← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17901

آراء ابن الجوزي التربوية

ليلى عطار

Полный текст (608 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

بقوله: إسحاق واهٍ وعبد الرحمن هو الواسطي ضعفوه" (١). وجاء في التقريب: "هو عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي. ضعيف" (٢). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد من حديث ابن مسعود وقال: "رواه الطبراني وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف. وقد ورد بلفظ: "النظرةُ سهمٌ مسمومٌ من سهامِ إِبليسَ من تركها مخافتي أبدلتُه إيمانًا يجدُ حلاوتُه في قلبه" (٣). ٥ - وثق ابن الجوزي رأيه في تربية الإرادة قبل الوقوع في المعصية بقول الرسول ﷺ : "إن اللهَ يبغضُ الشيخَ الزانيَ" (٤). هذا جزء من حديث طويل أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين وأوله: "ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله. . . ."، وقال فيه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" (٥). ووافقه الإمام الذهبي، فقال فيه: "صحيح على شرطهما" (٦). ٦ - وثّق ابن الجوزي رأيه في الثواب والعقاب بقوله: قال ابن عباس: "عرامةُ الصبي في صغرهِ زيادةٌ في عقلِهِ في كبرهِ" (٧) وقد ذكره المتقي الهندي في منتخب كنز العمال وقال فيه: "الحكيم عن عمرو بن

стр. 422

معديكرب أبو موسى المديني في أماليه عن أنس" (١) وقال فيه السيوطي: "حديث صحيح" (٢). وقد ضعفه الشيخ الألباني (٣). ٧ - بيَّن ابن الجوزي أن وجود الله تعالى يتجلى من خلال مخلوقاته (٤)، ووثّق رأيه بقول الرسول ﷺ : "تفكرُوا في خلقِ الله ولا تتفكروا في اللهِ، فإنكم لن تقدُروا قدرِه". أخرجه "أبو الشيخ في كتاب العظمة، باب الأمر بالتفكر في آيات الله وقدرته وملكه وسلطانه وعظمته ووحدانيته، من حديث ابن عباس ﵄، وفي سنده انقطاع وجهالة فهو ضعيف" (٥). وأخرجه "أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب وهو مرسل ضعيف" (٦). وقد قال فيه الشيخ الألباني بعد عرض تخريجه وتضعيفه من جميع الجوانب: "وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه حسن عندي" (٧). ولم يظهر لي وجه التحسين لأن جميع الطرق ضعفها شديد. ٨ - أكد ابن الجوزي أهمية النية (٨)، لأثرها في زيادة الإيمان،

стр. 423

مستشهدًا بقول الرسول ﷺ : "نيةُ المؤمنِ خير من عملهِ". أخرجه ابن الربيع الشيباني الشافعي الأثري بقوله: "رواه العسكري في الأمثال، والبيهقي في الشعب عن أنس به مرفوعًا، وقال ابن دحية لا يصح، وقال البيهقي إسناده ضعيف" (١) كذلك ضعفه الشيخ الألباني (٢). وسيتم التعليق على هذه الأحاديث عند مناقشة الآراء التربوية الموثقة بأحاديث غير صحيحة. أحاديث العقل: وثّق ابن الجوزي آراءه في التربية العقلية بعددٍ من الأحاديث التي لم ترد في أي من الكتب الستة، لذلك صنَّفتُها مستقلة عن غيرها، لأن ابن الجوزي له رأي فيها، سأوضحه عند مناقشة الآراء التربوية الموثقة بأحاديث غير صحيحة، اجتنابًا للتكرار. وهذه هي الأحاديث وتخريجها! ٩ - "عن ابن عباس قال: لما خلقَ اللهُ العقلَ. قال له أدبرْ فأدبرَ ثم قال له أقبل فأقبلَ. قال وعزتي ما خلقتُ خلقا قطُ أحسنَ منك؛ فبك أعطي وبك آخذُ وبك أعاقبُ" (٣). ذكره ابن الجوزي نفسه في الموضوعات (٤)، وذكره الشيباني الشافعي الأثري، وقال فيه: "قال ابن تيمية واتبعه غيره أنه موضوع كذب باتفاقٍ" (٥). وقال الهيثمي فيه: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه الفضل بن

стр. 424

عيسى الرقاشي، وهو مجمع على ضعفه" (١). ١٠ - "عن ابن عباس أنه دخل على عائشة ﵂، فقال: يا أمَ المؤمنين أرأيتِ الرجلَ يقلُ قيامُه ويكثرُ رقادُه، وآخرُ يكثرُ قيامُه ويقلُ رقادُه. أيهما أحبُ إليك؟ قالت: سألتُ رسولَ الله ﷺ عما سألتني. فقال: أحسنهما عقلًا. فقلت: يا رسولَ الله. إنما أسألُك عن عبادتهِما، فقال: يا عائشةُ إنهما لا يُسألان عن عبادتهِما، إنما يُسألان عن عقولهما. فمن كان أعقلَ كان أفضلَ في الدنيا والآخرة" (٢). ذكره ابن الجوزي في كتابه الموضوعات، "وقال فيه: هذا حديث لا يصح" (٣). وذكره الشوكاني مختصرًا وقال فيه: "رواه الحارث في مسنده، وهو موضوع" (٤). ١١ - قال رسول الله ﷺ : "إن لكل سبيل مطيةً وثيقة ومحجةً واضحةً، وأوثقُ الناسُ مطيةً وأحسنهم دلالةً، ومعرفة بالمحجةِ الواضحة أفضلُهم عقلًا" (٥). أخرج هذا الحديث "داود بن المحبر في كتاب العقل، وقال فيه الكناني: ومن طريقه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، وكلها موضوعة كما قاله الحافظ ابن حجر في المطالب العالية" (٦). ١٢ - "عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجلَ ليكونُ من أهل الصيامِ وأهلِ الصلاةِ وأهلِ الحجِ وأهلِ الجهادِ، فما يُجزى يومَ

стр. 425

القيامةِ إلا بقدرِ عقلهِ" (١). هذا الحديث ذكره ابن الجوزي في كتابه الموضوعات بنحوه، وقال فيه: "هذا حديث ليس بصحيح. قال ابن حبان: منصور يروي المقلوبات لا يجوز الاحتجاج به" (٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه منصور بن صقيرٍ، قال ابن معين: ليس بالقوي، وسقط من الإسناد إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو متروك" (٣). ١٣ - وقوله ﷺ : "لقد سبق إلى جناتِ عدنٍ أقوامٌ، ما كانوا بأكثرَ الناسِ صلاةً ولا صيامًا ولا حجًّا ولا اعتمارًا، ولكنهم عقلوا عن اللهِ مواعظَه، فوجلت منهم قلوبهم، واطمأنت إليه النفوسُ، وخشعت منهم الجوارحُ، ففاقوا الخليقةَ بطيبِ المنزلةِ وحسنِ الدرجةِ عند الناسِ في الدنيا، وعند اللهِ في الآخرةِ" (٤). وهذا الحديث عزاه المتَّقي الهندي إلى "ابن السني وابن شاهين والديلمي عن علي، كما في منتخب كنز العمال" (٥). وذكره الديلمي في كتاب الفردوس بمأثور الخطاب (٦)، وذكره صاحب كتاب تنزيه الشريعة المرفوعة وقال فيه: "أخرجه سليمان بن عيسى السجزي في كتابه في العقل، وهو من وضعه" (٧). ١٤ - "عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: أولُ شيءٍ

стр. 426

خلقَه اللهُ القلمُ، ثم خلقَ النونَ، وهي الدواةُ، ثم قال: اكتب. قال: وما أكتبُ. قال: اكتب ما يكونُ وما هو كائن إلى يوم القيامة. ثم خلقَ العقلَ. فقال: وعزتي لأكملنَّك فيمن أحببتُ ولأنقصنَّك ممن أبغضتُ" (١). وذكره الشوكاني وقال فيه: "قال ابن عدي: باطل منكر، آفته محمد بن وهب الدمشقي. وقال الذهبي في كتابه ميزان الميزان: صدق ابن عدي في أن هذا الحديث باطل. وقد أخرجه الدارقطني في الغرائب من طريقه" (٢). التعليق على الأحاديث التي استشهد بها ابن الجوزي في آرائه التربوية: يتضح لنا من تخريج الأحاديث الواردة في الفقرة (د)، وعددها أربعة عشر حديثًا، بعد معرفة درجة صحتها أو ضعفها، أنها كالآتي: حديث واحد صحيح وخمسة أحاديث ضعيفة بالإضافة إلى ستة أحاديث موضوعة، وحديث وأثر بحثت عنهما فلم أقف على تخريجهما. هـ - التقويم العام لجميع الأحاديث النبوية التي استشهد بها ابن الجوزي في حدود دراستنا وفي حدود الكتب التي رجعتُ إليها: حتى يكون التقويم مستندًا إلى حقائق علمية صحيحة، سأعطي تعريفًا مفيدًا موجزًا عن أقسام الحديث وحكم العمل بكل منها، في ضوء هذه التعاريف سيتم التقويم. أقسام الحديث: القسم الأول: الحديث الصحيح: هو: "الحديث المسند الذي يتصل

стр. 427

إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذًّا ولا معلّلًا" (١). وعرّفه الحافظ ابن كثير بقوله: هو "الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذًا ولا معلّلًا" (٢). أما تعريفه عند الإمام السيوطى فهو: "ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة" (٣). وشروط هذا القسم تنطبق على صحيحي البخاري ومسلم. القسم الثاني: الحديث الحسن: وتعريفه: "هو ما اتصل سنده بنقل عدل خفيف الضبط، وسلم من الشذوذ والعلة" (٤). هو مستفاد من كلام ابن حجر الذي قال فيه: "فإن خف الضبط، فالحسن لذاته، وبكثرة طرقه يُصحَّحُ" (٥). وقال فيه ابن كثير: "هو في الاحتجاج به كالصحيح عند الجمهور" (٦). وقد وضح د. صبحي الصالح الفرق بين الحديث الصحيح والحسن بقوله: "العدل في الحسن خفيف الضبط، بينما هو في الصحيح تام الضبط. وكلا التقسيمين سالم من الشذوذ والعلة. وكِلاهما يُحتج به

стр. 428

ويُستشهد بمضمونه" (١). وشروط هذا الحديث تنطبق على كتب السنن الأربعة ومسند الإمام أحمد بن حنبل في الغالب لأن فيها الصحيح والحسن وبعض الضعيف. القسم الثالث: الحديث الضعيف: وتعريفه: هو "ما لم يجمع صفة الصحيح أو الحسن" (٢). أو بمعنى آخر "ما فقد شرطًا من شروط الحديث المقبول" (٣)، وشروط الحديث المقبول ستة هي: "العدالة، الضبط (ولو لم يكن تامًّا)، الاتصال، فقد الشذوذ، فقد العلة القادحة، العاضد عند الاحتياج إليه" (٤). ويتفرع من الحديث الضعيف أنواع متعددة، سنكتفي بذكر ما توصلنا إليه أثناء تخريج الأحاديث التي استشهد بها ابن الجوزي، وهي أربعة أنواع: المرسل والمنقطع والمتروك والمنكر، وتعريفها كالآتي: الحديث المرسل هو: "ما سقط من آخر إسناده من بعد التابعي" (٥) و"المرسل في الأصل ضعيف مردود لفقده شرطًا من شروط القبول وهو اتصال السند، وللجهل بحال الراوي المحذوف لاحتمال أن يكون المحذوف غير صحابي" (٦). الحديث المنقطع: هو: "الحديث الذي سقط من إسناده رجل، أو ذكر فيه رجل مبهم" (٧). والحديث المنقطع ضعيف "للجهل بحال الراوي المحذوف" (٨).

стр. 429

الحديث المتروك: "هو الحديث الذي رواه واحد متهم بالكذب في الحديث، أو ظاهر الفسق بفعلٍ أو قولٍ، أو كثير الغفلة، أو كثير الوهم" (١). والحديث المنكر: هو "الحديث الذي يرويه الضعيف مخالفًا لرواية الثقة. وهو يباين الشاذ، إذ إن راوي الشاذ ثقة، بينما راوي المنكر ضعيف غير ثقةٍ" (٢). والمقصود بالشاذ هو "ما رواه الثقة مخالفًا الثقات .. وقد عرفه الإمام الشافعي بقوله: ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي حديثًا يخالف ما روى الناس" (٣). حكم رواية الحديث الضعيف والعمل به: حكم الحديث الضعيف روايةً وعملًا، كان مثار اختلافٍ كبير بين العلماء، "وقد أجاز بعضهم رواية الضعيف من غير بيان ضعفه بشروط: أولًا: أن يكون الحديث في القصص، أو في المواعظ، أو في فضائل الأعمال، ونحو ذلك مما لا يتعلق بصفات الله تعالى وما يجوز له ويستحيل عليه سبحانه، ولا بتفسير القرآن، ولا بالأحكام كالحلال والحرام وغيرهما. ثانيًا: أن يكون الضعف فيه غير شديد، فيخرَّج. من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب، والذين فحش غلطهم في الرواية. ثالثًا: أن يندرج تحت أصلٍ معمولٍ به. رابعأ: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط (٤). وقد علق المؤلف الشيخ أحمد شاكر على هذه الشروط بقوله: "والذي أراه أن بيان الضعف في الحديث الضعيف واجب في كل حال،

стр. 430

لأن ترك البيان يوهم المطلع عليه أنه حديث صحيح، خصوصًا إذا كان الناقل له من علماء الحديث الذين يرجع إلى قولهم في ذلك، وأنه لا فرق بين الأحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة، بل لا حجة لأحد إلا بما صح عن رسول الله ﷺ ، من حديث صحيح أو حسن. وأما ما قاله أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك: "إذا روينا في الحلال والحرام شدَّدنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا "فإنما يريدون به -فيما أرجح، والله أعلم- أن التساهل إنما هو في الأخذ بالحديث الحسن الذي لم يصل إلى درجة الصحة، فإن الاصطلاح في التفرقة بين الصحيح والحسن لم يكن في عصرهم مستقرًا واضحًا، بل كان أكثر المتقدمين لا يصف الحديث إلا بالصحة أو الضعف فقط" (١). وبناء على ما تقدم من حكم رواية الحديث الضعيف والعمل به، فيكون حكمي على الرأي التربوي لابن الجوزي صحيحًا إذا كان هناك ما يدعمه من حديث صحيح استشهد به مع بقية الأحاديث الضعيفة التي وثق بها رأيه، ويكون ضعيفًا إذا وثق بحديث ضعيف وكان الرأي مخالفًا للمنهج التربوي الإسلامي. أما إذا كان الحديث ضعيفًا والرأي التربوي صحيحا فيكون هذا الرأي صحيحًا. وأُفصِّل القول عند عرض الآراء التربوية التي استشهد بها بأحاديث ضعيفة ثم أعلق عليها. القسم الرابع: وهو الحديث الموضوع: الذي يختلقه الكذابون وينسبونه إلى الرسول ﷺ . وتعريفه: "هو المختلق المصنوع، وهو شرّ الضعيف وتحرم روايته مع العلم به في أي معنى كان إلا مُبَيَّنًا" (٢). وهناك أقسام أخرى لا داعي لذكرها حتى لا يطول البحث في بيان أقسامه التي لم ترد أثناء تخريج الأحاديث التي استشهد بها ابن الجوزي.

стр. 431

بعد هذه النبذة التعريفية بأقسام الحديث، وعرض الأحاديث النبوية التي استشهد بها ابن الجوزي في آرائه التربوية، ثم تخريجها ومعرفة درجة صحتها أو ضعفها، وجدت أن مجموع هذه الأحاديث ستون حديثًا (٦٠). وقبل إعطاء النتيجة النهائية لهذه الأحاديث، أقوم الآن بمناقشة الآراء التربوية التي ثبت من خلال تخريج الأحاديث التي استشهدت بها أحاديث ضعيفة أو موضوعة أو لم أجدها في كتب التخريج، حتى أحدد إمكانية اعتبارها من الآراء التربوية الموافقة للفكر التربوي الإسلامي أم لا يمكن بسبب ضعف الحديث ومخالفة الرأي التربوي للشريعة الإسلامية وقواعدها الأصولية والفقهية، أما الآراء التربوية الموثقة بأحاديث صحيحة فلا تحتاج إلى مناقشة لأنها صحيحة وموافقة للفكر التربوي الإسلامي. و- مناقشة الآراء التربوية الموثقة بأحاديث غير صحيحة: ١ - وثق ابن الجوزي علاج دافع الحسد بأحاديث نبوية منها قوله ﷺ : "دب إليكم داءُ الأمم قبلكم الحسدُ والبغضاءُ، والبغضاءُ هي الحالقةُ، حالقةُ الدين لا حالقةُ الشعرِ، والذي نفسُ محمدٍ بيدهِ لا تؤمنوا حتى تحابُوا، أفلا أَنبئكم بشيءٍ إذا فعلتموه تحابيتُم: أفشُوا السلامَ بينكم" (١). وقد ثبت أن هذا الحديث ضعيف. فهل يعني هذا أن علاج ابن الجوزي للحسد حسب استشهاده بهذا الحديث مرفوض وغير صحيح؟ إن استشهاد ابن الجوزي بهذا الحديث الضعيف، لا يقلل من صحة رأيه التربوي في علاج الحسد لأنه وثق كلامه بحديث صحيح رواه الشيخان وهو قول الرسول ﷺ : "لا حسدَ (المقصود به هنا الغبطة) إلا في اثنتين: رجل آتاهُ اللهُ القرآنَ فهو يقومُ به آناءَ الليلِ والنهارِ، ورجل آتاهُ اللهُ مالًا فهو ينفقُه في الحقِ آناءَ الليلِ والنهارِ". وعلى ذلك فإننا نستبعد الحديث الضعيف ونستشهد بالحديث الصحيح، والرأي التربوي يعدّ صحيحًا ولا غبار عليه.

стр. 432

٢ - بيَّن ابن الجوزي رأيه التربوي في علاج دافع حب المال، ببيان كيفية الإنفاق الصحيح، فقال: "ينبغي أن تكون النفقة أقل من الكسب، ليقتني من الفضل ما يكون معدًّا لحادثة لا تؤمن، وهذا ما يأمر به العقل الناظر في العواقب، ولا يبالي به الهوى الناظر إلى الحالة الحاضرة. وعن أبي الدرداء مرفوعًا: من فقهِ الرجلِ بعدُ النظرِ في معيشتهِ" (١). على الرغم من أن الحديث الذي استشهد به ابن الجوزي ضعيف، إلا أن رأيه التربوي في كيفية الكسب والإنفاق لا يتعارض مع المفهوم الإسلامي، وقد سبق أن فصلناه في الباب الثالث، الفصل الأول ص ١٣٧ وما بعدها من هذا الكتاب، وعلى ذلك فإننا نعد رأيه صحيحًا. ٣ - أورد ابن الجوزي رأيه في كيفية معاملة الطفل العنيد وضرورة اللطف واللين معه، وقد وثقه بقول ابن عباس "عرامةُ الصبي في صغرهِ زيادة في عقلهِ في كبرهِ" وقد ثبت أن هذا الحديث ضعيف. رَغم أن رأيه التربوي صحيح ولا غبار عليه، لذلك فإننا نستبعد الحديث الضعيف ونقبل بالرأي التربوي. ٤ - وضع ابن الجوزي للبالغ خطوات عدة للإعلاء من الحاجة الجنسية، منها غض البصر، وقد وثقه بقوله قيل: "النظرُ إلى المرأةِ سهمٌ مسمومٌ من سهامِ إبليسَ، من تركَه ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ أعطاهُ اللهُ إيمانًا في قلبهِ يجدُ حلاوتَه" (٢). وثق ابن الجوزي هذا الرأي أيضًا بقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٣). وعلى ذلك فإننا سنعتبر الرأي التربوي صحيحًا رغم استشهاده بحديث ضعيف. ٥ - وثق ابن الجوزي رأيه التربوي في أن وجود الله تعالى يتأكد من خلال مخلوقاته، بقول الرسول ﷺ : "تفكروا في خلقِ اللهِ ولا

стр. 433

تتفكرُوا في اللهِ، فإنكم لن تقدروا قدره" (١). على الرغم من أن الحديث ضعيف، إلا أن رأي ابن الجوزي لا يخالف الحقيقة القرآنية التي أكدت ما ذهب إليه، ويمكن الرجوع إلى تفصيل ذلك في الباب الرابع (ص ٣٣١ وما بعدها). وعلى هذا فإن رأيه يعد صحيحًا. ٦ - على الرغم من استشهاد ابن الجوزي في أهمية النية بقول الرسول ﷺ : "نية المؤمن خير من عمله" (٢) وهو حديث ضعيف، إلا أن رأيه التربوي في أثرها في حث الإنسان للاستزادة من الأعمال الصالحة، لا يخالف المنهج التربوي الإسلامي ولكن لابد من اقتران النية بالعمل، وعلى ذلك فإن رأيه يعد صحيحًا. ٧ - وثق ابن الجوزي التربوية العقلية ببعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة، على الرغم من معرفته بذلك، وذكر هذه الأحاديث في كتابه الموضوعات، وقد يكون لابن الجوزي العذر في ذكر هذه الأحاديث، أنه أراد بيانها وإيضاحها للقارئ حتى يكون على بينةٍ من هذه الأحاديث، فيحذر من الاستشهاد بها، بالإضافة إلى أن ابن الجوزي نفى صحة الأحاديث المتعلقة بالعقل، وذكر أنها جميعها غير صحيحة بقوله: "المنقول عن رسول الله ﷺ في فضل العقل كثير، إلا أنه بعيد الثبوت" (٣). وقول ابن الجوزي فيه نوع من المبالغة، لأن هناك أحاديث صحيحة وردت عن الرسول ﷺ في العقل، أثبتت الباحثة بعضًا منها في الباب الرابع، الفصل الثاني (ص ٢٨٠ وما بعدها). وعلى ذلك فإننا سنكتفي بالأحاديث الصحيحة التي استشهدت بها الباحثة، ونستبعد الأحاديث التي ذكرها ابن الجوزي بسبب ضعفها أو وضعها. كما إن الأحاديث التي بحثت عنها، فلم أقف على تخريج لها، هي استشهاده في علاج الهوى، بقول ابن

стр. 434

مسعود ﵁: "إذا أعجبت أحدكم امرأة فليذكر مناتنها (مثالبها) " (١). ورأيه التربوي لا يخالف المنطق والعقل السديد. لذلك فإن رأيه يعد صحيحًا. وبعد فإنه يتضح لنا بعد تخريج الأحاديث ومعرفة درجة صحتها أو ضعفها، أنها موزعة على الوجه الآتي: ١ - الأحاديث الصحيحة من الصحيحين أو أحدهما عددها (٣٠) حديثًا صحيحًا. ٢ - الأحاديث المخرجة من كتب السنن الأربعة، عددها (١٠) أحاديث منها: ٧ أحاديث صحيحة. حديثان حسنان. ١ حديث ضعيف. ٣ - الأحاديث المخرجة من مسند الإمام أحمد بن حنبل عددها (٦) أحاديث منها: حديثان صحيحان. حديثان حسنان. حديثان ضعيفان. ٤ - الأحاديث المخرجة من غير الكتب السبعة السابقة عددها (١٤) حديثًا منها: ١ حديث صحيح. ٥ أحاديث ضعيفة. ٦ أحاديث موضوعة. "أحاديث العقل". ١ حديث لم أقف له على تخريج.

стр. 435

١ أثر من كلام عبد الله بن مسعود لم أقف له على تخريج. وبذلك يصبح مجموع الأحاديث التي استشهد بها ابن الجوزي في توثيق آرائه التربوية (٦٠) حديثًا. وتوزيعها حسب صحة الحديث أو ضعفه كالآتي: ٤٠ حديثًا صحيحًا. ٤ أحاديث حسنة. ٨ أحاديث ضعيفة. ٦ أحاديث موضوعة. ٢ حديث لم أقف على تخريجهما. المجموع= ٦٠ حديث. وهكذا نجد أن نسبة الأحاديث الضعيفة والموضوعة إلى الأحاديث الصحيحة نسبة ضئيلة، على الرغم من ذلك قد يتساءل المرء كيف يغفل الحافظ (١) ابن الجوزي وهو مؤلف كتاب الموضوعات وكتاب العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، وكتاب الضعفاء والمتروكين أن يوثق كتاباته بأحاديث صحيحة، فيستشهد بأحاديث ضعيفة أو موضوعة وهو القائل: "إن الحديث المنكر يقشعر له جلد طالب العلم -منه- وقلبه في الغالب" (٢)، وغير ذلك من أقواله التي تحث على الحذر من هذه الأحاديث؟ والباحثة قد تجد لابن الجوزي بعض المسوغات التي أسقطته في هذا السهو وهي: ١ - كون ابن الجوزي عالمًا جليلًا، له دراية كافية في علم الحديث لا ينفي عنه صفة البشرية، التي من شأنها القصور والغفلة والنسيان.

стр. 436

٢ - ابن الجوزي من العلماء الذين لا يراجعون ما كتبوه، بسبب كثرة مؤلفاته، وقال في ذلك الإمام الذهبي "وكان كثير الغلط فيما يصنفه فإنه كان يفرغ من الكتاب ولا يعتبره" (١)، فلو راجع ابن الجوزي ما كتبه، لاستدرك ما كتبه من أحاديث ضعيفة وموضوعة وتجنب الاستشهاد بها. ٣ - من الملاحظ أنه على الرغم من استشهاده بأحاديث ضعيفة أو موضوعة، إلا أن رأيه التربوي لا يخالف المنهج التربوي الإسلامي، وهذا يدل على ثقافته الإسلامية الصحيحة، واستشهاده بهذه الأحاديث قد حصل منه سهوًا، وبسبب عدم مراجعته لما كتب. وعلى الرغم من ذلك، فإننا لا ننسى فضل علمائنا الأجلاء -ومنهم ابن الجوزي- في المحافظة على الدين الإسلامي من دس المغرضين، وعرضه بطريقة صحيحة تخدم الغاية من التشريع الإلهي العظيم، ونلتمس لهم العذر فيما غفلوا عنه، وعن تصويبه وبيان الحق فيه، دون التقليل من شأنهم، أو التشهير بهم. ٢ - الآراء التربوية الموثقة بأفعال الرسول ﷺ : سأقوم بعرض أقوال ابن الجوزي التي أيدها بأفعاله ﷺ ثم مناقشتها في ضوء علم الحديث: ١ - قال ابن الجوزي: "فالعاقل من نظر في مقدار إقامته، وتلمّح بيت نقلته، فحينئذ يقنع من الثياب بما يواريه، ومن البنيان بما يؤويه، وفي الحديث أن نوحا ﵇ لبث في بيت شعر ألف سنةٍ إلا خمسين عامًا، وأن رسول الله ﷺ ما وضع لبنةٍ على لبنةٍ، وكان في ثوبٍ عمَر اثنتا عشر رقعة" (٢). استشهاد ابن الجوزي بفعل الرسول ﷺ ، وأنه ما وضع لبنةً على لبنةٍ، مخالف لما ورد من بنائه ﷺ مسجده في المدينة المنورة باللبِن، وكان

стр. 437

الرسول ﷺ يبني مع أصحابه" وينقل اللبِنَ والحجارَة بنفسِه ويقول: اللهم إن العيشَ عيشُ الآخرة ... فاغفرْ للأنصارِ والمهاجرة . . . وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، وباب يقال له: باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه رسول الله ﷺ . وجعل عمده الجذوع، وسقفه الجريد، وقيل له: ألا تسقفه؟ قال: "عريش كعريش موسى" وبنى بيوت نسائه إلى جانبيه، بيوت الحجر باللَّبِن، وسقفها بالجذوع والجريد" (١). ٢ - قال ابن الجوزي في التربية الجسمية: "وقد كان النبي ﷺ يأكلُ ما وجد، فإن وجد اللحم أكله، ويأكلُ لحمَ الدجاج, وأحبُ الأشياءِ إليه الحلوى والعسلُ، وما نُقل عنه أنه امتنع من مباحٍ" (٢). ومجمل رأي ابن الجوزي لا يخرج عن سنته ﷺ ، فقد ورد في صحيح مسلم، أنه قال لثوبان مولى رسول الله ﷺ في حجة الوداع: أصلح هذا اللحمَ، قال فأصلحتُه. فلم يزل يأكلُ منه حتى بلغ المدينة" (٣). وعن أكله للحلوى والعسل قول عائشة ﵂: "كان رسولُ الله ﷺ يحبُ الحلوى والعسل" (٤). أما قوله: ما نقل عنه أنه امتنع عن مباح إلا إذا كرهته نفسه فقد ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: "ما عابَ النبي ﷺ طعامًا قط، إن اشتهاهُ أكله، وإن كرهه تركه" (٥).

стр. 438

٣ - وثق ابن الجوزي أهمية الاعتدال عند تقوية الجسم بالطعام المناسب بفعل الرسول ﷺ وأصحابه الكرام فقال: "إنما كان الرسول ﷺ وأصحابه إذا لم يجدوا جاعُوا، وربما آثرُوا فصبروا ضرورة" (١). وقد اشتقَّ هذا الفعل من الأحاديث ومنها حديث أبي هريرة ﵁. قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ ذاتَ يوم أو ليلةٍ. فإذا هو بأبي بكرٍ وعمر. فقال: "ما أخرجكما من بيوتِكما هذه الساعة؟ " قالا: الجوعُ. يا رسول الله! قال: وأنا والذي نفسي بيده! لأخرجني الذي أخرجكما. قوموا". فقاموا معه. فأتى رجلًا من الأنصار. فإذا هو ليس في بيتهِ. فلما رأته المرأةُ قالت: مرحبًا! وأهلًا! فقال لها رسولُ الله ﷺ : أين فلانُ؟ قالت: ذهب يستعذبُ لنا من الماءِ. إذ جاءَ الأنصاريُ فنظر إلى رسولِ الله ﷺ وصاحبيه. ثم قال: الحمدُ لله. ما أحدٌ اليوم أكرمُ أضيافًا مني. قال فانطلقَ فجاءهم بعذقٍ فيه بسرٌ وتمرٌ ورطبٌ. فقال: كلوا من هذه. وأخذ المدية. فقال له رسول الله ﷺ : إياك! والحلوبَ"، فذبح لهم. فأكلوا من الشاةِ. ومن ذلك العذقِ. وشربوا. فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمرَ: والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامةِ. أخرجكَم من بيوتكم الجوع. ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم" (٢). ٤ - وفي الوسائل المعينة على الصبر ذكر الاستعانة بأحوال الرسول ﷺ ، فوثق ابن الجوزي (٣) ذلك بقوله: "أما الحال: فإنه ﷺ كان يتقلَّب على رمالِ حصير تؤثر في جنبه، فبكى عمرُ ﵁. وقال كسرى وقيصرُ في الحرَيرِ والديباج، فقال له ﷺ : أفي شكٍ أنت يا عمرُ؟ ألا ترضى أن تكون لنا الآخرةُ وَلهم الدنيا؟ " (٤).

стр. 439

٥ - وقد استند ابن الجوزي في قوله: "فطريق المصطفى ﷺ العلم والعمل" (١) وقوله: "ومن تأمل حال الرسول ﷺ رأى كاملًا من الخلق يعطي كل ذي حقٍ حقه" (٢). وقوله: "وقد كان النبي ﷺ يعرفُ مجيئُه بريح الطيبِ، فكان الغاية في النظافة والنزاهةِ" (٣)، على شمائله وسيرته العطرة وسنته بأفعالها وتقريراتها وصفاتها، ولتوضيح هذه السيرة نحتاج إلى عرضٍ مفصّلٍ. ٣ - الآراء التربوية المستقاة من أحاديث الرسول ﷺ : استقى ابن الجوزي بعض آرائه التربوية من معاني وألفاظ أحاديث الرسول ﷺ ، وسأورد في هذه الفقرة نماذج من هذه الآراء: ١ - قال ابن الجوزي في لباس الأطفال: "وليلبسه الثياب البيض، فإن طلب الملون قال له: تلك ملابس النساء والمخانيث" (٤). وقد اشتق ابن الجوزي هذا المبدأ من الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود في سننه، "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها خيرُ ثيابِكم، وكفنوا فيها موتاكم، وإن خيرَ أكحالِكم الإثمدُ: يجلو البصرَ، وبنبتُ الشعرَ" (٥). وهذا الرأي لابن الجوزي يحتاج إلى وقفة تفيد إلى أي مدى يمكن تطبيق ذلك؟ فمن الملاحظ أن هناك اختلافا واضحا في الظروف المناخية من حرارةٍ وبرودةٍ من دولة لأخرى، وفي المظاهر التضاريسية من جبالٍ ومزارع ووديانٍ، وهذه الظروف لا يناسبها دائما لبس اللون الأبيض، الذي ينصح به ابن الجوزي، لذلك لا يمكن تطبيق رأيه رغم صحته إلا في الأحوال التي يناسبها اللون الأبيض وعلى أي حال هو على سبيل الندب وليس واجبًا.

стр. 440

٢ - وقال ابن الجوزي في خلق الملائكة والشياطين: "خلقت الملائكة من نورٍ لا ظلمة فيه، وخلقت الشياطين من ظلمةٍ لا نور فيها، وركب البشر من الضدَّين" (١). وربما أخذ معنى هذا القول من قول الرسول ﷺ : "خُلقتِ الملائكةُ من نور. وخُلقَ الجانُ من مارج من نار. وخُلِقَ آدمُ مما وُصِفَ لكم" (٢). ٣ - وفي علاج حب الدنيا وما إليه في قلب الإنسان، استخدم ابن الجوزي أسلوب الترهيب من عقاب الله تعالى فقال: "إن الحساب على كسب الحلال عسير. والتبذير ممنوع، وأن الله تعالى لا ينظر إلى من جر ثوبه خيلاء، وأن كل شيء يؤجر المؤمن عليه إلا البناءَ" (٣). والتحذير من المباهاة والكبر استقاه من قول الرسول ﷺ : "لا ينظرُ اللهُ إلى من جر ثوبه خيلاء" (٤). أما قوله: "كلُ شيء يؤجرُ المؤمن عليه إلا البناءَ"، فقد استقاه من قول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح: "يؤجرُ الرجلُ في نفقته كلها إلا في التراب" (٥)، وقد علق على موضوع البناء الإمام ابن حجر في شرح صحيح البخاري بقوله: "وفي ذم البناء مطلقًا حديث خبّاب رفعه قال: يؤجر الرجل في نفقته كلها إلا في التراب" أو قال "البناء"، أخرجه الترمذي وصححه وأخرج له شاهدا عن أنس بلفظ "إلا البناء فلا خير فيه" والطبراني من حديث جابر رفعه: "إذا أراد اللهُ بعبدٍ شرًّا خضَّرَ له

стр. 441

في اللبنِ والطينِ حتى يبنيَ" ومعنى خضر: بمعجمتين حسَّن وزنًا ومعنى. وله شاهد في الأوسط من حديث أبي بشر الأنصاري بلفظ "إذا أراد اللهُ بعبد سوءًا أنفقَ مالَه في البنيانِ" وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: مرَّ بي النبيُ ﷺ وأنا أطين حائطًا فقال: الأمرُ أعجلُ من ذلك، وصححه الترمذي وابن حبان. وهذا كله محمول على ما لا تمسُّ الحاجةُ إليه مما لابد منه للتوطن وما يقي البرد والحر، وقد أخرجه أبو داود أيضًا من حديث أنس رفعه"، أما إن كل بناءٍ وبالٌ على صاحبه إلا ما لا، "أي إلا ما لابدَّ منه" (١). ومن هذا التوضيح نجد أن ابن الجوزي قصد بتحذيره من البناء ما زاد على حاجة الإنسان، ولا يدخل في هذا بناء المساجد أو المدارس أو المستشفيات أو كل بناء قصد به النفع العام للناس، لأن الفرد يؤجر عليه. ٤ - وفي علاج الغضب قال ابن الجوزي: "فإن كان ناطقًا سكت، وإن كان قائمًا قعد، وإن كان قاعدًا اضطجع، ليسكِّن تلك الفورة" (٢). وقد اشتق هذه الأنواع من العلاج من قول الرسول ﷺ : "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع" (٣). ونحوه. ٥ - بيَّن ابن الجوزي أثر الفطرة على الطفل فقال: "الأصل في الأمزجة الصحة، والعلل طارئة، وكل مولود يولد على الفطرة" (٤). وقد اشتق هذا المعنى من قول الرسول ﷺ : "ما من مولودٍ إلا يولدُ على الفطرةِ. فأبواه يهودانهِ وينصّرانهِ ويمجِّسانهِ، كما تُنْتَجُ البهيمةُ

стр. 442

بهيمةً جمعاءَ. هل تحسون فيها من جدعاءَ" (١). وبعد عرض الآراء التربوية التي استند فيها ابن الجوزي إلى السنة النبوية الشريفة بأقوالها وأفعالها، وصلت إلى أنه اعتمد عليها اعتمادًا كبيرًا، وبنى آراءه عليها باعتبارها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وهذا يدل على أهمية السنة النبوية في إغناء الفكر التربوي الإسلامي، وتبرز قدرة ابن الجوزي على توظيف ثقافته الحديثية في بلورة آرائه التربوية موشحة بألفاظ الحديث تارة، أو باقتباس المعنى تارةً أُخرى، أو باستقائها عامة من روح السنة النبوية المطهرة بأفعالها وتقريراتها. وقد عرض كل ذلك في أسلوبٍ واضحٍ ميسَّر. ثالثًا: الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بالقواعد الفقهية قبل عرض الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بالقواعد الفقهية، لابد من معرفة ما المقصود بهذه القواعد؟ ولماذا اعتبرناها أداةً من أدوات تقويم آراء ابن الجوزي التربوية، وأهميتها في الفكر التربوي. ونبدأ كلامنا بتعريف علم أصول الفقه في الاصطلاح الشرعي: "هو العلم بالقواعد والبحوث التي يتوصل بها إلى استفادة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. أو هي مجموعة القواعد والبحوث التي يتوصل بها إلى استفادة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية" (٢). والمقصود بأدلتها التفصيلية الأدلة الشرعية المعروفة: القرآن، السنة، الإجماع، القياس، الاستحسان، المصلحة المرسلة، العرف، الاستصحاب، شرع من قبلنا، مذهب الصحابي. والأصولي: "لا يبحث في الأدلة الجزئية، ولا فيما تدل عليه من الأحكام الجزئية، وإنما يبحث في الدليل الكلي وما يدل عليه من حكم كليِّ ليضع قواعد كليةً لدلالة الأدلة كي يطبقها الفقيه على جزئيات الأدلة

стр. 443

لاستثمار الحكم التفصيلي منها" (١). وهناك الكثير من القواعد الفقهية التي أصَّلها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، سأذكر بعضًا منها موثِّقة كل قاعدة بآية قرآنية واحدة، أو حديث نبوي واحد اجتنابًا للإطالة. القاعدة الأولى: "لا ثواب إلا بالنية". القاعدة الثانية: "الأمور بمقاصدها" (٢). الأصل فيهما قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنية. وانما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرتُه إلى اللهِ ورسولهِ فهجرتُه إلى اللهِ ورسولهِ. ومن كانت هجرتُه لدنيا يصيبُها أو امرأة يتزوجُها، فهجرتُه إلى ما هاجر إليه" (٣). القاعدة الثالثة: "اليقين لا يزول بالشك" (٤) ودليلها ما رواه الإمام البخاري عن عباد بن تميم عن عمه أنه شكا إلى رسولِ الله ﷺ : الرجل الذي يخيلُ إليه أنه يجدُ الشيءَ في الصلاةِ، فقال: لا ينفتل -أو لا ينصرفُ- حتى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا (٥). وهذا الحديث رواه مسلم (٦). القاعدة الرابعة: "المشقة تجلب التيسير" (٧). والأصل فيها قوله

стр. 444

تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢). القاعدة الخامسة: "الضرر يزال". أصلها قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" أخرجه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلًا. وأخرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي والدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري، وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت ﵃" (٣). القاعدة السادسة: "العادة مُحكَّمة" (٤) وقد استندت هذه القاعدة إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٥). وقوله : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٦) والمقصود بالمعروف: العرف والعادة، وقد عرفها الإمام القرطبي بقوله: "العرف والمعروف والعارفة: كل خصلة حسنة ترتضيها العقول، وتطمئن إليها النفوس" (٧). وهناك بعض القواعد الكلية الأُخرى الاجتهادية التي يتخرَّج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية منها: القاعدة الأُولى: الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد. القاعدة الثانية: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام. القاعدة الثالثة: هل يكره الإيثار بالقُرَب؟ القاعدة الرابعة: التابع تابع.

стр. 445

القاعدة الخامسة: تصرّف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة. القاعدة السادسة: الحدود تُدرأ بالشبهات. القاعدة السابعة: الحرّ لا يدخل تحت اليد فلا يضمن بالغصب ولو صبيًّا. القاعدة الثامنة: إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر. القاعدة التاسعة: إعمال الكلام أولى من إهماله. القاعدة العاشرة: الخراج بالضمان. القاعدة الحادية عشرة: السؤال معاد في الجواب. القاعدة الثانية عشرة: لا ينسب إلى ساكت قول. القاعدة الثالثة عشرة: الفرض أفضل من النفل. القاعدة الرابعة عشرة: ما حَرمُ أخذه حرم إعطاؤه. القاعدة الخامسة عشرة: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. القاعدة السادسة عشرة: الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة. القاعدة السابعة عشرة: لا عبرة بالظن البيَّن خطؤه. القاعدة الثامنة عشرة: ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله. القاعدة التاسعة عشرة: إذا اجتمع المباشر والمتسبب أضيف الحكم إلى المباشر" (١). وكل قاعدة من هذه القواعد تندرج تحتها قواعد عدة. فمثلًا قاعدة "الضرر يُزال" تتفرع منها القواعد الآتية: ١ - "الضرورات تبيح المحظورات. ٢ - ما أبيح للضرورة يُقَدّر بقدرها.

стр. 446

٣ - الضرر لا يزال بالضرر. ٤ - إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفَّهما. ٥ - درء المفاسد أولى من جلب المصالح. ٦ - الحاجة تُنزَّل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة" (١). القاعدة العشرون: لا اجتهاد مع وجود النص (الدليل). وهناك بعض القواعد الأخرى التي لها صلة بالتربية وبوسائلها مثل: ١ - ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ٢ - ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام. ٣ - ما لا يدرك كله لا يترك جله. ٤ - أفضل الأشياء أحمزها. ٥ - الأصل في الأشياء الإباحة. إلى غير ذلك من القواعد الأصولية التي تفيدنا في مجال التربية، واكتفي بهذه القواعد لأنها كافية لتقويم آراء ابن الجوزي التربوية. إن السبب الذي دفع لاعتبار هذه القواعد الأصولية من أدوات تقويم آراء ابن الجوزي التربوية، هو أن نطمئن إلى أن هذه الآراء ضمن الإطار الشرعي العام لهذه الأحكام، ولا تخرج عن ضوابطها الشرعية المحددة. وبعد استقراء عام لآراء ابن الجوزي التربوية -في حدود الكتب التي درستها من مؤلفاته- يتضح لنا أنه لم يبين ما يتعلق بعلم أصول الفقه، ولم يذكر القواعد الفقهية صراحة، ولكن آراءه تدل على أنه استخدم هذه القواعد الفقهية، وفهم مقاصد الشريعة الإسلامية، وهذا ما سأوضحه في حينه. أما بالنسبة لأهمية هذه القواعد الأصولية في الفكر التربوي، فإن

стр. 447

هذه القواعد من الأدلة التشريعية للأحكام التي يحتاجها الفرد في حياته العامة والخاصة، ولذلك فإنها تفتح المجال واسعًا أمام التربوي في أن يجد حلولًا وبدائل متعددة للمبادئ التربوية أو مشكلات التربية ضمن الإطار الشرعي العام لمقاصد الشريعة الإسلامية. لذلك فإن التربوي في مجال التربية الإسلامية، يوظف هذه القواعد الفقهية في خدمة الفكر التربوي بما فيها من ضوابط وأحكام عامة مستنبطة من الأدلة الشرعية. أما الآراء التربوية التي ربما استنبطها ابن الجوزي من القواعد الفقهية، ولم يذكر فيها القواعد صراحة فنورد نماذج منها فيما يأتي: ١ - قال ابن الجوزي في الدوافع: "وهذا الميل قد خلق في الإنسان لضرورة بقائه، فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل، وإلى المشرب ما شرب، وإلى المنكح ما نكح، وكذلك كل ما يشتهيه، فالهوى مستجلب له ما يفيد، كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذي، فلا يصلح ذم الهوى على الإطلاق" (١). وقد استنبط ابن الجوزي هذا الرأي التربوي من مقاصد الشريعة التي تعود إلى تحقيق المصالح وقد قسمها العلماء إلى ثلاثة أقسام: "أحدها أن تكون ضرورية، والثاني أن تكون حاجية، والثالث أن تكون تحسينية" (٢). وهذا الرأي مبني على تحقيق الحاجيات، ومعناها: "أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تُراع دخل على المكلفين -على الجملة- الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة. وهي جارية في العبادات، والعادات، والمعاملات والجنايات. (والذي يتعلق بهذا الرأي هو العادات). . . وفي العادات كإباحة الصيد

стр. 448

والتمتع بالطيبات مما هو حلال، مأكلًا ومشربًا وملبسًا ومسكنًا ومركبًا، وما أشبه ذلك" (١). ٢ - وقال ابن الجوزي في ذم الهوى: "وإذا عرف العاقل أن الهوى يصير غالبًا، وجب عليه أن يرفع كل حادثة إلى حاكم العقل، فإنه سيشير عليه بالنظر في المصالح الآجلة، ويأمره عند وقوع الشبهة باستعمال الأحوط في كفّ الهوى، إلى أن يتيقن السلامة من الشر في العاقبة" (٢). ورأي ابن الجوزي هذا يثير في القارئ تساؤلًا وهو هل الحسن ما حسّنه العقل، والقبيح ما قبحه العقل؟ وهل يستطيع العقل أن يدرك الحسن والقبيح دون اعتبار للشرع؟ إن قول ابن الجوزي "يرفع كل حادثة إلى حاكم العقل" اختلف فيه علماء المسلمين"، وخلاصة رأيهم أن "مقياس الحسن والقبح للأفعال بالنسبة لهم ما ورد في شريعتهم لا ما تدركه عقولهم بالاتفاق. فما أمر به الشارع فهو حسن ومطلوب فعله ويثاب فاعله، وما نهى عنه الشارع فهو قبيح ومطلوب تركه ويعاقب فاعله" (٣). وعلى ذلك كان الأولى بابن الجوزي أن يقول: (يرفع الأمر إلى حاكم الشرع والعقل)، وليس إلى حكم العقل فقط، وذلك يتضح من حديث معاذ عندما أرسله الرسول ﷺ قاضيًا إلى اليمن فقال له: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ فقال: أقضي بكتاب الله قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنَّة رسول الله ﷺ قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ﷺ ، ولا في كتاب الله؟ قال: اجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله ﷺ على صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضي رسول الله" (٤).

стр. 449

٣ - قال ابن الجوزي في التداوي: "فإذا جعل الشرع الأمور منوطة بالأسباب. كان إعراضي عن الأسباب دفعًا للحكمة. ولهذا أرى التداوي مندوبًا إليه، وقد ذهب صاحب مذهبي إلى أن ترك التداوي أفضل، ومنعني الدليل من اتباعه في هذا، فإن الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: "ما أنزلَ اللهُ داء إلا وأنزل له دواء فتداووا". ومرتبة هذه اللفظة الأمر، والأمر إما أن يكون واجبًا أو ندبًا" (١). وقد استند ابن الجوزي في رأيه "وقد ذهب صاحب مذهبي -الإمام أحمد بن حنبل- إلى أن ترك التداوي أفضل، ومنعني الدليل من اتباعه في هذا". إلى القاعدة الفقهية التي تؤكد أنه لا اجتهاد مع وجود النص (الدليل)، وهذا ما أكده الشيخ خلّاف بقوله؛ "فإن كانت الواقعة التي يراد معرفة حكمها قد دل على الحكم الشرعي فيها دليل صريح قطعي الورود والدلالة فلا مجال للاجتهاد فيها، والواجب أن ينفذ فيها ما دل عليه النص، لأنه مادام قطعي الورود فليس ثبوته وصدوره عن الله أو رسوله ﷺ موضع بحث وبذلِ جهدٍ" (٢). أما قول ابن الجوزي: "ومرتبة هذه اللفظة الأمر، والأمر إما أن يكون واجبًا أو ندبًا، فهذه معتمدة على مرتبة الأحكام الشرعية في الأصول، وهي تؤكد أن "الأصل في الأمر الوجوب، نص عليه في مواضع، وبه قال عامة المالكية، وجمهور الفقهاء، والشافعي، وغيره، وقالت المعتزلة وبعض الشافعية: الأصل فيه الندب" (٣). وبذلك نجد أن ابن الجوزي استقى عبارته من القواعد الفقهية. رابعًا: الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بعلم الكلام وعلم المنطق هناك بعض الآراء التربوية التي استقاها ابن الجوزي من طرق علم

стр. 450

المنطق وعلم الكلام. وهي أربعة طرق هي: القياس، والاستقراء، والتمثيل والحدس. والاستقراء هو "ملاحظة الظواهر الجزئية والارتفاع منها إلى قانون عام" (١)، أو كما يقول الإمام الغزالي: "أن نتصفح جزئيات كثيرة داخلة تحت معنى كليّ، حتى إذا وجدت حكمًا في تلك الجزئيات حكمت على ذلك الكليّ به" (٢). فهو انتقال من الحقائق المحسوسة الجزئية، إلى التفسير والتعليل" (٣). قال ابن الجوزي متبعًا منهج الاستقراء، وهو الوصول من الجزء إلى الكل: "وأول ما ينبغي النظر فيه: معرفة الله تعالى بالدليل، ومعلوم أن من رأى السماء مرفوعة، والأرض موضوعة، وشاهد الأبنية المحكمة، خصوصًا في جسد نفسه، علم أنه لابد للصنعة من صانع، وللمبني من بان" (٤). كذلك استخدم الاستقراء المحسوس (الذي عبر عنه البعض بالمنطق الفطري) فقال: "إن الله وضع في النفوس أشياء لا تحتاج إلى دليل، فالنفوس تعلمها ضرورة وأكثر الخلق لا يحسنون التعبير عنها. فإنه وضع في النفس أن المصنوع لابد له من صانع، وأن المبني لابد له من بان، وأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في حالة واحدة" (٥). وقال ابن الجوزي أيضًا، متبعًا منهج الاستدلال العقلي: "من أكبر

стр. 451

الدليل على وجود الخالق سبحانه هذه النفس الناطقة المميزة المحركة للبدن على مقتضى إرادتها، فقد دبرت مصالحها، وترقت إلى معرفة الأفلاك، واكتسبت ما أمكن تحصيله من العلوم، وشاهدت الصانع في المصنوع، فلم يحجبها ستر وإن تكاثف ولا يعرف مع هذا ماهيتها ولا كيفيتها ولا جوهرها ولا محلها. ولا يفهم من أين جاءت، ولا يدري أين تذهب، ولا كيف تعلقت بهذا الجسد؟ وهذا كله يوجب عليها أن لها مدبرًا وخالقًا، وكفى بذلك دليلًا عليه. إذ لو كانت وجدت بها لما خفيت أحوالها" (١). خامسًا: الآراء التربوية الأُخرى بعد عرض الآراء التربوية لابن الجوزي تلك التي وثقها بالآيات القرآنية، أو الأحاديث النبوية، أو القواعد الفقهية، أو طريقة الاستقراء. فإن هناك آراء تربوية وثقها بقصص الأنبياء ﵈ أو السلف الصالح، كذلك استشهد بالشعر التربوي الذي يضفي على الرأي قوة ووضوحًا وأصالة، كما أضاف على رأيه التربوي حصيلة تجاربه وخبراته الشخصية في هذا المجال. وسأعرض هذه الآراء: أ - الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بقصص الأنبياء وأقوالهم ١ - استشهد ابن الجوزي على فائدة العقاب بقول لقمان لابنه: "يا بني. ضرب الوالد للولد مثل السماد للزرع" (٢). ٢ - استشهد ابن الجوزي على إشباع دافع الجنس عن طريق الزواج الشرعي الحلال بفعل موسى ﵇ فقال: "وقد أنفق موسى ﵇، من عمره الشريف عشر سنين في مهر بنت شعيب. فلولا أن النكاح من أفضل الأشياء لما ذهب كثير من زمان الأنبياء فيه" (٣). ٣ - استشهد ابن الجوزي على التربية الإرادية بقصص الأنبياء

стр. 452

-﵈، التي تبين ابتلاءاتهم المختلفة فقال: "هذا آدم طاب عيشه في الجنة وأخرج منها. ونوح سأل في ابنه فلم يُعطَ مراده، والخليل ابتلي بالنار، وإسماعيل بالذبح، ويعقوب بفقد الولد، ويوسف بمجاهدة الهوى، وأيوب بالبلاء، وداود وسليمان بالفتنة، وجميع الأنبياء على هذا. وأما ما لقي نبينا محمد ﷺ من الجوع والأذى وكدر العيش فمعلوم" (١). ٤ - كذلك استشهد ابن الجوزي على التربية الإرادية بقصة يوسف ﵇ فقال: "وكذلك الزهد يحتاج إلى صبر عن الهوى. والعفاف لا يكون إلا بكفِّ كفِّ الشرَه. ولولا ما عانى يوسف ﵇ ما قيل له أيها الصديق" (٢). ب- الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بقصص السلف الصالح وأقوالهم عرض ابن الجوزي في أثناء إبداء بعض آرائه التربوية بعض القصص الواقعية للسلف الصالح حتى يقتدي بهم القارئ في أخلاقهم وسلوكهم وتصرفاتهم، وتكون له حافزًا على التطبيق. وهذه بعض الآراء التي وثقها بهذه القصص: ١ - استشهد ابن الجوزي عند بيان فضيلة كظم الغيظ بحال السلف الصالح فقال: "وقد كان السلف إذا غضبوا غفروا وصفحوا طلبًا لفضيلة العفو، وكظم الغيظ، ومنهم من يرى السبب في إغضابه ذنوب نفسه، ومنهم من يرى أنه مختَبر" (٣). ٢ - وفي تربية الطفل استشهد بجواب سفيان الثوري لمن سأله بقوله: نضرب أولادنا على الصلاة؟ قال سفيان: بل بشرهم" (٤).

стр. 453

٣ - وقال ابن الجوزي بشأن مراعاة الفروق الفردية في التربية الجسمية: "ولا ينبغي أن يطالب الإنسان بما يقوى عليه غيره، فيضعف هو عنه؛ فإن الإنسان أعرف بصلاح نفسه. قالت رابعة العدوية: إن كان صلاح قلبك في الفالوذج فكله" (١) فاستأنس بقول رابعة. ٤ - واستشهد ابن الجوزي في آداب العالم بموقف السلف الصالح من الفتوى فقال: "ثم يُقدِم أحدكم على الفتوى وليس من أهلها، وقد كان السلف يتدافعونها" (٢). ٥ - استشهد ابن الجوزي في آداب طالب العلم بالإمام أحمد بن حنبل في تأخيره الزواج فقال: "وأختارُ للمبتدئ في طلب العلم أن يدافع النكاح مهما أمكن، فإن الإمام أحمد بن حنبل لم يتزوج حتى تمت له أربعون سنة، وهذا لأجل جمع الهم. فإن غلب عليه الأمر تزوج واجتهد في المدافعة بالفعل لتتوافر القوة على إعادة العلم" (٣). ٦ - استشهد ابن الجوزي في التربية الروحية، بأهمية التفكر في معاني الصلاة بفعل السلف الصالح فقال: "وقد كان أرباب التفكر من السلف يشاهدون في كل شيءٍ عبرة، فيذكرون بالأذان نداء العرض، وبطهارة البدن تطهير القلب، وبستر العورة طلب ستر القبائح من عيوب الباطن، وباستقبال القبلة صرف القلب إلى المقلب، فمن لم تكن صلاته هكذا فقلبه غافل" (٤). ٧ - بيَّن ابن الجوزي كيفية وقوف السلف الصالح بين يدي الله تعالى في الصلاة فقال: "إن المقصود بالصلاة إنما هو تعظيم المعبود؛ وتعظيمه لا يكون إلا بحضور القلب في الخدمة. وقد كان في السلف من يتغير إذا حضرت الصلاة ويقول: أترون بين يدي من أريد أن أقف؟! " (٥).

стр. 454

٨ - استشهد ابن الجوزي في الوسائل المعينة على الصبر بقصة عن بشر الحافي رحمة الله عليه فقال فيها؛ "سار ومعه رجل في طريق فعطش صاحبه، فقال له: نشرب من هذه البئر؟ فقال بشر: اصبر إلى البئر الأُخرى، فلما وصلا إليها قال له: البئر الأُخرى. فما زال يعلله .. ثم التفت إليه فقال له: هكذا تنقطع الدنيا" (١). جـ - الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بشعره إن للشعر تأثيرًا فعّالًا في النفس البشرية لتغيير السلوك، وقد اعتبره بعض المربين المسلمين وسيلة تساعد على غرس القيم والأخلاقيات الصالحة. ولم يستخدم ابن الجوزي الشعر باعتباره وسيلة من وسائل التربية الخلقية فقط، وإنما كان ممن يقول الشعر ويتذوقه، ويدرك تمامًا أثره في تقوية وتدعيم المعنى المراد إيصاله للغير، لما له من أثر فعال في النفس البشرية. وهذه بعض الآراء التربوية التي وثَّقها ابن الجوزي بشعره: ١ - وضَّح ابن الجوزي رأيه في مرحلة الشباب بقوله نثرًا وشعرًا: "وهذا هو الموسم الأعظم الذي يقع فيه جهاد النفس والهوى وغلبة الشيطان. وبصيانة هذا الموسم يحصل القرب من الله، وبالتفريط فيه يقع الخسران العظيم. . . الخ. ثم قال ابن الجوزي: "ومما قلته من الشعر في هذا المعنى: أما الشبابُ فظلمة للمهتدي ... وبه ضلالُ الجاهلِ المتمردِ فأقمعْه بالصبرِ الجميلِ ودمْ ... على الصوم الطويلِ فإنه كالمبرَدِ واكففْ لسانَك عن فضولِ كلامهِ ... واحفظْه حفظَ الجوهرِ المتبددِ واغضُضْ لحاظَك عن حرام واقتنعْ ... بحلالِ ما حصلت تحمد في غدِ ودع الصَّبا فالله يحمَدُ صَابرًا ... يا نفسُ هذا موسمٌ فتزوَّدي" (٢). الخ. ٢ - كما بيَّن رأيه في مرحلة الكهولة بقوله نثرًا وشعرًا: "وهذا

стр. 455

الزمان فيه بقية من الشباب وللنفس فيه ميل إلى الشهوة، وفيه جهاد حسن، وإن كانت طاقات الشيب تزعج وترغب في جهاد اللهو، وليكتف الكهل بنور الشيب الذي أضاء له سبيل الرحيل وليعامل بالبقية المائلة إلى الهوى يربح ولكن لا كربح الشاب: قد رأيتُ المشيبَ نورًا تبدّى ... نوّرَ الطرقَ ثم ما إن تعدّى إن نورَ الشباب عاريةٌ عنـ ... ـدي فجاءَ المعيرُ حتى استردَّا جاءني ناصحٌ أتاني نذيرٌ ... ببياض أرانيَ الأمرَ جِدًا دعْ حديثَ الصِّبا ورامةَ والغو ... رِ ونجدا يا سعدُ واسعَ لسُعدى ثم خلِّي حديثَ ليلى ونعم ... ومساع وكلثم دع دعدا وتزودْ زادَ الشتاءِ فقد فا ... ت ربيعٌ ضَيعت به الوردا قف على الباب سائلًا عفوَ مولا ... كَ فما إن يزالَ يرحمُ عبدا (١) ٣ - استشهد ابن الجوزي عند بيان سمات العلم النافع بقوله نثرًا وشعرًا: "ثم ينبغي أن يطلب الغاية في معرفة الله تعالى ومعاملته، وفي الجملة لا يترك فضيلة يمكن تحصيلها إلا حصلها. فإن القنوع حالة الأرذال. فكن رجلًا رجلُه في الثرى ... وهامةُ همتِه في الثُّرَيَّا (٢) ٤ - كذلك وضح رأيه في مرحلة الشيخوخة بقوله نثرًا وشعرًا: "وقد يكون في أول الشيخوخة بغتة هوى فيثاب الشيخ على قدر صبره، فكلما قوي الكبر ضعفت الشهوة. . . الخ. غُررنا بالشباب المستعارِ ... وقعنا بالمشيب عن الخمارِ أنارَ لنا المشيبُ سَبيلَ رشدٍ ... وندَّمنا على خَلعِ العذارِ فوا أسفي على عمير تولّت ... لذاذتُه وأبقتْ قبحَ عارِ فنحنُ اليومَ نبكي ما فعلْنا ... وكيف وكم وقعنا في خَسارِ وليس لنا سوى حزنٍ وخوفٍ ... وندب في خضوع وانكسارِ تعالَوْا نبكِ ما قد كان منَّا ... وقوموا في الدياجِي باعتذارِ وما شيءٌ لمحوِ الذنبِ أولى ... من الأحزانِ والدمعِ الغزارِ

стр. 456

ستدري يا مفرِّطُ صدقَ قوليِ ... إذا غُودرتَ في بطنِ الصحارِي وخلّاك الصديقُ أسيرَ قفر ... ترافقُك الندامةُ في القفارِ وقد فازوا بما حازوا جميعًا ... وأنت رهينُ ذلٍ وافتقار فخذ حذرًا وزادًا تكتفيه ... لرحلته إلى تلك الديارِ" (١) يلاحظ على شعر ابن الجوزي أنه يتميز بالسهولة وترك التكلف، كما يتميز شعره بوضوح الطابع الأخلاقي والديني الذي يربي في النفس البشرية القيم والآداب الصالحة، ولا يخرج عن الأحكام الشرعية التي أمر بها المنهج التربوي الإسلامي. ب - وهناك بعض الآراء التربوية التي وثقها بشعر غيره من الشعراء ١ - استشهد ابن الجوزي في تربية الطفل بقوله: "أقوم التقويم ما كان في الصغر، فأما إذا تُرك وطبعَه فنشأ عليه ومرن كان رده صعبًا، قال الشاعر: إن الغصونَ إذا قَومتَها اعتدلَت ... ولا يلينُ إذا قومته الخشبُ قد ينفعُ الأدبُ الأحداثَ في مهلٍ ... وليس ينفعُ في ذي الشيبةِ الأدبُ" (٢) ٢ - واستشهد ابن الجوزي في أهمية تأديب الطفل حتى وإن شكا ثقل التأديب عليه بقوله: "وما احتمل من العلم يأمرانه به وينهيانه عن القبيح ويحثانه على المكارم، فإنه موسم الزرع. قال الشاعر: لا تسهُ عن أدب الصغيـ ... ـرِ وإن بكى ألمَ التعبْ ودع الكبيَرَ لشأنِه ... كبُرَ الكبيرُ عن الأدبْ (٣) ٣ - استشهد ابن الجوزي بأثر الصحبة الصالحة في الناشئ بقوله: "وليكن جلساؤك الكتب والنظر في سِيَر السلف، ولا تشتغل بعلم حتى تحكم ما قبله، وتلمّحْ سير الكاملين في العلم والعمل، ولا تقنع بالدون، فقد قال الشاعر:

стр. 457

ولم أرَ في عيوب الناسِ شيئًا ... كنقصِ القادرين على التمامِ (١) ٤ - استشهَد ابن الجوزي بالشعر أيضًا على أهمية اغتنام الوقت في التزود بالعلم المفيد فقال: لما علم أن العمر لا يسع الكل أخذ ما يحتاج إليه من الكل زادًا لمسيره، ونهض للعمل بمقتضاه، فتراه ينتهب العمر خوف أن يذهب وما نال المراد، ولا يضيع لحظة في غير مهم، ويناقش (يحاسب) نفسه في زمان المطعم والنوم، لعلمه بقصر المدة، كما قال الشاعر: فاقضوا مآربكم عجالًا إنَّما ... أعمارُكم سَفَرٌ من الأسفار وتراكضوا خيلَ السباقِ وبادروا ... أن تُستَرَدَّ فإنهن عواري" (٢) ٥ - استشهد ابن الجوزي عند إبداء رأيه في من ضيع عمره فيما لا يفيد من العلوم بقوله؛ "وقد صده اشتغاله بذلك عن المهم من العلم، فهم كما قال الحطيئة: زواملُ للأخبارِ لا علمَ عندها ... بمثقلِها إلا كعلم الأباعر لعَمرك ما يدري البعيرُ إذا غدا ... بأوساقهِ أوراحَ ما في الغرائرِ" (٣) ٦ - وقد بيَّن ابن الجوزي رأيه بأهمية الجدّ والمثابرة لطالب العلم بقوله: "وعليكم بملاحظة سِيَرِ السلف، ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم، كما قال: فاتني أن أرى الديارَ بطرفي ... فلعلي أرى الديارَ بسمعي" (٤) ٧ - وقد بيَّن ابن الجوزي رأيه في التربية الأخلاقية بقوله: "نيل الشرف بالكرم والجود، فإنه يفتقر إلى جهاد النفس في بذل المحبوب، وربما آل إلى الفقر. وكذلك الشجاعة، فإنها لا تحصل إلا بالمخاطرة بالنفس، قال الشاعر: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كلُهمُ ... الجودُ يفقرُ والإقدامُ قتَّالُ" (٥)

стр. 458

٨ - كما بيَّن ابن الجوزي رأيه في التربية الإرادية بقوله: "فالدنيا وضعت للبلاء، فينبغي للعاقل أن يوطن نفسه على الصبر، وأن يعلم أن ما حصل من المراد فلطف، وما لم يحصل فعلى أصل الخلق والجبلة للدنيا كما قيل: طُبعت على كدرٍ وأنت تريدُها ... صفوًا من الأقذاءِ والأكدار ومكلّفُ الأيام ضدَ طباعِها ... متطلبٌ في الماءِ جذوةَ نارِ" (١) ٩ - استشهد ابن الجوزي بالشعر في حديثه عن الوسائل المعينة على الصبر فقال: "فرأيت الصواب قطع طريق الصبر بالتسلية والتلطف للنفس، كما قال الشاعر: فإن تشكَّت فعلَّلها المجرةَ من ... ضوءِ الصباح وعدها بالرواحِ ضُحى" (٢) يلاحظ على أشعار ابن الجوزي التي نظمها "أنها غنية بالمعاني الأخلاقية، والتوجيهات التربوية. أما إذا وزناها بميزان النقد والتذوق الجمالي نجدها لا تستند في جملتها إلى أصول جمالية فنية، فهي تفتقر إلى التراكيب الفنية، والفنون القولية، وعمق الخيال الذي يولد لنا الصور الفنية البارعة التي تثير الإحساس في النفس، وتزيد من دلالات التراكيب، فشعره شعر تعليمي أشبه ما يكون بشعر النظَّامين الذي يرصفون الكلمات بجوار بعضها بعض لتؤدي معنى معينًا من غير احتفاءٍ بالناحية الجمالية الفنية" (٣). هـ - الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بتجربته الذاتية إن حياة الإنسان وما فيها من سراء وضراء، وما يعيش فيها من بؤس وشقاءٍ، أو ترفٍ ونعيم، وما يواجهه من مصاعب ومشاق، تكسبه صلابةً وقوةً، فتغني حياته العلمية والعملية بالتجارب المفيدة، والخبرات المثمرة، التي تكون حصيلة عمره الزمني كله، الذي يقدمه لغيره ليستفيد منه.

стр. 459

وابن الجوزي كغيره من الناس -وبوصفه عالمًا من علماء المسلمين- عاش حياته بكل ما فيها من شقاء ونعيم، وخاض غمارها بكل ما لديه من إيمانٍ وصبرٍ وعلم ويقين بالله تعالى، فكانت حصيلة عمره خبرات وتجارب، قدمها لغيره حتى يستفيد منها، ويواجه بنجاح ما قد يعترضه من عقبات وصعوبات. بالإضافة إلى أن ابن الجوزي أدرك الأثر العظيم الذي يكون في النفس البشرية، بعد معرفة تجارب الغير، وما فيها من خير أو شر، وهو من الذين تأثروا بتجارب غيرهم، وحاول أن يستفيد منها فقال في هذا الشأن: "ولقد تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدنيا، وأنفقت زمن الصُّبوَّة والشباب في طلب العلم، فرأيتني لم يفتني مما نالوه إلا ما لو حصل لي ندمت عليه" (١). هناك الكثير من المواقف الحياتية، والتجارب الشخصية التي عاشها ابن الجوزي، ولمس ثمرتها الروحية والعلمية والعملية في حياته، فشعر بسعادة الدنيا، ورجا حسن الجزاء من الله تعالى. تجاربه العلمية أ - ومن المواقف التي حكى فيها ابن الجوزي معاناته، وما لقي فيها من صعوبات، وما أثمرت من الثمرات، تجربته العلمية، قال فيها: "كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة، فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء. فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم. فأثمر ذلك عندي أني عُرفت بكثرة سماعي لحديث الرسول ﷺ وأحواله وآدابه، وأحوال أصحابه وتابعيهم، فصرت في معرفة طريقه كابن أجود (٢). وأثمر ذلك عندي من المعاملة ما لا يدرى إلَّا بالعلم، حتى إنني أذكر في زمان الصبوة، ووقت الغلمة والعزبة قدرتي على أشياء كانت

стр. 460

النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي العلم من خوف الله . ولولا خطايا لا يخلو منها البشر، لقد كنت أخاف على نفسي من العجب. غير أنه صانني، وعلَّمني، وأطلعني من أسرار العلم على معرفته، وإيثار الخلوة به، حتى إنه لو حضر معي معروف وبشر لرأيتهما زحمة. ثم عاد فغمسني في التقصير والتفريط حتى رأيت أقل الناس خيرًا مني. وتارة يوقظني لقيام الليل ولذة مناجاته، وتارة يحرمني ذلك مع سلامة بدني. ولولا بشارة العلم بأن هذا نوع تهذيب وتأديب لخرجت إما إلى العجب عند العمل، وإما إلى اليأس عند البطالة. . . الخ" (١). ويمكن استخلاص الفوائد التربوية من تجربته العلمية: ١ - الصبر عند طلب العلم على الشدائد، والتغلب على الصعوبات. ٢ - المثابرة على طلب العلم تكسب والإنسان حب العلم والعمل به. ٣ - الإخلاص لله تعالى عند طلب العلم يفتح مغاليق العقول والقلوب. ٤ - طلب العلم لوجه الله تعالى يورث الخشية والخوف منه. ٥ - عناية الله تعالى لطالب العلم، تحفظه وتصونه وتقربه وتحبب الله إليه، فيؤثره على كل شيء. ٦ - طلب العلم لوجه الله تعالى يجعل المؤمن بين الخوف والرجاء، كما يجعله متواضعًا راغبًا في مرضاته تعالى.
следующие страницы →