← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17901

آراء ابن الجوزي التربوية

ليلى عطار

Полный текст (608 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٢). وقال الرسول ﷺ : "ثلاثٌ من كن فيه وجدَ حلاوةَ الإيمانِ، أن يكون اللهُ ورسولُه أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرءَ لا يحبُه إلا للهِ، وأن يكرَه أن يعودَ في الكفرِ كما يكرهُ أن يُقذفَ في النارِ" (٣). والهدف من الخوف من الله تعالى اجتناب نواهيه، وترك معاصيه، وهذه العاطفة تحمي الإنسان من الوقوع في الرذيلة والمعاصي. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٤). وقد كان لابن الجوزي رأي في عاطفتي الحب والخوف من الله تعالى، لتأثيرهما الفعال في توجيه السلوك وضبطه بطاعة الله تعالى ومحبته والخوف منه. فقال في معنى محبة الله تعالى: "تأملتُ قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٥). فإذا النفس تأبى إثبات محبة للخالق توجب قلقًا، وقالت: محبته طاعته، فتدبرتُ ذلك، فإذا بها قد جهلت ذلك لغلبة الحسّ. وبيان هذا: إن محبة الحس لا تتعدى الصور الذاتية، ومحبة العلم والعمل ترى الصور المعنوية فتحبها" (٦). ثمَّ بيَّن ابن الجوزي كيف تقع المحبة في نفوس الناس، فقال: "فإنا نرى خلقًا يحبون أبا بكر ﵁، وخلقًا يحبون عليًا بن أبي طالب ﵁، وقومًا يتعصبون لأحمد بن حنبل، وقومًا للأشعري، فيقتتلون ويبذلون النفوس في ذلك. وليسوا ممن رأى صور القوم، ولا صور القوم توجب المحبة. ولكن لمّا تصورت لهم المعاني فدلَّتهم على كمال القول في العلوم، وقع الحب لتلك الصور التي شوهدت بأعين البصائر" (٧). ثم يتساءل ابن الجوزي ليصل إلى حقيقة

стр. 317

المحبة لله تعالى: "فكيف بمن صنع تلك الصور المعنوية وابتدأها؟ " (١) ألا يستحق أن يكون الحب كله له. . . ويُقصدُ بكل عمل وجهه ﷻ . فيردّ على سؤاله، بإجابة تعمق حب الله تعالى في النفوس، فقال: "وكيف لا أحب من وهب لي ملذوذات حسي وعرفني ملذوذات علمي؟ فإن التذاذي بالعلم وإدراك العلوم أَولى من جميع اللذات الحسية، فهو الذي علمني وخلق لي إدراكًا وهداني إلى ما أدركته" (٢). ثم يواصل ابن الجوزي في سرد نعم الله تعالى التي تثمر المحبة في القلوب. فيقول: "ثمَّ إنه يتجلى لي في كل لحظة في مخلوق جديد، أراه فيه بإتقان ذلك الصنع، وحسن ذلك المصنوع. فكل محبوباتي منه، وعنه، وبه، الحسية والمعنوية، وتسهيل سبل الإدراك به، والمدركات منه، وألذ من كل لذةٍ عرفاني له، فلولا تعليمه ما عرفته. وكيف لا أحب من أنا بِهِ، وبقائي منه، وتدبيري بيده، ورجوعي إليه، وكل مستحسن محبوب هو صَنَعَه وحسَّنه وزيَّنه وعطف النفوس إليه. . . ." (٣) ثم بيَّن ابن الجوزي مقامات المحبة، فقال: "وعلى قدر رؤية الصانع يقع الحب له. فإن قوي أوجب قلقًا وشوقًا. وإن مال بالعارف إلى مقام الهيبة أوجب خوفًا. وإن انحرف به إلى تلمح الكرم أوجب رجاءً قويًا" (٤). وقد استقى ابن الجوزي هذه المقامات الثلاثة، التي تعتبر أساس السلوك والسير إلى الله، من قول الله تعالى (وهو لم يستشهد بهذه الآية هنا): ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (٥). ثمَّ بين ابن الجوزي الطريقة التربوية السليمة لغرس محبة الله تعالى في القلوب، عن طريق التفكر في مخلوقات الله تعالى، وعجائب قدرته

стр. 318

العظيمة، والاشتغال بالعلم والعمل لله وحده، وذلك بالإضافة إلى حفظ الحدود الشرعية، والتكاليف الإلهية التي أمر بها ﷻ ، مع دوام ذكره ودعائه واللجوء إليه في كل الأحوال. فهذه أقواله في ذلك: "كلما أوغلت المفهوم في معرفة الخالق، فشاهدت عظمته ولطفه ورفعته، تاهت في محبته فخرجت عن حد الثبوت" (١). وقوله: "ولينظر في سير الكاملين من السلف، وليتشاغل بالعلم فإنه الدليل. فحينئذ يحمله الأمر على الخلوة بربه، والاشتغال بحبه، فيكون ما ظهر منه ثمرة نضجةً لا فجّة" (٢). وقال: "ينبغي أن يكون العمل كله لله ومعه ومن أجله. وقد كفاك كل مخلوق وجلب لك كل خير. وإياك أن تميل عنه بموافقة هوى وإرضاء مخلوق، فإنه يعكس عليك الحال ويفوتك المقصود، وفي الحديث: "من أرضى الناسَ بسخطِ اللهِ عاد حامدُه من الناسِ ذامًا". وأطيب العيش عيش من يعيش مع الخالق سبحانه" (٣). ثمَّ يتابع ابن الجوزي في عرض الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى فيقول: "فإن قيل: كيف يعيش معه؟ قلت: بامتثال أمره، واجتناب نهيه، ومراعاة حدوده، والرضى بقضائه، وحسن الأدب في الخلوة، وكثرة ذكره، وسلامة القلب من الاعتراض في أقداره. فإن احتجت سألته، فإن أعطى وإلا رضيت بالمنع، وعلمت أنه لم يمنع بخلًا، وإنما نظرًا لك. ولا تنقطع عن السؤال لأنك تتعبد به، ومتى دمت على ذلك رزقك محبتهُ وصدق التوكل عليه، فصارت المحبة تدلك على المقصود، وأثمرت لك محبته إياك، فتعيش عيشة الصدّيقين" (٤). وابن الجوزي في آرائه لمحبة الله تعالى، يستخدم الأسلوب الاستفهامي، الذي يثير في النفس حب المعرفة للطرق والوسائل التربوية المفيدة لتعميق هذه المحبة الدافعة إلى الالتزام بكل ما أمر، والابتعاد عن كل ما نهى. وهذا الأسلوب فعّال في إثارة النفس، ومخاطبة الوجدان، وإقناع العقل بضرورة محبة الخالق ﷻ .

стр. 319

ثم بيَّن ابن الجوزي رأيه في الخوف من الله تعالى، مؤكدًا أن معرفة الله تعالى، هي التي تولد الخوف منه في النفس البشرية. فقال في ذلك: "ما عرفه إلا من خاف منه، فأما المطمئن فليس من أهل المعرفة" (١) وقال: "ولو أنهم تأملوا عظمته وهيبته ما انبسطت كفُّ بمخالفته" (٢). ثمَّ أرشد ابن الجوزي للطريقة التي تولّد هذا الخوف من الله تعالى فقال: "وليكن المتيقظ على انزعاج، محتقرًا للكثير من طاعاته، خائفًا على نفسه من تقلباته، ونفوذ الأقدار فيه" (٣). ثمَّ ينصحه قائلًا: "وملاحظة أسباب الخوف أدنى إلى الأمن من ملاحظة أسباب الرَّجاء. فالخائف آخذٌ بالحزم، والراجي متعلق بحبل طمع، وقد يخلف الظن" (٤). وقد استقى ابن الجوزي رأيه من قول الله تعالى (وإن لم يستشهِد بذلك فيما أطلعت عليه): ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٥). وقول الله تعالى فيمن دفعه خوفه إلى سلوك طريق المتقين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٦). خامسًا: التبصير بأساليب الإلحاد والملحدين مع اختلاف الحقبة الزمنية التي عاش فيها ابن الجوزي عن عصرنا الحاضر، إلا أن الإلحاد له جذور ممتدة من بداية الدعوة الإسلامية إلى يومنا هذا. لذلك لم يخلُ عصر ابن الجوزي من الملحدين الذين نشروا الأفكار المخالفة للإسلام، وحاولوا بشتى الطرق والأساليب التشكيك في الخالق ﷻ وفي شرعه وأحكامه. وقد ناقش ابن الجوزي أفكارهم في كتابه تلبيس إبليس. ونقدها ودحضها بالحجة والعقل والمنطق. وسأكتفي بعرض أفكارهم ثم ردّ ابن الجوزي عليها، فقد كان رده مقنعًا بخطأ أفكارهم.

стр. 320

قال ابن الجوزي في فكرتهم عن وجود الخالق: "قد أوهم إبليس خلقًا كثيرًا أنه لا إله ولا صانع، وأن هذه الأشياء كانت بلا مكوّن" (١). ثم رد عليهم بقوله: "وهؤلاء لما لم يدركوا الصانع بالحسّ ولم يستعملوا في معرفته العقل جحدوه. وهل يشك ذو عقل في وجود صانع؟! فإن الإنسان لو مر بقاع ليس فيه بنيان ثم عاد فرأى حائطًا مبنيًا علم أنه لابد له من بانٍ بناه، فهذا المهاد الموضوع، وهذا السقف المرفوع، وهذه الأبنية العجيبة والقوانين الجارية على وجه الحكمة، أما تدل على صانع، وما أحسن ما قاله أحد العرب: إن البعرة تدل على البعير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، أما يدلان على اللطيف الخبير، ثم لو تأمل الإنسان نفسه لكفت دليلًا، ولشفت غليلًا، فإن في هذا الجسد من الحكم ما لا يسع ذكره في كتاب. . . ." (٢). الشبهة الثانية فقد قال فيها ابن الجوزي: "لما رأى إبليس قلة موافقته على جحد الصانع لكون العقول شاهدة بأنه لابد للمصنوع من صانع حسّن لأقوام أن هذه المخلوقات فعل الطبيعة وقال ما من شيء يخلق إلا من اجتماع الطبائع الأربع فيه. فدلّ على أنها الفاعلة" (٣). ورد عليهم بقوله. "اجتماع الطبائع دليل على وجودها لا على فعلها، ثم قد ثبت أن الطبائع لا تفعل إلا باجتماعها وامتزاجها. وذلك يخالف طبيعتها، فدلّ على أنها مقهورة. وقد سلموا أنها ليست بحية ولا عالمة ولا قادرة ومعلوم أن الفعل المتسق المنتظم لا يكون إلا من عالم حكيم، فكيف يفعل من ليس عالمًا وليس قادرًا، فإن قالوا ولو كان الفاعل حكيمًا لم يقع في بنائه خلل. ولا وجدت هذه الحيوانات المضرة فعلم أنه الطبع. قلنا ينقلب هذا عليكم بما صدر منه من الأمور المنتظمة المحكمة التي لا يجوز أن يصدر مثلها عن طبع. فأما الخلل المشار إليه فيمكن أن يكون للابتلاء والردع والعقوبة، أو في طيه منافع لا نعلمها، ثم أين فعل الطبيعة من شمس تطلع في نيسان على أنواع من الحبوب فترطب الحصرم والخلالة، وتنشف البرة وتيبسها ولو فعلت طبعًا لأيبست الكل

стр. 321

أو رطبته، فلم يبق إلا أن الفاعل المختار استعملها بالمشيئة في يبس هذه للادخار، والنضج في هذه للتناول، والعجب أن الذي أوصل إليها اليبس في أكِنّة لا يلقى جرمها، والذي رطبها يلقى جرمها، ثم أنها تبيض ورد الخشخاش، وتحمّر الشقائق، وتحمّض الرمان، وتحلي العنب، والماء واحد" (١)، وقد أشار المولى إلى هذا بقوله ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ (٢). وغير ذلك من الأقوال الملحدة التي رد عليها ابن الجوزي، وسيطول بنا هذا المبحث لو فصَّلنا في جميع الأقوال. والهدف من التبصير بأساليب الإلحاد والملحدين. أن نربي الأجيال الحاضرة على الإيمان العميق بالله تعالى وبأحكامه، ونحصّنه من التيارات الملحدة التي تحاول إخراجه من إسلامه، فيقف في وجهها بكل عقيدته وإيمانه وثقته بالله تعالى، فلا تؤثر فيه ولا تزعزع إيمانه باللهِ تعالى، بل تزيده قوة ورسوخًا وتمسّكًا بدينه. يمكن تلخيص أهمّ آراء ابن الجوزي في التربية الاعتقادية، في الآتي: ١ - ضرورة التربية الاعتقادية الصحيحة، حتى تؤتى ثمارها في الخُلق والسلوك والعبادة. ٢ - الابتعاد عن التلقينات الصورية التقليدية الجامدة في مجال التربية الاعتقادية. ٣ - استخدام الأساليب القرآنية الكريمة في التربية الاعتقادية. ٤ - التركيز على الجوانب الإيجابية المؤثرة والدافعة إلى السلوكيات الصالحة. ٥ - تنمية عاطفتي الحب والخوف من الله تعالى دائمًا. ٦ - تكوين القناعة التامة بالعقيدة الإِسلامية بالأدلة والحجج العقلية والعلمية. ٧ - تكوين حصانة اعتقادية ضد العقائد الباطلة.

стр. 322

• الفصل الرابع التربية الروحية أولًا: ماهية الروح عند ابن الجوزي ثانيًا: صفات الروح ثالثًا: أساليب التربية الروحية عند ابن الجوزي

стр. 323

• الفصل الرابع التربية الروحية سنتناول في هذا المبحث تربية الجانب الروحي، الذي يعتبر محركًا ومغذيًا لجميع الجوانب في الكيان الإنساني، وذلك من خلال آراء ابن الجوزي في هذا الجانب. أولًا: ماهية الروح عند ابن الجوزي إتبع ابن الجوزي طريقة السلف الصالح في أمر الروح، وهي عدم الخوض فيما لم يظهره الله تعالى، والاكتفاء بما ورد في الكتاب الكريم والسُّنة النبوية الشريفة دون تأويل أو تشبيهٍ أو تعطيل. وقد انتقد أولئك العلماء الذين يخوضون لمعرفة ماهية الروح، فقال: "رأيت كثيرًا من الخلق وعالمًا من العلماء، لا ينتهون عن البحث عن أصول الأشياء التي أُمروا بعلم جُلها، ومن غير بحث عن حقائقها، كالروح مثلًا؛ فإن الله تعالى سترها بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (١)، فلم يقنعوا، وأخذوا يبحثون عن ماهيتها ولا يقعون بشيء، ولا يثبت لأحد منهم برهان على ما يدعيه، وكذلك العقل، فإنه موجود بلا شك، كما أن الروح موجودة بلا شك، كلاهما يعرف بآثاره لا بحقيقة ذاته" (٢). وعلى الرغم من انتقاده لأولئك العلماء، فقد بيَّن ابن الجوزي ماهية الروح، وهي أنها شيء مبهم غامض، ليس له حدود. وهي لا

стр. 324

تُرى بالعين المجردة، وعلم حقيقتها عند الله تعالى، وهي تُعرفُ بآثارِها في سلوك الإنسان وتصرفاته، وقد قال في ذلك ابن الجوزي: "ولا يعرف مع هذا ماهيتها، ولا كيفيتها ولا جوهرها ولا محلّها. ولا يفهم من أين جاءت، ولا يدري أين تذهب، ولا كيف تعلقت بهذا الجسد" (١). وقال: "وكذلك العقل، فإنه موجود بلا شك، كما أن الروح موجودة بلا شك، كلاهما يعرف بآثاره لا بحقيقة ذاته" (٢). ثانيًا: صفات الروح بيَّن ابن الجوزي صفات الروح فذكر أنها جوهر مخلوق، لا يتجزأ ولا يموت، وهو المحرك لجميع البدن وبمثابة الخادم للسيد، فقال: "إن الروح في ذاته جوهر لا يتجزأ ولا يموت، وقدره جوهر لا قيمة له (٣)، وإنما آلات البدن خادم له تعين على السفر" (٤). ثمَّ يوضح ابن الجوزي حقيقة موت الروح، وما قيل فيها من آراءٍ، فقال: "ثمَّ أشكل عليهم مصيرها بعد الموت، ومذهب أهل الحق أن لها وجودًا بعد موتها وأنها تنعمُ أو تعذب" (٥). ثمَّ فصّل هذا القول بقوله: "وقد أخذ بعض الجهلة بظواهر أحاديث النعيم، فقال: إن الموتى يأكلون في القبور وينكحون. والصواب من ذلك أن النفس تخرج بعد الموت إلى نعيم أو عذاب، وأنها تجد ذلك إلى يوم القيامة. فإذا كانت القيامة، أعيدت إلى الجسد ليتكامل لها التنعم بالوسائط، وقوله ﷺ : "في حواصل طير خضر". دليل على أن النفوس لا تنال لذة إلا بواسطة" (٦). ولتأكيد هذا المعنى فقد استشهد ابن الجوزي بقول الرسول ﷺ :

стр. 325

"إن أرواحَ المؤمنين في حواصل طيرٍ خضرٍ تعلقُ في شجرِ الجنةِ" (١)، ولكن مع اختلاف في اللفظ بقوله: "وقد جاء في أحاديث الشهداء أنها في حواصل طير خضر تعلق من شجر الجنة" (٢). وقد أكد ابن قيم الجوزية مسألة موت الروح فقال: "والصواب أن يقال موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتضمحل وتصير عدمًا محضًا فهي لا تموت بهذا الاعتبار، بل هي باقية بعد خلقها في نعيمٍ أو في عذابٍ. . . . حتى يردها الله في جسدها" (٣). ثالثًا: أساليب التربية الروحية عند ابن الجوزي بما أن الروح من أكبر الطاقات الحيوية والمهيمنة على جميع جوانب الشخصية الإنسانية، فإن ابن الجوزي قد حدّد بعض الأساليب التربوية لتعميق الروح الإيمانية بالله تعالى، والأسلوب الأول يتفرع منه طرق عدة هي: أ - تبصير الناشئ بالآيات الكونية الدالة على وجود الله تعالى وقدرته العظيمة. ب - تبصير الناشئ بالآيات العظيمة في الأنفس البشرية. جـ- التفكر في ظاهرة الموت وما بعده. ففيما يتعلق بفقرتي (أ) و (ب) فقد سبقت معالجتهما في التربية الاعتقادية، فلا داعي لذكرهما هنا منعا للتكرار وسأناقش فقط الفقرة (جـ) ويتم تحقيق هذه الطريقة بما يأتي:

стр. 326

جـ - تعميق التفكر في ظاهرة الموت وما بعده: يعتبر الموت من الأمور العقائدية في حياة المسلم، لذلك لابد من التدبر والتفكر في مصير المرء بعد حياة مليئة بالمصاعب والأعباء المعيشية، والالتزامات الأسرية، والمعاناة اليومية فلا ينسى في غمرة هذه الحياة، مصيره بعد الموت، وماذا أعدّ لدار البقاء والإقامة الدائمة. وابن الجوزي يلفت نظرنا إلى أنه من طبيعة الإنسان إذا مات له قريب أو عزيز، أن يحزن على فراقه، ولا يتفكر في العِظة من الموت، فقال: "ما زلت على عادة الخلق في الحزن على من يموت من الأهل والأولاد، ولا أتخايل إلا بلى الأبدان في القبور فأحزن لذلك" (١). ولكن ينبغي أخذ العظة والعبرة من الموت، والتفكر فيما آل إليه حال الأحباب والأصحاب، قبل أن يفوت الأوان، فيدركه الموت، ويصبح عظةً لغيره، فقال في ذلك: "وأي موعظةٍ أبلغ من أن ترى ديار الأقران وأحوال الإخوان وقبور المحبوبين، فتعلم أنك بعد أيامٍ مثلهم، ثم لا يقع انتباه حتى ينتبه الغير بك. . . ." (٢). ثم يبين ابن الجوزي حال المؤمن في تدبره للموت، فيقول: "والمؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر، وإن رأى مؤلمًا رأى العقاب، وإن سمع صوتًا فظيعًا ذكر نفخة الصور، وإن رأى الناس نيامًا ذكر الموتى في القبور، وإن رأى لذة ذكر الجنة، فهمّته متعلقة بماثَمَّ، وذلك يشغله عن كل ماتمَّ" (٣). ثم يصف حاله وهو يتفكر في نعيم الجنة الدائم، فيدفعه ذلك للصبر وتحمل المشاق، فقال في ذلك: "فيكاد إذا تخايل نفسه متقلبًا في تلك اللذات الدائمة التي لا تفنى يطيش فرحًا، ويسهل عليه ما في الطريق إليها من ألم ومرض وابتلاء وفقد محبوب وهجوم الموت ومعالجة غصصه" (٤). كذلك من صفات المؤمن. أنه إذا تذكر الموت، وما ارتكبه من ذنوب عظيمة، انتابه خوف وقلق من سوء المصير، قال ابن الجوزي: "ثم يتخايل المؤمن دخول النار والعقوبة

стр. 327

فيتنغص عيشه، ويقوى قلقه، فعنده بالحالين (١) شغل عن الدنيا وما فيها، فقلبه هائم في بيداء الشوق تارة، وفي صحراء الخوف أخرى" (٢). لذلك فالمطلوب من المرء أن يجعل تذكره للموت إيجابيًا، يدفعه لزيادة رصيده من الأعمال الصالحة، والحسنات الكثيرة، وقد قال في ذلك ابن الجوزي: "ولا ينبغي أن يقع جزع بذكر البلى، فإن ذلك شأن المركب، أما الراكب ففي الجنة أو في النار. وإنما ينبغي أن يقع الاهتمام الكلي بما يزيد في درجات الفضائل قبل نزول المعوّق عنها. فالسعيد من وُفق لاغتنام العافية، ثم يختار الأفضلَ فالأفضل في زمن الاغتنام. وليعلم أن زيادة المنازل في الجنة على قدر التزيد من الفضائل هاهنا، والعمر قصير، والفضائل كثيرة. فليبالغ في البدار. ومتى تخايل دوام اللذة في الجنة من غير منغصٍ ولا قاطع، هان عليه كل بلاءٍ وشدةٍ" (٣). ثم ينصح ابن الجوزي بمصاحبة الصالحين، والمكثرين من الفضائل، والمتشوقين للآخرة، لأنهم المؤثرون بتفكيرهم وسلوكهم في الآخرين، والبعد عن مخالطة محبي الدنيا وزينتها، فقال في ذلك: "فالنظر في سِيَر المجدين، فإنه يعود مستجلبًا للفكر منها شتى الفضائل والتوفيق من وراء ذلك. فأما مخالطة الذين ليس عندهم خبر إلا العاجلة فهو من أكبر أسباب مرض الفهم وعلل العقل" (٤). د- تكوين روح الطاعة والإخلاص لله وحده إن إخلاص العبادات والعمل لله وحده، من الأساليب الفعالة في تزكية النفس البشرية وتطهيرها من الشرور والآثام، والسموّ بها عن الدنايا والرذائل، وتبرز أهمية هذا الأسلوب الفعال في الرقي الروحي للإنسان، في كونها صلة ربانية بين العبد وربه، وهذه الصلة خفية لا يعلمها إلا الله تعالى، فتضفي على الأعمال صفة العبودية لله وحده لا شريك له، وتنفي عن الإنسان النفاق والرياء وحبَّ السمعة. قال

стр. 328

الرسول ﷺ : "إنما الأعمالُ بالنيةِ، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرتُه إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه" (١). فالنية الخالصة لله تعالى تحول العادات إلى طاعات وقربات لله تعالى، وتصبغها بالصبغة الإيمانية، والنية الحسنة لابد أن يصحبها عمل موافق للشرع، وإلا حَبط ولم يُقبَل، وقد قال الرسول ﷺ : "إن اللهَ تعالى لا يقبل من العملِ إلا ما كانَ خالصًا، وابتُغي بهِ وجهُه" (٢). وقد أكد ابن الجوزي أهمية النية، لأثرها في زيادة الإيمان، فقال: "ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل. ولتكن نيته في الخير قائمةً، من غير فتور بما يعجز عنه البدن من العمل" (٣). وقد استشهد ابن الجوزي بحديث رسولنا الكريم ﷺ : "نيةُ المؤمنِ خيرٌ من عملهِ" (٤). ثمَّ نصح ابن الجوزي ابنه قائلًا: "فلا تعظن إلا بنيةٍ، ولا تمشين إلا بنيةٍ، ولا تأكلن لقمة إلا بنيةٍ، ومع مطالعة أخلاق السلف ينكشف لك الأمر" (٥). وقال أيضًا مخاطبًا نفسه: "ولا تعملي عملًا إلا بعد تقديم النية" (٦). ويقصد ابن الجوزي بأقواله في النية، أن على الإنسان أن يخلص نيته لله تعالى، متى يقبل عمله، ويصبح عبادة يؤجر عليها. "فالعبرة إذًا بحال القلب، وتصحيح القصد، وتطهيرُ النية من كل وصف مذموم

стр. 329

يباعد عن الله تعالى، واجب على كل مسلم، لأن الاعتناء بإصلاح القلب مقدم على عمل الجوارح، وعمل القلب مُصحِّح للأعمال الشرعية، أما الأجسام والمظاهر فليس المعول عليها قطعًا" (١). وإذا كانت النية خالصة لله تعالى، ومصاحبة لجميع تصرفات المرء ومشاعره وأفكاره، حوَّلت حياته إلى عبادة دائمة لله تعالى، وهذا تحقيق لقول الله تعالى -وإن لم يستشهد به ابن الجوزي هنا-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). والنية الصادقة بهذا المفهوم، تصبح الصلة الدائمة بين العبد وربه، وعن طريق هذه الصلة تكون تربية الروح. هـ- ممارسة العبادات المفروضة رغبًا ورهبًا ومن الأساليب الحيوية في تربية الجانب الروحي في الإنسان أداءُ العبادات بمفهومها المقصور على الصلاة والصوم والزكاة والحج. ولا نقصد هنا مفهوم العبادة الشامل لكل جوانب الحياة. والعبادة من الأساليب الفعالة في تربية الروح وتزكيتها، وانطلاقها إلى عالم النور، وقد عرَّف شيخ الإِسلام ابن تيمية العبادة بقوله: إنها "اسم جامع لكل ما يحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة: فالصلاة والزكاة والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضاء بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف لعذابه، وأمثال ذلك، هي من العبادات لله" (٣).

стр. 330

والعبادة سواء كانت الفعلية كالصلاة والصوم والزكاة والحج، أو القولية كالذكر أو الاستغفار والدعاء، لابد أن يصحبها استحضار واستشعار لمعانيها، من قلب خاشع، وعقل واع، حتى تتم الصلة الحقيقية بين العبد وربه، فترتقي الروح إلى مدارج عالية من التقوى والطمأنينة والسكينة والخشوع، فتؤتي في النفس أكلها، وتثمر في الخلق والسلوك. وقد انتقد ابن الجوزي عبادات الناس فقال: "تأملت على أكثر الناس عباداتهم، فإذا هي عادات. فأما أرباب اليقظة فعاداتهم عبادة حقيقية. فإن الغافل يقول سبحان الله عادة، والمتيقظ لا يزال فكره في عجائب المخلوقات أو في عظمة الخالق، فيحركه الفكر في ذلك فيقول: سبحان الله" (١). وسنفصل في هذا الجانب التعبدي الهام، ولكننا سنركز في دراستنا على الجانب التربوي للعبادات، وآثارها النفسية والسلوكية والخلقية في تزكية الروح، دون التركيز على الأحكام الفقهية المتعلقة بهذه العبادات من حيث فضلها وأركانها وواجباتها وشروطها وسننها ومبطلاتها ومكروهاتها. . . الخ. وإن كان لهذه الأحكام من جانبها الفقهي دور تربوي كبير في تنظيم حياة الناس، بطريقة تكسبهم العادات السلوكية الصالحة الاجتماعية والخلقية، التي مع استمرار الممارسة لها، تصبح جزءًا من شخصياتهم. وسنظهر الآثار التربوية للعبادات من خلال آراء ابن الجوزي التربوية، ثم نربطها بالمنهج التربوي الإسلامي. هذا وقد ناقشها ابن الجوزي من نقاط عدة هي: و- تطهير النفس وتزكيتها من الرذائل لابن الجوزي أقوال في الطهارة بمعناها الظاهري المتضمِّن للنظافة والوضوء والغسل، وبمعانيها الداخلية لإصلاح الباطن وتزكيته. وسنعرض لأهم آرائه ثم نناقشها في ضوء المنهج التربوي الإسلامي.

стр. 331

أنواع التطهير عند ابن الجوزي قال ابن الجوزي: "إن الطهارة على أربعة أضرب: الضرب الأول: تطهير البدن من نجس أو حدث أو فضلة من البدن. والضرب الثاني: تطهير الجوارح من الآثام. والضرب الثالث: تطهير القلب من الأخلاق المذمومة من الحرص والحقد والحسد والكبر وغير ذلك. والضرب الرابع: تطهير السر عما سوى الله . وهذه المرتبة العليا، ولم تحصل إلا لمن تجلت له أوصاف الحبيب فدخل في دائرة المحبة" (١)، النوع الأول: من تطهير البدن من نجس أو حدث أو فضلة من البدن هذا النوع من التطهير سبقت مناقشته في التربية الصحية، لارتباطه الوثيق بها، ومنعًا من التكرار لن نذكره هنا. النوع الثاني: تطهير الجوارح أو الأعضاء من الآثام قال ابن الجوزي في الضرب الثاني من الطهارة: "تطهير الجوارح من الآثام" (٢). وقد استشهد بقوله : ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٣). معنى الجوارح في اللغة: "وجوارح الإنسان: أعضاؤه، وعوامل جسده، كيديه ورجليه، واحدتها جارحة، لأنهن يجرحن الخير والشر، أي يكسبنه" (٤).

стр. 332

وبناء على المعنى اللغوي، فالمقصود من قول ابن الجوزي، هو كف أعضاء الإنسان من سمع وبصر ولسان، ويد ورجل عن ارتكاب المعاصي التي نهى عنها الإِسلام. وقد وردت بعض الأحاديث النبوية الشريفة، التي تحث على تنزيه هذه الجوارح من معصية الله تعالى، قال الرسول ﷺ : "كُتبَ على ابن آدمَ نصيبُه من الزنى مدركٌ ذلك لا محالةَ. فالعينان زناهما النظرُ. والأذنان زناهما الاستماعُ. واللسانُ زناه الكلامُ. واليدُ زناها البطشُ. والرجلُ زناها الخُطا. والقلبُ يهوى ويتمنى. ويصدّقُ ذلك الفرجُ ويكذّبُه" (١). وقد ورد في شرح هذا الحديث في صحيح مسلم نفسه، أن المقصود بالزنى، الزنى المجازي وليس الحقيقي. إن للجوارح من سمع وبصر ولسان وشم ولمس وذوق ويدين ورجلين، أثرًا كبيرًا في اتباع الشهوات أو اجتنابها، فهي موصل جيد لرغبات الإنسان إلى القلب، وقد شبهها ابن الجوزي بالسواقي التي تحمل مع الماء كل شيءٍ، فقال: "إن الجوارح كالسواقي توصل إلى القلب الصافي والكدرِ، فمن كفها عن الشر جلت معدة القلب بما فيها من الأخلاط فأذابتها، وكفى بذلك حمية، فإذا جاء الدواء صادف محلًا قابلًا" (٢). أما من ترك الجوارح دون ضبطٍ وكف وتهذيب عن المحرمات، فقد أوقعها في المعاصي والآثام؛ قال ابن الجوزي في ذلك: "ومن أطلقها في الذنوب أوصلت إلى القلب وسخ الخطايا وظلم المعاصي، فلو وضع الدواء كان بينه وبين القلب حجاب" (٣). وحتى نحافظ على الجوارح عفيفة مبرأة من الذنوب، فقد نصح ابن الجوزي بالعزلة النافعة علاجًا لها، فقال: "فلا تكاد الجوارح تسلم من الخطايا إلا بالعزلة، فمن أمكنه فما أحسنه" (٤)، فمن لم يستطع بالعزلة فعليه بمجاهدة النفس، وتدريب الجوارح على الالتزام بما أمر الله، واجتناب ما نهى، قال ابن

стр. 333

الجوزي في ذلك: "ومن لم يمكنه تحفظ في مخالطته للخلق تحفظ المجاهد في الحرب" (١). ولم يبين ابن الجوزي كيفية المحافظة على هذه الجوارح، ولكن فصّلها الإمام ابن قيم الجوزية بقوله: "إن العبودية منقسمة على القلب، واللسان، والجوارح. وعلى كل منها عبودية تخصه. والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح، وهي لكل واحد من القلب، واللسان، والجوارح" (٢). وسأمثل لجارحة اللسان فقط، لتوضيح المراد من قول ابن قيم الجوزية، حتى لا يطول البحث في هذا الجزء، ولمن أراد الاستزادة يمكن الرجوع إلى كتاب مدارج السالكين. قال ابن قيم الجوزية: "وأما عبوديات اللسان الخمس. فواجبها: النطق بالشهادتين، وتلاوة ما يلزمه تلاوته من القرآن .. ومن واجبه: رد السلام. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضالّ، وأداء الشهادة المتعينة، وصدق الحديث. وأما مستحَبُّهُ: فتلاوة القرآن، ودوام ذكر الله، والمذاكرة في العلم النافع، وتوابع ذلك. وأما محرمُهُ: فهو النطق بكل ما يبغضه الله ورسوله ﷺ ، كالنطق بالبدع المخالفة لما بعث الله به رسوله والدعاء إليها، وتحسينها وتقويتها، وكالقذف وسبّ المسلم، وأذاه بكل قول، والكذب، وشهادة الزور، والقول على الله بلا علم. وهو أشدها تحريمًا. ومكروهه: التكلّم بما تركُهُ خير من الكلام به، مع عدم العقوبة عليه. والمباح: فيما فيه منفعة له، ولا مضرة عليه في الآخرة" (٣). وهكذا يمكن قياس بقية الجوارح بهذه العبوديات الخمس، للاستعانة بها في تدريب الجوارح على مرضاة الله تعالى. فإذا تم للإنسان التنظيف

стр. 334

البدني المحسوس، ثم تطهير الجوارح، فقد تم شطر الطهارة الكاملة التي يدعو إليها المنهج التربوي الإسلامي. النوع الثالث: تطهير القلب من الأخلاق المذمومة: قال فيه ابن الجوزي: "تطهير القلب من الأخلاق المذمومة، من الحرص والحقد والحسد والكبر وغير ذلك، ولا يمكن معالجته من أدوائه بدوائه حتى تقع الحمية التي وصفناها في كف الجوارح، ثم يعالج كل داءٍ بدوائه" (١). وهذا القول يدل على فهم ابن الجوزي الصحيح، للمنهج العبادي في الإسلام، وأهمية ارتباط العبادات بالأخلاق الفاضلة. وإن كلام ابن الجوزي هذا موافق لقول الرسول ﷺ ، -وإن لم يستشهد به- عندما سأل أصحابه: "أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ. فقال: إن المفلسَ من أمتي، من يأتي يومَ القيامةِ بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتمَ هذا، وقذف هذا، وسفكَ دَم هذا، وضربَ هذا. فيعطى هذا من حسناتِه، وهذا من حسناتِه. فإن فنيت حسناتُه، قبل أن يَقضي ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطرحت عليه. ثم طرحَ في النارِ" (٢). إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية في هذا المعنى. وقد نقد ابن الجوزي، المتعبد الذي غفل عن المعنى الحقيقي للعبادات، وأثرها الإيجابي في تهذيب الأخلاق، وغرس الفضائل، فقال: "وكم من متعبد يبالغ في كثرة الصلاة والصوم ولا يعاني صلاح القلب، وقد يكون عنده الكبر والرياء والنفاق والجهل بالعلم ولا يحسّ بذلك" (٣)، وهذا مصداق لقول الرسول ﷺ : "من لم يدع قولَ الزورِ والعملَ به، فليس للهِ حاجةٌ في أن يدع طعامَه وشرابَه" (٤).

стр. 335

ثم بيَّن ابن الجوزي أن العلاج التربوي لهذا الفهم الخاطئ في فصل العبادات عن الأخلاق، إنّما يتم عن طريق تربية وتدريب المرء على أداء العبادات بطريقة صحيحة كما فرضها الله تعالى، بحيث يستشعر جميع المعاني الإيمانية والنفسية والخلقية والاجتماعية، التي يجنيها من وراء هذه العبادات، فتُنبت في نفسه الحب والتعظيم لله تعالى، والتواضع لعباده، وذلك بالإضافَة إلى ما يترتب عليهما من ثمار جليلة، لا يتذوقها إلا من شعر بحلاوة الوقوف بين يدي الله تعالى. فقال ابن الجوزي في ذلك: "وهذه آفات لا دواء لها إلا الرياضة بالعلم، ليقع التهذيب بإصلاح دائه، وإنما تنفع العبادة وتظهر آثارها وتبين لذاتها مع إصلاح أمراض القلب" (١). النوع الرابع: تطهير السر أو القلب عمَّا سوى الله: وقد قال فيه ابن الجوزي: "تطهير السرّ عمَّا سوى الله . وهذه المرتبة لم تحصل إلا لمن تجلت له أوصاف الحبيب فدخل في دائرة المحبة" (٢). والمرتبة التي قصدها ابن الجوزي، هي مرتبة الإحسان، التي اعتبرها ابن قيم الجوزية: "لبَّ الإيمان، وروحه وكماله. وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل. فجميعها منطوية فيها" (٣). وقد قال فيها رسولنا الكريم ﷺ "أن تعبدَ الله كأنك تراهُ، فإن لم تكن تراهُ فإنه يراكَ" (٤). وهذه المرتبة تصل بصاحبها إلى "كمال الحضور مع الله . ومراقبته الجامعة لخشيته، ومحبته ومعرفته، والإنابه إليه، والإخلاص له، ولجميع مقامات الإيمان" (٥). وهذه المرتبة العالية، تحتاج من الفرد، المجاهدة المستمرة، وإيثار

стр. 336

محبة الله تعالى على كل شيء، حتى ترتقي النفس البشرية بروحها وسلوكها وشهواتها، عن رغبات الدنيا وزينتها، فيسير الإنسان منضبطًا، قويًا، طاهرًا، عفيفًا، نحو مرضاة الله تعالى، فتتكون الشخصية الإسلامية المؤمنة، كما أرادها المنهج التربوي الإسلامي. وهذا ما ينبَّه عليه علم التربية الإسلامية المعاصرة في الوقت الحالي. وعن طريق هذه الأنواع الأربعة من الطهارة بمفهومها الظاهري والباطني، نستطيع أن نبني ونربي الفرد المسلم على العبودية الخالصة لله تعالى. ز- أداء العبادات المفروضة وتأثيرها بالروح التربوية: بعد أن تكلمنا على الطهارة لبعض العبادات، سنناقش في هذا المبحث الجانب التعبدي المتمثل في الصلاة والصيام والزكاة والحج، باعتبارها شعائر مفروضة، أمر الله عباده بأدائها في أوقات محددة، وبصفات مخصوصة، وهذه العبادات لها جانبان فقهي وتربوي، وسنقتصر في دراستنا على الجانب التربوي التهذيبي للنفس البشرية. وهذه العبادات بتنوعها وتعددها السنوي والشهري والأسبوعي واليومي، تعتبر روافد أساسية دائمة ومتجددة للزاد الذي يغذي الروح، ويهذب السلوك، ويقوَّم الخلق، ويقوي البدن، ويسمو بالنفس عن شهوات الدنيا، ويعينها على تخطي العقبات، وتحمل الابتلاء، بقلوب مؤمنة، صابرة، قادرة على تحمُّل أعباء الدعوة إلى الله وتكاليفها. وسنقوم بعرض آراء ابن الجوزي التربوية في هذه العبادات، وما تتركه من آثار واضحة في شخصية المؤمن. وقد ركز ابن الجوزي على الجانب الفقهي للعبادات، وذكر بعض الآثار التربوية اليسيرة، ولكن يمكن استخلاص المبادئ التربوية المتعددة من خلال عرضه الفقهي، وسأذكر هذه المبادئ في نهاية هذا المبحث. ١ - الصلاة هي الصلة الدائمة والحية المتجددة، بين الله وعبده. وهذه العبادة تحرر العبد من العبودية لغير الله، وتربطه بالله مباشرة دون

стр. 337

وسيط أو شفيع. ومن خلال الصلاة تتم تربية الإنسان من جميع الجوانب العقلية والصحية والروحية والنفسية والخلقية، فيكون العبد -في أثناء الصلاة- في حالة خضوع تامّ الله ، فيخشع بدنه وجوارحه من خلال القيام والركوع والسجود، ويتدبر عقله في آيات الله، وما فيها من أمر ونهي، فتهدأ روحه، ويسكن قلبه، ويطمئن وجدانه، وترضى نفسه، ويستقيم خلقه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (١). وفي معنى الصلاة التربوي، يقول ابن الجوزي: "إن الله عظّم قدر الصلاة لأنها أوفى خدمة العبد، والمراد من العبد التعبد، وهي جامعة بين خضوع بدنه، ونطق لسانه، وحضور قلبه، وإن الله تعالى جعل عبادة ملائكته بين سجود وركوع وذكر، وذلك مجموع في الصلاة" (٢). ثم بيَّن ابن الجوزي أن من شروط قبول الصلاة عند الله تعالى، أن تؤتي ثمارها من السكينة النفسية، والطمأنينة القلبية، استحضار معاني ما فيها، واستشعار رقابة الله وخشيته وحبه والشوق إليه، لأن المصلي إذا تدبّر في معاني الصلاة، فإنه لابد يذوق حلاوة طاعة الله تعالى، قال ابن الجوزي: "كان أرباب التفكر من السلف يشاهدون في كل شيء عبرة، فيذكرون بالأذان نداء العرض، وبطهارة البدن تطهير القلب، وبستر العورة طلب ستر القبائح من عيوب الباطن، وباستقبال القبلة صرف القلب إلى المقلّب، فمن لم تكن صلاته هكذا فقلبه غافل" (٣). ثم عرض ابن الجوزي لنموذج من السلف الصالح عند أدائهم للصلاة بخضوع وخشوع، وتفكر من خلال فهمهم العميق للمغزى من الصلاة، وهو تعظيم الله بكل جوارحهم، بعد قطع جميع علائق الدنيا من نفوسهم، فقال: "إن المقصود بالصلاة إنما هو تعظيم

стр. 338

المعبود، وتعظيمه لا يكون إلا بحضور القلب في الخدمة، وقد كان في السلف من يتغير إذا حضرت الصلاة ويقول: أترون بين يدي مَنْ أريد أن أقف! وأنت تعلم أن من حضر قلبه في تعظيم سلطانه فحضر بين يديه من يعرف إلى جانبيه، امتلأ بهيبة المعظَّم، فإذا أردت استجلاب حضور قلبك الغائب ففرّغه من الشواغل مهما استطعت" (١)، وهكذا فإن الصلاة قوة روحية ونفسية، تعين الفرد على مواجهة متاعب الحياة ومصاعبها، ويجد المؤمن في ظلالها الهدوء النفسي، والسكينة والاطمئنان، وجميع هذه الأمور وغيرها تصقل شخصية المؤمن وتزيدها قوة وكمالا. ٢ - الزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة لقوله ﷺ : "بُني الإِسلامُ على خمس: شهادةِ أن لا إلَه إلا اللهُ وأن محمدًا عبدهُ ورسولهُ. وإقامِ الصلاة. وإيتاءِ الزكاة. وحجَّ البيت. وصومِ رمضان" (٢). والزكاة من العبادات المفروضة على كل مسلم، وهي مقيدة بحدود وشروط ثابتة في القرآن الكريم والسُّنّة النبوية المطهرة، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٤). والإنسان بفطرته يحب المال حبا كثيرًا، لقول الله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٦). والمنهج

стр. 339

التربوي الإسلامي اعترف بهذه الفطرة ليسمو بها عن البخل، ويوجهها للإنفاق الصحيح، وجعل المال وسيلة يستعين بها المرء على طاعة الله تعالى ومرضاته، وليست الغاية جمع المال وكنزه. وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "لا ينكر أن الطباع تحبّ المال، لأنه سبب بقاء الأبدان، لكنه يزيد حبه في بعض القلوب حتى يصير محبوبًا لذاته، لا للتوصل به إلى المقاصد. فترى البخيل يحمل على نفسه العجائب، ويمنعها اللذات وتصير لذاته في جمع المال. وهذه جبلّة في خلق كثير" (١). وعبادة الزكاة لها معان جليلة في تهذيب النفس البشرية وتطهيرها من الشحّ والبخل والأثرة والطغيان والاستبداد. وقد بيَّن ابن الجوزي بعض المعاني التي يمكن أن نستخلصها من هذه العبادة، فقال: "وينبغي للمتيقظ أن يفهم المراد من الزكاة، وذلك ثلاثة أشياء: أحدها: الابتلاء بِإخراج المحبوب. والثاني: التنزه عن صفة البخل المهلك. والثالث: شكر نعمة المال، فليتذكر إنعام الله عليه، إذ هو المعطي لا المعطَى" (٢). وسنقوم بتحليل هذه المعاني، التي ذكرها ابن الجوزي تربويًا، فقال في المعنى الأول: "الابتلاء بإخراج المحبوب"، هنا لا يخالف ابن الجوزي الحقيقة القرآنية، من حب الإنسان العظيم للمال، وحرصه عليه. وأنه تجلت حكمة الله تعالى في جعل الزكاة فريضة إلزامية على كل فرد، حتى يربي النفس البشرية على البذل والعطاء، واجتناب كنز المال والحرص عليه. وقد اعتبر ابن الجوزي هذه الفريضة من الابتلاء والاختبار للإنسان، بسبب تمكَّن حب المال في قلبه، فصار إخراجه منها صعبًا، ويحتاج إلى مجاهدة ومصابرة، حتى تبذل عن طواعية ورضى. أما المعنى الثاني فقال فيه ابن الجوزي: "التنزه عن صفة البخل

стр. 340

المهلك". وذلك لأن حب الإنسان للمال وحرصه الشديد عليه، قد يدفعه إلى سفك الدماء، أو انتهاك الأعراض، أو الوقوع في المحرّمات، ولا يقتصر بخله على ذلك، بل يتعداه إلى إهلاك نفسه، فيعرضها لعقوبة الله تعالى في الدنيا والآخرة، وتعريض أهله وعياله إلى التشرد أو السرقة أو النصب والاحتيال. أما المعنى الثالث فقال فيه ابن الجوزي: "شكر نعمة المال، فليتذكر إنعام الله عليه إذ هو المعطي لا المعطَى" (١). وهنا يقرر ابن الجوزي حقيقة مؤكدة، ينبغي للإِنسان أن يدركها، وهي أن الله هو المالك الحقيقي لكل ما في الكون، وهو واهب المال وخالقه وميسر سبله للإنسان، قال الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٤). وبما أنَّه تعالى هو المالك والواهب لكل شيء بما فيه المال، فلابد من شكر الله تعالى على هذه النعم، والاعتراف بفضله ومنته عليه، وهذا الشكر لا يكون باللسان، ولكن يترجم من خلال تنفيذ أوامره تعالى، بالإنفاق من هذا المال في كل ما يرضي الله تعالى، ووفق ما قررته الآيات القرآنية والأحاديث النبوية -نذكر بعضها وإن لم يستشهد بها ابن الجوزي في هذا الموضع- قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٥). ينبغي أن يكون إخراج الزكاة من المال الطيب الحلال، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٦) في هذا المعنى قال ابن الجوزي: "إن الإنفاق يقع على الزكاة

стр. 341

المفروضة وعلى الصدقة النافلة، وعلى الإيثار والمواساة للإخوان، فمن أخرج لله شيئًا، فليكن من أطيب ماله، وليوقن المضاعفة" (١). للزكاة أثر كبير في تهذيب النفس البشرية من الشح والبخل، لأن الإنسان "الذي يسدي الخير، ويصنع المعروف، ويبذل من ذات نفسه ويده، لينهض بإخوانه في الدين والإنسانية، وليقوم بحق الله عليه، يشعر بامتدادٍ في نفسه، وانشراح واتساع في صدره، ويحس بما يحس به من انتصر في معركةٍ، وهو فعلًا قد انتصر على ضعفه وأثرته وشيطان شحه وهواه. فهذا هو النمو النفسي والزكاة المعنوية" (٢). ويكون المزكي عكس البخيل الذي يمنع حق الله تعالى، فإنه يكون قلقًا، خائفًا على ضياع المال أو فقده، حريصًا على إنفاقه في أضيق الحدود، فيحرم نفسه وأهله وعياله من طيبات الحياة الدنيا. فيسبب لهم التعس والشقاء. ٣ - الصيام الركن التهذيبي الرابع من أركان الإسلام، قال الله تعالى في فرضيته: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣). وللصيام ميزة ينفرد بها عن غيره من العبادات، ذكرها ابن الجوزي قائلًا: "إن الصوم من أشرف العبادات، وله فضيلة ينفرد بها عن جميع التعبَّدات، وهي إضافته إلى الله " (٤) بقوله: "الصوم لي وأنا أجزي به" (٥). وقد استشهد ابن الجوزي على فضيلة الصيام بقول الرسول ﷺ :

стр. 342

"إن في الجنة بابًا يقالُ له الريان، يدخلُ منه الصائمون يومَ القيامةِ، لا يدخلُ منه أحدُ غيرهُم، يقال: أين الصائمون، فيقومون، لا يدخلُ منه أحدٌ غيرهم، فإذا دخلوا أُغْلقَ، فلم يدخلْ منه أحدٌ" (١). والصوم يختلف عن العبادات الأُخرى، بأنه كفُّ وامتناع عن الأكل والشرب ومباشرة النساء، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع نية التعبد، طوال الشهر. "وهذا الامتناع والترك، وإن بدا سلبيًّا في مظهره، فهو عمل إيجابي في حقيقته وروحه، إذا هو كفّ النفس عما تشتهيه بنية القربة إلى الله تعالى فهو بهذا عمل نفسي إرادي، له ثقله في ميزان الحق والقبول عند الله" (٢). ولا يقتصر هذا الكف والامتناع عن الحاجات الفطرية للإنسان، بل يتعداه إلى كف الجوارح عن كل ما حرّم الله تعالى. لقول الرسول ﷺ : "الصيامُ جُنةٌ فلا يرفث ولا يجهلْ، وإن امرؤ قاتلَه أو شاتمَه، فليقلْ إني صائم" (٣). وقد قال ابن الجوزي في هذا المعنى: "إن للصوم آدابًا منها: كف النظر واللسان عن الفضول، والإفطار على الحلال وتعجيله، وأن يفطر على تمر" (٤). ولم يذكر ابن الجوزي -فيما اطلعت عليه من مؤلفاته- الآثار التربوية العظيمة من الصيام، مثل إخلاص العبادة لله، وتقوية الإرادة والصبر، وضبط النفس والحلم، وكظم الغيظ، والإحساس بالفقراء والمساكين والمحرومين، بالإضافة إلى الفوائد الصحية التي تقوِّي الجسم وتقيه من الأمراض. ٤ - الحج الركن الخامس من أركان الإِسلام، وقد فرض الله تعالى الحج مرة واحدةّ في العمر، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ

стр. 343

إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (١). والحج رحلة إيمانية، جهادية، مقدسة، تقطعها الأقدام والقلوب والأرواح لمرضاة الله، ليكون ثوابها الجنة، لقول الرسول ﷺ : "والحجُ المبرورُ ليس لهُ جزاءٌ إلا الجنةُ" (٢)، وقوله ﷺ : "من حجَ هذا البيتَ فلم يرفث ولم يفسق رجعَ كما ولدتْه أمُه" (٣). وقد اشتملت فريضة الحج على جميع الأمور التعبدية التي أوجبها الله تعالى على عباده، من صلاة، وصيام، وصدقة وذكر. كذلك الحج له أسرار وآثار روحية وتربوية واجتماعية وخلقية جمة، وابن الجوزي يبين بعض أسراره بقوله: "وينبغي لمن أراد الحج أن يفهم معنى الحج، فإنه يشار به إلى التجرد لله ، ومفارقة المحبوبات. وليتذكر بأهوال الطريق الأهوال بعد الموت وفي القيامة، وبالإحرام الكفن، وبالتلبية إجابة الداعي، وليُحضر قلبه تعظيم البيت، وليتذكر بالالتجاء إليه التجاء المذنب، وبالطواف الطواف حول دار السيد ليرضى، وبالسعي بين الصفا والمروة، التردد إلى فناء الدار، وبرمي الجمار، رمي العدوّ" (٤). فإذا تدبر هذه المعاني، واستشعر ما فيها، فإنه يذوق حلاوة طاعة الله تعالى، ويقف على الحِكَم العظيمة فيه. وبعد: فأهم الآراء التربوية المستخلصة من هذا الجانب هي: أولًا: ١ - الاهتمام بغرس العقيدة الإِسلامية الصحيحة، وربطها بجميع جوانب النفس البشرية. ٢ - أهمية التربية الروحية للباطن والظاهر عند تكوين الشخصية المؤمنة.

стр. 344

٣ - ارتباط التربية الروحية بالنواحى التعبدية والخلقية والاجتماعية والنفسية والجسمية. ثانيًا: الآثار التربوية المستخلصة لكل نوع من العبادات في نظر ابن الجوزي: ١ - الآثار التربوية للصلاة (١) تقوية الصلة بين الله وعبده. (٢) تذوق حلاوة الإيمان من خلال استحضار معاني الصلاة وتفريغ القلب من المشاغل. ٢ - الآثار التربوية للزكاة (١) تزكية النفس البشرية من الشحّ والبخل. (٢) تقوية إرادة البذل والعطاء. (٣) إخلاص التجرد لله . ٣ - الآثار التربوية للصوم (١) تقوية إرادة الامتناع عن الشهوات. (٢) زيادة الإيمان والتقوى لله تعالى. (٣) تدريب النفس على الصبر. ٤ - الآثار التربوية للحج (١) إخلاص التجرد الله . (٢) تدبر مناسك الحج وربطها بالمعاني الإيمانية المختلفة.

стр. 345

• الفصل الخامس التربية الأخلاقية أولًا: مفهوم الخلق وطبيعته عند ابن الجوزي وغيره. ثانيًا: أساليب علاج بعض الأمراض الأخلاقية عند ابن الجوزي.

стр. 346

• الفصل الخامس التربية الأخلاقية اهتم المنهج التربوي الإسلامي بالجانب الخلقي، كغيره من الجوانب الأساسية في شخصية الإنسان المسلم. وقد ركّز ابن الجوزي على مفهوم الأخلاق في الإسلام، لَا على التربية الأخلاقية، لذلك ستقوم الباحثة بعرض آرائه كما هي ثم تستخلص منها الآراء التربوية المتعلقة بهذه الأمور الأخلاقية، وقد سبق في فصل تربية الطفل في ضوء مراحل النمو، أن وضحت الباحثة بعض النواحي الأخلاقية الخاصة بالطفل، لذلك لا داعي لذكرها تجنبا للتكرار. أولًا: مفهوم الخُلق وطبيعته عند ابن الجوزي وغيره أ - معنى الخُلق في اللغة: ورد معنى الخُلق في لسان العرب: "الخُلْقُ: بضم اللام وسكونها: هو الدينُ والطبعُ والسجيةُ، وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخَلْق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة" (١). أما الإمام الجرجاني فقد عرَّفه بقوله: "الخلقُ: عبارةٌ عن هيئةٍ للنفسِ راسخة تصدرُ عنها الأفعالُ بسهولةٍ ويسر من غير حاجة إلى فكر ورويةٍ، فإن كانت الهيئةُ بحيث تصدرُ عنها الأفعالُ الجميلة عقلًا وشرعا بسهولةٍ، سميت الهيئةُ: خلقًا حسنًا، وإن كان الصادرُ منها الأفعالُ

стр. 347

القبيحةَ، سميتِ الهيئةُ خلقًا سيئًا" (١). وقد أورد ابن الجوزي في تفسير معنى الخلق في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) ثلاثة أقوال: "أحدها: دين الإسلام، قاله ابن عباس. والثاني: آداب القرآن، قاله الحسن. والثالث: الطبع الكريم. وحقيقته "الخُلُقُ": ما يأخذ به الإنسان نفسه من الآداب، فسمي خُلُقًا، لأنه يصير كالخِلْقة في صاحبه. فأما ما طُبع عليه، فيسمى: "الخِيْم"، فيكون الخِيم: الطبع الغريزي، والخلق: الطبع المتكلف، هذا قول الماوردي" (٣). وقد أورد ابن الجوزي معنى آخر للخلق، من خلال استشهاده بحديث السيدة عائشة ﵂، عندما سُئِلت عن خلقه ﷺ فقالت: كان خلقُه القرآن. "تعني: كان على ما أمره الله به في القرآن" (٤). ونستنبط من قول ابن الجوزي، أن مقياس الأخلاق الفاضلة اتباع ما أمره الله به، والتأدب بآدابه، لأن القرآن الكريم المصدر الأول الذي نستقي منه الخلق الفاضل. وقد ميز ابن الجوزي بين بعض الألفاظ التي تدخل على الخلق، ففرق بين الخَلق والخُلق، وبين الخُلق والطبع، وبين صورة البدن وصورة الباطن. فقال أولًا: في الفرق بين الخَلق والخُلق: "فصورة البدن تسمى خَلْقًا، وصورة الباطن تسمى خُلْقًا" (٥). أما دليل كمال صورة البدن والباطن فهو كما عبر عنه بقوله: "ودليل كمال صورة البدن حسن الصمت (السمت)، واستعمال الأدب، ودليل صورة الباطن

стр. 348

حسن الطبائع والأخلاق" (١). أما الفرق بين الخلق والطبع فيتضح مما يأتي؛ فقد عرفنا الخُلُقَ، أما الطبعُ فهو: "ما يقع على الإِنسان بغير إرادةٍ، وقيل: الطبعُ، بالسكون: الجبلةُ التي خُلقَ الإنسان عليها" (٢). وقد قال ابن الجوزي فيهما: "فَالَطبائع العفة والنزاهة، والأنفة من الجهل، ومباعدة الشره. والأخلاق: الكرم، والإيثار، وستر العيوب، وابتداء المعروف، والحلم عن الجاهل" (٣). ولم يفصل ابن الجوزي فيهما القول فيما درست من كتبه. ب - طبيعة الخلق من الناحية الفطرية والاكتسابية: من خلال المعنى اللغوي والتفسير البياني للخلق، نرى أن الخلق فطري ومكتسب، فبين ابن الجوزي أن بعض الأخلاق فطرية والأخرى مكتسبة، فقال في ذلك: "إذا كانت الهمة الدنية طبعًا لم ينجح فيها العلاج، فإن كانت مكتسبة بصحبة الأدنياء أو لغلبة الطبع والهوى فعلاجها قريب" (٤). وفي هذا الرأي يبين أن الدناءة إذا كانت طبعًا وخلقًا فطريًا فصعب علاجه، أما إذا كانت مكتسبة بصحبة الأدنياء وغيره .. فممكن علاجها. ورأي ابن الجوزي في أن الدناءة خلق فطري يعارض قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ (٥) فالدناءة ليست من طبيعة الإنسان التي خلقه الله بها. لذلك تعتبر من الأخلاق المكتسبة. قال ابن الجوزي في فطرية الخلق "فرأيت أن الأدب وحسن العشرة، يتبع لطافة البدن وصفاء الروح" (٦). وقال أيضًا: "ولا تلتفت

стр. 349

إلى بكاء طفل الطبع لفوات غرضه، فإنك إن رحمت بكاءه لم تقدر على فطامه، ولم يمكنك تأديبه، فيبلغ جاهلًا، فقيرًا" (١). أما الأخلاق الحسنة، فلا يكتسبها الإنسان، إلا ببذل الجهد في تطويع نفسه لسلوكها، والمجاهدة المستمرة لذلك، قال ابن الجوزي في هذا المعنى: "إن الفضائل لا تنال بالهوينا، وأن يسير التفريط يشين وجه المحاسن" (٢). وقال: "نيل الشرف بالكرم والجود، فإنه يفتقر إلى جهاد النفس في بذل المحبوب، وربما آل إلى الفقر" (٣). وقال: "وكذلك الشجاعة، فإنها لا تحصل إلا بالمخاطرة بالنفس" (٤). جـ - الأخلاق في نظر ابن الجوزي: لم يتوسع ابن الجوزي في موضوع الأخلاق الحسنة والسيئة، ولكنه ذكر من الأخلاق السيئة خلق الكذب فقط، ومن الأخلاق الباطنية المذمومة: الحسد، والغضب، والحقد، والكبر والعُجب، وهذه الأخلاقيات الباطنية المذمومة، عرضنا لها في الفصل الأول من الباب الثالث وعدَدناها من الانفعالات لذلك لن نكرر معالجتها في هذا المبحث. أما الخلق السيئ الذي ذكره ابن الجوزي وهو الكذب فقد عدّه من العوارض التي يدعو إليها الهوى وحب الدنيا، فقال: "هذا من العوارض التي يدعو إليها الهوى، وذلك أن الإنسان لمحبته الرياسة، يؤثر أن يكون مخبِرا مُعلِمًا؛ لعلمه بفضل المخبِر على المخبَر" (٥). ثانيًا: أساليب علاج بعض الأمراض الخلقية عند ابن الجوزي اهتم ابن الجوزي بعلاج بعض الأمراض الخلقية التي ذكرها في باب الانفعالات مثل الحسد والحقد والغضب .. وغيرها، وقد عالج

стр. 350

أيضًا خلق الكذب ووضع أمور عدة، لعلاج هذا المرض الخلقي والنفسي الخطير، وهي: ١ - أن يعلم الكاذب عقوبة الكذب الدنيوية والأخروية من الله تعالى. قال ابن الجوزي: "علاج هذا المرض أن يعلم عقوبة الله للكاذب" (١). ٢ - أن يعلم الكاذب، أن استمرارية كذبه تخلع عنه الحياء والخجل. قال ابن الجوزي: "وأن يتيقن أنه مع استدامة الكذب، لابد أن يُطَّلع على حاله، فينقص نقصًا لا يُتلافى، فيذهب حياؤه وخجله" (٢). ٣ - احتقار الناس للكاذب وقلة ثقتهم به. قال ابن الجوزي: "واحتقار الناس له، وتكذيبهم إياه في الصدق، وقلة ثقتهم به على ما اكتذبه" (٣). وقد استشهد ابن الجوزي بحديث رسولنا الكريم ﷺ : "ما يزالُ الرجلُ يكذبُ ويتحرَّى الكذبَ حتى يكتبَ عند الله كذابًا" (٤). وأهم الآراء التربوية المستخلصة من هذا الجانب من التربية وهو جانب التربية الخلقية: ١ - أهمية الأخلاق الإِسلامية في تربية النشئ عليها منذ نعومة أظافرهم. ٢ - الأخلاق فطرية ومكتسبة، ولابد من تقويمها بما يوافق أدب القرآن الكريم. ٣ - أهمية التدريب على الأخلاق الإِسلامية منذ الصغر حتى تصبح

стр. 351

جزءا من شخصية الفرد. بعد عرض رأي ابن الجوزي في التربية الخلقية، نلاحظ أنها دراسة يسيرة بالنسبة للدراسات التربوية الأخرى التي تكلم عنها بصفة شاملة، وقد أوجزها في نقاط محدودة لا تشمل جميع الجوانب للتربية الخلقية الإسلامية ووسائلها وطرقها وفلسفتها وغايتها، وذلك ربما لأن ابن الجوزي لم يقصد الكتابة التربوية في هذا الجانب لذلك لم يشبعها بالدراسة والبحث. وإنما عالج موضوع التربية الخلقية من خلال وعظه وإرشاده ومؤلفاته بصورة شاملة. ويمكن القول باختصار -حسب اطلاعي على بعض مؤلفاته- أنه لم يعالج موضوع التربية الخلقية بتفصيل وإسهاب كما ينبغي.

стр. 352

• الفصل السادس التربية الإرادية أولًا: مفهوم الإرادة وطبيعتها. ثانيًا: شروط التربية الإرادية عند ابن الجوزي. ثالثًا: وسائل التربية الإرادية في نظر ابن الجوزي. رابعًا: ممارسة أنواع التدريب الخاصة بالتحمّل والصبر. خامسًا: وسائل إنقاذ الإرادة من ضعفها. سادسًا: الوسائل النفسية الإيحائية لتقوية الإرادة.

стр. 353

• الفصل السادس التربية الإرادية قبل أن نعرض آراء ابن الجوزي في التربية الإرادية، لابدّ من تحديد معنى الإرادة اللغوي، وتعريفها. أولًا: مفهوم الإرادة وطبيعتها فلبيان المعنى اللغوي للإرادة نورد ما يأتي: "أراد الشيء: شاءه؛ قال ثعلب: الإرادةُ تكون عن محبّة وغير محبّة. وأرادَ الشيء: أحبهُ وعُني به. والاسم الرِّيدُ. والإرادةُ: المشيئةُ" (١). وقد وردت تعريفات عدة للإرادة، سأذكر بعضًا منها لتوضيح معناها، حتى يسهل ربطها بآراء ابن الجوزي التربوية في هذا الجانب. عرف الإمام الجرجاني الإرادة بأنها: "ميلٌ يعقبُ اعتقادَ النفع، وأورد تعريفًا آخر فقال: "الإرادة: مطالبةَ القلب غذاءَ الروح من طيب النفسِ. وقيل: الإرادةُ حب النفسِ عن مراداتِها، والإقبالُ علىَ أوامر اللهِ تعالى والرضى" (٢). وقد عرفه د. محمد بيصار بقوله: "الإرادةُ ليست نزوعًا ما نحو شيء من الأشياءِ دون تفكيرِ أو شعورِ، وإنما هي نزوعٌ معينٌ قائمٌ على وجهةِ نظرِ، كثيرًا ما تكون مدعمةً بالحجةِ، فهو أولًا مسبوقٌ بالتأملِ والنظرِ. ثم هو ثانيًا متجهٌ إلى غايةٍ من الغايات" (٣).

стр. 354

ويقول الجنيد: "الإرادةُ أن يعتقدَ الإنسانُ الشيءَ، ثم يعزمَ عليه، ثم يريدُه، والإرادةُ بعد صدقِ النيةِ" (١). ومن هذه التعريفات يمكن القول: بأن الإرادة قوة باعثة ومحركة للسلوك، أو العمل الذي اقتنع به الشخص، أو الفكرة التي آمن بها. وابن الجوزي لم يعرّف الإرادة ولم يحدّد الطريقة المناسبة لتربية الإرادة مباشرة، ولكنه قدم إشارات عامة لهذه التربية، وسأحاول تصنيفها بطريقة تتناسب ومجالها في هذا الموضوع، وقد جعلت كتاب جوانب التربية الإسلامية الأساسية للدكتور مقداد يالجن هو الأصلَ الذي اقتبست منه عناوين هذا المبحث لصعوبة الحصول على آراء ابن الجوزي بمسمياته نفسها في مجال التربية الإرادية. ثانيًا: شروط التربية الإرادية عند ابن الجوزي قال د. مقداد يالجن: "تناول الإسلام موضوع الإرادة من حيث طبيعتها وروافدها وميادين تدريبها. وأما من حيث طبيعتها فإنها عبارة عن عزم وتصميم لفعل شيء أو تركه، وعلامة الإرادة هي النزوع المباشر إلى الفعل المراد أو إلى اتخاذ أسبابها" (٢)، ثم استشهد د. مقداد بقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ (٣). وعلى هذا فالإرادة لابدّ لها من باعث يدفعها لأداء العمل أو السلوك، وتظهر قيمة هذا الفعل من الإيمان بالله تعالى، وهي التي نعبر عنها بالنية. وقد عرف الفقهاء والعلماء النية بتعريفات عدة منها: ١ - تعريف الفقهاء: "لغة: القصد، وشرعا: قصد الشيء مقترنًا بفعله" (٤). ٢ - تعريف الإمام الغزالي: "إن النية والإرادة والقصد عبارات

стр. 355

متواردة على معنى واحد، وهو حالة وصفه للقلب يكتنفها أمران: علم وعمل. العلم يقدمه لأنه: أصله وشرطه. والعمل يتبعه لأنه: ثمرته وفرعه، وذلك لأن كل عمل، أعني كل حركة وسكون اختياري، فإنه لا يتم إلا بثلاثة أمور: علم، وإرادة، وقدرة؛ لأنه لا يريد الإنسان ما لا يعلمه فلابد وأن يعلم، ولا يعمل ما لم يرد فلابد من إرادة. ومعنى الإرادة: انبعاث القلب إلى ما يراه موافقًا للغرض إما في الحال أو في المآل" (١). قال رسول الله ﷺ : "إنما الأعمالُ بالنيةِ، وإنما لامرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرتُه إلى اللهِ ورسولهِ، فهجرتُه إلى اللهِ ورسوله. ومن كانت هجرته لدنيا يصيبُها أو امرأةٌ يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" (٢). وقد أدرك ابن الجوزي أهمية إخلاص النية لله تعالى في قبول العمل، فقال: "وليعلم المرائي أن الذي يقصده يفوته، وهو التفات القلوب إليه. فإنه متى لم يخلص حُرِم محبة القلوب ولم يلتفت إليه أحد، والمخلص محبوب؛ فلو علم المرائي أن قلوب الذين يرائيهم بيد من يعصيه لما فعل. وكم رأينا من يلبس الصوف، ويظهر النسك لا يُلتفت إليه، وآخر يلبس جيد الثياب ويبتسم، والقلوب تحبه" (٣). كما بيَّن ابن الجوزي دور النية الخيرة في حثّ الإنسان على الالتزام بالأعمال الصالحة، فقال: "ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة. ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل. ولتكن نيته في الخير قائمة، من غير فتورٍ بما يعجز عنه البدن من العمل" (٤).
следующие страницы →