← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17901

آراء ابن الجوزي التربوية

ليلى عطار

Полный текст (608 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

جزءا من شخصية الفرد. بعد عرض رأي ابن الجوزي في التربية الخلقية، نلاحظ أنها دراسة يسيرة بالنسبة للدراسات التربوية الأخرى التي تكلم عنها بصفة شاملة، وقد أوجزها في نقاط محدودة لا تشمل جميع الجوانب للتربية الخلقية الإسلامية ووسائلها وطرقها وفلسفتها وغايتها، وذلك ربما لأن ابن الجوزي لم يقصد الكتابة التربوية في هذا الجانب لذلك لم يشبعها بالدراسة والبحث. وإنما عالج موضوع التربية الخلقية من خلال وعظه وإرشاده ومؤلفاته بصورة شاملة. ويمكن القول باختصار -حسب اطلاعي على بعض مؤلفاته- أنه لم يعالج موضوع التربية الخلقية بتفصيل وإسهاب كما ينبغي.

стр. 352

• الفصل السادس التربية الإرادية أولًا: مفهوم الإرادة وطبيعتها. ثانيًا: شروط التربية الإرادية عند ابن الجوزي. ثالثًا: وسائل التربية الإرادية في نظر ابن الجوزي. رابعًا: ممارسة أنواع التدريب الخاصة بالتحمّل والصبر. خامسًا: وسائل إنقاذ الإرادة من ضعفها. سادسًا: الوسائل النفسية الإيحائية لتقوية الإرادة.

стр. 353

• الفصل السادس التربية الإرادية قبل أن نعرض آراء ابن الجوزي في التربية الإرادية، لابدّ من تحديد معنى الإرادة اللغوي، وتعريفها. أولًا: مفهوم الإرادة وطبيعتها فلبيان المعنى اللغوي للإرادة نورد ما يأتي: "أراد الشيء: شاءه؛ قال ثعلب: الإرادةُ تكون عن محبّة وغير محبّة. وأرادَ الشيء: أحبهُ وعُني به. والاسم الرِّيدُ. والإرادةُ: المشيئةُ" (١). وقد وردت تعريفات عدة للإرادة، سأذكر بعضًا منها لتوضيح معناها، حتى يسهل ربطها بآراء ابن الجوزي التربوية في هذا الجانب. عرف الإمام الجرجاني الإرادة بأنها: "ميلٌ يعقبُ اعتقادَ النفع، وأورد تعريفًا آخر فقال: "الإرادة: مطالبةَ القلب غذاءَ الروح من طيب النفسِ. وقيل: الإرادةُ حب النفسِ عن مراداتِها، والإقبالُ علىَ أوامر اللهِ تعالى والرضى" (٢). وقد عرفه د. محمد بيصار بقوله: "الإرادةُ ليست نزوعًا ما نحو شيء من الأشياءِ دون تفكيرِ أو شعورِ، وإنما هي نزوعٌ معينٌ قائمٌ على وجهةِ نظرِ، كثيرًا ما تكون مدعمةً بالحجةِ، فهو أولًا مسبوقٌ بالتأملِ والنظرِ. ثم هو ثانيًا متجهٌ إلى غايةٍ من الغايات" (٣).

стр. 354

ويقول الجنيد: "الإرادةُ أن يعتقدَ الإنسانُ الشيءَ، ثم يعزمَ عليه، ثم يريدُه، والإرادةُ بعد صدقِ النيةِ" (١). ومن هذه التعريفات يمكن القول: بأن الإرادة قوة باعثة ومحركة للسلوك، أو العمل الذي اقتنع به الشخص، أو الفكرة التي آمن بها. وابن الجوزي لم يعرّف الإرادة ولم يحدّد الطريقة المناسبة لتربية الإرادة مباشرة، ولكنه قدم إشارات عامة لهذه التربية، وسأحاول تصنيفها بطريقة تتناسب ومجالها في هذا الموضوع، وقد جعلت كتاب جوانب التربية الإسلامية الأساسية للدكتور مقداد يالجن هو الأصلَ الذي اقتبست منه عناوين هذا المبحث لصعوبة الحصول على آراء ابن الجوزي بمسمياته نفسها في مجال التربية الإرادية. ثانيًا: شروط التربية الإرادية عند ابن الجوزي قال د. مقداد يالجن: "تناول الإسلام موضوع الإرادة من حيث طبيعتها وروافدها وميادين تدريبها. وأما من حيث طبيعتها فإنها عبارة عن عزم وتصميم لفعل شيء أو تركه، وعلامة الإرادة هي النزوع المباشر إلى الفعل المراد أو إلى اتخاذ أسبابها" (٢)، ثم استشهد د. مقداد بقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ (٣). وعلى هذا فالإرادة لابدّ لها من باعث يدفعها لأداء العمل أو السلوك، وتظهر قيمة هذا الفعل من الإيمان بالله تعالى، وهي التي نعبر عنها بالنية. وقد عرف الفقهاء والعلماء النية بتعريفات عدة منها: ١ - تعريف الفقهاء: "لغة: القصد، وشرعا: قصد الشيء مقترنًا بفعله" (٤). ٢ - تعريف الإمام الغزالي: "إن النية والإرادة والقصد عبارات

стр. 355

متواردة على معنى واحد، وهو حالة وصفه للقلب يكتنفها أمران: علم وعمل. العلم يقدمه لأنه: أصله وشرطه. والعمل يتبعه لأنه: ثمرته وفرعه، وذلك لأن كل عمل، أعني كل حركة وسكون اختياري، فإنه لا يتم إلا بثلاثة أمور: علم، وإرادة، وقدرة؛ لأنه لا يريد الإنسان ما لا يعلمه فلابد وأن يعلم، ولا يعمل ما لم يرد فلابد من إرادة. ومعنى الإرادة: انبعاث القلب إلى ما يراه موافقًا للغرض إما في الحال أو في المآل" (١). قال رسول الله ﷺ : "إنما الأعمالُ بالنيةِ، وإنما لامرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرتُه إلى اللهِ ورسولهِ، فهجرتُه إلى اللهِ ورسوله. ومن كانت هجرته لدنيا يصيبُها أو امرأةٌ يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" (٢). وقد أدرك ابن الجوزي أهمية إخلاص النية لله تعالى في قبول العمل، فقال: "وليعلم المرائي أن الذي يقصده يفوته، وهو التفات القلوب إليه. فإنه متى لم يخلص حُرِم محبة القلوب ولم يلتفت إليه أحد، والمخلص محبوب؛ فلو علم المرائي أن قلوب الذين يرائيهم بيد من يعصيه لما فعل. وكم رأينا من يلبس الصوف، ويظهر النسك لا يُلتفت إليه، وآخر يلبس جيد الثياب ويبتسم، والقلوب تحبه" (٣). كما بيَّن ابن الجوزي دور النية الخيرة في حثّ الإنسان على الالتزام بالأعمال الصالحة، فقال: "ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة. ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل. ولتكن نيته في الخير قائمة، من غير فتورٍ بما يعجز عنه البدن من العمل" (٤).

стр. 356

ثم أنه بيَّن أهمية تدريب المرء على استحضار النية الخالصة لله تعالى في كل تصرفاته وحركاته وسكناته، فقال: "فلا تعظنَّ إلا بنيةٍ، ولا تمشين إلا بنيةٍ، ولا تأكلنَّ لقمةً إلا بنيةٍ، ومع مطالعة أخلاق السلف ينكشف لك الأمر" (١). وإذا دُرب الفرد على استحضار النية الطيبة في جميع أعماله، فإننا نكون قد عمَّقنا الناحية الخيرية في الإنسان، ووجهناه الوجهة الإيمانية الصحيحة، بعد أخذ شروط التربية الإرادية في الاعتبار، وشروط التربية الإرادية نذكرها فيما يأتي: أ - مراعاة طاقة الطفل عند تدريبه: ينبغي "تجنب تكليف الطفل في ميادين التدريب فوق طاقته، لأن ذلك يؤثر في نموه الطبيعي العام، كما يكوَّن في نفسه عقدًا ضد المربين وضد القيم الإِسلامية" (٢). يقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣). وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "وما احتمل من العلم يأمرانه به، وينهيانه عن القبيح، ويحثانه على المكارم؛ فإنه موسم الزرع" (٤). ب - الاهتمام بتكليف الطفل ما يعقله: فينبغي عدم تكليف الطفل في بداية نشأته بالأمور التكليفية التي لا يعقلها مثل الصلاة والصوم والحج، لقول الرسول ﷺ : "رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشبَّ، وعن المعتوهِ حتى يعقلَ" (٥). لأن المنهج التربوي الإِسلامي، يهدف إلى تربية الإرادة العاقلة الواعية، لا الإرادة الغافلة. وقد نصح ابن الجوزي بتعليم الطفل الصلاة وتدريبه عليها، حسب ما قررته الشريعة الإِسلامية، فقال:

стр. 357

"فليعلمانه الطهارة والصلاة ويضربانه على تركهما إذا بلغ سبع سنين" (١). وقد اقتبس ذلك من قول الرسول ﷺ -وإن لم يستشهد به- "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع" (٢). وقال: "يجب عليه أن يعرف ما يجب عليه من الوضوء والصلاة والزكاة -إن كان له مال- والحج وغير ذلك من الواجبات، فإذا عرف قدر الواجب قام به" (٣). جـ - الاهتمام بتنشئة الطفل على الفضائل والآداب الصالحة: ينبغي أن يتم تدريب الطفل منذ بداية نشأته، على الفضائل والأخلاقيات والآداب الصالحة، حتى تصبح جزءا من سلوكه وشخصيته. وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "أقوم التقويم ما كان في الصغر، فأما إذا ترك الولد وطبعَه، فنشأ عليه ومرن، كان ردّه صعبًا، ثم المواظبة على الرياضة (٤) أصل عظيم في حق الصبيان، فإن ذلك يفيدهم أن يصير الخير عادة" (٥). ثالثًا: وسائل التربية الإرادية في نظر ابن الجوزي حتى تقوى إرادة الفرد، وتتصلب أمام ضعفه البشري، لابدّ من وسائل لتربية إرادته لمواجهة ما يعترضه بقوة وعزيمةٍ، وإيمان واقتناع. وقد اقتبست الباحثة عناوين هذه الوسائل من كتاب، جوانب التربية الإِسلامية الأساسية للدكتور مقداد يالجن، لأنه كما ذكرت سابقًا، أن ابن الجوزي كتب في التربية الإرادية بصفة عامة دون تحديد مسمّاها أو عناوينها، ولكن قامت الباحثة بتصنيف ما كتبه متناثرًا في مؤلفاته العديدة التي درستها. وأهم هذه الوسائل هي:

стр. 358

أ - ممارسة أنواع التدريب الإرادي للسلوك الفطري: وذلك عن طريق إشباع الدوافع الفطرية كالأكل والشرب والجنس، وضبطها بالضوابط الشرعية، وتهذيب الانفعالات المختلفة مثل الغضب ودفع الإساءة بالإحسان، ومغالبة الهوى وضبط النفس وكظم الغيظ. وقد تكلم ابن الجوزي عن هذه الدوافع الفطرية والانفعالات، مبينًا طريقة إشباعها ثم ضبطها وإعلاءها، بطريقة تتفق وفطرة الإنسان. وقد سبق تحليل ذلك في الفصل الأول من الباب الثالث، لذلك لا داعي لذكرها هنا اجتنابًا للتكرار. ب - ممارسة أنواع التدريب الإرادي الخاصة بالبذل والعطاء: بعد تدريب النفس البشرية على ضبط شهواتها وإعلائها، لابدّ من تدريبها على البذل، بذل النفس والمال والجهد وكلَّ ما تملك، حتى تقوى إرادتها، ويسلس قياد النفس لصاحبها والتدريبُ على البذل وكذا العطاء المثمر يحتاجان إلى مضاعفة الجهد، وتحمل الآلام، وفي هذا يقول ابن الجوزي: "إن كل شيء نفيس خطيرٍ يطول طريقه ويكثر التعب في تحصيله" (١). وقد عدَّد ابن الجوزي بعض الأمور التي تحتاج إلى مجاهدةٍ ومصابرة، حتى تنالها النفس البشرية، فقال: "العلم لما كان أشرف الأشياء لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار وهجر اللذات والراحة" (٢). وقال في المال: "ونحو هذا تحصيل المال، فإنه يحتاج إلى المخاطرات والأسفار والتعب الكثير" (٣). وقال في الكرم: "وكذلك نيل الشرف بالكرم والجود، فإنه يفتقر إلى جهاد النفس في بذل المحبوب، وربما آل إلى الفقر" (٤). وقال في الشجاعة: "وكذلك الشجاعة، فإنها لا تحصل إلا بالمخاطرة بالنفس" (٥). كذلك من أراد ثواب الآخرة، فإنه لابد أن يدرب نفسه على طاعة

стр. 359

الله تعالى ومرضاته باتباع شرعه، واجتناب ما نهى عنه ويصبر ويجاهد ويصابر في سبيل ذلك. قال ابن الجوزي: "ومن هذا الفن تحصيل الثواب في الآخرة. فإنه يزيد على قوة الاجتهاد والتعبد، أو على قدر وقع المبذول من المال فى النفس، أو على قدر الصبر على فقد المحبوب، ومنع النفس من الجزع" (١). كذلك الزهد يحتاج إلى مشقة، قال ابن الجوزي: "وكذلك الزهد يحتاج إلى صبر عن الهوى" (٢)، وقال في العفاف: "والعفاف لا يكون إلا بكفِّ كفِّ الشره. ولولا ما عانى يوسف ﵇ ما قيل له أيها الصديق" (٣). ثم يمدح ابن الجوزي الساعين في الرقيّ بنفوسهم، ويصف حالهم في أثناء المجاهدة .. قائلا: "والله أقوام ما رضوا من الفضائل إلا بتحصيل جميعها، فهم يبالغون في كل علم، ويجتهدون في كل عمل، ويثابرون على كل فضيلة. فإذا ضعفت أبدانهم عن بعض ذلك قامت النيات نائبة وهم لها سابقون. وأكمل أحوالهم إعراضهم عن أعمالهم؛ فهم يحتقرونها مع التمام ويعتذرون من التقصير. ومنهم من يزيد على هذا فيتشاغل بالشكر على التوفيق لذلك، ومنهم من لا يرى ما عمل أصلًا، لأنه يرى نفسه وعمله لسيده" (٤). ولهذا كان التدريب على البذل في مختلف النواحي النفسية والخلقية، يحتاج إلى صبر ومصابرة، حتى تتخلص النفس من ضعفها البشري، ويسلس قيادها للتفاني في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، وإقامة الشرع الحنيف، كما ارتضاه الله ﵎. رابعًا: ممارسة أنواع التدريب الخاصة بالتحمل والصبر يعتبر الصبر من الأخلاق الفاضلة التي ينبغي للمرء تدريب نفسه عليها، فالصبر ضرورة دنيوية ودينية. وقد وعد الله تعالى الصابرين

стр. 360

بالأجر العظيم في الدارين، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ (١). وفي كتاب الله آيات كثيرة بشأن الصبر وفضله وجزاء الله عليه. وقد بيَّن ابن قيم الجوزية أقسام الصبر على اعتبار أنها متعلقة بأنواعه الثلاثة، فقال: "صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها. وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها" (٢). وفي هذا المعنى قال ابن الجوزي: "ورأيت الإنسان قد حمل التكليف أمورًا صعبة، ومن أثقل ما حمل مداراة نفسه، وتكليفها الصبر عما تحب، وعلى ما تكره" (٣) وقوله أيضًا: "ليس في التكليف أصعب من الصبر على القضاء، ولا فيه أفضل من الرضى به" (٤). وتأتي مشقة الصبر على النفس البشرية من أنه يكون مخالفًا لما تحب وتهوى. قال ابن الجوزي: "وإنما صعب الصبر لأن القدر يجري في الأغلب بمكروه النفس، وليس مكروه النفس يقف على المرض والأذى في البدن، بل هو يتنوع حتى يتحير العقل في حكمة جريان القدر" (٥). لذلك يتطلب الصبر، الإيمان بالقدر خيره وشره، وأن يكون موقنًا بقول الرسول ﷺ : "عجبًا لأمرِ المؤمنِ: إن أمرهُ كله خيرٌ. وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن. إن أصابته سراءُ شكرَ فكان خيرًا له. وإن أصابته ضراءُ صبرَ، فكانَ خيرًا له" (٦). حتى تنقاد النفس البشرية راضية مطمئنة في ضوء هذه المعرفة واليقين الإيماني بالله . وفي ذلك يقول ابن

стр. 361

الجوزي: "إن الرضى من جملة ثمرات المعرفة، فإذا عرفته رضيت بقضائه، وقد يجري في ضمن القضاء مرارات، يجد بعض طعمها الراضي. أما العارف فتقل عنده المرارات لقوة حلاوة المعرفة. فإذا ترقّى بالمعرفة إلى المحبة، صارت مرارة الأقدار حلاوة" (١). لذلك ينصح ابن الجوزي بالتدريب الواعي على الصبر وتحمّل المشاقّ، من خلال المعرفة العميقة بالله تعالى وقدره والحكمة منه، حتى تنبت المحبة في قلب الإنسان، فيجد حلاوة الايمان. فيقول في ذلك: "فينبغي الاجتهاد في طلب المعرفة بالأدلة، ثم العمل بمقتضى المعرفة بالجدّ في الخدمة، لعل ذلك يورث المحبة" (٢). وقد استشهد بقول الرسول ﷺ في الحديث القدسي عن الله ﷻ : "لا يزالُ العبدُ يتقربُ إليّ بالنوافلِ حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنت سمعَه الذي يسمعُ به، وبصرَه الذي يبصِرُ به" (٣). الوسائل المعينة على الصبر: هناك وسائل عدة ذكرها ابن الجوزي لتقوية الإرادة، ومساعدتها على الصبر، وهذه الوسائل هي: ١ - الوسيلة الأُولى تدبُّر القرآن الكريم وآيات الصبر فيه، والتبصر بأحاديث الصبر، المقوية للإرادة. وقد وضح ابن الجوزي هذه النقطة بالتفصيل، مدعّما إياها بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فقال: "ومما يقوي الصبر على الحالتين النقل والعقل" (٤). وقد قسم النقل إلى: القرآن الكريم والسُّنّة النبوية الشريفة. ثم قسم القرآن الكريم قسمين: القسم الأول: "بيان سبب إعطاء الكافر والعاصي. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ

стр. 362

لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ (١). ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ (٢). والقسم الثاني: ابتلاء المؤمِن بما يلقى، كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ (٣). ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ (٤). ثم قسم ابن الجوزي السُّنّة إلى قول وحال. فقال فيهما: "أما الحال: فإنه ﷺ كان يتقلبُ على رمالِ حصير تؤثرُ في جنبه، فبكى عمرُ ﵁. وقال: كسرى وقيصر في الحَريرِ والديباجِ، فقال له ﷺ : "أفي شك أنت يا عمر؟ ألا ترضى أن تكونَ لنا الآخرةُ ولهم الدنيا" (٥). وأما القول (٦): فكقوله ﷺ : "لو أنَّ الدنيا تساوي عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربة ماء" (٧). أما العقل فقد قال فيه ابن الجوزي: "وأما العقل: فإنه يقوي عساكر الصبر بجنود منها أن يقول: قد ثبتت عندي الأدلة القاطعة حكمة المقدِّر. فلا أترك الأصل الثابت لما يظنه الجاهل خللا" (٨). ثم بيَّن ابن الجوزي أن على المرء أن يقنع نفسه قائلًا: "قد ثبت أن المؤمن بالله كالأجير، وأن زمن التكليف كبياض نهار، ولا ينبغي للمستعمل في

стр. 363

الطين أن يلبس نظيف الثياب، بل ينبغي أن يصابر ساعات العمل، فإذا فرغ تنظف ولبس أجود ثيابه. فمن ترفَّه وقت العمل، ندم وقت تفريق الأجرة، وعوقب على التواني فيما كلف، فهذه النبذة تقوّي أزر الصبر" (١). ٢ - الوسيلة الثانية: قصّ قصص الأنبياء ﵈، وما تعرضوا له من ابتلاءات مختلفة وثباتهم وصبرهم عليها، هذه القصص تؤثر في تدريب النفس البشرية على الصبر وتحمل البلاء. قال ابن الجوزي: "ونوح سأل في ابنه فلم يُعطَ مراده، والخليل ابتلي بالنار، وإسماعيل بالذبح، ويعقوب بفقد الولد. ويوسف بمجاهدة الهوى. وأيوب بالبلاء، وداود وسليمان بالفتنة. وجميع الأنبياء على هذا. وأما ما لقي نبينا محمد ﷺ من الجوع والأذى وكدر العيش فمعلوم" (٢). فإذا تفكر الإنسان في أن أنبياء الله تعالى وهم صفوة الخلق، تعرضوا للبلاء، وجنوا ثمار ذلك الصبر، الأجر العظيم من الله تعالى، فإنه لا شك سيصبر، ولاسيما إذا أيقن أن الله تعالى وضع الدنيا للبلاء، ليختبر إيمان الإِنسان وصبره، قال ابن الجوزي: "فالدنيا وضعت للبلاء، فينبغي للعاقل أن يوطَّن نفسه على الصبر، وأن يعلم أن ما حصل من المراد فلطف، وما لم يحصل فعلى أصل الخلق والجبِلَّة للدنيا كما قيل: طُبعتْ على كدرٍ وأنت تُريدُها ... صَفْوًا من الأقذاءِ والأكدارِ ومكلفُ الأيامِ ضدَ طباعِها ... متطلبٌ في الماءِ جذوةَ نارِ وهاهنا تبين قوة الإيمان وضعفه، فليستعمل المؤمن من أدوية هذا المرض التسليم للمالك والتحكيم لحكمته" (٣). ٣ - الوسيلة الثالثة: مدارة النفس البشرية والتلطف بها بشغلها بما يرضي الله تعالى،

стр. 364

ووعدها الجميل لتصبر على ما قد حملت. قال ابن الجوزي: "فرأيت الصواب قطع طريق الصبر بالتسلية والتلطف للنفس" (١). وقد استشهد ابن الجوزي، بما يحكى عن بشر الحافي ﵀ أنه "سار ومعه رجل في طريق فعطش صاحبه، فقال له: نشرب من هذه البئر؟ فقال بشر: اصبر إلى البئر الأخرى، فلما وصلا إليها، قال له: البئر الأُخرى، فما زال يعلّله. . . ثم التفت إليه فقال له: هكذا تنقطع الدنيا" (٢). ٤ - الوسيلة الرابعة: احتساب الأجر من الله تعالى، وما يتبعه من تعويض الله له في الدنيا والآخرة، ومدحه للصابرين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ﴾ (٣). وفي هذا يقول ابن الجوزي: "ومن ذلك رجاء العوض في الدنيا. ومنه تلمح الأجر في الآخرة. ومنه التلذذ بتصوير المدح والثناء من الخلق فيما يمدحون عليه والأجر من الحق ، ومن ذلك أن الجزع لا يفيد، بل يفضح صاحبه، إلى غير ذلك من الأشياء التي يقدحها العقل والفكر. فليس في طريق الصبر نفقة سواها. فينبغي للصابر أن يشغل بها نفسه، ويقطع بها ساعات ابتلائه، وقد صبّح المنزل" (٤). ٥ - الوسيلة الخامسة: التفكُّر في أسباب البلاء والصبر عليها، وطلب الأجر والمثوبة من الله . قال ابن الجوزي: "ثم ليسلَّ نفسه بأن المنع ليس عن بخل، وإنما هو لمصلحة لا يعلمها، وليؤجر الصابر عن أغراضه، وليعلم الله الذين سلَّموا ورضُوا. ثم إن زمن الابتلاء مقدار يسير، والأغراض مدخرة تلقى بعد قليل، وكأنه بالظلمة قد انجلت، وبفجر الأجر قد طلع. ومتى ارتقى فهمه إلى أن ما جرى مرادُ الحقّ سبحانه، اقتضى إيمانه أن يريد ما يريد، ويرضى بما يقدَّر، إذ لو لم يكن كذلك كان خارجًا عن حقيقة العبودية في المعنى" (٥).

стр. 365

٦ - الوسيلة السادسة: أن يعلم الصابر أنه عن طريق الصبر، يحصل على ثلاثة أنواع من العبادات تقوي إرادته، وتسمو بروحه، وترفع من درجته عند الله تعالى. قال ابن الجوزي: "فإذا جمعت بين الاستغفار وبين التوبة من الذنوب، والصبر على القضاء وسؤال الفرج، حصّلتَ ثلاثة فنون من العبادة، تثاب على كل منها" (١). خامسًا: وسائل إنقاذ الإرادة من ضعفها قال الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٢)، وهذا الضعف البشري من خصائص النفس البشرية التي خلقها الله به. والإنسان ضعيف أمام خالقه ، وأمام من هو أقوى منه من البشر، وأمام دوافعه وشهواته، وأمام المسؤوليات والواجبات المكلف القيام بها من قِبَل الله تعالى. ومع هذا الضعف البشري، فإن الإِنسان يتسلط ويتجبر إذا تيسرت له أسباب السلطة والقوة، فإذا أصابته ضرّاء لجأ إلى الله تعالى، حتى إذا كشف عنه ضره رجع إلى عصيانه وطِغيانه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٣). وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤). لذلك جاء المنهج التربوي الإسلامي بواقعيته، لتقوية الإرادة ثم تربيتها للتغلب على ضعف الإنسان أَمام رغباته وشهواته قبل السقوط في الرذائل والمعاصي، ثم بعد الوقوع فيها إن وقع فيها، وقد كان لابن الجوزي رأيُ مشتق من هذا المنهج التربوي الإِسلامي.

стр. 366

أ - تربية الإرادة للوقاية من ارتكاب المعاصي إن الإنسان نتيجة ضعفه البشري الفطري، معرض لارتكاب المعاصي والآثام، لذلك استخدم الإسلام أسلوب تربية الإرادة الخيرة في جميع تصرفات الإِنسان وسلوكياته، بل شمل ما توسوس به النفس البشرية، يقول الرسول ﷺ : "إن الله تجاوزَ لأمتي ما حدثت به أنفُسها ما لم يتكلُموا أو يعملُوا به" (١). وكذلك إذا همَّ بالمعصية، لقوله ﷺ : فيما يروى عن ربه ﵎، قال: "إن اللهَ كتبَ الحسناتِ والسيئاتِ. ثم بين ذلك: فمن همّ بحسنةِ فلم يعملْها كتبَها اللهُ عنده حسنةَ كاملةً. وان همَّ بها فعملَها كتبَها الله عنده عشرَ حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وإن همَّ بسيئةٍ فلم يعملْها كتبها اللهُ عنده حسنة كاملةً، وإن هم بها فعملَها كتبَها اللهُ سيئة واحدة" (٢). ومن خلال هذا المنهج التربوي الإسلامي القويم في تعديل السلوك، وتقويم الاعوجاج، وتصحيح المسار، تقوى الإرادة الخيرة الصالحة على الإرادة الشريرة الداعية إلى المعصية، وتحث النفس المؤمنة على التمهل قبل الوقوع فيها. ولم يكن لابن الجوزي رأي في هذا الجانب فيما اطلعتُ عليه ولكن كتبت فيه حتى ننتقل إلى النقطة الثانية التي تعرض لها ابن الجوزي وهي: ب - تربية الإرادة بعد الوقوع في المعصية: إن الله تعالى -أعلم- بطبيعة النفس البشرية، وضعفها أمام الشهوات، لذلك نبَّه الجانبَ العاطفي للتنفير من المعصية، قال في ذلك د. مقداد يالجن. "إن الإِنسان إذا اشمأز من فعل الأشياء [السيئة] وتقززت نفسه منها، تدفع عاطفته إرادته إلى عدم فعلها والابتعاد عنها

стр. 367

نهائيًّا" (١)، ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (٢). وقد استخدم ابن الجوزي هذا الأسلوب العاطفي للتنفير من المعصية، حتى يبتعد العاصي عنها. فقال في التنفير من الزنى: "إنه يفسد الفرش، ويغير الأنساب، وهو بالجارة أقبح" (٣)، وقال: "فكم يتعلق بالزنى من محن لا يفي معشار عشرها بلذة لحظة، منها هتك العرض بين الناس وكشف العورات المحرّمة. وخيانة الأخ المسلم في زوجته إن كانت متزوجة، وفضيحة المزني بها وهي كأخت له أو بنت. فإن علقت منه ولها زوج ألحقته بذلك الزوج، وكان هذا الزاني سببًا في ميراث من لا يستحق ومنع من يستحق. ثم يتسلسل ذلك من ولد إلى ولد. وأما سخط الحق سبحانه فمعلوم" (٤). قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (٥). وقال ابن الجوزي في التنفير من شرب الخمر: "فإنه تنجيس للفم والثوب، وإبعاد للعقل، وتأثيراته معلومة عند الخالق والمخلوق. فالعجب ممن يؤثر لذة ساعةٍ تجني عقابًا وذهابَ جاه، وربما خرج بالعربدة إلى القتل" (٦). ثم إن ابن الجوزي بيّن أن سبب انغماس العاصي في المعاصي، وعدم إحساسه بها، هو شهواته التي تحجب عنه ما فيها من عيوب ونقائص، فإذا انجلت هذه الغشاوة رأى الشهوات على حقيقتها، فوجّهها بما يرضي الله تعالى. وفي هذا المعنى قال: "ومن رأى المعصية بعيني الشهوة فما رآها؛ إذ فيها من العيوب ما شئت ثم ثمرتها عقوبة آجلة، وفضيحة عاجلة" (٧). وقد بيَّن ابن الجوزي أن المعصية لها مراتب، فقال: "كلّ المعاصي

стр. 368

قبيحة، وبعضها أقبح من بعض" (١). ثم عدّد بعضًا من المعاصي وفق درجتها فقال: "فإن الزنى أقبح الذنوب، فإنه يفسد الفرش، ويغير الأنساب، وهو بالجارة أقبح" (٢)، وقد استشهد بهذا الحديث فقال: "فقد روي في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: قلت يا رسول الله: أيُ ذنبٍ أعظمُ؟ قال: أن تجعلَ للهِ ندًّا وهو خلقَك. قلت: ثم أيُ، قال: أن تقتلَ ولدَك من أجلِ أن يطعمَ معك؟ قلت: ثم أيُّ، قال: أن تزاني حليلةَ جارِك" (٣). وقد بيَّن ابن الجوزي الحكمة من تشديد عقوبة الزنى مع الجارة، بقوله: "وإنما كان هذا، لأنه يضمُّ إلى معصية الله انتهاك حقّ الجار" (٤). ثم يلي ذلك في قبائح الذنوب أن يزني الشيخ"، وقد استشهد بحديث رسولنا الكريم ﷺ : "إن اللهَ يبغضُ الشيخَ الزاني" (٥). وذلك "لأن شهوة الطبع قد ماتت، وليس فيها قوة تغلب، فهو يحركها ويبالغ، فكانت معصيته عنادًا" (٦). وذكر بعض المعاصي أيضًا. فقال: "ومن المعاصي التي تشبه المعاندة لبس الحرير والذهب، خصوصًا خاتم الذهب الذي يتحلّى به الشيخ، وأنه من أبرد الأفعال وأقبح الخطايا" (٧). وقال: "وكذلك المعاملة بالربا الصريح، خصوصًا من الغني الكثير المال" (٨)

стр. 369

وقال: "ومن أقبح الأشياء أن يطول المرض بالشيخ الكبير، ولا يتوب من ذنب، ولا يعتذر من زلةٍ، ولا يقضي دينًا، ولا يوصي بإخراج حقٍّ عليه" (١). وقال أيضًا: "ومن قبائح الذنوب أن يتوب السارقُ أو الظالم ولا يردّ المظالم، والمفرِّطُ في الزكاة أو في الصلاة ولا يقضي. ومن أقبحها أن يحنث في يمين طلاقه ثم يقيم مع المرأة" (٢). وبعد أن عدّد ابن الجوزي بعض المعاصي، التي يعتبرها من قبائح الذنوب، بيَّن معنى المغفرة، فقال: "من هفا هفوةً لم يقصدها ولم يعزم عليها قبل الفعل ولا عزم على العود بعد الفعل، ثم انتبه لما فعل فاستغفر الله، كان فعله وإن دخله عمدًا في مقام خطأ" (٣). ثم مثَّل لهذا المعنى بقوله: "مثل أن يعرض له مستحسن فيغلبه الطبع، فيطلق النظر ويتشاغل في حال نظره بالتذاذ الطبع عن تلمُّح معنى النهي، فيكون كالغائب أو كالسكران، فإذا انتبه لنفسه ندم على فعله، فقام الندم بغسل تلك الأوساخ التي كانت كأنها غلطة لم تُقصد. فهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٤). فأما المداوم على تلك النظرة المردّد لها، المصرّ عليها، فكأنه في مقام متعمد للنهي، مبارز بالخلاف، فالعفو يبعد عنه بمقدار إصراره. ومن البعد أن لا يرى الجزاء على ذلك" (٥). ويرى ابن الجوزي أن عقوبة الإصرار على المعاصي "أن لا يحس المعاقب بالعقوبة. وأشد من ذلك أن يقع السرور بما هو عقوبة كالفرح بالمال الحرام، والتمكن من الذنوب" (٦). ثم عدَّد ابن الجوزي الأسباب التي تدعو الإنسان إلى المعصية، وترك المبادرة إلى التوبة من هذه المعاصي، فذكر ثلاثة أسباب وعلاجها، فقال فيها:

стр. 370

"أحدها: رؤية الهوى العاجل فإن رؤيته تشغل عن الفكر فيما يجنيه. والثاني: التسويف بالتوبة، فلو حضر العقل لحذّر من آفات التأخير، فربما هجم الموت ولم تحصل التوبة. والعجب ممن يجوز سلب روحه قبل مضي ساعة ولا يعمل على الحزم، غير أن الهوى يطيل الأمد، وقد قال صاحب الشرع ﷺ : "صل صلاةَ مودع". وهذا نهاية الدواء لهذا الداء؛ فإنه من ظن أنه لا يبقى إلى صلاة أخرى جدّ واجتهد". والثالث: رجاء الرحمة فيُرى العاصي يقول: ربي رحيم، وينسى أنه شديد العقاب. ولو علم أن رحمته ليست رقة؛ إذ لو كانت كذلك لما ذبح عصفورًا ولا آلم طفلًا، وعقابه غير مأمون، فإنه شَرَّعَ قطع اليد الشريفة بسرقة خمسة دراهم، لجدَّ وأناب" (١). وقد بيَّن ابن الجوزي أن للمعاصي آثارًا مذمومةً مضرةً بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة، فقال: "الذنوب تغطّي على القلوب، فإذا أظلمت مرآة القلب لم يبِنْ فيها وجه الهدى" (٢) وقال: "كم من معصيةٍ لا يزال صاحبها في هبوطٍ أبدا مع تعثير أقدامه، وشدة فقره وحسراته على ما يفوته من الدنيا، وحسده لمن نالها" (٣). وقوله: "من العجب إلحاحك في طلب أغراضك، وكلما زاد تعويقها زاد إلحاحك. وتنسى أنها قد تمتنع لأحد أمرين: إما لمصلحتك فربما معجل آذى، وإما لذنوبك فإن صاحب الذنوب بعيد من الإجابة" (٤). والعلاج التربوي لهذه المعاصي والآثام، هو التوبة الصادقة النصوح، التي تقوي الإرادة الخيرة، وتقمع النفس المحبة للشهوات، وتطهر القلب والجوارح من الآثام، فتندفع النفس لمرضاة الله تعالى، والتقرب منه بالطاعات.

стр. 371

قال ابن الجوزي في التوبة، موثقًا كلامه بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية: "قد أمر الله بالتوبة، فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (١). ووعد بالقبول فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (٢). وفتح باب الرجاء (٣) فقال: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (٤). واستشهد ابن الجوزي بقوله ﷺ : "للهُ أفرحُ بتوبةِ عبدهِ المؤمنِ من رجل نزلَ بأرض دَويّةٍ (مهلكة) معه راحلتُه، فطلبَها حتى إذا أدركهُ الموتُ. قال: أرجعُ إلى مكاني الذي أضللتُها فيه فأموتُ فيه، فأتى مكانَه فغلبتْه عيناه، فاستيقظَ فإذا راحلتُه عند رأسِه عليها طعامُه وشرابُه وزادُه وما يصلِحُه، فاللهُ أشدُ فرحًا بتوبةِ عبدهِ المؤمنِ من هذا براحلتِه وزاده" (٥). ثم وضح ابن الجوزي معنى التوبة النصوح من خلال عرضه للأقوال التالية: "قال عمر بن الخطاب: التوبة النصوح أن يتوب العبد من الذنب وهو يحدِّث نفسه أن لا يعود. وسئل الحسن البصري عن التوبة النصوح فقال: ندم بالقلب، واستغفار باللسان، وترك الجوارح، وإضمار أن لا يعود. وقال ابن مسعود: التوبة النصوح تكفر كلَّ سيئة" (٦). وقرأ الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (٧). أما حقيقة التوبة في نظر ابن الجوزي، فهي كما قال: "ليست التوبة نطق اللسان، إنما هي ندم القلب، وعزمه أن لا يعود" (٨). وقد قال أيضًا في حقيقتها: "أتعتقد أن التوبة قول باللسان، إنما التوبة نار تحرق الإنسان. جرد قلبك من الأقذار، ثم ألبسه الاعتذار، ثم حَلهِ حُلة الانكسار، ثم أقمه على باب الدار" (٩).

стр. 372

وحتى تُقبل التوبة، لابد لها من شروط لصحتها، قال ابن الجوزي في ذلك: "ومن شروط صحتها: أن تكون قبل معاينة أمور الآخرة، فمن باشره العذاب أو عاينه فقد فات موسم القبول، فاستدرِكوا قبل المفاجأة بالفوات الذي لا يؤمنَ" (١). وتختلف النفس البشرية في درجة معصيتها ثم توبتها من فرد لآخر. وقد صنف ابن الجوزي التائبين إلى فريقين من الناس، الأول قال فيه: "إن التائب الصادق كلما اشتد ندمه زاد مقته لنفسه على قبح زلته، فمنهم من قوي مقته لها، ورأى تعريضها للقتل مباحًا في بعض الأحوال فعرَّضها له، كما فعل ماعز والغامدية" (٢). وقد وثق ابن الجوزي كلامه بقصة زنى ماعز واعترافه بذلك، ثم رجمه حتى الموت، وقول الرسول ﷺ في توبته: "لقد تابَ توبة لو قُسِمتْ بين أمةٍ لوسعتْهم" (٣). وقوله ﷺ في الغامدية عندما اعترفت بالزنى فرجمت: "لقد تابتْ توبةً لو تابها صاحب مكس لغفر له" (٤). فمدح ابن الجوزي هذه الفئة من التائبين بقوله: "فانظر إلى مقت هؤلاء أنفسهم حتى أسلموها إلى الهلاك غضبًا عليها لما فعلت" (٥). أما الفئة الأُخرى من التائبين، فقد قال فيهم: "ومن التائبين من لم يجز له التعريض بقتلها، فكان ينغص عيشها" (٦). وقد قص ابن الجوزي هذه القصة لتأكيد قوله، فقال: "قال بعض السلف: رأيت ضيغمًا

стр. 373

العابد، قد أخذ كوزًا من ماءٍ بارد، فصبه في الحبّ واكتال غيره، فقلت له في ذلك، فقال: نظرت نظرةً وأنا شاب، فجعلت على نفسي ألا أذيقها الماء البارد، أنغص عليها أيام الحياة" (١). يؤخذ على ابن الجوزي قَصِّهِ لهذه القصة التي تخالف المنهج التربوي الإِسلامي، الذي لا يجيز تحريم الطيبات التي أباحها الله تعالى، لزجر النفس البشرية وعقابها، إلى حدّ الحرمان من المباحات التي جعل الله فيها عونًا للعبد على عبادته وطاعته. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢). وكان الأحرى به وهو عالم جليل، سبق أن وضحنا رأيه السديد في تهذيب النفس البشرية وتربيتها على مبدأ الاعتدال، أن يرشد إلى أن تنغيص العيش، ينبغي أن يكون عن طريق المحاسبة والمجاهدة لهذه النفس العاصية، الأمّارة بالسوء، حتى تصل إلى النفس اللوامة ثم إلى النفس المطمئنة، بدلًا من حرمانها من المباحات، فلا تقوى على الطاعات. سادسًا: الوسائل النفسية الإيحائية لتقوية الإرادة الإيحاء: "هو انتقال الأفكار من شخصٍ إلى آخر، أو انتقال الأفكار والآراء من مؤثر إلى متأثر" (٣). وقد يكون الإيحاء من الشخص إلى نفسه، كأن يقول لنفسه: إنك قوي الإرادة، وتملك شخصية قوية، فمع تكرار ذلك مرارًا في كل يوم تقوى إرادة الإنسان. وطبيعة الإيحاء في المنهج التربوي الإِسلامي، يستمدّ قوته الروحية من قوة الله تعالى وهديه وتشريعه، قال الله تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (٤). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٥). ومن مصادر الإيحاء الذاتي بالقوة، الاعتزاز بالإيمان بالله تعالى

стр. 374

والتوكّل عليه. قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (١). وقال : ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (٢). لذلك فالمؤمن القوي أفضل من المؤمن الضعيف، لأنه يستمدّ قوته وعزته من صلته بالله تعالى، ومن اتباعه لأوامر الله واجتنابه لنواهيه. وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "ومتى صحت التقوى رأيت كلَّ خيرٍ، والمتقي لا يرائى الخلق، ولا يتعرض لما يؤذي دينه، ومن حفظ حدود الله حفظه الله" (٣)، ثم وثَّقَ كلامه بوصية الرسول ﷺ لابن عباس ﵄: "احفظِ اللهَ يحفظْك. احفظِ اللهَ تجده أمامك" (٤). ثم ضرب مثلًا لنبي الله يونس ﵇، عندما أنقذه إيمانه بالله تعالى من سجنه في بطن الحوت، أما فرعون هلك بسبب كفره وطغيانه. فقال في ذلك ابن الجوزي: "إن يونس ﵇ لما كانت ذخيرته خيرًا نجا بها من الشدة. قال الله : ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٥). أما فرعون فلما لم تكن له ذخيرة خير لم يجد في شدته مخلَّصًا، فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ (٦). فأجعل لك ذخائر خير من تقوى تجد تأثيرها" (٧). ويقصد ابن الجوزي بالذخائر التي يتمسك بها الإنسان ويستمد منها قوته مراعاةُ تطبيق شرع الله تعالى وأحكامه، فقال في ذلك: "واعلم أن أوفى الذخائر: غضّ الطرف عن محرم، وإمساك اللسان عن فضول كلمةٍ، ومراعاة لحد، وإيثار الله على هوى النفس" (٨). ثم استشهد بقصة (٩) الثلاثة الذين دخلوا الغار، وتوسلوا لله تعالى بصالح أعمالهم، فقال فيها: "وقد عرفت حديث الثلاثة الذين دخلوا إلى غارٍ، فانطبقتْ علهيم صخرةٌ، فقال أحدهم: اللهم

стр. 375

إنه كان لي أبوان وأولادُ، فكنت أقفُ بالحليبِ على أبويّ أسقيهما قبل أولادي، فإن كنتُ فعلتُ ذلك لأجلِك فافرجْ عَنا، فانفرجَ ثلثُ الصخرةِ. وقال الآخرُ: اللهم إني استأجرتُ أجيرًا فتسخطَ أجَره، فاتجرتُ به، فجاء يومًا فقال: ألا تخافُ اللهَ وتعطيني أجرتي؟ فقلتُ: انطلقْ إلى تلك البقرِ ورعاتهِا فخذْها، فإن كنتُ فعلتُ ذلك لأجلِك فافرجْ عنا فانفرَج ثلثا الصخرة. فقال الآخر: اللهم إني علقتُ بنت عم لي فلما دنوتُ منها، قالت: اتقِ اللهَ ولا تفضَّ الخاتمَ إلا بحقْهِ، فقمتُ عَنها. فإن كنت فعلت ذلك لأجلك فافرج عنا. فرفعت الصخرة، وخرجوا (١) ". وعلى ذلك فإن الإنسان الصالح التقي يصبر أمام الشدائد وينتظر الفرج من الله، وكذلك المجاهد يستمد قوة الإرادة والشخصية من الله تعالى لأنه يجاهد في سبيله. وهكذا بيَّن ابن الجوزي أن الإِنسان المسلم، لابد أن يستمد قوته الروحية من إيمانه بالله تعالى، وتطبيق أحكامه، حتى تكون له نورًا وهدى في حياته. وهناك أساليب تربوية أُخرى لتقوية الإرادة وتربيتها لم يذكرها ابن الجوزي فيما درست من كتبه. أهم الآراء التربوية المستخلصة من هذا الجانب جانب تربية الإرادة هي: ١ - أهمية تدريب الإِنسان على استحضار النية الخيّرة في جميع أقواله وتصرفاته. ٢ - إن استحضار الإِنسان نياته الخيرة في جميع أقواله وأفعاله له دور في بناء الإرادة القوية. ٣ - التنوع في استخدام الأساليب والوسائل الإرادية، حتى تقوى شخصية الإِنسان. ٤ - أهمية تدريب الفرد على ضبط دوافعه الفطرية، وانفعالاته النفسية منذ صغره.

стр. 376

٥ - أهمية استخدام الحوافز المادية والمعنوية عند تدريب الإرادة، حتى تنقاد النفس مرغمةً، ثم راضيةً إلى ما يحبه الله ﷻ ورسوله ﷺ . ٦ - أهمية مراعاة طبيعة النفس البشرية، وما فيها من قوة وضعفٍ عند تدريب إرادتها.

стр. 377

الباب الخامس تقويم آراء ابن الجوزي التربوية ومقارنتها • الفصل الأول: تقويم آراء ابن الجوزي في ضوء القرآن الكريم والسنَّة المطهرة، وفي ضوء القواعد الفقهية ونواح أخرى. • الفصل الثاني: مقارنة آراء ابن الجوزي في ضوء بعض آراء معاصريه وفي ضوء الآراء التربوية المعاصرة.

стр. 378

• الفصل الأول تقويم آراء ابن الجوزي في ضوء القرآن الكريم والسنة المطهرة وفي ضوء القواعد الفقهية ونواح أُخرى أولًا: الآراء التربوية الموثّقة بالقرآن الكريم. ثانيًا: الآراء التربوية المعتمدة على الأحاديث النبوية. ثالثًا: الآراء التربوية التي وثّقها بالقواعد الفقهية. رابعًا: الآراء التربوية التي وثّقها ابن الجوزي بعلم الكلام والمنطق. خامسًا: الآراء التربوية الأخرى. سادسًا: الآراء التربوية لابن الجوزي المخالفة للمنهج التربوي.

стр. 379

• الفصل الأول تقويم آراء ابن الجوزي في ضوء القرآن الكريم والسنة المطهرة وفي ضوء القواعد الفقهية ونواح أُخرى من خلال تحليل آراء ابن الجوزي التربوية في البابين الثالث والرابع. رأت الباحثة أنه قد اعتمد في كتاباته التربوية، على مصادر أساسية وأُخرى فرعية، وعلى أساس هذه المصادر، صنفت آرائه التربوية إلى: ١ - آراء تربوية موثقة بالقرآن الكريم. ٢ - آراء تربوية موثقة بالأحاديث النبوية. ٣ - آراء تربوية موثقة بالقواعد الأصوليّة. ٤ - آراء تربوية موثقة بالقصص. ٥ - آراء تربوية موثقة بالشعر. ٦ - آراء تربوية موثقة بالتجارب والخبرات الذاتية. وقد قامت الباحثة بتقويم هذه الآراء التربوية، لمعرفة مدى مطابقتها أو مخالفتها للقرآن الكريم، أو السُّنّة النبوية، أو القواعد الأصولية، وذلك لمعرفة مدى اعتماده على القرآن والسُّنّة وغيرهما في مجال التربية. أولا: الآراء التربوية الموثّقة بالقرآن الكريم القرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي كله. والقرآن هو "كلام الله الذي نزل به الروح الأمين على قلب رسول الله ﷺ محمد

стр. 380

بن عبد الله بألفاظه العربية، ومعانيه الحقة، ليكون حجة للرسول على أنه رسول الله، ودستورًا للناس يهتدون بهديه، وقربة يتعبدون بتلاوته" (١). وقد حث ابن الجوزي على التمسك به فقال في ذلك: "عليكم بالكتاب والسُّنّة ترشدوا" (٢)، ثم بيَّن المراد منه قائلًا: "تقويم ألفاظه، ثم فهمه، ثم العمل به، ثم الإقبال على ما يصلح النفس، ويطهر أخلاقها" (٣). وذلك لما له من أثر عظيم في النفس البشرية، والرسول ﷺ أول من أثر فيه القرآن الكريم، وضح ذلك ابن الجوزي بقوله: "وقد سئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله ﷺ : فقالت: كان خلقهُ القرآنُ. تعني: كان على ما أمره الله به في القرآن" (٤). ثم يبين أثره التربوي في السلف الصالح، من خلال فهمهم الصحيح للمراد من القرآن الكريم فقال: "تشاغلوا بالقرآن والعلم، فدلّهم على إصلاح البواطن وتصفيتها" (٥). وقد لوحظ أن هناك -فيما درست- (٢٧) رأيًا لابن الجوزي وثّقها بالآيات القرآنية الكريمة، أو استقى من لفظها ومعناها بعض آرائه، وأعرض هنا .. أ - الآراء التي وثَّقها بالآيات القرآنية: ١ - قال ابن الجوزي في التبذير: "التبذير مما يأمر به الهوى، وينهى عنه العقل (٦)، وأحسن الأدب في هذا الباب تأديب الحق حين قال: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (٧). ٢ - وثّق ابن الجوزي فضل كظم الغيظ فقال: "ثم يتفكر في فضل

стр. 381

كظم الغيظ، فقد مدح الله سبحانه القوم فقال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (١). ٣ - ووثّق ابن الجوزي رأيه في المنهج التعليمي للطفل في أهمية السيرة النبوية فقال: "وأنفع العلوم النظر في سيرة الرسول ﷺ وأصحابه". ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٢). ٤ - استخدم ابن الجوزي أسلوب الوصية التربوية لابنه محمد فقال فيها: "ثم رأيت منه نوع توانٍ عن الجِدّ في طلب العلم، فكتبت له هذه الرسالة أحثه بها وأحرضه على سلوك طريقي في كسب العلم، وأدله على الإلتجاء إلى الموفق ، مع علمي أنه لا خاذل لمن وفق، ولا مرشد لمن أضل، قد قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣)، وقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (٤). ٥ - وثّق ابن الجوزي رأيه في غرس مراقبة الله تعالى في نفس البالغ بقوله: "وليعلم البالغ أنه من يوم بلوغه قد وجبت عليه معرفة الله تعالى بالدليل والتقليد ويكفيه من الدليل رؤية نفسه وترتيب أعضائه، فيعلم أنه لابد لهذا الترتيب من مرتّب، ولابد لهذا البناء من بانٍ، وليعلم أنه قد نزل ملكان يصحبانه طول عمره، يكتبان عمله، ويعرضانه على الله. قال : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٥). ٦ - وثق ابن الجوزي رأيه في ماهية الروح بقوله: "رأيت كثيرًا من الخلق وعالِمًا من العلماء لا ينتهون عن البحث عن أصول الأشياء التي

стр. 382

أُمروا بعلم جُلها ومن غير بحث عن حقائقها، كالروح مثلًا (١)، فإن الله تعالى سترها بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٢)، فلم يقنعوا، وأخذوا يبحثون عن ماهيتها ولا يقعون بشيء". ٧ - وثق ابن الجوزي رأيه في تربية الإرادة للوقاية من الوقوع في المعصية بقوله: "فكم يتعلق بالزنى من محن لا يفي معشار عشرها بلذة لحظة، منها هتك العرض بين الناس وكشف العورات المحرمة. وخيانة الأخ المسلم في زوجته إن كانت متزوجة وفضيحة المزني بها وهي كأخت له أو بنت. فإن علقت منه ولها زوج الحقته بذلك، وكان هذا الزاني سببًا في ميراث من لا يستحق، ومنع من يستحقّ. ثم يتسلسل ذلك من ولد إلى ولد. وأما سخط الحق سبحانه فمعلوم (٣). قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (٤). ٨ - قال ابن الجوزي في معنى المغفرة وما يتبعها من ندم: "مثل أن يعرض له مستحسن فيغلبه الطبع، فيطلق النظر ويتشاغل في حال نظره بالتذاذ الطبع عن تلمُّح معنى النهي، فيكون كالغائب أو كالسكران، فإذا انتبه لنفسه ندم على فعله، فقام الندم بغسل تلك الأوساخ التي كانت كأنها غلطة لم تُقصد .. فهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٥). فاما المداوم على تلك النظرة المردّد لها، المصرّ عليها، فكأنه في مقام متعمد للنهي، مبارز بالخلاف، فالعفو يبعد عنه بمقدار إصراره. ومن البعد أن لا يرى الجزاء على ذلك" (٦). ٩ - وثق ابن الجوزي رأيه في العلاج التربوي للذنوب والمعاصي بالآيات وذلك في قوله (٧): "قد أمر الله بالتوبة فقال:

стр. 383

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (١). ووعد بالقبول، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (٢). وفتح باب الرجاء فقال: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (٣). ١٠ - وثق ابن الجوزي رأيه في خلق الإِنسان بقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (٤). المراد بالإِنسان هاهنا آدم ﵇. . . ." (٥). ١١ - وثق ابن الجوزي علاجه التربوي للفرح الضارّ بالآية في قوله: "ومتى قويت غفلة الفرح حملت إلى الأَشر والبطر، ومن هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (٦)، يعني الأشرين الذين خرجوا بالفرح إلى البطر" (٧). ١٢ - وثّق ابن الجوزي رأيه التربوي للإعلاء من الحاجة الفطرية للبالغ بالآية الكريمة فقال: ويغضّ طرفه (٨)؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٩). ١٣ - قال ابن الجوزي في عاطفتي الحب والخوف: "تأملت قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (١٠). فإذا النفس تأبى إثبات محبة للخالق توجب قلقا، وقالت: محبته طاعته، فتدبرت ذلك، فإذا بها قد جهلت ذلك لغلبة الحس. وبيان هذا: أن محبة الحسّ لا تتعدى الصور الذاتية، ومحبة العلم والعمل ترى الصور المعنوية فتحبها" (١١).

стр. 384

١٤ - قال ابن الجوزي في مقامات المحبة: "وعلى قدر رؤية الصانع في المصنوع يقع الحب له، فإن قوي أوجب قلقًا وشوقًا. وإن مال بالعارف إلى مقام الهيبة أوجب خوفًا. وإن انحرف به إلى تلمح الكرم أوجب رجاء قويًّا" (١) ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ (٢). ١٥ - قال ابن الجوزي في الردّ على شبهة الكافرين بشأن وجود الله : ". . . . والعجب أن الذي أوصل إليها اليبس في أكنة لا يلقى جرمها، والذي رطَّبها يلقى جرمها، ثم أنها تبيض ورد الخشخاش وتحمر الشقائق وتحمّض الرمان، وتحلى العنب والماءُ واحد (٣)، وقد أشار المولى إلى هذا بقوله: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ (٤). ١٦ - قال ابن الجوزي في الطهارة المعنوية: "والضرب الثاني: تطهير الجوارح عن الآثام " (٥). قال الله : ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٦). ١٧ - قال ابن الجوزي في الأخلاق: "قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٧) فيه ثلاثة أقوال: أحدها: دين الإِسلام، قاله ابن عباس. والثاني: أدب القرآن، قاله الحسن. والثالث: الطبع الكريم" (٨). ١٨ - قال ابن الجوزي في الوسائل المعينة على الصبر: "ومما يقوي الصبر على الحالتين النقل والعقل. أما النقل فالقرآن والسُّنّة، أما القرآن

стр. 385

فمنقسم إلى قسمين، أحدهما بيان سبب إعطاء الكافر والعاصي (١)، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ (٢)، ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ (٣). ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ (٤). والقسم الثاني: ابتلاء المؤمن بما يلقى كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ (٥)، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ (٦)، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ (٧). ١٩ - استدل ابن الجوزي برأيه في التوبة بقول ابن مسعود: التوبة النصوح تكفر كل سيئة (٨). وقرأ الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (٩). ٢٠ - وثّق ابن الجوزي رأيه في الوسائل الإيحائية لتقوية الإرادة بآيتين كريمتين وذلك في قوله: "إن يونس ﵇ لما كانت ذخيرته خيرا نجا بها من الشدة. قال الله : ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١٠). أما فرعون فلما لم تكن له ذخيرة خير لم يجد في شدته مخلصًا فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ (١١)، فاجعل لك ذخائر خيرٍ من تقوى تجدْ تأثيرها" (١٢).

стр. 386

ب - الآراء التربوية المستقاة من الآيات القرآنية ١ - قال ابن الجوزي في حب التمتع بمتاع الدنيا المتنوع: "وقد يقع الشره في فنون ما يُلتذ به من الأبنية المنقوشة، والخيل المسومة، والملابس الفاخرة، وغير ذلك. وهذا مرض أصله موافقة الهوى" (١). وهذا المعنى استقاه من قول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (٢). ٢ - قال ابن الجوزي في أسلوب تهذيب وتقويم النفس البشرية: "ويحبسها -يقصد النفس- في مقام المداراة كالزوجة التي مبني عقلها على الضعف والقلة، فهي تدارَى عند نشوزها بالوعظ، فإن لم تصلح فبالهجر، فإن لم تستقم فبالضرب، وليس في سياط التأديب أجود من سوط عزم" (٣). وقد اشتق هذا المعنى التربوي والتهذيبي للنفس البشرية من قول الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (٤). ٣ - قال ابن الجوزي في الدعوة إلى التأمل والتفكر في الكون: "ثم اخفض بصرك إلى الأرض تر فجاجها مذللة للتسخير، فامشوا في مناكبها وتفكروا في شربها بعد جدبها بكأس القطر، وتلمّح خروج النبات، يرفُل في ألوان الحلل على اختلاف الصور والطعوم والأراييح" (٥).

стр. 387

وقد استخدم ابن الجوزي الأسلوب القرآني في الدعوة إلى التأمل والتفكر في الكون وفي مخلوقات الله تعالى، فجاء قوله مشتقًا من قول الله تعالي: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) ونحو ذلك من الآيات الكريمة. ٤ - قال ابن الجوزي في الدعوة إلى التفكر في مخلوقات الله: "وانظر إلى انقسام الحيوانات ما بين طائر وماشٍ، وإلهامها ما يصلحها" (٣). وقد اشتق هذا المعنى من قول الله تعالي: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٥). ونحوهما من الآيات الكريمة. ٥ - قال ابن الجوزي في الدعوة إلى التفكر في الكون: "وانظر بفكرك إلى سعة البحر وتسخير الفُلْك فيه وما فيه من دابة" (٦). وقد اشتق هذا المعنى من قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٧). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٨).

стр. 388

٦ - قال ابن الجوزي في الدعوة إلى التفكر في خلق النفس البشرية: "من أكبر الأدلة على وجود الخالق هذه النفس الناطقة المميزة المحركة للبدن على مقتضى إرادتها فقد دبّرت مصالحها، وترقت إلى معرفة الأفلاك، واكتسبت ما أمكن تحصيله من العلوم، وشاهدت الصانع في المصنوع" (١). وقد اشتق هذا المعنى من دعوة الله تعالى الناس للنظر في خلق النفس البشرية كما في هذه الآية الكريمة: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٢). وهناك آيات أُخرى في هذا المعنى. ٧ - قال ابن الجوزي في طبيعة خلق الإنسان: "أنشأ الله الأبدان من النطف، وحفظ فيها المهج، ونَوَّرَ العيون فأحَسن في تركيبها الدَّعج، وأنطق اللسان، فأبان سبل المراد ونهج، وعلم الإِنسان البيان، فإذا خاصم فلج" (٣). وقد اشتق هذه المعاني من قول الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (٥) ونحوهما من الآيات الكريمة. جـ - الآراء التربوية المستقاة من قصص الأنبياء: قال ابن الجوزي: "ونوح سأل في ابنه فلم يُعطَ مراده، والخليل ابتُلي بالنار، وإسماعيل بالذبح، ويعقوب بفقد الولد، ويوسف بمجاهدة الهوى، وأيوب بالبلاء، وداود وسليمان بالفتنة، وجميعُ الأنبياء على هذا" (٦). وقد بنى ابن الجوزي قوله هذا على القصص القرآني، الذي قصّ

стр. 389

ابتلاء الأنبياء ﵈. قال الله تعالى في نوح ﵇: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (١). وقال تعالى في إبراهيم ﵇: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢). وقال الله تعالى في ذبح إسماعيل ﵇: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ (٣). وقال الله تعالى في يعقوب ﵇: ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٤). وقال الله تعالى في مجاهدة يوسف للهوى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٥). وقال الله تعالى في أيوب ﵇: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٦). وقال الله تعالى في فتنة داود ﵇: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٧).

стр. 390

وقال تعالى في فتنة سليمان ﵇ ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ (١). وهكذا رأينا كيف برزت ثقافة ابن الجوزي القرآنية في أسلوبه واضحة متلونة، حيث ظهرت الآيات القرآنية وسيلة من وسائل الاستدلال على صحة الفكرة وعمقها، فتارة تبرز لنا ألفاظ القرآن بحللها القشيبة تزدان بها سطور الكلام بشكلٍ مباشرٍ وصريح، وتارة يستقي من روح القصص القرآني ما تغني فيه الإشارة عن العبارة، والإجمال عن التفصيل -كما مر بنا- في ذكره لإشاراتٍ مقتضبةٍ إلى قصص الأنبياء، ورابعةً يكون أسلوبه بطرقٍ قرآنيةٍ بديعةٍ في لفت النظر، وتوجيه الفكر كما رأينا في التوجيه إلى التأمل في السموات والأرض، أو الإشارة إلى مناحي التعامل مع الزوجة الناشز، كل ذلك استقاء من روح الآيات لا استدلالًا صريحًا وكل ذلك بأسلوب واضحٍ بسيطٍ. ثانيا: الآراء التربوية المعتمدة على الأحاديث النبوية السُّنّة النبوية: هي المصدر الثاني للتشريع الإِسلامي، وتعريف "السُّنّة في الاصطلاح الشرعي: هي ما صدر عن رسول الله ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير" (٢). أو صفة خِلْقيةٍ أو خُلْقيةٍ. وقد عرفها ابن الجوزي بالمعنى نفسه تقريبًا بقوله: "تعرف شريعة رسول الله ﷺ إما بأفعاله، أو أقواله" (٣). ثم أنه بيَّن أهمية اتباع الرسول ﷺ فقال: "ومن تأمل خصائص الرسول ﷺ رأى كاملًا في العلم والعمل، فبه يكون الاقتداء، وهو الحجة على الخلق" (٤) وقال ابن الجوزي: "ولينظر في طريق رسول الله ﷺ وصحابته، فإنهم القدوة، ولا
следующие страницы →