← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17901

آراء ابن الجوزي التربوية

ليلى عطار

Полный текст (608 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

اشتق هذا المعنى أيضًا من قول الرسول ﷺ : "إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه، أَحفِظَ ذلك أم ضيعه؟ حتى يُسأل الرجل عن أهلَ بيته" (١)، وقد حدد ابن الجوزي دور الأب في ثلاثة أمور هي: التربية والتعليم، وتحمل المسؤولية، وذلك في قوله: "يربيان ولدهما ويعلمانه ويحملانه على مصالحه" (٢). وقد استقى ابن الجوزي دور الأب مما قررته الشريعة الإسلامية، وإن لم يصرح بذلك، وذكرها الشيخ محمد أبو زهرة بقوله: "يولد الطفل فتثبت عليه ثلاث ولايات: ١ - ولاية التربية الأُولى: وهي في الفترة التي لا يستطيع أن يقوم فيها بحاجاته بنفسه وهي الحضانة. ٢ - والولاية الثانية: ولاية الحفظ والصيانة والتعليم. وهي الولاية على النفس. ٣ - والولاية الثالثة: تدبير شؤون ماله إذا كان له مال. وهذه تسمى الولاية على المال" (٣). كما نبه ابن الجوزي الوالد عند معاملته لابنه أن يجمع بين الحزم والحنان، حتى يجني ثمرة التهذيب والتوجيه والإصلاح، فقال: "ينبغي أن تكتم بعض حبك للولد، لأنه يتسلط عليك، ويضيع مالك، ويبالغ في الإدلال، ويمتنع عن التعلم والتأدب" (٤). وذلك لأن الإفراط في الدلال وإظهار مشاعر الحب للطفل "يؤدي إلى تكوين الغرور والثقة الزائدة بالنفس والعصيان وعدم احترام السلطة عند الأطفال، فإذا ما ظهرت هذه الميول ظهورًا فعليًا في سلوك الأطفال، فإنها تؤدي إلى سوء التكيف الشخصي والاجتماعي، ويصبح الطفل نتيجة لهذا في حالة من التوتر الانفعالي تتميز بعدم الأمان والكفاية" (٥) , لذلك ينبغي

стр. 212

الاعتدال في هذه الأمور. ولا يقتصر دور الأب على الرعاية والتوجيه، بل لابدَّ من المتابعة المستمرة، وبذل أقصى جهد في الاهتمام، مع استخدام جميع الوسائل التربوية والتهذيبية المناسبة لغرس القيم والآداب، واقتلاع الصفات السيئة إذا انحرف، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فمن رزق ولدًا فليجتهد معه، والتوفيق من وراء ذلك" (١). ٢ - الوسط الاجتماعي وأهمية الصحبة: من المعروف أن الطفل مخلوق اجتماعي، يميل بفطرته إلى صحبة من في سنه، ومن خلال هذا الاجتماع والاحتكاك المباشر بهم، يؤثر ويتأثر ويتعلم العادات الاجتماعية، والآداب السلوكية واللغة وطريقة التفكير .. وكل ما له علاقة بتعامله مع الآخرين. وفي هذا يقول ابن الجوزي: "وينبغي أن يعلم أن الطبع لص، فإذا ترك مع أهل هذا الزمان سرق من طبائعهم فصار مثلهم" (٢). وقد أدرك ابن الجوزي ما للصحبة من التأثير السلبي، أو الإيجابي في الآخرين، فحذر بقوله: "فيجنبه قرناء السوء من الصغر، ولا يعوده إياهم" (٣) وقوله: "وليُحَذر من مصاحبته للجهال والسفهاء، فإن الطبع لص" (٤). حتى لا يتأثر بهم، فتفسد أخلاقه. وقد حث ابن الجوزي على مصاحبة ذوي الدين والخلق، حتى يقتدي بهم في سلوكهم وخلقهم وعلمهم، فيصبح من أصحاب الهمم العالية، والنفوس الأبية، والأخلاق الفاضلة، فقال: "وليحمل على صحبة الأشراف والعلماء" (٥) وقال في ذلك: "وليكن جلساؤك الكتب

стр. 213

وانظر فى سير السلف، وتلمح سير الكاملين في العلم والعمل ولا تقنع بالدون" (١). وقد بنى ابن الجوزي آراءه في الصحبة على قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (٢). وقول الرسول ﷺ "مثلُ الجليسِ الصالح والسوءِ كحامل المسكِ، ونافخ الكير، فحاملُ المسكِ إما أن يحذيكَ، وإمَا أن تبتاعَ منه، وإما أن تجدَ منه ريَحًا طيبة. ونافخُ الكير إما أن يحرقَ ثيابكَ، وإما أن تجدَ ريحًا خبيثة" (٣). وهكذا لا تخرج آراء ابن الجوزي عن المنهج التربوي الإسلامي، ولكنها لا تشمل جميع الجوانب التربوية والنفسية والصحيةَ والخلقية والاجتماعية. جـ - أساليب التربية الإسلامية في نظر ابن الجوزي: لم يفت ابن الجوزي أن يذكر عددًا من الأساليب التهذيبية، والتقويمية، التي يحتاجها المربي لتعديل السلوك أو اقتلاعه أو غرسه، لأنه أدرك أن الأساليب التربوية المتنوعة "هي أداتنا الوحيدة لتحقيق ما نؤمن به من الأهداف، لذلك ينبغي العناية الكاملة بها، والتدقيق في بحثها واختيارها، إذ الوسيلة الفاسدة تضيع الهدف الصالح وتحيد عن الطريق" (٤). وحتى تؤدي هذه الأساليب دورها في غرس القيم الصالحة، واقتلاع السلوكيات الفاسدة، لابد أن تتناسب وفطرة الإنسان التي فطره الله عليها، وقبل أن يبين ابن الجوزي الأساليب التربوية، بين طبيعة النفس البشرية كما خلقها الله تعالى، وأهمية اختيار الوسيلة المناسبة لتقويم هذه الطبيعة، فقال: "إن الطباع لمَّا خُلقت مائلة إلى حب

стр. 214

الشهوات المردية والبطالة المؤذية افتقرت إلى مقوم، ومثقف ومحذر يرد، فهي في ضرب المثل كالماء يجري بطبعه، فإذا رد بسكر (١) وقف عن جريانه، ثم أخذ يعمل في فتح طريق. فكما ينبغي أن يتعاهد ذلك السكر بالإحكام، فكذلك ينبغي أن تتعاهد الطباع بالزواجر ولا ينبغي أن يطول أمد التعاهد، فإن عمل الماء في باطن السكر دائم وإن خفي. وكذلك الطباع في ميلها إلى ما يؤذيها، ولهذا بُعث الأنبياء بالترغيب والترهيب، وأُنزلت عليهم الكتب للتثقيف والتأديب، فما زالوا مبشرين ومنذرين. ثم خلفهم العلماء. وقد كان العلماء كلهم يذكرون بفتاويهم وعلمهم" (٢). وقد اقتضت حكمة الله تعالى المعالجة، لطبيعة النفس البشرية، أن تتعدد الأساليب التربوية في القرآن الكريم والسنة النبوية وتتنوع، حتى يتربَّى الإنسان من خلالها، ويعدِّل سلوكه، ويرتقي بنفسه، لأن "كل لون من هذه الألوان ينفذ إلى النفس من أحد منافذها، ويلعب على بعض أوتارها حتى يغادر الإنسان في النهاية، ولم يبق منفذ واحد لم ينفذ إليه، ولا وتر واحد لم يوقع عليه، ولا جانب ولا اتجاه" (٣). وأهم الأساليب التربوية التي ذكرها ابن الجوزي هي: أسلوب القدوة، أسلوب الكتابة والتأليف (الأسلوب المباشر)، أسلوب القصة، أسلوب الوعظ، أسلوب الترويح عن النفس، أسلوب ملء وقت الفراغ، وأسلوب الثواب والعقاب. وسأركز على الأساليب التربوية المتعلقة بتربية الأطفال، لارتباطها بموضوع هذا الفصل.

стр. 215

١ - أسلوب التربية بالقدوة: يعتبر الرسول ﷺ هو القدوة الحقيقية للمسلمين، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١). وقال ابن الجوزي: "وأنفع العلوم النظر فى سيرة الرسول ﷺ وأصحابه" (٢) واقتبس هنا قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٣). وبما أن النفوس البشرية جُبلت على حب الصالحين والاقتداء بهم، فقد بين ابن الجوزي التأثير الفعلي للقدوة في النفس، فقال: "لقيت مشايخ، أحوالهم مختلفة يتفاوتون في مقاديرهم في العلم. وكان أنفعهم لي في صحبته العامل منهم بعلمه، وإن كان غيره أعلم منه" (٤). وقوله أيضًا: "الاستدلال بالفعل أقوى من الاستدلال بالقول، فإن الطبيب إذا أمر بالحمية ثم خَلط لم يُلتفَت إلى قوله" (٥). وقد كان رسولنا الكريم ﷺ قدوة أصحابه فقد كانوا "يرونه -وهو بشر منهم- تتمثل فيه هذه الصفات كلها وهذه الطاقات فيصدقون هذه المبادئ الحية، لأنهم يرونها رأي العين ولا يقرأونها في كتاب! ويرونها في بشر، فتتحرك لها نفوسهم وتهفو لها مشاعرهم. ويحاولونَ أن يقبسوا قبسات من الرسول .. كل بقدر ما يطيق أن يقبس، وكل بقدر ما يحتمل كيانه الصعود. لا ييأسون ولا ينصرفون .. ولا يدعونه حلمًا مترفًا لذيذًا يطوف بالأفهام .. لأنهم يرونه واقعًا يتحرك في واقع الأرض. ويرونه سلوكًا عمليًا لا أماني في الخيال" (٦). كذلك وضح ابن الجوزي أهمية القدوة في حياة المسلم، ودورها في المحافظة على سلوكه القويم أمام الآخرين، حتى يحصل التأثير

стр. 216

المطلوب، وفي ذلك يقول: "وحاسب نفسك عند كل نظرة وكلمة وخطوة، فإنك مسؤول عن ذلك، وعلى قدر انتفاعك بالعلم ينتفع السامعون، ومتى لم يعمل الواعظ بعلمه زلت موعظته عن القلوب، كما يزل الماء عن الحجر" (١). ٢ - أسلوب الثواب والعقاب: كان لابن الجوزي اهتمام بأسلوب الثواب والعقاب عند تعلم الطفل السلوكيات المرغوبة، وحتى يأتي هذا الأسلوب التربوي بالهدف منه في غرس القيم وتعديل السلوك، بطريقةٍ إيجابيةٍ مثمرة، نصح ابن الجوزي المربي الذي اعتبره كالطبيب، أن يكون عالمًا بطبيعة الطفل من كل الجوانب، والأسلوب المناسب الذي يصلحه، فقال: "وأعلم أن الطبيب ينظر إلى سن المعالج ومكانه وزمانه، ثم يصف، فكذلك ينبغي أن تكون رياضة كل شخص على قدر حاله" (٢)، لأن الأطفال -كما سيوضح الفكرة الأستاذ محمد قطب- يتفاوتون في الأسلوب الذي يصلحهم، "فمنهم من تكفيه الإشارة البعيدة فيرتجف قلبه ويهتز وجدانه، ويعدل عما هو مقدم عليه من انحراف، ومنهم من لا يردعه إلا الغضب الجاهر الصريح. ومنهم من يكفيه التهديد بعذاب مؤجل التنفيذ. ومنهم من لابد من تقريب العصا منه حتى يراها على مقربة منه. ومنهم بعد ذلك فريق لابد أن يحس لذع العقوبة على جسمه لكي يستقيم" (٣). لذلك لابد من المعرفة الدقيقة لطبيعة نفسية الطفل، حتى يسهل استخدام الأسلوب المناسب معه عند ثوابه أو عقابه. وقد حثَّ ابن الجوزي على البدء بأسلوب الثواب، فقال: "وينبغي أن يتلطف بالصبي، قال رجل لسفيان الثوري: نضرب أولادنا على الصلاة؟ قال: بشرهم" (٤). وذلك لأن أسلوب الثواب أقوى وأبقى أثرًا

стр. 217

في نفس الطفل، لتشجيعه على السلوك المرغوب، من العقاب الذي يسبب للطفل الألم والإحباط. ثم ينوع المربي بين الثواب والعقاب للطفل حسب حالته والموقف الذي يمر به، وما بين الأطفال من فروق فردية، قال ابن الجوزي في ذلك: "إن الرياضة للنفس تكون بالتلطف والتنقل من حال إلى حالٍ، ولا ينبغي أن يؤخذ أولًا بالعنف، ولكن بالتلطف ثم يمزج الرغبة بالرهبة" (١). ثم يحدد ابن الجوزي الخطوات المتبعة لتقويم سلوك الطفل، فيوصي أولًا: إذا أخطأ الطفل ثم اجتهد في إخفاء خطئه عن الناس خوفًا من العقاب أو حياء من الخطأ، فعلى المربي أن يتغافل عن إساءته، ولا يظهر معرفته لذلك؛ لأن الطفل أدرك من خوفه وحيائه الخطأ الذي وقع فيه، فهذا خير مهذب له وواقٍ من تكرار الخطأ، قال ابن الجوزي في ذلك: "فإن أساء تغافل عن إساءته، ولا يهتك مؤدبه ما بينه وبينه من الستر ولا يوبخ إلا سرًا" (٢). فإذا عاد الطفل مرةً أخرى لارتكاب الخطأ نفسه، فعلى المربي أن يوبخه ويلومه سرًا، حتى لا يشعر بامتهان كرامته أمام الآخرين. فإذا أقلع عن الخطأ فقد نفعته الموعظة، وإن لم تنفعه وعاد إلى إساءته، وتمكنت فيه الخصال القبيحة، فيصعب التخلص منها، شدد في عقابه حتى يتركها، فإن لم يجدِ معه هذا الأسلوب المعنوي، يلجأ المربي إلى آخر العلاج، وهو الضرب الذي يؤدي إلى صلاحه. قال ابن الجوزي: "فإذا علقت به عادة خبيثة بُولغ في ردعه عنها قبل أن تتمكن. ولا بأس بضربه إذا لم ينفع اللطف" (٣). والضرب الذي ينصح به ابن الجوزي هو من النوع الذي لا يشوه ولا يجرح ولا يؤذي الطفل إيذاءً شديدًا في بدنه أو عقله، وقد دلل ابن الجوزي على دور الضرب المؤدي للصلاح وتعديل السلوك بقول لقمان لابنه: "يا بني ضرب الوالد للولد مثل السماد للزرع" (٤). ولكنه لم يحدد مواصفات الضرب وأنواعه. كما أوصى ابن الجوزي بمعاملة الأطفال المتميزين

стр. 218

بحدة الطبع، باللطف والرفق والمعاملة الطيبة، لأن ذلك أجدى في تقويم سلوكهم ووقايتهم من اللجوء إلى العناد والإصرار على الخطأ فقال: "وإذا رآه عَرِمًا (١) في صغره فليتلطف به" (٢). وهذا المبدأ التربوي اشتقه ابن الجوزي من قول الرسول ﷺ وقد رواه ابن عباس -واستشهد به ابن الجوزي: "عَرامة الصبي في صغره زيادة في عقله في كبره" (٣). مما سبق نجد أن ابن الجوزي، ذكر وسائل وأساليب تربوية عدة لتهذيب سلوك الطفل، وتقويم اعوجاجه بصفة عامةٍ، دون تحديد لما يناسب كل مرحلة من مراحل النمو الإنساني، لأنه كما ذكر د. مقداد يالجن: "تختلف أساليب التربية والتعليم ووسائله بحسب مراحل النمو، فمثلًا الأساليب المناسبة لمرحلة الطفولة، والوسائل المستعملة لعملية التعليم، غير الأساليب والوسائل التي ينبغي أن تستعمل في مرحلة المراهقة، إذ إنها ينبغي أن تكون حسية بقدر الإمكان في المرحلة الأولى، وأن تكون عقلية إدراكيةً في المرحلة الثانية، وقد يقتضي الأمر الجمع بين الوسيلتين في بعض الموضوعات التعليمية" (٤). لذلك لابد من تحديد الوسيلة المناسبة للمرحلة العمرية، التي تتناسب مع خصائص نموها. وربما لم يحدد ابن الجوزي الأسلوب التربوي المناسب لكل مرحلة، لأنه لم يكتب في جوانب التربية كتاباتٍ متخصصة كما يكتب المتخصصون في هذا العصر.

стр. 219

د- التوجيه التعليمي للأطفال عند ابن الجوزي: تناول ابن الجوزي التوجيه التعليمي عند الأطفال بشيء من التفصيل، بينما أغفله في مرحلة البلوغ والشباب. وقد حدد سن الخامسة من عمر الطفل بداية التعليم المنظم المقصود، فقال: "فأما تدبير العلم فينبغي أن يحُمل الصبي من حين يبلغ خمس سنين على التشاغل بالقرآن والفقه وسماع الحديث" (١). بينما خالفه علماء التربية وعلم النفس المحدثون وحددوا بداية مرحلة التعليم من "سن ٦ - ٩ سنوات" (٢). أما في تاريخنا التعليمي السابق فقد ذكر د. الأهواني مجمل آرائهم فقال: "لم يكن هناك سن معينة يبدأ عندها الطفل في تلقي العلم، وإنما كان الأمر متروكًا لتقدير آباء الصبيان، فإذا وجدوا أن الطفل بدأ في التمييز والإدراك، دفعوا به إلى الكتاب. عن أبي بكر بن العربي قال: "وللقوم في التعليم سيرة بديعة وهو أن الصغير منهم إذا عقل بعثوه إلى المكتب". ونحن نرجح أن هذه السن لم تكن محدودة، بل كانت تشمل مرحلة بين الخامسة والسابعة، تبعًا لاختلاف نضج الصبيان وتقدمهم في الفهم والتمييز" (٣). ومن هنا نرى أن ابن الجوزي كان يسير على نهج العلماء المسلمين نفسه في تحديد سن الدراسة. كذلك بين ابن الجوزي أن وقت الصغر -دون تحديد السن- أفضل سنوات عمر الإنسان لحفظ العلم، فقال في ذلك: "وللحفظ أوقات من العمر، فأفضلها الصبا (٤) وما يقاربه من

стр. 220

أوقات الزمان" (١). ويستمر إلى خمس عشرة سنة، فقال في ذلك: "ليحصِّل له وليه المحفوظات أكثر من المسموعات، لأن زمان الحفظ إلى خمس عشرة سنة" (٢). ورأي ابن الجوزي في الحفظ يؤكد ما أثبته علم النفس من أن ذاكرة الطفل في هذه السن، تنمو بصورةٍ مستمرةٍ وسريعةٍ -إذا استمر في ممارسة الحفظ-، وتتميز بالوعي والإدراك لاستيعاب المعلومات وحفظها إلى سن خمس عشرة سنة بدرجة أكبر، وهذا لا يعني أن قدرة الطفل على الحفظ تتوقف بعد هذه السن، ولكنها تقل عما كانت بسبب الانشغال بالأمور المعيشية والحياتية للإنسان. وقد أكد د. فؤاد البهي ذلك بقوله: "ويستمر النمو بالتذكر المباشر حتى يبلغ ذروته في السنة الخامسة عشرة لميلاد الفرد، ثم يضعف وينحدر في سرعته وقوته ومداه" (٣). إذا توقفت القدرة الحافظة عن ممارسة الحفظ، وكذلك القدرات الأُخرى، لذا ينبغي الاهتمام بالطفل في هذه السن واستغلال قدرته على الحفظ، في حفظ القرآن الكريم. وبما أن الطفل في هذه السن مهيأ عقليًا للتعلم، فقد وضع له ابن الجوزي بعض التوجيهات التعليمية التي تتناسب وقدراته واستعداداته ونموه العقلي. كما حدد بعض المبادئ التربوية. التي ينبغي أن يراعيها المعلم قبل تعليمه الأطفال، وتلك المبادئ هي: ١ - أن يكون المعلم عالمًا بخصائص نمو الأطفال واستعدادتهم وقدراتهم، وكيفية توجيه كل طفل على حسب نمو هذه الخصائص لديه. وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "إن الطبيب ينظر إلى سن المعالج ومكانه وزمانه، ثم يصف، فكذلك ينبغي أن تكون رياضة كل شخص على قدر حاله" (٤). ٢ - أن يبدأ في تعليمه العلوم الأساسية، ثم العلوم الأقل أهمية،

стр. 221

حتى لا ينتهي عمره، وهو لم يحصل العلوم الضرورية، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وإن كان كل العلوم حسنًا، ولكن الأولى تقديم الأهم والأفضل" (١). ٣ - أن لا ينتقل من علم إلى آخر، حتى يتقن ما قبله ويستوثق من فهمه، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وأن لا يشرع في فن حتى يحكم ما قبله " (٢). ٤ - أن يقرن العلم بالعمل. لأنهما السبيل إلى معرفة الله تعالى، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فليست الفضائل الكاملة إلا الجمع بين العلم والعمل، فإذا حصلا رفعا صاحبهما إلى تحقيق معرفة الخالق ، وحركاه إلى محبته وخشيته والشوق إليه، فتلك الغاية المقصودة" (٣). ٥ - أن لا يقتصر على علم واحد، بل يأخذ من كل علم ما يحتاج إليه بقدر يساعده على السير في الحياة الدنيا، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "إنه لما علم أن العمر لا يسع الكل، أخذ ما يحتاج إليه من الكل زادًا لمسيره" (٤) وقوله أيضًا: "ينبغي لكل ذي علم أن يلمَّ بباقي العلوم، فيطالع منها طرفًا، إذ لكل علم بعلم تعلق" (٥). وهذا يدلنا على رأي ابن الجوزي في اتصال وارتباط العلوم بعضها ببعض دون تجزئة أو فصل. ٦ - مراعاة الفروق الفردية بين الأفراد، لقول ابن الجوزي: "ما أكثر تفاوت الناس في الفهوم، حتى العلماء يتفاوتون التفاوت الكثير في الأصول والفروع" (٦). وقوله بشأن الحفظ: "والناس يتفاوتون في ذلك؛ فمنهم من يثبت

стр. 222

معه المحفوظ مع قلة التكرار. ومنهم من لا يحفظ إلا بعد التكرار الكثير. فينبغي للإنسان أن يعيد بعد الحفظ، ليثبت معه المحفوظ" (١). وقد استشهد ابن الجوزي بقول الرسول ﷺ : "تعاهدوا القرآنَ فإنه أشد تفصيًا من صدورِ الرجالِ من النعَمِ من عقلِها" (٢). وقوله أيضًا: "لا ينبغي أن يُكلمَ كل قوم إلا بما يفهمون" (٣). وقد استشهد بقول علي بن أبي طالب ﵁: "حدثوا الناسَ بما يعقلون. أتحبون أن يُكذبَ اللهُ ورسولُه" (٤). وهذه القاعدة التي قررها ابن الجوزي يشهد لها حديث آخر نذكره وإن لم يستشهد به ابن الجوزي، عن عائشة ﵂ أنها قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزلَ الناسَ منازلَهم" (٥). وعن عبد الله بن مسعود قال: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغهُ عقولُهم، إلا كان لبعضهم فتنة" (٦). وقد قسم ابن الجوزي المنهج التعليمي إلى مرحلة ما قبل الدراسة النظامية أو الإلزامية، ومرحلة ما بعد هذه المرحلة. ١ - المنهج التعليمي في مرحلة ما قبل الدراسة النظامية: لم يحدد ابن الجوزي السن الملزمة لدراسة هذا المنهج، ولكنه ركز فيه على غرس العقيدة الإسلامية الصحيحة من خلال التأمل في خلق

стр. 223

السماوات والأرض، ومعرفة الخالق ﵎. قال ابن الجوزي: "وأول ما ينبغي النظر فيه: معرفة الله تعالى بالدليل، ومعلوم أن من رأى السماء مرفوعة، والأرض موضوعة، وشاهد الأبنية المحكمة، خصوصًا في جسد نفسه، علم أنه لابد للصنعة من صانع، وللمبني من بانٍ" (١). وقد استدل على ذلك من الآيات القرآنية، التي تدعو إلى النظر والتدبر في ملكوت السماوات والأرض، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (٢). ثم بعد معرفة الخالق من خلال مخلوقاته، يُوجه لمعرفة الرسول ﷺ والكتاب المنزل عليه. وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "ثم يتأمل دليل صدق الرسول ﷺ ، إليه وأكبر الدلائل القرآن، الذي أعجز الخلق أن يأتوا بسورة من مثله، فإذا ثبت عنده وجود الخالق جل وعلا، وصدق الرسول ﷺ ، وجب تسليم عنانه إلى الشرع، فمتى لم يفعل ذلك دل على خلل في اعتقاده" (٣). في هذه النقطة ينصح ابن الجوزي بلفت نظر الطفل إلى إعجاز القرآن الكريم، ولكنه لم يوضح السن المناسبة، والطريقة الصحيحة التي يتم من خلالها توصيل الشعور بهذا الإعجاز القرآني إليه، بحيث يدركه الطفل، وتتحرك مشاعره نحو الله تعالى لتقديره وتقديسه والإيمان به، وأعتقد أن هذه النقطة ممكن تأجيلها إلى مرحلة لاحقة حتى تكبر مدارك الطفل ويستوعب هذا الإعجاز بوعي وفهم واقتناع. فإذا تأكد المربي من فهم الطفل لهذين الأمرين، واستوثق من يقينه بالله تعالى ورسوله ﷺ وكتابه الكريم، فعليه أن يعلمه الفرائض والواجبات التي يحتاجها في حياته اليومية، وقد قال في ذلك ابن الجوزي: "ثم يجب عليه أن يعرف ما يجب عليه من الوضوء والصلاة والزكاة -إن كان له مال- والحج

стр. 224

وغير ذلك من الواجبات. فإذا عرف قدر الواجب قام به" (١) ثم إذا عرف الطفل هذه الأمور بوعي وفهم وتدبير، انتقل إلى المرحلة الثانية وهي: ٢ - المنهج التعليمي الإلزامي لم يحدد ابن الجوزي السن المناسبة لبداية تعليم هذا المنهج، ولكنه ذكر أن أول ما ينبغي تعليمه للطفل هو حفظ القرآن الكريم، ولا يقصد ابن الجوزي أن يحفظ القرآن كله، لأنه يدرك تمامًا أن قدرات الطفل لا تسمح بذلك، وإنما يتم حفظه على أجزاء. وقد قال في ذلك: "وأول ما ينبغى أن يكلف حفظ القرآن متقنًا، فإنه يثبت ويختلط باللحم والدم" (٢). وقد حث ابن الجوزي على حفظ القرآن الكريم، لأن الطفل لديه القدرة على الحفظ الذي يثبت في ذاكرته، ومع حفظ القرآن الكريم، لابد من فهم معانيه وتفسير آياته بما يتناسب مع نمو الطفل ودرجة إدراكه واستيعابه هذه المعاني. ومن خلال الحفظ والتفسير، يرسخ في عقله وقلبه، ويختلط باللحم والدم، الذي يدعو للتطبيق الواعي. وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "لما كان القرآن العزيز أشرف العلوم، كان الفهم لمعانيه أرفع الفهوم، لأن شرف العلم بشرف المعلوم" (٣). وقول ابن الجوزي: "فيبتدئ بالقرآن وحفظه، وينظر في تفسيره نظرًا متوسطًا، لا يخفي عليه بذلك شيء، وإن صح له قراءة القراءات السبعة وأشياء من النحو وكتب اللغة وابتدأ بأصول الحديث من حيث النقل كالصحاح والمسانيد والسنن، ومن حيث علم الحديث كمعرفة الضعفاء والأسماء، فلينظر في أصول ذلك" (٤). وقد وضح ابن الجوزي أيضًا أن حفظ الطفل للقرآن، لابد أن يصاحبه فهم لحقيقته كما أرادها الله تعالى، فقال: "المراد حفظ القرآن

стр. 225

وتقويم ألفاظه ثم فهمه ثم العمل به ثم الإقبال على ما يصلح النفس ويطهر أخلاقها، ثم التشاغل بالمهم من علوم الشرع" (١). ونلاحظ من قول ابن الجوزي، أنه دلنا على الطريقة الصحيحة لدراسة القرآن الكريم وما ينتج من حفظه، من تقويم ألفاظ الطفل للغة العربية، ثم فهم معانيه من خلال تفسير آياته، وبعد الفهم الواعي للاْحكام، يتم التطبيق والعمل به، بما يطهر النفس البشرية ويهذبها ويقوم سلوكها، ويرقي خلقها، من خلال أسلوب القرآن الذي يجمع بين الوعد والوعيد، والقصص والأمثال. فتسري روح القرآن في نفس الطفل وقلبه، فتغمره بنورها في أفكاره ومداركه وحواسه، فيتشبع الطفل به، ويتخلق بأخلاقه ويسمو بآدابه. وبعد أن يتقن الطفل الكريم حفظًا وفهمًا وعملًا، ينظر في سيرة الرسول ﷺ ، فقال ابن الجوزي: "أنفع العلوم النظر قي سيرة الرسول ﷺ وأصحابه" (٢). وذلك حتى يقتدي الطفل بالرسول ﷺ في سلوكه وخلقه وعلمه، وفى كل ما يتعلق بحياته العامة والخاصة، لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٣). وقد حذر ابن الجوزي من عادات أصحاب الحديث لأنهم "يفنون الزمان في سماع الأجزاء التي تتكرر فيها الأحاديث، فيذهب العمر، وما حصلوا فهم شيء. فإذا بلغوا سنًا طلبوا جواز فتوى، أو قراءة جزء من القرآن، فعادوا القهقهري، لأنهم يحفظون بعد كبر السن فلا يحصل مقصودهم" (٤). وهناك نوعيات أخرى من أصحاب الحديث ذكرهم ابن الجوزي بقوله: "فمنهم من يتشاغل بالحديث وعلمه وتصحيحه ولعله لا يفهم جواب حادثة، ولعل عنده للحديث مائة طريق. ومنهم من يجمع الكتب ويسمعها ولا يدري ما فيها، لا من صحة حديثها، ولا من فهم

стр. 226

معناها، فتراه يقول الكتاب الفلاني سماعي، وعندي له نسخة والكتاب الفلاني والفلاني، فلا يعرف علم ما عنده من حيث فهم صحيحه من سقيمه، وقد صده اشتغاله بذلك عن المهم من العلم .. ثم ترى منهم من يتصدر بإتقانه للرواية وحدها فيمد يده إلى ما ليس من شغله، فإذا أفتى أخطأ، وإن تكلم في الأصول خلط" (١). وحتى لا يضيع عمر الطفل ووقته وجهده في علم لا يفيده في دنياه وآخرته، بين ابن الجوزي ما ينبغي دراسته في مجال علوم الحديث والسنة لمن فارق سن الطفولة، فقال: ". . . وابتدا بأصول الحديث من حيث النقل كالصحاح والمسانيد والسنن، ومن حيث علم الحديث كمعرفة الضعفاء والأسماء، فلينظر في أصول ذلك، وقد رتبت العلماء من ذلك ما يستغني به الطالب عن التعب، ولينظر في التواريخ ليعرف ما لا يستغنَى عنه كنسب الرسول ﷺ وأقاربه وأزواجه وما جرى له" (٢). ثم يدرس قواعد اللغة العربية، حتى يستطيع أن يفهم معاني القرآن الكريم وتفسيره، وأحاديث الرسول ﷺ وألفاظه. فيرى ابن الجوزي أن يدرس "مقدمة من النحو يعرف بها اللحن" (٣)، و"يعرف بها غريب القرآن والحديث، وما يفضل عن ذلك ليس بمذموم غير أن غيره أهم منه" (٤) وقوله: "ولكن معرفة ما يلزم من النحو لإصلاح اللسان وما يحتاج إليه من اللغة في تفسير القرآن والحديث أمر قريب، وهو أمر لازم، وما عدا ذلك فضل لا يحتاج إليه" (٥). ثم يرى ابن الجوزي أن يدرس الفقه، لأنه كما يقول "عمدة العلوم" (٦)، "وأصل العلوم" (٧). وقال أيضًا بشأن الفقه "وليعلم أن الفقه عليه مدار العلوم" (٨).

стр. 227

والفقه في الاصطلاح الشرعي: "هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، أو هو مجموعة الأحكام الشرعية العملية المستفادة من أدلتها التفصيلية" (١). كذلك يرى ابن الجوزي أن "أعظم دليل على فضيلة الشيء النظر إلى ثمرته، ومن تأمل ثمرة الفقه، علم أنه أفضل العلوم" (٢). وثمرة الفقه التي يقصدها ابن الجوزي هي حصيلة أو مجموع الأحكام الشرعية التي يحتاجها المسلم في حياته العامة والخاصة بعد أن جعل أصله الفهم الصحيح لعلم العقيدة. لقول ابن الجوزي: "وأول ما ينبغي النظر فيه: معرفة الله تعالى بالدليل. . . ." (٣). ثم بين ابن الجوزي طريقة دراسة الفقه فقال: "ليقبل على الفقه، فلينظر في المذهب والخلاف، وليكن اعتماده على مسائل الخلاف، فلينظر في المسألة وما تحتوي عليه، فيطلبه من مظانه، كتفسير آية وحديث وكلمة لغة. ويتشاغل بأصول الفقه وبالفرائض وليعلم أن الفقه عليه مدار العلوم" (٤). وحتى يكون الفقيه متمكنًا من علمه، يجب أن تكون لديه القدرة على الفهم الدقيق ثم الاستنباط، ثم الترجيح، ولابد أن يتزود من بعض العلوم بالقدر الذي يحتاجه ويساعده في التمكن من علمه، وفي هذا يقول ابن الجوزي: "للفقيه أن يطالع من كل فن طرفًا، من تاريخ وحديث ولغة وغير ذلك، فإن الفقيه يحتاج إلى جميع العلوم، فليأخذ من كل شيء منها مهمًا" (٥) فعبارة ابن الجوزي "جميع العلوم" تدل على جميع العلوم الموجودة في عصره والتي يحتاجها الفقيه في التمكن من علمه. وحتى يحصل المتعلم على فائدة العلم، ومتعة النفس، التي تدفعه للعمل بما تعلم، لابد من الإلمام بالرقائق، والاقتداء بالصالحين في سلوكهم، حتى يمزج العلم المجرد المقتصر على الأحكام، بالرقائق،

стр. 228

والأحاديث التي تخاطب العاطفة والوجدان، فتنفعل بها النفس البشرية، وتحفزها للعمل بها، وفي هذا يقول ابن الجوزي: "رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب، إلا أن يمزج معناها بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين. لأنهم تناولوا مقصود النقل وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها .. ولا يصلح العمل مع قلة العلم" (١). كما حبذ ابن الجوزي تعليم الطفل الشعر العفيف، الذي يُنبت في قلبه العفة والطهر، والشعر الذي يحث على مكارم الأخلاق، وفضائل الأعمال، ومعالي الأمور، حتى ينشأ الطفل كريم النفس، قويم الخلق، عالي الهمة. ويجُنب شعر الغزل حتى لا يفسد الطفل، ويكون همه إشباع الشهوات، والجري وراء الملذات. وقال في ذلك: "وليجننه أشعار الغزل، لأنها بذور الفساد، ولا يمنع من أشعار السخاء والشجاعة ليمجد وينجد" (٢). ونلاحظ أن المنهج التعليمي الذي وضعه ابن الجوزي، يركز على العلوم الإسلامية، وينتقد بشدة من يقضي عمره في تعلم العلوم التي لا تفيد، لأنه يرى أن يبدأ بالأهم من العلوم ثم المهم، وقال في ذلك: "وإن كان كل العلوم حسنًا، ولكن الأولى تقديم الأهم والأفضل" (٣) وذلك لأنه -كما يقول أيضًا: "قد علم قصر العمر وكثرة العلم" (٤). لذلك ينبغي أن يركز على العلوم التي تهدف إلى مرضاة الله تعالى، وقال في ذلك: "ثم ينظر في مقصود العلوم، وهو المعاملة لله سبحانه والمعرفة به والحب له" (٥). وهنا لنا وقفة في تركيز ابن الجوزي على تعليم العلوم الإسلامية واعتبارها الوحيدة المؤدية لمرضاة الله تعالى، مع أن جميع العلوم الأُخرى غير الدينية كالفيزياء والهندسة وغيرها تؤدي إلى مرضاة الله تعالى إذا نوى الإنسان ذلك. وبسبب هذا الفهم الخاطئ تعثرت الأُمة الإِسلامية

стр. 229

واعتمدت اعتمادًا كاملًا على الدول الغربية في معطيات الحضارة الحديثة. وأصبحت عاجزةً عن مواكبة هذه التقنية الحديثة بسبب جهل أبنائها وحصر تعليمهم في العلوم الشرعية فقط وتنفيرهم من العلوم الدنيوية الأُخرى. والعلوم التي انتقدها ابن الجوزي هي: علم النجوم، (علم الفضاء الآن)، الكيمياء، علم الكلام. وقد اعتبر ابن الجوزي علم الفلك من العلوم التي ينبغي تعلمها بالقدر الذي يساعد لمعرفة الأوقات فقط، وقد قال في ذلك: "وما أبله من يقطع عمره في معرفة علم النجوم، وإنما ينبغي أن يعرف عن ذلك اليسير والمنازل لعلم الأوقات" (١). كذلك انتقد بشدة علم الكيمياء بقوله: "وأبله من هؤلاء من يتشاغل بعلم الكيمياء، فإنه هذيان فارغ. وإذا كان لا يتصور قلب الذهب نحاسًا لم يتصور قلب النحاس ذهبًا. فإنما فاعل هذا مستحل للتدليس على الناس في جمع النقود. هذا إذا صحَّ له مراده" (٢). أما علم الكلام فقد نهى عن الخوض فيه، لما يترتب عليه من إفساد العقيدة الصحيحة للإنسان وقال فيه: "ما نهى السلف عن الخوض في الكلام إلا لأمر عظيم، وهو أن الإنسان يريد أن ينظر ما لا يقوى عليه بصره، فربما تحير فخرج إلى الحجب، لأنا إذا نظرنا في ذات الخالق حار العقل وبهت الحس، فهو لا يعرف شيئًا لا بداية له، إنه لا يعلم إلا الجسم والجوهر والعرض، فإثبات ما يخرج عن ذاك لا يفهمه" (٣). ولابد من وقفة متأنية لمناقشة رأي ابن الجوزي في علم النجوم، وعلم الكيمياء، وعلم الكلام. فرأيه في علم النجوم يعتبر إلى حد ما صحيح، لأنه حريص على سلامة عقيدة المسلم، من الجهل والخرافة، لاسيما أنه في التنجيم "يحاول المشتغلون به ربط تحركات الكواكب بما يحدث للإنسان من أحداث سعيدة أو غير سعيدة ومحاولة استشارة النجوم

стр. 230

والوصول إلى التنبؤ بالغيب" (١). فخوفًا على عقيدة المسلم، حدد له ابن الجوزي تعلمه بقدر الحاجة إليه، وإن كان علم النجوم في عصر ابن الجوزي يعني التنجيم، فإنه في عصرنا يعني علم الفضاء وهو من العلوم المهمة التي نبغ فيها الغربيون. أما رأيه في علم الكيمياء -فأعتقد- أنه جَانَبَ الحق والصواب، فعلم الكيمياء يبحث في المعادن بأنواعها، والصناعات المختلفة ومن أهم جوانبه صناعة الأدوية، والمواد العضوية على اختلافها، وجميع هذه المواد خلقها الله تعالى لفائدة الإنسان، وسخر له ما فيها لسد حاجاته، وتيسير أمر معاشه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٢). بالإضافة إلى أنها من دلائل الإيمان بوجود الله تعالى. ومن هنا نجد أن نقد ابن الجوزي الشديد لتعلم هذا العلم في غير موضعه. يعتبر ابن الجوزي من المتعصبين للمذهب الحنبلي، لذلك فرأيه في علم الكلام الفلسفي مطابق لرأي الإمام أحمد بن حنبل الذي قال: "علماء الكلام زنادقة" (٣). وهناك فرق بين علم الكلام الفلسفي، وعلم التوحيد في إطار القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وعلم التوحيد هو العلم الذي يبحث في أدلة إثبات وجود الله تعالى ذاتًا وصفات دون تأويل أو تحريف، وهذا منهج أهل السنة والجماعة. وهو (أي علم التوحيد) من العلوم الواجب معرفتها والاشتغال بها. لذلك فرأي أبن الجوزي في علم الكلام إذا خالف منهج أهل السنة والجماعة صحيح لا غبار عليه، حفاظًا على عقيدة المسلم.

стр. 231

هـ - الفروق الفردية بين الأطفال عند ابن الجوزي: معنى الفروق الفردية: "هي تلك الصفات التي يتميز بها كل إنسان عن غيره من الأفراد، سواء أكانت تلك الصفة جسمية أو عقلية أم مزاجية. أم سلوكية نفسية أو اجتماعية" (١). وسنذكر أهم الفروق الفردية التي تعرض لها ابن الجوزي. ١ - الفروق الفردية في قدرة الأطفال على التعلم: يرى ابن الجوزي أن الأطفال يتفاوتون في قدرتهم على التعلم، فالطفل الذكي النبيه يتعلم بسهولة، والطفل الأقل ذكاء يتعلم بصعوبة، وفي هذا يقول ابن الجوزي: "وأمارة فلاح الصبي وفساده تبين من طفولته، فالنجيب (٢) منهم ينتبه بالتعلم، والذي ليس بنجيب لا ينفعه التعلم، كما لا يصير الهجين (٣) بالرياضة نجيبًا" (٤). والقدرة على التعلم استعداد فطري وراثي، يساعد على التعلم الجيد، إذا وجد العناية والرعاية الكافية، وإذا أهمل تعرضت نجابته للضياع، والتربية لا تستطيع إيجاد شيء من العدم، ولكنها تساعد على نمو ما هو موجود فعلًا، مثل الهجين لا يتحول بالتربية إلى أصيل كريم. وقد عرف بعضهم "أمثال كولفن " الذكاء: بأنه "استعداد الفرد وقدرته على التعلم" (٥). وقد أكد ابن الجوزي هذا المفهوم، ووضح أن الأطفال يتفاوتون في مقدار ذكائهم من خلال قدرتهم على التعلم، متفقًا بذلك مع "كولفن" في تعريفه، فقال ابن الجوزي: "يتفاوت الصبيان بعد ذلك،

стр. 232

منهم من يحتاج إلى محرض وهم الأكثر، ومنهم من تنبهه بأيسر تنبيه، ومنهم من يتعب معه الرائض وجبلته لا تقبل الرياضة" (١). كذلك بين ابن الجوزي أن هناك تفاوتًا واضحًا في أنواع النشاط العقلي للأطفال والقدرات الطائفية التي تظهر بينهم أثناء التعلم. فمن الأطفال من لديه القدرة العددية في إجراء العمليات الحسابية، ومنهم من لديه القدرة على الخط والكتابة ولكنه لا يحسن الحساب، ومنهم من لديه القدرة على الحفظ الجيد ولكن ليس لديه القدرة على الكتابة. ومنهم من لا يجيد شيئًا. وفيهم قال ابن الجوزي: "فمن الصبيان بليد الذهن يطول مكثه في المكتب ويخرج وما فهم شيئًا" (٢) وهذا الصنف من الأطفال شبهه ابن الجوزي بالذي: "لا يعلم وجوده، ولا نال المراد من كونه" (٣) وقوله أيضًا: "ومن الصبيان من علق بشيء من الخط، لكنه ضعيف الاستخراج، رديء الكتابة، فخرج ولم يعلق إلا بقدر ما يعلق به حساب معاملته" (٤) وقوله: "ومنهم من جود الخط ولم يتعلم الحساب، وأتقن الآداب حفظًا" (٥). ٢ - الفروق الفردية بين الأطفال في السلوك: إن السلوك القويم عند الطفل يتأثر بدرجة ذكائه وفهمه وإدراكه للأمور، وهذا ما يؤكده ابن الجوزي بقوله: "ومتى اعتدل المزاج وتكامل العقل، أوجب ذلك يقظة الصبي من حال صغره، فتراه يطلب معالي الأمور" (٦). كذلك يرى ابن الجوزي أن كمال عقل الطفل يحثه على اكتساب فضائل الآداب، ومعالي الأمور، فقال: "وتُخلق له همة عالية، وشرف

стр. 233

نفس، فتحمله على طلب المعالي، وتمنعه ركوب الدنايا، فتراه يحب أن يكون رئيس الصبيان، فإذا ترعرع كان الأدب شعاره من غير تعلم، والحياء لباسه من غير ترهيب" (١). وكما يتأثر سلوك الطفل بدرجة ذكائه، فإنه يتأثر بقلة ذكائه وصعوبة تعلمه، وسوء تقديره السلوك الصالح، ويصور ابن الجوزي هذا النوع من الأطفال بقوله: "ومن الصبيان من يجمع مع بعد ذهنه، وعدم تعلمه، أذى الصبيان، فهو يؤذيهم. ويسرق مطاعمهم، ويستغيثون من يده، فلا هو صلح، ولا فهم ولا كف عن الشر" (٢). وهذا نتيجة قصور فهمه عن إدراك نفعه، فإنه سلك سلوكًا سيئًا. ثم بين ابن الجوزي الطريقة التي يستدل بها على علو همة الطفل من ضعفها. فقال: "ويتبين فهم الصبي وعلو همته وتقصيرها باختياراته لنفسه، فإن الصبيان تجتمع للعب، فيقول عالي الهمة من يكون معي، ويقول قاصر الهمة من أكون معه، ومتى علت همة الصبي آثر العلم" (٣). وهذا يبين أن ذكاء الطفل دفعه إلى سلوك طريق أصحاب الهمم الكبيرة، والآمال العريضة. ثالثًا: رأي ابن الجوزي في مرحلة البلوغ والشباب سبق أن ذكرنا أن ابن الجوزي قال عن هذه المرحلة: "الموسم الثاني: من زمن البلوغ إلى خمس وثلاثين سنة وهو زمن الشباب" (٤). ووضحنا ما يقابلها في علم النفس التكويني وما اختلف عنها -في تقدير ابن الجوزي- من دمج مرحلة البلوغ والشباب في مرحلة واحدةٍ، وهي في علم النفس الآن تمثل مرحلتين: المراهقة من ١٢ - ٢١ سنة، ثم

стр. 234

مرحلة الشباب من ٢١ - ٣٥ سنة. ولم يحدد ابن الجوزي سن البلوغ، وقد حدده علم النفس من سن ١٢ - ٢١ سنة (١). وقد قرر علماء الشريعة ثبوت البلوغ في حق الغلام والجارية بأحد ثلاثة أشياء -وهي كما وردت في المغني: "أولها خروج المني من قبله وهو الماء الدافق الذي يخلق منه الولد فكيفما خرج في يقظةٍ أو منام بجماع أو احتلام أو غير ذلك حصل به البلوغ لا نعلم في ذلك اختلافًا لقول الله تعالى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٢) - وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ (٣) وقول النبي ﷺ : "رُفعَ القلمُ عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم". الثاني: الإنبات وهو أن ينبت الشعر الخشن حول ذكر الرجل أو فرج المرأة الذي استحق أخذه بالموسَى. الثالث: السن والبلوغ به في الغلام والجارية بخمس عشرة سنة، وبهذا قال الأوزاعي: والشافعي وأبو يوسف ومحمد، وقال داود لا حدَّ للبلوغ من السن لقوله ﷺ : "رُفع القلمُ عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلمَ" وقد قال ابن عمر: عرضت على رسول الله ﷺ وأنا ابنَ أربع عشرة سنة فلم يجزني في القتال، وعرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني" (٤). وبناءً على أقوال العلماء، فقد قرر د. مقداد يالجن: "أن بداية هذه المرحلة بالسن العاشرة بصفة مبدئيةٍ، ونهايتها بالثامنة عشرة بصفة نهائيةٍ، والتكاليف في نظر الإسلام محددة بالبلوغ، والبلوغ محدد بالاحتلام، وبه يصبح الإِنسان مسؤولًا عن تصرفاته، ويدخل تحت طائلة القانون" (٥).

стр. 235

وقد أكد ابن الجوزي هذا المعنى فقال: "وليعلم البالغ أنه من يوم بلوغه قد وجبت عليه معرفة الله تعالى بالدليل والتقليد، ويكفيه من الدليل رؤية نفسه، وترتيب أعضائه، فيعلم أنه لابد لهذا الترتيب من مرتب، ولابد لهذا البناء من بانٍ، وليعلم أنه قد نزل ملكان يصحبانه طول عمره، يكتبان عمله، ويعرضانه على الله" (١). وتعتبر هذه المرحلة من "أهم مراحل التربية الإيجابية، وهي أخطر مرحله لانحراف الشباب وانزلاقهم عن سواء السبيل لنمو الدافع الجنسي، كما أنها أهم مرحلة لبث الوعي الأخلاقي" (٢). قال فيها ابن الجوزي: "وهذا هو الموسم الأعظم الذي يقع فيه جهاد النفس والهوى وغلبة الشيطان، وبصيانة هذا الموسم يحصل القرب من الله، وبالتفريط فيه يقع الخسران العظيم، وبالصبر فيه على الزلل، يُثنَى على الصابر كما أثنى الله على يوسف" (٣). وبعد أن بين ابن الجوزي طبيعة هذه المرحلة وأهمية صيانة النفس البشرية، يوضح الخطوات المتبعة للإعلاء من هذه الحاجة الفطرية: ١ - غرس مراقبة الله تعالى في البالغ نفسه، حتى يكون له حماية داخلية ووجدانية من نفسه، تعصمه من الوقوع في الخطأ بقوله: "وليعلم أنه قد نزل ملكان يصحبانه طول عمره ويكتبان عمله ويعرضانه على الله" (٤). ٢ - تسهيل طريق الزواج للبالغ، فقال ابن الجوزي: "فإذا بلغ الصبي فينبغي لأبيه أن يزوجه، فقد جاء في الحديث: من بلغَ له ولد أمكنَه أن يزوجَه فلم يفعل، فأحدثَ الولدُ إثمًا، كان الإثمُ بينهما" (٥)،

стр. 236

والعجب كيف ينسى الأب ما جرى له عند البلوغ، وإن كان وقع في زلة فليقس حال ولده" (١). ٣ - فإن لم يستطع الزواج فعليه بغض البصر لأنه أحفظ للنفس من الوقوع في الزلل، وغض البصر مطلوب قبل الزواج وبعده، وقد استشهد ابن الجوزي بآية قرآنية وقول في ذلك فقال: "ويغض طرفه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٢)، وقيل: "النظرُ إلى المرأةِ سهم مسموم من سهام إبليسَ من تركهُ ابتغاءَ مرضاةِ الله، أعطاهُ الله إيمانًا في قلبهِ يجدُ حلاوتَه" (٣). ٤ - ثم نصح البالغ إذا كف بصره، أن يكتفي بالمرأة الواحدة، فقال ابن الجوزي: "ومن استعمل الغض منكم فليكتف بالمرأة الواحدة، ولا يرخص لنفسه في كثرة الاستمتاع بالنساء، فإنه يشتت القلب ويضعف القوي وليس له منتهى" (٤). ٥ - وعلى البالغ أن يكثر من الصيام، لقول الرسول ﷺ -لم يستشهد به ابن الجوزي-: "يا معشرَ الشباب من استطاعَ منكم الباءةَ فليتزوج. فإنه أغضُ للبصرِ، وأحصنُ للفرَجِ. ومن لم يستطع فعليهِ بالصومِ فإنه له وجاء" (٥). وقال ابن الجوزي في ذلك: "وليكثر الصيام من سيعجز" (٦). ٦ - منع اختلاط البالغ بالنساء، فقال في ذلك ابن الجوزي: "من باب المخاطر ترك الولد البالغ بين الجواري، ومعلوم أن قوة الشهوة وجهل الصبا ينسيان مقدار الحرمة والتحريم، فهذه أصول ينبغي أن

стр. 237

يداوى بدوائها ولا تهمل فإنها تجر أمورًا صعبة" (١). هذه أهم الأمور التي ينبغي الأخذ بها عند تربية وخلقيًا لمنعه من الوقوع في الزلل والخطأ. كذلك ينبغي معاملة البالغ معاملةَ طيبة، مبنية على التقدير والاحترام لرأيه، ومناقشته ومحاولة إقناعه بكل ما يدور في ذهنه، مع مراعاة اجتناب ضربه أو إساءة معاملته حتى لا يتمرد أو ينحرف، لأنه في سن حرجة، يغلب عليها التهور والطيش، وقد قال فيها ابن الجوزي: "ولا ينبغي أن يُضرب بعد بلوغه، ولا أن يساء إليه، لأنه حينئذ يتمنى فقد الوالد ليستبد برأي نفسه، ومن بلغ ست عشرة سنة ولم يصلح، فبعيد صلاحه، إلا أن الرفق متعين بالكل" (٢). ثم بين ابن الجوزي أن من مظاهر هذه المرحلة، أن يتزوج البالغ ثم يرزق الأطفال، فيسعى في الأرض لتأمين قوت عياله، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فإذا بلغ ليعلم أنه زمان المجاهدة للهوى، وتعلم العلم، فإذا رزق الأولاد فهو زمان الكسب للمعاملة" (٣). ونلاحظ مما سبق أن ابن الجوزي ركز في هذه المرحلة على التربية الجنسية للبالغ، وسكت هنا عن الاهتمام بالنواحي الأُخرى، ربما لأنها الجانب البارز في هذه المرحلة، فأعطاها الاهتمام اللازم بها، والذي يبدو لي، أن التربية كانت تركز -في ذلك الوقت- على تأهيل البالغ ليكون مسؤولًا عن الأسرة، مع أن الاهتمام بالجوانب الأُخرى من التربية وسيلة للرقي به، والتسامي على الأهواء والشهوات، ومن الوسائل التربوية المباشرة التي استخدمها ابن الجوزي في ذلك، أسلوب الكتابة والتأليف، فوجه رسالة أبوية لابنه محمد المكنى بأبي القاسم في كتابه لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. وابن الجوزي إن كان اتخذ تأليفها وسيلة لتربية ولده، فهو في الوقت نفسه عرض لنا أمورًا تربوية كثيرة، بل منهجًا تربويًا متميزًا جديرًا بأن يدرس بعناية ويُكشف للناس فينتفع به المربون وينتفع به

стр. 238

الناشئون أيضًا، فالنفع للفريقين جميعًا. وقد ظهر حرص ابن الجوزي في نقل حصيلة علمه وخبرته وتجاربه إلى ولده، ليحدد له الطريق الصحيح في العلم والعمل به، ويحذره من مغبة السقوط في الخطأ والزلل، ولاسيما عندما ظهر عليه بعض التهاون والتكاسل، فاستدركه بهذه الرسالة. فقال فيها: "ثم رأيت منه نوع توانٍ عن الجدّ في طلب العلم، فكتبت له هذه الرسالة، أحثه بها، وأحرضه على سلوك طريقي في كسب العلم، وأدله على الالتجاء إلى الموفق " (١). وقد ضمن ابن الجوزي رسالته الأبوية، الكثير من التوجيهات التربوية، التي تتعلق بالعقل وتدبره في إدراك الغاية من وجود الإنسان، وما عليه من فرائض وواجباب، وأهم العلوم التي ينبغي أن يتعلمها وأوقاتها وأخلاقياتها وأهميتها في حياته، والحرص على الوقت في أداء الأعمال الصالحة، مع الاستعداد للآخرة، بالإضافة إلى توجيهه إلى بعض الرقائق كالزهد والإخلاص والسعي للكمال في كل شيء، مع العلم والعمل به. (ولا يسعنا المجال هنا لذكر آرائه التربوية بالتفصيل، فإنه سيرد بعضها في أبواب وفصولٍ أُخرى، حسب مناسبتها للموضوع). ولم يكتفِ ابن الجوزي بكتابة هذه الرسالة التربوية، بل حث على أهمية التأليف ودوره في توجيه المتعلمين فقال: "رأيت من الرأي القويم، أن نفع التصانيف أكثر من نفع التعليم بالمشافهة. لأني أشافه في عمري عددًا من المتعلمين، وأشافه بتصنيفي خلقًا لا تحصى ما خُلقوا بعدُ. ودليل هذا أن انتفاع الناس بتصانيف المتقدمين أكثر من انتفاعهم بما يستفيدونه من مشايخهم" (٢). وليس معنى هذا أن جميع الناس مدعوون للكتابة والتأليف، بل من تتوافر فيه صفات خاصة، حتى يفيد بعلمه الناس؛ وفي هذا يقول ابن الجوزي: "فينبغي للعالم أن يتوفر على التصانيف إن وفق للتصنيف؛ فإنه ليس كل من صنفَ، صنف، وليس المقصود جمع شيء كيف كان، وإنما هي أسرار يطلع الله عليها

стр. 239

من شاء من عباده، ويوفقه لكشفها، فيجمع ما فرق، أو يرتب ما شتت، أو يشرح ما أُهمل، هذا هو التصنيف المفيد" (١). وهو بعبارته هذه يدعو العلماء والمؤلفين، أن يدركوا الهدف من التأليف، ودوره في توجيه المتعلمين. رابعًا: رأي ابن الجوزي في مرحلة الكهولة سمى ابن الجوزي المرحلة الثالثة بموسم الكهولة، وقال فيها: "من ذلك الزمان إلى تمام الخمسين سنة وذلك زمن الكهولة، وقد يقال كهل لما قبل ذلك" (٢). أي من ٣٥ - ٥٠ سنة. أما علم النفس فيختلف مع ابن الجوزي، فتبدأ مرحلة الكهولة من الـ ٤٠ وتنتهي بالـ ٦٠ سنة، وتسمى "مرحلة وسط العمر" (٣). وقد حددها د. الهاشمي من ٢٦ - ٥٠ سنة، وأسماها مرحلة أواسط العمر" (٤). وقد ركز ابن الجوزي في هذه المرحلة على جانبين اثنين: الجانب الأول: ميل الإنسان لشهواته وضرورة ضبط النفس عن الهوى والشهوة، قال "وهذا الزمان فيه بقية من الشباب، وللنفس فيه ميل إلى الشهوة وفيه جهاد حسن، وإن كانت طاقات الشيب تزعج، وترغب في جهاد اللهو، وليكتف الكهل بنور الشيب الذي أضاء له سبيل الرحيل، وليعامل بالبقية المائلة إلى الهوى يربح ولكن لا كربح الشاب" (٥). الجانب الثاني: زمن العلم والحفظ والتأليف، فقال عن ذلك: "فيكون زمان الطلب والحفظ والتشاغل إلى الأربعين، ثم يبتدئ بعد

стр. 240

الأربعين بالتصانيف والتعليم. هذا إذا كان قد بلغ ما يريد من الجمع والحفظ وأعين على تحصيل المطالب" (١). وقد أثبتت الدراسات النفسية "أن ذروة الإنتاج العقلي في نواحي النشاط المختلفة تظهر في المرحلة الزمنية التي تمتد من ٢٠ سنة إلى ٤٠ سنة" (٢). إلى ما بعدها، وهذا ما نلاحظه من إنتاج كبار المفكرين الذين نبغوا في أعمال عظيمة قبل سن الأربعين وبعده؛ لأن موهبة التأليف ليس لها زمن محدد. وإن كان ابن الجوزي قد نبه على استغلال هذه الفترة الزمنية من العمر في العلم والكتابة والحفظ والتأليف لأنها سن النضج والوعي. خامسًا: رأي ابن الجوزي في مرحلة الشيخوخة قال ابن الجوزي عن هذه المرحلة: "والموسم الرابع: من بعد الخمسين إلى تمام السبعين وذلك زمن الشيخوخة" (٣). ورد في لسان العرب معنى الشيخ: "هو الذي استبانت فيه السن وظهرَ عليه الشيبُ، وقيل هو شيخ من خمسينِ إلى آخره، وقيل: هو من الخمسين إلى الثمانين" (٤). وبذلك يكون ابن الجوزي قد اتفق مع المعنى اللغوي، واختلف مع علم النفس الذي حدد الشيخوخة من "٦٠ - إلى نهاية العمر" (٥). وحددها د. الهاشمي من سن ٦٦ - إلى نهاية العمر" (٦). وقد ركز ابن الجوزي في هذه المرحلة أيضًا على جانبين: الجانب الأول: ضعف الشهوة في هذه المرحلة وغلبة بعض الأهواء

стр. 241

على الإنسان, مثل الرياسة والجاه والتي تظهر في سلوكه بسبب ضعف إيمانه وجهله بعواقب تصرفاته. وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وقد يكون في أول الشيخوخة بقية هوى فيثاب الشيخ على قدر صبره، فكلما قوي الكبر ضعفت الشهوة، (الشهوة الجنسية أما شهوة العلم والجاه والرياسة قد تقوى) فلا تراد للمذنب، وإذا تعمد الشيخ شهوة، فكأنه مراغم؛ إذ الشهوة الطالبة قد خرست، ولهذا قال النبي ﷺ : "أبغضُ الخلقِ إلى الله شيخ زان". ومنهم من كأنه يقصد الرغمة، فيلبس الشيخ خاتم ذهب. والويل لمن لم ينهه شيبه عن عيبه؛ ما ذاك إلا لخلل في إبمانه، وقَد يقول الشيخ: علمي يدفع عني أو لم يعلم أن علمه حجة عليه" (١). وهنا تنبيه من ابن الجوزي للشيخ أن يحترم سنه ولا يتصرف تصرفات تقلل من وقاره. الجانب الثاني: الناحية العلمية، وفيها يوضح ابن الجوزي قدرات الشيخ العقلية التي ينبغي استغلالها في التصنيف والتعليم ويوصيه بالاستزادة من العمل الصالح الذي ينفعه في آخرته، فيقول في ذلك: "فأما إذا قلت الآلات عنده من الكتب، أو كان في أول عمره ضعيف الطلب فلم ينل ما يريده في هذا الأوان، أخر التصانيف إلى تمام خمسين سنة. ثم ابتدأ بعد الخمسين في التصنيف والتعليم إلى رأس الستين، ثم يزيد فيما بعد الستين في التعليم، ويسمع الحديث والعلم ويعلل التصانيف (٢) إلى أن يقع مهم إلى رأس السبعين، فإذا جاوز السبعين جعل الغالب عليه ذكر الآخرة والتهيؤ للرحيل. فيوفر نفسه على نفسه إلا من تعليم يحتسبه، أو تصنيف يفتقر إليه، فذلك أشرف العُدَد للآخرة، ولتكن همته في تنظيف نفسه، وتهذيب خلاله، والمبالغة في استدراك

стр. 242

زلاته، فإن اختُطف في خلال ما ذكرنا فنية المؤمن خير من عمله. وإن بلغ إلى هذه المنازل فقد بينا ما يصلح لكل منزل" (١). والذي يبدو من رأي ابن الجوزي أنه وجه الإنسان إلى كيفية اغتنام العمر في طلب العلم والاشتغال بالتأليف، لاسيما إذا فاته في أول العمر. فإذا جاوز السبعين جعل الغالب عليه ذكر الآخرة والتهيؤ للرحيل. وهذا لا يعني ترك التزود والاستعداد للرحيل قبل هذه السن، لأن المؤمن يتهيأ للرحيل في كل وقت، لأنه لا يعلم متى يحين أجله، ولكن زيادة الاستعداد في هذه السن أوجب. سادسًا: رأي ابن الجوزي في مرحلة الهرم قال ابن الجوزي عن هذه المرحلة: "والموسم الخامس: ما بعد السبعين إلى تمام العمر وهو زمن الهرم" (٢). وعلم النفس يقسم هذه المرحلة إلى: ١ - الشيخوخة المبكرة: وهي تمتد من ٦٠ سنة إلى ٧٥ سنة. ٢ - الهرم: وهو يمتد من ٧٥ سنة إلى نهاية العمر (٣). وقد ركز ابن الجوزي في هذه المرحلة من عمر الإنسان، على تذكيره بأنها نهاية المطاف، لذلك لابد من اغتنام الثواني والساعات في الدعاء والاستغفار، والاستزادة من العمل الصالح، واستثمار ما بقي من عمره في الصدقة الجارية، ليصله أجرها بعد انقطاع عمله. قال عن هذه المرحلة: "ولم يبق زمنَ الهرم إلا تذكر ما مضى، فقد أدرك ما فات والاستغفار والدعاء وعمل ما يمكن من الخير اغتنامًا للساعات والتأهب للرحيل" (٤). وقال أيضًا: "فإن تمت له الثمانون فليجعل همته كلَّها مصروفة إلى تنظيف خلاله، وتهيئة زاده، وليجعل الاستغفار حليفه، والذكر أليفه،

стр. 243

وليدقق في محاسبة النفس، وفي بذل العلم أو مخالطة الخلق؛ فإن قرب الاستعراض للجيش، يوجب عليه الحذر من العارض. وليبالغ في إبقاء أثره قبل الرحيل، مثل بثّ علمه، وإنفاق كتبه، وشيءٍ من ماله" (١). في سبيل الله خالصًا لوجهه الكريم. سابعًا: الآراء التربوية المستخلصة من هذا الفصل هذا الفصل يتعلق بآراء ابن الجوزي التربوية بشأن مراحل النمو الإنساني، وهذه أهم الآراء التربوية المستخلصة منه: ١ - ضرورة إلمام المربي بخصائص نمو الإنسان وعمره الزمني وظروف بيئته ومكانه، حتى يسهل توجيهه بما يناسبه من حيث هو فرد له كيانه الخاص الذي يميزه عن غيره. ٢ - ضرورة الاهتمام بمرحلة الطفولة المبكرة لأنها الأساس البنائي للتعلّم وغرس القيم. ٣ - مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال في قدراتهم على التعلم والحفظ والسلوك. ٤ - ضرورة إلمام المربي بأساليب التربية الإِسلامية، والموقف المناسب لاستخدامها حتى تؤدي الهدف منها. ٥ - وجوب الاهتمام بالعلوم المختلفة حسب درجة أهميتها. ٦ - وجوب اقتران التعليم بالعمل. ٧ - وجوب رعاية الناشئ وحفظه من عوامل الفساد والانحراف.

стр. 244

الباب الرابع رأي ابن الجوزي في تربية جوانب شخصية المسلم • الفصل الأول: التربية الصحية • الفصل الثاني: التربية العقلية • الفصل الثالث: التربية الاعتقادية • الفصل الرابع: التربية الروحية • الفصل الخامس: التربية الأخلاقية • الفصل السادس: التربية الإرادية

стр. 245

الباب الرابع رأي ابن الجوزي في تربية جوانب شخصية المسلم من خصائص التربية الإِسلامية، أنها تربية شاملة متكاملة متوازنة، تعنى بجميع جوانب الكيان الإنساني، كما أنها تتفق مع فطرة الإِنسان، وتتعامل معه بواقعية، تجمع بين المطالب الجسدية والروحية، العقلية والنفسية، الخلقية والاجتماعية، وفي دراستنا لهذا الفصل تناولت الباحثة كل جانبٍ من جوانب النفس البشرية، كلًا على حدة حسب مقتضى الدراسة النظرية، والكيان الإنساني كيانٍ حيويٍ مترابطٍ، متداخل العمليات والأدوار والوظائف، لا يمكن فصله أو تجزئته. وهذه الجوانب سنبرزها من خلال آراء ابن الجوزي، المستقاة من المنهج التربوي الإِسلامي، ولم يقيد ابن الجوزي هذه الجوانب بمرحلة عمرية من مراحل النمو الإنساني، بل عرضها بصفةٍ عامةٍ، كذلك لم يحدد هذه الجوانب تحت مسماها المناسب، ولكن قامت الباحثة بتصنيفها ووضعها في الجانب الخاص بها. وقامت الباحثة ببيان أهم الجوانب التي تناولها ابن الجوزي من خلال آرائه التربوية.

стр. 246

• الفصل الأول التربية الصحية أولًا: رأي ابن الجوزي في دافع الطعام ثانيًا: رأي ابن الجوزي في دافع الجنس ثالثًا: رأي ابن الجوزي في دافع التداوي رابعًا: رأي ابن الجوزي فى دافع النظافة باعتبارها وسيلة للوقاية من الأمراض

стр. 247

• الفصل الأول التربية الصحية سبق أن تكلمنا على هذا الجانب من ناحية الدوافع، وذلك في الفصل الأول من الباب الثالث. وفي هذا الفصل سنبين تربية الإسلام لهذه الدوافع، من خلال منهجه الذي تعامل به مع الكائن البشري بواقعيةٍ، معترفًا بكل طاقاته الحيوية، ودوافعه الفطرية، مرغبًا في إشباعها والاستمتاع بها ما دامت في الحدود الشرعية المباحة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١). وهو بذلك لم يكبتها ولم يطلقها من دون ضوابط، ولكنه هذبها بما يحقق العبودية لله تعالى، وتعمير الكون، وصلاح الإنسان. وهذا الاهتمام بالتربية الجسمية، يعين الفرد المسلم على طاعة الله تعالى فيما فرضه الله عليه من حقوقٍ وواجباتٍ وأحكام وآدابٍ، لأنه كما ورد في حديث رسولنا الكريم ﷺ : "المؤمنُ القويُ خَيرٌ وأحبُ إلى اللهِ تعالى من المؤمنِ الضعيفِ. وفي كلٍ خيرٌ" (٢). والقوة هنا تشمل قوة الجسم والعقل، والعقيدة والروح، والنفس والإرادة، والعزيمة والخلق. والقوى الجسمية لها صلة وثيقة بغيرها من

стр. 248

حيث تأثيرها وتأثرها بها. وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "وليس مرادي بالرفق الإكثار من الشهوات، وإنما أعني أخذ البلغة الصالحة للبدن، فحينئذٍ يصفو الفكر، ويصح العقل، ويقوى الذهن" (١). وقوله محاورًا نفسه في أسلوب رائع: "ولا تتعرضي لمصالح البدن، بل وفريها عليه، وناوليه إياها على قانون الصواب لا على مقتضى الهوى، فإن إصلاح البدن سبب لإصلاح الدين" (٢). التربية الجسمية تشمل الاستجابة السوية للدافع إلى الطعام والشراب والجنس، كما تعنى بالاستشفاء من المرض والنظافة والرياضة، وتكوين البصيرة بالأمور الصحية، والتنشئة عليها، وتكوين الحصانة ضد الأمراض، وهذه الأمور اعترف بها المنهج التربوي الإِسلامي كطاقات حيوية في الكيان البشري. وعمل على تهذيبها وتوجيهها وإعلائها، وجعلها وسيلة متعةٍ وتعبد معًا، للوصول بها إلى الغاية الكبرى، وهي تساعد على تحقيق العبودية المطلقة لله تعالى عن طريق أنواع العبادات، وخدمة عباد الله، والرقي بالأمة والذود عن حماها خالصًا لوجهه تعالى. أولًا: رأي ابن الجوزي في دافع الطعام يرى ابن الجوزي أن الله تعالى أوجد شهوة الطعام في الإنسان لحكمةٍ جليلةٍ، وغايةٍ نبيلةٍ وهي عبادته ﷻ كما أمر، وفي ذلك يقول: "وأما المطعم فالمراد منه تقوية هذا البدن لخدمة الله ، وحق على ذي الناقة أن يكرمها لتحمله" (٣). وقد بيَّن ابن الجوزي أهمية العناية بالجسم الإنساني، حتى يستطيع أن يقوم بالعبودية المطلقة لله تعالى، فقال: "البدن مطية، والمطية إذا لم يرفق بها لم تصل براكبها إلى المنزل" (٤). وهذه العناية تتمثل في إشباع حاجة الإنسان للطعام باعتدالٍ دون إسرافٍ أو تقتير قال الله تعالى:

стр. 249

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١). وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "ثم ينبغي له أن يرفق ببدنه الذي هو راحلته، ولا ينقص من قوتها فتنقص قوته. ولست آمرًا بالشبع الذي يوجب الجشاء (٢)، إنما آمر بالتوسط، فإن قُوى الآدمى كعين جاريةٍ كم فيها من منفعةٍ لصاحبها ولغيره" (٣). وقوله: "فمقتضى العقل الذي حرك على طلب هذه المصالح أن يكون التناول للمطعم والمشرب مقدار الحاجة والمصلحة، ليقع الالتذاذ بالعافية. ومن البلية طلب الالتذاذ بالمطعم، وإن كان غير صالح، والشره في تناوله" (٤). وقد استقى ابن الجوزي من قول الرسول ﷺ الذي استشهد به: "ما ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطن، حَسْب ابن آدم أُكُلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" (٥)، أما عن أهمية الاعتدال في الأكل فقال: "وإنما يكره الأكل فوق الشبع" (٦). وقال في التقلل من الأكل: "فإن المتقلل لا يزال يتقلل إلى أن يعجز عن النوافل ثم الفرائض ثم يعجز عن مباشرة أهله وإعفافهم، وعن بذل القوى في الكسب لهم، وعن فعل خيرٍ قد كان يفعله" (٧). ثم بيَّن ابن الجوزي بعض أضرار الشبع فقال: "فأما التوسع في المطاعم، فإنه سبب النوم، والشبع يعمي القلب، ويرهل البدن ويضعفه [يقصد به ضعف الصحة رغم السمنة] فافهم ما أشرت إليه، فالطريق هي الوسطى" (٨) أما

стр. 250

أضرار قلة الطعام فقال فيها: "لقد عرفت أن أقوامًا دام بهم التقلل واليبس إلى أن تغير فكرهم، وقوى الخلط السوداوي عليهم، فاستوحشوا من الناس، ومنهم من اجتمعت له من المآكل الردية أخلاط مجة، فبقي اليوم واليومين والثلاثة لا يأكل وهو يظن ذلك من إمداد اللطف به، وإذا به من سوء الهضم، وفيهم من ترقى به الخلط إلى رؤية الأشباح فيظنها الملائكة" (١). وهذا ما أقره الطب الحديث فقال: "أن يكون -الطعام- كافيًا أي بالكمية اللازمة لاحتياج الجسم وما يبذله من طاقةٍ، فلا إقلال للحد الذي يسبب الهزال والضعف، ولا إكثار إلى الحد الزائد الذي يسبب السمنة "البدانة" وما يصاحبها من مشكلاتٍ" (٢). ثم بيَّن ابن الجوزي حدود تقليل الطعام والحكمة منه فقال: "فإن تقلل من الطعام فبعقلٍ، وحدّ التقلل ترك فضول المطعم، وما يخاف شره من شبهةٍ أو شهوةٍ يحذر تعودها. وأما زيادة التقلل مع القدرة فليس لعقلٍ ولا شرعٍ، إلا أن يكون الفقر عمّ، فيتقلل ضرورةً" (٣) ثم تابع قوله مبينًا منهج الرسول ﷺ وأصحابه الكرام في هذا الشأن، فقال: "ومن تأمل حال رسول الله ﷺ وأصحابه، وجدهم يأخذون بمقدارٍ ولا يتركون حظوظ النفس التي تصلحها" (٤). ثم بيَّن ابن الجوزي ضابطًا آخر من ضوابط تناول الطعام والشراب، أن يكون حلالًا، دون ربا أو سرقةٍ أو غشٍ أو خداعٍ، فقال: "وتحقق الحلال في المطعم" (٥) وقوله: "فإن النظر ينبغي أن يكون في حل المطعم وأخذ ما يصلع بمقدار" (٦). وقد استقى ابن الجوزي رأيه هذا من قول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي
следующие страницы →