← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17901

آراء ابن الجوزي التربوية

ليلى عطار

Полный текст (608 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ستدري يا مفرِّطُ صدقَ قوليِ ... إذا غُودرتَ في بطنِ الصحارِي وخلّاك الصديقُ أسيرَ قفر ... ترافقُك الندامةُ في القفارِ وقد فازوا بما حازوا جميعًا ... وأنت رهينُ ذلٍ وافتقار فخذ حذرًا وزادًا تكتفيه ... لرحلته إلى تلك الديارِ" (١) يلاحظ على شعر ابن الجوزي أنه يتميز بالسهولة وترك التكلف، كما يتميز شعره بوضوح الطابع الأخلاقي والديني الذي يربي في النفس البشرية القيم والآداب الصالحة، ولا يخرج عن الأحكام الشرعية التي أمر بها المنهج التربوي الإسلامي. ب - وهناك بعض الآراء التربوية التي وثقها بشعر غيره من الشعراء ١ - استشهد ابن الجوزي في تربية الطفل بقوله: "أقوم التقويم ما كان في الصغر، فأما إذا تُرك وطبعَه فنشأ عليه ومرن كان رده صعبًا، قال الشاعر: إن الغصونَ إذا قَومتَها اعتدلَت ... ولا يلينُ إذا قومته الخشبُ قد ينفعُ الأدبُ الأحداثَ في مهلٍ ... وليس ينفعُ في ذي الشيبةِ الأدبُ" (٢) ٢ - واستشهد ابن الجوزي في أهمية تأديب الطفل حتى وإن شكا ثقل التأديب عليه بقوله: "وما احتمل من العلم يأمرانه به وينهيانه عن القبيح ويحثانه على المكارم، فإنه موسم الزرع. قال الشاعر: لا تسهُ عن أدب الصغيـ ... ـرِ وإن بكى ألمَ التعبْ ودع الكبيَرَ لشأنِه ... كبُرَ الكبيرُ عن الأدبْ (٣) ٣ - استشهد ابن الجوزي بأثر الصحبة الصالحة في الناشئ بقوله: "وليكن جلساؤك الكتب والنظر في سِيَر السلف، ولا تشتغل بعلم حتى تحكم ما قبله، وتلمّحْ سير الكاملين في العلم والعمل، ولا تقنع بالدون، فقد قال الشاعر:

стр. 457

ولم أرَ في عيوب الناسِ شيئًا ... كنقصِ القادرين على التمامِ (١) ٤ - استشهَد ابن الجوزي بالشعر أيضًا على أهمية اغتنام الوقت في التزود بالعلم المفيد فقال: لما علم أن العمر لا يسع الكل أخذ ما يحتاج إليه من الكل زادًا لمسيره، ونهض للعمل بمقتضاه، فتراه ينتهب العمر خوف أن يذهب وما نال المراد، ولا يضيع لحظة في غير مهم، ويناقش (يحاسب) نفسه في زمان المطعم والنوم، لعلمه بقصر المدة، كما قال الشاعر: فاقضوا مآربكم عجالًا إنَّما ... أعمارُكم سَفَرٌ من الأسفار وتراكضوا خيلَ السباقِ وبادروا ... أن تُستَرَدَّ فإنهن عواري" (٢) ٥ - استشهد ابن الجوزي عند إبداء رأيه في من ضيع عمره فيما لا يفيد من العلوم بقوله؛ "وقد صده اشتغاله بذلك عن المهم من العلم، فهم كما قال الحطيئة: زواملُ للأخبارِ لا علمَ عندها ... بمثقلِها إلا كعلم الأباعر لعَمرك ما يدري البعيرُ إذا غدا ... بأوساقهِ أوراحَ ما في الغرائرِ" (٣) ٦ - وقد بيَّن ابن الجوزي رأيه بأهمية الجدّ والمثابرة لطالب العلم بقوله: "وعليكم بملاحظة سِيَرِ السلف، ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم، كما قال: فاتني أن أرى الديارَ بطرفي ... فلعلي أرى الديارَ بسمعي" (٤) ٧ - وقد بيَّن ابن الجوزي رأيه في التربية الأخلاقية بقوله: "نيل الشرف بالكرم والجود، فإنه يفتقر إلى جهاد النفس في بذل المحبوب، وربما آل إلى الفقر. وكذلك الشجاعة، فإنها لا تحصل إلا بالمخاطرة بالنفس، قال الشاعر: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كلُهمُ ... الجودُ يفقرُ والإقدامُ قتَّالُ" (٥)

стр. 458

٨ - كما بيَّن ابن الجوزي رأيه في التربية الإرادية بقوله: "فالدنيا وضعت للبلاء، فينبغي للعاقل أن يوطن نفسه على الصبر، وأن يعلم أن ما حصل من المراد فلطف، وما لم يحصل فعلى أصل الخلق والجبلة للدنيا كما قيل: طُبعت على كدرٍ وأنت تريدُها ... صفوًا من الأقذاءِ والأكدار ومكلّفُ الأيام ضدَ طباعِها ... متطلبٌ في الماءِ جذوةَ نارِ" (١) ٩ - استشهد ابن الجوزي بالشعر في حديثه عن الوسائل المعينة على الصبر فقال: "فرأيت الصواب قطع طريق الصبر بالتسلية والتلطف للنفس، كما قال الشاعر: فإن تشكَّت فعلَّلها المجرةَ من ... ضوءِ الصباح وعدها بالرواحِ ضُحى" (٢) يلاحظ على أشعار ابن الجوزي التي نظمها "أنها غنية بالمعاني الأخلاقية، والتوجيهات التربوية. أما إذا وزناها بميزان النقد والتذوق الجمالي نجدها لا تستند في جملتها إلى أصول جمالية فنية، فهي تفتقر إلى التراكيب الفنية، والفنون القولية، وعمق الخيال الذي يولد لنا الصور الفنية البارعة التي تثير الإحساس في النفس، وتزيد من دلالات التراكيب، فشعره شعر تعليمي أشبه ما يكون بشعر النظَّامين الذي يرصفون الكلمات بجوار بعضها بعض لتؤدي معنى معينًا من غير احتفاءٍ بالناحية الجمالية الفنية" (٣). هـ - الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بتجربته الذاتية إن حياة الإنسان وما فيها من سراء وضراء، وما يعيش فيها من بؤس وشقاءٍ، أو ترفٍ ونعيم، وما يواجهه من مصاعب ومشاق، تكسبه صلابةً وقوةً، فتغني حياته العلمية والعملية بالتجارب المفيدة، والخبرات المثمرة، التي تكون حصيلة عمره الزمني كله، الذي يقدمه لغيره ليستفيد منه.

стр. 459

وابن الجوزي كغيره من الناس -وبوصفه عالمًا من علماء المسلمين- عاش حياته بكل ما فيها من شقاء ونعيم، وخاض غمارها بكل ما لديه من إيمانٍ وصبرٍ وعلم ويقين بالله تعالى، فكانت حصيلة عمره خبرات وتجارب، قدمها لغيره حتى يستفيد منها، ويواجه بنجاح ما قد يعترضه من عقبات وصعوبات. بالإضافة إلى أن ابن الجوزي أدرك الأثر العظيم الذي يكون في النفس البشرية، بعد معرفة تجارب الغير، وما فيها من خير أو شر، وهو من الذين تأثروا بتجارب غيرهم، وحاول أن يستفيد منها فقال في هذا الشأن: "ولقد تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدنيا، وأنفقت زمن الصُّبوَّة والشباب في طلب العلم، فرأيتني لم يفتني مما نالوه إلا ما لو حصل لي ندمت عليه" (١). هناك الكثير من المواقف الحياتية، والتجارب الشخصية التي عاشها ابن الجوزي، ولمس ثمرتها الروحية والعلمية والعملية في حياته، فشعر بسعادة الدنيا، ورجا حسن الجزاء من الله تعالى. تجاربه العلمية أ - ومن المواقف التي حكى فيها ابن الجوزي معاناته، وما لقي فيها من صعوبات، وما أثمرت من الثمرات، تجربته العلمية، قال فيها: "كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة، فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء. فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم. فأثمر ذلك عندي أني عُرفت بكثرة سماعي لحديث الرسول ﷺ وأحواله وآدابه، وأحوال أصحابه وتابعيهم، فصرت في معرفة طريقه كابن أجود (٢). وأثمر ذلك عندي من المعاملة ما لا يدرى إلَّا بالعلم، حتى إنني أذكر في زمان الصبوة، ووقت الغلمة والعزبة قدرتي على أشياء كانت

стр. 460

النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي العلم من خوف الله . ولولا خطايا لا يخلو منها البشر، لقد كنت أخاف على نفسي من العجب. غير أنه صانني، وعلَّمني، وأطلعني من أسرار العلم على معرفته، وإيثار الخلوة به، حتى إنه لو حضر معي معروف وبشر لرأيتهما زحمة. ثم عاد فغمسني في التقصير والتفريط حتى رأيت أقل الناس خيرًا مني. وتارة يوقظني لقيام الليل ولذة مناجاته، وتارة يحرمني ذلك مع سلامة بدني. ولولا بشارة العلم بأن هذا نوع تهذيب وتأديب لخرجت إما إلى العجب عند العمل، وإما إلى اليأس عند البطالة. . . الخ" (١). ويمكن استخلاص الفوائد التربوية من تجربته العلمية: ١ - الصبر عند طلب العلم على الشدائد، والتغلب على الصعوبات. ٢ - المثابرة على طلب العلم تكسب والإنسان حب العلم والعمل به. ٣ - الإخلاص لله تعالى عند طلب العلم يفتح مغاليق العقول والقلوب. ٤ - طلب العلم لوجه الله تعالى يورث الخشية والخوف منه. ٥ - عناية الله تعالى لطالب العلم، تحفظه وتصونه وتقربه وتحبب الله إليه، فيؤثره على كل شيء. ٦ - طلب العلم لوجه الله تعالى يجعل المؤمن بين الخوف والرجاء، كما يجعله متواضعًا راغبًا في مرضاته تعالى.

стр. 461

ب - أما تجربته الثانية فهي معاناته من أهل الفراغ، الذين لا يعرفون معنى الحياة، وقيمة الوقت فهم يضيعونه فيما لا يفيد. فهو يحكي تجربته مع أهل الفراغ، وتضييع الزمان، وما ألهمه الله تعالى لاغتنام الأوقات، قال ابن الجوزي: "لقد رأيت خلقًا كثيرًا يجرون معي فيما قد اعتاده الناس من كثرة الزيارة، ويسمُّون ذلك التردد خدمة، ويطلبون الجلوس ويجرون فيه أحاديث الناس وما لا يعني، وما يتخلله غيبة .. ، فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء، والواجب انتهابه بفعل الخير، كرهت ذلك وبقيت منهما بين أمرين. إن أنكرت عليهم وقعت وحشة لموضع قطع المألوف، وإن تقبَّلته منهم ضاع الزمان. فصرت أدافع اللقاء جهدي فإذا غُلبت قصرت في الكلام لأتعجل الفراق. ثم أعدد أعمالًا لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم لئلا يمضي الزمان فارغًا. فجعلت من المستعدِّ للقائهم قطع الكاغد وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لابدَّ منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتي" (١). ويمكن استخلاص الفوائد التربوية الآتية من هذه التجربة: ١ - الإحساس بقيمة الوقت وشرفه. ٢ - أهمية التفكير الجدي لإيجاد الحلول والبدائل فيما يعترض الإنسان من مشكلات اجتماعية وغيرها. ٣ - الاستفادة من كل لحظة من لحظات العمر فيما يفيد. ٤ - شغل الأوقات كلها بما يناسبها من أعمال لا تُضَيِّع حقًّا، ولا تفوِّت واجبًا. جـ - تجربة شخصية أُخرى لابن الجوزي في مجال التحصيل

стр. 462

العلمي؛ فهو يقول عن نفسه: "وإني أخبرُ عن حالي، ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره، فكأني وقعت على كنز. ولقد نظرت في ثَبَت الكتب الموقوفة في المدرسة النِّظَامية، فإذا به يحتوي على نحو ستة آلاف مجلد، وفي ثَبَت كتب أبي حنيفة وكتب الحميدي، وكتب شيخنا عبد الوهاب بن ناصر، وكتب أبي محمد بن الخشاب، وكانت أحمالًا، وغير ذلك من كل كتاب أقدر عليه. ولو قلت: إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر وأنا بعدُ في الطلب. فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سِيَر القوم وقدر هممهم وحفظهم وعباداتهم وغرائب علومهم ما لا يعرفه من لم يطالع. فصرت أستزري ما الناس فيه، واحتقر همم الطلاب ولله الحمد" (١). إن الفوائد التربوية التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة العلمية، تفيد طالب العلم وتحفزه على البحث الجاد، والاطلاع الواسع على أمهات الكتب. وأهم الفوائد التربوية هي: ١ - إخبار العالم عن نفسه، يحفز همم طالب العلم للتحصيل والجد والمثابرة. ٢ - أهمية الاطلاع الواسع لطالب العلم من أجل زيادة ثقافته، وتعديل سلوكه، وإتقان عبادته. ٣ - تواضع طالب العلم مهما بلغ من العلم والمعرفة. د - كذلك هناك تجربة لابن الجوزي في إطلاق فكره للتدبر والتأمل في الكون، وما أثمر عنده من تعظيم وتقدير كبير لقدرة الله تعالى . وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "عرض لي في طريق الحج خوف من العرب فسرنا على طريق خيبر، فرأيت من الجبال الهائلة والطرق العجيبة ما أذهلني، وزادت عظمة الخالق في صدري، فصار يعرض لي عند ذكر تلك الطرق نوع تعظيم لا أجده عند ذكر غيرها.

стр. 463

فصحت بالنفس: ويحكِ اعبري إلى البحر وانظري إليه وإلى عجائبه بعين الفكر، تشاهدي أهوالا هي أعظم من هذه، ثم اخرجي عن الكون والتفتي إليه، فإنك ترينه بالإضافة إلى السموات والأفلاك كذرة في فلاة. ثم جولي في الأفلاك وطوفي حول العرش، وتلمّحي ما في الجنان والنيران. . . الخ" (١). وتجربة ابن الجوزي الذاتية في مجال التفكر والتدبر في الكون، تفيد في التربية العقلية والإيمانية. وهذه أهم الفوائد التربوية التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة: ١ - أهمية إطلاق الفكر في ملكوت السموات والأرض في زيادة عظمة الله تعالى وقدرته في النفس البشرية. ٢ - تعليم العالم للناس كيفية التفكر فيما خلقه الله تعالى من سماء وأرض، وجبال، وبحار. . . الخ، حتى تتربى نفوسهم على حب الله تعالى وعظمته. هـ - ويبين ابن الجوزي من خلال تجربته الشخصية أثر القدوة الحقيقية في النفس البشرية، فيقول: "ولقيت عبد الوهاب الأنماطي، فكان على قانون السلف لم يُسمع في مجلسه غيبة، ولا كان يطلب أجرًا على سماع الحديث، وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق بكى واتصل بكاؤه. فكان -وأنا صغير السن حينئذ- يعمل بكاؤه في قلبي، ويبني قواعد الأدب في نفسي، وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل. ولقيت الشيخ أبا منصور الجواليقي، فكان كثير الصمت، شديد التحرّي فيما يقول، متقنًا محققًا. وربما سئل المسألة الظاهرة التي يبادر بجوابها بعض غلمائه، فيتوقف فيها حتى يتيقن. وكان كثير الصوم والصمت، فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما. ففهمت من هذه الحالة أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول" (٢). ويمكن استخلاص أهم الفوائد التربوية من هذه التجربة: ١ - أهمية القدوة وأثرها ودورها في تربية النشء.

стр. 464

٢ - الميل الفطري في الإنسان يدفعه للاقتداء بالصالحين. ٣ - التأثر بالفعل أقوى من التأثر بالقول. و- كذلك عرض ابن الجوزي تجربته الشخصية في مجال التربية الجسمية، فقال: "فمن ألف الترف فينبغي أن يتلطف بنفسه إذا أمكنه. وقد عرفت هذا من نفسي، فإني ربيتُ في ترف، فلما ابتدأت في التقلل وهجر المشتهى أثر معي مرضًا قطعني عن كثير من التعبد. حتى أني قرأت في أيام كل يوم خمسة أجزاء من القرآن، فتناولت يومًا ما لا يصلح، فلم أقدر في ذلك اليوم على قراءتها. فقلت: إن لقمة توفر قراءة خمسة أجزاء بكل حرف عشر حسنات، إن تناولها لطاعة عظيمة. وإن مطعمًا يؤذي البدن فيفوته فعل خير ينبغي أن يهُجَر" (١). ويمكن استخلاص الفوائد التربوية الآتية من هذه التجربة: ١ - كل فرد يختار ما يناسبه من المطعم والمشرب -في حدود الشرع- ولا يعتبر ذلك من الإسراف. ٢ - معاملة الفرد لبدنه معاملة معتدلة لا تقتير ولا إسراف، حتى يتقوى على طاعة الله. ٣ - الفهم الصحيح لمقاصد الشريعة الإسلامية عند تغذية البدن. وبعد فإن جميع هذه التجارب والخبرات الشخصية التي عاشها ابن الجوزي، لا تخرج عن المنهج التربوي الإسلامي، الذي تربى عليه علماء الأمة الإسلامية. لذلك فإننا نستطيع الاستفادة منها في تعليمنا وتربيتنا الإسلامية المعاصرة. وهناك مجموعة من الآراء التربوية التي لم يرد ذكرها فيما سبق وهي لا تخرج عن دائرة الفكر التربوي الإسلامي، وإن لم يوثقها ابن الجوزي بالآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية أو القواعد الفقهية، كما أن

стр. 465

هناك مجموعة من الآراء التربوية مخالفة للمنهج الإسلامي- سأذكرها هنا: سادسًا: الآراء التربوية لابن الجوزى المخالفة للمنهج التربوي الإسلامي على الرغم من أن معظم آراء ابن الجوزي التربوية موافقة للمنهج التربوي الإسلامي، فقد كان هناك بعض الآراء التربوية المخالفة والمتعارضة مع الفكر التربوي الإسلامي وربما كان ذلك ناتجًا من تأثر ابن الجوزي -في أثناء قراءته- بالفكر اليوناني، أو المذاهب المعاصرة لحياته. وهناك بعض الآراء مبنية على الأحاديث الضعيفة، وهي كالآتي: ١ - بيَّن ابن الجوزي أن هناك علاقة بين القدرات العقلية وشكل الإنسان، وصدَّرها بآراء الحكماء فقال في ذلك: "إذا كان الرأس صغيرًا رديء الشكل دلَّ على رداءةٍ في هيئة الدماغ. . . وحسن الصوت دليل على الحمق وقلة الفطنة، واللحم الكثير الصلب دليل على غلظ الحس والفهم، والغباوة والجهل في الطول أكثر. ومن العلامات التي لا تخطئ طول اللحية، فإن صاحبها لا يخلو من الحمق" (١). وهذا الرأي تؤيده الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، وهي: أ - "ما خلا قصيرٌ من حكمةٍ. قال في المقاصد لم أقف عليه. . . وعن الحسن بن علي رفعه إن الله جعلَ البهاءَ والهَوَج -بفتحتين أي الحمق- في الطوال، ورواه بعضهم ما خلا قصيرٌ من حكمةٍ، ولا طويل من حماقةٍ" (٢). ب - وقد ورد حديث: "طولُ اللحيةِ دليل على قلةِ العقلِ. يروى

стр. 466

عن عمرو بن العاص رفعه "اعتبروا عقلَ الرجل في ثلاثٍ في طولِ لحيتهِ وكنيتهِ ونقشِ خاتمهِ". أسنده الديلمي وهو واه" (١). وهذا الحديث مخالف للحديث الصحيح الذي أمر فيه الرسول ﷺ بإعفاء اللحية وقال فيه: "أَنِهكوا الشواربَ، وأعفوا اللحى" (٢). ومع ضعف هذا الرأي، وعدم صحته، فقد أثبتت الدراسات النفسية التجريبية الحديثة خطأه أيضًا، عندما قام بعض الباحثين ببحث "قضية ذكاء الإنسان وقياسه، فحاول البعض الربط بين الذكاء وتضاريس الجمجمة أو اتساع الجبهة، وحاول البعض الآخر قياسه عن طريق بعض السمات الشخصية، مثل درجة الحساسية للألم، والقدرة على التمييز الحسي، ثم ما لبث العلماء أن كشفوا عن خطأ هذه الاعتبارات" (٣). وبناء على عدم وجود آيات قرآنية أو أحاديث نبوية صحيحة، أو حتى دراسات علمية تثبت صحة وصدق وجود علاقة ارتباط بين القدرات العقلية وشكل الإنسان، فإن هذا رأي لا يؤخذ به في الفكر التربوي الإسلامي لابن الجوزي الذي لم يعقب على خطأه. ٢ - كذلك بيَّن ابن الجوزي أن هناك صفات جسمية يستدلّ بها على الأذكياء، فقال في ذلك: "الخلق المعتدل والبنية المتناسبة دليل على قوة العقل وجودة الفطنة، فإذا غلظت الرقبة دلت على قوة الدماغ ووفوره، ومن كانت عينه تتحرك بسرعة وحِدّة فهو مكار محتال لصّ، وأحمدُ العيون الشهلُ، فإذا لم تكن الشهلاء شديدة البريق، ولا يظهر عليها صفرة ولا حمرة دلت على طبع جيد، وإن كانت العين صغيرة غائرة فصاحبها مكار حسود، ومن كان نحيف الوجه فهو فهيم مهتم

стр. 467

بالأمور، واللطف في النِّحاف والقصار أظهر، والمعتدلون في الطول صالحو الحال" (١). ولم ترد آيات قرآنية أو أحاديث نبوية صحيحة، تبيّن أن هناك علاقة وطيدة بين صفات الإنسان الجسمية والذكاء، وإنما العبرة بالعمل الصالح لقول الرسول ﷺ : "إن الله لا ينظرُ إلى صوركم وأموالكم. ولكن ينظرُ إلى قلوبكم وأعمالكم" (٢). والأحاديث التي وردت في بيان العلاقة بين الصفات الجسمية والذكاء، كلها أحاديث ضعيفة أو موضوعة، سأذكرها مع بيان درجتها فيما يأتي: أ - "احذورا صفر الوجوهِ فإنه إن لم تكن عن علةٍ أو سهرٍ، فإنه من غلٍ في قلوبهم للمسلمين. أورده الديلمي في مسنده عن ابن عباس، قال ابن الحجر: لم أقف له على أصل وإن ذكره ابن قيم في الطب النبوي له فذاك بغير سند" (٣). ب - "إياك والأشقرَ الأزرقَ فإنه من قرنهِ إلى قدمهِ مكرٌ وخديعةٌ وغدرٌ. ذكره الديلمي عن ابن عمر مرفوعًا ولم يسنده ولده" (٤). جـ - "الزرقةُ في العينِ يمنٌ. أخرجه ابن حبان في الضعفاء عن عائشة به مرفوعًا" (٥). بالإضافة إلى كون هذه الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة (ابن الجوزي لم يستشهد بها أو يذكرها)، فقد أثبتت الدراسات التجريبية خطأ القول بوجود علاقة بين الذكاء وشكل الإنسان.

стр. 468

وعلى هذا فإن رأي ابن الجوزي هذا يعتبر مخالفًا للفكر التربوي الإسلامي، لأنه مخالف للعلم وما يخالف العلم يخالف التفكير الإسلامي أصلًا. ٣ - عدّد ابن الجوزي بعض الأسباب التي تورث النسيان وهي: "الحجامة في النقرة، وأكل الكُزْبرَة الرطبة والتفاح الحامض، والمشي بين جملين مقطورين، وكثرة الهم، وقراءة ألواح القبور، والنظر في الماء الدائم والبول فيه، والنظر الى المصلوب، ونبذ القمل، وأكل سؤر الفأر" (١). وقد علّق العجلوني على قول ابن الجوزي فقال: "قال في المقاصد ولا يصح في المرفوع من ذلك شيء" (٢). وقد ورد حديث يقول: "الحجامةُ في نقرةِ الرأسِ تورثُ النسيانَ فتجنبوا ذلك. رواه الديلمي من حديث عمرو بن واصل، قال: حكى لي محمد بن سوأة عن مالك بن دينار عن أنس مرفوعًا، وابن واصل اتهمه الخطيب بالوضع لاسيما وهو حكاية، وقد احتجم ﷺ في يافوخهِ من وجعٍ كان به" (٣). وورد في القمل: "نبذُ القملِ يورثُ النسيانَ. أورده ابن عدي في حديث مرفوع شديد الوهي والضعف. وفي سنده الحكم بن عبد الله الأيلي متهم بالوضع، ولفظه ست تورث النسيان سؤر الفار، وإلقاء القملة وهي حية، والبول في الماء الراكد، وقطع القطار، ومضغ العلك، وأكل التفاح الحامض" (٤). ومن هنا نجد أن رأيه مستند إلى أحاديث شديدة الضعف أو موضوعة، ولا يمكن أخذ رأيه في ذلك ولا يمكن اعتباره من الفكر التربوي الإسلامي الصحيح، بأي حال من الأحوال.

стр. 469

• الفصل الثاني موازنة الآراء التربوية لابن الجوزي بالآراء التربوية في عصره، وبالآراء التربوية المعاصرة أولًا: موارنة جوانب الحياة الثقافية والتعليمية والتربوية في عصر ابن الجوزي عند المسلمين وما يقابلها عند الأوروبيين. وهي المدة الزمنية الممتدة من سنة (٥١٠ هـ - ٥٩٧ هـ = ١١١٦ م - ١٢٠١ م) ثانيًا: موازنة آراء ابن الجوزي بآراء معاصريه من المسلمين في المدة الزمنية نفسها. ثالثًا: موازنة بعض آراء ابن الجوزي ببعض الآراء التربوية الحديثة عند غير المسلمين. رابعًا: موارنة بعض آراء ابن الجوزي التربوية بآراء المربين المسلمين المعاصرين.

стр. 470

• الفصل الثاني موازنة الآراء التربوية لابن الجوزي بالآراء التربوية في عصره، وبالآراء التربوية المعاصرة إن هذا الفصل يهدف إلى مقارنة بعض آراء ابن الجوزي التربوية ببعض الآراء والاتجاهات التربوية في عصره وفي العصر الحديث، وهذه المقارنة لا تعني مجرد مقارنة الفكر التربوي لابن الجوزي بالفكر الغربي فقط، بل تتناول أيضًا موازنة فكره بالفكر التربوي الإسلامي السائد في عصره ثم تتناول أيضًا موازنة فكره بالفكر التربوي لدى بعض المربين المسلمين المعاصرين. وتهدف الموازنة إلى أمر ضروري وهو "النظر من داخل التراث عن طريق إبراز أهم الاتجاهات الصحيحة والمستمدة من الأصول، المتوافقة مع الوحي، في محاولة لتقديم حلول مشكلات الواقع، أو تقديم النظرة المفسرة أو تنظير الواقع، وإلقاء الضوء على مكوناته، أو التراث ومشكلاته" (١). كما أن المقارنة تساعد على إبراز مميزات التفكير التربوي الإسلامي، لأن خصائصه تظهر بوضوح عند مقارنته بغيره، كذلك المقارنة تساعد هنا على تقويم آراء ابن الجوزي من حيث مدى تفوقه أو سبقه لغيره، ومدى صلاحية آرائه التربوية لأوضاعنا المعاصرة.

стр. 471

وستقوم الباحثة بمقارنة آراء ابن الجوزي التربوية من خلال أربعة محاور هي: أولًا: موازنة جوانب الحياة الثقافية والتعليمية والتربوية السائدة في عصر ابن الجوزي عند المسلمين وما يقابلها عند الأوروبيين، وهي المدة الزمنية الممتدة بين السنة (٥١٠ هـ والسنة ٥٩٧ هـ = ١١١٦ م والسنة ١٢٠١ م). ثانيًا: موازنة آراء ابن الجوزي التربوية بآراء معاصريه من المسلمين في الفترة الزمنية نفسها. التي عاش فيها، وهم الذين كانوا في بلاد الإسلام التي تشمل كلًا من بغداد والأندلس والمغرب. ثالثًا: موازنة بعض آراء ابن الجوزي التربوية ببعض الآراء التربوية الحديثة عند غير المسلمين. رابعًا: موازنة بعض ابن الجوزي التربوية بآراء المربين المسلمين المعاصرين. وهناك أسباب دعت الباحثة إلى تشعيب المقارنة إلى أربعة محاور، وسأكتفي بذكرها عند مقارنة آراء ابن الجوزي بغيرها من الآراء والاتجاهات، فلا أذكرها هنا اجتنابًا للتكرار. أولًا: موازنة جوانب الحياة الثقافية والتعليمية والتربوية في عصر ابن الجوزي عند المسلمين وما يقابلها عند الأوروبيين، وهي المدة الزمنية الممتدة بين سنة (٥١٠ - ٥٩٧ هـ = ١١١٦ - ١٢٠١ م) فرضت طبيعة الاتجاهات التربوية السائدة في أوروبا، في الفترة نفسها التي عاشها ابن الجوزي، عدم وجود آراء تربوية واضحة، يمكن مقارنتها بآراء ابن الجوزي. وقد ساعدت المظاهر المتعددة التي غلبت على القرون الممتدة من القرن الحادي عشر إلى الخامس عشر الميلاديين، إلى تميز التربية والتعليم في هذه الفترة، فكانت "الحياة العقلية في الشطر الأول من العصور الوسطى خاضعة للكنيسة خضوعًا شديدًا. فمع مجيء الأفكار الوثنية من الشرق وذهاب الحملات الصليبية إلى الأراضي المقدسة، وتأثيرات الغرب

стр. 472

الفكرية، كل هذه أثارت التفكير والتساؤل عن سلطان الكنيسة العقلي، وهزت العزلة التي عاشتها الحياة العقلية في الغرب" (١). وأبرز حركة فكرية ظهرت في هذه الفترة نتيجة للمظاهر السابقة، هي الحركة الكلامية المدرسية " Scholosticism"، والهدف من هذه الحركة المدرسية "الاستعانة بالعقل في الدفاع عن العقيدة، وتقوية الحياة الدينية والكنسية عن طريق تقوية المواهب العقلية، والقضاء على الشك والإلحاد والهرطقة عن طريق المناقشة" (٢). وطبيعة هذه الحركة "تنطبق عليها خصائص الطريقة أكثر من خصائص الفلسفة. . . فهي أولًا وقبل كل شيء طريقة للتدريس والتأليف واختبار الحقائق وتمحيصها وتدعيمها والتدليل عليها والتوفيق بين الأقوال والتعاليم الدينية التي تبدو متعارضة" (٣). ومن المميزات التي تميزت بها هذه الحركة "الإعلاء من شأن فلسفة "أرسطو" ومنطقه القياسي إلى مستوى يجعلهما في مصاف تعاليم الكنيسة. ومن هذه المميزات أيضًا محاولة التوفيق بين العقل والدين والإيمان بأنه ليس بينهما أي تناقض أو صراع إذا ما فُهما حق فهمهما ومحاولة تدعيم السلطة الدينية بالفكر وتبرير العقيدة بالعقل، ومحاولة صياغة العقائد والمبادئ الدينية في عبارات منطقية، وتدعيمها على أساس من المنطق الأرسطوطاليسي" (٤). ومن أبرز علماء هذه الحركة انسيلم Ansselm (١٠٣٤ - ١١٠٩ م)، وبطرس أبيلارد Abe Lardus (١٠٧٩ - ١١٤٢ م)، وبطرس لمبارد Peter Lombard (١١٠٠ - ١١٦٤ م)، والكسندر هالس Alexander Hales (١١٨٠ - ١٢٣٥ م)، وقد اتفقوا على إمكانية التوفيق بين العقيدة

стр. 473

والعقل، "ولكنهم اختلفوا في تقديم أحدهما على الآخر، فذهب أنسيلم إلى: أن العقيدة يجب أن تسبق المعرفة، وأن الشك لا يمكن قبوله مقدمة أو تمهيدًا للعقيدة، ويقول في هذا الشأن: "أنا لا أبحث عن المعرفة لكي أؤمن ولكني أؤمن لكي أصل إلى المعرفة"، "أحرى بالمسيحي أن يتقدم إلى المعرفة عن طريق الإيمان، لا أن يصل إلى الإيمان عن طريق المعرفة. أما بطرس أبيلارد فقد ذهب إلى أن: "العقل متقدم أو سابق للعقيدة وأنه يمكن جعله أساسًا لعقيدة الكنيسة" (١). وقد وجهت لهذه الحركة انتقادات عدة، منها: "اتهامها بضيق ميدانها الفكري، فإن مجال تطبيقها لم يتعد في الغالب الأعم العقائد والتعاليم الدينية، والمبالغة في تقدير المنطق الأرسطوطاليسي، والوقوف عند حدوده، وتركيزها على اللفظ والشكل والأمور المعنوية المجردة. فكان رجالها يجهدون أنفسهم بالبحث في أمور ميتافيزيقية، وفي مسائل وهمية لا حقائق واقعية تؤيدها الملاحظة الحسية. وكانت كتبهم كما قال هلام: "تحتوي على مجردات عقلية لا قيمة لها، وعلى قضايا مفروضة فرضا وعلى تعريفات مملوءة بالألفاظ التبريرية المزعجة" (٢). وعلى الرغم من هذه الانتقادات التي وجهت لهذه الحركة، فإن لها مزايا متعددة منها "تحرير العقل المسيحي من النظرة الدينية الضيقة، وإلى الإيمان بأن العقل والدين ليسا متناقضين، والتحسين من أساليب البحث والتأليف والشرح للعقائد والتعاليم الدينية، ووضع مجموعة كبيرة من المفردات والمصطلحات الفلسفية والعلمية سهلت سبل الاتصال والبحث العلميين على مفكري العصر الوسيط والعصور اللاحقة له، وترك مجموعة كبيرة من المؤلفات القيمة في ميادين الدين والقانون والفلسفة، وإنتاج طائفة كبيرة من مشاهير الرجال الذين خدموا العلم والدين في ذلك الوقت (٣). وقد سبق ذكرهم. ومن أهم منجزات العصر الوسيط هو نشأة الجامعات الأوروبية،

стр. 474

ومن أهمها جامعة بولونيا في إيطاليا، وجامعة باريس في فرنسا، جامعة أكسفورد في بريطانيا. وقد ظهرت هذه الجامعات في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي ومطلع القرن الثاني عشر الميلادي، نتيجة للتحرر الفكري الذي حدث فيها وما صاحبه من موقف الكنيسة التي "خرجت بمفاهيم جديدة واهتمامات جديدة من نضالها مع الأباطرة الرومان المقدسين، فقد سمحت للفضول الثائر، والمناقشات الدينية المحتدمة، بأن تتخذ شكلًا علميًّا ذا بالٍ. ثم إن نمو التجارة وظهور الحكومات البلدية، ولاسيما في المدن الإيطالية، نفخت في التعليم المدني روحًا جديدة، وأخيرًا فإن الحروب الصليبية بقضائها على عزلة أوروبا وجعلها على اتصال بالعالم العربي الإسلامي المتمدين، سمحت بدخول الأفكار الجديدة، وبالتالي بتوسيع الآفاق الفكرية عند الغربيين" (١). هذه أهم جوانب الحياة التعليمية والعقلية في الدول الأوروبية، التي كانت في الفترة الزمنية التي عاش فيها ابن الجوزي. وحتى تكون المقارنة موضوعية، لابد أيضًا من إبراز الحالة الثقافية والتعليمية والتربوية التي كانت في الدولة الإسلامية، وفي الفترة الزمنية نفسها التي عاش فيها ابن الجوزي. وقد سبق أن تكلمت على ذلك (٢)، لذلك سنكتفي بمناقشة تلك المظاهر ومدى ارتباطها بالآراء التربوية عند ابن الجوزي. وهل لهذه الآراء علاقة بالفكر الأوروبي في ذلك الوقت، وما مدى تأثيره وتأثره بها. أهم المظاهر العلمية التي غلبت على عصر ابن الجوزي ١ - "تميز بغداد بالبيئة العلمية الخصبة التي حوت جميع الثقافات. ٢ - اهتمام الخلفاء والوزراء بالعلم والتعليم والعلماء.

стр. 475

٣ - انتشار المكتبات العامة والخاصة المليئة بالكتب المختلفة. ٤ - قيام الجوامع الإسلامية بمهمة العلم والتعليم. ٥ - انتشار المدارس التعليمية على المذاهب الأربعة. ٦ - كثرة العلماء المتفرغين للعلم والتعليم وكثرة مؤلفاتهم. ٧ - تعدد المذاهب والفرق الكلامية والاتجاهات الفكرية المختلفة. ٨ - ازدهار العلوم الإسلامية بالإضافة إلى علوم الطب والفلك والهندسة. ٩ - ترجمة كتب الفلسفة والمنطق إلى اللغة العربية" (١). وبمقارنة هذه المظاهر العلمية السائدة في الدولة الإسلامية، بالاتجاهات الفكرية السائدة في الدول الأوروبية، يتضح لنا ازدهار الحياة التعليمية الإسلامية، وشمولها لجميع أنواع العلوم الإسلامية والعلمية من طب وفلك وهندسة وإنجاز ترجمة كتب الفلسفة والمنطق من جميع اللغات اليونانية والهندية إلى اللغة العربية. هذا بالإضافة إلى الاختلاف الواضح في العقائد، فالدولة الإسلامية تدين بالعقيدة الإسلامية وتبني فكرها عليها، والدول الأوروبية تدين بالمسيحية وتبني فكرها عليها، مع محاولتها في هذه الفترة التحرر من سلطان الكنيسة إلى حد ما. وأهم النقاط التي ناقشها الفكر الأوروبي هي إمكانية التوفيق بين

стр. 476

العقيدة والعقل والإيمان وأنه ليس بينهما أي تناقض أو صراع إذا ما فُهما حق الفهم. وهذه فكرة لم يناقشها ابن الجوزي لكونه مسلمًا يدين العقيدة الربانية التي جاءت أحكامها وتشريعاتها موافقة للعقل البشري والإيمان الفطري، فحتى في الغيبيات مثلًا لا يحس المسلم بالتناقض أو الصراع وإنما يخاطب العقل البشري. كذلك قام الفكر الأوروبي بمحاولة صياغة العقائد والمبادئ الدينية في عبارات منطقية وتدعيمها على أساس من المنطق الأرسطوطاليسي. وابن الجوزي لم يناقش ذلك، ولكن ناقش -بصفة عامة- آراء الفلاسفة وتابعيهم الذين ينقلون "من حكمة سقراط وأبقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس وجالينوس" (١)، ثم بين أن هؤلاء الفلاسفة "كانت لهم علوم هندسية ومنطقية وطبيعية واستخرجوا بفطنهم أمورًا خفية إلا أنهم لما تكلموا في الإلهيات خلّطوا ولذلك اختلفوا فيها ولم يختلفوا في الحسيات والهندسيات" (٢). وبذلك نلاحظ أننا لا نستطيع مقارنة عصر ابن الجوزي بأفكاره التربوية الإسلامية بالعصر الأوروبي وأفكاره، لتركيز الأوروبيين الواضح على الديانة المسيحية، ومحاولة التحرر منها في خطواتها الأولى. وبذلك يكون الفكر التربوي لابن الجوزي فكرًا تربويًا متميزًا، لأنه استقاه من المنهج التربوي الإسلامي. ثانيًا: موازنة آراء ابن الجوزي بآراء معاصريه من المسلمين في الفترة الزمنية نفسها إن سبب موازنة آراء ابن الجوزي بآراء معاصريه من المسلمين، هو بيان مدى التشابه أو الاختلاف، أو التأثير فيهم والتأثر بهم، ثم مدى الترابط الفكري بين علماء المسلمين، رغم البعد المكاني، والتقارب الزمني. تمثل المدة من (٥١٠ - ٥٩٧ هـ) فترة ازدهار الحضارة العلمية

стр. 477

والثقافية في الدولة الإسلامية ولاسيما حركة التأليف من قبل علماء المسلمين أمثال: أبي بكر بن العربي في المغرب (٤٦٨ - ٥٤٣ هـ)، والسمعاني في بغداد (٥٠٦ - ٥٦٢ هـ)، والزرنوجي في شرق الدولة الإسلامية توفي في عام (٥٧١ هـ)، وابن طفيل في الأندلس (المتوفى في عام ٥٨١ هـ). وأخيرًا ابن رشد في الأندلس (٥٢٠ - ٥٩٥ هـ). وستقوم الباحثة بعرض مختصر لآراء هؤلاء العلماء بعد إعطاء نبذة موجزة عن اسم كل عالم ومكان نشأته، ومدى التشابه أو الاختلاف بينه وبين ابن الجوزي، ومدى استفادته منهم أو عدمها. أ - أبو بكر بن العربي (٤٦٨ - ٥٤٣ هـ) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد المعافري الأشبيلي. ولد في ٢٢ شعبان سنة ٤٦٨ هـ بمدينة إشبيلية في أحضان أسرة كانت لها حظوة لدى المعتمد بن عباد (٤٨٨ هـ- ١٠٩٥ م) في عصر دول الطوائف" (١). وتوفي في سنة ٥٤٣ هـ. ويعتبر أبو بكر بن العربي من الذين نقلوا التراث الفكري الحضاري من مختلف المراكز الثقافية، وشتى المدارس بالمشرق إلى المغرب بطريق مباشر، هو طريق الرحلة والطلب، والالتقاء بأصحاب المذاهب مباشرة؛ فقد التقى مباشرة بمنكري النبوات، وأتباع الفلسفة المشائية في بغداد، وبيت المقدس، والإسكندرية، بجانب أخذه عن أصحاب المذاهب الإسلامية، فسمع آراءهم مشافهة وناظرهم عليها، ونقدهم فيها، وحمل آراءهم إلى المغرب، وعرضها على تلاميذه، كما عرض نقده لها، وموقفه منها، الذي هو موقف الرفض، فيما يتعلق بالفلسفة اليونانية بالخصوص، ولم يكن موقفه سلبيًا محضًّا، بل إن نقده لم يخلُ من نظرات إيجابية نافذة، ومنهج عقلي واضح" (٢). والذي يهمنا في موضوع بحثنا، هو الجانب التربوي من أفكاره،

стр. 478

وقد أخذ جزءًا كبيرًا منه من الإمام الغزالي، وكان متأثّرًا به إلى حدّ كبير. وقد التقى أبو بكر بن العربي بالإمام الغزالي في مدينة السلام بغداد (١) في سنة ٤٩٠ هـ وأخذ عنه من العلوم الشيء الكثير. موجز لبعض آراء أبي بكر بن العربي التربوية أُخذت هذه الآراء من كتاب آراء أبي بكر بن العربي الكلامية للأستاذ عمار طالبي: ١ - "انتقد طريقة تعليم أهل المغرب لصبيانهم وهي أنهم يبدأون بتعليم القرآن الكريم، ثم اللغة العربية، ثم حفظ موطأ الإمام مالك، ثم حفظ المدوّنة برواية ابن القاسم ثم دراسة الوثائق لابن العطاء في فن التوثيق والعقود، ثم يختم -الطالب- دراسته بكتاب أحكام ابن سهل. وقارنها بطريقة أهل المشرق التي اعتبرها أفضل منها وهي أن يبدأ بتعليم الصبي إذا عقل الخط أو الكتابة والحساب والعربية، ثم حفظ القرآن، ويستمر في تلقي العلوم الأخرى، أو يكتفي بذلك". ٢ - المنهج الذي وضعه ابن العربي يتألف من: تعليم الصبي اللغة العربية ومقاطع الكلام، ويحفظ أشعار العرب وأمثالها، ثم ينتقل إلى تعلم الحساب، ثم دراسة القرآن. كذلك يمكن أن يتعلم أصول الدين، ثم أصول الفقه، ثم الجدل، ثم الحديث وعلومه. كما أوصى بتعليم أصول الطب، وتعليم تعبير الرؤيا، ومعرفة الأنساب". ٣ - أن لا يخلط في التعليم بين علمين إلا أن يكون الطالب ذا جودة في الفهم، وقوة في النشاط، وقابلية في ذلك. وهذا الرأي ذهب إليه الإمام الغزالي ﵀. ٤ - يرى أن ذهن الطفل خال من كل شيء. وهو ما ذهب إليه الغزالي. ٥ - لا يشجع ابن العربي التخصص، ويقول في ذلك "ولا يفرد

стр. 479

نفسه ببعض هذه العلوم، فيكون إنسانًا في الذي يعلم، بهيمة فيما لا يعلم" (١). وهناك الكثير من آرائه التربوية. والذي يبدو واضحًا تأثر ابن العربي بالإمام الغزالي، كما أشرنا وهذا التاريخ قبل ولادة ابن الجوزي ٥١٠ هـ. ثم ترك ابن العربي بغداد بعد سنتين عائدًا إلى المغرب، ثم مصر، ثم استقر في بلده من عام ٥٣٥ هـ إلى أن توفي عام ٥٤٣ هـ. والذي يبدو من التتبع التاريخي لحياة ابن العربي وصلته بالعلماء، أنه لم يقابل ابن الجوزي ولم يقرأ كتبه، ولم يذكر اسمه في أي من مؤلفاته الكثيرة، لذلك لم يكن هناك تأثير أو تأثر بينهما، وإن كان كل منهما قد تأثر بالإمام الغزالي. ولكن ابن العربي استفاد من الغزالي أكثر من ابن الجوزي وخصوصًا في الجانب التربوي. ب- عبد الكريم بن محمد بن منصور أبو سعد السمعاني (٥٠٦ هـ- ٥٦٣ هـ) "كان أحد فرسان الحديث، وعظ بالنظامية ببغداد، وقرأ تاريخها على أبي محمد ابن الأبنوسي، ثم ارتحل إلى همدان فسمع بها من شيوخها، وبأصبهان من أبي بكر أحمد بن محمد الحافظ ابن مردويه وطبقته. ذكر ولده له ترجمة حسنة وقال: رحل بي وبأخي سنة تسع وخمسمائة إلى نيسابور فسمعنا من الشيروي، وقد أملى مائة وأربعين مجلسًا بجامع مرو وكل من رآها اعترف له أنه لم يُسبق إلى مثلها، وكان يَعِظ ويروي في وعظه الحديث بأسانيده" (٢). وقد ذكر ابن الجوزي في كتابه المنتظم طرفًا من حياته فقال: "دخل إلى بغداد سنة اثنتين وثلاثين وسمع معنا على المشايخ، وسافر في

стр. 480

طلب الحديث، وذيِّلَ على تاريخ بغداد. . . . الخ" (١). وقد اتهمه ابن الجوزي بالتدليس فقال: "كان يأخذ الشيخ البغدادي فيجلس معه فوق نهر عيسى ويقول حدثني فلان من وراء النهر ويجلس معه في رقة بغداد، ويقول حدثني فلان بالرقة في أشياء من هذا الفن لا تخفى على المحدثين" (٢). وقد ضمن كتابه أدب الاملاء والاستملاء (٣) مجموعة من الآداب وطرائق العمل، وأدوار كل من الأستاذ (المعلم) والأستاذ المساعد (المستملي، المعيد) والكاتب (الطالب)، وهي خاصة بعلم الحديث وأهميته وقواعد تعلمه. وأدوات التعليم. وأهم الآراء التي وردت فيه بإيجاز شديد هي: - فضل العلم وأهدافه. - قسَّم الآداب إلى أربعة أقسام؛ القسم الأول: شروط وآداب الأستاذ. أ- الآداب الشكلية وتشمل: ١ - المظهر الخارجي للأستاذ. ٢ - أن يقتصد في مشيه للدرس ويلتزم بآداب السلام. ٣ - أن يلتزم في أثناء الدرس بقواعد الدخول ووضعية الجلوس. ٤ - أن يلتزم بتحديد الأماكن والأوقات الخاصة بالتدريس. . . . الخ. ٥ - أن يلتزم بالمواعيد.

стр. 481

ب- قواعد تدريس المنهج وتشمل: ١ - أن لا يُحدِّث إلا من كتابة تجنبًا للنسيان. ٢ - أن ينوّع في المصادر والمراجع. ٣ - أن يستعمل الكتب والمصادر الموثوق بها ويبتعد عن الضعيفة. ٤ - أن يراعي الفروق الفردية للاستيعاب عند التلاميذ. . . الخ. القسم الثاني: شروط وواجبات مساعد المملي وتشمل: ١ - أن لا يكون ثقيلًا بل خفيفًا على الفؤاد. ٢ - يستحب أن يقعد على موضع مرتفع. ٣ - ينبغي أن يكون جهوري الصوت. ٤ - ينبغي أن يكون متيقظًا ولا يكون بليدًا مغفلًا. . . . الخ. القسم الثالث: آداب الطالب وتشمل: ١ - أن يتميز عن غيره باقتدائه بالرسول ﷺ . ٢ - أن يبكر إلى المجلس لطلب العلم. ٣ - أن يهتم بمظهره الخارجي مع الاهتمام بالقواعد العامة للسير والمشي. ٤ - أن يلتزم بآداب الدخول والخروج من مجلس العلم. . . . الخ. القسم الرابع: أدوات التعليم وتشمل: ١ - استعمال الحبر. ٢ - استعمال المحبرة. ٣ - استعمال القلم. ٤ - الاستعمال الأمثل للخط.

стр. 482

٥ - طريقة الكتابة تجنبًا للتصحيف والإملاء. . . الخ. على الرغم من ذكر ابن الجوزي للسمعاني في كتابه المنتظم، فإنه لم يعلق على كتابه هذا، وما فيه من آراء تربوية خاصة بآداب العالم والمتعلم، والملاحظ أن هناك تشابهًا أو شيئًا من التشابه بين آراء السمعاني في هذه الآداب، وآراء ابن الجوزي في الموضوع نفسه: آداب العالم والمتعلم والقاصّ. وهذا التشابه ربما نتج من أن كلًا منهما يدين بالإِسلام فكرًا ومنهجًا شاملًا للحياة، فبنَى كل واحد منهما رأيه حسب ما وجده في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، أو ربما نشأ هذا التشابه أيضًا من تأثر ابن الجوزي بالسمعاني، لأنه ذكر ترجمة حياته، ومعنى ذلك أنه وقف على تراثه وتأثر به، ولم يذكر تأثره لأن الدراسات لم تكن على نظامنا أن يذكر الباحث بكل ما أخذ من غيره. جـ- الزرنوجي (٥٧١ هـ) هو برهان الدين إبراهيم الزرنوجي (زَرْنوج بالفتح والسكون بلد بما وراء النهر بعد خجند) الحنفي من تلاميذ برهان الدين صاحب الهداية، المتوفَّى في حدود سنة ٦١٠ هـ. صنف الزرنوجي تعليم المتعلم طريق التعلم (١) ولم يحدد يوم ولادته، واختلف في وفاته، فمنهم من ذكر سنة وفاته ٥٧١ هـ (٢). ومنهم من ذكر سنة ٥٩١ هـ. ويعتبر "أحد فقهاء الحنفية الذين عاشوا في شرق الدولة الإسلامية فيما وراء النهر، وفي النصف الثاني من القرن السادس الهجري، وأوائل القرن السابع، ولم يذكر له الذين ترجموا حياته سوى هذا الكتاب، الذي يعطينا فكرة واضحة عن ثقافة عصره، بالإضافة إلى معرفته علوم الفقه

стр. 483

وبخاصة الفقه الحنفي" (١). وسنعرض لفكره التربوي من خلال كتابه تعليم المتعلم طريق التعلم، وقد قسم الزرنوجي موضوعات الكتاب إلى فصول عدة (٢) هي: ١ - فصل في ماهية العلم والفقه وفضله. ٢ - فصل في اختيار العلم والأستاذ والشريك والثبات عليه. ٣ - فصل في تعظيم العلم وأهله. ٤ - فصل في الجد والهمة. ٥ - فصل في بداية السبق وترتيبه وقدره. ٦ - فصل في التوكل. ٧ - فصل في وقت التحصيل. ٨ - فصل في الشفقة والنصيحة. ٩ - فصل في الاستفادة واقتباس الآداب. ١٠ - فصل في الورع في حال التعلم. ١١ - فصل فيما يورث الحفظ وفيما يورث النسيان. ١٢ - فصل فيما يجلب الرزق وما يمنعه، وما يزيد في العمر وما ينقص. وبمقارنة آراء الزرنوجي بآراء ابن الجوزي في هذا المجال، فإننا نلاحظ أن هناك تشابهًا وتقاربًا كبيرًا بينهما. وإذا أردنا أن نتبين هذا التقارب الكبير بينهما، هل حدث نتيجة التأثير والتأثر بينهما، أم نتيجة نقل أحدهما عن الآخر، فإننا لا نستطيع

стр. 484

ذلك، لأن كتب التراجم لم تذكر شيئًا عن حياة الزرنوجي العلمية، ورحلاته وشيوخه، وتلاميذه، وعلاقته بغيره من العلماء السابقين واللاحقين لعصره. والشيء الذي يمكن أن نؤكده أن كلا الإمامين قد استقى آراءه التربوية من الفكر التربوي الإسلامي، بمصدريه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ومن مؤلفات غيرهما من العلماء، لذلك نتج هذا التقارب بينهما. د- ابن طفيل توفى (٥٨١ هـ) "هو أبو بكر محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسي. ولد في وادي "آش" (Guadix حاليًّا) لا يبعد أكثر من ٥٥ كم عن قرطبة، في عام لم يحدده المؤرخون بدقة، فذكروه ما بين ٤٩٥ هـ وعام ٥٠٥ هـ. في أسرة لم يذكر المؤرخون عنها شيئًا، ينتمي إلى قبيلة قيس من أصل عربي من غير اليمن (١). أما حياته العلمية فقد "قرأ على جماعة من المحققين لعلم الفلسفة، منهم أبو بكر ابن الصايغ المعروف بابن باجة. وسواء قد تتلمذ ابن طفيل حقًّا على ابن باجة أو لم يصحَّ ذلك فمما لا شك فيه أنه تأثر به وبفلسفته تأثرًا بارزًا، هذا إلى جانب دراسته العلوم الدينية والفقه، والعلوم العقلية والطب، وقد برز بها جميعًا وترك آثارًا بها، ولعل علومه هذه تلقاها في غرناطة وأشبيلية لكونهما مركزي العلوم في بيئة وعصر ابن طفيل" (٢). وقد تقلب ابن طفيل في وظائف عدة، فقدمه الباحثون لنا قاضيًا، كما قدموه لنا طبيبًا بارعًا في غرناطة لحقبة طويلة لدى السلطان أبي يعقوب يوسف القيسي، إلى أن تخلَّى عن هذه المهمة لابن رشد، كما يقدمه لنا البعض كاتبًا لأمير غرناطة، ولأحد أبناء عبد المؤمن. ووزيرًا

стр. 485

للسلطان أبي يعقوب يوسف نفسه". وأوضح جوانب حياة فيلسوفنا تلك المرحلة التي قضاها في بلاط السلطان أبي يعقوب يوسف سلطان الموحّدين" (١). فكر ابن طفيل التربوي من خلال قصة حي بن يقظان ألف ابن طفيل قصة ضمنها أفكاره وسماها حي بن يقظان، وأراد أن يبرز فكره التربوي فيها، وهذه القصة قصة فلسفية رمزية، قسم فيها حياة "حي" ونموه إلى مراحل، وتعامل مع كل مرحلة بما يتناسب مع طبيعتها، وقدم لها ما يناسبها من خبرات ودوافع ومحركات تمهد للانتقال إلى مرحلة أُخرى تليها" (٢). للوصول إلى الغاية من وجوده وخلقه في هذه الدنيا. وسأوجز عرض مراحل النمو وما حققته كل مرحلة كما جاءت في القصة، وكما عرضها أحد الباحثين (٣). المرحلة الأُولى: من الولادة حتى الثانية من العمر: تربّى "حي" في أحضان ظبية أرضعته منها، وأغدقت عليه من حنانها، ومع توافر هذه الحاجات (الحيوية) البيولوجية التي يتطلبها في هذه المرحلة، تعلم عن طريق التقليد والمحاكاة ما يدفع عنه الضرر، ويحقق له المقدرة على الاستمرار، فقلد الأصوات التي تعبر عن انفعالاته الأولية كالخوف، والاستغاثة، والألفة، والقبول والرفض، بالإضافة إلى تكون بعض العواطف، واكتساب بعض العادات والممارسات مثل الكلام والنطق والمشي والتنقل. المرحلة الثانية: من السنتين حتى السابعة من العمر: ينتقل "حي" في هذه المرحلة من القصور الذاتي والعجز الكامل إلى

стр. 486

شيء من الاعتماد على نفسه، إذ يصبح عن طريق الملاحظة والمقارنة والمشاهدة والتفكر والتأمل، يدرك بعض الأمور مثل انفصاله عن الآخرين، والسعي لتحقيق الضروريات لحياته، كما أصبح يدرك بعض المفارقات بينه وبين الحيوانات، يضاف إلى ذلك نزوع عاطفي نحو ما ألفه من الطبيعة نظرًا لما قدمته له من حماية ووسائل للحياة. المرحلة الثالثة: من السابعة حتى الحادية والعشرين من العمر: يبين ابن طفيل في هذه المرحلة، ما وصل إليه "حي" من نمو جسدي وانفعالي وفكري، فذكر أنه على الصعيد الجسدي، استطاع أن يفصل بين الجسد والروح، ويكتشف طبيعتهما وماهية كل منهما وعلاقته بالآخر، كما اكتشف طبيعة الحواس، والدور الذي تؤديه للإنسان، وطبيعة عملها، وما تحقّقه للفرد من معارف وإدراكات بواسطتها. أما على الصعيد الانفعالي (العاطفي) فقد استمد "حي" عواطفه الايجابية من الظبية التي أمدته بأسباب الحياة فكانت سببًا في بقائه، كما أخذ من الغراب الذي دفن صاحبه درسًا وخبرة، مستحسنًا ما أقدم عليه ذلك الطير. وكما كانت تلك العاطفة -بعد وفاة الظبية- باعثًا على الكشف والتعرف، كانت باعثًا على الاهتمام والشفقة وتقديم المساعدة لكل من يحتاجها. أما على الصعيد الفكري: فقد أراد ابن طفيل الفيلسوف أن يصل بـ"حي" إلى درجة فكرية عالية ومتقدمة، كما وصل به في الجانبين الجسدي والانفعالي. وأهم الحقائق التي بلغها "حي" في هذه المرحلة هي أنه: "أ - تمكن من الكشف عن العلاقات بين أشياء متعددة متنافرة ومتباعدة مثل (علاقة الروح بالجسد، وأعضاء الجسد بالجسد نفسه الذي هو وحدة واحدة). ب - ربط الإدراكات والمعارف بالوسائل المؤدية إليها فقد ربط الادراكات الحسية بالحواس، وإذا تعرضت الحواس لعائق تعطلت الإدراكات.

стр. 487

جـ - توصل إلى الفصل بين مبدأي الحركة (أعلى وأسفل) والسكون، وبين التعدد والوحدة بالكشف عن الخصائص المشتركة وغير المشتركة بين الكائنات المجتزئة. د - توصل إلى ماهية وخصائص الأجسام والعناصر: الماء، والتراب، الهواء، النار، الجسد، الروح (النباتي منه والحيواني)، والفكر. هـ - اكتشف في عالم الكون والفساد: تحلّلَ العناصر وتحولها من حالة إلى أخرى، تختلف عنها ماهية وخاصية، تحول الماء إلى بخار، والنار إلى قوة محرقة، والتراب إلى طين. و- عرف مبدأ الفصل في الأجسام بين الهيولي والصورة، بين الشكل والمضمون، بين العنصر وماهيته، تحول الطين من شكل إلى شكل يختلف عنه، والماء والتراب والهواء. ز - كشف عن مبدأ العلية أو السببية: فكل تحول في جسم من حالة إلى حالة بالرغم من كون الهيولي واحدة، الصورة هي المتغيرة، لابد له من فاعل أو مسبب" (١). المرحلة الرابعة: (من العام الحادي والعشرين حتى الثامن والعشرين): في هذه المرحلة يتسع مجال تفكيره من عالم الحس والمادة إلى عالم الروح والعقل، ويبلغ ابن طفيل بحي بن يقظان أقصى درجات المعرفة، بل السعادة، حيث يلتقي العقل مع الشرع، العيان بالوحي، ويتفق المعقول مع المنقول، لينتهي بعدها دور العقل ويبلغ قدرًا يعجز عنه الوصف والتحدث به بلغة العقلاء من البشر. عندها يبلغ العلم الإلهي غايته من إدراك وجود الله تعالى. المرحلة الخامسة: (من الثامنة والعشرين من العمر حتى الخمسين): في هذه المرحلة يوضح ابن طفيل نموذجين من البشر في المجتمع إزاء دعوة الشريعة، إما إلى انتهاج طريق "العزلة والانفراد" باعتبارهما

стр. 488

طريقي الخلاص والنجاة، أو انتهاج طريق "المعاشرة وملازمة الجماعة"، وقد فضل ابن طفيل العودة إلى الطبيعة واتباع طريق الوحدة واعتزال المجتمع فهو طريق الخلاص من ناحية، كما أنه الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى الحقيقة التي ينشدها الإنسان من ناحية أُخرى (١). هذا موجز لفكر ابن الطفيل من خلال قصة حي بن يقظان، التي نقلتها بتصرف وإيجاز من كتاب الفكر التربوي عند ابن طفيل، للدكتور عبد الأمير شمس الدين. ولو أردنا الإسهاب لأخذ منا صفحات طويلة، لذلك سنكتفي بما سبق. وواضح من التتبع التاريخي لحياة ابن طفيل أنه عاش في مدينة من مدن الأندلس، ولم يكن على اتصال بابن الجوزي، ولم يكن ابن الجوزي على اتصال أو معرفة به، يضاف إلى ذلك أن فكر ابن طفيل التربوي يختلف تمامًا عن فكر ابن الجوزي الذي يعتمد في كثير من آرائه على الإشارات التربوية العامة، أما ابن طفيل فقد سلك منهجًا تربويًا متميزًا في عرض مراحل النمو الإنساني، وما يحتاجه هذا النمو من حاجات فطرية، ونفسية، ليحقق الغاية من هذا الوجود، مستخدمًا في ذلك الطرق والوسائل والأساليب التي توصله إلى هذه الغاية، وذلك من خلال العرض القصصي الذي أعطى تصورًا مخالفًا عن النظرة الإسلامية للإنسان والغاية من وجوده في بعض الأمور، وقد أهمل ابن طفيل تأثير البيئة، ودور كل من الوالدين والمربين والمعلمين في توجيه الطفل وتقويم سلوكه وتزويده بالمعارف والمهارات المختلفة، لأنه يرى أن الإنسان عنده قدرة فكرية وعقلية يستطيع بها الوصول إلى معرفة الله، ولإبراز فكره أهمل ذلك قصدًا حتى يصل إلى ذلك من خلال مراحل نمو الإنسان وخصائص كل مرحلة. هـ - ابن رشد (٥٢٠ - ٥٩٥ هـ) هو "محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن

стр. 489

عبد الله بن رشد أبو الوليد المشهور بابن رشد الحفيد" (١). "ولد محمد بن رشد الحفيد في سنة ٥٢٠ هـ. . . وقد تولى والده تربيته على النحو الذي تربَّى عليه، فحرص على تدريسه بنفسه، وإيصاله إلى كبار شيوخ عصره" (٢). وقد أخذ بنصيب وافر من العلوم الإسلامية، القرآن الكريم والحديث والفقه والسيرة النبوية، وتاريخ الرجال، ومن علوم الفلسفة والطب. وقد ألَّف في معظم العلوم التي درسها مثل الطب والفلسفة التي يعتبر إمامها. كما "استطاع ابن رشد أن يلفت إليه الأنظار مبكرًا، فهو سليل علماء أجلاء وحفيد لشيخ الجماعة، كما أن نبوغه واستيعابه لأهم العلوم المرغوب فيها من لون الخاصة لاسيما في مجالات الطب والفلسفة أتاحا له البروز وأهَّلاه لتولي منصب القضاء، ولإيثار الملوك له دون أقرانه" (٣). وقد توفي ابن رشد في سنة خمس وتسعين وخمسمائة (٥٩٥ هـ) بعد أن تعرض لمكايد الحسَّاد لمنزلته من الخليفة. آراء ابن رشد التربوية هذه بعض آراء ابن رشد التربوية المستخلصة من كتابه تلخيص كتاب جمهورية أفلاطون. وقد نُقلت بتصرف من كتاب من أعلام التربية العربية الإسلامية المجلد الثالث، من بحث أعدّه الدكتور عبد السلام الهراس بعنوان "أبو الوليد محمد بن رشد الحفيد" (٤).

стр. 490

أهم الآراء التربوية لابن رشد ١ - وجوب التنشئة على الفضائل من الصغر، ويقول في ذلك: "بداية كل شيءٍ مهمة جدًّا، وينبغي ألا تعوَّد أنفسهم على حكايات فارغة فلا نربيهم وفقًا لها بأكثر مما نحمي أجسامهم مما يخربها" (١). ٢ - استبعاد محاكاة كل ما هو سخيف ومنحطّ: فقال في ذلك: "وعندي أنه يجب استبعاد القصائد العربية التي تتناول مثل هذه الأشياء أو تحاكي ما يشابهها، فهو يلحّ على إبعاد الشباب في حداثتهم عن تعويدهم على سماع ما في قصائد العرب من شرور" (٢). ٣ - أولويات المواد في التعليم: ويقول في ذلك ابن رشد: "ولما كانت هذه الصناعة (يقصد بها علم المنطق) موجودة الآن، فإن الأَولى أن نبتدئ تعليمهم بها، وبعد ذلك ينبغي أن ينتقلوا إلى الحساب ثم الهندسة وعلم الهيئة والموسيقى وعلم المناظرة والميكانيك والطبيعيات وأخيرًا ما بعد الطبيعة" (٣). ٤ - أقسام العلوم علمية وعملية: يرى ابن رشد أن العلم الحق هو "معرفة الله ﵎ وسائر الموجودات على ما هي عليه وبخاصة الشريفة منها، ومعرفة السعادة الأُخروية والشقاء الأُخروي. والعمل الحق هو امتثال الأفعال التي تفيد السعادة وتجنب الشقاء. والمعرفة بهذه الأفعال هي التي تسمى "العلم العملي". والأفعال التي تعكس العمل الحق تنقسم إلى: أفعال بدنية والعلم بها يسمى الفقه، وأفعال نفسانية وأخلاقية دعا إليها الشرع أو نهى عنها والعمل بها يسمى "الزهد" "وعلوم الآخرة" وهو في هذا الرأي متأثر بالإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين (٤). يبدو من آراء ابن رشد التربوية، أنها تختلف في بعضها عن آراء

стр. 491

ابن الجوزي، لأن ابن رشد يعتبر فيلسوفًا متأثرًا بالدراسات الاستشراقية المتأخرة التي بينت تأثيره في الفكر الأوروبي" (١)، وتأثره بالفلسفة واعتباره رائدًا من روادها، وقد اصطبغت آراؤه التربوية بالصبغة الفلسفية ذات الصلة بالطابع الشرعي والقياس العقلي. بينما لم يبدُ ذلك على آراء ابن الجوزي. ثالثًا: موازنة بعض آراء ابن الجوزي ببعض الآراء التربوية الحديثة عند غير المسلمين إن الداعي إلى مقارنة بعض آراء ابن الجوزي ببعض الآراء التربوية الحديثة -رغم البعد الزمني- يكمن في أن المقارنتين السابقتين لم تبرزا آراء ابن الجوزي التربوية، وموقعها بين الآراء التربوية الحديثة. وفي هذه المقارنة لن نركز على العالم التربوي أو عصره أو الفترة الزمنية التي عاش فيها، بل الذي يهمنا في المقام الأول هو أوجه الاختلاف أو الاتفاق في الآراء التربوية، وما أضافه ابن الجوزي، وما سبق به غيره وأسباب ذلك. وستكون المقارنة لبعض آراء ابن الجوزي التربوية، الواردة في كل فصل من الفصول السابقة في البابين الثالث والرابع حسب ترتيبها. أ - حقيقة الدوافع سبق في الباب الثالث، الفصل الأول، أن ذكرنا تعريف الدافع وبينا حقيقته ورأي ابن الجوزي فيه وهو "أن جميع ما وُضِع في الآدمي إنما وُضع لمصلحته، إما لاجتلاب نفع كشهوة المطعم أو لدفع ضرر كالغضب" (٢) وهو بذلك يوافق ما ذهب إليه بعض علماء النفس وإن كان ثمة خلاف فهو في تحديد هذه الدوافع الغريزية، فقد أرجعها بعضهم إلى واحدة "هي الغريزية الجنسية (فرويد)، أو غريزة السيطرة، ومنهم من رآها متعددة، وقد اختلفوا في عددها؛ فرأى "ماكدوجل" زعيم المدرسة التقليدية في الغرائز أنها أربع عشرة غريزة، يصحب كلا

стр. 492

منها استثارة انفعالية خاصة، أما "وليم جيمس"، فقد ذكر أنها أكثر من ٣٢ غريزة، وجعلها "ثورندايك" حوالى ٤٢ غريزة" (١). وسنركز على نظرية الدوافع عند عالم النفس الانجليزي الأصل "وليم ماكدوجل" (١٢٨٨ هـ-١٣٥٧ هـ). (١٨٧١ - ١٩٣٨ م)، لأنه العالم الذي لقيت نظريته القبول أكثر من غيرها، رغم ما فيها من نقد أبرزُه أنها نظرية تصنيفية وليست تفسيرية. فكل ما فعله هو تصنيف الغرائز تحت أسماء معينة دون أن يقدم لنا أطرًا تصنيفية معينة. مثال هذا أنه وضع أنماطًا سلوكية معينة تحت عنوان البحث عن الطعام، وأُخرى تحت عنوان القتال أو الوالدية أو حب الاستطلاع. . . . الخ. وانتقل من هذا إلى اعتبار أن الاسم الذي وضعه سبب ومحرك السلوك. فإذا ما تساءلنا عن الدليل الذي يدل على وجود غريزة البحث عن الطعام، فإن الإجابة تتمثل في سلوك البحث عن الطعام نفسه، وهكذا نقع في "الدور المنطقي، أو ما يطلق عليه المناطقة، المصادرة على المطلوب. ولم يعف "ماكدوجل" من النقد ما لجأ إليه مؤخرًا من العدول عن مصطلح الغريزة واستبداله بمصطلح الاستعداد الفطري" (٢). أو الدافع الفطري. وقد استبعدنا نظرية "فرويد" لأن أهم نقد وجه إلى نظريته أنه: "جعل الأساس الأول للتكوين الإنساني الفطري الغرائزي (الجنس والعدوان) وبهذا سلب من الإنسان كل القيم والجوانب العليا التي استحق من أجلها الخلافة عن الله سبحانه" (٣)، إلى غير ذلك من أوجه النقص الأخرى. أما الاتجاه السلوكي فقد أنكر الدوافع والاستعدادات الفطرية من أساسها، وجعل البيئة بمؤثراتها الخارجية هي المشكِّلة لسلوك الإنسان. ويذهب "ماكدوجل" إلى "أن الكائنات الحية مدفوعة لتحقيق

стр. 493

أغراض معينة مرسومة سواءً شعرت بها أو لم تشعر، ولهذا السبب زُوِّدت بعدد معين من الدوافع الكامنة أو القوى الموجهة وهي الغرائز لأجل تحقيق هذه الأهداف، وقد حدد "ماكدوجل" عدد الغرائز بـ (١٤) غريزة -كما أشرنا- منها، الهرب، المقاتلة، النفور، الوالدين (أو الوالدية كما في بعض الكتب). . . الخ" (١)، ثم أضاف إلى هذه القائمة أربع غرائز أخرى. ثم بيَّن "أن الإنسان قادر على تعديل غرائزه بسبب قدرته على التعلم، وما يتمتع به من ذكاء وقدرة على الفهم. ويكون التعديل قويًّا في مظهرين فقط مبن المظاهر الثلاثة للغريزة وهما المظهر الإدراكي والمظهر النزوعي. فالجانب الإدراكي الذي يتعلق بالمثير الخارجي والجانب النزوعي الذي يتعلق بالسلوك والفعل يمكن أن يتغيرا مع نمو الإنسان وتعلمه وخبراته وقدراته على الفهم، أما الجانب الوجداني -وهو جانب ذاتي غير إرادي- فيصعب التحكم فيه وتغييره" (٢). كذلك بين "ماكدوجل" أن الدوافع صنفان دوافع فطرية ودوافع مكتسبة. وهكذا نلاحظ أن الدوافع عند بعض علماء النفس الحديث، لا تخالف ما ذهب إليه ابن الجوزي، وإن كان الاختلاف في المصدر الذي أخذ عنه كل منهما. فالجذور الأساسية التي استقى منها ابن الجوزي تصوره للدوافع من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٤). وقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (٦). . . الخ. أما علماء النفس المحدثون فقد استقوا آراءهم من اجتهاداتهم

стр. 494

البشرية المعتمدة على التأثر بغيرهم من العلماء ومؤلفاتهم، أو عن طريق الملاحظة أو المشاهدة، أو الاختبارات والتجارب المعملية. ب - تربية الطفل في ضوء مراحل النمو سبق في الفصل الثاني من الباب الثالث، أن وضحت الباحثة رأي ابن الجوزي في تقسيم مراحل النمو في ضوء علم النفس الحديث، وأثبتت أن هناك اتفاقًا عامًّا في تقسيم بعض المراحل، ثم اختلافًا في بعض المراحل مثل مرحلة الشباب والشيخوخة والهرم. وتعتبر تقسيمات ابن الجوزي لمراحل النمو تقسيمات عامة (١)، أما علم النفس المعاصر فقد أفرد لمراحل النمو علمًا مستقلًا يبحث في مظاهر النمو لكل مرحلة من مراحله من حيث للنمو الجسمي والنمو الحركي، والنمو العقلي، والنمو الانفعالي، والنمو الاجتماعي، كذلك "استعان علم نفس النمو بكثير مما توصل إليه علم التشريح، والطب الإنساني، وعلم الجراحة، ثم ما قام به علماء النفس أنفسهم من دراسات تتبعية أو تجريبية هدتهم إلى كثير من الحقائق التي تعتبر على الرغم من توافرها، لا تزال تمثل النصيب الأدنى من حقائق التكوين النفسي للإنسان" (٢). ورغم ذلك يعد ابن الجوزي من المؤسسين لعلم نفس النمو، بإفراده رسالة خاصة لهذا، وهي: "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر، ويشاركه في ذلك ابن طفيل في رسالة "حي بن يقظان"، ثم جاء ابن قيم الجوزية فتناول المراحل بصورة شمولية منذ كون الإنسان نطفة إلى استقراره في الجنة أو النار، وذلك في كتابه تحفة المودود بأحكام المولود. وقد كان هذا السبق بفضل ما جاء في كتاب الله عن أطوار خلق الإنسان بدقة وشمول. وسنقارن بعض مراحل النمو التي ذكرها ابن الجوزي مع ما يقابلها أو يخالفها في الفكر التربوي الغربي.

стр. 495

١ - مرحلة ما قبل الميلاد: رغم اهتمام المنهج التربوي الإسلامي بمرحلة ما قبل الميلاد، إلا أن "رونيه أوبير" يقول: "وقد تركنا جانبًا مرحلة ما قبل الولادة، لا لأنه محظور علينا أن نقبل بوجود نوع من الحياة النفسية فيها، بل لأنه لا يمكن لهذه الحياة النفسية إلا أن تكون خالية من الشعور، ولأننا لا نستطيع أن نقدم سوى فرضيات عن طبيعة هذه الحياة النفسية" (١). ويرى "مينكوفسكي" " mienkowsky" أن الحياة النفسية الشعورية ليست أكثر وجودًا لدى الوليد ولدى الرضيع، وذلك لأن الحياة النفسية الشعورية تنتظم حول الشعور بالأنا، ولأن الوليد لا يملك الشعور حتى بجسمه الخاص. . . ." (٢). "ثم أثبتت دراسات علم الأجنة وعلم النفس أن عوامل الوراثة ذات أثر كبير في مرحلة ما قبل الميلاد، وكذلك العوامل البيئية المحيطة بالجنين وهو في الرحم" (٣). ومن خلال هذه الدراسات بدأ علم نفس النمو يهتم بهذه المرحلة، وقد سبقه في الاهتمام المنهج التربوي الإسلامي، بينما ابن الجوزي لم يذكرها صراحةً وأهملها وتجاوزها -في حدود اطلاعي- رغم أهميتها في التربية. ٢ - أهمية مرحلة الطفولة في التربية الغربية: لا نستطيع أن نحدد عالمًا تربويًّا تخصص في تربية الطفل من جميع الجوانب التي يحتاجها لنموه؛ فقد أبدى كل واحد رأيه في جانب من الجوانب، وقد ذكر "جون لوك" lock في القرن السابع عشر، الكثير من عادات الطفل وكيفية تكوينها ودوافعه وأنواعها واتفاقها مع معايير الجماعة. وقال "إن الطفل يولد وعقله صفحة بيضاء".
следующие страницы →