← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17901

آراء ابن الجوزي التربوية

ليلى عطار

Полный текст (608 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ب - الآراء التربوية المستقاة من الآيات القرآنية ١ - قال ابن الجوزي في حب التمتع بمتاع الدنيا المتنوع: "وقد يقع الشره في فنون ما يُلتذ به من الأبنية المنقوشة، والخيل المسومة، والملابس الفاخرة، وغير ذلك. وهذا مرض أصله موافقة الهوى" (١). وهذا المعنى استقاه من قول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (٢). ٢ - قال ابن الجوزي في أسلوب تهذيب وتقويم النفس البشرية: "ويحبسها -يقصد النفس- في مقام المداراة كالزوجة التي مبني عقلها على الضعف والقلة، فهي تدارَى عند نشوزها بالوعظ، فإن لم تصلح فبالهجر، فإن لم تستقم فبالضرب، وليس في سياط التأديب أجود من سوط عزم" (٣). وقد اشتق هذا المعنى التربوي والتهذيبي للنفس البشرية من قول الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (٤). ٣ - قال ابن الجوزي في الدعوة إلى التأمل والتفكر في الكون: "ثم اخفض بصرك إلى الأرض تر فجاجها مذللة للتسخير، فامشوا في مناكبها وتفكروا في شربها بعد جدبها بكأس القطر، وتلمّح خروج النبات، يرفُل في ألوان الحلل على اختلاف الصور والطعوم والأراييح" (٥).

стр. 387

وقد استخدم ابن الجوزي الأسلوب القرآني في الدعوة إلى التأمل والتفكر في الكون وفي مخلوقات الله تعالى، فجاء قوله مشتقًا من قول الله تعالي: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) ونحو ذلك من الآيات الكريمة. ٤ - قال ابن الجوزي في الدعوة إلى التفكر في مخلوقات الله: "وانظر إلى انقسام الحيوانات ما بين طائر وماشٍ، وإلهامها ما يصلحها" (٣). وقد اشتق هذا المعنى من قول الله تعالي: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٥). ونحوهما من الآيات الكريمة. ٥ - قال ابن الجوزي في الدعوة إلى التفكر في الكون: "وانظر بفكرك إلى سعة البحر وتسخير الفُلْك فيه وما فيه من دابة" (٦). وقد اشتق هذا المعنى من قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٧). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٨).

стр. 388

٦ - قال ابن الجوزي في الدعوة إلى التفكر في خلق النفس البشرية: "من أكبر الأدلة على وجود الخالق هذه النفس الناطقة المميزة المحركة للبدن على مقتضى إرادتها فقد دبّرت مصالحها، وترقت إلى معرفة الأفلاك، واكتسبت ما أمكن تحصيله من العلوم، وشاهدت الصانع في المصنوع" (١). وقد اشتق هذا المعنى من دعوة الله تعالى الناس للنظر في خلق النفس البشرية كما في هذه الآية الكريمة: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٢). وهناك آيات أُخرى في هذا المعنى. ٧ - قال ابن الجوزي في طبيعة خلق الإنسان: "أنشأ الله الأبدان من النطف، وحفظ فيها المهج، ونَوَّرَ العيون فأحَسن في تركيبها الدَّعج، وأنطق اللسان، فأبان سبل المراد ونهج، وعلم الإِنسان البيان، فإذا خاصم فلج" (٣). وقد اشتق هذه المعاني من قول الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (٥) ونحوهما من الآيات الكريمة. جـ - الآراء التربوية المستقاة من قصص الأنبياء: قال ابن الجوزي: "ونوح سأل في ابنه فلم يُعطَ مراده، والخليل ابتُلي بالنار، وإسماعيل بالذبح، ويعقوب بفقد الولد، ويوسف بمجاهدة الهوى، وأيوب بالبلاء، وداود وسليمان بالفتنة، وجميعُ الأنبياء على هذا" (٦). وقد بنى ابن الجوزي قوله هذا على القصص القرآني، الذي قصّ

стр. 389

ابتلاء الأنبياء ﵈. قال الله تعالى في نوح ﵇: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (١). وقال تعالى في إبراهيم ﵇: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢). وقال الله تعالى في ذبح إسماعيل ﵇: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ (٣). وقال الله تعالى في يعقوب ﵇: ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٤). وقال الله تعالى في مجاهدة يوسف للهوى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٥). وقال الله تعالى في أيوب ﵇: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٦). وقال الله تعالى في فتنة داود ﵇: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٧).

стр. 390

وقال تعالى في فتنة سليمان ﵇ ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ (١). وهكذا رأينا كيف برزت ثقافة ابن الجوزي القرآنية في أسلوبه واضحة متلونة، حيث ظهرت الآيات القرآنية وسيلة من وسائل الاستدلال على صحة الفكرة وعمقها، فتارة تبرز لنا ألفاظ القرآن بحللها القشيبة تزدان بها سطور الكلام بشكلٍ مباشرٍ وصريح، وتارة يستقي من روح القصص القرآني ما تغني فيه الإشارة عن العبارة، والإجمال عن التفصيل -كما مر بنا- في ذكره لإشاراتٍ مقتضبةٍ إلى قصص الأنبياء، ورابعةً يكون أسلوبه بطرقٍ قرآنيةٍ بديعةٍ في لفت النظر، وتوجيه الفكر كما رأينا في التوجيه إلى التأمل في السموات والأرض، أو الإشارة إلى مناحي التعامل مع الزوجة الناشز، كل ذلك استقاء من روح الآيات لا استدلالًا صريحًا وكل ذلك بأسلوب واضحٍ بسيطٍ. ثانيا: الآراء التربوية المعتمدة على الأحاديث النبوية السُّنّة النبوية: هي المصدر الثاني للتشريع الإِسلامي، وتعريف "السُّنّة في الاصطلاح الشرعي: هي ما صدر عن رسول الله ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير" (٢). أو صفة خِلْقيةٍ أو خُلْقيةٍ. وقد عرفها ابن الجوزي بالمعنى نفسه تقريبًا بقوله: "تعرف شريعة رسول الله ﷺ إما بأفعاله، أو أقواله" (٣). ثم أنه بيَّن أهمية اتباع الرسول ﷺ فقال: "ومن تأمل خصائص الرسول ﷺ رأى كاملًا في العلم والعمل، فبه يكون الاقتداء، وهو الحجة على الخلق" (٤) وقال ابن الجوزي: "ولينظر في طريق رسول الله ﷺ وصحابته، فإنهم القدوة، ولا

стр. 391

يَلتفت إلى بُنَيَّات الطريق" (١). وقد استشهد ابن الجوزي في الكثير من آرائه التربوية بأحاديث الرسول ﷺ ، أو بسيرته العطرة. وستقوم الباحثة بعرض الآراء التربوية الموثقة بأحاديث الرسول ﷺ ، ثم عرض الآراء المعتمدة على الاستشهاد بأفعاله، ثم الآراء المستقاة من ألفاظ ومعاني أحاديثه ﷺ وهذا التقسيم للدراسة فقط، لأن مصطلح الأحاديث يشمل الأقوال والأفعال. وقبل مناقشة وتخريج أحاديث الرسول ﷺ التي استشهد بها ابن الجوزي عند عرض آرائه التربوية في البابين الثالث والرابع، أحدد منهجي الذي سأسير عليه في دراسة هذه الأحاديث وتخريجها ثم الحكم عليها، ويتلخص ذلك فيما يأتي: أ - تخريج الاْحاديث يتمّ على النحو الآتي: ١ - إذا كان الحديث في الصحيحين (البخاري ومسلم) أو أحدهما، فسأكتفي بذكره منهما أو أحدهما حسب النص الذي أورده ابن الجوزي. وإذا كان الحديث مذكورًا في أكثر من موضع سأكتفي بذكر موضع واحد فقط، وهو الموضع الذي يتطابق فيه اللفظ عند الإمام البخاري مع اللفظ الذي أورده ابن الجوزي. ٢ - وإذا لم يكن الحديث موجودًا في الصحيحين، فأخرجه من أحد كتب السنن الأربعة وهي سنن أبي داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجه، وذلك حسب تخريج ابن الجوزي، بأن يذكر راويه بقوله: "روى أبو داود" فأخرجه من سنن أبي داود وأكتفي به، دون البحث عنه في كتب السنن الأُخرى وهكذا. ٣ - إذا أخرجت الحديث من الشيخين أو غيرهما فإنما مرادي أصل الحديث لاتمام المطابقة بين ألفاظ رواية ابن الجوزي والرواية المخرّجة. ٤ - إذا لم يكن الحديث في الكتب الستة، فإنني أعمد إلى تخريجه من مسند الإمام أحمد بن حنبل، وأكتفي بذكر موضع واحدٍ للحديث

стр. 392

الذي أورده بشرط مطابقته لما ذكره ابن الجوزي. ٥ - إذا لم يكن الحديث في شيء من الكتب السابقة كلِّها أخرجه بواسطة الفهارس من المصادر والمراجع الحديثة بقدر المستطاع، مع عدم الالتزام بالأشهر من هذه الكتب عن بقيتها، إلا إذا دعت الحاجة للخروج عنه لإضافة معنى ما في إطارٍ محدودٍ. ب - بيان حكم الحديث: ١ - إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فمعلوم أنه صحيح، بناءً على ما جرى عليه عرف الأئمة من علماء الحديث من الجزم بصحة أحاديث الشيخين بصفة عامة. ٢ - إذا كان الحديث في غير الصحيحين، فسأعتمد على تصحيح أو تضعيف علماء الحديث له، ما لم أجد له معارضًا أو مناقضًا، فأورد ما ذكر فيه، حتى أصل إلى الحكم عليه. ٣ - إذا لم أجد الحديث الذي استشهد به ابن الجوزي، في الكتب التي بحثت فيها، فسأذكر أنني لم أقف عليه ولم أجده. وبعد بيان منهج التخريج، قُمتُ بتصنيف الأحاديث النبوية الشريفة التي استشهد بها ابن الجوزي على النحو الآتي: أ - ذكر الأحاديث الصحيحة للشيخين البخاري ومسلم. ب - ذكر الأحاديث التي وردت في كتب السنن الأربعة. جـ - ذكر الأحاديث التي وردت في مسند الإمام أحمد بن حنبل. د - ذكر الأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة وأقوال علماء الحديث فيها، والآن أتناول تلك الموضوعات بشيء من التفصيل. أ - الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بأحاديث الشيخين -في حدود الكتب التي درستها من مؤلفات ابن الجوزي-: أقوم الآن بعرض الأحاديث النبوية الشريفة التي وثق ابن الجوزي بها آراءه التربوية: ١ - وثق ابن الجوزي رأيه التربوي في حب الرياسة في الدنيا دون

стр. 393

التفكر في عواقبها (١)، بقول الرسول ﷺ الذي قال فيه: "وفي أفراد مسلمٍ من حديث أبي ذر قال: قلتُ يا رسولَ اللهِ، ألا تستعملني؟ قال: فضربَ بيدِه على منكبي ثم قال: يا أبا ذرٍ، إنك ضعيفٌ، وإنها أمانةٌ، وإنها يومَ القيامةِ خزيٌ وندامةٌ، إلّا من أخذها بحقها وأدَّى الذي عليه فيها. وفي لفظ آخر: يا أبا ذر إني أحبُ لك ما أحبُ لنفسي، لا تأمرنَّ على اثنين، ولا تولينَّ على مالِ يتيم" وقد رواه مسلم بلفظ: "يا أبا ذرٍ إني أراك ضعيفًا، وإني أحبُ لك ما أحبُ لنفسي. لا تأمرنَّ على اثنين. ولا تولينَّ مال يتيم" (٢). ٢ - وقد وثّق ابن الجوزي علاجه التربوي لانفعال الحسد (٣) بقول الرسول ﷺ : "لا حسدَ إلا في اثنتين: رجل آتاه اللهُ القرآن فهو يقوم به آناءَ الليلِ والنهارِ، ورجلٍ أتاه اللهُ مالًا فهو ينفقُه في الحقِّ آناءَ الليلِ والنهارِ" أُخرِج في الصحيحين (٤). ٣ - وقد وثق ابن الجوزي انفعال الغضب وعلاجه (٥) بعدد من أحاديث الرسول ﷺ ، فقال في ذلك: "فذكر بسنده إلى أبي هريرة قال: أتى النبيّ ﷺ رجلٌ فقال: أوصني، فقال: لا تغضب، فردّد مرارًا،

стр. 394

فقال: لا تغضب. رواه البخاري" (١). ٤ - وقال رسول الله ﷺ : "ليس الشديد بالصُّرَعةِ إِنَّما الشديد الذي يملكُ نفسَهُ عند الغضب" (٢). ٥ - "ومن حديث سليمان بن صُردَ قال: كنت جالسًا مع النبي ﷺ ورجلان يستبانِ، وأحدهما قد احمرَّ وجهه، وانتفختْ أوداجهُ. فقال النبي ﷺ : "إني لأعلمُ كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لذهب عنه ما يجد، قالوا له: إن النبي ﷺ قال: تعوذ باللهِ من الشيطان الرجيم. قال: أَوَ بي جنون؟ " (٣). ٦ - وقد وثق ابن الجوزي علاجه التربوي للخوف من الموت (٤)، بقولين من حديث الرسول ﷺ : "وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله : أنا عند ظنِ عبدي بي. متفق عليه" (٥). "وعن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ : "لا يموتن أحدُكم إلا وهو يحسنُ باللهِ الظنَّ". أخرجه مسلم" (٦).

стр. 395

٧ - ذكر ابن الجوزي مراحل النمو الإنساني، ومنها مرحلة نفخ الروح في الجنين (١)، فاستشهد بقول الرسول ﷺ : "إذا مرَّ بالنطفةِ ثنتان وأربعون ليلةً، بعثَ اللهُ إليها ملكًا فصوَّرها وخلقَ سمعها وبصرَها، وجلدَها ولحمَها وعظامَها، ثم قال: يا رب أذكرٌ أم أنثى، فيقضي ربُك ما شاءَ، ويكتبُ الملكُ، ثم يقول: يا ربّ رزقُه؟ فيقضي ربُك ما شاء ويكتبُ الملك، ثم يخرجُ بالصحيفةِ في يدهِ، فلا يزيدُ على ما أمرَ ولا ينقصُ" (٢). ٨ - وثّق ابن الجوزي رأيه في أهمية التداوي (٣) للمحافظة على جسم الإنسان بقول الرسول ﷺ ، فقال: "فإن الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: ما أنزلَ اللهُ داءً إلا وأنزلَ له دواءً فتداووا" (٤). ٩ - ذكر ابن الجوزي بعضًا من آداب العالم في أثناء تدريسه، ومنها أهمية أن يتأسّى العالم بالرسول ﷺ في أن يرفع صوته أو يخفضه حسب الموقف التعليمي (٥). وقد استشهد بالحديث فقال: ". . . عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب الناس احمرت عيناه ورفع صوته واشتدّ غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبَّحكم أو مسَّاكم" (٦). ١٠ - أثبت ابن الجوزي أن التكرار (٧) من العوامل المساعدة على

стр. 396

التعلم الجيد، وقد وثّق رأيه بقول الرسول ﷺ : "تعاهدوا القرآن فإنه أشدُّ تفصِّيًا من صدورِ الرجالِ من النعمِ من عُقلِها" (١). ١١ - ذكر ابن الجوزي أهمية مراعاة الفروق الفردية (٢) في القدرات العقلية، وقد وثّق رأيه بقول علي ﵁: "حدّثوا الناسَ بما يعرفون. أتحبّونَ أن يُكذَّب اللهُ ورسولهُ" (٣). ١٢ - ذكر ابن الجوزي في التربية الروحية أهمية الجانب التعبدي وأثره التربوي في النفس البشرية، وحتى تتحقق لابد من الطهارة المادية والمعنوية، فذكر في الطهارة المادية، الطهارة من نجس وهو البول (٤)، وقد وثّقه بقول الرسول ﷺ فقال: "عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه مرّ بقبرين يعذبان فقال: "إنهما ليَعذَّبانِ وما يعذبانِ في كبيرٍ: أما أحدهما فكان لا يستنزهُ من البولِ. . . ." (٥). هذه الرواية أوردها الإمام مسلم في صحيحه الجزء الأول، ص

стр. 397

٢٤٠ - ٢٤١، كتاب الإيمان، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، حديث رقم (١١١ - ٢٩٢)، أما روايات البخاري الخمس كلها "لا يستتر من البول". لذلك سنكتفي بتخريج الإمام مسلم. ١٣ - كذلك ذكر ابن الجوزي الطهارة من الحدث (١)، وفيها قال: "ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو قال: تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرةٍ سافرناها فأدركنا ونحن نتوضأُ فجعلنا نمسحُ أرجلَنا قال: فنادى بأعلى صوته مرتين أو ثلاثًا: "ويلٌ للأعقاب من النارِ" (٢). ١٤ - ذكر ابن الجوزي في التربية الروحية، أهمية الاعتناء بسنن الفطرة (٣) ومنها السواك وقد استشهد له بحديثين من أحاديث الرسول ﷺ . فقال: "أخبرنا عبد الأول بسنده عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشقَّ على أمتي أو على الناسِ، لأمرتهم بالسواكِ مع كل صلاة" (٤). ١٥ - والحديث الثاني قال ابن الجوزي في السواك أيضًا: وأخرجا من حديث حذيفة قال: كان رسولُ الله ﷺ يشوصُ فاهُ بالسواكِ" (٥). ١٦ - ذكر ابن الجوزي (٦) في إسباغ الوضوء حديثين للرسول ﷺ

стр. 398

فقال: "من أتمَّ الوضوء كما أمرهُ اللهُ فالصلواتُ المكتوباتُ كفاراتٌ لما بينهن" (١). ١٧ - والحديث الثاني قوله ﷺ : "إذا توضأَ العبدُ المسلمُ أو المؤمنُ، فغسلَ وجهَه خرجَ من وجههِ كلُ خطيئةٍ نظرَ إليها بعينيهِ مع الماءِ أو معَ آخرِ قطرِ الماءِ، فإذا غسلَ يديهِ خرجَ من يديهِ كلُ خطيئةِ، كان بطشتها يداهُ مع الماءِ أو مع آخر قطر الماءِ، فإذا غسَل رجليه خرجت كلُ خطيئة مشتها رجلاهُ مع الماءِ، أو معَ آخرِ قطرِ الماءِ حتى يخرجَ نقيًا من الذنوبِ" (٢). ١٨ - استشهد ابن الجوزي بحديثين من أحاديث الرسول ﷺ على أثر الصلاة (٣) فقال: "واعلم أن الشرع عظم أمر الصلاة وضرب الأمثال بفضلها، أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، أنبأنا أبو عامر الأزدي، وأبو بكر الغورجي، قالا أخبرنا أبو محمد الجراحي، أنبأنا أبو العباس المحبوبي، أنبأنا الترمذي، حدثنا قتيبة، حدثنا الليث عن ابن الهادي عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة. عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسلُ فيه كلَّ يوم خمس مراتٍ هل يبقى من درنِه شيء؟ قالوا: لا. قال: فذلك مَثَلُ الصلوَاتِ الخمسِ يمحو اللهُ بهن الخطايا. أخرجاه في الصحيحين" (٤). ١٩ - "وفي أفراد مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: الصلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعةِ، ورمضانُ إلى

стр. 399

رمضانَ مكفّراتٌ ما بينهن إذا اجتنبتِ الكبائرُ" (١). ٢٠ - استشهد ابن الجوزي بحديث الرسول ﷺ على أن الزكاة ركن من أركان الإسلام (٢)، فقال: قال رسول الله ﷺ : "بُني الإسلامُ على خمسٍ .. فذكر منهن الزكاة" (٣). ٢١ - ذكر ابن الجوزي بعض المعاني التربوية للإنفاق من المال الحلال (٤)، موثقًا كلامه بحديثٍ للرسول ﷺ يبيِّن أجر المتصدق، فقال: "أخبرنا ابن الحصين بسنده عن سعيدِ بن يسارٍ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : من تصدقَ بعِدلِ تمرةِ من كسبٍ طيبٍ -ولا يصعدُ إلى اللهِ إلا الطيبُ- فإن اللهَ يتقبلُها بيمينهِ ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكُم فلوَّه حتى تكونَ مثلَ الجبلِ" (٥). ٢٢ - قال ابن الجوزي في الصوم "إنه من أشرف العبادات، وله فضيلة ينفرد بها عن جميع التعبدات وهى إضافته إلى الله (٦) بقوله : "الصومُ لي وأنا أجزي به" (٧).

стр. 400

٢٣ - وثق ابن الجوزي فضيلة الحج (١) بقول الرسول ﷺ : "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (٢). ٢٤ - وضع ابن الجوزي لعلاج الكذب طرق عدة منها معرفة الكاذب احتقار الناس له وقلة ثقتهم به، فيدفعه ذلك لترك الكذب، وقد وثق كلامه (٣) بقول الرسول ﷺ : "ما يزالُ الرجلُ يكذبُ ويتحرى الكذبَ حتى يكتبَ عند الله كذابًا" (٤). ٢٥ - استشهد ابن الجوزي في التربية الإرادية، بشأن الصبر (٥) على مرارة الأقدار بالحديث القدسي "لا يزالُ العبدُ يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَه، فإذا أحببتُه كنت سمعَهُ الذي يسمعُ به، وبصره الذي يبصرُ به" (٦). ٢٦ - وقد استشهد ابن الجوزي في تربية الإرادة بعد الوقوع في المعصية (٧) بقول الرسول ﷺ بقوله: "ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: قلتُ يا رسولَ الله أيُ ذنبٍ أعظمُ؟ قال: أن تجعلَ للهِ ندًّا وهو خلقَك. قلت: ثم أيُّ؟ قال: أن تقتلَ ولدَك من أجلِ أن يطعمَ معك. قلت: ثم أيُّ؟ قال: أن تزاني حليلةَ جارك" (٨).

стр. 401

٢٧ - وثّق ابن الجوزي تربية الإرادة بعد الوقوع في المعصية بالتوبة (١) النصوح، بقول الرسول ﷺ ، فقال: "وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "للهُ أفرحُ بتوبةِ عبدهِ المؤمنِ من رجل نزَل بأرض دويّةٍ (مهلكة) معه راحلتُه، فطلبَها حتى أدرَكهُ الموتُ. قَال: أرجعُ إلى مكاني الذي أضللتُها فيه فأموتُ فيه، فأتى مكانه فغلبتْه عيناه، فاستيقظ فإذا راحلتُه عند رأسهِ عليها طعامُه وشرابُه وزاده وما يصلحُه، فاللهُ أشدُ فرحًا بتوبةِ عبدهِ المؤمن من هذا براحلتهِ وزادهِ" (٢). ٢٨ - صنف ابن الجوزي التائبين في صنفين من الناس، الصنف الأول هو الذي زاد ندمه (٣)، وقوي مقته لنفسه، فرأى تعريضها للقتل

стр. 402

مباحا، وهذا ما فعل ماعز، وقد استشهد ابن الجوزي بقصته الواردة في الحديث فقال فيها: ". . . . عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كنتُ جالسًا عند النبي ﷺ إذ جاءهُ رجلٌ يقال له ماعزُ بن مالك فقال: يا نبيَ اللهِ إني قد زنيتُ وأنا أريدُ أن تطهَرني فطهرني، فقال له النبي ﷺ : ارجع. فلما كان من الغدِ أتاه أيضًا فاعترف عنده بالزنى. فقال له النبيُ ﷺ : ارجع. ثم أرسلَ النبي ﷺ إلى قومِه فسألَهُم عنه فقال: ما تعلمون من ماعزِ بن مالكٍ الأسلمي؟ هل ترون به بأسًا وما تنكرون من عقلهِ شيئًا؟ قالوا: يا نبي الله. ما نرى به بأسًا، ولا ننكرُ من عقله شيئًا. ثم عاد إلى النبي ﷺ الثالثةَ فاعترف عنده بالزنى وقال: يا نبيَ اللهِ طهرني. فأرسل النبي ﷺ إلى قومِه أيضًا فسألهم عنه. فقالوا له كما قالوا في المرة الأُولى: ما نرى به بأسًا، وما ننكرُ من عقلهِ شيئًا. ثم رجعَ إلى النبي ﷺ الرابعة فاعترفَ عنده بالزنى، فأمر النبي ﷺ فحفرَ له حفيرةٌ فجُعِلَ فيها إلى صدرهِ ثم أمرَ الناسَ أن يرجموه". وقال في هذا الحديث وحديث المرأة الغامدية: انفرد بإخراج الحديثين مسلم" (١). ٢٩ - وفى الوسائل النفسية الإيحائية لتقوية الإرادة، وثّق ابن الجوزي كلامه (٢) بحديث الرسول ﷺ عن الثلاثةِ الذين دخلوا إلى غار، فانطبقت عليهم صخرةٌ، فقال أحدهم: "اللهم إنه كان لي أبوان وأولاد، فكنت أقفُ بالحليب على أبوي أسقيهما قبل أولادي، فإن كنت فعلتُ ذلك لأجلك فافرج عنا، فانفرج ثلثُ الصخرة. وقال الآخرُ: اللهم إني استأجرتُ أجيرًا فتسخطَ أجره: فاتجرت به، فجاء يومًا فقال: ألا تخافُ الله وتعطيني أجرتي؟ فقلت: انطلق إلى تلك البقرِ ورعاتهِا فخذها، فإن كنتُ فعلتُ ذلك لأجلك فافرج عنا فانفرج ثلثا الصخرة. فقال الآخر: اللهم إني علقتُ بنتَ عمٍ لي فلما دنوتُ منها قالت: اتقِ اللهَ ولا تفض الخاتمَ إلا بحقهِ، فقمتُ عنها. فإن كنت فعلتُ ذلك لأجلك فافرج عنا، فرفعت الصخرةُ وخرجوا" (٣).

стр. 403

٣٠ - في التربية الأخلاقية (١)، وثّق ابن الجوزي رأيه بقوله: "وقد سئلت عائشةُ ﵂ عن خُلُق رسولِ الله ﷺ فقالت: كان خُلُقهُ القرآن. وهو في صحيح مسلم (٢). وقد أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد (٣). التعليق على الأحاديث الصحيحة التي استشهد بها ابن الجوزي في آرائه التربوبة: من خلال عرضنا للأحاديث السابقة التي استشهد بها ابن الجوزي، نلاحظ أنه اعتمد على الصحيحين (البخاري ومسلم) أو أحدهما، وقد أجمع جمهور العلماء على صحتهما، ولا تحتاج إلى نظر أو بحث، وذلك لأن الإمامين قد التزما "بإخراج الأحاديث الصحيحة بأسانيد نظيفة (سليمة) لا تحوي رجالًا ضعفاء أو متروكين، كما أنها خالية من العلل القادحة الخفية التي تقدح في صحة الحديث. فوجود الحديث في أحد الصحيحين يكفي للحكم على صحة الحديث، ولا حاجة إلى البحث في إسناده، لأن الغاية من البحث في الإسناد إنما هي الوصول إلى معرفة صحة الحديث أو عدم صحته" (٤). وعلى ذلك فإننا نرى -في حدود بحثنا- أن ابن الجوزي قد

стр. 404

استشهد بـ (٣٠) حديثًا صحيحًا من إخراج الشيخين أو أحدهما، إلا أنه يلاحظ أنه لم يكن دقيقًا دائمًا في نقل ألفاظ الأحاديث. ب - الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بأحاديث نبوية وردت في كتب السنن الأربعة: سأقوم بعرض الأحاديث النبوية التي وثّق بها ابن الجوزي آراءه التربوية، وخرجها من كتب السنن الأربعة وهي سنن أبي داود، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه وهذا في حدود بحثي وفي نطاق الكتب التي رجعت إليها من مؤلفات ابن الجوزي الكثيرة. وبعد ذكر الحديث سأبين درجته، لأنه لا يكفي مجرد وجود الأحاديث. في هذه الكتب للحكم بصحتها "لأن مؤلفيها لم يلتزموا بإخراج الصحيح وحده فيها" (١). ١ - وثّق ابن الجوزي رأيه في طبيعة خَلق الإنسان (٢) بقوله: "وقد روى أبو موسى ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن اللهَ خلقَ آدم من قبضة قبضَها من جميع الأرض. . . .". أخرج هذا الحديث أبو داود في سننه (٣)، وأخرجه الترمذي،، "وقال فيه: هذا حديث حسن صحيح" (٤). ٢ - وقد وثّق ابن الجوزي علاجه التربوي لانفعال الحسد (٥) بقوله: "فعن الزبير بن العوَّام قال: قال رسول الله ﷺ : "دبَّ إليكم داءُ الأمم قبلَكم الحسد والبغضاءُ، والبغضاءُ هي الحالقةُ، حالقةُ الدينِ لا حالقةُ الشعرِ، والذي نفسُ محمدِ بيدهِ لا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أفلا أنبِّئكُم بشيءٍ إذا فعلتموه تحابيتم: أفشوا السلامَ بينكم". أخرج هذا الحديث

стр. 405

الترمذي وقال فيه: "هذا حديث قد اختلفوا في روايته عن يحيى بن أبي كثير. فروى بعضهم عن يحيى بن أبي كثير عن يعيش بن الوليد عن مولى الزبير عن النبي ﷺ ، ولم يذكروا فيه عن الزبير" (١). وقد أخرج هذا الحديث "الإمام أحمد بن حنبل في المسند عن طريق يعيش بن الوليد عن الزبير بن العوام" (٢)، وكذلك أخرجه "في موضعين عن طريق يعيش بن الوليد عن مولَّى لآل الزبير بن العوام" (٣). "والحديث ضعيف على كلا الحالين فالإسناد الأول منقطع لأن يعيش لم يدرك الزبير بن العوام، والإسناد الثاني فيه مولى آل الزبير وهو مجهول" (٤). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه البزار وإسناده جيد" (٥)، ولكن "إسناد البزَّار في سنده مولى آل الزبير وهو مجهول كما مر" (٦). ٣ - وقد ذكر ابن الجوزي (٧) في علاج الغضب حديث أبي ذر فقال: "وروى أبو داود في سننه من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا غضبَ أحدكُم وهو قائمٌ فليجلس، فإن ذهبَ عنه الغضبُ وإلّا فليضطجعْ". أخرج هذا الحديث أبو داود في سننه" (٨)، وقال الهيثمي فيه: رواه أبو داود باختصار القصة دون ذكر أبي الأسود -رواه

стр. 406

أحمد (١) ورجاله رجال الصحيح" (٢). ٤ - وثّق ابن الجوزي العلاج التربوي للخوف من الموت عند مداخلة الشيطان (٣) بقوله: "وقد نقل أبو داود من حديث أبي اليسرَ عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "أعوذُ بك أن يتخبطني الشيطانُ عند الموتِ" (٤). ولم يبين أبو داود درجة هذا الحديث، ولكن عند بيان منهجه في تخريج الأحاديث قال: "كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث. انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب، وجمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، وما كان فيه وهن شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض" (٥). وقد قال الهيثمي فيه: "رواه أحمد وفيه إبراهيم بن إسحاق ولم أجد من وثقه. وبقية رجاله ثقات" (٦) وقد صحّحه الشيخ الألباني (٧). ٥ - ذكر ابن الجوزي من ضمن علاج الخوف من الموت مراقبة الله تعالى في كل الأمور (٨)، وقد وثق كلامه بقوله: وفي حديث ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "احفظِ اللهَ تجدْهُ تجاهَك، تعرّفْ إلى اللهِ في

стр. 407

الرخاءِ يعرفْك في الشدةِ". وقد أخرج هذا الحديث الترمذي وقال فيه: "هذا حديث حسن صحيح" (١). ٦ - وفي التربية الصحية في تطهير البدن من الحدث الأكبر، قال ابن الجوزي: "وأما غسل الجنابة (٢) فروى أبو داود من حديث علي ﵁ أنه قال: من تركَ موضعَ شعرةٍ من جنابةٍ لم يغسلَها فُعِل به كذا وكذا من النار". أخرج هذا الحديث أبو داود في سننه (٣)، وقال ابن الأثير في هذا الحديث إنه "من رواية حمّاد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن زاذان، عن علي ﵁، وإسناده صحيح، لأن حمادًا سمع من عطاء قبل اختلاطه" (٤). وقال فيه الشوكاني: "وقال النووي ضعيف وعطاء قد ضُعِّف قبل اختلاطه، ولحماد أوهام، وفي إسناده أيضًا زاذان وفيه خلاف" (٥) وقال الشيخ الألباني: ولكن العلماء "اختلفوا هل رواه قبل

стр. 408

الاختلاط أو بعده، فلذا اختلفوا في تصحيحه وتضعيفه، والحق الوقف عن تصحيحه وتضعيفه حتى يتبين الحال فيه" (١). وقال الشوكاني: "قال الحافظ وإسناده صحيح لأن من رواته عطاء بن السائب وقد سمع منه حماد بن سلمة قبل الاختلاط" (٢). ٧ - ذكر ابن الجوزي في التربية الروحية، أن من صفات الروح أنها لا تنال لذة إلا بواسطةٍ (٣)، موثقًا كلامه بقول الرسول ﷺ فقال: "إنها في حواصلِ طيرٍ خضرٍ تعلُقُ من شجرِ الجنةِ". كما جاء في أحاديث الشهداء. وقد أخرج هذا الحديث ابن ماجه (٤) في سننه. وقال فيه الشيخ الألباني "حديث صحيح" (٥). ٨ - ذكر ابن الجوزي في الوسائل المعينة على الصبر وتقوية الإرادة (٦) قول الرسول ﷺ : "لو أن الدنيا تساوي (تعدل) عند اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربةَ ماءٍ". أخرج هذا الحديث الترمذي، وقال فيه: "هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه" (٧). وفي سنده عبد الحميد بن سليمان الخزاعي

стр. 409

"الضرير وهو أخو فليح وهو ضعيف" (١). وقال المناوي بعد أن نقل قول الترمذي عن الحديث بأنه صحيح غريب: "وليس كما قال ففيه عبد الحميد بن سليمان أورده الذهبي في الضعفاء، وقال أبو داود غير ثقة، ورواه ابن ماجة أيضًا وفيه عنده زكريا بن منظور، قال الذهبي في الضعفاء منكر الحديث ورواه عنه الحاكم أيضًا وصححه، فردّه الذهبي بأن زكريا بن منظور ضعفوه" (٢). لكن قال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه البزار وفيه صالح مولى التوأمة وهو ثقة ولكنه اختلط وبقية رجاله ثقات" (٣). وذكر المناوي أنه قد أخرجه الضياء المقدسي في المختارة" (٤) فالحديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده، وقال الألباني فيه: "وبالجملة فالحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بلا ريب" (٥). ٩ - ذكر ابن الجوزي الأسباب التي تدعو الإنسان للمعصية، فمنها التسويف بالتوبة (٦)، وعلاجها المبادرة بالأعمال الصالحة، وقد وثّق كلامه بقول الرسول ﷺ : "صلِّ صلاة مودّع". هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه (٧)، وقال الهيثمي فيه: "رواه الطبراني

стр. 410

ورجاله ثقات" (١). ١٠ - بيَّن ابن الجوزي أن الطريق الموصل إلى محبة الله تعالى (٢) يكون في مخالفة الهوى واجتناب إرضاء الخلق في معصية الله تعالى، وقد استشهد بالحديث فقال: "وفي الحديث: من أرضى الناسَ بسخطِ اللهِ عاد حامده من الناس ذامًا". أخرج هذا الحديث الترمذي عن عائشة ﵂ بقوله: "من التمسَ رضا اللهِ بسخطِ الناسِ كفاهِ اللهُ مؤنةَ الناسِ، ومن التمسَ رضاء الناسِ بسخطِ اللهِ وكلهُ اللهُ إلى الناسِ" (٣). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: "وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : من طلب محامد الناس بمعاصي اللهِ عادَ حامدُه له ذاما -قلت له عند الترمذي من التمس رضا الناسِ بسخطِ اللهِ سخطَ اللهُ عليه وأسخطَ الناسَ عليه، رواه البزار من طريق قطبة بن العلاء عن أبيه وكلاهما ضعيف" (٤). وقد صحح الشيخ الألباني حديث الترمذي وأبي نعيم، في الحِلْيَة عن عائشة ﵂" (٥). التعليق على الأحاديث التي استشهد بها ابن الجوزي في آرائه التربوية: من خلال عرضنا للأحاديث السابقة التي استشهد بها ابن الجوزي

стр. 411

من كتب السنن الأربعة، وبعد تخريجها والحكم بصحتها، نلاحظ أنها بلغت عشرة أحاديث، سبعة أحاديث منها صحيحة، وحديثان حسنان، وحديث واحد ضعيف. جـ - الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بأحاديث نبوية وردت في مسند الإمام أحمد وذلك في حدود ما استخرجته من الكتب التي درستها من مؤلفاته: سأقوم بعرض الأحاديث النبوية التي وثق بها ابن الجوزي آراءه التربوية، وهي في مسند الإمام أحمد بن حنبل، ثم أذكر درجة الحديث من حيث الصحة والضعف، فقد ذكر الحافظ بن كثير شأن المسند بقوله: "يوجد في مسند الإمام أحمد من الأسانيد والمتون شيء كثير مما يوازي كثيرًا من أحاديث مسلم، بل والبخاري أيضًا، وليست عندهما ولا عند أحدهما، بل ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الأربعة، وهم: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه" (١). ثم علق على أحاديثه في الكتاب نفسه بقوله: "وأما قول الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني عن مسند الإمام أحمد: إنه صحيح: فقول ضعيف؛ فإن فيه أحاديث ضعيفة، بل وموضوعةً، كأحاديث فضائل مرو، وعسقلان، والبِرْث الأحمر عند حمص، وغير ذلك، كما قد نبه عليه طائفة من الحفاظ" (٢). وقد قام الشيخ أحمد محمد شاكر بإحصاء عدد الأحاديث الصحيحة والضعيفة في المجلد الأول من المسند وأقل من ثلث المجلد الثاني من الطبعة القديمة، فقال في ذلك: "وهذه الأجزاء التسعة استوعبت المجلد الأول وأقل من ثلث المجلد الثاني من الطبعة القديمة، وكان مجموع ما فيها من الأحاديث بالإحصاء الدقيق ٦٥١١ حديثًا، الصحيح منها ٥٧٣٣ حديثًا، والضعيف ٧٧٨ حديثًا. أي أن نسبة

стр. 412

الضعيف فيها إلى مجموع الأحاديث أقل من ١٢ %. وهي نسبة ضئيلة محتملة. خصوصًا إذا لاحظنا أن أكثر ضعف الضعيف منها ضعف محتمل غير بالغ الدرجة القصوى من الضعف، إلا في القليل النادر الذي لا يكاد يذكر" (١). وهناك الكثير من الآراء التي قيلت في مسند الإمام أحمد، ولا داعي لذكرها، حتى لا أخرج عن موضوع البحث، ويكفيني البحث عن درجة صحة الأحاديث التي وردت في كتب ابن الجوزي التي أدرسها. ١ - بيَّن ابن الجوزي أن من كمال العقل وبعد النظر أن يعرف الإنسان كيف ينفق ماله (٢) بطريقةٍ تسدّ ضرورات يومه وتوافق ظروف مستقبله، وقد وثّق كلامه بقوله: "وعن أبي الدرداء مرفوعًا: من فقهِ الرجلِ بعدُ النظرِ في معيشته. وقد روي موقوفًا". أخرج هذا الحديث الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ : "من فقهِ الرجلِ رفقهُ في معيشتهِ" (٣). قال الهيثمي فيه؛ "رواه أحمد وفيه أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط" (٤). وأبو بكر بن أبي مريم هو: "أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغسَّاني الشامي، وقد يُنسب إلى جده، قيل اسمه بكير، وقيل عبد السلام. قال الحافظ ابن حجر: ضعيف. وكان (أبو بكر بن أبي مريم) قد سُرق بيته فاختلط" (٥). وقال الذهبي: "ضعّفوه، له علم وديانة" (٦).

стр. 413

"وضعفه غير واحد من الأئمة" (١). وقد نبه الشيخ الألباني إلى علة أُخرى في الحديث وهي الانقطاع فقال: "ثم هو منقطع لأن ضمرة لم يسمع من أبي الدرداء كما أفاده الذهبي. فإن بين وفاتيهما نحو مائة سنة" (٢). ٢ - وثق ابن الجوزي رأيه في حب الرياسة في الدنيا دون التفكر في عواقبها (٣)، بقوله: "وروي عن أبي أمامة عن النبي ﷺ : ما من رجل يلي أمرَ عشرةِ فما فوقَ ذلك إلا أتى اللهَ مغلولًا يومَ القيامةِ يدُه الى عنقهِ، فَكَّه برُّهُ، أو أوبقَه إثمُه، أولُها ملامةٌ، وأوسطُها ندامةٌ، وآخرُها خزيٌ يومَ القيامة". أخرج هذا الحديث الإمام أحمد في المسند (٤)، وقال الهيثمي فيه: "يزيد بن أبي مالكٍ وثقه ابن حبان وغيره وبقية رجاله ثقات" (٥). ويزيد بن أبي مالك هو: "يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الهمذاني الدمشقي. قال عنه الحافظ ابن حجر: صدوق ربما يهم" (٦)، فحديثه من قبيل الحسن. ونص الذهبي على توثيق أبي حاتم له" (٧). وقال الشيخ الألباني حديث حسن" (٨).

стр. 414

٣ - وثق ابن الجوزي -أيضًا- رأيه التربوي في حب الرياسة في الدنيا دون التفكر في عواقبها بقوله: "وعن أبي هريرة مرفوعًا: "ويلٌ للأمراءِ، ويلٌ للعرفاءِ، ويلٌ للأمناءِ، ليتمنينَّ أقوامٌ يومَ القيامةِ أن ذوائبَهم كانت معلقة بالثريا يتذبذبون بين السماءِ والأرضِ ولم يكونوا عملُوا على شيء". أخرج هذا الحديث الإمام أحمد في مسنده (١)، وقال الشيخ الألباني: إسناده ضعيف" (٢). وفصل القول في بيان ضعف الحديث، لأنه يدور على عباد بن أبي علي، وهو كما قال ابن حبان: مولى أبي رهم الغفاري". فقال في تخريجه: "وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"! ووافقه الذهبي! وهذا من عجائبه، فإنه أورد عبادًا هذا في الميزان لهذا الحديث وقال: "وهذا حديث منكر، وقد علق له البخاري وحدث عنه حماد بن زيد. قال ابن القطان: لم تثبت عدالته". وأبو حازم هذا كنت ظننت قديمًا أنه سلمان أبو حازم الأشجعي الكوفي، فلما وقفت على الحديث عند ابن حبان، تبين لي أنني كنت واهمًا، وأنه غيره، وليس من رجال الشيخين، بل لم يوثقه غير ابن حبان وابن عبد البر. ولم يوثقه الحافظ بل قال في التقريب: مقبول. يعني عند المتابعة، وإلا فليّن الحديث. ومما سبق تعلم أن قول المنذري في الترغيب (١/ ٢٧٩): رواه أحمد من طرق رواة بعضها ثقات". بعيد عن الصواب، وكذا قول الهيثمي في المجمع: "رواه أحمد ورجاله ثقات في طريقين من أربعة، ورواه أبو يعلى والبزار" (٣) فإنهما يوهمان أن له أكثر من طريق واحد عن أبي هريرة، مع أنه ليس له عند أحمد ولا عند غيره ممن خرَّجنا عنه غير الطريق المذكورة، كما يوهمان أن ثقة رجاله مما يعتد به، مع ما علمت من جهالة

стр. 415

حال عباد بن أبي علي، وأزيد هنا فأقول: لم يوثقه غير ابن حبان، ولذلك لم يعتد الحافظ به فقال فيه: "مقبول" وقد عرفت أنه يعني أنه لين الحديث عند التفرد كما هو الشأن هنا" (١) وعلى هذا فالحديث ضعيف .. ٤ - وثق ابن الجوزي علاج انفعال الغضب (٢) بحديث ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا غضبَ أحدكُم فليسكتُ". أخرج هذا الحديث الإمام أحمد من طريق شعبة عن ليث عن طاووس عن ابن عباس، وفي هذه الرواية تصريح ليث بالسماع من طاووس فقد قال "سمعت طاووسًا" (٣)، وأخرجه أحمد من حديث ابن عباس أيضًا من طريق سفيان عن ليث عن طاووس عن ابن عباس، وذلك في موضعين ليس فيهما تصريح بالسماع (٤) , وكذا أخرجه البزار من طريق ليث من غير تصريح بالسماع (٥)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد في موضعين أحدهما فيه تصريح بالسماع (٦). قال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات لأن ليثًا صرح بالسماع من طاووسٍ" (٧). وهذا فيه نظر لأن ليثًا فيه ضعف بل قد ضعفه الهيثمي نفسه حيث قال عن الحديث نفسه في موضع آخر: "رواه أحمد والبزار وفيه ليث بن أبي سليمٍ وهو ضعيف" (٨).

стр. 416

وقال الألباني: "وهذا سند ضعيف، ليث كان اختلط" (١). وليث قال عنه الحافظ ابن حجر: "صدوق اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه فتُرِك" (٢). وقال أحمد: "مضطرب الحديث ولكن حدَّث عنه الناس" (٣)، وضعّفه الجوزجاني فقال: "يضعَّف حديثه ليس بثبتٍ" (٤) وكذا النسائي قال: "ضعيف" (٥)، وقال يحيى بن معين: "ليس حديثه بذاك، ضعيف" (٦). فالحديث ضعيف لكن ذكر له الألباني شاهدًا بإسنادٍ حسنٍ وقال في آخر كلامه: "فالحديث صحيح إن شاء الله تعالى" (٧)، ومراده صحيح بمجموع الطرق والشواهد. ٥ - وثّق ابن الجوزي رأيه في أهمية التفكر في ظاهرة الموت (٨)، بقول النبي ﷺ : "إنما نفسُ المؤمنِ طائرٌ تعلُقُ في شجرِ الجنةِ حتى يردَّهُ اللهُ إلى جسدهِ يوم يبعثه. . . .".

стр. 417

هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند بلفظ "إنما نسمة المسلم طير. . . ."، من حديث كعب بن مالك (١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح" (٢). وقال الألباني فيه: "إسناده صحيح على شرط الشيخين" (٣). ٦ - وفي التربية الروحية، وثّق ابن الجوزي رأيه في سنن الفطرة (٤) بقوله: "قال مجاهد: أبطأ الملكُ عن رسولِ الله ﷺ ثم أتاهُ فقال: لعلِّي أبطأتُ؟ قال: قد فعلتَ. قال: وماليَ لا أفعلُ وأنتم لا تتسوكونَ ولا تقصونَ أظفاركم ولا تنقُّون براجمَكم" (٥). أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ (٦) بلفظ: "أنه قيل له يا رسول الله لقد أبطأ عنك خبر جبريلُ ﵇ فقال: ولم لا يبطئ عني وأنتم حولي لا تستنّون ولا تقلّمون أظفارَكم ولا تقصون شواربكم ولا تنقّون رواجبَكم" (٧). قال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه أحمد والطبراني وفيه أبو كعب مولى ابن عباس، قال أبو حاتم: "لا يعرف إلا في هذا الحديث. رواه

стр. 418

الطبراني ورجاله ثقات" (١). وقال في هذا الحديث الشيخ أحمد شاكر: "إسناده حسن. أبو كعب مولى ابن عباس: لم أجد فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهو تابعي حاله على الستر، حتى يتبيّن، فلذلك حسَّنَّا الحديث" (٢). التعليق على الأحاديث التي استشهد بها ابن الجوزي في آرائه التربوية: من خلال عرضنا للأحاديث الستة السابقة التي استشهد بها ابن الجوزي من مسند الإمام أحمد بن حنبل، وبعد تخريج الأحاديث والحكم بصحتها، كانت كالآتي: حديثان صحيحان، وحديثان حسنان، وحديثان ضعيفان. د - الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بأحاديث قد تكون صحيحة أو حسنة أو ضعيفة أو موضوعة وهي أحاديث خارج نطاق الكتب السبعة السابقة غالبًا: سأعرض الأحاديث النبوية التي وثّق بها ابن الجوزي آراءه التربوية -وذلك في حدود كتبه التي درستها بل في حدود ما استخرجته من هذه الكتب- ومن المعلوم أن كتبه كثيرة جدًا، بل هناك أحاديث لم أهتدِ إلى أي مرجع لها، ولم تُذكر في أحد الكتب السبعة السابقة وهي ما بين صحيح أو حسنٍ أو ضعيفٍ أو موضوع. ١ - ذكر ابن الجوزي سبعة أمور لعلاج الهوى، منها أن يتفكر فيما يطلبه من اللذات فسيخبره العقل أنه ليس بشيءٍ وإنما عين الهوى عمياء (٣)، ثم استشهد بقوله: "وفي الحديث عن ابن مسعود ﵁ "إذا أعجبت أحدَكم امرأةٌ فليذكر مناتنها". وذكر الحديث نفسه في

стр. 419

موضع آخر بقوله: "إذا أعجبت أحدَكم امرأةٌ فليذكر مثالبَها". وهذا الحديث بحثت عنه، فلم أقف عليه في كتب الحديث رغم المراجعة والتتبع للأمهات والمجاميع الموسوعية من كتب الحديث وغيرها (١). ٢ - ذكر ابن الجوزي رأيه التربوي في علاج انفعال الحزن (٢) وقال: "وجاء في الحديث: بقيةُ عمرِ المؤمنِ لا قيمَة له إن لم يستدركْ فيه ما فاتَ". هذا الحديث بحثت عنه، فلم أقف عليه في كتب الحديث. ٣ - وثّق ابن الجوزي بحديثٍ شريف العلاج التربوي من أجل إعلاء الدافع الجنسي للبالغ وذلك عن طريق الزواج الشرعي، فقال: "فقد جاء في الحديث من بلغَ له ولدٌ أمكنه أن يزوجَه فلم يفعل فأحدثَ الولدُ إثمًا كان الإثمُ بينهما" (٣). هذا الحديث عزاه المتقي الهندي في: منتخب كنز العمال إلى مسند الديلمي من حديث ابن عباس بلفظ (٤)، وذكره الديلمي في كتاب الفردوس بمأثور الخطاب من حديث أبي أمامة (٥). أورده الألباني بلفظ: "من ولدَ له مولودٌ فليحسنْ أدبَه واسمه، فإذا بلغَ فليزوجه، فإن بلغ ولم يزوجه فأصابَ إثمًا باءَ بإثمه". وقال فيه:

стр. 420

ضعيف. رواه ابن بكير الصيرفي في فضائل من اسمه أحمد ومحمد، من حديث ابن عباس وأبي سعيدٍ الخدري مرفوعًا وضعفه لأن في سنده شدادًا بن سعيد الراسبي" (١). وقد ذكره العقيلي فقال عنه: "قال البخاري: ضعفه عبد الصمد ولكنه صدوق في حفظه بعض الشيء، قال العقيلي: وله غير حديث لا يتابع على شيء منها" (٢). وقال الإمام أحمد: "أبو طلحة شداد شيخ ثقة، وعن يحيى بن معين قال: شداد بن سعيد الراسبي ثقة" (٣). وقال الذهبي: "وثقه أحمد وغيره وضعفه من لا يعلم" (٤). وقال ابن حجر: "صدوق يخطئ" (٥). فالحديث يعتبر ضعيفًا. ٤ - وثق ابن الجوزي رأيه في المحافظة على البالغ، إذا لم يتيسر له الزواج، أن يغض بصره (٦)، فقال: قيل: "النظرُ إلى المرأةِ سهمٌ مسمومٌ من سهامِ إبليس من تركه ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ أعطاهُ اللهُ إيمانًا في قلبه يجدُ حلاوتَه". أخرج هذا الحديث "الحاكم في المستدرك، من حديث حذيفة. وقال فيه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" (٧). وتعقبه الذهبي

стр. 421

بقوله: إسحاق واهٍ وعبد الرحمن هو الواسطي ضعفوه" (١). وجاء في التقريب: "هو عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي. ضعيف" (٢). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد من حديث ابن مسعود وقال: "رواه الطبراني وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف. وقد ورد بلفظ: "النظرةُ سهمٌ مسمومٌ من سهامِ إِبليسَ من تركها مخافتي أبدلتُه إيمانًا يجدُ حلاوتُه في قلبه" (٣). ٥ - وثق ابن الجوزي رأيه في تربية الإرادة قبل الوقوع في المعصية بقول الرسول ﷺ : "إن اللهَ يبغضُ الشيخَ الزانيَ" (٤). هذا جزء من حديث طويل أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين وأوله: "ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله. . . ."، وقال فيه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" (٥). ووافقه الإمام الذهبي، فقال فيه: "صحيح على شرطهما" (٦). ٦ - وثّق ابن الجوزي رأيه في الثواب والعقاب بقوله: قال ابن عباس: "عرامةُ الصبي في صغرهِ زيادةٌ في عقلِهِ في كبرهِ" (٧) وقد ذكره المتقي الهندي في منتخب كنز العمال وقال فيه: "الحكيم عن عمرو بن

стр. 422

معديكرب أبو موسى المديني في أماليه عن أنس" (١) وقال فيه السيوطي: "حديث صحيح" (٢). وقد ضعفه الشيخ الألباني (٣). ٧ - بيَّن ابن الجوزي أن وجود الله تعالى يتجلى من خلال مخلوقاته (٤)، ووثّق رأيه بقول الرسول ﷺ : "تفكرُوا في خلقِ الله ولا تتفكروا في اللهِ، فإنكم لن تقدُروا قدرِه". أخرجه "أبو الشيخ في كتاب العظمة، باب الأمر بالتفكر في آيات الله وقدرته وملكه وسلطانه وعظمته ووحدانيته، من حديث ابن عباس ﵄، وفي سنده انقطاع وجهالة فهو ضعيف" (٥). وأخرجه "أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب وهو مرسل ضعيف" (٦). وقد قال فيه الشيخ الألباني بعد عرض تخريجه وتضعيفه من جميع الجوانب: "وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه حسن عندي" (٧). ولم يظهر لي وجه التحسين لأن جميع الطرق ضعفها شديد. ٨ - أكد ابن الجوزي أهمية النية (٨)، لأثرها في زيادة الإيمان،

стр. 423

مستشهدًا بقول الرسول ﷺ : "نيةُ المؤمنِ خير من عملهِ". أخرجه ابن الربيع الشيباني الشافعي الأثري بقوله: "رواه العسكري في الأمثال، والبيهقي في الشعب عن أنس به مرفوعًا، وقال ابن دحية لا يصح، وقال البيهقي إسناده ضعيف" (١) كذلك ضعفه الشيخ الألباني (٢). وسيتم التعليق على هذه الأحاديث عند مناقشة الآراء التربوية الموثقة بأحاديث غير صحيحة. أحاديث العقل: وثّق ابن الجوزي آراءه في التربية العقلية بعددٍ من الأحاديث التي لم ترد في أي من الكتب الستة، لذلك صنَّفتُها مستقلة عن غيرها، لأن ابن الجوزي له رأي فيها، سأوضحه عند مناقشة الآراء التربوية الموثقة بأحاديث غير صحيحة، اجتنابًا للتكرار. وهذه هي الأحاديث وتخريجها! ٩ - "عن ابن عباس قال: لما خلقَ اللهُ العقلَ. قال له أدبرْ فأدبرَ ثم قال له أقبل فأقبلَ. قال وعزتي ما خلقتُ خلقا قطُ أحسنَ منك؛ فبك أعطي وبك آخذُ وبك أعاقبُ" (٣). ذكره ابن الجوزي نفسه في الموضوعات (٤)، وذكره الشيباني الشافعي الأثري، وقال فيه: "قال ابن تيمية واتبعه غيره أنه موضوع كذب باتفاقٍ" (٥). وقال الهيثمي فيه: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه الفضل بن

стр. 424

عيسى الرقاشي، وهو مجمع على ضعفه" (١). ١٠ - "عن ابن عباس أنه دخل على عائشة ﵂، فقال: يا أمَ المؤمنين أرأيتِ الرجلَ يقلُ قيامُه ويكثرُ رقادُه، وآخرُ يكثرُ قيامُه ويقلُ رقادُه. أيهما أحبُ إليك؟ قالت: سألتُ رسولَ الله ﷺ عما سألتني. فقال: أحسنهما عقلًا. فقلت: يا رسولَ الله. إنما أسألُك عن عبادتهِما، فقال: يا عائشةُ إنهما لا يُسألان عن عبادتهِما، إنما يُسألان عن عقولهما. فمن كان أعقلَ كان أفضلَ في الدنيا والآخرة" (٢). ذكره ابن الجوزي في كتابه الموضوعات، "وقال فيه: هذا حديث لا يصح" (٣). وذكره الشوكاني مختصرًا وقال فيه: "رواه الحارث في مسنده، وهو موضوع" (٤). ١١ - قال رسول الله ﷺ : "إن لكل سبيل مطيةً وثيقة ومحجةً واضحةً، وأوثقُ الناسُ مطيةً وأحسنهم دلالةً، ومعرفة بالمحجةِ الواضحة أفضلُهم عقلًا" (٥). أخرج هذا الحديث "داود بن المحبر في كتاب العقل، وقال فيه الكناني: ومن طريقه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، وكلها موضوعة كما قاله الحافظ ابن حجر في المطالب العالية" (٦). ١٢ - "عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجلَ ليكونُ من أهل الصيامِ وأهلِ الصلاةِ وأهلِ الحجِ وأهلِ الجهادِ، فما يُجزى يومَ

стр. 425

القيامةِ إلا بقدرِ عقلهِ" (١). هذا الحديث ذكره ابن الجوزي في كتابه الموضوعات بنحوه، وقال فيه: "هذا حديث ليس بصحيح. قال ابن حبان: منصور يروي المقلوبات لا يجوز الاحتجاج به" (٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه منصور بن صقيرٍ، قال ابن معين: ليس بالقوي، وسقط من الإسناد إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو متروك" (٣). ١٣ - وقوله ﷺ : "لقد سبق إلى جناتِ عدنٍ أقوامٌ، ما كانوا بأكثرَ الناسِ صلاةً ولا صيامًا ولا حجًّا ولا اعتمارًا، ولكنهم عقلوا عن اللهِ مواعظَه، فوجلت منهم قلوبهم، واطمأنت إليه النفوسُ، وخشعت منهم الجوارحُ، ففاقوا الخليقةَ بطيبِ المنزلةِ وحسنِ الدرجةِ عند الناسِ في الدنيا، وعند اللهِ في الآخرةِ" (٤). وهذا الحديث عزاه المتَّقي الهندي إلى "ابن السني وابن شاهين والديلمي عن علي، كما في منتخب كنز العمال" (٥). وذكره الديلمي في كتاب الفردوس بمأثور الخطاب (٦)، وذكره صاحب كتاب تنزيه الشريعة المرفوعة وقال فيه: "أخرجه سليمان بن عيسى السجزي في كتابه في العقل، وهو من وضعه" (٧). ١٤ - "عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: أولُ شيءٍ
следующие страницы →