الشهوات والدوافع والعواطف المتباينة، وقد قال فيها ابن الجوزي: "رأيت ميل النفس إلى الشهوات زائدًا في المقدار حتى إنها إذا مالت مالت بالقلب والعقل والذهن" (١).
ومن هنا وجب معرفة ما يصلحها ويهذبها بطريقة تتناسب مع وظيفة الإِنسان الأساسية في الحياة وهي عمارة الأرض بحيث لا تطمس الشهواتَ قلبه وعقله عن إدراك الغاية من وجوده في الحياة .. وهي العبودية المطلقة لله تعالى بجميع مستوياتها، وفي الوقت نفسه يستمتع الإِنسان بطيبات الحياة الدنيا ما دامت في دائرة المباح وضمن الحدود والضوابط الشرعية، مبتغيًا من وراء ذلك الأجر من الله .
وقد وضح ابن الجوزي طرق توجيه النفس البشرية وتهذيبها في ثلاث موجهات أساسية هي:
الأول: مراعاة الطبائع والميول البشرية المختلفة.
الثاني: إشباع الحاجات الأساسية باعتدالٍ دون إفراطٍ أو تفريطٍ، ومجانبة إغراء الشيطان وتضليلاته في ذلك.
الثالث: قيادة النفس البشرية بعقليةٍ مؤمنة حكيمةٍ.
الأول: مراعاة الطبائع والميول البشرية المختلفة:
لقد وضح ابن الجوزي أن هناك فروقًا فرديةً بين الناس واختلافاتٍ جوهريةً في إشباع الشهوات وفي ذلك يقول: "الطباع لا تتساوى، فرب شخص يصلح على خشونة العيش، وآخر لا يصلح على ذلك، ولا يجوز لأحد أن يحمل غيره على ما يطيقه هو" (٢). لذلك لابد من مراعاة هذا الاختلاف عند تهذيب النفس البشرية بما يناسبها حسب قدراتها واستعداداتها هي، وليس وفقًا لقدرات غيرها من البشر، حتى لا يؤدي ذلك إلى هلاك النفس، وتبديد طاقاتها، وتدمير كيانها.
ومراعاةً لهذه الاختلافات في الطبيعة الإنسانية التي خلقها الله
стр. 177
تعالى، فقد جعل لها ضابطًا من الشرع فيه الرخصة (١) والعزيمة (٢) لقوله ﷺ : "إن الله تعالى يحبُ أن تؤتى رخصُه، كما يكرهُ أن تؤتى معصيتُه" (٣). وما خُيِّر رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا كما أنه جعل من العلم والمعرف بحقائق وأحكام الشريعة الإسلامية خير مرشد ومقوَّم للنفس البشرية، لأن الجهل بالشريعة ومقاصدها، يدفع المرء إلى سوء الفهم والتطبيق فيعتقد أن تهذيب النفس في تعذيبها وإذلالها بمنعها من حاجاتها الفطرية الأساسية الضرورية لبقاء الإِنسان، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "غير أن لنا ضابطًا هو الشرع، فيه الرخصة وفيه العزيمة، فلا ينبغي أن يلام من حصر نفسه في ذلك الضابط. وربُ رخصةٍ كانت أفضل من عزائم لتأثير نفعها. ولو علم المتزهدون أن العلم يوجب المعرفة بالله تعالى، فتَنْبَتُ القلوب من خوفه، وتنحل الأجسام للحذر منه، فوجب التلطف بالأجسام حفظًا لقوة الراحلة. ولأن آلة العلم والحفظ. القلب والفكر، فإذا رُفِّهت الآلة جاد العمل، وهذا أمر لا يُعلم إلا بالعلم. فلجهل المتزهدين بالعلم أنكروا ما لم يعلموا. وظنّوا أن المراد إتعاب الأبدان، وإنضاء الرواحل، وما علموا أن الخوف المضني يحتاج إلى راحة مقاومةٍ، كما قال القائل: "روحوا القلوب تعيِ الذكر" (٤). لذلك ينبغي الأخذ بالرخصة والعزيمة معًا.
الثاني: إشباع الحاجات الأساسية باعتدالٍ دون إفراطٍ أو تفريطٍ،
стр. 178
ومجانبة إغراء الشيطان وتضليلاته في ذلك:
لقد ناقش ابن الجوزي تهذيب النفس البشرية من جانبين قد يخفى على الإِنسان المسلم، أنهما سبب هلاكه، بسبب جهله وسوء فهمه للمعنى الحقيقي من مجاهدة النفس التي تهدف إلى إشباع حاجات الإِنسان الفطرية، بطريقةٍ معتدلةٍ تساعده في أداء مهمة الخلافة الأرضية، ذلك "أنه لا يكبت رغائبها فيقتل حيويتها، ويبدد طاقتها، ويشتت كيانها. فلا تعمل، ولا تنتج ولا تصلح لعمارة الأرض وترقية الحياة. وفي الوقت ذاته لا يطلق رغائبها بلا ضوابط، لأن ذلك يبدّد طاقتها من جانب آخر، ويبدّدها في نشاط الحيوان وعلى مستوى الحيوان" (١).
وهذان الجانبان وضحهما ابن الجوزي في قوله: "تأملت جهاد النفس فرأيته أعظم الجهاد، ورأيت خلقًا من العلماء والزهاد لا يفهمون معناه، لأن فيهم من منعها حظوظها على الإطلاق، وذلك غلط من وجهين:
أحدهما: أنه ربَّ مانع لها شهوةً أعطاها بالمنع أوفى منها. مثل أن يمنعها مباحًا فيشتهر بمنعه إياها ذلك، فترضى النفس بالمنع لأنها قد استبدلت به المدح. وأخفى من ذلك أن يرى -بمنعه إياها ما منع- أنه قد فُضِّل عن سواه ممن لم يمنعها ذلك، وهذه دفائن تحتاج إلى منقاش فهمٍ يخلّصها" (٢).
وهنا يبين ابن الجوزي أن الفهم الخاطئ لمعنى الزهد ثم لطبيعة النفس البشرية المفطورة على حب الشهوات، قد يؤدي إلى هلاكها، وذلك بمنعها من المتع الدنيوية المباحة، فتستسلم النفس لذلك المنع وهي مكرهة. . . لأن الشيطان يزين للإنسان الباطل، فقد "خُلق الشيطانُ محرضًا له على الإسرافِ في اجتلابهِ واجتنابهِ" (٣)، حيث صوره على أنه شيء ممدوح من قبل الآخرين وأنه بذلك وصل إلى مرتبةٍ أفضل من غيره، فتصير النفس متأذيةً من هذا المنع الذي حرمها مباحًا وهذا يعتبر
стр. 179
مدخلًا من مداخل الشيطان التي يفسد بها على الإِنسان دينه، ويمنع النفس من التمتع بالمباح الذي يقويها على العبادة بمفهومها المطلق. "فحرم فئة على أنفسهم بعض ما أحلّ الله، ظنًّا منهم أن ذلك قربة إلى الله، وكان القائد الرسول ﷺ يسمع هذه التصورات الغريبة عن روح الإسلام، فكان يسدّ ذلك المدخل الشيطاني ويعدل الاعوجاج" (١) فهذه قصة ثلاثة رهط جاؤوا "إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أُخبِروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحنُ من النبي ﷺ قد غفَر الله له ما تقدّمَ من ذنبه وما تأخَّر، قال أحدُهم: أما أنا أصلي الليلَ أبدًا، وقال الآخر: أنا أصَومُ الدهرَ ولا أفطرُ، وقال الآخرُ: أنا أعتزلُ النساءَ فلا أتزوجُ أبدًا فجاء رسولُ الله ﷺ ، فقال: أنتم الذين قلتُم كذا وكذا: أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصومُ وأفطرُ وأصلي وأرقدُ وأتزوجُ النساءَ، فمن رغبَ عن سنتي فليس مني" (٢)، ولنا في رسول الله - صلي الله عليه وسلم - قدوة حسنة في التمتع بطيبات الدنيا دون إفراطٍ أو تفريطٍ.
والوجه الثاني: قال فيه ابن الجوزي: "أننا قد كُلّفنا حفظَها، ومن أسباب حفظها ميلها إلى الأشياء التي تقيمها، فلابد من إعطائها ما يقيمها وأكثر ذلك أو كلِّه مما تشتهيه. ونحن كالوكلاء في حفظها. لأنها ليست لنا بل هي وديعة عندنا، فمنعها حقوقها على الإطلاق خطر" (٣).
وقد أوضح ابن الجوزي أن البعض قد يفهم خطأ أن نفسه ملكه، وهو يعاملها كما يزين له الشيطان، وليس حسب طبيعتها البشرية التي خلقها الله عليها. لذلك لابد من تصحيح هذا الفهم الخاطئ، وهو أن الله تعالى قد جعل نفس الإِنسان وديعةً وأمانةً لديه، وأنه مكلّفَ حفظهَا وصيانتَها ووقايتَها بما يكفَل لها السير الصحيح في الحياة الدنيا، وبما يساعدها على أداء مهمة الخلافة في الأرض، وإذا وضح هذا المفهوم في
стр. 180
الأذهان، استطاع المرء أن يعطيها حاجاتها الفطرية الضرورية دون نقصٍ أو حرمانٍ بغيضٍ.
ثم بين ضرر الإفراط أو التفريط في معاملة النفس البشرية بقوله: "ربَّ شدَّ أوجب استرخاء وربَّ مضيق على نفسه فرت منه فصعب عليه تلافيها" (١)، وإنما المطلوب في رياضتها إعطاؤها ما تحتاجه باعتدالٍ واتزانٍ ودون تقتير أو إسرافٍ.
الثالث: قيادة النفس البشرية بعقليةٍ مؤمنةٍ حكيمةٍ:
لقد ذكر ابن الجوزي نتائج معاملة النفس البشرية بإفراط أو تفريطٍ، وما تركته من آثارٍ سيئةٍ، فقال: "فإن أقوامًا أطلقوها فيما تحب، فأوقعتهم فيما كرهوا. وإن أقوامًا بالغوا في خلافها حتى منعوها حقها وظلموها وأثّرَ ظلمهم لها في تعبداتهم، فمنهم من أساء غذاءها فأثر ذلك ضعف بدنها عن إقامة واجبها. ومنهم من أفردها في خلوةٍ أثمرت الوحشة من الناس وآلت إلى ترك فرضٍ أو فضل من عيادة مريضٍ أو بر والدة" (٢). لذلك لابد أن نعاملها كما نعامل المريض، الذي يتجرع الدواء بما فيه من مرارةٍ من أجل الصحة والعافية، فيقول في ذلك: "وإنما الجهاد لها كجهاد المريض العاقل، يحملها على مكروهها في تناول ما ترجو به العافية، ويذوِّب في المرارة قليلًا من الحلاوة، ويتناول من الأغذية مقدار ما يصفه الطبيب" (٣). ثم شبه الإِنسان المؤمن الحكيم الخبير بكيفية معاملة النفس البشرية، كالفارس الذي يروض حصانًا شرسًا، وبيده مقوده يحركه كيف يشاء، ثم قال "فكذلك المؤمن العاقل لا يترك لجامها ولا يهمل مقودها، بل يرخي لها في وقت والطِّولَ بيده، فما دامت على الجادة لم يضايقها في التضييق عليها" (٤). وهو أيضًا في قيادها "كالملِك إذا مازح بعض جنده، فإنه لا ينبسط إليه الغلام، فإن انبسط ذكر هيبة المملكة. فكذلك المحقق يعطيها حظها ويستوفي منها ما
стр. 181
عليها" (١). فإذا انقادت النفس البشرية، وسهل سلوكها على الطريقة الصحيحة، فقد نجح في تهذيبها، فإن مالت عن الحق والصواب ورغبت في الشهوات، فعليه بمبدأ التدرج، وذلك بأن يردَّها ردًّا جميلًا باللطف واللين، فإن أبت إلا الاستزادة من الشهوات فعليه بالحزم معها حتى يكبح جماحها. وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فإذا رآها قد مالت ردها باللطف، فإن واتتْ وآبت، وإلا فبالعنف" (٢). ثم شبه النفس البشرية بالزوجة العاصية لزوجها، التي استخدم القرآن الكريم معها أساليب عدة لتقويمها وردها عن عصيانها ونشوزها، بالوعظ والنصيحة أولًا ثم بالهجر في الفراش ثانيًا، فإن لم تستقم فبالضرب غير المبرح لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ (٣).
وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "ويحبسها في مقام المداراة كالزوجة التي مبني عقلها على الضعف والقلة، فهي تُدارى عند نشوزها بالوعظ، فإن لم تصلح فبالهجر، فإن لم تستقم، فبالضرب" (٤). وقد اعتبر ابن الجوزي الإرادة القوية، والعزيمة الصادقة أفضل مقوَّم ومهذب للنفس البشرية، لأنها تأخذها بالعمل الإيجابي البناء وبالعزيمة الجَادة في الإصلاح. وفي ذلك يقول: "وليس في سياط التأديب أجود من سوط عزم. هذه مجاهدة من حيث العمل" (٥). ومع هذه الإرادة القوية والعزيمة الصادقة لابد من وجود ضابطٍ حكيمٍ، وموجهٍ قديرٍ، يضبط ويوجه ويكبح جماح النفس الأمارة بالسوء، وليس أفضل من عقلٍ رشيدٍ، وفكرٍ مستقيمٍ، يقوم بهذا الدور القيادي في تهذيب النفس البشرية، وضبط الإنفعالات. وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وأعطي الإنسان العقل كالمؤدب يأمره بالعدل فيما يجتَلب ويُجتَنب" (٦)، "فمن قوي
стр. 182
عقله على طبعه وحكم عليه يسلم، ومن غلب طبعه، فيا سرعة هلكته" (١).
ومما سبق في هذا الفصل .. نجد أن ابن الجوزي، قد أعطى للقارئ تصورًا معقولًا لطبيعة النفس البشرية، لا يتسم بالعمق ولا بالسطحية، مقتبس طبيعتها وخصائصها وصفاتها من الآيات القرآنية والسُّنّة النبوية الشريفة. وهذا واضح من دقة الألفاظ والتعبيرات التي استخدمها في كتابته، معبرًا عن آرائه التربوية. كما أن آراء ابن الجوزي التربوية في هذا المجال، تدل بما لا يدع مجالًا للشك، على عمق ثقافته الإسلامية، وخبرته في معاملة النفس البشرية، وقدرته على توظيف معارفه الإسلامية في خدمة الفكر التربوي الإسلامي.
سابعًا: الآراء التربوية المستخلصة من هذا الفصل
يتعلق هذا الفصل بآراء ابن الجوزي التربوية في طبيعة النفس البشرية، ومعالجة أمراضها وتوجيه دوافعها، توجيهًا تربويًا مناسبًا، ومن خلال تحليل هذه الآراء، نستخلص هذه الآراء التربوية:
١ - ضرورة معرفة المربي بطبيعة النفس البشرية وخباياها وما فيها من دوافع وميولٍ وانفعالاتٍ وعواطف، حتى يستطيع توجيهها بطريقةٍ صحيحةٍ وعن علمٍ ومعرفةٍ.
٢ - أهمية إيضاح الغاية من وجود الإِنسان للتلميذ نفسه، حتى يسهل عليه تحديد أهدافه في الحياة، مستمدًا ذلك من أهداف الإِسلام الكبرى.
٣ - الاعتراف بحاجات الجسم والروح والعقل، وضرورة إشباعها بطريقة معتدلةٍ ومتوازنةٍ في ضوء القيم الإِسلامية، بحيث تساعد الإِنسان على تحقيق العبودية لله ، وتحقيق خلافة الإِنسان على وجه الأرض.
٤ - الاعتراف بانفعالات الإِنسان وعواطفه وضرورة معرفة الطرق
стр. 183
الصحيحة لتهذيبها ومجاهدتها والتسامي بها، حتى يمكن بناء شخصية المسلم.
٥ - معرفة الحكمة من وجود الدوافع والانفعالات والعواطف في النفس البشرية، وذلك لجلب الخير ودفع الأذى.
٦ - أهمية معرفة الطرق والأساليب المناسبة، لتدريب النفس البشرية على الاعتدال في إشباع الحاجات الفطرية، وتهذيبها بالضوابط الإِسلامية.
٧ - مراعاة اختلاف الميول والقدرات بين الناس في حبهم للشهوات، وتفاوتهم في مجاهدتهم وضبطهم لهذه الشهوات.
٨ - الأخذ بمبدأ التدرج عند مجاهدة النفس البشرية.
٩ - للعقل دور كبير في ضبط الأهواء والشهوات والانفعالات والعواطف، ولاسيما إذا أدرك مقاصد الشريعة الإسلامية، ووُجه توجيهًا سليمًا.
١٠ - تعميم هذه الحقائق ليعرفها كل من يريد أن يربي نفسه تربيةً ذاتيةً مستمرةً، ومن يريد أن يربي غيره أيضًا.
١١ - ضرورة معرفة الإِنسان طرق مقاومة إغراءات وأساليب تضليل الشيطان.
стр. 184
• الفصل الثاني رأي ابن الجوزي في مراحل نموّ الإِنسان
أولًا: رأي ابن الجوزي في تقسيم مراحل النمو في ضوء علم النفس
ثانيًا: رأي ابن الجوزي في مرحلة الطفولة المبكرة.
ثالثًا: رأي ابن الجوزي في مرحلة البلوغ والشباب.
رابعًا: رأي ابن الجوزي في مرحلة الكهولة.
خامسًا: رأي ابن الجوزي في مرحلة الشيخوخة.
سادسًا: رأي ابن الجوزي في مرحلة الهرم.
سابعًا: الآراء التربوية المستخلصة من هذا الفصل.
стр. 185
• الفصل الثاني رأي ابن الجوزي في مراحل نموّ الإنسان
أولًا: رأي ابن الجوزي في تقسيم مراحل النمو في ضوء علم النفس
ناقشنا في الفصل الأول من هذا الباب، رأي ابن الجوزي في الطبيعة البشرية من جوانب عدة، وفي هذا الفصل سنتابع رأيه في مراحل النمو الإنساني، ثم نقوم بتحليلها وتقويمها من حيث المنظور التربوي الإِسلامي، ومن حيث ما أثبته العلم الحديث وذلك حسب ما تقتضيه الدراسة.
وقد قسم ابن الجوزي مراحل النمو الإنساني إلى ست مراحل هي:
المرحلة الأولى: تبدأ من حدوث الحمل وتنتهي بالولادة. وهذه المرحلة لم يذكرها ابن الجوزي بصراحةٍ، ولكنه تعرض لذكرها في مواضع مختلفةٍ من مؤلفاته، ستذكر في حينها.
أما المراحل الخمس الباقية، فقد أسماها بالمواسم، وهي كما أوردها ابن الجوزي:
"الموسم الأول: من وقت الولادة إلى زمن البلوغ.
والموسم الثاني: من زمن البلوغ إلى خمسٍ وثلاثين سنةٍ وهي زمن الشباب.
والموسم الثالث: من ذلك الزمن إلى تمام الخمسين سنة، وذلك زمن الكهولة، وقد يقال كهل لما قبل ذلك.
стр. 186
والموسم الرابع: من بعد الخمسين إلى تمام السبعين، وذلك زمن الشيخوخة.
والموسم الخامس: ما بعد السبعين إلى تمام العمر وهو زمن الهرم" (١).
وهذا التقسيم الذي وضعه ابن الجوزي لمراحل النمو الإنساني، يتفق إلى حدٍ كبيرٍ مع معظم تقسيمات المربين المسلمين وغيرهم من الغربيين، لذلك سأورد التقسيمات الأساسية لمراحل النمو، بناءً على تقسيم ابن الجوزي، وما يقابله في علم النفس التكويني الحديث أو يختلف عنه.
أولًا: المرحلة الأُولى: تبدأ من حدوث الحمل وتنتهي بالولادة. اتفق في هذا التحديد ابن الجوزي مع علم النفس التكويني (٢).
ثانيا: المرحلة الثانية: وتمثل الموسم الأول عند ابن الجوزي وزمنها: من وقت الولادة إلى زمن البلوغ، ويتضمن مرحلة الطفولة، ويقسم علم نفس النمو هذه المرحلة إلى:
١ - مرحلة الطفولة المبكرة وتتضمن:
أ - مرحلة المهد: من الولادة إلى أسبوعين
ومرحلة الرضاع: من الولادة إلى نهاية السنة الثانية.
ب - مرحلة الحضانة: من السنة الثانية إلى نهاية العام الخامس أو السادس.
٢ - مرحلة الطفولة المتوسطة: من ٦ - ٩ سنوات، الثلاث سنوات الأولى من المرحلة الابتدائية.
٣ - مرحلة الطفولة المتأخرة: من ٩ - ١٢ سنة، الثلاث سنوات
стр. 187
الأخرى من المرحلة الابتدائية.
ثالثًا: المرحلة الثالثة: وتمثل الموسم الثاني عند ابن الجوزي، ووقتها من زمن البلوغ إلى خمس وثلاثين سنة، وهو زمن الشباب، ويُفهم من هذا أنه قسم هذه المرحلة إلى قسمين:
المرحلة الأُولى: مرحلة البلوغ.
المرحلة الثانية: مرحلة الشباب.
ويقسم علم نفس النمو (١) هذه المرحلة إلى:
أ - مرحلة المراهقة المبكرة من ١٢ - ١٣ - ١٤ (المرحلة الإعدادية).
ب - مرحلة المراهقة الوسطى من ١٥ - ١٦ - ١٧ (المرحلة الثانوية).
جـ - مرحلة المراهقة الأخيرة من ١٨ - ١٩ - ٢٠ - ٢١ (المرحلة الجامعية).
وقد أضاف ابن الجوزي إلى هذه المرحلة، مرحلة الشباب من ٢١ - ٣٥ سنة وإن كانت مرحلة الشباب في علم النفس من ٢١ - ٤٠ سنة، وهي مرحلة مستقلة عن مرحلة المراهقة.
رابعًا: المرحلة الرابعة: وتمثل الموسم الثالث عند ابن الجوزي، ووقتها كما قال: "من ذلك الزمن إلى تمام الخمسين سنة، وذلك زمن الكهولة". أي من ٣٥ - ٥٠ سنة.
وتقسيم هذه المرحلة حسب علم نفس النمو (٢) من ٤٠ - ٦٠ سنة، وتمثل مرحلة الكهولة، وهذا التقسيم يختلف عن تقسيم ابن الجوزي.
خامسًا: المرحلة الخامسة: وتمثل الموسم الرابع عند ابن الجوزي،
стр. 188
ووقتها من بعد الخمسين إلى تمام السبعين وذلك زمن الشيخوخة. وتقسيم هذه المرحلة حسب علم نفس النمو (١) من ٦٠ إلى الموت، وتمثل مرحلة الشيخوخة. وفي هذه المرحلة يختلف تقسيم ابن الجوزي عن علم نفس النمو.
سادسًا: المرحلة السادسة: وتمثل الموسم الخامس عند ابن الجوزي، ووقتها من بعد السبعين إلى تمام العمر وهو زمن الهرم. وهذه المرحلة تقع في علم نفس النمو ضمن مرحلة الشيخوخة المتأخرة، وتمتد من ٧٥ سنة إلى نهاية العمر" (٢).
وهكذا نجد أن هناك اختلافًا من وجهة نظر ابن الجوزي عن علم نفس النمو وذلك في بعض المراحل، ولاسيما في مرحلة الشباب والشيخوخة والهرم.
وسنناقش مراحل النمو كما حددها ابن الجوزي في ضوء المنهج التربوي الإسلامي وهي كما يأتي:
أ - رأي ابن الجوزي في مرحلة ما قبل الولادة:
وهذه المرحلة هي التي لم يذكرها ابن الجوزي تصريحًا في رسالته تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر ولكنه تعرض لذكرها في بعض مؤلفاته، ومن المعروف أن هناك عوامل تؤثر في نمو الطفل الجسمي والنفسي والخلقي وهو في بطن أمه، وهذه العوامل قد تكون إيجابية وقد تكون سلبيةً، منها على سبيل المثال: الاهتمام بجميع النواحي النفسية والصحية والعلاقات الاجتماعية بالأم حتى لا ينعكس شيء من المؤثرات الضارة على الجنين، وهذه المؤثرات التربوية والنفسية لم يذكرها ابن الجوزي، لأنه كتب عن التربية بعمومياتها ولم يكتبها بدقة كما حددها بعض علماء التربية المسلمين أمثال الغزالي وابن قيم الجوزية .. الخ. لذلك سنعرض الآراء التي ذكرها.
стр. 189
وقد قسم ابن الجوزي هذه المرحلة إلى مرحلتين:
١ - مرحلة اختيار الزوجة الصالحة.
٢ - مرحلة تكوين الجنين.
وسنناقش كلَّ مرحلةٍ في ضوء آراء ابن الجوزي.
١ - مرحلة اختيار الزوجة الصالحة:
لأهمية وخطورة دور المرأة المسلمة في تربية الأجيال، فقد ألف ابن الجوزي كتابًا أسماه أحكام النساء، وذكر فيه ما يتعلق بالأحكام الخاصة بالمرأة من عقائد وعباداتٍ ومعاملاتٍ وآداب، وسيرة وقد دفعته الرغبة في بيان العلم الصحيح الخاص بالنساء، لحاجتهن لذلك، فقال: "رأيت النساء أحوج إلى التنبيه من هذه الرفدة من الرجال، لبعدهن عن العلم، وغلبة الهوى عليهن بالطبع، فإن الصَّبِيَّة في الغالب تنشأ في مخدعها لا تلقن القرآن ولا تعرف الطهارة من الحيض، ولا تعلم أيضًا أركان الصلاة، ولا تحُدَّث قبل التزويج بحقوق الزوج. . . الخ" (١).
ونتيجةً لجهل الآباء والأمهات بالحقوق والواجبات والأحكام الشرعية، فقد أثر ذلك في تربيتهم لأبنائهم، فقال ابن الجوزي في ذلك: "ورأيت أحد العوام يشغل ولده حين ينشأ بالمعاش، ولا يعلّمه واجبات العبادة ولوازم المعاملات، فيتقلب الولد في طلب الدنيا، ولا يعلم أخبار الآخرة، ولا يعرف فرضًا من الفرائض، ولا يردّ لجامَه عن الهوى ألفُ رائض، فإن أفلح وحضر مجلسًا من مجالس القُصَّاص، فربما سمع منهم أحاديث الرخص الباطلة، فخرج مصرًّا على الذنوب، ويقول: ربي كريم .. الخ" (٢).
وحتى ينشأ الأبناء في بيئةٍ أسريةٍ صالحةٍ، عارفةٍ بالأحكام، ملمةٍ بالأركان، مدركةٍ للواجبات الإِسلامية، كان لابد من الاختيار السليم
стр. 190
للزوجة الصالحة الواعية المتفهمة لأمور دينها من جميع الجوانب، حتى تستطيع أن تربي أبناءها على علمٍ وهدى وبصيرة.
وقد أكد ابن الجوزي أهمية اختيار الزوجة على أساس الدين، مستشهدًا بقول الرسول ﷺ : "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" (١). وقوله ﷺ : "ثلاث من السعادة وثلاث من الشقاوة، فمن السعادة المرأة تراها تعجبك وتغيب فتأمنها على نفسها ومالك والدابة تكون وطية فتلحقك بأصحابك والدار تكون واسعة كثيرة المرافق ومن الشقاوة المرأة تراها فتسوءك وتحمل لسانها عليك، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك والدابة تكون قطوفًا، فإن ضربتها أتعبتك، وإن تركبها لم تلحقك بأصحابك والدار تكون ضيقة قليلة المرافق" (٢).
كذلك أكد أثر عاملي الفطرة والوراثة في تربية الطفل وتأديبه، فبين أن كل إنسان يولد على فطرته السليمة التي خلقه الله تعالى عليها، ما يطرأ عليها بعد ذلك ناتج من عوامل البيئة والوراثة، فقال: "الأصل في الأمزجة الصحة، والعلل طارئة، وكل مولود يولد على الفطرة" (٣). وقد اشتق هذا المعنى من قول الرسول ﷺ : "ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة. فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه، كما تُنْتَجُ البهيمة بهيمةً جمعاء. هل تحسون فيها من جدعاء" (٤).
стр. 191
وقد رأى ابن الجوزي أن التربية لن تثمر ما لم يكن الطبع والاستعداد موجودين في الطفل، فقال: "والله ما ينفع تأديب الولد إذا لم يسبق اختيار الخالق لذلك الولد" (١).
كذلك بيَّن أن الخصائص الوراثية الجيدة، تساعد في عملية التربية وإكساب الطفل القيم والأخلاقيات بأقل جهدٍ وبسهولةٍ ويسر، فيقول في ذلك: "وأقل الرياضة فيه يؤثر، كما ينفع المسنُّ الفولاذ ولا ينفع الحديد" (٢). أما إذا كانت الصفات الوراثية ضعيفةً، فإن التربية لا تستطيع أن توجد أو تغير من هذه الصفات، فإن مهمة التربية مساعدة كل فرد حسب نموه وخصائصه المختلفة التي يتصف بها على الوصول إلى أفضل مستوى يمكن أن يصله من خلال ما هو كائن. وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "إن الرياضة [بمعنى التربية] لا تصلح إلا في نجيب، والكودن (٣) لا تنفعه الرياضة، والسبع وإن ربِّي صغيرًا لا يترك الافتراس إذا كبر" (٤) وقوله يدل على أن التربية -مهما حاولت- بكل أساليبها وطرقها، أن تجعل من السبع حيوانًا أليفًا، فإنها لا تستطيع أن تغير أصل طبيعته من كونه حيوانًا مفترسًا، لأنه بعد عملية التربية في صغره يعود إلى أصله في الافتراس إذا كبر. وهذا الرأي يحتاج إلى تفصيل لأن فكرته غير سليمة تربويًّا.
كذلك رغَّب ابن الجوزي في اختيار المرأة البكر، فقال: "فأصلح
стр. 192
الأمور أن يتزوج الرجل البكر التي لم تعرف سواه" (١)، وهذا موافق لقول الرسول ﷺ وإن لم يستشهد به هنا ابن الجوزي. عندما سأل جابرَ بنَ عبد الله عمن تزوجَ: أبكرًا أم ثيبًا؟ فأجابه: ثيبًا فقال ﷺ : فهلا جاريةً تلاعبُها وتلاعبُك" (٢). وقوله ﷺ عندما سألتِ السيدهُ عائشةُ ﵂: يا رسولَ الله لو نزلتَ واديًا وفيه شجرةٌ قد أُكلَ منها، ووجدت شجرًا لم يؤكَل منها، في أيِّها كنت تُرتعُ بعيرَك؟ قال: في التي لم يُرتعْ مِنها. يعني أن رسولَ الله ﷺ لم يتزوجْ بكرًا غيرَها (٣).
كذلك على المرأة أن تختار الزوج الصالح -وهذه لم يذكرها ابن الجوزي- ولكن ذُكرت هنا لتكملة الاختيار الصحيح من الطرفين على أن يكون المعيار الصلاح والخلق لا المال والجاه لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤). وقوله ﷺ : "إذا جاءكم من ترضون دينَه وخلقَه فأَنكِحوه إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرضِ وفساد" (٥).
فإذا تم الاختيار على أساس صحيح من جميع النواحي الدينية، والاجتماعية، والخلقية والعقلية، والنفسية، تم الزواج على حسب الشريعة الإِسلامية الغراء، ومنها نصل إلى المرحلة الثانية.
٢ - مرحلة تكوين الجنين:
وتبدأ هذه المرحلة من حدوث الحمل، وتنتهي بالولادة. وقد
стр. 193
وصف ابن الجوزي مراحل خلق الإنسان في بطن أمه، وصفًا علميًّا في مجمله، مستندًا إلى الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، وإن كان يفتقد الدقة العلمية في بعض ألفاظه ومعلوماته. وهذا شيء يعذر فيه لأن كثيرًا من الحقائق العلمية في هذا المجال لم تكتشف في عصره، وإن كان تدبر القرآن الكريم وفهمه العميق من قبل ابن الجوزي -وغيره من العلماء المسلمين- قد صحح معلوماتهم وأوصلهم إلى معلومات علمية في مجملها، تتفق مع ما وصل إليه العلم الحديث من خلال مشاهداته الدقيقة المستمرة المتتابعة بواسطة الأجهزة المكبرة ذات القدرة العالية جدًا على التكبير.
والآن سنقوم بعرض مراحل نمو الجنين، من خلال آراء ابن الجوزي مقارنة بالكتابات العلمية في هذا المجال.
قال ابن الجوزي: "أول الأحوال الحادثة في المني أن يكون له زبد، ثم يوجد النفخ مندفعًا إلى وسط الرطوبة، إعدادًا لمكان القلب، ثم تتميز الأعضاء، ويتنحى بعضها عن مماسة بعض، ويحيط بالجنين ثلاثة أغشيةٍ: غشاء تنسج فيه العروق، وغشاء ينصب فيه بول الجنين، وغشاء يجمع الرطوبة التي ترشح من الجنين" (١).
ولتحليل هذا الرأي في ضوء علم الأجنة، من خلال قول ابن الجوزي: "أول الأحوال الحادثة في المني أن يكون له زبد ثم يوجد النفخ مندفعًا إلى وسط الرطوبة، إعدادًا لمكان القلب، ثم تتميز الأعضاء ويتنحى بعضها عن مماسة بعض".
يغلب على عبارة ابن الجوزي البعد عن الدقة العلمية في لفظة يوجد النفخ، لأن المني يكون له زبد أو رغوة، ويكون مندفعًا ليس له نفخ، وفي ذلك يقول د. محمد البار: "فالحيوان المنوي صغير الحجم يشبه القذيفة الصاروخية، وله رأس مصفح مدبب، وله ذيل طويل
стр. 194
يساعده على السباحة في بحر المني .. وهو سريع الحركة، قوي الشكيمة، شديد البأس، وهو ينطلق عبر المفاوز والمخاطر غير هياب ولا وجل، حتى يصل إلى بغيته ومقصده أو يموت" (١). فإذا وصل إلى بغيته ومقصده وهو الوصول إلى بويضة المرأة والاتحاد معها، وبذلك يتم التلقيح "تنقسم البويضة الملقحة إلى خليتين، والخليتان إلى أربع، وهكذا حتى تصبح مثل التوتة في خلال (٧٢) ساعة منذ بداية التلقيح وتسمى مرحلة الانقسام هذه مرحلة الانشقاق فإذا وصلت إلى مرحلة التوتة، كبرت الكرة قليلًا وصار ما بداخلها مجوفًا وبه سائل رقيق، وعندئذ تعرف باسم الكرة الجرثومية" (٢).
أما قول ابن الجوزي: "ويحيط بالجنين ثلاثة أغشيةٍ: غشاء تُنسج فيه العروق، وغشاء ينصب فيه بول الجنين، وغشاء مجمع الرطوبة التي ترشح من الجنين". فقد أكد ذلك علم الأجنة الحديث، فقال في ذلك د. محمد البار: "وإذا دققنا النظر في الأغشية المحيطة بالجنين وجدناها ثلاثة:
١ - غشاء السلي أو الأمنيون: ويحيط بالجنين مباشرة.
٢ - غشاء الكوريون. (الغشاء المشيمي).
٣ - غشاء الساقط" (٣).
وقد بين ابن الجوزي وظيفة كل غشاء وفائدته للجنين، فقال: "غشاء تنسج فيه العروق"، ويوافقه حسب علم الأجنة من حيث الوظيفة غشاء الكوريون (الغشاء المشيمي)، وهذا الغشاء يحيط بالجنين، "ويتوسط بين غشاء الساقط من الخارج والغشاء الأمنيوسي من الداخل، ويتركب هذا الغشاء من ورقتين هما:
стр. 195
١ - خارجية: وبها زغابات وخملات كثيرة تنتقل بواسطتها الأغذية والأوكسجين من الأم إلى الجنين كما ينتقل غاز ثاني أكسيد الكربون والبولينا من الجنين إلى دم الأم.
٢ - داخلية: تغطي كيس المح أو الصفار وتشمل فيما تشمل مبدأ ظهور الأوعية الجنينية الخارجية" (١).
ولا تقتصر وظيفة هذا الغشاء على امتصاص الغذاء من البرك الدموية المحيطة بالجنين، بل "تنتقل المضادات للأجسام الغريبة من الأم إلى الجنين، لتكون للجنين جهاز مناعته، وفي الوقت نفسه تمنع عنه انتقال السموم والميكروبات" (٢).
أما بالنسبة للغشاءين الثاني والثالث، اللذين ذكرهما ابن الجوزي، فلم يكن دقيقًا في تحديد وظيفة كل منهما، وذكر الوظائف نفسها، وإن كان أكثر تحديدًا ودقة في قوله: "وغشاء ينصب فيه بول الجنين"، وهذا ما أثبته علم الأجنة في غشاء السلي أو الأمنيون الذي يحيط بالجنين مباشرةً فينصب فيه بول الجنين، الذي يتغذى منه، لأن من فوائد السائل الأمنيوني أنه "يحتوي على مواد زلالية وسكرية وأملاح غير عضوية، يمتصها الجنين مما يساعد على تغذيته ونموه" (٣).
ومع بداية التلقيح وحدوث الحمل، يمر الإنسان بأطوار ومراحل متعددةٍ:
١ - مرحلة النطفة.
٢ - مرحلة العلقة.
٣ - مرحلة المضغة.
٤ - مرحلة العظام.
٥ - مرحلة اللحم الذي يكسو العظام.
стр. 196
٦ - مرحلة الخلق الآخر ويتضمن التصوير، والتسوية، ونفخ الروح.
وهذه المراحل مستمدة من قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١).
وقد فسر ابن الجوزي هذه الآيات الخاصة بمراحل نمو الإنسان بقوله: معنى "قوله تعالى: ثم جعلناه: يعني: ابن آدم.
نطفة في قرار: وهو الرحم.
مكين: أي: حريز، قد هُيئ لاستقراره فيه" (٢).
ثم جاء تفسيره لمراحل التخليق على الوجه الآتي:
١ - النطفة
قال ابن الجوزي في تفسيرها: "فأما النطفة فهي المني" (٣). وقد وردت في القرآن الكريم بأسماء عدة منها: الماء المهين، والماء الدافق، والمني.
وقد وضح معناها د. محمد علي البار بقوله: "ويطلق لفظ المني على الإفرازات التناسلية للرجل، والتي تفرزها الخصية والبروستات والحويصلة المنوية .. والمني مكون من شقين:
الأول: هو الحيوانات المنوية التي تتكون في القنوات المنوية في الخصية، وهي ذاتها المسماة بالنطفة.
والثاني: هو السائل المنوي الذي يحمل هذه الحيوانات ويغذيها والتي تسبح فيه حتى تصل إلى الرحم" (٤).
стр. 197
٢ - العلقة
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ (١) قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ (٢).
والعلقة في علم الأجنة الحديث هي: "المرحلة التي تعلق فيها الكرة الجرثومية بجدار الرحم، وتنتهي بظهور الكتل البدنية، إذ تدلف حينئذ إلى مرحلة المضغة" (٣).
وقد فسر ابن الجوزي معناها بقوله: "والعلقة: دم عبيط. جامد. وقيل: سميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر به، فإذا جفت فليست علقة" (٤).
ولتوضيح رأي ابن الجوزي في معنى العلقة وأنها دم عبيط، فقد وافقه المفسرون القدامى على المعنى نفسه، أما الأطباء المحدثون فقد خالفوه، لأن العلقة ليست دمًا جامدًا، بل هي "المرحلة التي تعلق فيها النطفة الأمشاج (التوتة) بجدار الرحم وتنشب فيه" (٥).
أما قوله: "وسميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر به .. "فقد اتفق معه جميع العلماء والأطباء على أن: "لفظ العلقة يطلق أساسًا على كل ما ينشب ويعلق .. وكذلك تفعل العلقة إذ تنشب وتعلق في جدار الرحم وتنغرز فيه. ." (٦).
وكذلك قال د. دياب ود. قرقوز: "وتعلق الكتلة الخلوية علوقًا وليس التصاقًا، بواسطة تلك الاستطالات التي غرستها في مخاطية الرحم" (٧).
стр. 198
وسبب تفسير ابن الجوزي العلقة بالدم الجامد، لأن "حجم العلقة عند انغرازها لا يزيد على ربع مليمتر" (١) لا تكاد ترى بالعين المجردة، وإمكانيات علمائنا في ذلك الوقت لا تسمح برؤيتها بالمجهر لذلك بعدوا عن الصواب في وصفها.
٣ - المضغة
بين معناها د. محمد علي البار بقوله: "هي مرحلة في علم الأجنة يشبه الجنين فيها في مظهره لقمة ممضوغة، ولكأنما تظهر فيه آثار الأسنان مغروزة" (٢) وقد فسر ابن الجوزي معناها بقوله: "والمغضة: لحمة صغيرة. قال ابن قتيبة: وسميت بذلك، لأنها بقدر ما يمضغ" (٣).
وقد جاء في علم الأجنة، أن هذه المرحلة تعتبر بداية التكوين العضوي، الذي تتميز فيه الأعضاء على شكل كتل بدنية صغيرة، ولاسيما في منطقة الرأس والجذع، وبداية الفقرات والأطراف "وعندما تظهر الكتل البدنية، يبدو الجنين فعلًا مضغة صغيرةً، ويشبه شيئًا ممضوغًا عليه آثار الأسنان" (٤).
٤ - العظام:
٥ - اللحم:
لم يفسر ابن الجوزي مرحلة العظام واللحم كما فعل في المراحل الثلاث السابقة التي طرأت على الجنين، وربما لم يوضح هاتين المرحلتين بسبب تداخلهما، ولأنه كما ثبت من خلال الأبحاث العلمية "أن العظام تبدأ في الظهور في الوقت الذي لا زال الوصف الغالب على الجنين هو المضغة، وتظهر العضلات والعظام لا زالت لم تكتمل بعد، ويظهر الجلد
стр. 199
ولم يكتمل نمو العضلات" (١). بالإضافة إلى أن "الكتب الطبية لا تميز مرحلة المضغة والعظام واللحم، وتكتفي بتصنيف يعتمد على الأسابيع والأيام، ويقسم النمو الجنيني إلى مرحلتين: مرحلة الجنين، ومرحلة الحميل، ولكننا عندما نتابع في ضوء علم الأجنة الترتيب الذي تحصل به التغيرات خلال الأسبوع الرابع، نجد اتفاقًا مع الترتيب القرآني" (٢).
ومعلومات ابن الجوزي في علم الأجنة -كما سبق أن ذكرنا- تستند إلى فهمه لتفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ولم تخضع معلوماته للتجربة العلمية التي وضحت بعض التفصيلات الدقيقة جدًا من خلال مشاهداتها المتعددة. وهذا لا يعني أن القرآن لم يذكرها، بل ذكرها، وإنما حدود تفسيرهم للآية القرآنية، يقف على المعنى الظاهري لها، ولا تظهر التفصيلات الدقيقة إلا من خلال المشاهدات المعملية المتكررة، التي تؤكد ما جاء في الآية من إعجاز علمي سابق، قد يذهب بالمفسر إلى الخطأ غير المقصود. وهذا البروفسور جيليت الذي لم يقرأ قول الله تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ (٣)، ولكنه من خلال تجاربه العلمية أكد ما جاء فيها فقال: "إنه فى الشهر الثالث تبدأ الأظافر، ونقط تكوين العظام ثم تكسى العظام باللحم" (٤).
وقد وضح د. محمد علي البار هذه المرحلة بقوله: "ففي مرحلة العلقة يظهر الحبل الظهري وهو المحور الهيكلي، ويعرف بالعضو سابق العمود الفقري؛ إذ إنه يسبق ظهور العمود الفقري ويمر بثلاثة أطوار:
أولها: حبل متصل وسط النسيج الغضروفي.
وثانيها: يتخذ شكل المسبحة.
والدور الثالث: الضمور والاختفاء.
فالمرحلة الأُولى تعرف بالمرحلة الغشائية (النسيج سابق العظام)،
стр. 200
وتظهر في الأسبوع الخامس والسادس الرحمي، ثم تليها المرحلة الغضروفية، وتبدأ في أواخر الأسبوع السادس، ثم تظهر في الأسبوع السابع الرحمي (بداية المضغة) مراكز تمعظم في جسم الفقرات الغضروفية، وفي الأسبوع الثامن تظهر مراكز تمعظم في أقواس الفقرات، وتبدأ الأضلاع عندئذ في الظهور، ثم تتكون العضلات حول العظام وتكسوها باللحم كما ذكرته الآية الكريمة" (١).
وقال الرسول ﷺ : "إذا مرَّ بالنطفةِ ثنتان وأربعون ليلةً، بعثَ الله إليها ملكًا. فصورها وخلقَ سمعَها وبصرَها وجلدَها ولحمَها وعظامَها" (٢).
وهكذا تثبت الآية الكريمة والحديث النبوي الشريف مرحلة العظام واللحم.
٦ - مرحلة "خلق آخر": ويتضمن التصوير والتسوية ونفخ الروح:
من المعلوم أنه في هذه المرحلة تتم المراحل النهائية من نمو الجنين بصفةٍ عامةٍ على المستوى الجسمي، فتتميز الأعضاء مثل بصمات الجنين وأظافره، كما يستقر عمل القلب، وينمو الجهاز العصبي، كذلك تتضح خصائص الأنوثة أو الذكورة (٣).
وقد قال ابن الجوزي بشأن هذه المرحلة -في تفسير قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (٤)، "وفي محل هذا الإنشاء قولان أحدهما: أنه في بطن الأم. ثم في صفة الإنشاء قولان أحدهما: أنه نفخ الروح فيه، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال أبو العالية، والشعبي، ومجاهد وعكرمة والضحاك وآخرين. والثاني: أنه جعله ذكرًا أو أنثى. قاله الحسن.
стр. 201
والقول الثاني: أنه بعد خروجه من بطن أمه" (١).
ففي معنى "خلقًا آخر" أي خلقًا متميزًا عن الخلائق من الصورة الظاهرة والبناء الروحي والعقلي، نجد قيمة تربوية من حيث إنه رد على نظرية التطور.
ويتضح لنا من تفسير ابن الجوزي أنه قسم هذه المرحلة مرحلتين:
١ - أثناء وجوده في بطن أمه، ولها جانبان:
أ - الجانب الأول: نفخ الروح.
ب - الجانب الثاني: جعله ذكرًا أو أنثى.
وهذا الجانب -وهو مرحلة الخلق الآخر الذي يتضمن التصوير والتسوية ونفخ الروح- هو الذي يبرز الصورة المتميزة لخلق الإنسان والقدرات المميزة له عن باقي المخلوقات، تلك الصورة التي خلقه الله عليها ليكون عبدًا مستخلفًا لله ، يقوم بواجب العبودية له كما أمره، وهذا الجانب لم يتعرض له ابن الجوزي، رغم أهميته التربوية، عند إعداد الإنسان لمهمة الاستخلاف.
٢ - بعد خروجه من بطن أمه. سنناقش هذه المرحلة في الفصول القادمة.
وقد أكد الباحث توفيق محمد عز الدين هذين الجانبين "أثناء وجوده في بطن أمه" فقال: "والتغيرات الجديدة التي تحصل في هذه المرحلة، لها جانبان:
الجانب الأول: يراقبه العلم التجريبي بوسائله، وهو التميز الذي يظهر به الجنين، وقد اكتسب صفاته الإنسانية، وظهرت ذكورته أو أنوثته، وبدأ يتحرك.
الجانب الثاني: جاء به الوحي، وهو نفخ الروح فيه" (٢).
стр. 202
وقد استشهد ابن الجوزي بحديثين للرسول ﷺ قال فيهما: "إذا مرَّ بالنطفةِ ثنتان وأربعون ليلةً، بعث الله إليها ملكًا. فصَورها وخلقَ سمعَها وبصرَها وجلدَها ولحَمها وعظامَها. ثم قال: يا رب! أذكرٌ أم أنثى. فيقضي ربُك ما شاء. ويكتبُ الملك. ثم يقول: يا رب! أجلُه فيقول ربُك ما شاء. ويكتبُ الملكُ. ثم يقول: يا رب! رزقُه. فيقضي ربُك ما شاء. ويكتبُ الملك، ثم يخرجُ الملكُ بالصحيفةِ في يدهِ. فلا يزيدُ على ما أُمر ولا ينقص" (١). وقوله ﷺ في نفخ الروح: "إن أحدَكم يجمع خلقُه في بطنِ أمه أربعين يومًا نطفةً، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكونُ في ذلك مضغةً مثل ذلك، ثم يُرسل الملكُ فينفخُ فيه الروحَ. ويؤمرُ بأربع كلماتِ: بكتب رزقهِ، وأجلهِ، وعملهِ، وشقي أو سعيدُ. فوالذي لا إلهَ غيرهُ إن أحَدكَم ليعملُ بعمل أهل الجنةِ حتى ما يكونُ بينه وبينها إلا ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب. فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار. حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع. فيسبق عليه الكتاب فيعملُ بعملِ أهلِ الجنةِ فيدخلَها" (٢).
وقد ناقش د. شرف القضاة مسألة نفخ الروح في الجنين مستدلًا بالحديثين نفسهما اللذين استشهد بهما ابن الجوزي وبغيرهما من خلال:
١ - ترجيح أحاديث الروح ومحاولة التوفيق بينها ثم ربطها بالطب فقال: "لاحظ العلماء وجود تعارض بين حديث ابن مسعود كما رواه البخاري وغيره (الحديث الثاني الذي استشهد به ابن الجوزي)، وبين الحديث ذاته كما رواه مسلم، وروايات حديث حذيفة وحديث جابر. (الحديث الأول الذي استشهد به ابن الجوزي هو حديث حذيفة).
فظاهر الحديث الثاني يبين أن نفخ الروح وكتابة قدر الإنسان يكون بعد الأربعين الثالثة، أي في بداية الشهر الخامس، في حين أن الأحاديث
стр. 203
الأُخرى كلها تبين أن ذلك يكون بعد الأربعين الأُولى، أي في حوالى منتصف الشهر الثاني تقريبًا، وهذا ما يسميه علماء الحديث (مختلف الحديث).
ويقرر علماء الحديث في مثل هذه الحالة أنه لابد من محاولة التوفيق بين الأحاديث المختلفة أولًا ثم الترجيح، فإن لم يمكن ذلك لجأنا إلى الترجيح بين هذه الأحاديث، فيؤخذ الراجح ويترك المرجوح" (١).
وبعد مناقشة ما ورد من أقوال العلماء في ذلك ثم ربطها بالطب الحديث، نجد حقائق تؤكد الآتي:
١ - "أن مرحلة النطفة والعلقة والمضغة والعظام والعضلات كلها تكون في الأربعين الأولى، أو بعدها بأيام قليلة.
٢ - كما أنه لا شك علميًا بأن الجنين يتحرك حركات إرادية في الشهر الثالث، بل في نهاية الشهر الثاني.
ولعل ما سبق يرجح القول بأن نفخ الروح يتم بعد بدء مرحلة اللحم (العضلات) وهو رأي كثير من المفسرين، لا بعد مرحلة المضغة وقبل مرحلة العظام واللحم، كما يذكر آخرون، لأن مرحلة المضغة هي الأسبوع الرابع، وهذه الفترة لا روح في الجنين فيها باتفاق، أما مرحلة العضلات فهي في الأربعينات وهذا يوافق روايات حذيفة وجابر وإحدى روايتي ابن مسعود" (٢).
أما تحديد يوم نفخ الروح بشكل دقيق فلم يثبت، أما من حيث الأحاديث النبوية، فقد وفق د. شرف القضاة بين الأحاديث ووصل إلى أن "الروح تنفخ في الجنين بعد الليلة الثانية والأربعين من استقرار النطفة في الرحم، لا من لحظة التلقيح للبويضة، أي من بداية مرحلة العلقة لا من بداية مرحلة النطفة، لأن النطفة لا تستقر إلا في اليوم السابع تقريبًا عندما تتعلق بجدار الرحم، وعلى هذا فيكون نفخ الروح بعد الليلة
стр. 204
التاسعة والأربعين أي في بداية الأسبوع الثامن، وهذا الرأي الذي أراه راجحًا، لأنه وفق بين الروايات ولا يهمل شيئًا منها" (١).
ولمزيد من التفصيل يمكن الرجوع إلى الكتب المذكورة في الهامش (٢).
وبعد تحديد نوع الجنين من قبل الله تعالى ﷻ ونفخ الروح فيه، يكون قد استكمل مكوناته وصفاته الإنسانية، ويستمر في النمو حتى يأذن الله تعالى بخروجه إلى الدنيا.
والذي يبدو -مما سبق- أن ابن الجوزي -في حدود ما أطلعت عليه- ركز على مراحل تكوين الجنين، وأغفل التوجيهات والإرشادات التربوية الإسلامية للمرأة الحامل، من جميع جوانبها النفسية والصحية والخلقية والاجتماعية، حتى تنجب ذرية صالحة سليمة قوية، تستطيع القيام بعمارة الأرض، لأن هذه الأمور تؤثر تأثيرًا كبيرًا في نمو الجنين وهو في بطن أمه.
ثانيًا: رأي ابن الجوزي في مرحلة الطفولة المبكرة
قال ابن الجوزي: "الموسم الأول: من وقت الولادة إلى زمن البلوغ" (٣). ويقابل هذا الموسم في علم نفس النمو مرحلة الطفولة، وهي مقسمة كالتالي:
١ - مرحلة المهد: من الميلاد حتى أسبوعين.
مرحلة الرضاعة: من أسبوعين إلى عامين.
стр. 205
٢ - مرحلة الطفولة المبكرة: من (٢ - ٦ سنوات) (مرحلة ما قبل المدرسة + الحضانة).
٣ - مرحلة الطفولة الوسطى (٦ - ٩ سنوات) المرحلة الابتدائية: الصفوف الثلاثة الأُولى.
٤ - مرحلة الطفولة المتأخرة (٩ - ١٢ سنة) المرحلة الابتدائية: الصفوف الثلاثة الأخيرة" (١).
يتضح من تقسيم ابن الجوزي للمراحل (المواسم)، أنه توزيع عام يتفق مع التقسيم الحديث، ولكنه ليس بتقسيم مفصَّل مثل التقسيم الحديث، الذي يعتبر أكثر تفصيلًا في جزئياته.
وقد اهتم ابن الجوزي بمرحلة الطفولة اهتمامًا كبيرًا من جميع الجوانب العقلية والخلقية والاجتماعية والسلوكية، وسنوضح هذا الاهتمام في الآتي:
أ- أهمية مرحلة الطفولة في نظر ابن الجوزي:
تعتبر مرحلة الطفولة المبكرة من المراحل الأساسية في بناء وتشكيل شخصية الطفل الخلقية، والنفسية، والعقلية، والاجتماعية، وعليها تعتمد المراحل القادمة، وذلك لأن الطفل في هذه المرحلة يقبل كل ما يقال له من دون مناقشة أو جدال، لأن الأطفال يرون أن كل ما يقوله الكبار صحيح وصادق حتى لو كذب عليهم الكبار، لذلك تستغل هذه المرحلة في تلقين الاْطفال أكبر قدر ممكن من مبادئ العقيدة والقيم والآداب والسلوكيات الصالحة. أما بعد ذلك من المراحل، فالأطفال الكبار يحتاجون إلى مناقشتهم وإقناعهم بما يُلقى عليهم، لذلك تحتاج التربية إلى جهد أكبر ووقت أطول، من هنا قال ابن الجوزي: "أقوم التقويم ما كان في الصغر، فأما إذا تُرِك الولد، وطبعَه فنشأ عليه ومرن، كان رده صعبًا" (٢).
стр. 206
وهذا ما يؤكده العلماء اليوم، يقول د. محمد محمود محمد: "وتعتمد العادات في تكونها على الأساليب التربوية التي تتبع مع الطفل في نشأته الأُولى، حيث يسهل تكوين العادات لمرونة الجهاز العصبي طبقًا للمثل القائل بأن التعليم في الصغر كالنقش في الحجر" (١). لذلك أوصى ابن الجوزي المربين ألا يهملوا تأديب الطفل وتربيته في الصغر، حتى لو شكا ثقل التأديب عليه، فاستشهد بقول الشاعر:
"لا تسهُ عن أدب الصغير ... ولو شكا ألَم التعب" (٢)
وتتميز هذه المرحلة باستعداد الطفل لتقبل كل ما يلقى إليه من قيم وسلوكيات وآداب ومعارف، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فإن قلبه فارغ يقبل ما يلقى إليه" (٣)، وقد حدد العمر الزمني المناسب للتعلم بخمس سنين، فقال: "وإذا جاوز الصبي خمس سنين بان فهمه وحسن اختياره لنفسه" (٤). وليس معنى هذا أن الطفل بعد هذه المرحلة لا يستطيع التعلم، بل يستطيع ولكن بدرجةٍ أصعب ووقت أطول وجهد أكثر، "لأن الكبار لا يسلكون سلوكًا معينًا بناءً على المحاكاة والتقليد غالبًا. إنما يسلكون هذا السلوك ويطبقون المبادئ الخلقية بناء على الاقتناع النظري والعقلي" (٥).
وبما أن هذه المرحلة، مرحلة المرونة والقابلية للتعلم، فيجب على المربين أن يدركوا تمامًا خصائص هذه المرحلة من جميع جوانبها النفسية والعقلية والاجتماعية، وما يتميز به كل طفل عن الآخر، من حيث استعداداته وقدراته وميوله ورغباته، حتى يستطيع المربي أن يوجهه بطريقة سليمة، توظف قدراته وطاقاته في الاتجاه الصحيح. وفي ذلك يقول ابن
стр. 207
الجوزي: إعلم أن الطبيب ينظر إلى سن المعالج، ومكانه، وزمانه، ثم يصف، فكذلك ينبغي أن تكون رياضة كل شخص على قدر حاله" (١). وهذا الرأي المبني على معرفة الفروق الفردية ومراعاتها من الآراء الحكيمة والصائبة لابن الجوزي في المجال التعليمي والتربوي.
كما أكد ابن الجوزي ضرورة معرفة المربي بخصائص نمو الطفل، وذلك لأن "إهمال معرفة استعدادات الطفل المختلفة كثيرًا ما يؤدي، إلى عدم تكيفه لعملية التعلم، أو إلى الإضرار بصحته الجسمية والنفسية" (٢).
وقد أكد ابن الجوزي أهمية التنشئة الاجتماعية للطفل في هذه المرحلة. وما يتبعها من خلق وسلوك قويم يهذب النفس، فقال: "ثم المواظبة على الرياضة أصل عظيم في حق الصبيان، فإن ذلك يفيدهم أن يصير الخير عادة" (٣). وهذا مصداق لقول الرسول ﷺ : "الخير عادة والشر لجاجة، ومن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (٤).
ثم وضح ابن الجوزي أن تدريب الطفل على النظافة والطهارة، وعلى ممارسة الآداب والفضائل، لابد أن يتم قبل سن الخامسة، حتى تتمكن هذه الآداب والقيم في نفسه منذ نعومة أظفاره، وتصبح جزءًا من شخصيته، وفي هذا يقول: "فينبغي أن يعوِّده النظافة والطهارة منذ الصغر، ويثقفه بالآداب، فإذا بلغ خمس سنين أخذه بحفظ العلم" (٥).
كذلك رأى ابن الجوزي، أنه لابد من المحافظة على شخصية الطفل من التميع أو الذوبان، فرأى أن تتميز شخصية الولد عن البنت في
стр. 208
اللباس، حتى يشب على الرجولة ويكره الميوعة، فقال: "وليلبسه الثياب البيض، فإن طلب (الولد) الملون، قال له: تلك ملابس النساء والمخانيث" (١) وقد استقى ابن الجوزي رأيه في لون لباس الطفل من قول الرسول ﷺ : "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، وإن خير أكحالكم الأثمد يجلو البصر، وينبت الشعر" (٢).
إن الطفل بحاجة إلى تعلم واكتساب الكثير من الآداب والأخلاقيات، التي يستطيع أن يتعامل بها مع غيره من الأفراد , بعضها متعلق بكيانه النفسي والجسمي لإكسابه القدرة والتحمل لمواجهة مصاعب الحياة، وبعضها الآخر لتهذيب سلوكه والارتقاء بخلقه.
فأما ما يتعلق بكيانه النفسي والجسمي، فقال فيه ابن الجوزي: "ويمنع من كثرة الأكل والنوم، ويعوّد الخشونة في المطعم والمفرش، فإنه أصح لبدنه، ويعالج بالرياضات الجسمانية كالمشي" (٣). وذلك حتى يضمن ابن الجوزي للطفل حياةً معيشية، متعددة الأنماط ما بين رغد العيش، وشظف الحياة وقسوتها، فيستطيع الطفل مواجهة الصعوبات التي تعترضه في حاضر أيامه ومستقبله، والتغلب عليها بما عُود عليه.
أما ما يتعلق بتهذيب خلق الطفل، فقد رأى ابن الجوزي: "أن يحبب إليه الحياء والسخاء" (٤) لأنهما من الصفات الخلقية التي يحبها الله ورسوله ﷺ ، لما تضمنه من الخير الكثير. لقوله ﷺ : "الحياءُ خيرٌ كلُه" (٥)، كما يحذر الأطفال من الأخلاق السيئة، وعلى رأسها الكذب، الذي يؤدي بصاحبه "إلى ارتكاب المعاصي، قال رسولنا الكريم ﷺ :"إن
стр. 209
الصدقَ يهدي إلى البرِ، وإن البِر بهدي إلى الجنة، وإن الرجلَ ليصدقُ حتى يكون صديقًا. وإن الكذبَ يهدي إلى الفجورِ، وإن الفجورَ يهدي إلى النارِ، وإن الرجلَ ليكذبُ حتى يكتبَ عند الله كذابًا" (١).
كما أوصى ابن الجوزي أن يحث الأطفال على بر الوالدين، لما لهما من الفضل عليهم. ولحديث رسولنا الكريم ﷺ عندما جاءه رجل وسأله: من أحقُ بحسنِ صحابتي؟ قال: أمُك. قال: ثم من؟ قال: أمُك. قال: ثم من؟ قال أمُك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك" (٢).
وفي هذا يقول ابن الجوزي: "وليُحذر الصبي من الكذب غاية التحذير، ومن المخالطة للصبيان المعوجين. وليوصه بزيادة البر للوالدَين" (٣).
كذلك أوصى ابن الجوزي أن يؤدَّب الطفل بالآداب الاجتماعية، التي تهذب سلوكه فقال: "يؤدب بالنهي عن استدبار الناس، والامتخاط بينهم والتثاؤب" (٤).
إلى غير ذلك من الآداب الاجتماعية والمعايير السلوكية، التي تُغرس في نفس الطفل فتكون كما قال ابن الجوزي: "فإذا ترعرع كان الأدب شعاره من غير تعلم والحياء لباسه من غير ترهيب" (٥).
ب- وسائط التربية عند ابن الجوزي:
حتى يجد الطفل البيئة التربوية والاجتماعية الصالحة، التي تغرس فيه القيم والسلوكيات الفاضلة، وتقيه من السلوكيات السيئة، وتوجهه
стр. 210
بطريقةٍ صحيحةٍ لابد من وجود عدد من المؤسسات أو الوسائط التي تقوم بهذا الدور الهام في حياة الطفل. ومن خلال آراء ابن الجوزي التربوية -لاحظت الباحثة- أن ابن الجوزي ركز على الدور التربوي للأسرة والصحبة، وأهمل دور المؤسسات التربوية الأُخرى كالمسجد والمدرسة ووسائل الإعلام .. وغيرها، في هذه المرحلة وفي المراحل الأُخرى.
لذلك ستذكر الباحثة آراء ابن الجوزي التربوية في البيئة الأسرية التي قصرها على الوالدين والصحبة، وأغفل تأثير الإخوة والأقارب في غرس القيم والآداب في نفس الطفل.
١ - الأسرة:
أدرك ابن الجوزي الدور التربوي والتوجيهى للآباء، وأثره في تشكيل شخصية الطفل، والحفاظ على فطرته السليمة من المؤثرات الخارجية فيه. فقال: "إن هذا الموسم يتعلق معظمه بالوالدين فهما يربيان ولدهما ويعلمانه ويحملانه على مصالحه، فلا ينبغى أن يفترا عن تأديبه وتعليمه، فإن التعليم في الصغر كالنقش في الحجر" (١).
وقد استمد ابن الجوزي قوله من حديث رسولنا ﷺ -وإن لم يستشهد به- حيث قال: "أَلا كلُكم راع، وكُلكم مسؤول عن رعيته؛ فالأمير الذي على الناسِ راع، وهو مسؤول عن رعيتهِ. والرجلُ راع على أهلِ بيته وهو مسؤول عنهم. والمرأةُ راعية على بيتِ بعلِها وولدِه، وهي مسؤولة عنهم. والعبدُ راع على مالِ سيدهِ، وهو مسؤول عنه. ألا فكلكم راعِ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيتِه" (٢).
وقد اعتبر ابن الجوزي اهتمام الوالد بتربية ولده أمانة يُسأل عنها يوم القيامة، فقال: "وليعلم الوالد أن الولد أمانة في عنقه" (٣). وقد
стр. 211
اشتق هذا المعنى أيضًا من قول الرسول ﷺ : "إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه، أَحفِظَ ذلك أم ضيعه؟ حتى يُسأل الرجل عن أهلَ بيته" (١)، وقد حدد ابن الجوزي دور الأب في ثلاثة أمور هي: التربية والتعليم، وتحمل المسؤولية، وذلك في قوله: "يربيان ولدهما ويعلمانه ويحملانه على مصالحه" (٢). وقد استقى ابن الجوزي دور الأب مما قررته الشريعة الإسلامية، وإن لم يصرح بذلك، وذكرها الشيخ محمد أبو زهرة بقوله: "يولد الطفل فتثبت عليه ثلاث ولايات:
١ - ولاية التربية الأُولى: وهي في الفترة التي لا يستطيع أن يقوم فيها بحاجاته بنفسه وهي الحضانة.
٢ - والولاية الثانية: ولاية الحفظ والصيانة والتعليم. وهي الولاية على النفس.
٣ - والولاية الثالثة: تدبير شؤون ماله إذا كان له مال. وهذه تسمى الولاية على المال" (٣).
كما نبه ابن الجوزي الوالد عند معاملته لابنه أن يجمع بين الحزم والحنان، حتى يجني ثمرة التهذيب والتوجيه والإصلاح، فقال: "ينبغي أن تكتم بعض حبك للولد، لأنه يتسلط عليك، ويضيع مالك، ويبالغ في الإدلال، ويمتنع عن التعلم والتأدب" (٤). وذلك لأن الإفراط في الدلال وإظهار مشاعر الحب للطفل "يؤدي إلى تكوين الغرور والثقة الزائدة بالنفس والعصيان وعدم احترام السلطة عند الأطفال، فإذا ما ظهرت هذه الميول ظهورًا فعليًا في سلوك الأطفال، فإنها تؤدي إلى سوء التكيف الشخصي والاجتماعي، ويصبح الطفل نتيجة لهذا في حالة من التوتر الانفعالي تتميز بعدم الأمان والكفاية" (٥) , لذلك ينبغي
стр. 212
الاعتدال في هذه الأمور.
ولا يقتصر دور الأب على الرعاية والتوجيه، بل لابدَّ من المتابعة المستمرة، وبذل أقصى جهد في الاهتمام، مع استخدام جميع الوسائل التربوية والتهذيبية المناسبة لغرس القيم والآداب، واقتلاع الصفات السيئة إذا انحرف، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فمن رزق ولدًا فليجتهد معه، والتوفيق من وراء ذلك" (١).
٢ - الوسط الاجتماعي وأهمية الصحبة:
من المعروف أن الطفل مخلوق اجتماعي، يميل بفطرته إلى صحبة من في سنه، ومن خلال هذا الاجتماع والاحتكاك المباشر بهم، يؤثر ويتأثر ويتعلم العادات الاجتماعية، والآداب السلوكية واللغة وطريقة التفكير .. وكل ما له علاقة بتعامله مع الآخرين. وفي هذا يقول ابن الجوزي: "وينبغي أن يعلم أن الطبع لص، فإذا ترك مع أهل هذا الزمان سرق من طبائعهم فصار مثلهم" (٢).
وقد أدرك ابن الجوزي ما للصحبة من التأثير السلبي، أو الإيجابي في الآخرين، فحذر بقوله: "فيجنبه قرناء السوء من الصغر، ولا يعوده إياهم" (٣) وقوله: "وليُحَذر من مصاحبته للجهال والسفهاء، فإن الطبع لص" (٤). حتى لا يتأثر بهم، فتفسد أخلاقه.
وقد حث ابن الجوزي على مصاحبة ذوي الدين والخلق، حتى يقتدي بهم في سلوكهم وخلقهم وعلمهم، فيصبح من أصحاب الهمم العالية، والنفوس الأبية، والأخلاق الفاضلة، فقال: "وليحمل على صحبة الأشراف والعلماء" (٥) وقال في ذلك: "وليكن جلساؤك الكتب
стр. 213
وانظر فى سير السلف، وتلمح سير الكاملين في العلم والعمل ولا تقنع بالدون" (١).
وقد بنى ابن الجوزي آراءه في الصحبة على قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (٢). وقول الرسول ﷺ "مثلُ الجليسِ الصالح والسوءِ كحامل المسكِ، ونافخ الكير، فحاملُ المسكِ إما أن يحذيكَ، وإمَا أن تبتاعَ منه، وإما أن تجدَ منه ريَحًا طيبة. ونافخُ الكير إما أن يحرقَ ثيابكَ، وإما أن تجدَ ريحًا خبيثة" (٣).
وهكذا لا تخرج آراء ابن الجوزي عن المنهج التربوي الإسلامي، ولكنها لا تشمل جميع الجوانب التربوية والنفسية والصحيةَ والخلقية والاجتماعية.
جـ - أساليب التربية الإسلامية في نظر ابن الجوزي:
لم يفت ابن الجوزي أن يذكر عددًا من الأساليب التهذيبية، والتقويمية، التي يحتاجها المربي لتعديل السلوك أو اقتلاعه أو غرسه، لأنه أدرك أن الأساليب التربوية المتنوعة "هي أداتنا الوحيدة لتحقيق ما نؤمن به من الأهداف، لذلك ينبغي العناية الكاملة بها، والتدقيق في بحثها واختيارها، إذ الوسيلة الفاسدة تضيع الهدف الصالح وتحيد عن الطريق" (٤). وحتى تؤدي هذه الأساليب دورها في غرس القيم الصالحة، واقتلاع السلوكيات الفاسدة، لابد أن تتناسب وفطرة الإنسان التي فطره الله عليها، وقبل أن يبين ابن الجوزي الأساليب التربوية، بين طبيعة النفس البشرية كما خلقها الله تعالى، وأهمية اختيار الوسيلة المناسبة لتقويم هذه الطبيعة، فقال: "إن الطباع لمَّا خُلقت مائلة إلى حب
стр. 214
الشهوات المردية والبطالة المؤذية افتقرت إلى مقوم، ومثقف ومحذر يرد، فهي في ضرب المثل كالماء يجري بطبعه، فإذا رد بسكر (١) وقف عن جريانه، ثم أخذ يعمل في فتح طريق.
فكما ينبغي أن يتعاهد ذلك السكر بالإحكام، فكذلك ينبغي أن تتعاهد الطباع بالزواجر ولا ينبغي أن يطول أمد التعاهد، فإن عمل الماء في باطن السكر دائم وإن خفي. وكذلك الطباع في ميلها إلى ما يؤذيها، ولهذا بُعث الأنبياء بالترغيب والترهيب، وأُنزلت عليهم الكتب للتثقيف والتأديب، فما زالوا مبشرين ومنذرين. ثم خلفهم العلماء. وقد كان العلماء كلهم يذكرون بفتاويهم وعلمهم" (٢).
وقد اقتضت حكمة الله تعالى المعالجة، لطبيعة النفس البشرية، أن تتعدد الأساليب التربوية في القرآن الكريم والسنة النبوية وتتنوع، حتى يتربَّى الإنسان من خلالها، ويعدِّل سلوكه، ويرتقي بنفسه، لأن "كل لون من هذه الألوان ينفذ إلى النفس من أحد منافذها، ويلعب على بعض أوتارها حتى يغادر الإنسان في النهاية، ولم يبق منفذ واحد لم ينفذ إليه، ولا وتر واحد لم يوقع عليه، ولا جانب ولا اتجاه" (٣).
وأهم الأساليب التربوية التي ذكرها ابن الجوزي هي:
أسلوب القدوة، أسلوب الكتابة والتأليف (الأسلوب المباشر)، أسلوب القصة، أسلوب الوعظ، أسلوب الترويح عن النفس، أسلوب ملء وقت الفراغ، وأسلوب الثواب والعقاب. وسأركز على الأساليب التربوية المتعلقة بتربية الأطفال، لارتباطها بموضوع هذا الفصل.
стр. 215
١ - أسلوب التربية بالقدوة:
يعتبر الرسول ﷺ هو القدوة الحقيقية للمسلمين، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١). وقال ابن الجوزي: "وأنفع العلوم النظر فى سيرة الرسول ﷺ وأصحابه" (٢) واقتبس هنا قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٣).
وبما أن النفوس البشرية جُبلت على حب الصالحين والاقتداء بهم، فقد بين ابن الجوزي التأثير الفعلي للقدوة في النفس، فقال: "لقيت مشايخ، أحوالهم مختلفة يتفاوتون في مقاديرهم في العلم. وكان أنفعهم لي في صحبته العامل منهم بعلمه، وإن كان غيره أعلم منه" (٤). وقوله أيضًا: "الاستدلال بالفعل أقوى من الاستدلال بالقول، فإن الطبيب إذا أمر بالحمية ثم خَلط لم يُلتفَت إلى قوله" (٥). وقد كان رسولنا الكريم ﷺ قدوة أصحابه فقد كانوا "يرونه -وهو بشر منهم- تتمثل فيه هذه الصفات كلها وهذه الطاقات فيصدقون هذه المبادئ الحية، لأنهم يرونها رأي العين ولا يقرأونها في كتاب! ويرونها في بشر، فتتحرك لها نفوسهم وتهفو لها مشاعرهم. ويحاولونَ أن يقبسوا قبسات من الرسول .. كل بقدر ما يطيق أن يقبس، وكل بقدر ما يحتمل كيانه الصعود. لا ييأسون ولا ينصرفون .. ولا يدعونه حلمًا مترفًا لذيذًا يطوف بالأفهام .. لأنهم يرونه واقعًا يتحرك في واقع الأرض. ويرونه سلوكًا عمليًا لا أماني في الخيال" (٦).
كذلك وضح ابن الجوزي أهمية القدوة في حياة المسلم، ودورها في المحافظة على سلوكه القويم أمام الآخرين، حتى يحصل التأثير