← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17901

آراء ابن الجوزي التربوية

ليلى عطار

Полный текст (608 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والحماقة" (١)، أما الفهم الصحيح لحقيقة العلم ومقصوده فإنه يزيد من إيمان الفرد لله تعالى، قال ابن الجوزي: "وهؤلاء لم يفهموا معنى العلم، وليس العلم صور الألفاظ، إنما المقصود فهم المراد منه، وذاك يورث الخشية والخوف، ويرى المنة للمنعم بالعلم، وقوة الحجة له على المتعلم" (٢). وإذا تأملنا رأي ابن الجوزي، أدركنا أنه وصل إلى فهم حقيقة العلم، التي لم ندركها تمامًا في واقع تعليمنا المعاصر، الذي ركز على الكم لا الكيف، وعلى الشهادة العلمية، والدرجة الوظيفية، أكثر من اهتمامه بفهم العلم وحقيقته، والذي نلاحظه أن ابن الجوزي ركز على العلوم الشرعية واعتبرها من العلوم النافعة، وأهمل العلوم الكونية التي عن طريقها تتم عمارة الأرض بما يرضي الله تعالى ما عدا اهتمامه بعلم الطب وذكر فائدته بل ألف فيه، ونتيجة هذا الفهم الذي سار عليه معظم علماء السلف الأجلاء ﵏ ابتعد الناس عن تعلم هذه العلوم المفيدة، فتخلفت الأمة الإسلامية تخلفًا خطيرًا أدى إلى اعتمادها على الغرب، وعجزها عن مواكبة التقدم الحضاري. جـ - سمات العلم النافع في نظر ابن الجوزي: قبل أن نحدد سمات العلم النافع، لابد من معرفة المقصود بالعلم النافع، وهو "العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله المقتضي لخشيته ومهابته وإجلاله والخضوع له ومحبته ورجائه ودعائه والتوكل عليه ونحو ذلك، فهذا هو العلم النافع" (٣). وهذا هو العلم الذي يُعرف بعلم القلب. ويرى ابن الجوزي أن العلم النافع هو الذي يؤدي إلى معرفة الله تعالى وأحكامه وتشريعاته في جميع جوانب الحياة، ومن خلال هذه المعرفة، يسعى الإنسان للتمسك بكل فضيلة حثَّ عليها الإسلام والابتعاد عن كل رذيلة نهى عنها. فقال: "ينبغي أن يطلب الغاية في معرفة الله تعالى ومعاملته، وفي الجملة، لا يترك فضيلة يمكن تحصيلها

стр. 282

إلا حصّلها" (١). وقال: "فليست الفضائل الكاملة إلا الجمع بين العلم والعمل، فإذا حصلا رفعا صاحبهما إلى تحقيق معرفة الخالق ، وحركاه إلى محبته وخشيته والشوق إليه، فتلك الغاية المقصودة" (٢). وقال أيضًا: "ثم ينظر في مقصود العلوم وهو المعاملة لله سبحانه والمعرفة به والحبُّ له" (٣). ونتيجةً لهذا الفهم الصحيح للغاية من العلم، وهي معرفة الله تعالى بكل مقتضياتها وواجباتها، فقد ورد في بعض أقوال ابن الجوزي تحديد سمات وصفات العلم النافع .. وما ينتجه من ثمرات في نفس المسلم، أهمها: ١ - السمة الأولى: خشية الله تعالى: مدح الله تعالى العلماء الذين أدت معرفتهم الحقيقية لله تعالى، إلى خوفهم وخشيتهم منه ﷻ فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٤). وهذه الثمرة وهي الخوف والخشية من الله تعالى هي من العلم النافع، وفي ذلك يقول ابن الجوزي عن نفسه: "وأثمر ذلك عندي من المعاملة ما لا يدرى بالعلم، حتى أنني أذكر في زمان الصبوة ووقت الغلمة والعزبة قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي العلم من خوف الله " (٥) وقوله: "وليس العلم صور الألفاظ، إنما المقصود فهم المراد منه، وذاك يورث الخشية والخوف، ويرى المنة للمنعم بالعلم، وقوة الحجة له على المتعلم" (٦).

стр. 283

٢ - السمة الثانية: إصلاح السريرة ويقصد بها أن يكون هدف المتعلم من علمه ابتغاء وجه الله تعالى، ولا يتخذ العلم مغنمًا دنيويًّا، حتى يجد آثاره في نفس وسلوكه. لقوله ﷺ : "من طلبَ العلمَ ليجاريَ به العلماءَ أو ليماريَ به السفهاءَ أو يصرفَ به وجوهَ الناس إليه، أدخلَه الله النار" (١)، لأن الله تعالى -كما قال الرسول ﷺ "لا يقبل إلا ما كان خالصًا وابتُغِيَ به وجههُ" (٢). والذين صلحت سرائرهم، سلّموا عقولهم وقلوبهم له ، وأخلصوا لله، فسمت أرواحهم، وطهرت نفوسهم، ورقت قلوبهم، وفيهم يقول ابن الجوزي: "فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه" (٣). ٣ - السمة الثالثة: اكتساب الفضائل العلم النافع هو الذي يدفع بصاحبه للعمل الصالح، واكتساب الفضائل، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فليست الفضائل الكاملة إلا الجمع بين العلم والعمل" (٤). وهذه طريقة الرسول ﷺ ، لقوله: "فطريق المصطفى ﷺ العلم والعمل" (٥). وقوله: "ومن تأمل حالة الرسول ﷺ ، رأى كاملًا من الخلق يعطي كل ذي حق حقه" (٦).

стр. 284

د - المقومات الأساسية للعالم والمتعلم في نظر ابن الجوزي: حتى يتم العلم في جوٍ من الإيمان والأخلاق، وليأتي بثماره المرجوة لكلٍ من العالم والمتعلم حدّد ابن الجوزي مقوماتٍ متعددة لكل واحدٍ منهما, وهي: أولًا: المقومات الأساسية للعالم في نظر ابن الجوزي. لقد ورد الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤكد منزلة العلماء الرفيعة في الإسلام، لذلك على العالم أن يتحلى بالكثير من الصفات والآداب والأخلاقيات التي تتناسب مع شرف العلم الذي يبلغه، والمنزلة التي ينالها. وهذه أهم المقومات الأساسية التي ينبغي أن يتحلى بها: ١ - المقومات الروحية إن المنهج التربوي الإسلامي يحدد وجهة الإنسان المؤمن في كل حياته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١). والعالم لابد أن يخلص في علمه ونشر تعليمه لوجه الله تعالى، حتى ينال الأجر والثواب، لقوله ﷺ : "من تعلمَ علمًا مما يبتغى به وجهُ الله، لا يتعلمهُ إلا ليصيبَ به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرفَ الجنةِ يومَ القيامةِ" (٢). وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي "هو [العالم] الذي يراعي حدود الله، وهي ما فرض عليه وأُلزم به، والذي يحسن القصد، ويكون عمله وقوله خالصًا لله تعالى، ولا يريد به الخلق ولا تعظيمهم له" (٣). ٢ - المقومات الشخصية: أ - اهتمام العالم بمظهره الخارجي: لقد ضرب رسول الله ﷺ المثل والقدوة في الاهتمام بالمظهر

стр. 285

المناسب الذي يجمل بالفرد، ويحببه إلى الناس. وقد نصح ابن الجوزي العالم أن يهتم بمظهره ونظافته وزينته مقتديًا بالرسول ﷺ في ذلك فقال: "ويطلب غاية النظافة ونهاية الزينة. وقد كان النبي ﷺ يعرف مجيئه بريح الطيب فكان الغاية في النظافة والنزاهة" (١). ب - أن يكون العالم قدوةً: ينبغي للعالم أن يترفع عن الأعراض الدنيوية، ويجعل همه في تعلم العلم وتعليمه، وأن يجعل قدوته الرسول ﷺ ، وقد قال ابن الجوزي في ذلك: "من آداب العالم: أن يترك فضول الدنيا ليتبعه الناس، فإن الاستدلال بالفعل أقوى من الاستدلال بالقول، فإن الطبيب إذا أمر بالحمية ثم خلّط لم يُلتفت إلى قوله" (٢). وقوله: "ومن تأمل خصائص الرسول ﷺ رأى كاملًا في العلم والعمل، فبه يكون الاقتداء وهو الحجة على الخلق" (٣). جـ - موقف العالم من جمع المال: بيَّن ابن الجوزي موقف العالم من جمع المال فقال: "ليس في الدنيا أنفع للعلماء من جمع المال للاستغناء عن الناس، فإنه إذا ضُمّ إلى العلم حِيز الكمال. وإن جمهور العلماء شغلهم العلم عن الكسب، فاحتاجوا إلى ما لابد منه. وقل الصبر فدخلوا مداخل شانتهم وإن تأولوا فيها، إلا أن غيرها كان أحسن لهم" (٤) ثم بيَّن لهم الطريق إلى ذلك فقال: "ينبغي له أن يجتهد في التجارة والكسب ليفضل على غيره ولا يفضل غيره عليه. وليبلغ من ذلك غاية لا تمنعه عن العلم، ثم ينبغي له أن يطلب الغاية في العلم" (٥). وقد بيَّن ابن الجوزي أمثلة من العلماء الذين ركنوا للدنيا فقال فيهم: "فالزهري مع عبد الملك، وأبو عبيدة مع طاهر بن الحسين، وابن

стр. 286

أبي الدنيا مؤدب المعتضد، وابن قتيبة صدَّر كتابه بمدح الوزير. وما زال خلف من العلماء والزهاد يعيشون في ظل جماعة من المعروفين بالظلم. وهؤلاء وإن كانوا سلكوا طريقًا من التأويل فإنهم فقدوا من قلوبهم وكمال دينهم أكثر مما نالوا من الدنيا" (١). أما الصنف الثاني فقد قال فيهم: "فعلمنا أن كمال العز وبعد الرياء إنما يكون في البعد عن العمال الظلمة. ولم نر من صح له هذا إلا في أحد رجلين. إما من كان له مال كسعيد بن المسيب كان يتجر في الزيت وغيره، وسفيان الثوري كانت له بضائع، وابن المبارك. وإما من كان شديد الصبر قنوعًا بما رزق وإن لم يكفه كبشر الحافي، وأحمد بن حنبل. ومتى لم يجد الإنسان كصبر هذين، ولا كمال أولئك، فالظاهر تقلبه في المحن والآفات، وربما تلف دينه" (٢). د - حسن استغلال الوقت: على العالم أن يكون حريصًا على وقته منتفعًا به، يقضي كل وقته بين العلم والعمل به ونشره بين الناس، إلا ما اقتضته ضرورة الأكل والشرب والنوم والراحة. وهذا ابن الجوزي يبين إلى أي مدى كان حرصه على الاستفادة من الوقت وحسن استغلاله، حتى في أثناء زيارة الناس له، فقال: "فصرت أدافع اللقاء جهدي، فإذا غُلبت قصرت في الكلام لأتعجل الفراق. ثم أعددت أعمالًا لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم لئلًا يمضي الزمان فارغًا. فجعلت من الاستعداد للقائهم قطع الكاغد (الورق) وبَري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لابدّ منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتي" (٣). وقد استند ابن الجوزي في حرصه على الوقت إلى قول الرسول ﷺ ، (وإن لم يستشهد به): "لا تزولَ قدمًا عبدِ يومَ القيامةِ حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعلَ، وعن مالِه من أين اكتسبَه

стр. 287

وفيمَ أنفقَه، وعن جسمِه فيم أبلاهُ" (١). ٣ - المقومات العلمية: أن يكون العالم عاملًا بعلمه لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢). قال في ذلك ابن الجوزي: "إن تصفح العلم كل يومِ يزيد في علم العالم، ويكشف له ما كان خفي عنه، ويقوي إيمانه ومعرفته ويريه عيب كثير من مسالكه، خصوصًا إذا تصفح منهاج الرسول ﷺ والصحابة" (٣)، وللعلم أثر عظيم في إصلاح النفس البشرية وتزكيتها والسمو بها، وقد قال في ذلك ابن الجوزي: "فعليك بالعلم. وانظر في سير السلف. . وإنما تشاغلوا بالقرآن والعلم فدلهم على إصلاح البواطن وتصفيتها" (٤). ٤ - المقومات التعليمية: على العالم أن لا يتردد في بذل العلم وتعليمه لمن شاء، حتى ينال الأجر والمثوبة من الله تعالى، لقول الرسول ﷺ . "من دعا إلى هدى، كان له من الأجرِ مثلُ أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا. ومن دعا إلى ضلالةٍ، كان عليه من الإثم مثلُ آثام من تبعه، لا ينقُص ذلك من آثامِهم شيئًا" (٥). وقد بيَّن ابن الجوزي أهمية ذلك بقوله: "وأما تعليم الطالبين وهداية المريدين، فإنه عبادة العالم، وإن من الخطأ الذي وقع فيه بعض العلماء إيثاره التنفل بالصلاة والصوم، عن تصنيف كتاب، أو تعليم علم

стр. 288

ينفع، لأن ذلك بذر يكثر ريعه، ويمتد زمان نفعه" (١). ٥ - المقومات الوعظية: إن للوعظ والإرشاد وتعليم الناس، آدابًا ينبغي مراعاتها في أثناء إعداد الدرس وإلقائه، وهذه الآداب أخذت من آداب القُصاص والمذكرين، وهي تقريبًا آداب العلماء نفسها. ويقضى ذلك بأن على المعلم تعليم المتعلمين آداب التعلم، وآداب المعاشرة الاجتماعية، والتأدب مع الأساتذة والإداريين: أ- اختيار الموضوع المناسب: ينبغي للعالم أن يختار الموضوع الذي يتناسب والحاضرين، ويبدأ بالأمور المهمة ثم الأقل أهميةَ، مع ربطها بواقعهم ومشكلاتهم الحياتية، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "ينبغي أن ينظر في اللازم الواجب، وأن يعطيهم من المباح في اللفظ قدر الملح في الطعام، ثمَّ يجتذبهم إلى العزائم، ويعرفهم الطريق الحق" (٢). ب- ذكر الله تعالى: يستحب للعالم أن يبدى مجلسه بذكر الله تعالى والثناء عليه، والصلاة على نبينا محمد ﷺ ، لقوله: "ما اجتمعَ قومٌ فتفرقوا عن غيرِ ذكرِ الله، إلا كأنما تفرقوا عن جيفةِ حمارٍ، وكان ذلك المجلسُ عليهم حسرةً" (٣). وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فإذا فرغ القراء، حمد الواعظ الله وأثنى عليه وعلى رسوله ﷺ وأصحابه" (٤). وكان من عادة صحابة رسول الله ﷺ أن يقرأ أحدهم شيئًا من القرآن الكريم، قبل الموعظة، وقد استقى ابن الجوزي منهجه في الوعظ من ذلك، فقال: "أما كيفية وعظه فيعلم أن أصحاب النبي ﷺ ، كانوا إذا أرادوا الموعظة أمروا رجلًا أن يقرأ عليهم سورة" (٥).

стр. 289

جـ- الموازنة في الصوت: على العالم أن يتأسى بالرسول ﷺ ، في أن يرفع صوته أو يخَفِضَه حسب الحاجة لذلك، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "ولا بأس أن يرفع صوته ويظهر الجِد في تحذيره ووعظه" (١). وقد استشهد ابن الجوزي بالرسول ﷺ عند خطبه وما ينتابه من رفع صوته أو احمرار عينيه، أو اشتداد غضبه، فقد ورد عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب الناسَ احمرت عيناه ورفع صوتُه واشتد غضبُه وكأنه منذر جيشٍ يقول: صبَّحكم أو مسّاكم" (٢). د- مراعاة الفروق الفردية: على العالم أن يراعي المستوى العقلى للسامعين، فيخاطبهم بما يفهمونه. لقول علي ﵁: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذبَ اللهُ ورسولهُ؟ " (٣) وقول عبد الله بن مسعود: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغهُ عقولهم إلا كان لبعضهم فتنةً" (٤) وفي هذا المعنى قال ابن الجوزي: "من المخاطرات العظيمة تحديث العوام بما لا تحتمله قلوبهم، أو بما قد رسخ في نفوسهم ضده" (٥). وقوله أيضًا: "لا ينبغي أن يُكلَّمَ كل قوم إلا بما يفهمون" (٦). هـ - الاقتصاد في الموعظة: من الأساليب المتعلقة بالوعظ والإرشاد، أسلوب الاقتصاد في

стр. 290

الموعظة وجعلها في أيام محددةٍ حتى لا تمل النفس البشرية، وقد اقتدى الصحابة الكرام بالرسول ﷺ ، فكان عبد الله بن مسعود يذكر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن! لوددت أنك ذكرتنا كل يوم. قال؛ أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملَّكم. وإني أتخولُكم بالموعظة كما كان النبي ﷺ يتخولُنا بها، مخافةَ السآمةِ علينا" (١). ومن هذا المعنى اشتق ابن الجوزي قوله: "وليتقصر على مجلس واحد في الأسبوع، فإن رأى الهمم متشوقةً إلى الزيادة جعلها مجلسين ولا يزيد على هذا" (٢). لأنه لو زاد على ذلك تستجيب النفس البشرية ثم لا تلبث أن تملّ فتنصرف عن هذه المجالس الوعظية. ٦ - مقومات الإفتاء: من مقومات الإفتاء اجتناب الفتوى دون علم، فعلى العالم أن يتأكد من صحة معلوماته ودقتها قبل أن يفتي، وإذا لم يعرف الإجابة فعليه أن يقول: لا أدري حتى يتأكد من الإجابة لأن هذا أسلم من الوقوع في وزر الفتوى. وفي هذا المعنى قال ابن الجوزي: "إذا صح قصد العالم استراح من كلف التكلف، فإن كثيرًا من العلماء يأنفون من قول لا أدري، فيحفظون بالفتوى جاههم عند الناس، لئلا يقال: جهلوا الجواب، وإن كانوا على غير يقين مما قالوا. وهذا نهاية الخذلان" (٣)، ثم بيَّن ابن الجوزي حال كثيرٍ من العلماء فقال: "ثم يُقدم أحدكم على الفتوى وليس من أهلها، وقد كان السلف يتدافعونها" (٤). من هذه المقومات، نستطيع أن نستخلص آراءٍ تربوية عدة تخدم برنامج الإعداد العلمي والتربوي للمعلّم، وأهم هذه الآراء هي: ١ - إخلاص العلم والعمل به لوجه الله تعالى.

стр. 291

٢ - الاهتمام بالمظهر الخارجي في اللباس ونظافته وبساطته لأن ذلك له أثر في شخصية العالم والمتعلم. ٣ - أهمية القدوة في مجال العلم والتعليم. ٤ - الاهتمام بالكسب للعالم مع طلب العلم ونشره بين الناس وذلك حتى لا يذل نفسه. ٥ - أهمية استغلال الوقت فيما يفيد، والحرص على العلم والتعلم في كل وقت. ٦ - أثر العلم في تهذيب السلوك، وتقويم الأخلاق. ٧ - الاهتمام ببذل العلم وتعليمه لمن شاء. ٨ - أهمية اختيار موضوع الدرس المناسب للحاضرين، حتى يحقق الاستفادة المطلوبة. ٩ - ضرورة الاقتداء بالرسول ﷺ في الموعظة وأساليبها. ١٠ - ضرورة مراعاة الفروق الفردية بين الأفراد. ١١ - ضرورة التأدب بآداب الفتوى وضوابطها الشرعية. ويمكن إضافة ضرورة التخلق بالأخلاق الإِسلامية للعالم، والتجمل بآدابه الاجتماعية، وهذه ذكرها ابن الجوزي في مواضع أخرى من تراثه. ثانيًا: المقومات الأساسية للمتعلم في نظر ابن الجوزي ينبغي للمتعلم أن يتحلى بالصفات الكريمة، والفضائل الكاملة، حتى يكون علمه مثمرًا، وهناك بعض الآداب الخاصة بالمتعلم في نظر ابن الجوزي، سأوردها على الوجه الآتى: ١ - المقومات الروحية وتتمثل في: الإخلاص لله تعالى في طلب العلم ينبغي للمتعلم أن يبتغي بعلمه وجه الله تعالى، ولا يجعله مغنمًا دنيويًا، لأن العلم النافع هو الطريق إلى

стр. 292

الجنة. وفي هذا المعنى قال ابن الجوزي: "وينبغي لطالب العلم أن يصحح قصده، إذ فقدان الإخلاص يمنع قبول الأعمال" (١). ٢ - المقومات الشخصية: أ- الانتفاع بالوقت وتنظيمه يرى ابن الجوزي أهمية استغلال الوقت، واستثماره فيما يفيد طالب العلم، ويزيد من تحصيله. وقد وضع برنامجًا زمنيًا للمتعلم، حتى يستفيد من وقته، من بداية اليوم إلى نهايته، جامعًا بين العلم والعمل به. فقال: "فألزِم نفسك يا بني الانتباه عند طلوع الفجر، ولا تتحدث بحديث الدنيا، فقد كان السلف الصالح ﵏ لا يتكلمون في ذلك الوقت بشيء من أمور الدنيا. فإذا أعدت درسك إلى وقت الضحى الأعلى، فصل الضحى ثماني ركعات، ثم تشاغل بمطالعة أو نسخ إلى وقت العصر، ثم عد إلى درسك من بعد العصر إلى وقت المغرب، وصل بعد المغرب ركعتين بجزئين، فإذا صليت العشاء، فعد إلى دروسك، ثم اضطجع على شقك الأيمن، فسبّح ثلاثًا وثلاثين، واحمد ثلاثًا وثلاثين، وكبّر أربعا وثلاثين، وقل: "اللهم قني عذابك يوم تجمع عبادك". وإذا فتحت عينيك من النوم، فاعلم أن النفس قد أخذت حظها، فقم إلى الوضوء، وصل في ظلام الليل ما أمكن، واستفتح بركعتين خفيفتين، ثم بعدهما ركعتين بجزئين من القرآن. ثم تعود إلى درس العلم، فإن العلم أفضل من كل نافلة" (٢). ب- تخصيص وقت للكسب: يرى ابن الجوزي أن انشغال طالب العلم بتحصيل العلم، ينبغي أن لا ينسيه كسب معيشته ورزق أهله، حتى لا يعرضهم للسؤال، فقال في ذلك: "فعليك يا طالب العلم بالاجتهاد في جمع المال للغنى عن الناس، فإنه يجمع لك دينك. . . فما رأينا في الأغلب منافقًا في التدين والتزهد والتخشع، ولا آفة طرأت على عالم إلا بحب الدنيا، وغالب

стр. 293

ذلك الفقر. فإن كان له مال يكفيه، ثم يطلب بتلك المخالطة الزيادة، فذلك معدود في أهل الشره، خارج عن حيِّز العلماء" (١). ثم يبين له طريقة الاكتساب بقوله: "وينبغي له بالتلطف أن يجعل جزءًا من زمانه مصروفًا إلى توفير الاكتساب والتجارة مستنيبًا فيها، غير مباشر لها مع التدبير في العيش الممتنع من الإسراف والتبذير" (٢). ولنا وقفة في نصيحة ابن الجوزي لطالب العلم بالاكتساب؛ فإنه لم يوص الحُكام والأغنياء بتخصيص منح دراسية لطلاب العلم بدلًا من الاشتغال بالكسب الذي يكون على حساب طلب العلم وتقدم العلوم، لعله لم يوص ابن الجوزي الحكام والأغنياء بذلك حتى لا يعتمد عليهم طالب العلم في معيشته فيفتن بالدنيا وزينتها بحجة طلب العلم. جـ- مدافعة النكاح ولا يقصد من ذلك ابن الجوزي أن يهمل طالب العلم الزوجة والأولاد والرزق، بل يريد ألا تشغله هذه الأمور عن تحصيل العلم، ويصرف كل وقته فيها. فقال: "وأختار للمبتدئ في طلب العلم أن يدافع النكاح مهما أمكن، فإن أحمد بن حنبل لم يتزوج حتى تمت له أربعون سنة، وهذا لأجل جمع الهمّ. فإن غلب عليه الأمر تزوج واجتهد في المدافعة بالفعل لتتوافر القوة على إعادة العلم. ثم لينظر ما يحفظ من العلم، فإن العمر عزيز، والعلم غزير" (٣). ٣ - المقومات التعليمية: أ- المثابرة على طلب العلم بجدٍ: يحث ابن الجوزي طالب العلم على السعي الدائب للتحصيل المستمر بهمة عالية، وعزيمة قوية عن طريق الاطلاع المستمر في أمهات الكتب المفيدة، فقال في ذلك: "فسبيل طالب الكمال في طلب العلم،

стр. 294

الاطلاع على الكتب التي قد تخلفت من المصنفات. فليكثر من المطالعة، فإنه يرى من علوم القوم، وعلوّ هممهم ما يشحذ خاطره، ويحرّك عزيمته للجِدّ، وما يخلو كتاب من فائدة" (١). ثم ينصح ابن الجوزي طلاب العلم قائلًا: "وعليكم بملاحظة سير السلف ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم. ." (٢) ثم ضرب بنفسه مثلًا في سعة الاطلاع، فقال: "ولو قلت: إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر وأنا بعدُ في الطلب" (٣)، وكان حصيلة هذا الاطلاع الواسع من ابن الجوزي، ما عبر عنه بقوله: "فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم، وقدر هممهم وحفظهم وعباداتهم وغرائب علومهم ما لا يعرفه من لم يطالع. فصرت أستزري ما الناس فيه، واحتقر همم الطلاب" (٤). . ب- الإلمام من كل علم بطرف: يرى ابن الجوزي أن يأخذ طالب العلم من كل علم بطرف، فقال في ذلك: "الشاب المبتدئ في طلب العلم، ينبغي له أن يأخذ من كل علم طرفًا، ويجعل علم الفقه الأهم، ولا يقصر في معرفة النقل، فبه تبين سير الكاملين. وإذا رزق فصاحة من حيث الوضع، ثم أضيف إليها معرفة اللغة والنحو فقد شُحذت شفرة لسانه على أجود مسنِّ" (٥). وبعد، فقد ركّز ابن الجوزي في آداب المتعلم على المقومات الروحية والشخصية والتعليمية، وأهمل المقومات الأخلاقية والاجتماعية. ويمكن أن نستخلص أهم الآراء التربوية التي تفيد طالب العلم وهي: ١ - وجوب قصد طالب العلم وجه الله من طلبه العلم. ٢ - وجوب تنظيم الوقت للمتعلم وحسن استغلاله.

стр. 295

٣ - وجوب تنظيم وقت المتعلم بين طلب العلم وكسب الرزق. ٤ - وجوب المثابرة والجد في طلب العلم. ٥ - ضرورة الأخذ بطرفٍ من كل علم، مع العلم أن ذلك لا يؤدي إلى التعمق والتخصص في العلم. ج- طريقة تعلم أنواع العلوم في نظر ابن الجوزي: سأجمل رأي ابن الجوزي في أنواع العلوم، لأنه سبق ذكرها في الفصل الثاني عند الحديث عن المنهج التعليمي للأطفال. وقد ركّز ابن الجوزي على العلوم الإسلامية المتعلقة بالقرآن الكريم والسُّنة النبوية المطهرة، واللغة العربية، فقال فيها: "وقد علم قصر العمر وكثرة العلم، فيبتدئ بالقرآن وحفظه، وينظر في تفسيره نظرًا متوسطًا لا يخفى عليه بذلك منه شيء، وإن صح له قراءة القراءات السبعة، وأشياء من النحو وكتب اللغة، وابتدأ بأصول الحديث من حيث النقل كالصحاح والمسانيد والسنن، ومن حيث علم الحديث كمعرفة الضعفاء والأسماء، فلينظر في أصول ذلك. . . ولينظر في التواريخ ليعرف ما لا يستغنى عنه كنسب الرسول ﷺ وأقاربه وأزواجه وما جرى له. ثم ليقبل على الفقه، فلينظر في المذهب والخلاف وليكن اعتماده على مسائل الخلاف، فلينظر في المسألة وما تحتوي عليه، فيطلبه من مظانه كتفسير آية وحديث وكلمة لغة. ويتشاغل بأصول الفقه وبالفرائض، وليعلم أن الفقه عليه مدار العلوم" (١). د- رأي ابن الجوزي في طريقة الحفظ: إن "التعلم عملية معقدة، تدخل فيها عمليات عقلية مختلفة، هذه العمليات تختلف في تعقيدها تبعًا للمستوى النفسي الذي تحدث فيه عملية التعلم، ولا شك في أن الحفظ ضروري في أنماط التعلم الدنيا" (٢). وهذا بالإضافة إلى العمليات العقلية الأُخرى مثل التذكر والتفكير والتعرف والاستدعاء. وابن الجوزي ركز فقط على الحفظ على

стр. 296

أنه عملية عقلية، وأهمل العمليات العقلية الأُخرى، وربما كان ذلك لعدم تحديد نظرته إلى التعلم على أنه مستقل، فإنه ذكر قدرة الحفظ من حيث هي قدرة من القدرات على حفظ المعلومات وتثبيتها في الذهن. والآراء التربوية التي ذكرها ابن الجوزي ليست شاملة، بل هي محددة في نقاط معينة. وأنا أقوم بتصنيفها حسب مقتضى الدراسة. هـ- مراعاة الفروق الفردية في القدرة على الحفظ: أثبت علم النفس التربوي أنه "توجد فروق فردية في مدى ما يحفظه الأفراد المختلفون، حسب الشروط المختلفة التي تحيط بكل منهم" (١)، وهذا ما أكده ابن الجوزي بقوله: "والناس يتفاوتون في ذلك: فمنهم من يثبت معه المحفوظ مع قلة التكرار. ومنهم من لا يحفظ إلا بعد التكرار الكثير، فينبغي للإنسان أن يعيد بعد الحفظ، ليثبت معه المحفوظ" (٢) وبناء على هذا التفاوت في القدرة على الحفظ، فقد حدد ابن الجوزي بعض الآراء التربوية العامة التي تساعد المتعلم على التعلم الجيد، والتحصيل المثمر. وهذه الآراء صنفت إلى نواح عدة هي: أ- العوامل المساعدة على التعلم الجيد: معرفة هذه العوامل، تساعد المتعلم على توفير الوقت والجهد في تعلم صحيح وسريع، وتحصيل مثمر فعَّال، بدلًا من التخبط والتشتت الذهني. وأهم هذه العوامل من خلال آراء ابن الجوزي هي: ١ - تحقيق الصحة العامة للمتعلم، عن طريق الاهتمام بنوعية الغذاء الجيد المتكامل، المحتوي كل ما يحتاجه الجسم البشري، حتى يقوى العقل، وينشط الذهن، ويسهل التحصيل، قال ابن الجوزي: "وإصلاح المزاج من الأصول العظيمة، فإن للمأكولات أثرًا في الحفظ" (٣). ٢ - استغلال الأعمار الزمنية المناسبة للحفظ، حتى تثبت المعلومات في ذهن المتعلم، قال ابن الجوزي: "وللحفظ أوقات من العمر، فأفضلها

стр. 297

الصبا وما يقاربه من أوقات الزمان" (١) وقوله أيضًا: "ينبغي للعاقل أن يكون جل زمانه للإعادة خصوصًا الصبي والشاب، فإنه يستقر المحفوظ عندهما استقرارًا لا يزول" (٢). وقد وافقه في ذلك د. فؤاد البهي السيد وهو من علماء النفس المعاصرين بقوله: "يخضع الذكاء في اطراد نموه لسرعة النمو العقلي المعرفي لاعتماده على نمو العمليات العقلية المختلفة، ويخضع أيضًا للسرعة الكلية للنمو، فهو لذلك ينمو سريعًا في الطفولة وخاصة في سني المهد. ثم تبطؤ سرعته عند المراهقة، وتستقر على مستوى ثابت معين في الرشد، ويظل كذلك إلى بدء الشيخوخة فينحدر عن مستواه الذي ظل ثابتًا طوال الرشد" (٣). ٣ - تنظيم أوقات الحفظ، لما له من أثر كبير في التحصيل، وقد حدد ابن الجوزي الأوقات المناسبة للحفظ وهي: في الساعات الأُولى والأخيرة من اليوم، وفي منتصف الليل، قال: وقد مدح الحفظ في السحَر (الساعات الأخيرة من الليل) لموضع جمع الهمّ، وفي البكر (بعد الفجر)، وعند نصف الليل" (٤). والسبب في تخصيص هذه الأوقات للحفظ ولاسيما وقت الفجر، كما وضحه د. يالجن فقال: "تكون الدنيا هادئة خالية من ضوضاء الحياة وثرثرتها ويكون الذهن صافيًا متفتحًا، ومستريحًا يقبل المعلومات بسهولة، وترسخ فيه بسرعة" (٥). ٤ - مراعاة الأحوال النفسية التي يكون فيها المتعلم، حتى يسهل تحصيله، ولا يعاق حفظه، بسبب انشغال البال، وقلق النفس. قال ابن الجوزي: "ومتى رأى نفسه مشغول القلب ترك التحفظ" (٦). كذلك يبتعد عن بعض الأمور التي تشغله عن التركيز في أثناء الحفظ، مثل الشبع، والأماكن الخضراء، وشواطئ الأنهار، فقال في ذلك ابن الجوزي:

стр. 298

"وأوقات الجوع خير من أوقات الشبع، ولا يحمد الحفظ بحضرة خضرة وعلى شاطئ نهر، لأن ذلك يلهي. والأماكن العالية للحفظ خير من السوافل، والخلوة أصل، وجمع الهم أصل الأصول" (١) وقد أكد د. يالجن ضرر الشبع عند الحفظ، فقال ينبغي: "أن تكون المعدة قد خفت من ثقل الطعام وكثرته، فيشعر الإنسان عند ذلك بالخفة والنشاط في جسمه وعقله" (٢). ٥ - الاستفادة من طاقاته العقلية المختلفة في حفظ العلوم المهمة أولًا، ثم الأقل أهمية، وذلك حتى لا يبدد المتعلم هذه القدرات فيما لا يفيد. قال ابن الجوزي: "ثم لينظر ما يحفظ من العلم، فإن العمر عزيز، والعلم غزير. وإن أقوامًا يصرفون الزمان إلى حفظ ما غيره أولى منه، وإن كان كل العلوم حسنًا، ولكن الأولى تقديم الأهم والأفضل (٣). ٦ - عدم الانتقال من مادة إلى أُخرى، حتى يتقنها ويتأكد من ثبوتها في ذهن المتعلم، قال ابن الجوزي: "وأن لا يشرع في فن حتى يحكم ما قبله" (٤). ٧ - تقسيم المادة العلمية إلى أجزاء مناسبة حسب قدرة المتعلم، وهذه تسمى بالتمرين الموزع، وقد "دلت التجارب على أن توزيع فترات التمرين أكثر فائدة من تركيزها في كثير من أنواع التعلم، وعلى الأخص في تعلم المهارات والخبرات التي لا ترتكن كثيرًا على عامل المعنى، وذلك لأن التمرين المتصل قد يؤدي إما إلى تعب المتعلم، وإما إلى ملله ونقص رغبته في التحصيل، وإما إلى حدوث ظاهرة الكفّ الرجعي، حيث تتداخل عناصر الخبرات المتعلَّمة بعضها في البعض الآخر، فيعرقل بعضها البعض" (٥). وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "والصواب أن

стр. 299

يأخذ قدر ما يطيق ويعيده في وقتين من النهار والليل" (١)، وقوله: "ويحفظ قدر ما يمكن فإن القليل يثبت والكثير لا يحصل" (٢)، وقوله أيضًا: "وتقليل المحفوظ مع الدوام أصل عظيم" (٣). ٨ - التكرار من العوامل المساعدة على التعلم الجيد، وذلك لأنه يكسب "الأداء نوعًا من الثبوت والنمو والاستقرار عند الشخص المتعلم، فالممارسة تيسر نوعًا من الآلية، وبالتالي تساعد على أداء الأعمال بطريقة سريعة دقيقة صحيحة" (٤). وقد بين ابن الجوزي أهمية التكرار وتفاوت الناس فيه. فقال: "الطريق في إحكامه [للمحفوظ]. كثرة الإعادة، والناس يتفاوتون في ذلك: فمنهم من يثبت معه المحفوظ مع قلة التكرار، ومنهم من لا يحفظ إلا بعد التكرار الكثير. فينبغي للإنسان أن يعيد بعد الحفظ، ليثبت معه المحفوظ" (٥). وقد استشهد ابن الجوزي بقول الرسول ﷺ : "تعاهدوا القرآنَ فإنه أشدّ تفصيًا من صدورِ الرجالِ من النعمِ من عقلِها" (٦). وقد بيَّن طريقة الحفظ فقال: "فينبغي أن يحكم الحفظ ويكثر التكرار ليثبت قاعدة الحفظ" (٧) وذلك لصعوبة التكرار على النفس البشرية، فقال: "ما رأيت أصعب على النفس من الحفظ للعلم والتكرار له" (٨). وصعوبة هذا الأمر تتفاوت حسب المادة العلمية التي يحفظها الإنسان، وقد قال في ذلك: "خصوصًا تكرار ما ليس لها في تكراره وحفظه حظ، مثل مسائل الفقه، بخلاف الشعر والسجع، فإن لها لذة

стр. 300

في إعادته وإن كان صعبًا، لأنها تلتذ به مرة ومرتين" (١). ب - الأسباب التي تؤدي إلى النسيان في نظر ابن الجوزي: ذكر ابن الجوزي الأسباب التي تؤدي إلى النسيان في كتابه الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ، تحت عنوان "في الأدوية المعينة على الحفظ"، وهذا العنوان مخالف للذي ذكره من الأسباب. وقبل عرض آراء ابن الجوزي في هذا الموضوع، سنعرِّف معنى النسيان، وهو "عجز الإنسان عن استرجاع، أو تعرفٍ على ما قد اكتسبه في الماضي من معلومات أو أفكار أو ذكريات أو مهارات. إنه فقدان كلي أو جزئي لما سبق ذكره في الوقت الذي يحتاج إليه الفرد" (٢). والنسيان نوعان: ١ - نسيان طبيعي. وهذا النسيان بحكم كون الإنسان إنسانًا. ٢ - نسيان مرضي. ناتج من صدمة انفعاليةٍ أو مرضٍ أصابه في دماغه. ففقد الذاكرة. وللنسيان أسباب عديدة -لا داعي لذكرها- وقد حصرها ابن الجوزي في أربعة أسباب هي: ١ - أسباب مرضية ناتجة من أمراض الدماغ. ٢ - أسباب غذائية ناتجة من التركيز على أكل أنواع معينة من الأطعمة. ٣ - أسباب نفسية مثل الهمّ. ٤ - أسباب أُخرى مثل قراءة ألواح القبور، والنظر في الماء الدائم والبول فيه، والنظر إلى المصلوب ونبذ القمل، والمشي بين جملين مقطورين، وأكل سؤر الفأر. وسأقوم بعرض رأي ابن الجوزي في أسباب النسيان ثم مناقشته،

стр. 301

لمعرفة مدى صحة أو خطأ ما عدّه من الأسباب: ١ - أسباب مرضية ناتجة من أمراض الدماغ، وقد قال فيها ابن الجوزي: "إن نسيان المحفوظ من أمراض الدماغ، وذلك يكون غالبًا من سوء مزاج بارد، رطب، يرطب الدماغ، وذلك يكون من كل ما يولد خلطًا بلغميًا وفيه تبخير، ويتولد كثيرًا من أكل البصل والتخم وكثرة أكل الفواكه. وسبب فساد الذكر البرد، فإن كان من رطوبة فصاحبه لا يحفظ ما يطبع فيه، وإن كان من يبوسة فإنه لا يحفظ الأمور الماضية دون الحادثة، وإن كان من يبس مع حركان مع اختلاط الذهن، وأكثر ما يعرض النسيان عن برد ورطوبة. وقد يكون عن يبس مفرط، يجفف الدماغ، ويجعله كالصخرة التي لا تقبل أن ينطبع فيها شيء" (١). وهذا السبب يخالف ما أثبته الطب الحديث من أن النسيان "ناتج من إصابة عضوية عصبية كضربة دماغية، أو صدمة انفعالية، أو كبت مزمن قوي، فهذه الحالات يحدث معها نسيان مفاجئ ويفقد صاحبها الذاكرة. وقد يكون النسيان تدريجيًا كما هو الحال مع بعض الأمراض العقلية كالذهان، أو نسيانًا فجائيًا، كمن صدمته سيارة برأسه وأغمي عليه. . . ." (٢) أما ما ذكره ابن الجوزي من أمراض الدماغ، فهذا من الطب اليوناني القديم (٣)، الذي فرض نفسه في عصر ابن الجوزي. أما الأطعمة التي تسبب النسيان، فقد ذكرها ابن الجوزي بقوله: "وأكل الكزبرة الرطبة والتفاح الحامض" (٤). فأعتقد أن هذه الفواكه لا تسبب النسيان، وإن كانت بعض الأطعمة تنشط العقل وتزيل الإعياء. أما الأسباب الناتجة من الحالة النفسية كالهمّ، فإن لها تاثيرًا سيئًا في الشخص فإنها تمنعه من التركيز، وتكون سببًا في صعوبة الاسترجاع. "فالإنسان الذي يعاني من الصراع الداخلي والاكتئاب النفسي، والاضطراب العصبي يلاقي من الصعوبة في التحصيل أكثر من الإنسان

стр. 302

المتزن الشخصية" (١). أما الأسباب الأُخرى فأعتقد أنها غير مقبولة منطقيًا، وهي من تأثير الخرافات (٢). جـ - الطرق المتبعة في مقاومة النسيان: يعتبر النسيان من العوائق التي تعترض التحصيل، وتحول دون ثبات المعلومات في ذهن المتعلم وهناك العديد من المبادئ التي ذكرها ابن الجوزي لمقاومة النسيان وهي: استمرارية ودوام المذاكرة، حتى لا ينسى المتعلم العلم. قال ابن الجوزي: "إن المتعلم يفتقر إلى دوام الدراسة" (٣) وقال: "فكم ممن ترك الاستذكار بعد الحفظ فضاع زمن طويل في استرجاع محفوظٍ قد نُسي" (٤). وهذه الاستمرارية، لابد أن يتوافر فيها الآتي: ١ - تنظيم أوقات الإعادة بطريقة لا ترهق المتعلم ولا تضرّه. قال ابن الجوزي: "ومن الغلط الانهماك في الإعادة ليلًا ونهارًا، فإنه لا يلبث صاحب هذه الحال إلا أيامًا ثم يفتر أو يمرض" (٥). ٢ - تحديد القدر الذي يحفظه، حتى لا يثقل على القلب، فلا يستوعب ما يحفظه. قال ابن الجوزي: "ومن الغلط تحميل القلب حفظ الكثير أو الحفظ من فنون شتى، فإن القلب جارحة من الجوارح، وكما أن من الناس من يحمل المائة رطل، ومنهم من يعجز عن عشرين رطلًا، فكذلك القلوب. فليأخذ الإنسان على قدر قوته ودونها، فإنه إذا استنفدها في وقت ضاعت منه أوقات" (٦). ٣ - مراعاة الحفظ في أوقات النشاط، حتى يستوعب العقل المعلومات ويتقبلها بسهولة، وترك الحفظ أثناء التعب الجسمي والنفسي

стр. 303

حتى لا ينساها، قال ابن الجوزي: "ومن لم يجد نشاطًا للحفظ فليتركه، فإن مكابرة النفس لا تصلح" (١). ٤ - إعطاء المتعلم مدة زمنيه للراحة بمعدل يوم أو يومين في الأسبوع، يساعد على تثبيت المعلومات في ذهن المتعلم، بالإضافة إلى أن "مثل هذه الراحة تعيد للأعصاب وللذاكرة النشاط، وتبعده عن الإرهاق والملل" (٢). وقد قال ابن الجوزي في هذا المعنى: "وترفيه النفس من الإعادة يومًا في الأسبوع ليثبت المحفوظ، وتأخذ النفس قوةً كالبنيان يترك أيامًا حتى يستقر، ثم يبنى عليه" (٣). وهذه الآراء المتعلقة بالتعلم واتباع الطرق الصحيحة للحفظ الجيد، تدل على علم وفهم ابن الجوزي لهذا العلم، رغم أنه -كما سبق أن ذكرنا- لم يكن لدى العلماء المسلمين القدماء، هذا التحديد الدقيق لمسمى العلوم التربوية والنفسية. وهذا يؤكد سبقه لعلماء النفس في معرفة هذه الآراء. ويمكن استخراج أهم الآراء التربوية التي ذكرها ابن الجوزي في هذا المجال وهي: ١ - مراعاة الفروق الفردية في القدرات العقلية فطريةً كانت أو مكتسبةً. ٢ - وجوب الاهتمام بالمقومات الأساسية عند إعداد المعلم له الأثر الفعال في إعداد الرجال. ٣ - توجيه المتعلم إلى طرق التعلم الجيد يساعد على المتقدم في التحصيل. ٤ - وجوب إرشاد الطلاب إلى أساليب مقاومة النسيان في التعليم.

стр. 304

• الفصل الثالث التربية الاعتقادية طرق ووسائل التربية الاعتقادية في نظر ابن الجوزي: أولًا: الابتعاد عن التلقين الصوري للمبادئ الإسلامية ثانيًا: التركيز على جوانب العقيدة المؤثرة ثالثًا: استخدام الأدلة الفطرية للإقناع رابعًا: تكوين عاطفة إيمانية قوية دافعة للسلوك خامسًا: التبصير بأساليب الإلحاد والملحدين

стр. 305

• الفصل الثالث التربية الاعتقادية إن النفس البشرية فطرت للاعتقاد والإيمان بأي فكرة سواء كانت صحيحة أو خاطئة، لذلك سنعرف أولًا معنى العقيدة، وما يتبعها من إيمان وعمل، حتى نصل إلى تربية هذا الجانب العقائدي من خلال آراء ابن الجوزي في هذا المجال. تعرَّف العقيدة بصفة عامة بأنها مجموعة "الأفكار التي يؤمن بها الإنسان، ويصدر عنها في تصرفاته وسلوكه" (١). وقد عرَّفها الإمام حسن البنا بقوله: "هي الأمور التي يجب أن يصدق بها قلبك، وتطمئن إليها نفسك، وتكون يقينًا عندك، لا يمازجه ريب، ولا يخالطه شك" (٢). "والأصل الجامع للعقيدة والشريعة معًا، والإطار العام الذي يضمهما هو الإيمان" (٣) الراسخ بكل ما ورد في صريح القرآن الكريم وصحيح السُّنة، مما له علاقة بأقسام العقيدة الأربعة، من "الإلهيات والنبوات والروحانيات (كالملائكة والجن) والسمعيات" (٤) كالإيمان باليوم الآخر.

стр. 306

وقد عرَّف القاضي عياض -رحمه الله تعالى- الإيمان بقوله: "أصل الإيمان في اللغة التصديق وفي الشرع تصديق القلب واللسان" (١). لحديث أبي هريرة قال: "كان النبي ﷺ بارزًا يومًا للناس، فأتاه رجلٌ فقالَ: ما الإيمانُ؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكتِه، وبلقائهِ، ورسلهِ، وتؤمن بالبعث. قال: ما الإِسلام؟ قال: الإِسلامُ أن تعبدَ الله ولا تشركَ به، وتقيمَ الصلاةَ، وتؤديَ الزكاةَ المفروضةَ، وتصومَ رمضانَ. قال: ما الإحسانُ؟ قال: أن تعبدَ الله كأنك تراهُ، فإن لم تكن تراهُ فإنه يراكَ. قال: متى الساعةُ؟ قال: ما المسؤولُ عنها بأعلَم من السائلِ. وسأخبركَ عن أشراطِها: إذا ولدت الأمَةُ ربَّها، وإذا تطاولَ رعاةُ الإبل البهم في البنيانِ. في خمس لا يعلمُهم إلا اللهُ. ثم تلا النبي ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٢) الآية. ثمَّ أدبرَ، فقال: ردُوه. فلم يروا شيئًا. فقال: هذا جبريلُ جاءَ يعلمُ الناسَ دينَهم. قال أبو عبد الله: جعلَ ذلك كله من الإيمانِ" (٣). والإيمان الحق هو الذي يشتمل على: ١ - العقيدة الثابتة التي لا يخالطها شك. ٢ - العمل الذي يصدق العقيدة وهو ثمرتها (٤). والعمل أنواع: عمل القلب، وعمل اللسان والجوارح، فإذا تمكَّن الإيمان من قلب الإنسان فقد صلحت جميع أعماله، لقول الرسول ﷺ :

стр. 307

"ألا وإن في الجسدِ مضغة إذا صلحت صلحَ الجسدُ كلُه، وإذا فسدت فسدَ الجسدُ كلُه، ألا وهي القلبُ" (١). والإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات والتفكر في مخلوقات الله تعالى في الكون والحياة، وينقص بالمعاصي. لذلك لابد من تعميق الجانب الإيماني في الإنسان، باعتباره من أهم جوانب التربية وذلك "بوضع منظار إيماني في أعين المتعلمين بحيث يستطيعون رؤية أدلة الله في كل شيء يحللونه ويدرسونه في الآفاق العلمية" (٢)، وفي كل المبادئ والقيم الإسلامية. حتى يستشعروا الإعجاز الرباني لله في كل ما يحيط بهم. ويمكن أن نلخص ذلك كله في تعريف موجز للعقيدة والإيمان: فالعقيدة هي الإيمان بالله وبكل ما أنزل وشرع للعباد، وهذا الإيمان صادق لا يخالطه شك أو وهم، وحتى يتحقق الإيمان الجازم بالله لابد من العمل الجاد وفق المنهج القرآني والنبوي الشريف. وسأتناول في هذا الجانب العقائدي، أهم الطرق والوسائل التربوية، التي تعرض لها ابن الجوزي -من وجهة نظره- لتنمية وتعميق هذا الجانب. وقد جعلت كتاب جوانب التربية الإسلامية الأساسية للدكتور مقداد يالجن هو الأصل الذي اقتبست منه عناوين هذا المبحث لصعوبة الحصول على آراء ابن الجوزي بالمسمى نفسه في مجال التربية الاعتقادية. طرق التربية الاعتقادية في نظر ابن الجوزي ووسائلها إن الإنسان فُطر على الإيمان بوجود الله تعالى، لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (٣). وحتى نعمق هذا الإيمان في النفس البشرية،

стр. 308

بطريقةٍ صحيحةٍ، لابد من توجيهه بكافة الطرق والوسائل الإيجابية الفعّالة، "لأنه الأساس في الدين، وفي بناء الأمّة الإِسلامية، فبقدر ما تكون العقيدة قوية في الأُمة، تكون هذه الأمّة قوية متماسَكة ملتزمة بالسلوك الذي تقتضيه هذه العقيدة، إذ إن العقيدة هي القوة الدافعة إلى العمل والموجهة إلى أعمال وغايات سامية، وبقدر قوة العقيدة يندفع الأفراد والجماعات إلى الأعمال الإيجابية، فالعقيدة من هذه الناحية طاقة لا تنفد للأفراد والجماعات، وبقدر هذه الطاقة يتحمل الناس المسؤوليات، ويلتزمون بالأعمال" (١). وحتى يكون البناء الإيماني قويًا فعالًا مؤثرًا، لابد من اتخاذ الطرق والوسائل للتربية الاعتقادية وسنعرض آراء ابن الجوزي في ذلك. أولًا: الابتعاد عن التلقين الصوري للمبادئ الإِسلامية إن السبب الرئيسي في ضعف العقيدة الإِسلامية لدى الناشئة، وانعدام تأثيرها في سلوك وخلق المسلمين، ناتج من ضعف التلقي والتلقين لهذه العقيدة ومبادئها، فتفقد بذلك روحها وجوهرها المؤثر في النفوس، ويغلب عليها الطابع الآلي الجامد، فتتحول العبادات الحيوية إلى عادات تقليدية لا روح فيها. قال ابن الجوزي: "تأملت على أكثر الناس عباداتهم فإذا هي عادات" (٢). قال أيضًا: "رأيت عادات الناس قد غلبت على عملهم بالشرع، فهم يستوحشون من فعل الشيء لعدم جريان العادة لا لنهي الشرع" (٣). ومن أهم أسباب انتشار التلقين الصوري، الخالي من المعاني الحقيقية للعبادات والقيم الإِسلامية، هم الآباء الذين يلقنون أبناءهم تلك الشعائر من دون استشعار لما فيها من المعاني السامية، والحكم البليغة، وفي ذلك ينتقدهم ابن الجوزي بقوله: "ورأيت أحد العوام يشغل ولده حين ينشأ بالمعاش، ولا يعلّمه واجبات العبادات ولوازم المعاملات، فيتقلب الولد

стр. 309

في طلب الدنيا، ولا يعلم أخبار الآخرة، ولا يعرف فرضًا من الفرائض" (١). ونتيجة هذا الفهم القاصر لظاهر المنهج الإسلامي كله، وانحصاره في عبادات تقليدية لا روح فيها، ولا خلق ولا سلوك، نشأت في الأُمّة الإِسلامية أجيال ضعيفة الإيمان، سطحية التفكير، تافهة الاهتمامات، تعيش حياتها في حيرة واضطراب وخواء. لذلك لابد من تغيير هذه الطريقة التقليدية العقيمة، التي تعطل طاقات الأفراد، وتسلبهم الاستمتاع بنعمة الإيمان، ويجب أن يستبدل بها طريقة عملية فعالة توقظ القلوب، وتحرك العقول، وتهذب السلوك، وهذا لن يتم إلا من أصحاب الهمم العالية الذين فهموا حقيقة الإيمان واستشعروا ما فيه من حيوية وعظمة وسمو. ثانيًا: التركيز على جوانب العقيدة المؤثرة إن اهتمام المنهج التربوي الإِسلامي بفهم العقيدة السليمة الدافعة للعمل الصالح، والسلوك القويم، هو الأساس لتربية هذا الجانب، لأنه يزيد الإيمان ويقويه ويدفع الناشئ إلى الفضائل. أما الاهتمام بالأمور الجدلية حول صفات الله تعالى، فمنهي عنها لأنها تثير الشكوك في النفوس وقد تؤدي إلى الكفر. وقد بيَّن ابن الجوزي طريقة التفكير في هذه الأمور العقائدية بقوله: "فينبغي أن يوقف في إثباته على دليل وجوده، ثم يستدل على جواز بعثه رسله، ثم تُتلقى أوصافه من كتبه ورسله، ولا يزاد على ذلك. ولقد بحث خلق كثير عن صفاته بآرائهم فعاد وبال ذلك عليهم" (٢). ثمَّ بيَّن ابن الجوزي الأسباب التي تدعو المرء إلى عدم الخوض في الأمور العقائدية وتأويلها. فقال: "إن الشرع قنع منا بالإيمان جملة، وبتعظيم الظواهر، ونهى عن الخوض فيما يثير غبار شبهة، ولا تقوى على قطع طريقه أقدام الفهم. وإذا كان قد نهى عن الخوض في القدر، فكيف يجوز الخوض في صفات المقدّر؟ وما ذاك إلا لأحد الأمرين اللذين ذكرتهما: إما لخوف إثارة شبهة تزلزل العقائد، أو

стр. 310

لأن قوى البشر تعجز عن إدراك الحقائق" (١). لذلك فالمنهج التربوي الإِسلامي، يركز على الجوانب الحيوية المؤثرة في العقيدة، التي تجعل الناشئ يدرك حقيقة وجوده، وأهمية عمارة الأرض بما يرضي الله تعالى، مستخدمًا في ذلك طاقاته وقدراته، لاستغلال خيرات الكون، وتسخيرها لعبادة الله تعالى. أهم جوانب العقيدة المؤثرة هي: ١ - الجانب الأول: الإيمان بالله، لأنه الخالق والرازق والمالك والواهب والمحي والمميت. وهذا الإيمان يزيد بالتفكر في مخلوقات الله تعالى، والتدبر في آلائه. قال ابن الجوزي: "فرأيت من الجبال الهائلة، والطرق العجيبة. ما أذهلني، وزادت عظمة الخالق في صدري" (٢). ٢ - الجانب الثاني: الإيمان بالحياة الآخرة. إذا آمن الإنسان بالحياة الآخرة، وأنها دار الإقامة الدائمة والخالدة. وأن الدنيا مزرعة رابحة للآخرة، إذا أحسن المرء استغلالها في الأعمال الصالحة، والطاعات الواجبة والنافلة. وربط حياته الآخرة يما يصيبه في الدنيا، فإنه لا شك سيكون في يقظةٍ دائمةٍ، ومحاسبيةٍ دقيقةٍ واستعدادٍ تام للقاء الله تعالى. وهذه المراقبة تضبط شهواته، وتقوم سلوكه، وتهذب خلقه، وتقلل من ارتباطه وتعلقه بالدنيا. قال ابن الجوزي في هذا المعنى: "همة المؤمن متعلقة بالآخرة، فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة، وكل من شغله شيء فهمته شغله .. والمؤمن إذا رأى ظلمةً ذكر ظلمة القبر، وإن رأى مؤلمًا ذكر العقاب، وإن سمع صوتًا فظيعًا ذكر نفخة الصور، وإن رأى الناس نيامًا ذكر الموتى في القبور، وإن رأى لذة ذكر الجنة، فهمته متعلقة بماثُمَّ، وذلك يشغله عن كل ماتَم" (٣) والمؤمن في ذكر دائم، وشوق حائر، بين الجنة والنار. وهذه اليقظة هي التي تسدد طريقه، وتصحح اتجاهه وتصلح أعماله. قال ابن الجوزي: "وأعظم ما عنده أن

стр. 311

يتخايل دوام البقاء في الجنة، وأن بقاءه لا ينقطع ولا يزول، ولا يعتريه منغّص، فيكاد إذا تخايل نفسه متقلبًا في تلك اللذات الدائمة التي لا تفنى، يطيش فرحًا، ويسهل عليه ما في الطريق إليها من ألم ومرض وابتلاء وفقد محبوب، وهجوم الموت ومعالجة غصصه .. ثم يتخايل المؤمن دخول النار والعقوبة فيتنغص عيشه، ويقوى قلقه، فعنده بالحالين شغل عن الدنيا وما فيها، فقلبه هائم في بيداء الشوق تارة، وفي صحراء الخوف أُخرى، فما يرى البنيان" (١). وهكذا ارتباط الحياة الدنيا بالآخرة من العوامل الإيجابية، التي تحي القلوب. ٣ - الجانب الثالث: الإيمان الصادق بشمولية الأحكام التشريعية لجميع جوانب الحياة الدنيوية وأن الشريعة من عند الله تعالى، وهو المشرع الوحيد لكل ما أنزل في قرآنه الكريم وسنة نبيه الأمين ﷺ . وأن ما أنزله وشرعه يتلاءم مع فطرة الناس التي خلقهم بها، وأن هذه التشريعات جاءت لتنظيم حياتهم، وتدبير مصالحهم بما يكفل لهم سعادة الدارين. قال ابن الجوزي: "ينبغي لمن آمن بالله تعالى أن يسلّم له في أفعاله، ويعلم أنه حكيم ومالك، وأنه لا يعبث" (٢). ثم عليه أن يتدبر في الحكمة من خلقه وإيجاده. قال ابن الجوزي: "فإذا كان ما خلق لنا لم يخلق عبثًا، أفنكون نحن .. ونحن مواطن معرفته ومجال تكليفه قد وجدنا عبثًا؟ ومثل هذا الجهل إنما يصدر ممن ينظر في قضايا العقول التي يحكم بها على الظواهر مثل أن يرى مبنيًا (بناءً) ينقض. والعقل بمجرده لا يرى ذلك حكمة ولو كشفت له حكمة لعلم أنه صواب. كما كشف لموسى مراد الخضر في خرق السفينة وقتل الغلام. ومعلوم أن ذبح الحيوان، وتقطيع الرغيف، ومضغ الطعام لا يظهر له فائدة على الإطلاق. فإذا علم أنه غذاء لبدن من هو أشرف بدنًا من المذبوح، حسن ذلك الفعل. واعجبًا!! أوَما تقضي العقول بوجوب طاعة الحكيم، الذي تعجز عن معرفة حِكَمِه مخلوقاته. فكيف تعارضه في أفعاله؟ " (٣).

стр. 312

ثالثًا: استخدام الأدلة الفطرية للإقناع عندما فطر الله تعالى الإنسان على الإيمان بوجوده، زوده بالإدراك لمعرفة بعض الأمور التي تعتبر من البديهيات، يقول في هذا د. يالجن: "الاستدلال على وجود شيء غير مرئي بوجود دلائل مرئية أو حسية، ومثل أن إعادة إيجاد الشيء أسهل من إيجاده أول مرة، ودلالة الصنعة على الصانع، ودلالة الأثر على المؤثر، وإن الشيء لا يكون موجودًا وغير موجود في آن واحد، وإن المساويين لثالث متساويان. وغير ذلك من المبادئ الفطرية العقلية، التي يدّعي العقليون المثاليون أنها مبادئ يقينية تؤدي إلى حقائق يقينية" (١). وهذا الإدراك البديهي الفطري، أيدته الآيات القرآنية، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٢). وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٣). إلى غير ذلك من الآيات. وقد أورد ابن الجوزي أقوال عدة تؤيد فطرية الإيمان بوجود الله تعالى، ننتقي منها قوله: "إن الله وضع في النفوس أشياء لا تحتاج إلى دليل. فالنفوس تعلمها ضرورةً، وأكثر الخلق لا يحسنون التعبير عنها، فإنه وضع في النفس أن المصنوع لابد له من صانع، وأن المبني لابد له من بانٍ، وأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في حالةٍ واحدةٍ. ومثل هذه الأشياء لا تحتاج إلى دليل" (٤). وقوله: "من رأى السماء مرفوعة، والأرض موضوعة، وشاهد الأبنية المحكمة، خصوصًا في جسد نفسه، علم أنه لابد للصنعة

стр. 313

من صانع، وللمبني من بانٍ" (١). ثم بيَّن ابن الجوزي أن وجود الله تعالى يتأكد من خلال مخلوقاته، فقال في ذلك: "وأما المتعلق بالمعبود ﷻ فقد منع الشرع من التفكير في ذات الله وصفاته، فقال ﷺ : "تفكرُوا في خلقِ اللهِ ولا تتفكروا في اللهِ، فإنكم لن تقدروا قدرَه". فلم يبق إلا النظر في الآثار التي تدل على المؤثر. وجميع الموجودات من آثار قدرته. وأعجب آثاره الآدمي، فإنك إذا تفكرت في نفسك كفى، وإذا نظرت في خلقك شفى. أليس قد فعل في قطرة من ماء ما لو انقضت الأعمار في شرح حكمته ما وفت" (٢). وهذا القول مصداق لقول الله تعالى -على الرغم من أن ابن الجوزي لم يستشهد به فيما طالعته- عندما يدعونا الله للتفكر في طبيعة النفس البشرية، ثم في خلق الإنسان من ماء مهين. قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ (٤). وفي هذا المعنى قال ابن الجوزي: "من أكبر الدليل على وجود الخالق سبحانه، هذه النفس الناطقة المميزة المحركة للبدن على مقتضى إرادتها، فقد دبرت مصالحها، وترقت إلى معرفة الأفلاك، واكتسبت ما أمكن تحصيله من العلوم، وشاهدت الصانع من المصنوع" (٥)، وقوله في خلق الإنسان: "أنشأه من قطرةٍ، وبناه على أعجب فطرةٍ، ورزقه الفهم والذهن واليقظة والعلم. وبسط له المهاد، وأجرى له الماء والريح، وأنبت له الزرع، ورفع له من فوقه السماء، فأوقد له مصباح الشمس بالنهار، وجاء بالظلمة ليسكن، إلى غير ذلك، مما لا يخفى. وكله ينطق

стр. 314

بصوتٍ فصيحٍ يدل على خالقه" (١). كذلك دعا الله إلى التأمل والتفكر في ملكوت السموات والأرض. قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ (٣). وقد بيَّن ابن الجوزي أن حقيقة النظر والتفكر في السموات والأرض، هو التدبر في قدرة الله تعالى، الذي يزيد من إيمان الإنسان ويقينه بالخالق . قال: "ليس المراد بالنظر إلى ما في السموات والأرض ملاحظته بالبصر، وإنما هو التفكر في قدرة الصانع" (٤). ثم يستخدم ابن الجوزي أسلوب القرآن الكريم نفسه في الدعوة إلى التأمل والتفكر في مخلوقات الله تعالى، فيقول: "ارفع بصر فكرك إلى عجائب السموات، فتلمح الشمس في كل يوم في منزل، فإذا انخفضت برد الهواء وجاء الشتاء، وإذا ارتفعت قوي الحر، وإذا كانت بين المنزلتين اعتدل الزمان" (٥). ثم دعاه للنظر في عجائب الأرض فقال: "ثم اخفض بصرك إلى الأرض ترى فجاجها مذللة للتسخير، فامشوا في مناكبها وتفكروا في شربها بعد جدبها بكأس القطر، وتلمح خروج النبات يرفل في ألوان الحلل على اختلاف الصور والطعوم والأراييح" (٦). ثم دعاه للنظر والتفكر في قدرة الخالق عند نزول المطر فقال: "وانظر كيف نزل القطر إلى عِرق الشجر، ثم عاد ينجذب إلى فروعها ويجري في تجاويفها بعروق لا تفتقر إلى كلفة" (٧). ثم دعاه للنظر في حكمة الله

стр. 315

وقدرته العظيمة في المعادن فقال: "ثم انظر إلى المعادن لحاجات البشر إلى المصالح، فمنها مودع كالرصاص والحديد، ومنها مصنوع بسبب غيره، كالأرض السبخة يجمع فيها ماء المطر فيصير ملحًا" (١). ثم يلفت نظره إلى خلق الحيوانات فيقول: "وانظر إلى انقسام الحيوانات ما بين طائرٍ وماشٍ وإلهامها ما يصلحها" (٢). ثم يدعوه للنظر إلى اتساع ما بين السماء والأرض فقال: "وانظر إلى بُعدِ ما بين السماء والأرض، كيف ملأ ذلك الفراغ هواء لتستنشق منه الأرواح، وتسبح الطير في تياره إذا طارت" (٣). ثم يدعوه أخيرًا إلى التأمل والتفكر في عجائب قدرة الله تعالى في مخلوقات البحر، فقال: "وانظر بفكرك إلى سعة البحر، وتسخير الفلك فيه، وما فيه من دابة" (٤). رابعًا: تكوين عاطفة إيمانية قوية دافعة للسلوك سبق أن حددنا في الفصل الأول من الباب الثالث، معنى العاطفة، وفي هذا المبحث، سنوضح أهمية العواطف الإنسانية في تغيير السلوك وتوجيهه وضبطه. وفي ذلك يقول د. مصطفى فهمي: "إن للعواطف أهمية كبرى في توجيه السلوك، فهي في نظرنا عبارة عن وحدة الخلق" (٥). وحتى تكون العواطف قوية إيجابية لتغيير السلوك وتوجيهه، لابد من عاطفتي الحب والخوف من الله ، باعتبارهما "من أكبر الدوافع والحوافز التي يمكن استخدامها في عمل الخيرات، وتنفيذ المأمورات وترك الشرور والمنهيات" (٦). وقد استخدم المنهج التربوي الإِسلامي عاطفتي الحب والخوف من الله تعالى بتوازن واعتدال، فالهدف من حب الله طاعته واتباع شرعه.

стр. 316

قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٢). وقال الرسول ﷺ : "ثلاثٌ من كن فيه وجدَ حلاوةَ الإيمانِ، أن يكون اللهُ ورسولُه أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرءَ لا يحبُه إلا للهِ، وأن يكرَه أن يعودَ في الكفرِ كما يكرهُ أن يُقذفَ في النارِ" (٣). والهدف من الخوف من الله تعالى اجتناب نواهيه، وترك معاصيه، وهذه العاطفة تحمي الإنسان من الوقوع في الرذيلة والمعاصي. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٤). وقد كان لابن الجوزي رأي في عاطفتي الحب والخوف من الله تعالى، لتأثيرهما الفعال في توجيه السلوك وضبطه بطاعة الله تعالى ومحبته والخوف منه. فقال في معنى محبة الله تعالى: "تأملتُ قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٥). فإذا النفس تأبى إثبات محبة للخالق توجب قلقًا، وقالت: محبته طاعته، فتدبرتُ ذلك، فإذا بها قد جهلت ذلك لغلبة الحسّ. وبيان هذا: إن محبة الحس لا تتعدى الصور الذاتية، ومحبة العلم والعمل ترى الصور المعنوية فتحبها" (٦). ثمَّ بيَّن ابن الجوزي كيف تقع المحبة في نفوس الناس، فقال: "فإنا نرى خلقًا يحبون أبا بكر ﵁، وخلقًا يحبون عليًا بن أبي طالب ﵁، وقومًا يتعصبون لأحمد بن حنبل، وقومًا للأشعري، فيقتتلون ويبذلون النفوس في ذلك. وليسوا ممن رأى صور القوم، ولا صور القوم توجب المحبة. ولكن لمّا تصورت لهم المعاني فدلَّتهم على كمال القول في العلوم، وقع الحب لتلك الصور التي شوهدت بأعين البصائر" (٧). ثم يتساءل ابن الجوزي ليصل إلى حقيقة

стр. 317

المحبة لله تعالى: "فكيف بمن صنع تلك الصور المعنوية وابتدأها؟ " (١) ألا يستحق أن يكون الحب كله له. . . ويُقصدُ بكل عمل وجهه ﷻ . فيردّ على سؤاله، بإجابة تعمق حب الله تعالى في النفوس، فقال: "وكيف لا أحب من وهب لي ملذوذات حسي وعرفني ملذوذات علمي؟ فإن التذاذي بالعلم وإدراك العلوم أَولى من جميع اللذات الحسية، فهو الذي علمني وخلق لي إدراكًا وهداني إلى ما أدركته" (٢). ثم يواصل ابن الجوزي في سرد نعم الله تعالى التي تثمر المحبة في القلوب. فيقول: "ثمَّ إنه يتجلى لي في كل لحظة في مخلوق جديد، أراه فيه بإتقان ذلك الصنع، وحسن ذلك المصنوع. فكل محبوباتي منه، وعنه، وبه، الحسية والمعنوية، وتسهيل سبل الإدراك به، والمدركات منه، وألذ من كل لذةٍ عرفاني له، فلولا تعليمه ما عرفته. وكيف لا أحب من أنا بِهِ، وبقائي منه، وتدبيري بيده، ورجوعي إليه، وكل مستحسن محبوب هو صَنَعَه وحسَّنه وزيَّنه وعطف النفوس إليه. . . ." (٣) ثم بيَّن ابن الجوزي مقامات المحبة، فقال: "وعلى قدر رؤية الصانع يقع الحب له. فإن قوي أوجب قلقًا وشوقًا. وإن مال بالعارف إلى مقام الهيبة أوجب خوفًا. وإن انحرف به إلى تلمح الكرم أوجب رجاءً قويًا" (٤). وقد استقى ابن الجوزي هذه المقامات الثلاثة، التي تعتبر أساس السلوك والسير إلى الله، من قول الله تعالى (وهو لم يستشهد بهذه الآية هنا): ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (٥). ثمَّ بين ابن الجوزي الطريقة التربوية السليمة لغرس محبة الله تعالى في القلوب، عن طريق التفكر في مخلوقات الله تعالى، وعجائب قدرته

стр. 318

العظيمة، والاشتغال بالعلم والعمل لله وحده، وذلك بالإضافة إلى حفظ الحدود الشرعية، والتكاليف الإلهية التي أمر بها ﷻ ، مع دوام ذكره ودعائه واللجوء إليه في كل الأحوال. فهذه أقواله في ذلك: "كلما أوغلت المفهوم في معرفة الخالق، فشاهدت عظمته ولطفه ورفعته، تاهت في محبته فخرجت عن حد الثبوت" (١). وقوله: "ولينظر في سير الكاملين من السلف، وليتشاغل بالعلم فإنه الدليل. فحينئذ يحمله الأمر على الخلوة بربه، والاشتغال بحبه، فيكون ما ظهر منه ثمرة نضجةً لا فجّة" (٢). وقال: "ينبغي أن يكون العمل كله لله ومعه ومن أجله. وقد كفاك كل مخلوق وجلب لك كل خير. وإياك أن تميل عنه بموافقة هوى وإرضاء مخلوق، فإنه يعكس عليك الحال ويفوتك المقصود، وفي الحديث: "من أرضى الناسَ بسخطِ اللهِ عاد حامدُه من الناسِ ذامًا". وأطيب العيش عيش من يعيش مع الخالق سبحانه" (٣). ثمَّ يتابع ابن الجوزي في عرض الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى فيقول: "فإن قيل: كيف يعيش معه؟ قلت: بامتثال أمره، واجتناب نهيه، ومراعاة حدوده، والرضى بقضائه، وحسن الأدب في الخلوة، وكثرة ذكره، وسلامة القلب من الاعتراض في أقداره. فإن احتجت سألته، فإن أعطى وإلا رضيت بالمنع، وعلمت أنه لم يمنع بخلًا، وإنما نظرًا لك. ولا تنقطع عن السؤال لأنك تتعبد به، ومتى دمت على ذلك رزقك محبتهُ وصدق التوكل عليه، فصارت المحبة تدلك على المقصود، وأثمرت لك محبته إياك، فتعيش عيشة الصدّيقين" (٤). وابن الجوزي في آرائه لمحبة الله تعالى، يستخدم الأسلوب الاستفهامي، الذي يثير في النفس حب المعرفة للطرق والوسائل التربوية المفيدة لتعميق هذه المحبة الدافعة إلى الالتزام بكل ما أمر، والابتعاد عن كل ما نهى. وهذا الأسلوب فعّال في إثارة النفس، ومخاطبة الوجدان، وإقناع العقل بضرورة محبة الخالق ﷻ .

стр. 319

ثم بيَّن ابن الجوزي رأيه في الخوف من الله تعالى، مؤكدًا أن معرفة الله تعالى، هي التي تولد الخوف منه في النفس البشرية. فقال في ذلك: "ما عرفه إلا من خاف منه، فأما المطمئن فليس من أهل المعرفة" (١) وقال: "ولو أنهم تأملوا عظمته وهيبته ما انبسطت كفُّ بمخالفته" (٢). ثمَّ أرشد ابن الجوزي للطريقة التي تولّد هذا الخوف من الله تعالى فقال: "وليكن المتيقظ على انزعاج، محتقرًا للكثير من طاعاته، خائفًا على نفسه من تقلباته، ونفوذ الأقدار فيه" (٣). ثمَّ ينصحه قائلًا: "وملاحظة أسباب الخوف أدنى إلى الأمن من ملاحظة أسباب الرَّجاء. فالخائف آخذٌ بالحزم، والراجي متعلق بحبل طمع، وقد يخلف الظن" (٤). وقد استقى ابن الجوزي رأيه من قول الله تعالى (وإن لم يستشهِد بذلك فيما أطلعت عليه): ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٥). وقول الله تعالى فيمن دفعه خوفه إلى سلوك طريق المتقين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٦). خامسًا: التبصير بأساليب الإلحاد والملحدين مع اختلاف الحقبة الزمنية التي عاش فيها ابن الجوزي عن عصرنا الحاضر، إلا أن الإلحاد له جذور ممتدة من بداية الدعوة الإسلامية إلى يومنا هذا. لذلك لم يخلُ عصر ابن الجوزي من الملحدين الذين نشروا الأفكار المخالفة للإسلام، وحاولوا بشتى الطرق والأساليب التشكيك في الخالق ﷻ وفي شرعه وأحكامه. وقد ناقش ابن الجوزي أفكارهم في كتابه تلبيس إبليس. ونقدها ودحضها بالحجة والعقل والمنطق. وسأكتفي بعرض أفكارهم ثم ردّ ابن الجوزي عليها، فقد كان رده مقنعًا بخطأ أفكارهم.

стр. 320

قال ابن الجوزي في فكرتهم عن وجود الخالق: "قد أوهم إبليس خلقًا كثيرًا أنه لا إله ولا صانع، وأن هذه الأشياء كانت بلا مكوّن" (١). ثم رد عليهم بقوله: "وهؤلاء لما لم يدركوا الصانع بالحسّ ولم يستعملوا في معرفته العقل جحدوه. وهل يشك ذو عقل في وجود صانع؟! فإن الإنسان لو مر بقاع ليس فيه بنيان ثم عاد فرأى حائطًا مبنيًا علم أنه لابد له من بانٍ بناه، فهذا المهاد الموضوع، وهذا السقف المرفوع، وهذه الأبنية العجيبة والقوانين الجارية على وجه الحكمة، أما تدل على صانع، وما أحسن ما قاله أحد العرب: إن البعرة تدل على البعير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، أما يدلان على اللطيف الخبير، ثم لو تأمل الإنسان نفسه لكفت دليلًا، ولشفت غليلًا، فإن في هذا الجسد من الحكم ما لا يسع ذكره في كتاب. . . ." (٢). الشبهة الثانية فقد قال فيها ابن الجوزي: "لما رأى إبليس قلة موافقته على جحد الصانع لكون العقول شاهدة بأنه لابد للمصنوع من صانع حسّن لأقوام أن هذه المخلوقات فعل الطبيعة وقال ما من شيء يخلق إلا من اجتماع الطبائع الأربع فيه. فدلّ على أنها الفاعلة" (٣). ورد عليهم بقوله. "اجتماع الطبائع دليل على وجودها لا على فعلها، ثم قد ثبت أن الطبائع لا تفعل إلا باجتماعها وامتزاجها. وذلك يخالف طبيعتها، فدلّ على أنها مقهورة. وقد سلموا أنها ليست بحية ولا عالمة ولا قادرة ومعلوم أن الفعل المتسق المنتظم لا يكون إلا من عالم حكيم، فكيف يفعل من ليس عالمًا وليس قادرًا، فإن قالوا ولو كان الفاعل حكيمًا لم يقع في بنائه خلل. ولا وجدت هذه الحيوانات المضرة فعلم أنه الطبع. قلنا ينقلب هذا عليكم بما صدر منه من الأمور المنتظمة المحكمة التي لا يجوز أن يصدر مثلها عن طبع. فأما الخلل المشار إليه فيمكن أن يكون للابتلاء والردع والعقوبة، أو في طيه منافع لا نعلمها، ثم أين فعل الطبيعة من شمس تطلع في نيسان على أنواع من الحبوب فترطب الحصرم والخلالة، وتنشف البرة وتيبسها ولو فعلت طبعًا لأيبست الكل
следующие страницы →