← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17901

آراء ابن الجوزي التربوية

ليلى عطار

Полный текст (608 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ابن الجوزي، لأن ابن رشد يعتبر فيلسوفًا متأثرًا بالدراسات الاستشراقية المتأخرة التي بينت تأثيره في الفكر الأوروبي" (١)، وتأثره بالفلسفة واعتباره رائدًا من روادها، وقد اصطبغت آراؤه التربوية بالصبغة الفلسفية ذات الصلة بالطابع الشرعي والقياس العقلي. بينما لم يبدُ ذلك على آراء ابن الجوزي. ثالثًا: موازنة بعض آراء ابن الجوزي ببعض الآراء التربوية الحديثة عند غير المسلمين إن الداعي إلى مقارنة بعض آراء ابن الجوزي ببعض الآراء التربوية الحديثة -رغم البعد الزمني- يكمن في أن المقارنتين السابقتين لم تبرزا آراء ابن الجوزي التربوية، وموقعها بين الآراء التربوية الحديثة. وفي هذه المقارنة لن نركز على العالم التربوي أو عصره أو الفترة الزمنية التي عاش فيها، بل الذي يهمنا في المقام الأول هو أوجه الاختلاف أو الاتفاق في الآراء التربوية، وما أضافه ابن الجوزي، وما سبق به غيره وأسباب ذلك. وستكون المقارنة لبعض آراء ابن الجوزي التربوية، الواردة في كل فصل من الفصول السابقة في البابين الثالث والرابع حسب ترتيبها. أ - حقيقة الدوافع سبق في الباب الثالث، الفصل الأول، أن ذكرنا تعريف الدافع وبينا حقيقته ورأي ابن الجوزي فيه وهو "أن جميع ما وُضِع في الآدمي إنما وُضع لمصلحته، إما لاجتلاب نفع كشهوة المطعم أو لدفع ضرر كالغضب" (٢) وهو بذلك يوافق ما ذهب إليه بعض علماء النفس وإن كان ثمة خلاف فهو في تحديد هذه الدوافع الغريزية، فقد أرجعها بعضهم إلى واحدة "هي الغريزية الجنسية (فرويد)، أو غريزة السيطرة، ومنهم من رآها متعددة، وقد اختلفوا في عددها؛ فرأى "ماكدوجل" زعيم المدرسة التقليدية في الغرائز أنها أربع عشرة غريزة، يصحب كلا

стр. 492

منها استثارة انفعالية خاصة، أما "وليم جيمس"، فقد ذكر أنها أكثر من ٣٢ غريزة، وجعلها "ثورندايك" حوالى ٤٢ غريزة" (١). وسنركز على نظرية الدوافع عند عالم النفس الانجليزي الأصل "وليم ماكدوجل" (١٢٨٨ هـ-١٣٥٧ هـ). (١٨٧١ - ١٩٣٨ م)، لأنه العالم الذي لقيت نظريته القبول أكثر من غيرها، رغم ما فيها من نقد أبرزُه أنها نظرية تصنيفية وليست تفسيرية. فكل ما فعله هو تصنيف الغرائز تحت أسماء معينة دون أن يقدم لنا أطرًا تصنيفية معينة. مثال هذا أنه وضع أنماطًا سلوكية معينة تحت عنوان البحث عن الطعام، وأُخرى تحت عنوان القتال أو الوالدية أو حب الاستطلاع. . . . الخ. وانتقل من هذا إلى اعتبار أن الاسم الذي وضعه سبب ومحرك السلوك. فإذا ما تساءلنا عن الدليل الذي يدل على وجود غريزة البحث عن الطعام، فإن الإجابة تتمثل في سلوك البحث عن الطعام نفسه، وهكذا نقع في "الدور المنطقي، أو ما يطلق عليه المناطقة، المصادرة على المطلوب. ولم يعف "ماكدوجل" من النقد ما لجأ إليه مؤخرًا من العدول عن مصطلح الغريزة واستبداله بمصطلح الاستعداد الفطري" (٢). أو الدافع الفطري. وقد استبعدنا نظرية "فرويد" لأن أهم نقد وجه إلى نظريته أنه: "جعل الأساس الأول للتكوين الإنساني الفطري الغرائزي (الجنس والعدوان) وبهذا سلب من الإنسان كل القيم والجوانب العليا التي استحق من أجلها الخلافة عن الله سبحانه" (٣)، إلى غير ذلك من أوجه النقص الأخرى. أما الاتجاه السلوكي فقد أنكر الدوافع والاستعدادات الفطرية من أساسها، وجعل البيئة بمؤثراتها الخارجية هي المشكِّلة لسلوك الإنسان. ويذهب "ماكدوجل" إلى "أن الكائنات الحية مدفوعة لتحقيق

стр. 493

أغراض معينة مرسومة سواءً شعرت بها أو لم تشعر، ولهذا السبب زُوِّدت بعدد معين من الدوافع الكامنة أو القوى الموجهة وهي الغرائز لأجل تحقيق هذه الأهداف، وقد حدد "ماكدوجل" عدد الغرائز بـ (١٤) غريزة -كما أشرنا- منها، الهرب، المقاتلة، النفور، الوالدين (أو الوالدية كما في بعض الكتب). . . الخ" (١)، ثم أضاف إلى هذه القائمة أربع غرائز أخرى. ثم بيَّن "أن الإنسان قادر على تعديل غرائزه بسبب قدرته على التعلم، وما يتمتع به من ذكاء وقدرة على الفهم. ويكون التعديل قويًّا في مظهرين فقط مبن المظاهر الثلاثة للغريزة وهما المظهر الإدراكي والمظهر النزوعي. فالجانب الإدراكي الذي يتعلق بالمثير الخارجي والجانب النزوعي الذي يتعلق بالسلوك والفعل يمكن أن يتغيرا مع نمو الإنسان وتعلمه وخبراته وقدراته على الفهم، أما الجانب الوجداني -وهو جانب ذاتي غير إرادي- فيصعب التحكم فيه وتغييره" (٢). كذلك بين "ماكدوجل" أن الدوافع صنفان دوافع فطرية ودوافع مكتسبة. وهكذا نلاحظ أن الدوافع عند بعض علماء النفس الحديث، لا تخالف ما ذهب إليه ابن الجوزي، وإن كان الاختلاف في المصدر الذي أخذ عنه كل منهما. فالجذور الأساسية التي استقى منها ابن الجوزي تصوره للدوافع من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٤). وقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (٦). . . الخ. أما علماء النفس المحدثون فقد استقوا آراءهم من اجتهاداتهم

стр. 494

البشرية المعتمدة على التأثر بغيرهم من العلماء ومؤلفاتهم، أو عن طريق الملاحظة أو المشاهدة، أو الاختبارات والتجارب المعملية. ب - تربية الطفل في ضوء مراحل النمو سبق في الفصل الثاني من الباب الثالث، أن وضحت الباحثة رأي ابن الجوزي في تقسيم مراحل النمو في ضوء علم النفس الحديث، وأثبتت أن هناك اتفاقًا عامًّا في تقسيم بعض المراحل، ثم اختلافًا في بعض المراحل مثل مرحلة الشباب والشيخوخة والهرم. وتعتبر تقسيمات ابن الجوزي لمراحل النمو تقسيمات عامة (١)، أما علم النفس المعاصر فقد أفرد لمراحل النمو علمًا مستقلًا يبحث في مظاهر النمو لكل مرحلة من مراحله من حيث للنمو الجسمي والنمو الحركي، والنمو العقلي، والنمو الانفعالي، والنمو الاجتماعي، كذلك "استعان علم نفس النمو بكثير مما توصل إليه علم التشريح، والطب الإنساني، وعلم الجراحة، ثم ما قام به علماء النفس أنفسهم من دراسات تتبعية أو تجريبية هدتهم إلى كثير من الحقائق التي تعتبر على الرغم من توافرها، لا تزال تمثل النصيب الأدنى من حقائق التكوين النفسي للإنسان" (٢). ورغم ذلك يعد ابن الجوزي من المؤسسين لعلم نفس النمو، بإفراده رسالة خاصة لهذا، وهي: "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر، ويشاركه في ذلك ابن طفيل في رسالة "حي بن يقظان"، ثم جاء ابن قيم الجوزية فتناول المراحل بصورة شمولية منذ كون الإنسان نطفة إلى استقراره في الجنة أو النار، وذلك في كتابه تحفة المودود بأحكام المولود. وقد كان هذا السبق بفضل ما جاء في كتاب الله عن أطوار خلق الإنسان بدقة وشمول. وسنقارن بعض مراحل النمو التي ذكرها ابن الجوزي مع ما يقابلها أو يخالفها في الفكر التربوي الغربي.

стр. 495

١ - مرحلة ما قبل الميلاد: رغم اهتمام المنهج التربوي الإسلامي بمرحلة ما قبل الميلاد، إلا أن "رونيه أوبير" يقول: "وقد تركنا جانبًا مرحلة ما قبل الولادة، لا لأنه محظور علينا أن نقبل بوجود نوع من الحياة النفسية فيها، بل لأنه لا يمكن لهذه الحياة النفسية إلا أن تكون خالية من الشعور، ولأننا لا نستطيع أن نقدم سوى فرضيات عن طبيعة هذه الحياة النفسية" (١). ويرى "مينكوفسكي" " mienkowsky" أن الحياة النفسية الشعورية ليست أكثر وجودًا لدى الوليد ولدى الرضيع، وذلك لأن الحياة النفسية الشعورية تنتظم حول الشعور بالأنا، ولأن الوليد لا يملك الشعور حتى بجسمه الخاص. . . ." (٢). "ثم أثبتت دراسات علم الأجنة وعلم النفس أن عوامل الوراثة ذات أثر كبير في مرحلة ما قبل الميلاد، وكذلك العوامل البيئية المحيطة بالجنين وهو في الرحم" (٣). ومن خلال هذه الدراسات بدأ علم نفس النمو يهتم بهذه المرحلة، وقد سبقه في الاهتمام المنهج التربوي الإسلامي، بينما ابن الجوزي لم يذكرها صراحةً وأهملها وتجاوزها -في حدود اطلاعي- رغم أهميتها في التربية. ٢ - أهمية مرحلة الطفولة في التربية الغربية: لا نستطيع أن نحدد عالمًا تربويًّا تخصص في تربية الطفل من جميع الجوانب التي يحتاجها لنموه؛ فقد أبدى كل واحد رأيه في جانب من الجوانب، وقد ذكر "جون لوك" lock في القرن السابع عشر، الكثير من عادات الطفل وكيفية تكوينها ودوافعه وأنواعها واتفاقها مع معايير الجماعة. وقال "إن الطفل يولد وعقله صفحة بيضاء".

стр. 496

وكتب "جان جاك روسو" " Rousseau" في القرن الثامن عشر كتابه اميل Emile ونادى بإعطاء الطفل حريته المطلقة للتعبير عن نزعاته الطبيعية وتنمية مواهبة وقدراته التي حبته الطبيعة إياها. ويرى روسو أن الطفل مخلوق بدائي نبيل، وأنه خيَّر بطبيعته، ولا يفسد أحواله سوى تدخل الكبار، ومن ثمَّ يجب ألا يقحم الكبار آراءهم وألا يفرضوا سلوكهم على الطفل، وقال إن الطبيعة هي مصلح الفرد والمجتمع. وقد أثرت نظريات "بستالوزي" " Pestalozzi" (الذي تأثر بآراء روسو) في التربية في القرن التاسع عشر. وهو يرى أن الإنسان خيَّر ويسعى دائمًا لتحقيق الخير. وإذا كان شريرًا فإن ذلك يكون بسبب غلق طريق الخير في وجهه. وجاء "فروبل" " frobel" وانتشرت آراؤه عن استمرار النمو وأسس نظام مدرسة الحضانة" (١). أما ابن الجوزي فقد أكد أهمية تأديب الطفل منذ صغره، لصعوبة رده عن العادات السيئة التي نشأ عليها، وقد وافقه على ذلك علماء ومربون منهم "أدلر" الذي قال: "إن الطفل يأخذ الطابع الذي يلازمه طول حياته في السنوات الخمس الأُولى" (٢). وقال روسو: ". . . أيها الناس كونوا أشدَّ إنسانيةً .. أحبوا الطفولة وارعوا في مودةٍ لهوها وملذاتها وطبيعتها اللطيفة. ." (٣). ومن الآراء التربوية التي نادى بها ابن الجوزي، الاعتماد على مبدأ الخشونة حتى يستطيع الطفل مواجهة المصاعب والمشكلات التي قد تعترضه في مستقبل حياته، وقد وافقه في ذلك المربي الانجليزي "جون لوك" (١٦٣٢ - ١٧٠٤ م) الذي أكد "وجوب ارتداء الثياب القصيرة، الفضفاضة، والنوم على الفرش الخشنة والعيش في الهواء الطلق،

стр. 497

والاقتصار على الطعام البسيط، وكل ذلك في سبيل الترويض القاسي" (١). كذلك من الآراء التي قال بها ابن الجوزي أن هناك أمورًا فطرية وأخرى مكتسبة: "إن قلب الطفل فارغ يقبل ما يلقى إليه"، وفي هذا المعنى يرى "جون لوك" أن "نفس الوليد البشري صحيفة بيضاء أن فضائلها وقواها تكتسب من الخارج، عن طريق تكوين عادات، وأن تكوين العادات هذا إنما يكون عن طريق الترويض" (٢). وقد ربط "جون لوك" "الجانب الجسدي بالأخلاقي والعقلي، فقال: "فإذا حصل الطفل على القوة الجسدية كان لابد من تحقيق الأهداف التالية: الفضيلة والحكمة، والمعرفة" (٣). وقد وضح ترابط الجانب الجسدي بالجانب الخلقي فقال: "كما أن قوة الجسد تنحصر في القدرة على تحمل المصاعب، فكذلك قوة النفس أساس كل فضيلة تنحصر في قدرة الإنسان على إنكاره ذاته، والقضاء على رغباته وميوله التي لا يسمح بها عقله. وهذه القدرة إنما تنال عن طريق التعود والتمرن الباكر. ولذلك فأنا أشير بأن يعود الأطفال على قهر رغباتهم منذ المهد وإفهامهم أنهم إنما يحصلون لا على ما يسرّهم، بل على ما يجب أن يحصلوا عليه" (٤). ويرى "لوك" أن أوجه التربية ثلاثة: جسدي وأخلاقي وعقلي، وأن أهدافها ثلاثة أيضًا هي: قوة الجسد والفضيلة والمعرفة" (٥). ويبدو من دراسة آراء "لوك" أنه أغفل الجانب الروحي، الذي اهتم به ابن الجوزي كغيره من الجوانب. شبه ابن الجوزي المربي بالطبيب الذي يفهم شخصية المريض من

стр. 498

جميع جوانبها حتى يعالجه، وفي هذا المعنى يقول "روسو": "إن كثيرًا من المربين الحازمين ليخطئون مواقع التربية الصحيحة إذ يأخذون الأطفال بما يحتاج الرجال إلى معرفته، ويغفلون عما تستطيع عقول الأحداث فهمه وإدراكه، وإنهم ليخطئون كذلك حين يتطلبون في جسوم الأطفال عقول الرجال، ولا يفكرون أصلًا في حقيقة الطفل قبل أن يصير رجلًا" (١). ٣ - مناهج التعليم في مرحلة الطفولة كانت المناهج التعليمية في مرحلة الطفولة مركزة على "دراسة الحساب وتقويم البلدان والتاريخ الطبيعي والموسيقي والرسم والتصوير" (٢)، وهذا المنهج للعالم "بستالوزي" في القرن التاسع عشر وهناك اختلاف واضح بين مربٍ وآخر عند وضع المنهج. وقد ركز ابن الجوزي منهجه التعليمي على الدين الإسلامي وما فيه من قرآن كريم وسنَّة نبوية شريفة، وما يقتضيه من لغة عربية و. . . . الخ، وقد أثبتنا ذلك. (الفقرة ثانيًا - الفصل الثاني - الباب الثالث، مرحلة ما قبل الدراسة النظامية) (ص ٢٣٠). ٤ - الفروق الفردية بين الأطفال: أشار ابن الجوزي إلى أن هناك فروقًا فردية بين الأطفال في القدرة على التعلم، وأن هناك تفاوتًا أيضًا في "القدرات الطائفية" التي تظهر بينهم، فمن الأطفال من لديه القدرة على إجراء العمليات الحسابية، ومنهم من لديه القدرة على الحفظ وليس لديه القدرة على الكتابة وقد بيّنا ذلك سابقًا. (الفقرة ثانيًا - الفصل الثاني - الباب الثالث، الفروق الفرديه) (ص ٢٣٩). وابن الجوزي في رأيه هذا يشير مجرد إشارةٍ إلى وجود القدرات العقلية المختلفة في الأفراد. في حين أن الدراسات النفسية الحديثة توسعت في هذا الموضوع ودرسته بعمق من خلال البحث والتقصي

стр. 499

والاختبارات، وأثبتت وجود هذه "القدرات العقلية الأولية وهي: ١ - القدرة على الطلاقة اللفظية. ٢ - القدرة اللغوية (القدرة على فهم معاني الكلمات). ٣ - القدرة العددية. ٤ - القدرة المكانية. ٥ - القدرة الإدراكية. ٦ - القدرة التذكرية. ٧ - القدرة الاستقرائية. ٨ - القدرة الاستنباطية (١). وقد "اتسعت دراسات القدرات، وأجريت العديد من التجارب على العديد من الأفراد استعملت فيها العديد من الاختبارات. وقد شجعت هذه الدراسات التجريبية على وضع مجموعة من مناهج التحليل العاملي المائل والمتعامد، بحيث أصبح لدى الباحث إمكانية مراجعة نتائج تطبيق طريقة ما من طرق التحليل العاملي عن طريق مضاهاتها بنتائج طريقة أخرى أو أكثر، وأصبحت المشكلة الأساسية التي تواجه علماء النفس هي مشكلة تصنيف هذه العوامل أو القدرات أو السمات، التي ظهرت نتيجة للدراسات والأبحاث التي استعملت نوعًا من أنواع المقاييس والاختبارات النفسية. فكانت محاولات "رايموند كاتل" في "وصف الشخصية وقياسها ١٩٤٦ م" ومحاولات "فرنون" في (تكوين القدرة الإنسانية ١٩٥٠)، ومحاولات "جيلفورد" في بناء العقل ١٩٥١ م، وغيرهم" (٢). ورغم هذه الدراسات فإن علماء النفس لم يتفقوا على العدد النهائي للقدرات الطائفية، ولكن الذي أثبتوه أن "القدرة الطائفية بمعناها العام وحدة وظيفية تتجمع فيها أساليب نشاط من نوع معين. فالقدرة اللغوية مثلًا تتجمع فيها جميع أساليب النشاط اللغوي، المتعلق منه بالكلمات أو المتعلق بعبارات وجمل، أو المتعلق بحفظ آلي، أو بنشاط ابداعي وما إلى ذلك" (٣). وهكذا الحال في جميع القدرات. جـ - جوانب التربية في الفكر التربوي الغربي: ستتناول الباحثة بالموازنة من الباب الرابع بعض جوانب التربية

стр. 500

الإسلامية عند ابن الجوزي: ١ - مفهوم العقل في الفكر التربوي الغربي وعند ابن الجوزي حدد ابن الجوزي مفهوم العقل في معانٍ عدة هي: - الطاقة الفطرية التي تميز الإنسان عن الحيوان. - القدرة على الإدراك والتمييز. - الأداة التي يعرف بها الله تعالى فيتبع شرعه. - النشاط العقلي من التذكر والتخيل والتدبّر والعلم والنظر. - القدرة الضابطة للدوافع والشهوات. - القدرة على العلم والتعلم واكتساب المهارات. وكل معنى من هذه المعاني قد يقابله رأي أو تعريف عند علماء النفس المحدثين، الذين أطلقوا على العقل الذكاء أو القدرات العقلية. ومن خلال ذلك سيتضح لنا إلى أي حدٍ اتفق ابن الجوزي أو اختلف معهم. حيث لم يخصص أحد من علماء النفس القول بالمعنى الأول للعقل، ولكن كتاباتهم أكدت أن الإنسان يتميز بالعقل عن الحيوان (١). أما المعنى الثاني وهو القدرة الإدراكية فقد جاء في التعريف الذي ذكرته الجمعية الوطنية في الولايات المتحدة بأن الذكاء "استعداد عقلي عام فطري. يشترك في جميع العمليات المعرفية على جميع المستويات التي تبدأ بالإدراك الحاسي وتنتهي بالتفكير الكلي المجرد" (٢). وقد عرفه "كهلر" kohler بأنه "القدرة على إدراك العلاقات" (٣). أما المعنى الثالث وهو أن العقل هو الأداة التي يعرف بها الله تعالى، فقد وردت كتابات كثيرة لعلماء غير مسلمين، كانوا لا يؤمنون بوجود الله، فدلتهم دراساتهم وأبحاثهم العلمية على وجود الله تعالى، فاعترفوا بذلك وآمنوا به وذلك عن طريق العقل ولا شكّ، وسأورد

стр. 501

بعض الأقوال التي تؤكد المعنى الثالث: "قال "لسترجون زمرمان" -اختصاصي التُّربة وفسيولوجيا النبات- كيف خلق النبات الأول؟ ونحن لا نستطيع أن نصل بعقلنا الطبيعي، ومنطقنا السليم إلى أن هذه الأشياء قد أنشأت نفسها بنفسها، أو نشأت هكذا بمحض المصادفة، ولابد لنا من البحث عن خالق مبدع، ويعتبر التسليم بوجود الخالق أمرًا بديهيًّا تفرضه عقولنا علينا" (١). "وقال "جورج دافيز" -عالم الطبيعية-: نستطيع أن نتحقق من وجود الله باستخدام العقل والاستنباط مما نتعلمه ونراه؛ فالمنطق الذي نستطيع أن نأخذ به، والذي لا يمكن أن يتطرق إليه الشك، هو أنه ليس هناك شيء مادي يستطيع أن يخلق نفسه" (٢). "وقال "داين أولت" -وهو مختص في الكيمياء الجيولوجية: إن فكرة وجود الله أقرب إلى العقل والمنطق من فكرة المصادفة ولا شك، بل إن ذلك النظام البديع الذي يسود هذا الكون يدل دلالة حتمية إلى وجود إله منظِّم وليس على وجود مصادفة عمياء تخبط خبط عشواء" (٣). . . الخ. أما المعنى الرابع فقد عبَّر عنه "ميومان" " meumann" في تعريفه للذكاء "على أنه الاستعداد العام للتفكير الاستدلالي، الابتكاري، الإنتاجي" (٤)، والتفكير الاستدلالي "يقتضي تدخل العمليات العليا كالتذكر والتخيل والحكم والفهم والاستبصار والتجريد والتصميم والاستنتاج والتخطيط والتمييز والتعليل والنقد" (٥). أما المعنى الخامس وهو كون العقل هو القدرة الضابطة للدوافع

стр. 502

والشهوات، فهذا ما ذهب إليه "لوك"، الذي قال في "فاتحة مباحثه في التربية الخلقية: كما أن قوة الجسم إنما تكون بقدرته على احتمال المشاق، كذلك قوة العقل إنما تكون في ضبط النفس ومقاومة الشهوات" (١). وقال في موضع آخر: "من البدهيات عندي أن أساس الفضيلة أن يقدر الإنسان على منع نفسه كثيرًا مما تميل إليه وترغب فيه إذا لم يكن العقل رائدها وحاديها في هذه الميول والرغبات. أما طريق الحصول على هذه القدرة، فإنما يكون بالتعود من الصغر" (٢). أما المعنى السادس: وهو القدرة على العلم والتعلم واكتساب المهارات، فقد وافق هذا المعنى تعريف "كلفن" " colvin" بأنه "القدرة على التعليم" وتعريف ديربورن " dearborn" بأنه "القدرة على اكتساب الخبرة والإفادة منها" (٣). ونلاحظ من الموازنة موافقة الفكر التربوي الغربي بصفة عامة في أكثر الأمور لرأي ابن الجوزي في العقل. وإن ظهر على التعاريف الحديثة الدقة العلمية، المعتمدة على المقاييس والاختبارات النفسية، رغم أن تعريفات الذكاء -كما ذكر د. أحمد زكي صالح- "تحاول أن تفسر الذكاء ولا تشرحه، وتحاول أن تحدد وظيفة الذكاء، ولا تبين معالمه، فهي محاولات وصفية وظيفية، قد تُقبل في نواحي أُخرى غير الناحية العلمية" (٤). ورأي ابن الجوزي اعتمد في بعضه على الفكر التربوي الإسلامي، والبعض الآخر استقاه من قراءته لغيره من علماء المسلمين ورأيهم في هذا الموضوع. ٢ - درجات العقل حدد ابن الجوزي درجات العقل المرتفعة والمنخفضة وتعريفها، ثم بيَّن الفروق بينها، مع توضيح بعض المظاهر العامة لكل درجة من الدرجات العقلية. وقد عرضت ذلك في الفصل الثاني، من الباب الرابع (ص ٢٨٣ وما بعدها، من هذا الكتاب).

стр. 503

ويتفق ابن الجوزي في هذا مع الدراسات النفسية الحديثة، ولكنه يختلف عنها في أنه وضح الفروق بين الدرجات بالألفاظ، وعلم النفس وضحها بالنسب المئوية الرقمية، التي كانت خلاصة التجارب النفسية، مع العلم أن هناك اختلافًا في التقديرات بين العلماء، لذلك سأورد على سبيل المثال، جدولين يوضحان ذلك للموازنة بينهما. الجدول الأول (١): نسبة الذكاء (٧٠ - فأقل) أفراد ضعاف العقول (بين أبله ومعتوه). (٧٠ - ٨٠) أفراد أغبياء (٨٠ - ٩٠) أفراد دون الوسط. (٩٠ - ١١٠) أفراد متوسطوا الذكاء. (١١٠ - ١٢٠) أفراد فوق الوسط. (١٢٠ - ١٤٠) أفراد أذكياء. (١٤٠ - فأكثر) أفراد أذكياء جدًّا (عبقري وألمعي): الجدول الثاني (٢): نسبة الذكاء أقل من ٢٠ أو ٢٥ معتوه. من ٢٠ أو ٢٥ - ٥٠ أبله. من ٥٠ - ٧٠ أهوك (أحمق). أقل من ٧٠ ضعيف العقل. من ٧٠ - ٨٠ غبي جدًّا. من ٨٠ - ٩٠ دون المتوسط. من ٩٠ - ١١٠ متوسط الذكاء. من ١١٠ - ١٢٠ فوق المتوسط. من ١٢٠ - ١٤٠ ذكي جدًّا. فوق ١٤٠ ألمعي. والألفاظ التي أطلقها ابن الجوزي على درجات العقل المرتفعة هي: الفطنة والذكاء والفهم والذهن، والألفاظ التي أطلقها علم النفس الحديث هي "عبقري، وألمعي، وذكي، ومتوسط الذكاء" (٣). وقد اتفق ابن الجوزي مع علم النفس في إعطاء مسمىً لكل درجة من درجات العقل المرتفعة أو المنخفضة، واختلفوا معه في بعض معاني هذه الدرجات التي لا تتقابل مباشرة مع غيرها.

стр. 504

أما الألفاظ التي أطلقها ابن الجوزي لدرجات العقل المنخفضة فهي: الحمق والتغفيل والجنون. والألفاظ التي أطلقها علم النفس الحديث هي: "المعتوه والأبله والمأفون" (١). وهي تتفق في تحديد مسمىً لكل درجة من درجات العقل، وتختلف في معنى كل درجةٍ. وهذا ما وضحته الباحثة في الفصل الثاني من الباب الرابع، (ص ٢٨٥ وما بعدها) وهذه الدرجات تدل على الضعف العقلي، وقد استطاع "اسكيرول" " esquirol" سنة ١٨٣٨ م أن يفرق بين الضعف العقلي والجنون وبين المستويات المختلفة للضعف العقلي، وهو يؤكد أن "الضعف العقلي لا يدل على مرض العقل، إنما يدل على نقص نموه الذي يحول بينه وبين بلوغ مستوى نشاط الفرد العادي، أي أن الضعف بهذا المعنى صفة تميز الفرد من باكورة حياته إلى نهايتها. وأن الجنون مرض عقلي يصيب الفرد فينحدر بمستواه انحدارًا شديدًا" (٢). وقد اعتمد علم النفس الحديث في تقسيماته لضعاف العقول على المظاهر الوظيفية لسلوكهم، فقال فيهم: ١ - "المعتوه: وهو الذي لا يستطيع أن يكسب رزقه، ولا أن يحافظ على حياته. ٢ - الأبله: وهو الذي لا يستطيع أن يكسب رزقه، ولكنه يستطيع أن يحافظ على حياته بمشقة. ٣ - المأفون: وهو الذي يكسب رزقه بصعوبة، ويحافظ على حياته بمشقة" (٣). "وقد وضع "ترمان" " l.m.terman" نسب الذكاء لضعاف العقول: أقل من ٢٠ المعتوه. من ٢٠ إلى ٥٠ الأبله.

стр. 505

من ٥٠ إلى ٧٠ المأفون" (١). والذي نلاحظه أن هناك اختلافًا بين ابن الجوزي والفكر الحديث في التقسيمات ونسبها لأنه لم يحددها، يضاف إلى ذلك أنه لم يكشف عن هذه المستويات العقلية بالطرق العلمية المستخدمة الآن في علم النفس الحديث، ذلك أن الطريقة العلمية تعتمد على الكشف عن الضعف العقلي على تطبيق اختبارات الذكاء الجماعية، ثم تطبيق اختبارات الذكاء الفردية لتحديد هذا الضعف تحديدًا دقيقًا، ثم تطبيق الاختبارات العملية لتحديد مستوى هذا الضعف، بالإضافة إلى الوسائل النفسية والاجتماعية، ودراسة تاريخ الحياة، وتحليل مستوى التحصيل المدرسي" (٢). ٣ - أنواع القدرات العقلية: أكد ابن الجوزي أن القدرات العقلية صنفان فطرية ومكتسبة من تأثير البيئة، وهذا ما أثبته علماء الوراثة والبيئة من خلال التجارب والدراسات، فقد ذهبوا إلى "أن الذكاء استعداد فطري من هبة الطبيعة. واْن الرعاية لها الأثر الثانوي المساعد" (٣). و"البيئة إنما تفيد في استغلال مواهب الذكاء الفطرية إلى أقصى حدودها إن كانت مشجعة. كما أنها قد تعوق نشاطها إلى أدنى الحدود إن كانت غير مشجعة. وهذا مصدر هام يؤثر في الفروق العقلية بين الأفراد .. فالفرد الذي يعيش في بيئة مثقفة يجد سبل العلم والثقافة ميسورة. والفرد الذي قد لا يجد وسائل العلم والتهذيب ينشأ جاهلًا رغم ذكائه الفطري الذي لو وجد التنمية والتشجيع لأفاد واستفاد من مواهبه الفطرية. فالبيئة تساعد على نمو ما هو موجود فعلًا، ولكنها لا تستطيع أن توجد شيئًا من العدم" (٤).

стр. 506

وبذلك يسبق ابن الجوزي علماء الوراثة والبيئة المعاصرين في هذا الرأي. وقد ذكر ابن الجوزي أن هناك علاقة بين الذكاء والصفات الجسمية، وهذا الرأي لا تدل عليه آيات القرآن الكريم ولا الأحاديث النبوية الصحيحة، ثم أثبتت الدراسات التجريبية الحديثة ضعفه أيضًا، كذلك ذكر ابن الجوزي أن هناك علاقة بين الذكاء والصفات السلوكية، فالأذكياء يتصرفون بطريقة حسنة حكيمة، أما الأغبياء فيتصرفون بطريقة تدل على خطئهم وانحرافهم وقلة حكمتهم بصفة عامة. وقد وضحت الباحثة ذلك في الباب الرابع من الفصل الثاني، (ص ٢٨٩ وما بعدها) واجتنابًا للتكرار لم تُعِد ذكره. ٤ - العلم والتعليم في الفكر التربوي الغربي: استقى ابن الجوزي رأيه في العلم والتعليم من المنهج التربوي الإسلامي وما يحويه من آداب وفضائل وأخلاقيات، لذلك فمهما اتفقت مبادئه مع الفكر الغربي، فإنها تختلف عنها اختلافًا جذريًّا من الناحية العقائدية، لأن الهدف من العلم في الإسلام يختلف تمامًا عن هدفه في الفكر الغربي. كذلك فضل العلم والعلماء في الإسلام يختلف عن نظيره عند الغرب، فإنه ينحصر لدى الغربيين في الفائدة المادية والمعنوية الدنيوية فقط، هذا لدى الماديين، ولكن يختلف عند العلماء النصارى الذين يؤمنون بالله، ويعملون من أجل الآخرة. ويختلف الأمر أيضًا في المقومات الأساسية للعالم والمتعلم، والتركيز على العلوم الإسلامية وطريقة تدريسها. ٥ - العوامل المساعدة على التعلم الجيد: اتفق ابن الجوزي مع علم النفس الحديث في العوامل المساعدة على التعلم الجيد، وقد أثبت علماء النفس الكثير من هذه العوامل من خلال التجارب المعملية والميدانية التي أيدت هذه العوامل. ٦ - الأسباب التي تؤدي إلى النسيان: حصر ابن الجوزي الأسباب التي تؤدي إلى النسيان في أربعة

стр. 507

أسبابٍ، ناقشناها في الفصل الثاني من الباب الرابع، (ص ٣١٤ وما بعدها) وأثبتت الباحثة خطأ بعضها من الناحية العلمية النقلية لاعتماد ابن الجوزي فيها على أحاديث غير صحيحة، وبعضها الآخر لا تشهد له الحقائق من الناحية الطبية والنفسية. والدراسات النفسية الحديثة ذكرت أسبابًا للنسيان تختلف تمامًا عن الأسباب التي ذكرها ابن الجوزي، وهذه الأسباب هي: "العوامل العضوية، والخبرة اللاحقة، الدافعية .. بالإضافة إلى "تأثير تداخل الخبرات، والتغيرات العضوية في داخل الفرد، ووجود رغبةٍ لا شعوريةٍ للنسيان" (١). ٧ - الطرق المتبعة في مقاومة النسيان: ذكر ابن الجوزي الكثير من المبادئ التربوية لمقاومة النسيان، وهي في مجملها توافق ما ذهب إليه علم نفس التعلم. وسأذكر بعضًا منها فقط اجتنابًا للتطويل أو التكرار: ١ - رأى ابن الجوزي أن إعطاء المتعلم فترة راحةٍ بمعدل يومٍ أو يومين في الأسبوع، يساعد على تثبيت المعلومات في ذهن المتعلم، وهذا ما أكده "جثري" " Guthrie" بقوله "الخبرات التي يتعلمها الفرد ويعقبها النوم أو الراحة أطول عمرًا في التذكر من المنبّهات التي ترتبط باستجابات يعقبها نشاط وعمل" (٢). ٢ - كذلك رأى ابن الجوزي أهمية تنظيم أوقات الإعادة بطريقةٍ لا ترهق المتعلم ولا تضرّه، وهذا ما أكدته التجارب التي أثبتت أن "التمرين المتصل قد يؤدي إما إلى تعب المتعلم وإما إلى ملله ونقص رغبته في التحصيل، وإما إلى حدوث ظاهرة الكفّ الرجعي، حيث تتداخل عناصر الخبرات المتعلَّمة بعضها في البعض الآخر فيعرقل بعضها البعض" (٣).

стр. 508

د - الأخلاق في المفهوم الغربي: أوجز ابن الجوزي رأيه في الأخلاق التي اشتقها من المنهج التربوي الإسلامي، ولكن لو قارنا ما ذكره مع الاتجاهات الأخلاقية الحديثة، فإن البحث سيطول بسبب كثرة هذه الاتجاهات الأخلاقية وخصائصها ووجوه النزاع بينها. لذلك ستحاول الباحثة الإيجاز قدر المستطاع. اختلفت الاتجاهات الأخلاقية في أمور كثيرة من قرن لآخر، ومن عالم لعالم، ومن مدينة لأُخرى، حسب الفلسفة التي يدين بها كل مربٍ، فمن مذهب المنفعة الفردية إلى مذهب المنفعة العامة، إلى نظرية التطور في الأخلاق أو مذهب الكمال، ومن فلسفة الأخلاق الاجتماعية في الوضعية الفرنسية، إلى البرجماتية الأمريكية. ومن الاتجاه الماركسي إلى الاتجاه المثالي الحدسي، ومن مذهب الحاسة الخلقية إلى الضمير الأخلاقي عند بطلر ونقاده، ومن مبدأ الواجب عند كانت، إلى المثالية المحدثة. وقد ناقش هؤلاء العلماء الأخلاق من الناحية الفلسفية، وحاولوا إخضاعها للمنهج الفكري، وأبعدوها عن الديانة النصرانية وغيرها. وستركز الباحثة على أحد علماء القرن الثامن عشر الميلادي وإبراز رأيه الموافق أو المخالف لابن الجوزي، لأن ما وراء ذلك يحتاج إلى بحث شامل طويل. وعلى هذا ستتناول الباحثة الأخلاق عند (كانت) (kant) (١) (١١٣٧ هـ - ١٢١٩ هـ) (١٧٢٤ م - ١٨٠٤ م)، الذي شرع بوضع مذهبه الأخلاقي في أول كتبه في الأخلاق وهو الذي "نُشر في سنة ١٧٨٥ م- ١٢٠٠ هـ تقريبًا بعنوان: تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق وقد جعله بمثابة نواة لنقد العقل العملي، لأنه ينظر فيه في بعض الموضوعات الخاصة بنقد العقل العملي، ويترك الباقي" (٢). ويقصد "كانت" (بميتافيزيقا الأخلاق) أنه لن تستمد قوانين

стр. 509

الأخلاق من الطبيعة الإنسانية، ولا من عادات الناس .. ، بل من العقل ذاته مباشرة، ولهذا فإنها لن تستعين بعلم النفس ولا بعلم الإنسان (و"كانت" يوحّد مرارًا بين علم النفس التجريبي وعلم الإنسان، لأن موضوعهما واحد وهو معرفة الطبيعة الإنسانية). والسبب في ذلك هو أن معطيات علم النفس (أو علم الإنسان) هي من الغموض والتشعب والتشتت بحيث لا يمكن أن نستخلص منها قواعد كلية مطلقة، وفيها خلط بين المبادئ والأحوال الجزئية، بحيث تتوقف النتائج المستخلصة على الأحوال الفردية والميول والعواطف الخاصة. وآفة المذاهب التي تميل إلى تفسير الأخلاق بتراكيب النفس الإنسانية أو الطبيعة الإنسانية، أو بالظروف التي يعيش فيها الإنسان هي أنها لا تملك أن تقدم غير قواعد متفاوتة العموم، ذاتية، بدلًا من أن تقدم قوانين كلية موضوعية للإرادة" (١). ومحور مذهب "كانت" الأخلاقي هو فكرة (الواجب): والواجب في نظره هو: "شعور بإلزام عقلي مع إدراك استحالة ضده، هو أمر مطلق نطيعه وفاقًا لطبيعة العقل العملي الذي يميز الإنسان -باعتباره حيوانًا ناطقًا- عن سائر الكائنات. من أجل هذه اقتضت الأخلاقية أن يلزم الإنسان نفسه بمحض إرادته بسلوك يضحي فيه بمطالب جسمه ودوافعه طاعة لنداء العقل دون اكتراث بوجدان أو عاطفة أو نحوها، وإلا افتقد الفعل قيمته الأخلاقية" (٢). وتفسير قوله هذا هو: "أن الفعل لكي ما تكون له قيمة أخلاقية، فعليه ليس فقط أن يتفق مع الواجب، بل ويجب أيضًا أن يفعل من أجل الواجب. . . . وأن الفعل الذي ينجز بحسب الميل فقط، أو عن دافع مثل الرغبة في السعادة، فليس له قيمة أخلاقية" (٣). وقد ضرب (كانت) مثلًا لتعريف الواجب قال فيه: "حينما تكون الأفعال قابلةً لأن تؤدى عن واجب وعن ميل مباشر. فمن واجبي مثلًا

стр. 510

المحافظة على حياتي وتحقيق سعادتي. ولكني بطبعي أتعلق بالحياة، وبطبعي أسعى إلى أن أكون سعيدًا. فكيف نحدد طابع الواجب في مثل هذا؟ لابد أن نفترض أحوالًا يعتور فيها حبَّ الحياة والرغبةَ في السعادة ظروفٌ معاكسةٌ تجعلهما ينقلبان إلى عكسيهما. فالإنسان الذي تنتابه أقسى الآلام إلى درجة أنه يطلب الموت ومع ذلك يحافظ على الحياة، هذا الإنسان يمكن أن يعد سلوكه هذا سلوكًا أخلاقيًّا" (١). وقد وضع (كانت) أسس متيافيزيقا الأخلاق، وسأوجز أفكاره فيما يأتي: ١ - التجربة لا تفيد في وضع مبادئ الأخلاق. وهذا معناه كما يقول (كانت) أنه "من المستحيل تمامًا أن نقرر بالتجربة وبيقين كامل حالة واحدة قام فيها الفعل، المطابق مع ذلك الواجب، على مبادئ أخلاقية فقط وعلى امتثال الواجب"، وعلّق المؤلّف د. عبد الرحمن بدوي بقوله: "ولهذا لا يمكن أن نتخذ من التجربة شواهد على مبادئ الأخلاق العالية" (٢). ٢ - "مبادئ الأخلاق قبلية كلية. وهذا معناه أن الأخلاق "يجب أن تُستمد من مبادئ العقل القبلية غير الممزوجة بأية اعتباراتٍ تجريبيةٍ مستمدةٍ من أحوال الطبيعة الإنسانية وميولها ونوازعها" (٣). ٣ - اعتمد على العقل العملي، الذي قصد به الإرادة الخيرة التي تتمثل في إرادة العمل وفقًا لمبدأ "الواجب لذاته"، وليس لمنفعة أو جريًا وراء ميل أو رغبة. وقد بيَّن (كانت) من خلال العقل العملي "الأمر المطلق" ودلالاته وصيغته السلبية في المبدأ الآتي: "ينبغي ألا أتصرف إلا بطريقة أستطيع أن أرى جعل قاعدة تصرفي قانونًا عامًّا للناس جميعًا" (٤). وقد حدد "كانت" معنى الأمر "الذي يفترض وجود كائن عاقل لديه القدرة على أن يتصرف وفاقًا لفكرته عن القوانين أو المبادئ" (٥).

стр. 511

وهذا ما نعنيه حين نقول إن لديه إرادة. ثم صنف الأمر إلى ثلاثة أوامر تقابلها ثلاثة مبادئ موضوعية وثلاثة صنوف من الخير" (١)، وقام بعرض مسوغاتها من الناحية الخلقية لبيان أنها متوافقة مع طبيعة الإنسان. وعلى هذا نقول إن (كانت) حدد للواجب (الأمر المطلق) ثلاثة قواعد هي: ١ - "قاعدة التعميم: أن الأمر المطلق يوجب علينا أن نتصرف وفاقًا لقانون عام، أي بموجب مبدأ صالح للإنسان بما هو إنسان، وصيغته هي: "افعل طبقًا لقاعدة تستطيع في الوقت نفسه أن تريد جعلها قانونًا عامًّا". وقد ضرب أمثلة على ذلك: الانتحار، أو الوعد الكاذب" (٢). ٢ - قاعدة الغائية: "أن الأمر المطلق لا يتعلق بغاية شخصية. . . وصاغها "كانت" في عبارة تقول: "افعل بحيث تعامل الإنسانية دائمًا ممثلة في شخصك أو أي شخص آخر غاية، ولا تعاملها قط مجرد وسيلة إلى تحقيق غاية" (٣). ٣ - قاعدة الحرية: "استخلص "كانت" من مفهوم القاعدتين السالفتين قاعدة ثالثة تقول: افعل بحيث تجعل إرادتك بمثابة مشرع يسن للناس قانونًا عاقًا، فالإنسان في القاعدة الأُولى يعمل بموجب القانون، وفي القاعدة الثانية ينظر إلى نفسه باعتبارها غاية في ذاتها. . . ." ومعنى هذه القاعدة أن الإنسان في هذا المذهب يتصرف وفاقًا لقاعدة تصلح أن تكون قاعدة لسلوك الآخرين متى كانوا في ظروفه، وهو يستجيب في هذا لإملاء العقل وحده، ومن أجل هذا اقتضت الأخلاق أن يريد الإنسان القانون الأخلاقي، وأن يرغب في الخضوع له بمحض حريته" (٤).

стр. 512

وقد أقام "كانت" الواجب على أسس دينية ميتافيزيقية متمثلة في "الإرادة، وخلود النفس، ووجود الله" (١). وفي كتابه ميتافيزيقا الأخلاق وضع "كانت" الأخلاق العملية، وتقسيماتها، فبدأها بتعريف الفضيلة بأنها "القوة الأخلاقية التي يمارسها الإنسان في أداء واجبه: وهي قسر أخلاقي يقوم به عقله المشِّرع، من حيث إن هذا يتولى القيام بدور القوة المنفذة للقانون" (٢). وقد ناقش مذهب الفضيلة ثم قسمه إلى قسمين: "إما بحسب الشكل، أو بحسب المادة (الموضوع) " (٣). ثم قدم "كانت" تقسيمين للأخلاق: "الأول: وفقًا لاختلاف الموضوعات وقوانينها ويشمل: - واجبات: الإنسان نحو الإنسان: • نحو ذاته • نحو سائر الناس الإنسان نحو غير الإنسان: • نحو الموجودات الأدنى من الإنسان • نحو الموجودات الأعلى من الإنسان

стр. 513

الثاني: وفقًا لمبادئ نظام العقل المحض العملي. ويشمل: الأخلاق • المذهب الأَوّلي [دوجماتيقي - فتاوي] • المناهج [تعليمي - زهدي] (١) وقد ناقش أصناف الأخلاق وبيَّن فضائلها ورذائلها مثل الانتحار ودنس الشهوة وذهاب الوعي بالإفراط في الشراب أو الطعام، والكذب والبخل والتواضع الزائف والكبرياء والغيبة، والسخرية وواجبات الصداقة. ثم عرض "لمنهجيات الأخلاق ووضح فيه أن الفضيلة مكتسبة وليست فطرية، وأن هناك طرقًا متعددة لتعليم الفضيلة مثل أن يكون سماعيًّا، أو سؤاليًّا، أو التعليم بالقدوة الحسنة، ثم بين طريقة الرياضة الأخلاقية للفضيلة" (٢). وقد تعرض مذهب "كانت" كغيره من المذاهب الفلسفية للنقد. كان هذا عرضًا موجزًا لمذهب "كانت" الأخلاقي، وعند موازنته بآراء ابن الجوزي الأخلاقية، فإننا نلاحظ الآتي: ١ - ناقش "كانت" الأخلاق من الناحية الفلسفية العقلية وفصلها عن الميول والوجدان. أما ابن الجوزي فقد ذكرها كما وردت في المنهج التربوي الإسلامي دون تحليل فلسفي، فالأخلاق في "المفهوم القرآني شيء شامل لكل تصرفات الإنسان، وكل مشاعره، وكل تفكيره، حتى الهاجس الذي يهجس داخل الضمير، فهي ليست محدّدة بمساحة معينة ولا بعمل معين .. ولا يوجد -في الإسلام- عمل واحد يمكن أن يخرج عن دائرة الأخلاق" (٣). ٢ - أن "كانت" أقام الأخلاق بعيدة عن وحي الدين، ورفض رد

стр. 514

الواجب إلى الله، بعد أن حرص على استقلال الإنسان وإرادته عن كل سلطة" (١)، حتى ضاق منه رجال اللاهوت. أما ابن الجوزي فقد أقام آراءه الأخلاقية على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، الملائمة لفطرة الإنسان وطبيعته التي خلقه الله عليها. وهكذا نجد أن الأخلاق في نظر "كانت" تختلف عنها في نظر ابن الجوزي، بسبب اختلاف العقيدة بينهما، وما يترتب على هذا الاختلاف من تصور للإنسان والكون والوجود، وما يتبعهما من مبادئ وقوانين وآداب تصاغ للإنسان. وسأكتفي بهذا القدر من الموازنة حتى لا يطول البحث. وخلاصة القول: مما سبق من الموازنة، وفي ضوء الاستقراء الذي قمنا به لآراء ابن الجوزي وفي حدود التحري الذي أمكننا أن نقوم به للفكر التربوي الغربي، وهما غير تامين ولا محيطين، يمكن أن نقول إننا نلاحظ أنه رغم البعد الزمني والمكاني، والاختلاف العقائدي والبيئي، فقد وافق ابن الجوزي الفكر التربوي الغربي في الكثير من آرائه التربوية المستقاة من مصدري التشريع الإسلامي الحنيف وهما القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ثم من تجاربه الخاصة، وأما الاختلاف بين آراء ابن الجوزي وآراء غيره فيعود إلى أسباب عدة: ١ - اختلاف العقيدة التي يدين بها كل من ابن الجوزي وغيره من التربويين الغربيين. ٢ - لم يكتب ابن الجوزي في التربية كالمتخصص فيها، ولكن كتب كغيره من العلماء المسلمين، الذين كتبوا في موضوع التربية بطريقة عرضية، فالتربية كغيرها من العلوم التي يحتاجها الإنسان المستخلف، تساعده على حمل رسالة الإسلام. أما علماء التربية الحديثة من الغربيين

стр. 515

فقد تناولوا موضوع التربية متخصصين فيها، وهي عندهم علم، الاحتياج إليه متوافر في تربيتهم وتعليمهم، ولاسيما أن دولهم لا تستند إلى مبادئ دينية ثابتة، ولكن تتصارع فيها المذاهب والفلسفات التي قد تتعارض مع طبيعة الإنسان كما خلقها الله تعالى، في الكثير من مبادئها وآرائها. ٣ - أن ابن الجوزي -كما سبق أن ذكرت الباحثة- استقى آراءه التربوية من المنهج التربوي الإسلامي بعموميته دون الاستعانة بالطب أو علم الأجنة، أما علماء الفكر التربوي الحديث فقد استعانوا بهذين العلمين وبغيرهما من العلوم التي تسهِّل صياغة آرائهم التربوية. وبذلك يمكن أن نصل إلى أن أسبقية ابن الجوزي في صياغة هذه الآراء، لا تنبع من فكره فقط ولكنها تأتي بالدرجة الأُولى من صلاحية المنهج التربوي الإسلامي لكل زمان ومكان، وموافقته للطبيعة الإنسانية كما خلقها الله تعالى، وشموله لكل ما يحتاجه الإنسان في حياته العامة والخاصة. رابعًا: موازنة بعض آراء ابن الجوزي التربوية بآراء بعض المربين المسلمين المعاصرين إن الداعي إلى موازنة آراء ابن الجوزي التربوية بآراء المربين المسلمين المعاصرين هو بيان أوجه التشابه والاختلاف، ومعرفة مدى تأثر المربين المسلمين في الوقت الحاضر بعلمائنا السابقين، وما أخذوه منهم نصًّا وروحًا، وما أضافوه لتوضيح المفاهيم والأهداف، وبيان الطريقة والوسيلة، حسب الحاجة المعاصرة لهم. والشخصية التربوية الإِسلامية المختارة لموازنة آراء ابن الجوزي التربوية بآرائها هي شخصية الدكتور عمر محمد التومي الشيباني، الأستاذ بكلية التربية في جامعة الفاتح بالجماهيرية الليبية. وقد ولد د. الشيباني في مدينة مصراته بليبيا في عام ١٩٣٠ م. وقد تنقل في المراحل الدراسية المختلفة كالآتي: أتم دراسته الثانوية في عام ١٩٥١ م، ثم حصل على ليسانس كلية دار العلوم - جامعة القاهرة في عام ١٩٥٥ م، وفي عام ١٩٥٦ م حصل على دبلوم معهد التربية العالي - جامعة عين شمس، ثم

стр. 516

حصل على دبلوم الدراسات العليا - قسم التاريخ الإِسلامي في عام ١٩٥٦ م. ثم حصل على شهادة الماجستير من الجامعة الأمريكية بواشنطن عام ١٩٥٩ م، وأخيرًا حصل على شهادة الدكتوراة في التربية من جامعة جورج واشنطن، بواشنطن - الولايات المتحدة في عام ١٩٦٣ م. وقد تقلد د. الشيباني عددًا من المناصب العلمية، فعمل محاضرًا بكلية الآداب والتربية الجامعة الليبية من ١٩٦٢ م - ١٩٦٤ م. ثم مساعدًا لمدير كلية المعلمين العليا من عام ١٩٦٤ م - ١٩٦٥ م، ثم أمينًا لمجلس التعليم الأعلى من عام ١٩٦٥ م - ١٩٦٧ م، ثم عمل مديرًا عامًا لرعاية الشباب من عام ١٩٦٨ م - ١٩٦٩ م. ثم تولى رئاسة الجامعة الليبية من عام ١٩٦٩ م - ١٩٧٤ م. وهو حاليًا يشغل درجة أستاذ بكلية العلوم الاجتماعية التطبيقية في جامعة الفاتح بطرابلس - ليبيا. وقد قامت الباحثة بعرض مختصر لأهم الموضوعات التربوية التي بحثها الدكتور عمر محمد التومي الشيباني في ثلاثة من كتبه، سنبدأها بكتابه (١) من أسس التربية الإِسلامية، ثم توازنها بآراء ابن الجوزي التربوية، وتحدد ما توصلت إليه في ضوء هذه الموازنة. موضوعات الكتاب قسم د. الشيباني الموضوعات إلى فصول ومنها إلى مباحث، وستكتفي الباحثة بذكر الفصول فقط حتى لا يطول البحث، وهي كالآتي: • الفصل الأول: نحو بناء فلسفة تربوية تستمد أصولها من مبادئ الإِسلام. • الفصل الثاني: فضل المعلم ووظيفته في التربية الإسلامية. • الفصل الثالث: شخصية المعلم المسلم.

стр. 517

• الفصل الرابع: الصفات الإيمانية للمعلم المسلم. • الفصل الخامس: الصفات الخلقية للمعلم المسلم. • الفصل السادس: الصفات العقلية والنفسية والبدنية المرغوب فيها للمعلم في التربية الإِسلامية. • الفصل السابع: واجبات المعلم وآدابه في التربية الإِسلامية. • الفصل الثامن: حقوق المعلم في التربية الإِسلامية. • الفصل التاسع: إعداد المعلم في التربية الإِسلامية. • الفصل العاشر: أسس الإدارة التربوية في التربية الإِسلامية. • الفصل الحادي عشر: من أسس النظام المدرسي في التربية الإِسلامية. • الفصل الثاني عشر: فلسفة العقوبة المدرسية في التربية الإِسلامية. • الفصل الثالث عشر: الدور التربوي للأُسرة في الإِسلام. • الفصل الرابع عشر: تربية المرأة في الإِسلام. تناول د. الشيباني في الفصل الأول من كتابه من أسس التربية الإِسلامية الموضوع الأول فيه وهو: "نحو بناء فلسفة تربوية تستمد أصولها من مبادئ الإِسلام" وقد بيَّن فيه أهمية التربية بالنسبة لتقدم المجتمع الإِسلامي، وبناء فلسفة تربوية صالحة للتعليم في المجتمع الإِسلامي فإنها أُولى خطوات إصلاح هذا التعليم، ثم ميَّز بين المفهوم المناسب للفلسفة التربوية، والمصادر التي ينبغي أن تشتق منها الفلسفة التربوية في المجتمع الإِسلامي. وأهم مقومات وشروط الفلسفة التربوية المستمدة من الإِسلام، وأخيرًا المبادئ الفلسفية والتربوية التي ترتكز عليها الفلسفة التربوية الإِسلامية. وهذا الموضوع لم يتعرض له ابن الجوزي؛ لأنه يعتبر من الموضوعات التربوية التي فرضتها طبيعة العصر الحاضر ومتغيراته المختلفة في جميع جوانب الحياة، بسبب ما آلت إليه أحوال المجتمعات الإِسلامية المعاصرة، وقد بين د. الشيباني أن أهم سبب دعاه للكتابة في هذا

стр. 518

الموضوع هو "تخلي المسلّمين عن التطبيق الكامل السليم لتعاليم وأحكام دينهم في كافة شؤون حياتهم، وتخلفهم الفكري والتربوي في حاضر حياتهم؛ فهم ما وقعوا فيما وقعوا فيه من مشكلات وتأخر إلا بعد أن انسلخوا عن تعاليم دينهم وأهملوا ما فيه من معاني القوة والعزة من دعوة إلى العلم النافع والعمل الصالح والجهاد في سبيل الله، وبعد أن تخلّفوا فكريًّا وأهملوا التعليم وأصبحوا مقلِّدين لغيرهم في كافة نظمهم التعليمية والاقتصادية والسياسية والتشريعية، يطبقون نظمًا غريبة عن قيم دينهم وثقافتهم الإِسلامية الأصيلة، فأفقدهم هذا التطبيق هويتهم وشخصيتهم الإِسلامية المميزة التي كانت لهم إبان عظمة وازدهار أمتهم" (١). ومن أجل ذلك لابد من بناء فلسفة تربوية تستمد أصولها من مبادئ الإِسلام وتعاليمه وقيمه، وتصبغ التربية والتعليم بالصبغة الإِسلامية، التي تكفل إعداد الأجيال المؤمنة. أما عصر ابن الجوزي فقد كان يتميز بتطبيق الإِسلام في الجانب التربوي والتعليمي بصفة خاصة، وكل ما يتعلق بالتربية والتعليم مستمد من مبادئ الإِسلام وتعاليمه وقيمه، لذلك لم يتعرض لها ابن الجوزي، رغم وجود حاجة ماسة لبناء فلسفة تربوية تستمد أصولها من مبادئ الإِسلام وقيمه، وهناك فرق في معالجة هذا الموضوع لاختلاف العصرين واختلاف الفهم. وقد خصص د. الشيباني الفصول من الفصل الثاني إلى الفصل التاسع للحديث عن المعلم من حيث دوره ووظيفته وأهميته في التربية الحديثة والتربية الإِسلامية وتحدث كذلك عن فضل العالم والمعلم في الفكر الإِسلامي وذكر النصوص الدالة على ذلك من القرآن الكريم والأحاديث النبوية. ثم بيَّن معنى الشخصية وطريقة تكوينها، ومقوّمات الشخصية المتكاملة الناضجة للمعلم المسلم من خلال معطيات علم النفس الحديث ومعطيات الفكر الإِسلامي، وفي إطار الصورة الواضحة التي رسمها الإِسلام للفرد المسلم الصالح، مع بيان أهم الصفات الإيمانية

стр. 519

والخلقية والعقلية والنفسية والبدنية المرغوب فيها في المعلم المسلم المنشود، وواجباته وآدابه في التربية الإِسلامية، كما ذكرها بعض المربين المسلمين أمثال الماوردي والغزالي، ثم وضح تقسيمات هذه الواجبات ومستوياتها، ثم تعرض لحقوق المعلم في التربية الإِسلامية من حيث علاقة الحقوق بالواجبات وأنواعها وتقسيماتها المختلفة، وأهم الحقوق التي كفلها الإِسلام للمعلم، ثم بين أهمية الإعداد الصالح المناسب للمعلم، وفلسفته وأهدافه العامة ومناهج وسبل هذا الإعداد في التربية الإِسلامية. وهذه الفصول التي محورها المعلم في التربية الإِسلامية، قد فصّل فيها د. الشيباني القول، وتناول جميع جوانب الموضوع بطريقة اختلف فيها عن ابن الجوزي الذي قصر كلامه على فضل العلم والعلماء في الإِسلام، ومفهوم العلم والهدف منه وسمات العلم النافع، والمقومات الأَساسية للعالم والمتعلم وآدابهما، وأهم العلوم التي ينبغي تعلمها، وطريقة حفظ هذه العلوم، والعوامل المساعدة على التعلم الجيد، والأسباب التي تؤدي إلى النسيان وطرق مقاومته. فالدكتور الشيباني بذلك يتفق مع ابن الجوزي في بعض الآراء التربوية الخاصة بآداب العالم والمتعلم، ويختلف معه في بقية الموضوعات التربوية، فقد ناقشها د. الشيباني بتوسع شامل موثق بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، وآراء المربين المسلمين، من خلال واقع المعلم ومشكلاته في الوقت الحاضر، وما له وما عليه بطريقة تكفُل حقوقه. وتمكَّنه من أداء عمله بارتياح في أجواء الحصانة الإِسلامية. ومن أوجه الاختلاف بينهما أيضًا، طريقة عرض الموضوع، فابن الجوزي سار على نهج علماء السلف، فقد كان هدفه من عرض موضوعاته هو الأخذ بها وتطبيقها في حياتهم. كما رأى د. الشيباني أن "حال التعليم لا يمكن أن يصلح إلا إذا كان المعلم في وضع يمكنه من تنظيم الموقف التعليمي وترتيبه وتوجيهه الوجهة النافعة للعملية التعليمية والميسِّرة لسبيلها على المتعلم، والمعلم إذا كان صالحًا من جميع النواحي .. يستطيع بكل تأكيد أن يعوض كثيرًا من جوانب النقص في العناصر الأُخرى للموقف التعليمي من كتاب

стр. 520

تعليمي، ووسيلة تعليمية .. الخ" (١) وهذا الرأي الذي دفعه للكتابة في موضوع المعلم في التربية الإِسلامية نابع من واقع المعلم في الوقت الحاضر، وأهمية العودة لإصلاحه في ضوء المصادر الأصلية كالقرآن الكريم والأحاديث النبوية، يضاف إلى ذلك آراء علماء المسلمين. ثم إن بناء الفلسفة التربوية التي تستمد أصولها من الإِسلام ومبادئه تحتاج إلى المعلم باعتباره أحد العناصر الرئيسية فيها. أما الفصل العاشر وموضوعه "أسس الإدارة التربوية في التربية الإسلامية" فقد تحدث فيه عن مفهوم الإدارة التربوية وخصائصها العامة، وأهميتها وأهدافها العامة التي تسعى إلى تحقيقها، ثم حدد مجالات الإدارة التربوية ووظائفها الأساسية، وأنماط القيادة التربوية ونظرياتها وأخيرًا ذكر بعض المبادئ العامة التي ترتكز عليها الإدارة التربوية في التربية الإِسلامية. وهذا الموضوع لم يتطرق له ابن الجوزي ضمن آرائه التربوية، ولعل السبب في ذلك يرجع كما ذكره د. الشيباني: "إننا لم نعثر فيما اطلعنا عليه من آثار وكتب إسلامية في مجال التربية والتوجيه العام على تعريف للإدارة التربوية، لأن هذا النوع من الإدارة وإن كانت آثاره وممارساته موجودة منذ أن وجد التعليم بصورة منظمة، وأصبحت له مدارسه ومعاهده الخاصة به وأجهزته المشرفة عليه، فإنه لم يصبح علمًا أو فنًا يدرس، له أسسه وفلسفته ونظرياته ومفاهيمه وأهدافه وأنماطه وطرقه وأساليبه وتقنياته ووسائله الخاصة إلا في العصر الحديث الذي نشأت وتطورت فيه الإدارة بأنواعها المختلفة ويدخل في ذلك الإدارة التعليمية أو التربوية" (٢). وإذا كان الحال كما ذكر د. الشيباني، فكيف ذكر بعض المبادئ العامة التي تقوم عليها الإدارة التربوية في التربية الإِسلامية؟

стр. 521

لقد وضح د. الشيباني ذلك بقوله: "يجب أن نشير بادئ ذي بدء إلى أن التربية الإِسلامية لا تحتوي على تفصيلات للإدارة التربوية على النحو الذي تحويه الإدارة التربوية الحديثة، فإنها بكل تأكيد تحوي العديد من المبادئ العامة التي لها من المرونة ما يجعلها تساير كلَّ تقدم وتطور صالح، هذا بالإضافة إلى ما تحمله هذه المبادئ من سهولة ويسر وواقعية ووضوح وتأكيد لمبادئ العدل والمساواة وتكافؤ الفرص ومراعاة المصلحة العامة والعناية بحاجات الجسم والعقل والروح والوجدان" (١). ومن هذه المبادئ الإِسلامية العامة اشتق د. الشيباني بعض المبادئ العامة التي تقوم عليها الإدارة التربوية الإِسلامية مثل: مبدأ الإيمان والأخلاق، ومبدأ العدل والمساواة، ومبدأ الشورى في الرأي، ومبدأ تقسيم العمل وتوزيع الاختصاصات .. الخ. أما الفصل الحادي عشر فموضوعه "من أسس النظام المدرسي في التربية الإِسلامية" وقد ناقشه من حيث مفهوم النظام المدرسي وأنواعه واتجاهاته وأهميته وأهدافه، وعوامل وأسباب اختلال هذا النظام، ثم عوامل وسبل تدعيمه، وأخيرًا المبادئ العامة التي يقوم عليها هذا النظام في التربية الإِسلامية. وأما الفصل الثاني عشر فموضوعه: "فلسفة العقوبة المدرسية في التربية الإِسلامية" وقد ناقشها د. الشيباني من حيث مفهوم العقوبة وأنواعها والغاية منها، وشروطها والمبادئ التي ترتكز عليها في التربية الإِسلامية، موثقًا ذلك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، ثم بآراء بعض علماء المسلمين. وقد اعتبر د. الشيباني في هذا الفصل والفصل الذي يليه فلسفة العقوبة المدرسية في التربية الإِسلامية من المشكلات التربوية الرئيسة ذات الصلة بالإدارة التربوية، فقال في ذلك: "لابدّ لكل إدارة تعليمية أن تهتم بهما [مشكلة النظام ومشكلة العقوبة المدرسية] وتضع لهما الأسس والمبادئ في ضوء فلسفتها التربوية، وفي ضوء الإطار العقائدي

стр. 522

والأخلاقي التي تلتزم به؛ فكل إدارة تعليمية صالحة لابدّ أن يكون من بين أهدافها الأساسية حفظ النظام المدرسي في المؤسسة التي توجد هي فيها، ليتحقق الأمن والمُناخ الصالح لتحصيل العلم. كما أنه لابد لها من أن تحدد الأسس السليمة لمعالجة مشكلة النظام المدرسي، وتتخذ من الوسائل والإجراءات والاحتياطات العملية ما هو كفيل بحلّ هذه المشكلة حلًّا سليمًا يؤدّي إلى حفظ النظام وصيانته. وبالنسبة للذين سببوا اختلال النظام بالذات، فإن الحزم الإداري قد يستدعي تحميلهم تبعة أفعالهم التي أخلّوا بها النظام، وعقابهم بنوع من أنواع العقوبة المناسبة التى تردعهم عن الأفعال المخلّة بالنظام وتعود بهم إلى حظيرة الأمن والنظام" (١). وقد ربط د. الشيباني بين النظام المدرسي والعقوبة المقررة لضبط العملية التعليمية والتربوية، وتهيئة المناخ الأمني الصالح لتعليم التلاميذ. وهذا الموضوع من الموضوعات التربوية التي لم يتطرق لها ابن الجوزي، ولكنه تعرض لموضوع العقوبة. ويعود سبب ربط د. الشيباني بين النظام المدرسي والعقوبة المقررة هو ما ذكره من: "أن هاتين المشكلتين لم يكن حظهما واحدًا في كتب التربية الإِسلامية وفي الفكر التربوي الإِسلامي، فبينما نجد مشكلة العقوبة قد نالت حظا وافرا من المعالجة والنقاش في كتب التشريع الإِسلامي وكتب التربية الإِسلامية، فإن مشكلة النظام المدرسي أو مشكلة المحافظة على هذا النظام لم تنل إلا حظًّا قليلًا من النقاش والمعالجة المباشرة في كتب التربية الإِسلامية، ولكن قلة حظ مشكلة النظام المدرسي من المعالجة المباشرة في كتب التربية الإسلامية، لا تنافي أن الفكر التربوي الإِسلامي قد تضمّن بطريقة غير مباشرة الكثير من المبادئ التي تصلح أساسًا لمعالجة هذه المشكلة وتحدد الإطار الفلسفي لحلّها" (٢). لقد اشتق د. الشيباني المبادئ العامة التي يقوم عليها النظام المدرسي من الفكر التربوي الإسلامي، حيث وافق ابن الجوزي في بعضها. مثال ذلك قوله: "أقوم التقويم ما كان في الصغر، فأما إذا ترك

стр. 523

الولد وطبعه فنشأ عليه ومرن، كان ردّه صعبًا" (١) وفي هذا المعنى قال د. الشيباني: ١ - "الإيمان بضرورة البدء المبكر في توجيه الطفل وإرشاده إلى الخِلال والأخلاق الحميدة، وتعويده منذ الصغر على تقدير الواجب، وتحمل المسؤولية المناسبة لسنه واحترام النظام والطاعة فيما ليس فيه معصية لله .. الخ" (٢). وقد وثَّق رأيه بأقوال المربين المسلمين أمثال ابن سينا وابن الجزار القيرواني. ٢ - قال ابن الجوزي في دور الأُسْرة التربوي في الموسم الأول من الطفولة المبكرة: "إن هذا الموسم يتعلق معظمه بالوالدين فهما يربّيان ولدهما ويعلّمانه ويحملانه على مصالحه، فلا ينبغي أن يفترا عن تأديبه وتعليمه، فإن التعليم في الصغر كالنقش في الحجر" (٣). وفي هذا المعنى قال د. الشيباني: "الإيمان بأهمية دور الأُسْرة ودور الأبوين بصورة خاصة في تنشئة أولادهما التنشئة الصالحة وطبعهم منذ الصغر على ممدوح الخصال وحَسَن العادات وتوجيههم إلى طريق الخير والاستقامة بوعي وحكمة. . . الخ" (٤). وقد وثَّق رأيه بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأورد رأي الإمام الغزالي في الكثير من الآراء التربوية مثل: الثواب والعقاب، ومراعاة الفروق الفردية في التعليم، ودور المعلم وأهميته في العملية التعليمية والتربوية، وفي تقوية الإرادة، والاستفادة من العبادات المفروضة كالصلاة والصوم والحج والزكاة لضبط النفس وتعويدها على البذل والعطاء. أما العقوبة فقد توسع د. الشيباني في مناقشة مفهومها من الناحية

стр. 524

اللغوية والشرعية والقانونية بصفة عامة، ومن الناحية التربوية بصفة خاصة مستعينًا على ذلك بالمنهج التربوي الإِسلامي، وآراء بعض علماء المسلمين الذين استفاد منهم استفادة كبيرة, وأخذ معظم آرائهم كما هي نصًّا وروحًا. وهذا يدل على تأثر د. الشيباني بعلماء التربية المسلمين، واتفاقه مع ابن الجوزي في رأيه التربوي، وإن لم يستشهد بقوله، فإنه قد استشهد بآراء غيره من علماء المسلمين، الذين اتفقت آراؤهم مع ابن الجوزي، فإن الجميع اقتبسوا هذه الآراء من القرآن الكريم والسُّنّة النبوية الشريفة. وربما يكون أخذ عمن أخذوا عن ابن الجوزي فيكون أخذ عن ابن الجوزي بطريق غير مباشر. أما الفصل الثالث عشر فموضوعه "الدور التربوي للأُسْرة في الإسلام" وقد تناوله من نقاط عدة هي: مفهوم الأُسْرة في الإِسلام، وأهميتها والعناية بتدعيمها وتماسكها، وطبيعة الوظيفة التربوية لها، وأخيرًا واجبات الأبوين نحو أولادهما وحقوقهما عليهم في الإِسلام. وقد ناقش د. الشيباني هذه النقاط بتوسع مستفيض موثّق بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية وآراء المربين المسلمين. هذا وإن ابن الجوزي قد أوجز في بيان الدور التربوي للأُسْرة، ولم يتناوله من جميع جوانبه كما فعل د. الشيباني. أما الفصل الرابع عشر فموضوعه "تربية المرأة في الإسلام" وقد تناوله من نقاط عدة هي: الوضع الثقافي للمرأة العربية قبل الإِسلام وفي ظل الإسلام، ثم ناقش موضوع عدم تعارض أدب الحجاب مع حق المرأة في التعليم، وضرورة تمشي تعليم المرأة المسلمة مع طبيعتها ووظائفها في الحياة، ثم مفهوم وفلسفة أهداف تربية المرأة في الإِسلام. وقد ناقش د. الشيباني هذا الموضوع التربوي المهمّ، لتأكيد الدور الحيوي للمرأة المسلمة في تربية الأجيال المؤمنة، بعد أن مرت بعهود مظلمة حرمتها من التمتع بحقوقها الإسلامية التي منحها إياها الله . وقد استطاع د. الشيباني أن يصحّح النظرة السائدة للمرأة المسلمة، ويزيل الشُّبَه الموجودة في النفوس عن حقيقة الحجاب وتوهّم تعارضه مع

стр. 525

تعليم وعمل المرأة، وحدد فلسفة أهداف تربية المرأة في الإِسلام. وهذا الموضوع الذي تعرض له د. الشيباني، هو وليد الظروف المعاصرة لوضع المرأة المسلمة وما تواجهه من تحديات في حجابها وتعليمها وعملها خارج المنزل. أما ابن الجوزي فقد تناول موضوع المرأة المسلمة -حسب ظروف عصره- من ناحية تعليمها أمور دينها كالطهارة والصلاة والزكاة والصيام وحقوق الزوج، وذلك لجهلها بهذه الأمور، فقال في ذلك: "رأيت النساء أحوج إلى التنبيه من هذه الرقدة من الرجال، لبعدهن عن العلم، وغلبة الهوى عليهن بالطبع، فإن الصبية في الغالب تنشأ في مخدعها لا تلقَّن القرآن ولا تعرف الطهارة من الحيض، ولا تعلم أيضًا أركان الصلاة، ولا تحدَّث قبل التزويج بحقوق الزوج. . . . الخ" (١). ولكي يساهم ابن الجوزي في توعية المرأة المسلمة بأمور دينها، ألف كتابًا أسماه أحكام النساء فقال في ذلك: "فلما رأيت النساء أحوج إلى العلم من الرجل، شرعت في تصنيف هذا الكتاب الذي يتعلق بأحوالهن، محتسبًا الأجر" (٢). وبهذا نلاحظ أن ابن الجوزي ود. الشيباني قد عالجا موضوع المرأة المسلمة حسب الوضع والظروف والاحتياجات التي عاصرها كل واحد منهما. أما الكتاب الثاني فهو كتاب فلسفة التربية الإِسلامية. موضوعات الكتاب قسم د. الشيباني الموضوعات إلى فصول ومنها إلى مباحث، وستكتفي الباحثة بذكر الفصول فقط كما سبق، وهي كالآتي: • الفصل الأول: فلسفة التربية الإِسلامية: ماهيتها ومصادرها وشروطها.

стр. 526

• الفصل الثاني: المبادئ التي تقوم عليها نظرة الإِسلام إلى الكون. • الفصل الثالث: المبادئ التي تقوم عليها نظرة الإِسلام إلى الإنسان. • الفصل الرابع: المبادئ التي تقوم عليها نظرة الإِسلام إلى المجتمع. • الفصل الخامس: المبادئ التي تقوم عليها نظرية المعرفة في الفكر الإِسلامي. • الفصل السادس: المبادئ التي تقوم عليها فلسفة الأخلاق في الإِسلام. • الفصل السابع: أهداف التربية الإِسلامية. • الفصل الثامن: فلسفة المناهج الدراسية في التربية الإِسلامية. • الفصل التاسع: فلسفة طرق التدريس في التربية الإِسلامية. مناقشة موضوعات الكتاب في ضوء آراء ابن الجوزي التربوية: قبل مناقشة موضوعات الكتاب في ضوء الكتاب والسُّنّة ثم موازنة آراء ابن الجوزي التربوية مع ما قدمه الدكتور الشيباني في كتابه، لابد من وقفه عند عنوانه الذي أسماه فلسفة التربية الإِسلامية، وقد بيَّن د. الشيباني في المقدمة، المنهج الذي سار عليه حتى يتفق محتواه مع عنوانه، فقال: "وقد حاولت ما استطعت أن أتبسط في القول، وأن أتجنب الخوض في خلافات الفلاسفة والمتكلمين، وأن أقتصر -في الغالب الأعم- على ذكر ما اتفق عليه جمهور علماء المسلمين، وأن أشمِل، في بحثي عن المبادئ والأفكار التربوية في التراث الإسلامي، كتابات القدماء والمحدثين من علماء المسلمين على السواء، وأن أعطي نصيبًا وافرًا في استشهادي وتدعيمي للمبادئ والأفكار الفلسفية والتربوية التي أتيت بها للنصوص الإِسلامية الحديثة باعتبارها أكثر عمقًا ودقة وأبعد نظرة في فهم الإِسلام وأقرب في أسلوبها ومضمونها إلى روح العصر الذي نعيش فيه. كما حاولت أن أتجنب المنهج التاريخي الذي سار عليه أغلب من كتب في التربية الإِسلامية، وأن أتبع منهجًا هو أقرب إلى المنهج المقارن، بحيث أذكر المبدأ أو الفكرة الفلسفية أو التربوية التي تتفق مع الفكر الفلسفي والتربوي الحديث المعتدل، ثم أُثنِّي على ذلك بالتعليق

стр. 527

والشرح وذكر النصوص الإِسلامية المؤيدة لذلك المبدأ أو الفكرة. كما حاولت أيضًا في هذا الكتاب أن أركز على ذكر ومناقشة المبادئ والأصول العامة للتربية الإِسلامية في فلسفتها وأهدافها ومناهجها وطرق تدريسها، حتى تكون محتويات الكتاب متفقة في مضمونها وطبيعتها مع عنوانه فلسفة التربية الإِسلامية (١). وللباحثة ملاحظتين على المنهج الذي سار عليه أستاذنا الدكتور الشيباني، الملاحظة الأولى: في قوله: "وأن أعطي نصيبًا وافرًا في استشهادي وتدعيمي للمبادئ والأفكار الفلسفية والتربوية التي أتيت بها للنصوص الإِسلامية الحديثة باعتبارها أكثر عمقًا ودقة وأبعد نظرة في فهم الإِسلام وأقرب في أسلوبها ومضمونها إلى روح العصر الذي نعيش فيه". إن القارئ لهذه العبارة يفهم منها أن الدكتور الشيباني رغم استشهاده بكتابات القدماء والمحدثين من علماء المسلمين، إلا أنه سيعطي نصيبًا وافرًا من استشهاده، للنصوص الإِسلامية الحديثة للمعاصرين، لأنهم يتميزون عن القدماء بأنهم أكثر عمقًا ودقة وأبعد نظرة في فهم الإِسلام، وأقرب في أسلوبهم ومضمونهم إلى روح العصر الذي نعيش فيه. وإنني أتساءل هل المعاصرون -في نظر أستاذي الدكتور الشيباني- أكثر عمقًا ودقة وأبعد نظرة في فهم الإِسلامي من الأئمة مالك وأبي حنيفة والشافعي وابن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية وأمثالهم من علماء المسلمين؟! ثم ألم يستشهد الدكتور الشيباني بأقوال علمائنا القدماء في الكثير من الأفكار التي عرضها، واعتبر ما تركوه من آراء تربوية هي جزء أصيل من تراثنا الخالد؟ (٢)، فكيف يستشهد بأقوالهم بعد استشهاده بالكتاب والسُّنّة ثم يقدم عليها أقوال المعاصرين لأنهم أكثر عمقًا ودقة

стр. 528

وأبعد نظرة في فهم الإسلام. ثم أليس هؤلاء المعاصرين اعتمدوا في كتاباتهم على ما خطه علماؤنا السابقون وبنوا عليه اجتهاداتهم الفكرية والتربوية؟، وهؤلاء العلماء المعاصرون يثبتون ذلك ويرجعون الفضل فيه لجهود علمائنا السابقين. لذلك كان الأولى بأستاذنا الدكتور الشيباني أن يثبت هذا الفضل لعلمائنا السابقين كما تشهد بذلك كتاباته القيمة واستشهاده بأقوالهم. الملاحظة الثانية: في قول د. الشيباني: "أذكر المبدأ أو الفكرة الفلسفية أو التربوية التي تتفق مع الفكر الفلسفي والتربوي الحديث المعتدل، ثم أُثني على ذلك بالتعليق والشرح وذكر النصوص الإسلامية لذلك المبدأ أو الفكرة". لقد لخص د. الشيباني المنهج المقارن الذي سيتبعه في الخطوات الآتية: ١ - ذكر المبدأ الفلسفي أو التربوي الذي يتفق مع الفكر الفلسفي التربوي الحديث المعتدل. ٢ - ثم إيراد التعليق والشرح والنصوص الإسلامية التي تؤيد ذلك المبدأ. ومع تقديري لأستاذي الدكتور الشيباني وريادته في تناول موضوعات التربية الإِسلامية، إلا أنني أشير إلى أن المنهج الصحيح في مجال التربية الإِسلامية هو أن نبدأ بالقرآن الكريم والسُّنة النبوية، فنستخرج ما يدلان عليها ثم نثني بالشرع والبيان، ثم نذكر المبدأ أو الفكرة الفلسفية أو التربوية المتفقة أو المخالفة للمنهج التربوي الإسلامي فنفسرها ونحللها ثم نقوَّمها على ضوء الكتاب والسُّنَّة. أما بالنسبة للعناوين فقد حدد د. الشيباني عناوين لموضوعات الكتاب متفقة مع المضمون، والمحتوى أما ابن الجوزي فقد حدد بعض آرائه التربوية في عناوين مناسبة للمحتوى كما في كتابه اللطائف والطب الروحاني، والبعض الآخر -وهو معظم آرائه التربوية- أُخذت دون عناوين ولكنها جمُعت من ثنايا مؤلفاته المختلفة من خلال عرضه للموضوعات بصفة عامة، ودون تحديد لسبب اختيار رأي تربوي دون آخر.

стр. 529

وقد تناول د. الشيباني في الفصل الأول من كتابه فلسفة التربية الإسلامية فشرح مفهوم هذه الفلسفة وما يتصل بها في أربع نقاط هي: ١ - ماهية فلسفة التربية الإسلامية المستمدة من تعاليم الإسلام ومنهجه التطبيقي، وعلاقتها بالفلسفة الإسلامية العامة. ٢ - أهمية بناء فلسفة إسلامية وأنها تحدد سير العملية التعليمية والتربوية من جميع جوانبها بحيث تخدم تربيتنا وتعليمنا الحاضر. ٣ - أهم المصادر التي يمكن أن تشتق منها فلسفة التربية الإسلامية وهي القرآن الكريم والسُّنّة النبوية والإجماع والقياس، يضاف إلى ذلك بعض المصادر الفرعية مثل خصائص نمو المتعلم، والقيم والتقاليد في المجتمع، واحتياجات المجتمع الفعلية. . . الخ. ٤ - مقومات وشروط فلسفة التربية الإسلامية التي لابد أن تكون مستمدة من المنهج الإِسلامي من جميع جوانبه، ومرتبطة بواقع المجتمع وحاجاته ومشكلاته، ومستفيدة من تجارب الآخرين، وخالية من التناقض والتضارب بين المبادئ والمعتقدات. . . إلى غير ذلك. وهذا الموضوع -كما سبق أن أشرت (١) - لم يتعرض له ابن الجوزي، لأنه من الموضوعات الحديثة، التي فرضتها طبيعة العصر الحاضر، وكثرة الروافد العلمية والثقافية من كل مكان، والمتيسرة لكل طالب علم. وقد خصص د. الشيباني الفصول الثاني والثالث والرابع للمبادئ التي تقوم عليها نظرة الإسلام إلى الكون، والإنسان والمجتمع، موثقًا ذلك بالآيات القرانية والأَحاديث النبوية ذاكرًا آراء الفلاسفة المسلمين، مفندًا بذلك النظريات والآراء المخالفة للإسلام. والذي يؤخذ على أستاذنا الدكتور الشيباني أنه عرض أهم التعاريف التي ذكرها العلماء والفلاسفة لتحديد ماهية الإنسان وطبيعته وأنه "حيوان ناطق أو حيوان متكلم أو حيوان مفكر أو حيوان متدين أو حيوان أخلاقي أو حيوان اجتماعي" (٢). ثم أيد هذه التعريفات، ورجح -حسب رأيه- التعريف الذي يشمل جميع خصائص الإِنسان ومميزاته وهو أن الإِنسان حيوان ناطق،

стр. 530

وذلك لأنه كما يقول د. الشيباني: إن "هذا التعريف الذي أتى به الفلاسفة وما يندرج تحته أو يرتبط به من تعريفات أخرى ليس فيه ما يتنافى مع روح الإسلام ولا مع تعاليمه ولا مع ما فهمه علماؤه في مختلف عصورهم" (١). والذي أراه -والله أعلم- أن تعريفات العلماء والفلاسفة مخالفة لتكريم الله تعالى للإنسان، قال الله تعالى في ذلك: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٣). إلى غير ذلك من الآيات التي تؤكد تميز الإنسان عن جميع المخلوقات، وتنفي عنه صفة الحيوانية التي لا تتفق مع حملَ رسالة الخلافة وتعمير الأرض بما يرضي الله تعالى. لذلك كان الأولى بأستاذنا الدكتور الشيباني أن يناقش تعريفات العلماء والفلاسفة في ضوء ألفاظ القرآن الكريم التي تصف الإِنسان بأنه حيوان، بل أكدت أنه إنسان، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (٦). . . إلى غير ذلك من الآيات. ونقول هذا لأجل أن يكون عرض د. الشيباني لنظرة الإسلام للإنسان نظرةً صحيحة وكاملة من جميع جوانبها، ولاسيما أنه من خلال تفصيله (٧) لخصائص الإنسان التي وردت في التعاريف، يؤكد تفرّدَ الإنسان وتميزه عن الحيوان في كل شيء وهذا حق، بل لقد سخر الله تعالى الكون وما فيه من مخلوقات ومنها الحيوانات للإنسان، فكيف نطلق عليه لفظ الحيوان؟!! والتعريف الذي أراه مناسبًا متفقا مع خصائص الإنسان ومميزاته
следующие страницы →