• الفصل الأول التربية الصحية
أولًا: رأي ابن الجوزي في دافع الطعام
ثانيًا: رأي ابن الجوزي في دافع الجنس
ثالثًا: رأي ابن الجوزي في دافع التداوي
رابعًا: رأي ابن الجوزي فى دافع النظافة باعتبارها وسيلة للوقاية من الأمراض
стр. 247
• الفصل الأول التربية الصحية
سبق أن تكلمنا على هذا الجانب من ناحية الدوافع، وذلك في الفصل الأول من الباب الثالث. وفي هذا الفصل سنبين تربية الإسلام لهذه الدوافع، من خلال منهجه الذي تعامل به مع الكائن البشري بواقعيةٍ، معترفًا بكل طاقاته الحيوية، ودوافعه الفطرية، مرغبًا في إشباعها والاستمتاع بها ما دامت في الحدود الشرعية المباحة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١). وهو بذلك لم يكبتها ولم يطلقها من دون ضوابط، ولكنه هذبها بما يحقق العبودية لله تعالى، وتعمير الكون، وصلاح الإنسان.
وهذا الاهتمام بالتربية الجسمية، يعين الفرد المسلم على طاعة الله تعالى فيما فرضه الله عليه من حقوقٍ وواجباتٍ وأحكام وآدابٍ، لأنه كما ورد في حديث رسولنا الكريم ﷺ : "المؤمنُ القويُ خَيرٌ وأحبُ إلى اللهِ تعالى من المؤمنِ الضعيفِ. وفي كلٍ خيرٌ" (٢).
والقوة هنا تشمل قوة الجسم والعقل، والعقيدة والروح، والنفس والإرادة، والعزيمة والخلق. والقوى الجسمية لها صلة وثيقة بغيرها من
стр. 248
حيث تأثيرها وتأثرها بها. وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "وليس مرادي بالرفق الإكثار من الشهوات، وإنما أعني أخذ البلغة الصالحة للبدن، فحينئذٍ يصفو الفكر، ويصح العقل، ويقوى الذهن" (١). وقوله محاورًا نفسه في أسلوب رائع: "ولا تتعرضي لمصالح البدن، بل وفريها عليه، وناوليه إياها على قانون الصواب لا على مقتضى الهوى، فإن إصلاح البدن سبب لإصلاح الدين" (٢).
التربية الجسمية تشمل الاستجابة السوية للدافع إلى الطعام والشراب والجنس، كما تعنى بالاستشفاء من المرض والنظافة والرياضة، وتكوين البصيرة بالأمور الصحية، والتنشئة عليها، وتكوين الحصانة ضد الأمراض، وهذه الأمور اعترف بها المنهج التربوي الإِسلامي كطاقات حيوية في الكيان البشري. وعمل على تهذيبها وتوجيهها وإعلائها، وجعلها وسيلة متعةٍ وتعبد معًا، للوصول بها إلى الغاية الكبرى، وهي تساعد على تحقيق العبودية المطلقة لله تعالى عن طريق أنواع العبادات، وخدمة عباد الله، والرقي بالأمة والذود عن حماها خالصًا لوجهه تعالى.
أولًا: رأي ابن الجوزي في دافع الطعام
يرى ابن الجوزي أن الله تعالى أوجد شهوة الطعام في الإنسان لحكمةٍ جليلةٍ، وغايةٍ نبيلةٍ وهي عبادته ﷻ كما أمر، وفي ذلك يقول: "وأما المطعم فالمراد منه تقوية هذا البدن لخدمة الله ، وحق على ذي الناقة أن يكرمها لتحمله" (٣).
وقد بيَّن ابن الجوزي أهمية العناية بالجسم الإنساني، حتى يستطيع أن يقوم بالعبودية المطلقة لله تعالى، فقال: "البدن مطية، والمطية إذا لم يرفق بها لم تصل براكبها إلى المنزل" (٤). وهذه العناية تتمثل في إشباع حاجة الإنسان للطعام باعتدالٍ دون إسرافٍ أو تقتير قال الله تعالى:
стр. 249
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١). وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "ثم ينبغي له أن يرفق ببدنه الذي هو راحلته، ولا ينقص من قوتها فتنقص قوته. ولست آمرًا بالشبع الذي يوجب الجشاء (٢)، إنما آمر بالتوسط، فإن قُوى الآدمى كعين جاريةٍ كم فيها من منفعةٍ لصاحبها ولغيره" (٣). وقوله: "فمقتضى العقل الذي حرك على طلب هذه المصالح أن يكون التناول للمطعم والمشرب مقدار الحاجة والمصلحة، ليقع الالتذاذ بالعافية. ومن البلية طلب الالتذاذ بالمطعم، وإن كان غير صالح، والشره في تناوله" (٤).
وقد استقى ابن الجوزي من قول الرسول ﷺ الذي استشهد به: "ما ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطن، حَسْب ابن آدم أُكُلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" (٥)، أما عن أهمية الاعتدال في الأكل فقال: "وإنما يكره الأكل فوق الشبع" (٦). وقال في التقلل من الأكل: "فإن المتقلل لا يزال يتقلل إلى أن يعجز عن النوافل ثم الفرائض ثم يعجز عن مباشرة أهله وإعفافهم، وعن بذل القوى في الكسب لهم، وعن فعل خيرٍ قد كان يفعله" (٧). ثم بيَّن ابن الجوزي بعض أضرار الشبع فقال: "فأما التوسع في المطاعم، فإنه سبب النوم، والشبع يعمي القلب، ويرهل البدن ويضعفه [يقصد به ضعف الصحة رغم السمنة] فافهم ما أشرت إليه، فالطريق هي الوسطى" (٨) أما
стр. 250
أضرار قلة الطعام فقال فيها: "لقد عرفت أن أقوامًا دام بهم التقلل واليبس إلى أن تغير فكرهم، وقوى الخلط السوداوي عليهم، فاستوحشوا من الناس، ومنهم من اجتمعت له من المآكل الردية أخلاط مجة، فبقي اليوم واليومين والثلاثة لا يأكل وهو يظن ذلك من إمداد اللطف به، وإذا به من سوء الهضم، وفيهم من ترقى به الخلط إلى رؤية الأشباح فيظنها الملائكة" (١). وهذا ما أقره الطب الحديث فقال: "أن يكون -الطعام- كافيًا أي بالكمية اللازمة لاحتياج الجسم وما يبذله من طاقةٍ، فلا إقلال للحد الذي يسبب الهزال والضعف، ولا إكثار إلى الحد الزائد الذي يسبب السمنة "البدانة" وما يصاحبها من مشكلاتٍ" (٢).
ثم بيَّن ابن الجوزي حدود تقليل الطعام والحكمة منه فقال: "فإن تقلل من الطعام فبعقلٍ، وحدّ التقلل ترك فضول المطعم، وما يخاف شره من شبهةٍ أو شهوةٍ يحذر تعودها. وأما زيادة التقلل مع القدرة فليس لعقلٍ ولا شرعٍ، إلا أن يكون الفقر عمّ، فيتقلل ضرورةً" (٣) ثم تابع قوله مبينًا منهج الرسول ﷺ وأصحابه الكرام في هذا الشأن، فقال: "ومن تأمل حال رسول الله ﷺ وأصحابه، وجدهم يأخذون بمقدارٍ ولا يتركون حظوظ النفس التي تصلحها" (٤).
ثم بيَّن ابن الجوزي ضابطًا آخر من ضوابط تناول الطعام والشراب، أن يكون حلالًا، دون ربا أو سرقةٍ أو غشٍ أو خداعٍ، فقال: "وتحقق الحلال في المطعم" (٥) وقوله: "فإن النظر ينبغي أن يكون في حل المطعم وأخذ ما يصلع بمقدار" (٦). وقد استقى ابن الجوزي رأيه هذا من قول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي
стр. 251
أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (١) كما ينبغي أن لا يكون الطعام هدفًا لذاته، ولا يكون الأكل للالتذاذ به، كأن الغاية من وجود الإنسان الأكل فقط. وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فالجاهل يطلبها لذاتها أو لنفسِ لذَّاتها" (٢). ويقول: "ولا تظننَّ أني آمر بإشباع الشهوات، ولا بالإكثار من الملذوذ، وإنما آمر بتناول ما يحفظ النفس، وأنهى عما يؤذي البدن" (٣).
وبعد أن وضّحنا رأي ابن الجوزي في التربية الجسمية، نذكر أنه يحذرنا من اتباع المتزهدين الذين فهموا عكس المقصود من تناول الطعام، كما حددته الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، وقلدوا الرجال وأهملوا اتباع سنة الرسول ﷺ ، وقد قال فيهم: "ولا يهولنَّك ما تسمعه من الأحاديث، التي تحثُّ على الجوع، فإن المراد بها إما الحث على الصوم، وإما النهي عن مقاومة الشبع. فأما تنقيص المطعم على الدوام، فمؤثر في القُوى، فلا يجوز. ثم في هؤلاء المذمومين من يرى هجر اللحم، والنبي ﷺ كان يودّ أن يأكله كل يوم" (٤). ثم خاطبهم بقوله: "لا تحتجنَّ عليَّ بأسماء الرجال، فتقول: قال بشر، وقال إبراهيم بن أدهم، فإن من احتج بالرسول ﷺ وأصحابه -رضوان الله عليهم- أقوى حجَّة. على أن لأفعال أولئك وجوهًا نحملها عليها بحسن الظن" (٥). ثم يرد ابن الجوزي أسباب ذلك إلى جهلهم مقاصد الشريعة الإِسلامية، فقال: "قلة العلم أوجبت هذا التفريط، الذي قصد به الخير وهو شر" (٦).
ثم يتناول ابن الجوزي كالطبيب الخبير بطبيعة النفس البشرية التي خلقها الله تعالى، ويبين أن هناك فروقًا بين الأفراد في إشباع هذه الحاجة الفطرية، فقال: "وليس كل الأبدان تتساوى في الإطاقة، ولقد حمل أقوام من المجاهدات في بداياتهم أشياء أوجبت أمراضًا قطعتهم عن
стр. 252
خير، وتسخطت قلوبهم بوقوعها" (١).
كما يلفت نظرنا إلى مبدأ تربويِّ ونفسيِّ مهمِّ، وهو أن كل فرد كيان مستقل عن غيره، لا ينبغي مقارنته بغيره في قدراته وطاقاته ودوافعه، فقال: "ولا ينبغي أن يطالب الإنسان بما يقوى عليه غيره، فيضعف هو عنه، فإن الإنسان أعرف بصلاح نفسه" (٢).
كذلك ينبه ابن الجوزي إلى إشارةٍ تربويةٍ جليلةٍ، يبين فيها أن الحكمة من تناول الطعام والشراب، لا تعتمد على تطبيق مبدأ الخشونة أو مبدأ التنعم، وإنما من أيهما تحصل له المصلحة عند إشباع حاجة الطعام والشراب، والتي بهما توصلانه إلى مرضاة الله تعالى، فقال: "فربَّ متنعم لا يريد التنعم، وإنما يقصد المصلحة. وليس كل بدنٍ يقوى علىَ الخشونة، خصوصًا من قد لاقى الكدَّ وأجهده الفكر، أو أمضَّه الفقر، فإنه إن لم يرفق بنفسه، ترك واجبًا عليه من الرفق بها" (٣)، وقد استشهد ابن الجوزي بقول رابعة العدوية لتأكيد رأيه، فذكر ما قالته: "إن كان صلاح قلبك في الفالوذج (٤) فكُلْه" (٥).
ثم عرض ابن الجوزي قصص بعض النماذج البشرية، ممن وجدت الزهد في الاستمتاع بالطيبات التي أباحها الله تعالى، وقدوتهم في ذلك الرسول ﷺ . ثم قص تجربته في هذا المجال فقال: "فمن ألف الترف فينبغي أن يتلطف بنفسه إذا أمكنه. وقد عرفت هذا من نفسي، فإني ربيت في ترفٍ، فلما ابتدأت في التقلل وهجر المشتهى، أثر معي مرضًا قطعني عن كثير من التعبد. حتى أني قرأت في أيام كل يوم خمسة أجزاء من القرآن، فتناولت يومًا ما لا يصلح فلم أقدر في ذلك اليوم على قراءتها. فقلت: إن لقمة تؤثر في قراءة خمسة أجزاء بكل حرفٍ عشر حسنات، إن تناولها لطاعة عظيمة" (٦). وقد انتهت به تجربته إلى هذا
стр. 253
الرأي، الذي عبر عنه قائلًا: "وإن مطعمًا يؤذي البدن فيفوته فعل خير ينبغي أن يهجر .. ثم أضاف .. فالعاقل يعطي بدنه من الغذاء ما يوافقه كما ينقّي الغازي شعير الدابة. ولا تظنن أني آمر بأكل (بإشباع) الشهوات، ولا بالإكثار من الملذوذ، إنما آمر بتناول ما يحفظ النفس، وأنهى عما يؤذي البدن" (١).
إن الهدف من عرض تجربة ابن الجوزي التربوية في مجال التربية الجسمية، هو الوقوف على المعنى الحقيقي لتربية هذا الجانب دون إسرافٍ أو تعطيلٍ لطاقات البدن عن دورها الفعلي في الحياة. وهو بعرضه لهذه الآراء، إنما يدل على فهمه العميق، ونظرته الصائبة لإشباع هذه الحاجة الفطرية الأساسية باعتدالٍ، وهي معتمدة على الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة.
ثانيًا: رأي ابن الجوزي في دافع الجنس
لقد أودع الله تعالى في فطرة الإنسان الدافع الجنسي وجعله وسيلة حيوية لاستمرار النوع البشري، ولتحقيق هذا الهدف كما يرضاه الله أمر الإسلام بالزواج؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (٢). وقال ﷺ : "يا معشر الشبابِ من استطاع منكم الباءة فليتزوجْ، فإنه أغضُ للبصرِ وأحصنُ للفرجِ. ومن لم يستطع فعليه بالصوم. فإنه له وجاءٌ". (٣)
وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "ولولا تركيب الهوى المائل بصاحبه إلى النكاح ما طلبه أحد، ففات النسل، وآذى المحتقن" (٤). وهذا الدافع وُضع في الإنسان كالباعث المستحث لإنجاب الولد، ولم يوضع للذة والمتعة فقط، وفي هذا يقول ابن الجوزي: "فمن علم أن
стр. 254
هذه الأشياء إنما خلقت إعانة للبدن على قطع مراحل الدنيا، ولم تخلق لنفس الالتذاذ، وإنما جعلت اللذة فيها كالحيلة في إيصال النفع بها، إذ لو المقصود التنعم بها لما جعلت الحيوانات البهيمية أوفى حظًّا من الآدمي منها" (١). وقوله في الغاية من النكاح: "فإن طلب التزوج للأولاد، فهو الغاية في التعبد، وإن أراد التلذذ فمباح يندرج فيه من التعبد ما لا يحصى من إعفاف نفسه والمرأة .. إلى غير ذلك" (٢).
لقد اعترف المنهج التربوي الإسلامي بهذه الطاقة الحيوية، وعمل على تهذيبها وإعلائها عن طريق الزواج الشرعي الحلال، الذي جعل له مقاصد، وقد حددها ابن الجوزي في وجهين هما:
"أحدهما: إبقاء الجنس وهو معظم المقصود.
والثاني: دفع الفضلة المحتقنة المؤذي احتقانها" (٣).
لذلك لابد من فهم هذه المقاصد الشرعية وتحقيقها، واجتناب مخالفتها والحذر من حصرها في الاستمتاع فقط، وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "ومن أقبح الأمور الانهماك في النكاح طلبًا لصورة اللذة، ناسيًا ما يجني ذلك من انحلال القوة، ويزيد في الحرام بالعقوبة" (٤).
وقد وضع ابن الجوزي بعض الضوابط لتصريف هذه الطاقة الحيوية والمحافظة عليها، منها الاعتدال دون شرهٍ، فقال: "إن مال إلى شهوات النكاح وأكثر منها، قل التذاذه وفنيت حرارته وكانت سببًا في عدم مطلوبه منها. ومن استعمل ذلك بمقدار ما يجيزه العقل ويحتمله كان التذاذه أكثر، لبعد ما بين الجماعين، وأمكنه التردد لبقاء الحرارة" (٥).
ثم يبيّن ابن الجوزي أضرار الشره في الجماع، فيقول: "كلما كثر استعماله امتنعت أوعية المني من الدر، فانجذب إليها غذاء ليس بنضيج،
стр. 255
واستلبت قوى الأصول وهي الدماغ والقلب والكبد، فتبرد الحرارة الغريزية، ويسرع لذلك الهلاك، ثم إن صورة الوطء تنبو عنها النفوس الشريفة، إلا أن يدفع به شر محتقن، أو يُطلب الولد، فأما أن يصير عادةً، ويكون بالتمتع بنفس الفعل، فتلك مزاحمة البهائم" (١).
ثم ينصح ابن الجوزي الشاب بالمحافظة على هذه الطاقة، فيقول: "ينبغي للصبي إذا بلغ أن يحذر كثرة الجماع ليبقى جوهره، فيفيده ذلك في الكبر، لأنه من الجائز كبره، والاستعداد للجائز حزم، فكيف للغالب؟ كما ينبغي أن يستعد للشتاء قبل هجومه. ومتى أنفق الحاصل وقت القدرة تأذى بالفقر إليه وقت الفاقة" (٢).
كما ينصحه بالزواج من واحدةٍ، وإلا نكح غيرها فقال: "وإن قدر على الاقتصار، فإن الاقتصار على الواحدة أولى، فإن كانت على الغرض قنع، وإن لم تكن استبدل، ونكاح المرأة المحبوبة يستفرغ الماء المجتمع، فيوجب نجابة الولد وتمامه وقضاء الوطر بكماله" (٣).
ثالثًا: رأي ابن الجوزي في التداوي
كما يحتاج الإنسان للمحافظة على بدنه بكل ما فيه من جوارح وحواسٍ، إلى غذاءٍ متكاملٍ، وإلى العناية بالوقاية، فإنه يحتاج إذا أصابه مرض إلى العلاج.
ولابد للإنسان أن يأخذ بالأسباب، ولا يتعلق بالأوهام، وإلا كان هذا تواكلًا. وقد حث المنهج التربوي الإسلامي على التداوي في قول الرسول ﷺ : "لكل داء دواءٌ. فإذا أصيبَ دواءُ الداءِ برأَ بإذنِ الله " (٤). وكان لهذا المنهج النبوي فضل على ابن الجوزي ولابن الجوزي فضل تأكيده ونشره، فقال: "فإذا جعل الشرع الأمور منوطةً
стр. 256
بالأسباب. كان إعراضي عن الأسباب دفعًا للحكمة. ولهذا أرى التداوي مندوبًا إليه، وقد ذهب صاحب مذهبي [يقصد الإمام أحمد بن حنبل] (١) إلى أن ترك التداوي أفضل، ومنعني الدليل من اتباعه في هذا، فإن الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: "ما أنزل اللهُ داءً إلا وأنزلَ له دواءً فتداووا". ومرتبة هذه اللفظة الأمر، والأمر إما أن يكون واجبًا أو ندبًا. ولم يسبقه حظر، فيقال: هو أمر إباحة" (٢).
رابعًا: رأي ابن الجوزي في النظافة باعتبارها وسيلةً للوقاية من الأمراض
اهتم المنهج التربوي الإسلامي بالنظافة بصفةٍ عامةٍ، والنظافة الشخصية بصفةٍ خاصةٍ، لأنها تعتبر جزءًا من الشخصية الإسلامية، ولها دور مهم في سلامتها من الأمراض، ولهذا عدها الإسلام من الإيمان، فقال رسولنا الكريم ﷺ : "الطهورُ شطرُ الإيمانِ" (٣). وقد أثبت الطب الحديث أن للنظافة فوائد صحيةً تتمثل في:
١ - "الوقاية من انتقال كثير من الأمراض المعدية التي تنتقل بتلوث الأيدي، والتي أهمها ما يسمى بأمراض القذارة.
٢ - تنشيط الدورة الدموية العامة وتجديد حيوية الجسم بتنبيه الأعصاب وتدليك الأعضاء.
٣ - تخليص الأجزاء المكشوفة من البدن من الأوساخ التي تتعلق بها باستمرارٍ، ومن ثم تحفظ وظائف الجلد من أن تتعطل" (٤).
لذا ذكر ابن الجوزي الأضرار الدينية والدنيوية الناتجة من إهمال النظافة فقال: "تلمحت على خلقٍ كثيرٍ من الناس إهمال أبدانهم، فمنهم
стр. 257
من لا ينظف فمه بالخلال بعد الأكل، ومنهم من لا ينقي يديه في غسلهما من الزهم، ومنهم من لا يكاد يستاك، وفيهم من لا يكتحل، وفيهم من لا يراعي الإبط إلى غير ذلك، فيعود هذا الإهمال بالخلل في الدين والدنيا" (١).
ثم فصّل ابن الجوزي الأضرار الدينية التي تصيب الإنسان من جراء إهمال النظافة، مستدلًا على أقواله من أحاديث رسولنا الكريم ﷺ ، وإن لم يستشهد بها، فقال: "إما الدين فإنه قد أمر المؤمن بالتنظف والاغتسال للجمعة لأجل اجتماعه بالناس، ونهى عن دخول المسجد إذا أكل الثوم، وأمر الشرع بتنقية البراجم، وقص الأظفار والسواك، والاستحداد وغير ذلك من الآداب" (٢).
وهذه بعض أحاديث الرسول ﷺ ، التي اشتق منها ابن الجوزي أقواله. قال الرسول ﷺ في الاغتسال بصفة عامة: "حقٌ للهِ على كل مسلمٍ، أن بغتسلَ في كل سبعةِ أيامٍ، يغسلُ رأسَه وجسدَه" (٣). وقوله ﷺ في الاغتسال يوم الجمعة للمحتَلم وغيره: "غسلُ يوم الجمعةِ على كلِ محتلم. وسواك ويمسُ من الطيب ما قدرَ عليه" (٤) وقولَه ﷺ : "من جاءَ منكَم الجمعةَ فليغتسل" (٥). كذلك قوله ﷺ في آكل الثوم: "من أكلَ من هذه البقلة، الثوم (وقال مرة: من أكلَ البصلَ والثومَ والكراثَ) فلا يقربنَّ مسجدَنا. فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" (٦). وقوله ﷺ في سنن الفطرة: عشر من الفطرة: قصُّ الشارب، وإعفاءُ اللحيةِ، والسواكُ، واستنشاقُ الماءِ، وقصُ الأظفارِ، وغسلُ البراجم، ونتفُ
стр. 258
الإبطِ، وحلقُ العانةِ، وانتقاصُ الماءِ. قال زكريا: قال: مصعبٌ: ونسيتُ العاشرةَ. إلا أن تكون المضمضةَ" (١).
ولا يقتصر أثر إهمال النظافة الشخصية على الصحة، بل يتعداها إلى العبادة، وقد قال فيها ابن الجوزي: "فإذا أهمل ذلك ترك مسنونَ الشرع، وربما تعدى ذلك إلى فساد العبادة، مثل أن يهمل أظفاره فيجمع تحته الوسخ المانع للماء في الوضوء أن يصل" (٢).
وقد فصّل ابن الجوزي في بيان بعض أنواع الطهارة، ووثقها بأحاديث نبويةٍ شريفةٍ، وقسمها ثلاثة أنواع هي: الطهارة من نجسٍ، والطهارة من حدث، وسنن الفطرة، ثم ذكر الوضوء. وذلك لأنها مفتاح الدخول للصلاة، ولغيرها من العبادات.
قامت الباحثة بجمع ما ذكره ابن الجوزي وعرضه في هذا المجال ثم مناقشته من الوجهة التربوية وذلك في النقاط الآتية:
١ - تطهير البدن من النجاسة
النجاسة: "هي القذارة التي يجب على المسلم أن يتنزه عنها، ويغسل ما أصابه منها" (٣). وقد اقتصر ابن الجوزي على نجاسة البول فقط. ولم يذكر أنواع النجاسة الأخرى مثل: الدم والميتة والخنزير وقيء الآدمي ورجيعه وبوله، والودي، والمذي، والمني .. الخ. وقد استشهد ابن الجوزي بعددٍ من الأحاديث، نستشهد بحديث واحدٍ منها لرسولنا الكريم ﷺ عندما مر بقبرين فقال: أما إنهما ليعذبان. وما يعذبان في كبيرٍ. أما أحدهما فكان يمشي بالنميمةِ. وأما الآخرُ فكان لا يستترُ من بوله". وفى رواية أخرى أنه قال: "وكان الآخر لا يستنزه عند البول أو من البول" (٤).
стр. 259
٢ - تطهير البدن من الحدث:
وفيه قال الجوزي: "وأما طهارة الأحداث ففي التفريط فيها وعيد شديد" (١) ويقصد به ابن الجوزي الطهارة من الحدثيين الأكبر والأصغر.
والحدث الأكبر هو: الجنابة والحيض والنفاس. . . . الخ. وهذا الحدث يوجب الغسل، وقد استشهد ابن الجوزي بحديث علي بن أبي طالب ﵁، لقول الرسول ﷺ : "من تركَ موضعَ شعرةٍ من جنابةٍ لم يغسلْها فُعل به كذا وكذا من النار" (٢).
أما الحدث الأصغر: فهو الذي عبر عنه الرسول ﷺ بقوله: "إذا وجدَ أحدكُم في بطنِه شيئًا فأشكلَ عليه. أخرجَ منه شيء أم لا. فلا يخرجنَّ من المسجدِ حتى يسمعَ صوتا أو يجد ريحًا" (٣).
وقد استشهد ابن الجوزي في الطهارة من الأحداث بحديث رسولنا الكريم ﷺ الذي يقول فيه: "ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو قال: تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرةٍ سافرناها، فأدركنا ونحن نتوضأ فجعلنا نمسحُ على أرجلنا، قال: فنادى بأعلى صوتِه، مرتين أو ثلاثًا: "ويلٌ للأعقابِ من النارِ" (٤).
وعند رجوع الباحثة إلى شرح هذا الحديث في صحيح مسلم (٥)، والتأكد من علاقته بالطهارة من الأحداث والاستشهاد به، اتضح أنه ليست هناك علاقة بينهما، فموضوع طهارة الأحداث يختلف عن موضوع
стр. 260
الحديث وهو وجوب غسل الرجلين بكمالهما وهو يتعلق بإسباغ الوضوء.
٣ - تطهير البدن من الفضلات:
وبيَّن ابن الجوزي المقصود من الفضلات بقوله: "أما الفضلات فنوعان: أوساخ تعتري البراجم والأسنان. والثاني: الأجزاء، فقصّ الشارب ونتف الإبط وحَلْق العانة وتقليم الأظافر" (١).
تقليم الأظفار والطهارة من الفضلات التي ذكرها ابن الجوزي، تعرف في الفقه الإسلامي بسنن الفطرة أو خصال الفطرة، وقد وردت في حديث رسولنا الكريم ﷺ : "عشرٌ من الفطرةِ: قصُ الشاربِ، وإعفاءُ اللحيةِ، والسواكُ" (٢)، إلى آخر الحديث .. الذي سبق ذكره.
وقد استشهد ابن الجوزي في الأوساخ التي تعتري البراجم والأسنان بالحديث الآتي:
فقال: "قال مجاهد: أبطأ الملَكُ عن رسول الله ﷺ ، ثم أتاهُ، فقال: لعلَّي أبطأتُ؟ قال: قد فعلتَ. قال: ومالي لا أفعلُ وأنتم لا تتسوكون ولا تقصون أظفارَكم، ولا تنقّون براجِمَكم! " (٣) ثم بيَّن ابن الجوزي معنى البراجم فقال: "البراجم: الفصوص التي في فصول ظهور الأصابع، تبدو إذا جمعت وتغمض إذا بسطت. والرواجب: ما بين البراجم، بين كل رجمتين راجبة" (٤). وقد استشهد ابن الجوزي بحديث رسولنا الكريم ﷺ في الحث على السواك: "لولا أن أشقَّ على أمتي أو
стр. 261
على الناس، لأمرتُهم بالسواكِ عند كلِ صلاةٍ" (١). وعن حذيفة قال: "كان رسولُ الله ﷺ إذا قامَ ليتهجدَ، يشوصَ فاهُ بالسواكِ" (٢).
٤ - إسباغ الوضوء:
ذكر ابن الجوزي موضوع الوضوء في الطهارة فقال: "وقد مُدح إسباغ الوضوء" (٣) وذلك حتى يستشعر المسلم في أثناء الوضوء -وهو المدخل للصلاة- المعاني الإيمانية له، فلا يكون مجرد تنظيف محسوس للأوساخ الظاهرة، وإنما هو أيضًا تطهير للذنوب والآثام التي ارتكبتها الجوارح فتتهيأ النفس البشرية، وهي تستحضر هذه المعاني أثناء الوضوء، للتقرب من الله تعالى في طهارة كاملةٍ، باطنة وظاهرة.
وقد استشهد ابن الجوزي بأحاديث متعددةٍ للرسول ﷺ في فضل الوضوء، نأخذ منها الآتي: قال الرسول ﷺ : "من أتمَ الوضوءَ كما أمره اللهُ تعالى، فالصلواتُ المكتوباتُ كفارةٌ لما بينهن" (٤). وقوله ﷺ : "إذا توضأ العبدُ المسلمُ أو المؤمنُ، فغسلَ وجهَه، خرجَ منْ وجهِه كلُ خطيئةٍ نظرَ إليها بعينيهِ مع الماءِ أو مع آخرِ قطرِ الماءِ، فإذا غسلَ يديه خرجَ من يديه كل خطيئةٍ، كان بطشتْها يداهُ مع الماءِ، أو مع آخرِ قطرِ الماء، فإذا غسلَ رجليه خرجت كلُ خطيئةٍ مشتها رجلاهُ مع الماءِ، أو مع آخرِ قطرِ الماءِ حتى يخرجَ نقيًا من الذنوب" (٥).
لقد اكتفى ابن الجوزي في هذا الكتاب بذكر بعض أنواع الطهارة ووثقها بأحاديث رسولنا الكريم ﷺ ، ولم يحدد ابن الجوزي الفوائد التي
стр. 262
تجنى من أثر الطهارة بمفهومها الشامل على الشخص نفسه. وما لها من أثرٍ تربويٍ في النفس البشرية، "فعمليات الطهارة وما فيها من نشاطٍ وحركاتٍ وأفعالٍ عضلية تقوي الجسم وتنشطه وترفع من مقاومته للأمراض المختلفة، كما أنها تساهم في الوقاية من الأمراض التي سببها الخمول والكسل وكثرة الجلوس، وهي التي تسمى "أمراض المدنية الحديثة"، وعلى رأسها السمنة -البدانة- ومرض السكر الكهلي، وتصلب الشرايين وارتفاع الضغط الشرياني، وما يسببه من خثرات دمويةٍ، وصمامات شريانية تضرب القلب أو الدماغ أو سواهما" (١).
هذه الفوائد التربوية وغيرها، إذا تفكر فيها الإنسان بقلبٍ خاشعٍ، وعقلٍ واعٍ، كان ذلك كافيًا، لأن تتهيأ نفسه للدخول في الصلاة، وهي منطلقة إلى آفاق نورانيةٍ رحبةٍ، لتتم الصلة القوية بالله تعالى، وتُؤتي الصلاة ثمارها المباركة للنفس والروح والبدن.
إن ابن الجوزي أغفل هذه النواحي التربوية، والثمرات الإيمانية للطهارة بمفهومها الشامل، وعرض هذه المعلومات الفقهية كأي فقيه إسلامي تهمه الأحكام الشرعية فقط، دون الاهتمام بالآثار التربوية والنفسية، ولكن مع ذلك يمكن أن نستخلص من هذه الأحكام الفقهية نفسها، المبادئ التربوية المتعلقة بالصحة العامة للإنسان.
وأخيرًا. . . من خلال عرضنا لآراء ابن الجوزي في التربية الجسمية والصحية، فإنه يكشف لنا عن فهمه الدقيق لمقاصد الشريعة الإسلامية الخمسة وهي: "حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال" (٢)، وقدرته على ربط هذه المقاصد بطبيعة النفس البشرية، لتربي الجانب الجسمي في الإنسان، ثم استخدام ابن الجوزي الأسلوب القصصي، المعتمد على التجربة الذاتية. كقصة رفاهيته -وما لها من أثرٍ فعالٍ في تغيير السلوكيات الصحيحة، واستبدالها بالسلوكيات الخاطئة،
стр. 263
إلا إنه -في حدود ما أطلعت عليه- أغفل في معالجته التربية الصحية الأمور الآتية:
١ - أنه تناول التربية الصحية بصفةٍ عامةٍ، ولم يعالجها على أساس مراحل النمو الإنساني وما تتطلبه من توجيهات مناسبةٍ لكل مرحلةٍ، وما يناسبها من أساليب تربوية حكيمة.
٢ - وقد عالج موضوع التربية الصحية معالجةً عامةً، ولم يعالجها تحت عناوين تربوية مثل "التربية الصحية"، بل تكلم عن ضوابط الأكل والشرب والجنس الصحية، وأهمية النظافة في الدين بصفةٍ عامةٍ، ولم يذكر آثارها التربوية والنفسية في شخصية الإنسان المسلم.
وبهذا يظهر أن أهم الآراء التربوية المستخلصة من هذه التربية في نظر ابن الجوزي هي:
١ - وجوب إشباع الحاجات الفطرية، لإعانة البدن على طاعة الله .
٢ - وجوب مراعاة الفروق الفردية عند إشباع هذه الحاجات الفطرية، واجتناب التسوية بين جميع الأفراد في ذلك، حتى لا يؤثر فيهم ذلك تأثيرًا سيئًا.
٣ - وجوب تناول ما يحفظ الذات، والابتعاد عما يؤذي البدن.
٤ - وجوب الاهتمام بالتداوي والنظافة الشخصية وأن للنظافة أثرها في قوة الإنسان وإيمانه.
٥ - وجوب تنشئة الأطفال على المبادئ الصحية.
٦ - تكوين الوعي بأهمية السلوكيات الصحية.
٧ - تعويد الأطفال على الاعتدال في الأكل مع بيان أضرار الإفراط والتفريط فيه.
٨ - تعويد الأطفال على خصال النظافة المادية والمعنوية في الإسلام لأنها الأساس في المحافظة على صحة البدن والروح وسلامتهما من الأمراض.
стр. 264
• الفصل الثاني التربية العقلية
أولًا: مفهوم العقل في اللغة والقرآن الكريم والسنة النبوية وتعريفه ودرجاته عند ابن الجوزي
ثانيًا: تعريفات درجات العقل عند ابن الجوزي
ثالثًا: أنواع القدرات العقلية عند ابن الجوزي
رابعًا: القدرات العقلية وعلاقتها بالصفات الجسمية والسلوكية عند ابن الجوزي
خامسًا: العلم والتعليم عند ابن الجوزي
стр. 265
• الفصل الثاني التربية العقلية
سنتناول في هذا المبحث الجانب الثاني من الجوانب الحيوية في الكائن الإنساني وهو الذي به تميز الإنسان عن جميع المخلوقات التي خلقها الله تعالى، ونعني به العقل.
وقبل عرض آراء ابن الجوزي في هذا الجانب، سنعرِّف بإيجاز معنى العقل في اللغة، ثم في القرآن الكريم والسنَّة النبوية المطهرة، وأخيرًا رأي ابن الجوزي في التربية العقلية والعلمية من جميع جوانبها، وذلك حتى نستطيع معرفة أين يقع رأي ابن الجوزي بالتحديد بالنسبة لآراء الآخرين.
أولًا: مفهوم العقل في اللغة والقرآن الكريم والسنَّة النبوية وتعريفه ودرجاته عند ابن الجوزي
أ - معنى العقل في اللغة:
ورد معنى العقل في اللغة بمعانٍ عدة، سنختار منها ما يناسب هذا البحث، فقد جاء في لسان العرب بهذه المعاني: "العقل: الحجرُ والنهي ضد الحمقِ، والجمعُ عقولٌ. وعَقَلَ، فهو عاقلُ وعقولٌ من قوم عقلاء. والعقل: التثبتُ في الأمورِ. والعقلُ: القلبُ، والقلبُ العقلُ، وسمي العقلُ عقلًا: لأنه يعقلُ صاحبَه عن التورطِ في المهالِك أي يحبسهُ. وقيل: العقلُ هو التمييزُ الذي به يتميزُ الإنسانُ من سائرِ الحيوانِ" (١).
стр. 266
ب - مفهوم العقل في القرآن الكريم:
لقد أعلى القرآن الكريم من شأن العقل الإنساني، ولكنه لم يوضح ماهيته ومكوناته، بل إنه بيَّن وظائفه وهي التفكر والتدبر والتأمل، والقدرة على التعلم، والإدراك، والتذكر والتخيل .. إلى غير ذلك من العمليات العقلية.
وقد وردت الآيات القرآنية التي فيها "مادة عقل"، "بصيغة فعل المضارع على سبيل الاستفهام" أفلا تعقلون "أو الترجي" لعلكم تعقلون "أو التقرير" لقوم يعقلون "أو النفي" لا يعقلون (١).
كما أن هناك مرادفاتٍ للعقل في القرآن مثل: "أولي الألباب" و"أولي النهى". . . الخ. والآيات التي وردت بهذه الصيغ لطرح مختلف القضايا والأحكام التي يحتاجها الإنسان في حياته، ويطالب فيها بتحكيم العقل للوصول إلى الحكمة من تشريعها، حتى لا تغلب عليه الشهوة أو الهوى أو الشيطان. قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢).
والآيات القرآنية التي ورد فيها لفظ العقل أو لفظٍ بمعناه، كثيرة لا مجال لذكرها حتى لا يطول البحث.
جـ - مفهوم العقل في السنة النبوية المطهرة
وردت أحاديث نبوية في العقل وفضله، منها قوله ﷺ : "رُفعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن النائمِ حتى يستيقظ، وعن الصبيِ حتى يشبَ، وعن المعتوهِ حتى يعقلَ" (٣).
стр. 267
وقوله ﷺ : "يا معشرَ النساءِ تصدقن فإني أُريتكن أكثرَ أهلِ النارِ. فقلن: وبم يا رسولَ اللهِ؟ قال: تكثرنَ اللعنَ وتكفرنَ العشيرَ، ما رأيتُ من ناقصات عقلٍ ودينٍ أذهبَ للبّ الرجلِ الحازمِ من إحداكن قلن: وما نقصان ديننا وعَقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثلَ نصف شهادةِ الرجلِ؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصمْ؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصانِ دينها" (١).
وعلى الرغم من صحة هذه الأحاديث النبوية الشريفة، إلا أن ابن الجوزي نفى صحة الأحاديث المتعلقة بالعقل بقوله: "المنقول عن رسول الله ﷺ في فضل العقل كثير إلا أنه بعيد الثبوت" (٢). وقد ذكر في كتابيه ذم الهوى والأذكياء الأحاديث الموضوعة والضعيفة التي استشهد بها في فضل العقل، وهذه الأحاديث سأذكرها في باب التقويم من هذا البحث.
د - مفهوم العقل عند ابن الجوزي:
بيَّن ابن الجوزي أن هناك اختلافًا بين العلماء في تحديد ماهية العقل، فقال: "اختلف الناس في ماهية العقل اختلافًا كثيرًا" (٣). وقد حدده ابن الجوزي في معانٍ عدة مجملةٍ في قوله: "العقل يُطْلَق بالاشتراك على أربعة معانٍ أولها الوصف الذي يفارق به الإنسان البهائم وهو الذي به استعد لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية، وهو الذي أراده من قال هو غريزة وكأنه نور يُقذف في القلب يُستعدُّ به لإدراك الأشياء.
والثاني: ما وضع في الطباع من العلم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات. والثالث: علوم تستفاد من التجارب تسمى عقلًا. والرابع: أن منتهى قوّته الغريزية إلى أن تقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة" (٤). وقوله أيضًا في العقل: "فإن أجل الأشياء موهبة العقل فإنه
стр. 268
آلة في تحصيل معرفة الإله، وبه تضبط المصالح، وتلحظ العواقب، وتدرك الغوامض، وتجمع الفضائل" (١).
وهذا تفصيل لهذه المعاني:
المعنى الأول: الاستعداد الفطري للإدراك، وقال فيه ابن الجوزي: "الوصف الذي يفارق به الإنسان البهائم، وهو الذي به استعد لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية، وهو الذي أراده من قال هو غريزة وكأنه نور يُقذف في القلب يستعدّ به لإدراك الأشياء" (٢). ويقصد به أن العقل هو الذي تميز به الإنسان عن الحيوان، وهو الاستعداد الفطري الذي يمكِّن الفرد من إدراك ما يحيط به من كل شيء.
المعنى الثاني: القدرة على التمييز، وقال فيه: "ما وُضع في الطباع من العلم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات" (٣). والمقصود به العلم الذي وضعه الله تعالى في النفس البشرية للتمييز والإدراك.
المعنى الثالث: العلوم المستفادة من التجارب، وقال فيه: "علوم تستفاد من التجارب تسمى عقلًا" (٤). وقد صحح د. حسن عبد العال هذا المعنى الذي أورده ابن الجوزي بقوله: "وردت في القرآن الكريم الألفاظ التي تدل على النشاط العقلي بصفة عامة مثل التفكر والتدبر والعلوم والنظر والتبصّر والتذكر مئات المرات. وفي الحقيقة لا يعرف العلم كائنًا موجودًا بذاته يسمى عقلًا يمكن إجراء التجارب عليه أو ملاحظته" (٥)، لأن هناك فرقًا بين القدرة على التعلم وبين العلوم.
المعنى الرابع: الغريزة التي تقمع الشهوة. وقال فيه: "منتهى قوته الغريزية إلى أن تقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة" (٦). ويقصد بها
стр. 269
قدرة العقل الفطرية، التي تميزت بالإدراك والوعي لعواقب الأمور، الضابطة لشهوات الإنسان ودوافعه من الانجراف في تيار اللذة الوقتية العاجلة.
المعنى الخامس: الوسيلة لمعرفة الله تعالى، وقال فيه: هو "الآلة في تحصيل معرفة الإله، وبه تضبط المصالح، وتلحظ العواقب، وتدرك الغوامض، وتجمع الفضائل" (١). بمعنى أن العقل هو الأداة والوسيلة لمعرفة الله ، ثم اتباع شرعه، واجتناب نهيه.
ويمكن جمع المعاني التي تدل على العقل في نظر ابن الجوزي في تعريفٍ موجزٍ يدل عليه، وهو أن العقل: هو القوة والطاقة الفطرية التي تميز الإنسان عن الحيوان، في معرفته لله تعالى وما يترتب على هذه المعرفة من الإلمام بالأحكام والتكاليف الشرعية، وإدراك العواقب المترتبة على عدم تحكيم شرع الله وتنفيذه. كما أن العقل الواعي المدرك المميز، يستطيع أن يتعلم ويكتسب السلوكيات الفاضلة، ويضبط دوافع الإنسان وشهواته من الزلل.
هـ - درجات العقل عند ابن الجوزي:
لقد كرّم الله تعالى الإنسان بالعقل البشري، الذي يعتبر وسيلة إرسالٍ واستقبالٍ لكل ما يدور في حياته، وما يحيط به في الكون. والناس يختلفون في قدراتهم العقلية، كل حسب ما أعطاه الله تعالى، وقد قال ابن الجوزي في ذلك: "الناس يتفاوتون في العقل وجوهره ومقدار ما أُعطُوا منه" (٢) وقوله أيضًا: "العقلاء يتفاوتون في موهبة العقل ويتباينون في تحصيل ما يَثقَفه من التجارب والعلم" (٣).
ونظرًا إلى وجود هذه الفروق الفردية بين الناس، فقد رأى ابن الجوزي ضرورة مراعاتها في التعليم فقال: "من المخاطرات العظيمة تحديث العوامّ بما لا تحتمله قلوبهم أو بما قد رسخ في نفوسهم
стр. 270
ضده" (١)، وقوله أيضًا: "وقد تكلم قوم من النحويين بالإعراب مع العوامّ، فكان ذلك من جنس التغفيل، وإن كان صوابًا، لأنه لا ينبغي أن يُكلّم كل قوم إلا بما يفهمون" (٢).
وقد حدد ابن الجوزي درجات العقل المرتفعة على الوجه الآتي: الفطنة، ثم الذكاء، ثم الفهم، ثم الذهن. ودرجات العقل المنخفضة على الوجه الآتي: الحمق، ثم التغفيل، ثم البله، ثم الجنون. ولم يكتف ابن الجوزي بتحديد هذه الدرجات المرتفعة والمنخفضة بل عرَّفها وبيَّن الفروق بينها، ولكنه لم يبيِّنها بالأرقام العددية كما يبينها علماء النفس اليوم، وسأقوم بتوضيح ذلك.
ثانيًا: تعريفات درجات العقل عند ابن الجوزي
١ - الفطنة:
لم يعرَّف ابن الجوزي الفطنة، ولكنه سرد قصصًا تدل عليها. واعتبر الأنبياء من الأفراد المتميزين بقوة الفطنة الفطرية، فقال: "معلوم أن فطن الأنبياء فوق الفطن" (٣)، وقد قصّ قصص الأنبياء التي تدل على فطنتهم، ولا مجال لعرضها حتى لا يطول البحث، ويمكن الرجوع إليها في كتابه الأذكياء.
٢ - الذكاء:
وقد عرَّفه ابن الجوزي بقوله: "الذكاء جودة حدسٍ من هذه القوة تقع فى زمانٍ قصيرٍ غير ممهلٍ، فيعلم الذكي معنى القول عند سماعه" (٤).
ثم وضح معناها اللغوي بقوله: "قال الزجَّاج: الذكاءُ في اللغة تمامُ الشيءِ ومنه الذكاءُ في السنِ، وهو تمام السن ومنه الذكاءُ في الفهمِ
стр. 271
وهو أن يكون فهمًا تامًّا سريعَ القبولِ، وذكيت النارَ أي أتممتُ إشعالها. وعن أبي بكر بن الأنباري قال قولهم: "فلانٌ ذكيٌ معناه كاملُ الفطنة تامُها من قولِ العرب: قد ذكتِ النارُ تذكو إذا تمَ وقودُها، ويقال: أذكيتُها إذا أتممتُ وقودَها، ويقال: مسكٌ ذكيٌ إذا كان تامَّ الطيب، كاملَ نفاذِ الريحِ" (١). إذا الذكاءُ فطنةٌ وهو أعلى درجة من الفطنة.
٣ - الفهم:
لقد عرَّف ابن الجوزي الفهم: بأنه "جودة تتهيأ لهذه القوة" (٢). وقد عرّفها الإمام الجرجاني بقوله: تصوّر المعنى من لفظ المخاطب" (٣).
٤ - الذهن:
وقد عرَّف ابن الجوزي الذهن بأنه: "قوة النفس المهيأة المستعدة لاكتساب الآراء" (٤). ووافقه في رأيه الإمام الجرجاني الذي عرف الذهن بقوله: "قوة للنفس تشمل الحواسّ الظاهرة والباطنة معدة لاكتساب العلوم، وهو الاستعداد التام لإدراك العلوم والمعارف بالفكر" (٥).
لقد اكتفت الباحثة برأي ابن الجوزي في درجات العقل المرتفعة، لأنها وجدت أقوال العلماء الغربيين تدعم وتؤكد ما يقوله، وهذا مجاله في باب المقارنة، لذلك لم أذكره هنا. كذلك عرَّف ابن الجوزي درجات العقل المنخفضة على الوجه الآتي:
١ - الحمق:
وقد عرَّفه ابن الجوزي بقوله: "الحمق فساد في العقل أو في الذهن" (٦). والمعنى اللغوي هو: "الحمقُ: ضد العقل. الجوهري: الحُمْقُ والحَمقُ قلةُ العقلِ. والأحمقُ مأخوذٌ من انحماقِ السوقِ إذا
стр. 272
كسدت فكأنه فسدَ عقلُه حتى كسدَ" (١). وتعريف ابن الجوزي مناسب للمعنى اللغوي.
٢ - التغفيل:
وقد عرفه ابن الجوزي بقوله: "هو الغلط في الوسيلة والطريق إلى المطلوب مع صحة المقصود" (٢).
أما المعنى اللغوي للتغفيل فهو: "التغفيل: أم يكفيك صاحبُك وأنت غافلٌ لا تعنى بشيء. والتغفلُ: خَتْلٌ في عقلِه. والمغفَّلُ: الذي لا فطنَة له. والغفولُ من الإبل: البلهاءُ التي لا تمتنعُ من فصيل يرضعها ولا تبالي مَن حلبَها. والغفلُ: المقيدُ الذي أُغفلَ فلا يرجى خيرُه ولا يُخشى شرهُ" (٣).
وقد عرف بعض علماء النفس المغفل بالأبله: وهو الذي لا يستطيع أن يكسب رزقه، ولكنه يستطيع أن يحافظ على حياته بمشقةٍ" (٤).
٣ - الجنون:
وقد عرَّفه الجوزي بقوله: "عبارة عن الخلل في الوسيلة والمقصود جميعًا" (٥).
وقد عرَّفه الإمام الجرجاني بقوله: "هو اختلالُ العقلِ بحيث يمنعُ جريانَ الأفعالِ والأقوالِ على نهجِ العقلِ إلا نادرًا" (٦).
واعتبره علم النفس "مرضًا عقليا يصيب الفرد فينحدر بمستواه انحدارًا شديدًا" (٧) أما الحمقُ والتغفيلُ فإنهما يدلان على ضعف العقل،
стр. 273
وهو نقص في الذكاء يجعل الفرد قاصرًا عن إدراك وتمييز أمورٍ كثيرةٍ.
الفروق بين درجات العقل عند ابن الجوزي
كما أن الناس يختلفون في صفاتهم البدنية، "فتختلف أطوالهم وأوزانهم وألوان بشرتهم يختلفون أيضًا في الذكاء والقدرات العقلية الأولية، والفروق الفردية في أية صفة من الصفات العقلية هي في جوهرها فروق في الدرجة أو المستوى وليست فروقًا من النوع. فالفرق بين الغباء والعبقرية فرق في المستوى (الدرجة) وليس فرقًا في نوع الذكاء" (١).
وقد أدرك ابن الجوزي هذه الحقيقة، فوضع فروقًا لحدود العمليات العقلية التي يقوم بها العقل وذلك للتمييز بين درجاتها، فقال: حدّ الفهم: العلم بمعنى القول عند سماعه، وقال بعضهم: حد الذكاء: سرعة الفهم وحدته، والبلادة جموده" (٢).
ومعنى قول ابن الجوزي، أنه اعتبر الفهم من العمليات العقلية المتفرعة من الذكاء، وحدوده الفهم بمجرد السماع، أما الذكاء فدرجته أعلى من الفهم، لأنه يدل على سرعة الفهم وحدته، أما البلادة فهي ضعف الفهم وبطؤه في استيعاب المراد.
وقد ميز ابن الجوزي بين حدود الأحمق والمجنون فقال: "الأحمق مقصوده صحيح ولكن سلوكه الطريق فاسد، ورويته في الطريق الواصل إلى الغرض غير صحيحةٍ، والمجنون أصل اختياره فاسد، فهو يختار ما لا يُختار" (٣).
ثالثًا: أنواع القدرات العقلية
١ - القدرات العقلية الفطرية.
٢ - القدرات العقلية المكتسبة.
стр. 274
١ - القدرات العقلية الفطرية:
أثبتت الدراسات النفسية أن "الذكاء فطري يولد مع الإنسان، وتتفتح أنماطه وتنضج آثاره كلما تقدمت به السن حتى البلوغ والرشد، حيث يقف ليفسح المجال أمام الخبرة أو التجربة، التي تبقى طيلة الحياة. لتقوم بدورها في كسب المهارات والمعارف" (١). وقد وضح ابن الجوزي أن القدرات العقلية المرتفعة والمنخفضة فطرية في الفرد، فقال إن العقل "غريزة، وكأنه نور يقذف فى القلب يستعد به لإدراك الأشياء" (٢). كذلك بين أن الحمق والغفلة -ممكن- أن تكون فطرية أو مكتسبة فقال: "الحمق فساد في العقل أو الذهن، وما كان موضوعًا في أصل الجوهر فهو غريزة لا ينفعها التأديب، وإنما ينتفع بالرياضة والتأديب من أصلُ جوهره سليمُ، فتدفع الرياضة العوارض المفسدة" (٣). وقال في الغفلة الفطرية: "إذا كانت الغفلة مجبولةً في الطباع، فإنها لا تكاد تقبل التغيير" (٤).
ومن هذين القولين يتبيَّن لنا أن ابن الجوزي يرى أن الحمق وكذلك الغفلة قد يكون فطرةً في الفرد، فلا ينفعه حينئذ التربية والتهذيب، أما من أصل فطرته سليم، واكتسب الحمق من العوامل البيئية المحيطة به، فإنه يسهل علاجه من هذا الداء عن طريق التربية والتعليم والتوجيه المناسب.
٢ - القدرات العقلية المكتسبة:
إذا كانت القدرات العقلية الفطرية هي التي يولد الفرد بها، وتنمو وتزيد حسب البيئة الثقافية، والتعليم المناسب، والتوجيه السديد، فإن تلك القدرات تزداد وتنمو بالتعلم والتجربة، وفي هذا يقول ابن الجوزي: "العقل ينمو بالتعلم والتحصيل والدربة والمران، كالجارحة التي
стр. 275
تكتسب المهارة من دوام العمل" (١). كذلك من الأمور التي تنمِّي العقل شغله -كما قال ابن الجوزي- "بالتفكر، والنظر في عواقب الأحوال، والاستدلال بالشاهد على الغائب" (٢).
وكما ذكرنا -من خلال رأي ابن الجوزي- أن الحمق والغفلة مكتسبة إذا لم تكن من أصل فطرة المرء، فهذه يمكن علاجها عن طريق التربية والتعليم والتوجيه، فقال ابن الجوزي: إن ذكر المغفلين يحث المتيقظ على اتقاء أسباب الغفلة، إذا كان ذلك داخلًا تحت الكسب وعامله فيه بالرياضة" (٣). وقوله أيضًا: "وإنما ينتفع بالرياضة والتأديب من أصل جوهره سليم، فتدفع الرياضة العوارض المفسدة" (٤).
رابعًا: القدرات العقلية وعلاقتها بالصفات الجسمية والسلوكية
يرى ابن الجوزي أن للأذكياء والحمقى صفات يستدل بها عليهم، وقد قسمها قسمين:
١ - القسم الأول: من حيث الصورة.
٢ - القسم الثاني: من حيث الخصال والأفعال.
١ - القسم الأول: من حيث الصورة:
ويقصد بها الصفات التي يتصف بها كل من الأحمق والذكي، وقد استشهد ابن الجوزي بأقوال الحكماء، الذين ربطوا بين شكل الإنسان والحمق، فقال: "إذا كان الرأس صغيرًا رديء الشكل دل على رداءةٍ في هيئة الدماغ. . . وحسن الصوت دليل على الحمق وقلة الفطنة، واللحم الكثير الصلب دليل على غلظ الحِس والفهم، والغباوة والجهل في الطوال أكثر. ومن العلامات التي لا تخطئ طول اللحية، فإن صاحبها لا يخلو من الحمق" (٥).
стр. 276
أما الصفات الجسمية التي يستدل بها على الأذكياء، فقد استشهد بشأنها بأقوال الحكماء قائلا: "الخلق المعتدل والبنية المتناسبة دليل على قوة العقل وجودة الفطنة، وإذا غلظت الرقبة دلت على قوة الدماغ، ووفوره، ومن كانت عينه تتحرك بسرعةٍ وحدةٍ فهو مكّار محتال لص، وأحمد العيون الشُّهل، وإذا لم تكن الشهلاء شديدة البريق، ولا يظهر عليها صفرة ولا حمرة دلت على طبعٍ جيدٍ، وإذا كانت العين صغيرةً غائرةً فصاحبها مكار حسود، ومن كان نحيف الوجه فهو فهيم بالأمور، واللطف في النِّحاف والقصار أظهر، والمعتدلون في الطول صالحو الحال" (١).
إن استشهاد ابن الجوزي بهذه الصفات، يؤكد على أن هناك علاقةً بين الذكاء والصفات الجسمية في رأيه، وهذا مخالف لما أثبتته الدراسات النفسية التجريبية، التي حاول فيها الباحثون "بحث قضية ذكاء الإنسان وقياسه، فحاول البعض الربط بين الذكاء وتضاريس الجمجمة أو اتساع الجبهة، وحاول البعض الآخر قياسه عن طريق قياس بعض السمات الشخصية، مثل درجة الحساسية للألم، والقدرة على التمييز الحسي، ثم ما لبث العلماء أن كشفوا عن خطأ هذه الاعتبارات" (٢). كذلك "دلت نتائج الأبحاث التجريبية الإحصائية التي أجراها جولتون على فراسة الجمجمة وبيرسون على مقاييس فراسة الوجه، وجورنج على التشوهات الخلقية بين المجرمين على خطأ هذه الوسيلة وفشلها في قياس الذكاء والمواهب العقلية الأخرى" (٣).
وقبل أن تؤكد هذه الأبحاث والدراسات النفسية ذلك، فإنه لم ترد آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، تبين أن هناك علاقةً وارتباطًا وثيقين بين القدرات العقلية والصفات الجسمية.
٢ - القسم الثاني: من حيث الخصال والأفعال:
وقد ذكر فيها ابن الجوزي الصفات السلوكية والخلقية، التي يستدل
стр. 277
بها على الأحمق فقال: "ترك نظره في العواقب، وثقته بمن لا يعرفه ولا يخبره، ومنها أنه لا مودة له، ومنها العجب وكثرة الكلام" (١)، كذلك من "علامات الأحمق خلوّه عن العلم أصلًا، فإن العقل لابد أن يحرك إلى اكتساب شيءٍ من العلم وإن قلَّ، فإذا علا السن ولم يحصِّل شيئًا من العلم دلّ على الحمق" (٢).
أما العلامات التي يستدل بها على عقل العاقل من خلال تصرفاته وأفعاله وأحواله فقال ابن الجوزي بشأنها "يستدل على عقل العاقل بسكونه وسكوته وخفض بصره، وحركاته في أماكنها اللائقة بها، ومراقبته للعواقب، فلا تستفزّه شهوة عاجلة عقباها ضرر، وتراه ينظر في القضاء فيخير الأعلى والأحمد عاقبة من مطعم ومشرب وملبس وقولٍ وفعلٍ، ويترك ما يخُاف ضرره، ويستعد لما يجوز وقوعه" (٣).
وتأكيدًا لرأي ابن الجوزي، نقول قد وافقه د. عبد الرحمن صالح بقوله: "إن الأقوال والأفعال الصادرة عن المرء معايير صادقة للحكم على مدى رجحان عقله؛ فالذي يدرك العوامل الماثلة في الموقف والنتائج المترتبة عليها، ويتصرف وفقًا لذلك إنسان عاقل بخلاف من يغتر بظواهر الأمور ولا يتريث عند اختيار الحلّ المناسب للمشكلة الراهنة" (٤).
خامسًا: العلم والتعليم عند ابن الجوزي
إن ابن الجوزي كغيره من العلماء المسلمين الذين أشادوا بالعلم والتعليم والعلماء، وذلك من خلال فهمه العميق للمنهج التربوي والتعليمي في الإسلام. وفي هذه السطور، سنعرض لبعض آرائه في هذا المجال.
أ - فضل العلم والعلماء:
إن للعلم والعلماء في الإسلام منزلةً عظيمةً، لا تُدانيها، منزلته في غيره من الأديان. وقد وردت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي
стр. 278
تظهر هذه المكانة، قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١). وقال ﷺ : "فضلُ العلم أحبُ إليَّ من فضلِ العبادةِ، وخيرُ دينِكم الورعُ" (٢). وقال ﷺ في فضل العلماء: "فضلُ العَالمِ على العابدِ كفضلي على أدناكم"، ثم قال رسول الله ﷺ : "إن الله وملائكته، وأهلَ السمواتِ والأرضين، حتى النملةَ في جحرِها، وحتى الحوتِ، ليصلّونَ على معلّمِ الناسِ الخيرَ" (٣).
وقد استقى ابن الجوزي آراءه في فضل العلم والعلماء من هذا المنهج التربوي الإسلامي، وبيَّن أن "غاية اللذات العقلية العلم" (٤)، وأنه "لا خصيصة أشرف من العلم، بزيادته صار آدم مسجودًا له وبنقصانه صارت الملائكة ساجدةً" (٥) وقال أيضًا: "قد ثبت بالدليل شرف العلم وفضله" (٦).
أما فضل العلماء فقد قال فيه: "من أراد أن يعرف رتبة العلماء على الزهاد، فلينظر في رتبة جبريل وميكائيل، ومن خص من الملائكة بولاية تتعلق بالخلق، وباقي الملائكة قيام للتعبد في مراتب الرهبان في الصوامع .. فأقرب الخلق من الله العلماء" (٧). ثم بيَّن أن العلماء أنواع، فقال: "وأما العلماء فالمبتدئون منهم ينقسمون إلى ذي نيةٍ خبيثة يقصد بالعلم المباهاة لا العمل، ويميل إلى الفسق ظنًا أن العلم يدفع عنه، وإنما هو حجة عليه" (٨).
стр. 279
والنوع الثاني قال فيهم: "وأما المتوسطون والمشهورون، فأكثرهم يغشى السلاطين، ويسكت عن إنكار المنكر، وقليل من العلماء من تسلم له نيته ويحسن قصده" (١).
والنوع الثالث من العلماء، من قصد وجه الله تعالى بعلمه، وقد قال فيه ابن الجوزي: "فمن أراد الله به خيرًا رزقه حسن القصد في طلب العلم، فهو يحصّله لينتفع به وينفع ولا يبالي بعملٍ مما يدله عليه العلم. فتراه يتجافى عن أرباب الدنيا، ويحذر مخالطة العوام ويقنع بالقليل خوفًا من المخاطرة في الدنيا في تحصيل الكثير، ويؤثر العزلة؛ فليس مذكِّرًا للآخرة مثلُها. وليس على العلم أضرّ من الدخول على السلاطين، فإنه يحسن للعالم الدنيا ويهون عليه المنكر" (٢).
والعزلة التي يحبذها ابن الجوزي، هي التي تجعل "علم العالم مؤنسه، وكتبه محدّثه، والنظر في سير السلف مقومه، والتفكر في حوادث الزمان السابق فرجته" (٣).
فإذا فهم العزلة بهذه الطريقة، فإنه -كما قال ابن الجوزي: "ترقّى بعلمه إلى مقام المعرفة الكاملة للخالق سبحانه، وتشبث بأذيال محبته، فتضاعفت لذّاته، واشتغل بها عن الأكوان وما فيها، فخلا بحبيبه وعمل معه. بمقتضى علمه" (٤).
ب - مفهوم العلم والهدف منه في نظر ابن الجوزي:
إن الهدف من العلم هو العمل به، ولا قيمة للعلم ما لم يترجم إلى سلوكٍ عملي، ويكون له أثر إيجابي في حياة الفرد والمجتمع. ولابن الجوزي في هذا المعنى أقوال عدة منها: "ليس العلم بمجرد صورته هو النافع، بل معناه، وإنما ينال معناه من تعلمه للعمل به" (٥). وقوله:
стр. 280
"وإنما عندهم صور ألفاظ يعرفون بها ما يحلّ ويحرم، وليس كذلك العلم النافع. إنما فهم الأصول ومعرفة المعبود وعظمته وما يستحقه، والنظر في سير الرسول ﷺ وصحابته، والتأدب بآدابهم، وفهم ما نقل عنهم، هو العلم النافع الذي يدع أعظم العلماء أحقر عند نفسه من أجهل الجهال" (١).
وليؤيد ابن الجوزي رأيه في حقيقة العلم، واختلاف الناس في فهمه ومعناه، أورد أمثلةً لبعض العلماء الذين اشتغلوا بصورة العلم دون فهم حقيقته ومقصوده. فقال في المقرئين: "فالقارئ مشغول بالروايات، عاكف على الشواذّ، يرى أن المقصود نفس التلاوة، ولا يتلمح عظمة المتكلم، ولا زجر القرآن ووعده. وربما ظن أن حفظ القرآن يدفع عنه، فتراه يترخص في الذنوب، ولو فهم لَعَلِمَ أن الحجة عليه أقوى ممن لم يقرأ" (٢).
ثم عرض لنموذج ثانٍ من العلماء وهم المحدثون فقال فيهم: "والمحدث يجمع الطرق، ويحفظ الأسانيد، ولا يتأمل مقصود المنقول، ويرى أنه قد حفظ على الناس الأحاديث، فهو يرجو بذلك السلامة، وربما ترخص في الخطايا ظنًا منه أن ما فعل في خدمة الشريعة يدفع عنه" (٣). وأخيرًا عرض لنموذج الفقيه، فقال فيه: "والفقيه قد وقع له أنه بما قد عرف من الجدال الذي يقوى به على خصامه، أو المسائل التي يفتي بها الناس ما يرقع قدره، ويمحو ذنبه فربما هجم على الخطايا ظنًّا منه أن ذلك يدفع عنه. وربما لم يحفظ القرآن ولم يعرف الحديث، ولم يدرِ أنهما ينهيان عن الفواحش بزجرٍ ورفقٍ. وينضاف إليه مع الجهل بهما حب الرياسة، وإيثار الغلبة في الجدل، فتزيد قسوة قلبه" (٤). ونتيجة لهذا الفهم الخاطئ، فإنه يكسبهم الكبر والحماقة كما قال ابن الجوزي: "وعلى هذا أكثر الناس، صور العلم عندهم صناعة، فهي تكسبهم الكبر
стр. 281
والحماقة" (١)، أما الفهم الصحيح لحقيقة العلم ومقصوده فإنه يزيد من إيمان الفرد لله تعالى، قال ابن الجوزي: "وهؤلاء لم يفهموا معنى العلم، وليس العلم صور الألفاظ، إنما المقصود فهم المراد منه، وذاك يورث الخشية والخوف، ويرى المنة للمنعم بالعلم، وقوة الحجة له على المتعلم" (٢).
وإذا تأملنا رأي ابن الجوزي، أدركنا أنه وصل إلى فهم حقيقة العلم، التي لم ندركها تمامًا في واقع تعليمنا المعاصر، الذي ركز على الكم لا الكيف، وعلى الشهادة العلمية، والدرجة الوظيفية، أكثر من اهتمامه بفهم العلم وحقيقته، والذي نلاحظه أن ابن الجوزي ركز على العلوم الشرعية واعتبرها من العلوم النافعة، وأهمل العلوم الكونية التي عن طريقها تتم عمارة الأرض بما يرضي الله تعالى ما عدا اهتمامه بعلم الطب وذكر فائدته بل ألف فيه، ونتيجة هذا الفهم الذي سار عليه معظم علماء السلف الأجلاء ﵏ ابتعد الناس عن تعلم هذه العلوم المفيدة، فتخلفت الأمة الإسلامية تخلفًا خطيرًا أدى إلى اعتمادها على الغرب، وعجزها عن مواكبة التقدم الحضاري.
جـ - سمات العلم النافع في نظر ابن الجوزي:
قبل أن نحدد سمات العلم النافع، لابد من معرفة المقصود بالعلم النافع، وهو "العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله المقتضي لخشيته ومهابته وإجلاله والخضوع له ومحبته ورجائه ودعائه والتوكل عليه ونحو ذلك، فهذا هو العلم النافع" (٣). وهذا هو العلم الذي يُعرف بعلم القلب. ويرى ابن الجوزي أن العلم النافع هو الذي يؤدي إلى معرفة الله تعالى وأحكامه وتشريعاته في جميع جوانب الحياة، ومن خلال هذه المعرفة، يسعى الإنسان للتمسك بكل فضيلة حثَّ عليها الإسلام والابتعاد عن كل رذيلة نهى عنها. فقال: "ينبغي أن يطلب الغاية في معرفة الله تعالى ومعاملته، وفي الجملة، لا يترك فضيلة يمكن تحصيلها
стр. 282
إلا حصّلها" (١). وقال: "فليست الفضائل الكاملة إلا الجمع بين العلم والعمل، فإذا حصلا رفعا صاحبهما إلى تحقيق معرفة الخالق ، وحركاه إلى محبته وخشيته والشوق إليه، فتلك الغاية المقصودة" (٢). وقال أيضًا: "ثم ينظر في مقصود العلوم وهو المعاملة لله سبحانه والمعرفة به والحبُّ له" (٣).
ونتيجةً لهذا الفهم الصحيح للغاية من العلم، وهي معرفة الله تعالى بكل مقتضياتها وواجباتها، فقد ورد في بعض أقوال ابن الجوزي تحديد سمات وصفات العلم النافع .. وما ينتجه من ثمرات في نفس المسلم، أهمها:
١ - السمة الأولى: خشية الله تعالى:
مدح الله تعالى العلماء الذين أدت معرفتهم الحقيقية لله تعالى، إلى خوفهم وخشيتهم منه ﷻ فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٤).
وهذه الثمرة وهي الخوف والخشية من الله تعالى هي من العلم النافع، وفي ذلك يقول ابن الجوزي عن نفسه: "وأثمر ذلك عندي من المعاملة ما لا يدرى بالعلم، حتى أنني أذكر في زمان الصبوة ووقت الغلمة والعزبة قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي العلم من خوف الله " (٥) وقوله: "وليس العلم صور الألفاظ، إنما المقصود فهم المراد منه، وذاك يورث الخشية والخوف، ويرى المنة للمنعم بالعلم، وقوة الحجة له على المتعلم" (٦).
стр. 283
٢ - السمة الثانية: إصلاح السريرة
ويقصد بها أن يكون هدف المتعلم من علمه ابتغاء وجه الله تعالى، ولا يتخذ العلم مغنمًا دنيويًّا، حتى يجد آثاره في نفس وسلوكه. لقوله ﷺ : "من طلبَ العلمَ ليجاريَ به العلماءَ أو ليماريَ به السفهاءَ أو يصرفَ به وجوهَ الناس إليه، أدخلَه الله النار" (١)، لأن الله تعالى -كما قال الرسول ﷺ "لا يقبل إلا ما كان خالصًا وابتُغِيَ به وجههُ" (٢). والذين صلحت سرائرهم، سلّموا عقولهم وقلوبهم له ، وأخلصوا لله، فسمت أرواحهم، وطهرت نفوسهم، ورقت قلوبهم، وفيهم يقول ابن الجوزي: "فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه" (٣).
٣ - السمة الثالثة: اكتساب الفضائل
العلم النافع هو الذي يدفع بصاحبه للعمل الصالح، واكتساب الفضائل، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فليست الفضائل الكاملة إلا الجمع بين العلم والعمل" (٤).
وهذه طريقة الرسول ﷺ ، لقوله: "فطريق المصطفى ﷺ العلم والعمل" (٥).
وقوله: "ومن تأمل حالة الرسول ﷺ ، رأى كاملًا من الخلق يعطي كل ذي حق حقه" (٦).
стр. 284
د - المقومات الأساسية للعالم والمتعلم في نظر ابن الجوزي:
حتى يتم العلم في جوٍ من الإيمان والأخلاق، وليأتي بثماره المرجوة لكلٍ من العالم والمتعلم حدّد ابن الجوزي مقوماتٍ متعددة لكل واحدٍ منهما, وهي:
أولًا: المقومات الأساسية للعالم في نظر ابن الجوزي.
لقد ورد الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤكد منزلة العلماء الرفيعة في الإسلام، لذلك على العالم أن يتحلى بالكثير من الصفات والآداب والأخلاقيات التي تتناسب مع شرف العلم الذي يبلغه، والمنزلة التي ينالها. وهذه أهم المقومات الأساسية التي ينبغي أن يتحلى بها:
١ - المقومات الروحية
إن المنهج التربوي الإسلامي يحدد وجهة الإنسان المؤمن في كل حياته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١). والعالم لابد أن يخلص في علمه ونشر تعليمه لوجه الله تعالى، حتى ينال الأجر والثواب، لقوله ﷺ : "من تعلمَ علمًا مما يبتغى به وجهُ الله، لا يتعلمهُ إلا ليصيبَ به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرفَ الجنةِ يومَ القيامةِ" (٢). وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي "هو [العالم] الذي يراعي حدود الله، وهي ما فرض عليه وأُلزم به، والذي يحسن القصد، ويكون عمله وقوله خالصًا لله تعالى، ولا يريد به الخلق ولا تعظيمهم له" (٣).
٢ - المقومات الشخصية:
أ - اهتمام العالم بمظهره الخارجي:
لقد ضرب رسول الله ﷺ المثل والقدوة في الاهتمام بالمظهر
стр. 285
المناسب الذي يجمل بالفرد، ويحببه إلى الناس. وقد نصح ابن الجوزي العالم أن يهتم بمظهره ونظافته وزينته مقتديًا بالرسول ﷺ في ذلك فقال: "ويطلب غاية النظافة ونهاية الزينة. وقد كان النبي ﷺ يعرف مجيئه بريح الطيب فكان الغاية في النظافة والنزاهة" (١).
ب - أن يكون العالم قدوةً:
ينبغي للعالم أن يترفع عن الأعراض الدنيوية، ويجعل همه في تعلم العلم وتعليمه، وأن يجعل قدوته الرسول ﷺ ، وقد قال ابن الجوزي في ذلك: "من آداب العالم: أن يترك فضول الدنيا ليتبعه الناس، فإن الاستدلال بالفعل أقوى من الاستدلال بالقول، فإن الطبيب إذا أمر بالحمية ثم خلّط لم يُلتفت إلى قوله" (٢). وقوله: "ومن تأمل خصائص الرسول ﷺ رأى كاملًا في العلم والعمل، فبه يكون الاقتداء وهو الحجة على الخلق" (٣).
جـ - موقف العالم من جمع المال:
بيَّن ابن الجوزي موقف العالم من جمع المال فقال: "ليس في الدنيا أنفع للعلماء من جمع المال للاستغناء عن الناس، فإنه إذا ضُمّ إلى العلم حِيز الكمال. وإن جمهور العلماء شغلهم العلم عن الكسب، فاحتاجوا إلى ما لابد منه. وقل الصبر فدخلوا مداخل شانتهم وإن تأولوا فيها، إلا أن غيرها كان أحسن لهم" (٤) ثم بيَّن لهم الطريق إلى ذلك فقال: "ينبغي له أن يجتهد في التجارة والكسب ليفضل على غيره ولا يفضل غيره عليه. وليبلغ من ذلك غاية لا تمنعه عن العلم، ثم ينبغي له أن يطلب الغاية في العلم" (٥).
وقد بيَّن ابن الجوزي أمثلة من العلماء الذين ركنوا للدنيا فقال فيهم: "فالزهري مع عبد الملك، وأبو عبيدة مع طاهر بن الحسين، وابن