف من الفقر أو الموت أو المستقبل. أو الخوف من أذى الناس والمرض والمجهول، والخوف الآخر هو الخوف من الله تعالى، ويكون ذلك بتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه. أ - علاج الخوف على الرزق وقد عالجت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية كل مخاوف البشر الزائفة، لأنه لا فائدة منها، ولا تغير شيئًا من واقع الإنسان، وإنما هي تبديد للطاقة وتدمير للكيان وضياع للنفوس من دون نتيجة. فجاءت الآيات لتحوّل الخوف على الرزق إلى إيمان يقيني بالرازق: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ

стр. 164

الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (١)، وتطلع إلى ما عنده من رزقٍ كريم: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ (٢)، مع سعي دائب وتوكل على الله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٤). وهذا العلاج لم يذكره ابن الجوزي. ب - علاج الخوف من الموت: ثم حررته من الخوف من الموت، وأنه بيد الله وحده جلت قدرته: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ (٥)، وأنه حق على كل إنسان ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٦)، في اليوم الذي حدده الله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (٧)، وأن الحذر لا يمنع القدر: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٨)، فإذا أدرك الإنسان هذه الحقائق وتدبرها، فإن خوفه من الموت سيتحول إلى عمل دائم لمرضاة الله تعالى، واستعدادٍ مستمر للتزود بما ينفعه بعد موته. وبعد هذا العرض السريع للخوف .. يمكن توضيح وجهة نظر ابن الجوزي في معالجة الخوف في الأمور الآتية: ١ - عدم تذكر الموت باستمرار يقول ابن الجوزي: "فأما الخوف من الموت والفكر فيه، فإنه لا سبيل إلى دفعه عن النفس، وإنما يخفف الأمر العلم بأنه لابد منه، فلا يفيد الحذر إلا زيادةً على المحذور وكلما تصورت شدته كانت كل تصويرة موتًا، فليصرف الإنسان فكره عن تصور الموت ليكون ميتًا مرةً

стр. 165

واحدة لا مرات. ويكون صرف الفكر ربحًا، وليعلم أن الله تعالى قادر على تهوينه إذا شاء، وليوقن بأن ما بعده أخوف منه، لأن الموت قنطرة إلى منزل إقامة، وإنما ينبغى للإنسان أن يكثر من ذكر الموت ليعمل له، لا لنفس تصويره وتمثيله" (١). ٢ - الثبات والصبر عند نزول الموت وما يجب على الإنسان فعله: فإذا تدبر في حقيقة الموت وأهمية العمل له، ثم نزل به الموت، فعليه بالثبات والصبر والسداد، لأنها "ساعة تحتاج إلى معاناةٍ صعبةٍ، لأن صورتها ألم محض، وفراق المحبوبات، ثم ينضم إلى ذلك هول السكرات، والخوف من المآل، ويأتي الشيطان فيسخط العبد على ربه ويقول: انظر في أي شيء ألقاك، وما الذي قضى عليك به، وكيف يؤلمك، وها أنت تفارق ولدك وأهلك وتُلقَى بين أطباق الثرى، فربما أسخطه على ربه وكرّه قضاء الله تعالى إليه، وأنطقه بكلامٍ يتضمن نوع اعتراض، وربما حسَّن إليه الجور في الوصية، وأن يزوي لبعض الورثة، إلى غير ذلك من المحن، فتتعيَّن حينئذ الحاجة إلى معالجة إبليس ومعالجة النفس" (٢). وهنا يلفت ابن الجوزي النظر إلى أهمية الخوف ساعة نزول الموت ساعة الاحتضار، والاستعداد لمواجهته بمعالجة النفس البشرية ومحاربة الشيطان وكيده، فينبغي معالجة النفس البشرية قبل الموت وذلك بتحري مرضاة الله تعالى في جميع أقواله وأفعاله الظاهرة والباطنة، واتباع شرعه وتطبيقه سنَّة رسوله ﷺ ، وليضع في حسبانه -كما ذكر ابن الجوزي-: "أن من حفظ الله في صحته حفظ الله في مرضه، ومن راقب الله في خطراته حرسه الله عند حركات جوارحه" (٣)، وقد استشهد ابن الجوزي بقول الرسول ﷺ : "احفظ اللهَ تجده تجاهك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" (٤). ثم ذكر ابن الجوزي كيفية علاج النفس عند الاحتضار فقال: "فينبغي أن تشجع النفس وتقول لها: إنما هي ساعة ثم

стр. 166

أرجو كمال الراحة، كما قال ﷺ لفاطمة ﵂: لا كرب على أبيك بعد اليوم، ودعى أبو بكر بن عباس عند الموت إلى الرجاء، فقال كيف لا أرجوه وقد صمت له ثمانين رمضان. وقال المعتمر بن سليمان: قال لي أبي: يا بني اقرأ عليّ أحاديث الرخص لعلي ألقى الله وأنا حسن الظن به. فينبغي للمؤمن أن يرمي صوت الخوف ويحدو الناقة. . . ." (١). وهنا يحث ابن الجوزي على تغليب الرجاء على الخوف في هذا الموقف العصيب ساعة الاحتضار، وقد استشهد بقول الفضيل بن عياض: "الخوف أفضل من الرجاء، فإذا أنزل الموت فالرجاء أفضل" (٢). ٣ - تحسين الأعمال الصالحة: ثم ليتأكد أن أعمال الإنسان الصالحة تنقذه في شدته مصداقًا لقصة يونس ﵇ في قول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٣)، وأن أعمال الإنسان السيئة تكون وزرًا عليه كما في قصة فرعون: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٤). ٤ - الإكثار من الاستعاذة من الشيطان: وعلى المرء عند معالجته للنفس البشرية في ساعة الاحتضار، أن يكثر من الاستعاذة من الشيطان، لأن الشيطان في تلك الساعة يقول لأعوانه: "إن فاتكم فلان الآن لم تقدروا عليه أبدًا" (٥) وصيغة الاستعاذة قول الرسول ﷺ : "وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت" (٦).

стр. 167

٥ - إحسان الظن بالله تعالى كذلك على المرء في لحظة موته أن يحسن الظن بالله تعالى حتى لا يغويه الشيطان، وقد استشهد ابن الجوزي بقول الرسول ﷺ في ذلك: "لا يَموتنَّ أحدُكم إلا وهو يحسن بالله الظن" (١). وقوله ﷺ : "قال الله أنا عند ظنِ عبدي بي" (٢). جـ - علاج الخوف من المستقبل حرر الله تعالى الإنسان من الخوف من المستقبل، لأن المستقبل غيب لا يعلمه إلا الله : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٤). كما حررِه من الخوف من أذي الناس لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٦)، وهذا العلاج لم يذكره ابن الجوزي ولكن ذكرته الباحثة لتوفي الموضوع حقه. د - علاج الخوف من المرض: كذلك حرره من الخوف من نزول المرض به، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "ولا ينبغي للعاقل أن يشتد خوفه من نزول المرض، فإنه نازل

стр. 168

لابدّ، وخوف ما لابدّ أن يأتي زيادة أذى" (١)، وإنما على الإنسان أن يعلم، أن نزول المرض يكفّر الذنوب، لأن رسولنا الكريم ﷺ : "دخلَ على أمِّ السائبِ أو على أم المسيَّب فقال: مالك؟ يا أم السائب أو المسيب تزفزفين؟ قالت: الحمى لا باركَ اللهُ فيها. فقال: لا تسبى الحمى. فإنها تذهبُ خطايا بني آدم كما يُذهبُ الكيرُ خبثَ الحديدِ" (٢). وقوله - صلي الله عليه وسلم -: "ما من مسلم يصيبهُ أذى من مرضٍ فما سواه إلا حطَّ اللهُ به سيئاتهِ كما تحُطُّ الشجرَة ورقَها" (٣). ولا يقتصر الأجر على المريض بل يتعداه إلى زائر المريض لقوله ﷺ : "من عادَ مريضًا لم يزل في خرفةِ الجنةِ [وفي رواية حتى يرجع]. قيل: يا رسول الله وما خُرفةُ الجنةِ؟ قال: جناها" (٤). وهكذا حرر المنهج التربوي الإسلامي الإنسان من كل المخاوف البشرية، لأنها مستمدة من قوى بشرية ضعيفة لا تملك لنفسها ضرًا ولا نفعًا، يطلقها لتواجه الحياة وهي قوية عزيزة، مؤمنة مطمئنة إلى قدر الله. ثم ليوجهها نحو الخوف الحقيقي من مالك كل شيء، وبيده الأمر كله، فعلى ذلك، ينبغي أن يكون الخوف من الله ومما يخوف به الله. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥). وقد اعتبر الإمام الغزالي الخوف من الله من الخوف المحمود، لأنه "سوط الله يسوق به عباده إلى المواظبة على العلم والعمل لينالوا بهما رتبة القرب من الله تعالى" (٦).

стр. 169

وعمومًا فإن الخوف المطلوب هو الذي يربِّي النَّفس البشرية على كف الجوارح عن المعاصي والآثام، وتقييدها بالطاعات، وهذا الخوف هو الذى يجعل الإنسان مجاهدًا لنفسه ضابطًا لشهواته، متحكمًا في دوافعهِ بطريقة ترضي الله تعالى، فينال ثوابه الجزيل، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (١). وحتى يتمكن الإنسان من مجاهدة نفسه، وضبط دوافعه، وكف جوارحه من خلال خوفه من الله تعالى، فقد حدد الفقيه السمرقندي سبعة أمور لعلاج الخوف إلا من الله ، تتلخص في الآتي: الأول: "يتبيَّن في لسانه، فيمتنع لسانه من الكذب والغيبة وكلام الفضول، ويجعل لسانه مشغولًا بذكر الله وتلاوة القرآن ومذاكرة العلم. والثاني: أن يخاف في أمر بطنه، فلا يدخل بطنه إلا طيبًا حلالًا، ويأكل من الحلال مقدار حاجته. والثالث: أن يخاف في أمر بصره، فلا ينظر إلى الحرام، ولا إلى الدنيا بعين الرغبة وإنما يكون نظره على وجه العبرة. والرابع: أن يخاف في أمر يده، فلا يمد يده إلى الحرام وإنما يمد يده إلى ما فيه طاعة الله . والخامس: أن يخاف في أمر قدميه فلا يمشي في معصية الله. والسادس: أن يخاف في أمر قلبه، فيخرج منه العداوة والبغضاء وحسد الإخوان، ويدخل فيه النصيحة والشفقة للمسلمين. والسابع: أن يكون خائفًا في أمر طاعته فيجعل طاعته خالصةً لوجه الله، ويخاف الرياء والنفاق، فإذا فعل ذلك فهو من الذين قال الله فيهم (٢): ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣).

стр. 170

د - العواطف: حقيقتها: لقد وردت تعريفات عدة حول ماهيّة العاطفة، سنذكر بعضًا منها، فقد عزفها بعض الدارسين: "بأنها تنظيم مركب من انفعالاتٍ عدة ركزت حول موضوع معين، وصوحبت بنوع من الخبرات السَّارة أو المؤلمة. وعرّفها بعض الدارسين: "بأنها استعداد مكتسب ناتج من تنظيم النواحي الانفعالية والنزوعية نحو موضوعٍ معين" (١). أما ابن الجوزي فلم يعرف العاطفة ولم يوضح أنواعها كالكره والنفور أو الرهبة والخوف، ولكنه اقتصر على بيان عاطفة العشق وما يتعلق بها، بحيث أفرد لها كتابًا مستقلًا أسماه "ذم الهوى" جمع فيه بين الحب وأخباره الحقيقية والنادرة، دفعته غيرة المؤمن إلى بيان الحق والضلال في هذا الموضوع. وسنناقش هذا الموضوع بإيجاز مفيد تقتضيه طبيعة البحث، بدلًا من تفصيل يحتاج إلى بحث مستقل. ١ - حقيقة العشق لقد عرف الأوائل والإسلاميون والمحدثون معنى العشق بعدة تعريفات. وسأورد أولًا معناه اللغوي: فقد جاء في لسان العرب: "العشقُ: فرطُ الحب، وقيل: هو عجبُ المحبُ بالمحبوبِ يكون في عفافِ الحب ودعارتهِ؛ عَشِقَه يعشَقُه وعشقًا وتعشقه، وقيل: التعشقُ تكلَّفُ العشَقِ، وقيل: العِشقُ الاسم والعشَقَ المصدر" (٢). وقد أورد ابن الجوزي في كتابه ذم الهوى، ماهية العشق وحقيقته عند الأوائل، فذكر تعريف أفلاطون وهو: "العشق حركة النفس الفارغة بغير فكرة". وقال فيثاغورس: "العشق طمع يتولد في القلب، ويتحرك

стр. 171

وينمى، ثم يتربى ويجتمع إليه مواد من الحرص، فكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج، والتمادي في الطمع، والفكر في الأماني، والحرص على الطلب، حتى يؤديه ذلك إلى الغم والقلق". وقد عرَّفه الأصمعي بقوله: "إذا تقادحت الأخلاق المتشاكلة وتمازجت الأرواح المتشابهة، ألهبت لمع نور ساطع، يستضيء به العقل وتهتز لإشراقه طباع الحياة، ويتصور من ذلك النور خلق خاص بالنفس متصل بجوهريتها، يسمى العشق". أما ابن الجوزي فقد عرفه بقوله: "إن العشق شدة ميل النفس إلى صورة تلائم طبعها، فإذا قوى فكرُها فيها تصورت حصولها وتمنت ذلك، فيتجدد من شدة الفكر مرض" (١). ٢ - أسباب العشق: وقد استخلص ابن الجوزي من مجموع هذه التعاريف وغيرها، أسباب العشق فقال: "سبب العشق مصادفة النفس ما يلائم طبعها، فتستحسنه وتميل إليه، وأكثر أسباب المصادفة النظر، ولا يكون ذلك باللمح بل بالتثبت في النظر ومعاودته، فإذا غاب المحبوب عن العين طلبته النفس ورامت القرب منه، ثم تمنت الاستمتاع به، فيصير فكرها فيه، وتصويرها إياه في الغيبة حاضرًا، وشغلها كله به، فيتجدد من ذلك أمراض لانصراف الفكر إلى ذلك المعنى، وكلما قويت الشهوة البدنية قوي الفكر في ذلك" (٢). ٣ - علاج العشق: لقد اعتبر ابن الجوزي العشق مرضًا من الأمراض القلبية، التي تأتي من مداومة النظر، ومن شباب الإنسان وشهوته، وهو بذلك يخالف من رد أسباب العشق إلى السمع وذكر محاسن المحبوب. وفي ذلك يقول: "من احتمى عن التخليط بغضّ البصر وكفّ النظر سلم من هذا

стр. 172

المرض .. ومجرد النظر إلى المستحسن لا يكاد يوجب العشق، وإنما يزداد به تحصيله ويعينه قوة الطمع، فيساعده الشباب والشهوة" (١). وتتلخص معالجات ابن الجوزي للعشق في الأمور الآتية: ١ - غضّ البصر: وحتى يقي المرء نفسه من هذا المرض فعليه بغضّ البصر، مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (٢). ٢ - استشعار خوف الله واحتساب أجره: على المرء أن يقدم خوف الله تعالى بين يديه، ويحتسب أجر الخائف، كما ورد في حديث رسولنا الكريم ﷺ : "سبعةٌ يظلّهم الله تعالى في ظلّه يوم لا ظل إلا ظلُّه -ذكر منهم- ورجل دعته امرأة ذات منصبٍ وجمالٍ، فقال: إني أخاف الله" (٣). وهذا ما أكده ابن الجوزي في قوله: "فمن أراد العلاج فليبادر به قبل أن يستحكم المرض وذلك بقطع السبب والصبر في ذلك على المضض، فإن اليأس أعظم دواءٍ، وأقوى معينٍ على ذلك خوف الله تعالى" (٤). ٣ - زجر النفس وتذكر عيوب المحبوب: ومن العلاج أيضًا قال ابن الجوزي: "زجر النفس الأبية عن مواقف الذلّ وتذكر عيوب المحبوب الباطنة، كما قال ابن مسعود: إذا أعجبت أحدَكم امرأةٌ فليذكرْ مثالبَها (معايبها) " (٥).

стр. 173

٤ - الاستعفاف بالنكاح: يحث ابن الجوزي العاشق على المسارعة إلى إعفاف نفسه بأحد العلاجين، أولهما أن يتزوج المحب من يحبُّها متى كان هذا مقدورًا عليه ومباحًا، وقد أشار إلى ذلك بقوله "ومتى كان المحبوب مقدورًا عليه مباحًا كان الجمع بينهما أعظم الدواء" (١)، وذلك مصداق لقول الرسول ﷺ -وإن لم يستشهد به ابن الجوزي- " لمْ يُرَ للمُتحابَّينِ مثلُ النِّكاح" (٢). والعلاج الثاني: إعفاف نفسه بالزوجة الصالحة، وفي ذلك يقول: "وإلا فالنكاح في الجملة يخفف المرض" (٣). ٥ - أمور مساعدة للعلاج: إذا أخذ المرء نفسه بالأمور السابقة، ولم يتخلص من داء العشق أو يخفف منه، فإن ابن الجوزي يرشده إلى أمورٍ أخرى مساعدةٍ للتخلص من مرض العشق، وهي كما قال: "واستجداد الزوجات واستحداث الجواري وطول السفر والتفكر في خيانة المحبوب وتجنّيه، والنظر في كتب الزهد، وذكر الموت وعيادة المرضى وزيارة القبور، ثم يتفكر في وجود غرضه وانقضائه، وسآمته مع الزمان، وتغير الخلق، وليتصفح العِبَر في نفسه وغيره، فلعل غيره يأخذ بيده فينتاشه (٤) من هذه الهوة ويجتذبه من هذه الورطة" (٥). وقد ذكر ابن الجوزي طائفة وأنواعًا من العلاج ولم يكتف بعلاج واحد, فالإنسان إذا عزم على اختيار ما يناسبه منها، فإنه لا شك سيتخلص من جميع أمراضه النفسية والقلبية التي تشغله عن طاعة الله ومرضاته.

стр. 174

خامسًا: أسباب الانغماس في الشهوات إن الانغماس في الشهوات، يشتت فكر الإِنسان، ويبدد طاقاته، ويقتل ملكاته، وقد أوجز ابن الجوزي أسباب الانغماس في الشهوات في أمرين: أولهما: "أن تطاع النفس في طلب كل شيءٍ تشتهيه وذلك لا يوقف على حدٍ فيه، فيذهب الدين والدنيا ولا يُنال كل المراد. مثل أن تكون الهمة في المستحسنات أو في جمع المال أو في طلب الرياسة وما يشبه هذه الأشياء" (١). من المعروف أن النفس البشرية جُبلت على حب الشهوات، وقد جاء المنهج التربوي الإسلامي لتهذيب هذه الشهوات والإعلاء منها، بطريقةٍ معتدلةٍ متوازنةٍ دون إفراطٍ أو تفريطٍ وفي حدود ما أباحه الله تعالى، ولكن انحراف الإنسان عن تطبيق المنهج الصحيح في إشباع الشهوات، والإفراط والطاعة في إشباع هذه الشهوات دون قيودٍ وحدود، يضر الإنسان في دينه ودنياه وآخرته، لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢). لذلك لابد من ضبط الدوافع والشهوات بالضوابط الشرعية الملائمة لفطرة الإِنسان، مع الاعتدال في إشباع المباحات، والتقليل من كماليات الدنيا. أما الأمر الثاني: فهو "مخالطة الناس خصوصًا العوام، والمشي في الأسواق، فإن الطبع يتقاضى بالشهوات، وينسى الرحيل عن الدنيا، ويحب الكسل عن الطاعة والبطالة والغفلة والراحة. فيثقل على من ألف مخالطة الناس التشاغل بالعلم أو بالعبادة، ولا يزال يخالطهم حتى تهون عليه الغيبة وتضيع الساعات في غير شيء" (٣).

стр. 175

والمقصود من هذ العبارة مجالسة الصالحين والابتعاد عن مجالس الدنيا وأهلها، وذلك لتأثير الصحبة الصالحة والصحبة الشريرة في النفس، وقد ضرب النبي ﷺ مثلًا فقال: "مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة. ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة" (١). لذلك فإن مصاحبة الإِنسان لإِنسانٍ آخر تنحصر اهتماماته في متاع الدنيا، واللهو واللعب وقضاء الوقت فيما لا يفيد، تشغل النفس البشرية بالمعاصي والذنوب التي تجرها هذه الأمور، لأنها لم تقيد بالقيود والضوابط الشرعية الصحيحة، لذلك نهى القرآن الكريم عن مصاحبة قرناء السوء، ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٢)، ورغَّب في صحبة الأخيار ومجالستهم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٣)، وذلك لأن في مصاحبتهم أثرًا واضحًا في تهذيب الأخلاق، وسلامة القلب، ونقاء السريرة، وطلب العلوم ونشرها بين الناس. إن السببين اللذين ذكرهما ابن الجوزي: وهما: طاعة النفس لإشباعها بما تشتهيه، ومصاحبة أهل الدنيا وما تجلبه من معاصي عليهم، يؤكدان أهمية تدريب النفس البشرية وتربيتها على الاعتدال في إشباع الشهوات، وضبطها بالضوابط الإِسلامية الصحيحة، مع أهمية وجود القدوة أو الصحبة الصالحة للفرد لتساعده وتعينه على مجاهدة نفسه، والأخذ بيده بالرفق والمودة والمحبة، لتصحيح مسار شهواته، وجعل دوافعه وسائل مقويةً على طاعة الله تعالى ورضاه. سادسًا: طرق توجيه النفس البشرية وتهذيبها إن طبيعة النفس البشرية هي طبيعة مزدوجة فيها الكثير من

стр. 176

الشهوات والدوافع والعواطف المتباينة، وقد قال فيها ابن الجوزي: "رأيت ميل النفس إلى الشهوات زائدًا في المقدار حتى إنها إذا مالت مالت بالقلب والعقل والذهن" (١). ومن هنا وجب معرفة ما يصلحها ويهذبها بطريقة تتناسب مع وظيفة الإِنسان الأساسية في الحياة وهي عمارة الأرض بحيث لا تطمس الشهواتَ قلبه وعقله عن إدراك الغاية من وجوده في الحياة .. وهي العبودية المطلقة لله تعالى بجميع مستوياتها، وفي الوقت نفسه يستمتع الإِنسان بطيبات الحياة الدنيا ما دامت في دائرة المباح وضمن الحدود والضوابط الشرعية، مبتغيًا من وراء ذلك الأجر من الله . وقد وضح ابن الجوزي طرق توجيه النفس البشرية وتهذيبها في ثلاث موجهات أساسية هي: الأول: مراعاة الطبائع والميول البشرية المختلفة. الثاني: إشباع الحاجات الأساسية باعتدالٍ دون إفراطٍ أو تفريطٍ، ومجانبة إغراء الشيطان وتضليلاته في ذلك. الثالث: قيادة النفس البشرية بعقليةٍ مؤمنة حكيمةٍ. الأول: مراعاة الطبائع والميول البشرية المختلفة: لقد وضح ابن الجوزي أن هناك فروقًا فرديةً بين الناس واختلافاتٍ جوهريةً في إشباع الشهوات وفي ذلك يقول: "الطباع لا تتساوى، فرب شخص يصلح على خشونة العيش، وآخر لا يصلح على ذلك، ولا يجوز لأحد أن يحمل غيره على ما يطيقه هو" (٢). لذلك لابد من مراعاة هذا الاختلاف عند تهذيب النفس البشرية بما يناسبها حسب قدراتها واستعداداتها هي، وليس وفقًا لقدرات غيرها من البشر، حتى لا يؤدي ذلك إلى هلاك النفس، وتبديد طاقاتها، وتدمير كيانها. ومراعاةً لهذه الاختلافات في الطبيعة الإنسانية التي خلقها الله

стр. 177

تعالى، فقد جعل لها ضابطًا من الشرع فيه الرخصة (١) والعزيمة (٢) لقوله ﷺ : "إن الله تعالى يحبُ أن تؤتى رخصُه، كما يكرهُ أن تؤتى معصيتُه" (٣). وما خُيِّر رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا كما أنه جعل من العلم والمعرف بحقائق وأحكام الشريعة الإسلامية خير مرشد ومقوَّم للنفس البشرية، لأن الجهل بالشريعة ومقاصدها، يدفع المرء إلى سوء الفهم والتطبيق فيعتقد أن تهذيب النفس في تعذيبها وإذلالها بمنعها من حاجاتها الفطرية الأساسية الضرورية لبقاء الإِنسان، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "غير أن لنا ضابطًا هو الشرع، فيه الرخصة وفيه العزيمة، فلا ينبغي أن يلام من حصر نفسه في ذلك الضابط. وربُ رخصةٍ كانت أفضل من عزائم لتأثير نفعها. ولو علم المتزهدون أن العلم يوجب المعرفة بالله تعالى، فتَنْبَتُ القلوب من خوفه، وتنحل الأجسام للحذر منه، فوجب التلطف بالأجسام حفظًا لقوة الراحلة. ولأن آلة العلم والحفظ. القلب والفكر، فإذا رُفِّهت الآلة جاد العمل، وهذا أمر لا يُعلم إلا بالعلم. فلجهل المتزهدين بالعلم أنكروا ما لم يعلموا. وظنّوا أن المراد إتعاب الأبدان، وإنضاء الرواحل، وما علموا أن الخوف المضني يحتاج إلى راحة مقاومةٍ، كما قال القائل: "روحوا القلوب تعيِ الذكر" (٤). لذلك ينبغي الأخذ بالرخصة والعزيمة معًا. الثاني: إشباع الحاجات الأساسية باعتدالٍ دون إفراطٍ أو تفريطٍ،

стр. 178

ومجانبة إغراء الشيطان وتضليلاته في ذلك: لقد ناقش ابن الجوزي تهذيب النفس البشرية من جانبين قد يخفى على الإِنسان المسلم، أنهما سبب هلاكه، بسبب جهله وسوء فهمه للمعنى الحقيقي من مجاهدة النفس التي تهدف إلى إشباع حاجات الإِنسان الفطرية، بطريقةٍ معتدلةٍ تساعده في أداء مهمة الخلافة الأرضية، ذلك "أنه لا يكبت رغائبها فيقتل حيويتها، ويبدد طاقتها، ويشتت كيانها. فلا تعمل، ولا تنتج ولا تصلح لعمارة الأرض وترقية الحياة. وفي الوقت ذاته لا يطلق رغائبها بلا ضوابط، لأن ذلك يبدّد طاقتها من جانب آخر، ويبدّدها في نشاط الحيوان وعلى مستوى الحيوان" (١). وهذان الجانبان وضحهما ابن الجوزي في قوله: "تأملت جهاد النفس فرأيته أعظم الجهاد، ورأيت خلقًا من العلماء والزهاد لا يفهمون معناه، لأن فيهم من منعها حظوظها على الإطلاق، وذلك غلط من وجهين: أحدهما: أنه ربَّ مانع لها شهوةً أعطاها بالمنع أوفى منها. مثل أن يمنعها مباحًا فيشتهر بمنعه إياها ذلك، فترضى النفس بالمنع لأنها قد استبدلت به المدح. وأخفى من ذلك أن يرى -بمنعه إياها ما منع- أنه قد فُضِّل عن سواه ممن لم يمنعها ذلك، وهذه دفائن تحتاج إلى منقاش فهمٍ يخلّصها" (٢). وهنا يبين ابن الجوزي أن الفهم الخاطئ لمعنى الزهد ثم لطبيعة النفس البشرية المفطورة على حب الشهوات، قد يؤدي إلى هلاكها، وذلك بمنعها من المتع الدنيوية المباحة، فتستسلم النفس لذلك المنع وهي مكرهة. . . لأن الشيطان يزين للإنسان الباطل، فقد "خُلق الشيطانُ محرضًا له على الإسرافِ في اجتلابهِ واجتنابهِ" (٣)، حيث صوره على أنه شيء ممدوح من قبل الآخرين وأنه بذلك وصل إلى مرتبةٍ أفضل من غيره، فتصير النفس متأذيةً من هذا المنع الذي حرمها مباحًا وهذا يعتبر

стр. 179

مدخلًا من مداخل الشيطان التي يفسد بها على الإِنسان دينه، ويمنع النفس من التمتع بالمباح الذي يقويها على العبادة بمفهومها المطلق. "فحرم فئة على أنفسهم بعض ما أحلّ الله، ظنًّا منهم أن ذلك قربة إلى الله، وكان القائد الرسول ﷺ يسمع هذه التصورات الغريبة عن روح الإسلام، فكان يسدّ ذلك المدخل الشيطاني ويعدل الاعوجاج" (١) فهذه قصة ثلاثة رهط جاؤوا "إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أُخبِروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحنُ من النبي ﷺ قد غفَر الله له ما تقدّمَ من ذنبه وما تأخَّر، قال أحدُهم: أما أنا أصلي الليلَ أبدًا، وقال الآخر: أنا أصَومُ الدهرَ ولا أفطرُ، وقال الآخرُ: أنا أعتزلُ النساءَ فلا أتزوجُ أبدًا فجاء رسولُ الله ﷺ ، فقال: أنتم الذين قلتُم كذا وكذا: أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصومُ وأفطرُ وأصلي وأرقدُ وأتزوجُ النساءَ، فمن رغبَ عن سنتي فليس مني" (٢)، ولنا في رسول الله - صلي الله عليه وسلم - قدوة حسنة في التمتع بطيبات الدنيا دون إفراطٍ أو تفريطٍ. والوجه الثاني: قال فيه ابن الجوزي: "أننا قد كُلّفنا حفظَها، ومن أسباب حفظها ميلها إلى الأشياء التي تقيمها، فلابد من إعطائها ما يقيمها وأكثر ذلك أو كلِّه مما تشتهيه. ونحن كالوكلاء في حفظها. لأنها ليست لنا بل هي وديعة عندنا، فمنعها حقوقها على الإطلاق خطر" (٣). وقد أوضح ابن الجوزي أن البعض قد يفهم خطأ أن نفسه ملكه، وهو يعاملها كما يزين له الشيطان، وليس حسب طبيعتها البشرية التي خلقها الله عليها. لذلك لابد من تصحيح هذا الفهم الخاطئ، وهو أن الله تعالى قد جعل نفس الإِنسان وديعةً وأمانةً لديه، وأنه مكلّفَ حفظهَا وصيانتَها ووقايتَها بما يكفَل لها السير الصحيح في الحياة الدنيا، وبما يساعدها على أداء مهمة الخلافة في الأرض، وإذا وضح هذا المفهوم في

стр. 180

الأذهان، استطاع المرء أن يعطيها حاجاتها الفطرية الضرورية دون نقصٍ أو حرمانٍ بغيضٍ. ثم بين ضرر الإفراط أو التفريط في معاملة النفس البشرية بقوله: "ربَّ شدَّ أوجب استرخاء وربَّ مضيق على نفسه فرت منه فصعب عليه تلافيها" (١)، وإنما المطلوب في رياضتها إعطاؤها ما تحتاجه باعتدالٍ واتزانٍ ودون تقتير أو إسرافٍ. الثالث: قيادة النفس البشرية بعقليةٍ مؤمنةٍ حكيمةٍ: لقد ذكر ابن الجوزي نتائج معاملة النفس البشرية بإفراط أو تفريطٍ، وما تركته من آثارٍ سيئةٍ، فقال: "فإن أقوامًا أطلقوها فيما تحب، فأوقعتهم فيما كرهوا. وإن أقوامًا بالغوا في خلافها حتى منعوها حقها وظلموها وأثّرَ ظلمهم لها في تعبداتهم، فمنهم من أساء غذاءها فأثر ذلك ضعف بدنها عن إقامة واجبها. ومنهم من أفردها في خلوةٍ أثمرت الوحشة من الناس وآلت إلى ترك فرضٍ أو فضل من عيادة مريضٍ أو بر والدة" (٢). لذلك لابد أن نعاملها كما نعامل المريض، الذي يتجرع الدواء بما فيه من مرارةٍ من أجل الصحة والعافية، فيقول في ذلك: "وإنما الجهاد لها كجهاد المريض العاقل، يحملها على مكروهها في تناول ما ترجو به العافية، ويذوِّب في المرارة قليلًا من الحلاوة، ويتناول من الأغذية مقدار ما يصفه الطبيب" (٣). ثم شبه الإِنسان المؤمن الحكيم الخبير بكيفية معاملة النفس البشرية، كالفارس الذي يروض حصانًا شرسًا، وبيده مقوده يحركه كيف يشاء، ثم قال "فكذلك المؤمن العاقل لا يترك لجامها ولا يهمل مقودها، بل يرخي لها في وقت والطِّولَ بيده، فما دامت على الجادة لم يضايقها في التضييق عليها" (٤). وهو أيضًا في قيادها "كالملِك إذا مازح بعض جنده، فإنه لا ينبسط إليه الغلام، فإن انبسط ذكر هيبة المملكة. فكذلك المحقق يعطيها حظها ويستوفي منها ما
следующие страницы →