← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17901

آراء ابن الجوزي التربوية

ليلى عطار

Полный текст (608 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

• الفصل الثاني: المبادئ التي تقوم عليها نظرة الإِسلام إلى الكون. • الفصل الثالث: المبادئ التي تقوم عليها نظرة الإِسلام إلى الإنسان. • الفصل الرابع: المبادئ التي تقوم عليها نظرة الإِسلام إلى المجتمع. • الفصل الخامس: المبادئ التي تقوم عليها نظرية المعرفة في الفكر الإِسلامي. • الفصل السادس: المبادئ التي تقوم عليها فلسفة الأخلاق في الإِسلام. • الفصل السابع: أهداف التربية الإِسلامية. • الفصل الثامن: فلسفة المناهج الدراسية في التربية الإِسلامية. • الفصل التاسع: فلسفة طرق التدريس في التربية الإِسلامية. مناقشة موضوعات الكتاب في ضوء آراء ابن الجوزي التربوية: قبل مناقشة موضوعات الكتاب في ضوء الكتاب والسُّنّة ثم موازنة آراء ابن الجوزي التربوية مع ما قدمه الدكتور الشيباني في كتابه، لابد من وقفه عند عنوانه الذي أسماه فلسفة التربية الإِسلامية، وقد بيَّن د. الشيباني في المقدمة، المنهج الذي سار عليه حتى يتفق محتواه مع عنوانه، فقال: "وقد حاولت ما استطعت أن أتبسط في القول، وأن أتجنب الخوض في خلافات الفلاسفة والمتكلمين، وأن أقتصر -في الغالب الأعم- على ذكر ما اتفق عليه جمهور علماء المسلمين، وأن أشمِل، في بحثي عن المبادئ والأفكار التربوية في التراث الإسلامي، كتابات القدماء والمحدثين من علماء المسلمين على السواء، وأن أعطي نصيبًا وافرًا في استشهادي وتدعيمي للمبادئ والأفكار الفلسفية والتربوية التي أتيت بها للنصوص الإِسلامية الحديثة باعتبارها أكثر عمقًا ودقة وأبعد نظرة في فهم الإِسلام وأقرب في أسلوبها ومضمونها إلى روح العصر الذي نعيش فيه. كما حاولت أن أتجنب المنهج التاريخي الذي سار عليه أغلب من كتب في التربية الإِسلامية، وأن أتبع منهجًا هو أقرب إلى المنهج المقارن، بحيث أذكر المبدأ أو الفكرة الفلسفية أو التربوية التي تتفق مع الفكر الفلسفي والتربوي الحديث المعتدل، ثم أُثنِّي على ذلك بالتعليق

стр. 527

والشرح وذكر النصوص الإِسلامية المؤيدة لذلك المبدأ أو الفكرة. كما حاولت أيضًا في هذا الكتاب أن أركز على ذكر ومناقشة المبادئ والأصول العامة للتربية الإِسلامية في فلسفتها وأهدافها ومناهجها وطرق تدريسها، حتى تكون محتويات الكتاب متفقة في مضمونها وطبيعتها مع عنوانه فلسفة التربية الإِسلامية (١). وللباحثة ملاحظتين على المنهج الذي سار عليه أستاذنا الدكتور الشيباني، الملاحظة الأولى: في قوله: "وأن أعطي نصيبًا وافرًا في استشهادي وتدعيمي للمبادئ والأفكار الفلسفية والتربوية التي أتيت بها للنصوص الإِسلامية الحديثة باعتبارها أكثر عمقًا ودقة وأبعد نظرة في فهم الإِسلام وأقرب في أسلوبها ومضمونها إلى روح العصر الذي نعيش فيه". إن القارئ لهذه العبارة يفهم منها أن الدكتور الشيباني رغم استشهاده بكتابات القدماء والمحدثين من علماء المسلمين، إلا أنه سيعطي نصيبًا وافرًا من استشهاده، للنصوص الإِسلامية الحديثة للمعاصرين، لأنهم يتميزون عن القدماء بأنهم أكثر عمقًا ودقة وأبعد نظرة في فهم الإِسلام، وأقرب في أسلوبهم ومضمونهم إلى روح العصر الذي نعيش فيه. وإنني أتساءل هل المعاصرون -في نظر أستاذي الدكتور الشيباني- أكثر عمقًا ودقة وأبعد نظرة في فهم الإِسلامي من الأئمة مالك وأبي حنيفة والشافعي وابن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية وأمثالهم من علماء المسلمين؟! ثم ألم يستشهد الدكتور الشيباني بأقوال علمائنا القدماء في الكثير من الأفكار التي عرضها، واعتبر ما تركوه من آراء تربوية هي جزء أصيل من تراثنا الخالد؟ (٢)، فكيف يستشهد بأقوالهم بعد استشهاده بالكتاب والسُّنّة ثم يقدم عليها أقوال المعاصرين لأنهم أكثر عمقًا ودقة

стр. 528

وأبعد نظرة في فهم الإسلام. ثم أليس هؤلاء المعاصرين اعتمدوا في كتاباتهم على ما خطه علماؤنا السابقون وبنوا عليه اجتهاداتهم الفكرية والتربوية؟، وهؤلاء العلماء المعاصرون يثبتون ذلك ويرجعون الفضل فيه لجهود علمائنا السابقين. لذلك كان الأولى بأستاذنا الدكتور الشيباني أن يثبت هذا الفضل لعلمائنا السابقين كما تشهد بذلك كتاباته القيمة واستشهاده بأقوالهم. الملاحظة الثانية: في قول د. الشيباني: "أذكر المبدأ أو الفكرة الفلسفية أو التربوية التي تتفق مع الفكر الفلسفي والتربوي الحديث المعتدل، ثم أُثني على ذلك بالتعليق والشرح وذكر النصوص الإسلامية لذلك المبدأ أو الفكرة". لقد لخص د. الشيباني المنهج المقارن الذي سيتبعه في الخطوات الآتية: ١ - ذكر المبدأ الفلسفي أو التربوي الذي يتفق مع الفكر الفلسفي التربوي الحديث المعتدل. ٢ - ثم إيراد التعليق والشرح والنصوص الإسلامية التي تؤيد ذلك المبدأ. ومع تقديري لأستاذي الدكتور الشيباني وريادته في تناول موضوعات التربية الإِسلامية، إلا أنني أشير إلى أن المنهج الصحيح في مجال التربية الإِسلامية هو أن نبدأ بالقرآن الكريم والسُّنة النبوية، فنستخرج ما يدلان عليها ثم نثني بالشرع والبيان، ثم نذكر المبدأ أو الفكرة الفلسفية أو التربوية المتفقة أو المخالفة للمنهج التربوي الإسلامي فنفسرها ونحللها ثم نقوَّمها على ضوء الكتاب والسُّنَّة. أما بالنسبة للعناوين فقد حدد د. الشيباني عناوين لموضوعات الكتاب متفقة مع المضمون، والمحتوى أما ابن الجوزي فقد حدد بعض آرائه التربوية في عناوين مناسبة للمحتوى كما في كتابه اللطائف والطب الروحاني، والبعض الآخر -وهو معظم آرائه التربوية- أُخذت دون عناوين ولكنها جمُعت من ثنايا مؤلفاته المختلفة من خلال عرضه للموضوعات بصفة عامة، ودون تحديد لسبب اختيار رأي تربوي دون آخر.

стр. 529

وقد تناول د. الشيباني في الفصل الأول من كتابه فلسفة التربية الإسلامية فشرح مفهوم هذه الفلسفة وما يتصل بها في أربع نقاط هي: ١ - ماهية فلسفة التربية الإسلامية المستمدة من تعاليم الإسلام ومنهجه التطبيقي، وعلاقتها بالفلسفة الإسلامية العامة. ٢ - أهمية بناء فلسفة إسلامية وأنها تحدد سير العملية التعليمية والتربوية من جميع جوانبها بحيث تخدم تربيتنا وتعليمنا الحاضر. ٣ - أهم المصادر التي يمكن أن تشتق منها فلسفة التربية الإسلامية وهي القرآن الكريم والسُّنّة النبوية والإجماع والقياس، يضاف إلى ذلك بعض المصادر الفرعية مثل خصائص نمو المتعلم، والقيم والتقاليد في المجتمع، واحتياجات المجتمع الفعلية. . . الخ. ٤ - مقومات وشروط فلسفة التربية الإسلامية التي لابد أن تكون مستمدة من المنهج الإِسلامي من جميع جوانبه، ومرتبطة بواقع المجتمع وحاجاته ومشكلاته، ومستفيدة من تجارب الآخرين، وخالية من التناقض والتضارب بين المبادئ والمعتقدات. . . إلى غير ذلك. وهذا الموضوع -كما سبق أن أشرت (١) - لم يتعرض له ابن الجوزي، لأنه من الموضوعات الحديثة، التي فرضتها طبيعة العصر الحاضر، وكثرة الروافد العلمية والثقافية من كل مكان، والمتيسرة لكل طالب علم. وقد خصص د. الشيباني الفصول الثاني والثالث والرابع للمبادئ التي تقوم عليها نظرة الإسلام إلى الكون، والإنسان والمجتمع، موثقًا ذلك بالآيات القرانية والأَحاديث النبوية ذاكرًا آراء الفلاسفة المسلمين، مفندًا بذلك النظريات والآراء المخالفة للإسلام. والذي يؤخذ على أستاذنا الدكتور الشيباني أنه عرض أهم التعاريف التي ذكرها العلماء والفلاسفة لتحديد ماهية الإنسان وطبيعته وأنه "حيوان ناطق أو حيوان متكلم أو حيوان مفكر أو حيوان متدين أو حيوان أخلاقي أو حيوان اجتماعي" (٢). ثم أيد هذه التعريفات، ورجح -حسب رأيه- التعريف الذي يشمل جميع خصائص الإِنسان ومميزاته وهو أن الإِنسان حيوان ناطق،

стр. 530

وذلك لأنه كما يقول د. الشيباني: إن "هذا التعريف الذي أتى به الفلاسفة وما يندرج تحته أو يرتبط به من تعريفات أخرى ليس فيه ما يتنافى مع روح الإسلام ولا مع تعاليمه ولا مع ما فهمه علماؤه في مختلف عصورهم" (١). والذي أراه -والله أعلم- أن تعريفات العلماء والفلاسفة مخالفة لتكريم الله تعالى للإنسان، قال الله تعالى في ذلك: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٣). إلى غير ذلك من الآيات التي تؤكد تميز الإنسان عن جميع المخلوقات، وتنفي عنه صفة الحيوانية التي لا تتفق مع حملَ رسالة الخلافة وتعمير الأرض بما يرضي الله تعالى. لذلك كان الأولى بأستاذنا الدكتور الشيباني أن يناقش تعريفات العلماء والفلاسفة في ضوء ألفاظ القرآن الكريم التي تصف الإِنسان بأنه حيوان، بل أكدت أنه إنسان، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (٦). . . إلى غير ذلك من الآيات. ونقول هذا لأجل أن يكون عرض د. الشيباني لنظرة الإسلام للإنسان نظرةً صحيحة وكاملة من جميع جوانبها، ولاسيما أنه من خلال تفصيله (٧) لخصائص الإنسان التي وردت في التعاريف، يؤكد تفرّدَ الإنسان وتميزه عن الحيوان في كل شيء وهذا حق، بل لقد سخر الله تعالى الكون وما فيه من مخلوقات ومنها الحيوانات للإنسان، فكيف نطلق عليه لفظ الحيوان؟!! والتعريف الذي أراه مناسبًا متفقا مع خصائص الإنسان ومميزاته

стр. 531

التي ذكرها د. الشيباني هو: الإنسان: هو ذلك الكائن الحي الذي خلقه الله تعالى من قبضة من طين، ونفخة من روح الله، وميزه عن الحيوان بالعقل المدرك الواعي، والنطق بألفاظ ذات دلالات لغوية واضحة، ووهبه القدرة على التمييز بين الخير والشر، والحلال والحرام، والقدرة على العلم والتعليم والبناء والتعمير والتغيير بالقدر الذي يحقق الغاية من وجوب وهي عبادة الله تعالى بكل ما أوتي من قدرة وقوة ووسائل وأساليب سخرها الله له. ثم ناقش د. الشيباني المبادئ التي تقوم عليها نظرة الإسلام للكون والمجتمع من الجوانب التي يحتاجها التربوي، أما ابن الجوزي فقد أغفل نظرة الإسلام للكون، ولم يتعرض لها، ربما لأن هذه النظرة كانت واضحة وصحيحة في أذهان الناس في ذلك الوقت. وهذا على عكس هذا العصر الذي اختلطت فيه المفاهيم، وكثرت المذاهب المخالفة للإسلام وطغت آراؤها على نظرة الإسلام، فكان لابد من إبراز نظرة الإسلام وتوضيحها للقارئ، واقتصر ابن الجوزي على نظرة الإسلام للإنسان من حيث طبيعته المخلوقة من قبضة من طين ونفخة من روح الله تعالى، وأنها مزودة بالدوافع والانفعالات والعواطف، ثم بيَّن أسباب الانغماس في الشهوات، والطريقة التربوية المناسبة لتهذيب النفس البشرية، كذلك وضح طريقة تربية جوانب النفس الإنسانية الجسمية والعقلية والروحية والعقائدية والأخلاقية والإرادية -كما رأينا-. وقد عرض ابن الجوزي هذه الآراء بطريقة عامة، أما د. الشيباني فقد فصل القول فيها وتناولها من خلال مبادئ منظمة، كل مبدأ يعالج فكرة من الأفكار المتعلقة بالموضوع بطريقة مقصودة وهي تبرز التخصص التربوي الدقيق للدكتور الشيباني. أما الفصل الخامس فموضوعه "المبادئ التي تقوم عليها نظرية المعرفة في الفكر الإسلامي" وقد تحدث فيه عن أهمية المعرفة وتحصيلها من حيث هي هدف أساسي للتربية، والإيمان بأن المعرفة هي كل ما نتوصل إليه عن طريق حواسّنا أو عقولنا أو نتلقاه عن طريق الحدس أو الإلهام أو الدين. كذلك بيَّن أن المعارف البشرية تتفاوت في فضلها

стр. 532

وقيمتها حسب موضوعها وغايتها ووسيلتها، وأن هذه المعارف لها مصادر متعددة يقرها الإسلام، وأكد أن المعرفة مستقلة عن العقل الذي يدركها، وصفات المعرفة الصالحة في الإسلام هي ما توفر فيه اليقين الجازم والتواضع أمام عظمة الله وواسع علمه، والتمشي مع روح الدين وما رسمه من مبادئ خلقية سامية مساعدة على إشاعة الأمن والطمأنينة في النفوس، ونبه د. الشيباني على ضرورة التثبت والدقة والموضوعية، وتدعيم العمل الصالح والخبرة الناجحة، وتيسير سبل تقدم المجتمع وقوته. والذي يبدو، أن الدكتور الشيباني قد ركز على المعرفة من جميع جوانبها، وأوجز في فضل العلم وأهميته في نظر الإسلام، أما ابن الجوزي فقد فصل في هذا الموضوع ولكنه لم يعالج موضوع المعرفة كما عالجه د. الشيباني، الذي اعتبره من جوانب الفلسفة الإسلامية وفلسفة التربية الإسلامية، لأنه ينبغي التعرف على "النظرية التي تكمن خلف هذه المعرفة في التراث الإِسلامي والفلسفة الإِسلامية" (١). أما الفصل السادس فموضوعه "المبادئ التي تقوم عليها فلسفة الأخلاق في الإسلام"، وقد تحدث فيه عن أهمية الأخلاق في الحياة، وأنها اتجاه راسخ في النفس البشرية، وأن الأخلاق الإسلامية في حقيقتها أخلاق إنسانية تساير الفطر السليمة، وغايتها تحقيق سعادة الدارين للفرد، والخير للمجتمع، والدين هو أهم مصدر للأخلاق، والنظرية الخلقية لا تكتمل إلا إذا حددت فيها بعض المفاهيم الأساسية كالضمير الخلقي، والإلزام الخلقي، والحكم الخلقي، والمسؤولية الخلقية، والجزاء الخلقي. لقد توسع د. الشيباني في عرض موضوع المبادئ التي تقوم عليها فلسفة الأخلاق في الإسلام، أما ابن الجوزي فقد اقتصر على تفسير معنى الخلق، وأنه صنفان فطري ومكتسب وعدَّدَ بعضًا من الأخلاقيات السيئة مثل الكذب والحسد والغضب والحقد والكبر والعجب. موثقًا ذلك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة.

стр. 533

أما الفصل السابع فموضوعه "أهداف التربية الإِسلامية"، وقد تحدث فيه د. الشيباني عن مفهوم الهدف التربوي ومستوياته والمصادر التي تستمد منها التربية الإسلامية أهدافها، وخصائص أهداف التربية الإسلامية الفردية والاجتماعية التي تسعى إلى تحقيقها، وأهم المبادئ التي تقوم عليها هذه الأهداف. وهذا الموضوع من الموضوعات التي عالجها ابن الجوزي بغير الطريقة التي عالج بها الدكتور الشيباني. وذلك لأنه كما ذكر د. الشيباني أن "كتب التربية الإسلامية القديمة لم تتعرض -فيما أتيحت لنا فرصة الاطلاع عليه- لتعريف الهدف التربوي ولا لتقسيمه إلى الأقسام أو الأنواع الثلاثة" (١). ورغم ذلك فإن د. الشيباني استطاع أن يستنبط من الفكر الإسلامي مفهوم الهدف التربوي وتقسيماته، وقد قال في ذلك: "ليس هناك ما يمنع في الشريعة الإسلامية والفكر الإِسلامي من تعريف الهدف بما عرفناه (٢)، أو بأي تعريف آخر يتقارب معه في المعنى ولا يتعارض مع روح الشريعة والفكر الإسلامي، ومن الأخذ بذلك التقسيم الثلاثي طالما أنه يوسع مجال الهدَف التربوي، ومن مجال الاستفادة من العمل التربوي ليشمل الفرد والمجتمع ومهنة التعليم نفسها" (٣). وذلك يدل دلالة واضحة على مرونة الشريعة الإسلامية لاستيعاب كل ما يتعلق بالعملية التعليمية والتربوية، وقدرتها على توظيف الشريعة الإسلامية لخدمة العلوم التربوية المعاصرة. ولا يعني هذا أن علماء المسلمين ومنهم ابن الجوزي قد أغفلوا أهداف التربية الإسلامية بصفة عامة، بل لقد ذكروها في كتاباتهم التربوية من دون تحديد لمسماها، وصنفها بعض

стр. 534

التربويين المعاصرين، وفي ذلك يقول د. الشيباني: "فقد ظهرت في السنوات الأخيرة بعض الدراسات المتواضعة، وحاول أصحابها أن يحددوا الأهداف العامة للتربية العامة حسبما فهموه من النصوص الدينية ومن التراث الفكري والتربوي الإِسلامي" (١). ولمعرفة هذه الأهداف العامة المستنبطة من هذا التراث يمكن الرجوع إلى كتاب د. الشيباني، فلسفة التربية الإسلامية، ص ٢٩٦ - ٣٠١. والذي يبدو عند قراءة هذا الفصل وموازنته بآراء ابن الجوزي التربوية، أنه لم يكتب في هذا الموضوع، لأنه كتب عن التربية بصفة عامة بعكس د. الشيباني الذي أفاض فيه بحكم تخصصه التربوي. أما الفصل الثامن فموضوعه "فلسفة المناهج الدراسية في التربية الإسلامية"، تحدث فيه عن أهمية المناهج الدراسية في التربية الإسلامية، ومفهوم المنهج الدراسي في التربية الإسلامية وفي التربية الحديثة، وأهم الخصائص العامة لهذه المناهج في التربية الإِسلامية، والمبادئ العامة التي تقوم عليها مناهج التربية الإِسلامية، مع معرفة الأسس العامة التي تقوم عليها مناهج التربية الإِسلامية كالأساس الديني، والفلسفي، والنفسي، والاجتماعي. كذلك معرفة الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها مناهج التربية الإِسلامية، وأهم التقسيمات الممكنة لهذه المناهج. لقد استطاع د. الشيباني من خلال تتبعه التاريخي للمناهج الدراسية في الأقطار العربية والإسلامية في العصور الإسلامية، أن يحدد -بصفة عامة- طبيعة المنهج الدراسي وخصائصه ومميزاته وأسسه والتقسيمات الممكنة للمناهج في التربية الإسلامية، وهدفه من ذلك وضحه بقوله: "والذي يهمنا في هذه الخصائص والمميزات أنها متمشية مع روح الإسلام وروح التربية فيه، وتستلزمها مبادئه وتعاليمه والفلسفة المستمدة منه للتربية والإصلاح، ولا يهمنا بعد ذلك أن تكون -المناهج الدراسية المطبقة فعلًا في العالم الإِسلامي عاكسة لهذه الخصائص ومتمشية معها أو غير

стр. 535

متمشية، لأن عدم تمشيها مع هذه الخصائص في فترة من فترات التاريخ الإسلامي، أو في قطر من أقطاره لا يخل بوجود هذه الخصائص في الفكر التربوي الإِسلامي، على الأقل في مستوى ما يجب أن يكون" (١). أما ابن الجوزي فقد اقتصر على ذكر المنهج التعليمي الذي يحبذه، وهو التركيز على العلوم الإسلامية، والتحذير من علم النجوم والكيمياء وعلم الكلام، ولم يهمل علم الطب بل قد ألف فيه وذكر منافعه. أما الفصل التاسع فموضوعه "فلسفة طرق التدريس في التربية الإسلامية"، تحدث فيه د. الشيباني عن مفهوم طريقة التدريس وأهميتها في التربية الإسلامية وتقسيماتها المختلفة، وأهم طرق التدريس العامة في التربية الإسلامية، وهي تتمثل في الطريقة الاستقرائية أو الاستنباطية، والطريقة القياسية، وطريقة المحاضرة والحوار والمناظرة، وطريقة الحَلْقة والرواية والسماع والقراءة والإملاء والحفظ والدراية والرحلة. كذلك تحدث عن أهم الخصائص والأهداف العامة لطرق التدريس في التربية الإسلامية، والأسس العامة لهذه الطرق وهي تتمثل في الأساس الديني والحيوي والنفسي والاجتماعي. وأخيرًا ذكر أهم المبادئ العامة التي تقوم عليها طرق التدريس في التربية الإِسلامية وهي تتمثل في مراعاة دوافع وحاجات وميول المتعلم، ومراعاة مستوى نضجه ومراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين، مع أهمية تحديد غرض المتعلم وتهيئة فرص الممارسة العملية، والاهتمام بالفهم وإدراك العلاقات وتكامل الخبرة واستمرارها والجِدّة والأصالة واستقلالية التفكير. إذا وازنا ما تحدث عنه د. الشيباني بآراء ابن الجوزي في هذا المجال، فإننا نلاحظ أنه كتب في بعض طرق التدريس ومبادئه العامة التي يقوم عليها في التربية الإِسلامية دون تحديد لمسماها. أما الكتاب الثالث فهو كتاب الأسس النفسية والتربوية لرعاية الشباب.

стр. 536

موضوعات الكتاب قسم د. الشيباني محتويات الكتاب إلى خمسة أبواب وقسم الأبواب إلى فصول، ثم أورد في كل فصل مباحث، وقد اشتملت في مجموعها على أربعة وعشرين فصلًا، وسأكتفي بذكر الأبواب والفصول -كما فعلت بشأن الكتابين السابقين- وهي على الوجه الآتي: الباب الأول: أهمية الشباب والتحديد الزمني لمرحلته. وفصوله هي: • الفصل الأول: أهمية الشباب وأهمية رعايته في مجتمعنا العربي. • الفصل الثاني: التحديد الزمني لمرحلة الشباب. الباب الثاني: خصائص الشباب وحاجاتهم: • الفصل الثالث: الخصائص والمميزات العامة للنمو الجسمي والانفعالي في مرحلة الشباب. • الفصل الرابع: الخصائص والمميزات العامة للنمو العقلي في مرحلة الشباب. • الفصل الخامس: الميول العقلية في مرحلة الشباب. • الفصل السادس: الخصائص والمميزات العامة للنمو الاجتماعي في مرحلة الشباب. • الفصل السابع: الحاجات الجسمية والنفسية والاجتماعية في مرحلة الشباب. • الفصل الثامن: العقبات الذاتية والبيئية التي تحول بين الشباب وإرضاء حاجاتهم. الباب الثالث: مشكلات الشباب • الفصل التاسع: مشكلات الشباب وأسس علاجها. • الفصل العاشر: العوامل التي تكمن وراء مشكلات الشباب الصحية والجسمية.

стр. 537

• الفصل الحادي عشر: الأمراض والاضطرابات والانحرافات الجسمية التي يعاني منها بعض الشباب والمواطنين الليبيين. • الفصل الثاني عشر: بعض المشكلات الجسمية والصحية الأخرى للشباب. • الفصل الثالث عشر: المشكلات النفسية للشباب العربي. الباب الرابع: فلسفة وأهداف رعاية الشباب العربي. • الفصل الرابع عشر: المشكلات العقلية للشباب. • الفصل الخامس عشر: المشكلات الاجتماعية للشباب. • الفصل السادس عشر: الفلسفة التي ينبغي أن تبنى عليها رعاية الشباب العربي. • الفصل السابع عشر: كيف يمكننا أن نبني أهدافًا صالحة لرعاية شبابنا العربي. الباب الخامس: الميادين المختلفة لرعاية الشباب. • الفصل الثامن عشر: الرعاية الصحية للشباب العربي. • الفصل التاسع عشر: الرعاية العقلية للشباب العربي. • الفصل العشرون: رعاية الذوق الفني والجمالي للشباب العربي. • الفصل الحادي والعشرون: الرعاية النفسية للشباب العربي. • الفصل الثاني والعشرون: الرعاية الاجتماعية للشباب العربي. • الفصل الثالث والعشرون: الرعاية السياسية للشباب العربي. • الفصل الرابع والعشرون: الرعاية الروحية للشباب العربي. مناقشة موضوعات الكتاب في ضوء آراء ابن الجوزي التربوية لقد أفرد د. الشيباني كتابًا كاملًا لبحث كل ما يتعلق بالشباب ومشكلاته وعلاجها، أما ابن الجوزي فقد تحدث عن هذه المرحلة ضمن مراحل النمو الإنساني الأُخرى، وحددها بالمرحلة من زمن البلوغ إلى سنة

стр. 538

خمس وثلاثين وهو زمن الشباب" (١)، وقد حددها د. الشيباني من "سن الثانية عشرة إلى سن الخامسة والعشرين" (٢). ويرجع سبب الاختلاف بين ابن الجوزي ود. الشيباني في تحديد هذا الزمن إلى طبيعة الحياة في المجتمعات الإسلامية في عصر كل واحدٍ منهما. ويؤكد هذا المعنى د. الشيباني بقوله: "فالفرد في المجتمعات الأُولى يمكن أن يبدأ في تكوين أسرته ويتحمل مسؤولياته كراشد بمجرد بلوغه، وتحقق نضجه الجسمي والفسيولوجي. فكثيرًا ما يتزوج الشخص ويتحمل مسؤولياته كراشد في هذه المجتمعات البدائية البسيطة في سن السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمره، وبذلك لا تطول مدة مراهقته" (٣). بينما في المجتمعات الإسلامية المعاصرة يختلف الحال تمامًا، "ويعتبر الشباب فيها أشد حاجة إلى الرعاية والتوجيه نظرًا لكثرة فراغهم وكثرة المغريات وكثرة المؤثرات الخارجية التي يتعرضون لها" (٤). وقد توسع د. الشيباني في موضوع رعاية الشباب وتوجيههم، أما ابن الجوزي فقد اقتصر على بيان أهمية هذه المرحلة من الناحية الجنسية، وأهم الإجراءات الوقائية المتبعة للإعلاء من هذه الحاجة الفطرية، خوفًا من الانزلاق في مهاوي الفاحشة والفساد الأخلاقي، ثم أكد ضرورة معاملة الفرد في هذه المرحلة معاملة طيبة وإعداده للقيام بمسؤوليات أسرته. والذي يبدو من الموازنة أن إسهاب د. الشيباني في عرض هذا الموضوع الحيوي الخطير، وإيجاز ابن الجوزي فيه يعودان إلى طبيعة ظروف عصر كل واحد منهما، وما يتعرض له الشباب من مسؤوليات وعقبات تفرضها طبيعة عصره، فطبيعة الحياة أيام ابن الجوزي تمكن الشاب من الزواج مبكرًا ومن تحمل مسؤوليات أسرته، أما طبيعة الحياة المعاصرة

стр. 539

فإنها تمتاز بالتطور والنمو والتعقيد في مختلف جوانب الحياة، التي تقف حائلًا دون تحقيق رغبات الشباب وآمالهم بيسر وسهولة، يضاف إلى ذلك كثرة المغريات والكماليات التي أصبحت ضرورات، وكثرة المؤثرات والضغوط الخارجية التي يتعرضون لها. لذلك فطبيعة العصر حددت للشباب -في كلا العصرين- طريقة ونمط الحياة التي يعيشونها سواء كانت سهلة أو معقدة. ومن هنا نجد أن د. الشيباني أدرك بحكم عمله المباشر في مجالات تربية الشباب ورعايتهم، أهمية وضع الأسس النفسية والتربوية لتربيتهم ورعايتهم وحل مشكلاتهم التي يتعرضون لها. بينما نرى أن ابن الجوزي كتب عن هذه المرحلة كغيرها من المراحل دون أن يتعرض للمشكلات التي تواجه الشباب في ذلك الوقت، لأنه على ما أعتقد لم تواجههم مشكلات كالتي يعاني منها الشباب حاليًّا بسبب سهولة الحياة وخلوِّها من التعقيدات المختلفة. وخلاصة القول الذي نخرج به من هذه الموازنة: أن هناك تشابهًا من جهة واختلافًا من جهة أُخرى بين كل من ابن الجوزي ود. الشيباني، ومن أسباب التشابه والتقارب بينهما اعتمادهما على المصادر التشريعية نفسها في الإسلام مثل القرآن الكريم والسُّنّة النبوية الشريفة والإجماع والقياس. . . الخ، وقد أدى هذا الاعتماد على هذه المصادر الأصيلة إلى ثبات وواقعية وحيوية هذه الآراء، وجدَّتها إلى وقتنا الحاضر. أما نواحي الاختلاف بينهما فتبرز في الآتي: ١ - أن ابن الجوزي كتب في التربية بصفة عامة دون تحديد للأسباب التي دفعته لذلك. أما د. الشيباني فهو أستاذ متخصص في التربية، التي قال فيها درجة الدكتوراة، وقد دفعه اهتمامه الشخصي وحبه للتربية الإسلامية إلى التعمق في هذه التربية والكتابة فيها كتابة المتخصص. يضاف إلى ذلك توليه المناصب التربوية التي صقلت العلم بالتجربة العملية في الوظيفة.

стр. 540

إن د. الشيباني كشف عن هذه الأسباب التي دفعته للكتابة في مثل هذا المجال، عندما قال في مقدمة كتاب من أسس التربية الإسلامية: "وإنني لأرجو أن يكون ما أقدمه اليوم من جهد متواضع حافزًا لغيري على مزيد من الدراسة الواعية والبحث العميق في مجال التربية الإسلامية ليتسنى لنا قطع الشرط المطلوب في إلقاء الضوء على تراثنا (١) التربوي الخالد المليء بالأفكار والمبادئ التربوية الصالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، وفي إحياء وتجديد وتصفية (٢) هذا التراث ونقله إلى أجيالنا الحاضرة والمقبلة، وليتحقق لنا بالتالي ربط حاضرنا بماضينا وربط ما نسعى إليه من تقدم وتجديد في كافة مجالات الفكر والحياة بأصالتنا الفكرية وبتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف وتراثنا الإسلامي الخالد" (٣). ٢ - تميزت الفترة التي عاش فيها ابن الجوزي من (٥١٠ - ٥٩٧ هـ)، بالكثير من نواحي القوة والضعف في جميع جوانب الحياة العلمية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية (وسبق أن بينا ذلك في الباب الثاني من هذا البحث). أما الفترة الزمنية التي يعيش فيها د. الشيباني أعني في وقتنا الحاضر، فهي وليدة عصور متعددة فمن "عصر ظهور الإسلام وازدهاره وامتداده، ثم عصر الانحسار والانحراف والانحطاط إلى عصر الاستعمار والغزو الأجنبي" (٤) وما خلفه من آثار واضحة نتيجة "إيفاد البعثات، واستقدام الأساتذة الأجانب، ونقل مناهج التعليم وكتبه إلى مدارسنا وتأسيس مدارس أجنبية في بلادنا، ونقل نتائج الثقافة الغربية إلى لغات الشعوب الإِسلامية، إن ذلك كله أدى بتزايد واستمرار عملية

стр. 541

التغريب (١) " (٢). وبعد التحرر من الاستعمار الأجنبي وخروج المستعمر (الغازي الكافر) من الدول الإسلامية، ابتُليت الأمّة الإسلامية بالغزو الفكري والعقائدي والاجتماعي والأخلاقي في شؤون حياتها كافة. وقد مر المجتمع الإِسلامي المعاصر خلال اتصاله ولقائه وتأثره بالمجتمع الأوروبي الغربي "بمراحل متعاقبة أولها مرحلة الذهول والدهشة والإعجاب والشعور بالنقص، ثم كانت مرحلة النقل والتقليد والاقتباس، ومرحلة تتراوح بين التوفيق بين القيم الغربية والقيم الإسلامية تارة، والصراع بينهما تارة أخرى، ثم كانت أخيرًا مرحلة الذاتية بالنسبة للاتجاه الأصيل أو الإسلامي التي تقابل بالنسبة للاتجاه الآخر مرحلة الانسلاخ النهائي من الإسلام والاندماج كليًّا في أحد تيارات الفكر الغربي" (٣). ود. الشيباني أحد الملتزمين بالاتجاه الإسلامي الأصيل، وقد لمس موطن الداء في واقعنا التربوي والتعليمي، وأدرك خطورة ذلك على تنشئة الأجيال الإسلامية الحاضرة، فكانت معظم مؤلفاته تدور حول الإصلاح التربوي والعودة إلى المصادر الإسلامية الثابتة من القرآن الكريم والسُّنّة النبوية الشريفة، لإعادة البناء التربوي الحالي إلى أصوله الإسلامية الأُولى، وتنقيته من شوائب الفكر الدخيل. لذلك فرضت طبيعة العصر الحاضر على د. الشيباني أن يتناول موضوعات لم يتناولها ابن الجوزي مثال: "نحو بناء فلسفة تربوية تستمد أصولها من مبادئ الإسلام". أو قد يعالج موضوعات عالجها ابن الجوزي -مثل: "فضل المعلم ووظيفته في التربية الإِسلامية- من الوجهة الإسلامية وفق ما تجدّد من ظروف في الوقت الحاضر تتعلق بالمعلم ولم تكن في عصر ابن الجوزي.

стр. 542

والذي يبدو من الموازنة -بصفة عامة- تأثر د. الشيباني بآراء المربين المسلمين، بدليل استشهاده بأقوالهم في كثير من الأفكار التي يعرضها. بل لقد أكد في أكثر من موضع أن ما تركوه من آراء تربوية قيمة هي جزء من تراثنا الخالد، فقال في ذلك: ". . . ما تركه لنا هؤلاء العلماء والمربون من تراث مكتوب في هذا المجال [يعني واجبات المعلم وآدابه] يمثل جانبًا كبيرًا من تراثنا التربوي الإِسلامي الذي نعتز به" (١). ونصل من هذه الموازنة إلى أن ابن الجوزي ود. الشيباني قد جعلا مصدر ثرائهما الفكري والتربوي هو كتاب الله وأحاديث وسُنّة نبيه محمد ﷺ ، ثم ما يتفرع عنهما من مصادر أخرى كالإجماع والقياس .. ثم النظر في تراثنا التربوي الذي خلفه لنا الأسلاف .. ونحو ذلك. ولكن .. هل يعني هذا أن ابن الجوزي تناول بآرائه التربوية الدراسات التربوية المعاصرة؟ ولكي تكون الإجابة صحيحة وواضحة من الوجهة العلمية، لابدَّ من الإلمام -ولو بصورة عامة وسريعة- بالموضوعات التربوية التي تناولها المؤلفون، أو الباحثون أو المهتمون بالدراسات التربوية الإسلامية في وقتنا الحاضر، لموازنتها بآراء ابن الجوزي التربوية ثم لمعرفة ذلك، وتحديد مكان ابن الجوزي بين المربين المعاصرين. ومن خلال الاستقراء العام للدليل الذي وضعه د. مقداد يالجن وهو دليل التأصيل الإسلامي للتربية لعام ١٤١١ هـ، بتكليف من عمادة البحث العلمي، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية بالرياض (٢)، نجد أن هذا الدليل يشمل الموضوعات الآتية:

стр. 543

المقدمة وذكر فيها الصعوبات والمشكلات التي واجهته، وبعض الدراسات المشابهة لهذا العمل التربوي المفيد، والمنهج المستخدم لكتابة هذا الدليل. أولًا: نبذة عن اهتمام الجامعة بالتأصيل وبخاصة تأصيل التربية. ثانيًا: دليل البحوث والمؤلفات التي تمَّ إنجازها، والتي ما زالت تحت الإنجاز (باللغة العربية) (وعناوينها مصنفة على أساس الحروف الأبجدية لسهولة التعرف على الموضوعات). ثالثًا: دليل الباحثين وهو مصنف على أساس الحروف الأبجدية. رابعًا: دليل البحوث والمؤلفات باللغات الأجنبية ويشمل: أ - دليل البحوث باللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية. ب - دليل البحوث باللغة التركية. خامسًا: بعض النماذج لأعمال مكتبية لبحوث التربية الإسلامية. سادسًا: دليل البحوث التي قُدمت والتي ستُقدَّم أيضًا إلى بعض المؤتمرات والندوات المقرر عقدها. سابعًا: مجالات التأصيل الإِسلامي للتربية. ومشروع خريطة البحوث التربوية المقترحة. ثامنًا: دليل المؤسسات والهيئات المهتمة بالتأصيل وبالتربية الإِسلامية بوجه خاص. الخاتمة وقد ذكر فيها أهمَّ ما يتميز به هذا الدليل عن غيره من الأعمال السابقة وهذه المميزات هي: ١ - "أنه يحتوي على أكبر كمية من البحوث والمؤلفات، وهذا لم تحوه أية دراسة سابقة في هذا المجال -حسب علم المؤلف- ٢ - أنه اشتمل على مشروع خريطة البحوث التربوية في المجالات التأصيلية وقد تضمّن (١٦٦) مشروع بحث .. وذلك ليختار الباحث الذي يريد الإسهام في التأصيل موضوعات مناسبة لاختصاصه أو ميوله واستعداده من غير إضاعة وقت في البحث عن الموضوعات التي تحتاج إلى الدراسة والتأصيل. ٣ - أنه اشتمل على البحوث التي ستُقدم إلى بعض المؤتمرات

стр. 544

والندوات المقرّر عقدها في مجالات التأصيل، على أساس أن هذه البحوث بمثابة البحوث المسجّلة ومآلها معروف، وتعتبر في سبيل الإنجاز، ويمكن الاتصال بتلك الجهات المسؤولة عنها للحصول عليها بعد انعقاد تلك المؤتمرات والندوات، وعددها حسب الخطة ٦٧ بحثًا. ٤ - أنه اشتمل على أسماء وعناوين المؤسسات المعنية بالتأصيل للتعاون معها، ومتابعة نشاطها والحصول على بحوثها أو إنتاجها. ٥ - أنه دراسة عصرية ركزت على المؤلفات والبحوث العصرية المنجزة والمشروعات، وبذلك تميز عن الدراسات التراثية، سواء في مجال الأعلام (أعلام المربين) أو الموضوعات التربوية. ٦ - أن عناوين الموضوعات المنجزة أو التي هي بمنزلة (مشروعات) على حد سواء منظمة ومصنفة تحت عنوان، إما على أساس المجالات وإما على أساس حروف الهجاء (مرتَّبة كترتيب المعجم)، وذلك مما يسهّل للباحثين الحصول على مطالبهم في أقرب وقت ممكن" (١). وبعد الاستقراء لعناوين الموضوعات التربوية التي نوقشت من قبل المؤلفين، أو الباحثين والباحثات في الدراسات العليا (ماجستير ودكتوراة) لوحظ الآتي: ١ - تعدُّد وتنوع الموضوعات التربوية الإسلامية التي درست، وكل دراسة منها ركزت على جانب من جوانب الفكر التربوي الإسلامي. ٢ - إن الدراسات التربوية الحالية، تمثل ظاهرة العودة إلى الهوية الإسلامية الضائعة، في محاولة منها لتحديد معالم التربية المنشودة، ثم إحياء التراث الإسلامي وجعله مفيدًا وميسَّرًا وفق طبيعة العصر الحاضر وظروفه المتغيرة ضمن الحدود الإسلامية وضوابطها الشرعية. ٣ - إن أعداد البحوث والدراسات التربوية التي أُنجزت والتي هي في طور الإنجاز تدل على الرغبة الصادقة والجادة في تأصيل التربية إسلاميًا، وكذلك اهتمام المؤسسات التعليمية بعقد المؤتمرات وكتابة البحوث في هذا المجال يدل على مدى أهمية هذا الموضوع والحاجة

стр. 545

الماسّة التي تدعو إليه. إلى غير ذلك من مؤشرات ودلالات تبشر بأن التربية الإسلامية ستكون بإذن الله النظام المنقذ لكل مشكلات وأزمات التربية والتعليم في العالم الإِسلامي ومنه العالم العربي، بل وفي العالم كله. فإذا وازنَّا ما لاحظناه من الدراسات التربوية بآراء ابن الجوزي التربوية، فإننا نجد أن هذه الدراسات التربوية الحالية تحاول تأصيل التربية إسلاميًّا، والعودة إلى المصادر الأساسية لها، بينما لا تحتاج آراء ابن الجوزي إلى تأصيل إسلامي، لأنها نابعة من الفكر التربوي الإِسلامي، وتعتبر جزءًا أصيلا وقيما من الفكر التربوي الإِسلامي الذي يُعتمد عليه عند عرض أو دراسة أي موضوع تربوي. وعلى الرغم من أن الفكر التربوي لابن الجوزي يمثل قيمة علمية وتربوية، فإن ابن الجوزي لم يتناول موضوعات الدراسات التربوية المعاصرة، وذلك لأسباب عدة: ١ - إنه -كما سبق أن ذكرنا- غير متخصص في التربية، ولكن كتب ما كتب من الموضوعات التربوية بصفة عامة. ٢ - إنه تناول الآراء التربوية من الوجهة الإسلامية دون تأثير عقائد أو مذاهب أو تيارات مخالفة للمنهج الإسلامي، أَو ظروف فرضتها طبيعة العصر، إلا ما ذكره في ما يتعلق بعَلامات الذكاء الجسمية ومثلها في الحمقى. ٣ - إنه لا يمكن لبشر مهما أوتي من القوة والعلم أن يتناول جميع جوانب العلم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١). ٤ - الموضوعات التربوية التي تناولها أقل بكثير من الموضوعات التربوية الإسلامية التي تناولها، المربون المسلمون المعاصرون. وبعض الموضوعات المهمة لم يتطرق إليها ابن الجوزي مثل أهداف التربية الإِسلامية، والتربية الإبداعية والابتكارية. ٥ - أن هناك آراء تربوية مرفوضة لابن الجوزي لأنه أخذها من المربين الآخرين، أو لأنها مبنية على أحاديث ضعيفة أو موضوعة.

стр. 546

الباب السادس أهم الآراء التربوية عند ابن الجوزي ووجوه الاستفادة من اجتهاداته وجهوده التربوية • الفصل الأول: أهم الآراء التربوية عند ابن الجوزي ووجوه الاستفادة منها • الفصل الثاني: طريقة إجتهاداته التربوية ووجوه الاستفادة منها

стр. 547

• الفصل الأول أهم الآراء التربوية عند ابن الجوزي ووجوه الاستفادة منها أولًا: أهم الآراء التربوية في الطبيعة البشرية ثانيًا: أهم الآراء التربوية في تربية الطفل في ضوء مراحل النمو ثالثًا: أهم ما يستفاد من جوانب التربية الإسلامية عند ابن الجوزي:

стр. 548

• الفصل الأول أهم الآراء التربوية عند ابن الجوزي ووجوه الاستفادة منها يمثل هذا الباب .. نهاية المطاف في الفكر التربوي لابن الجوزي، في إجمال أهم آرائه وتوجيهاته التربوية، ووجوه الاستفادة منها. وقبل عرض هذه الآراء .. يبرز لدينا سؤال عن الهدف الأساسي من التربية الإِسلامية؟. إن الغاية التي خلق الله الإنسان من أجلها هي العبودية الخالصة لله وحده لا شريك له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١). ولن يتم تحقيق هذه العبودية إلا من خلال تنشئة وتربية الإنسان التربية المتكاملة من "جميع نواحيه، من الناحية الصحية والعقلية والاعتقادية والروحية والأخلاقية والاجتماعية والإرادية والإبداعية في جميع مراحل نموه، وفي ضوء المبادئ والقيم التي أتى بها الإسلام، وفي ضوء أساليب وطرق التربية التي بينّها" (٢). وإذا دققنا النظر في هذه الغاية من التربية الإسلامية، نجد أن آراء ابن الجوزي التربوية قد ركزت عليها، ووضحتها موثقة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة. وسأركز حول أهم الآراء التربوية التي ذكرها ابن الجوزي، وأوجزها في النقاط التالية:

стр. 549

أولًا: أ- أهم الآراء التربوية في الطبيعة البشرية (١) ١ - ضرورة معرفة المربي بخفايا طبيعة النفس البشرية وما فيها من دوافع وميول وانفعالات وعواطف، حتى يستطيع توجيهها بطريقة صحية، وعن علم ومعرفة. ٢ - ضرورة تعريف المتعلم الغاية من خلقه، والحكمة من وجوده، حتى يسهل على المرء تحديد أهدافه في الحياة مستمدًا ذلك من غاية خلقه، وحتى تعرف التربية وظيفتها بدقة، لأن التربية الإسلامية تأخذ غايتها من غاية خلق الإنسان، فتعده على نحو يستطيع معه تحقيقها. ٣ - الاعتراف بحاجات الجسم والروح والعقل، وضرورة إشباعها بطريقة معتدلة ومتوازنة وذلك ليتم من خلالها تحقيق العبودية المطلقة لله . ٤ - الاعتراف بانفعالات الإنسان وعواطفه، واتباع الطرق المناسبة لتهذيبها ومجاهدتها والإعلاء منها. ٥ - معرفة الحكمة من وجود الدوافع والانفعالات والعواطف في النفس البشرية وجعلها تسير بحيث تتحقق الحكمة من وجودها. ٦ - ضرورة معرفة الطرق والأساليب المناسبة، لتدريب النفس البشرية على الاعتدال في إشباع الحاجات الفطرية، وتهذيبها بالضوابط الإِسلامية. ٧ - مراعاة الفروق الفردية بين الأفراد وبين الرجال والنساء في القدرات والانفعالات والشهوات، وفي مجاهدتهم وضبطهم لهذه الشهوات وتأديبها وتهذيبها. ٨ - وجوب الأخذ بمبدأ التدرج عند مجاهدة وتهذيب النفس البشرية. ٩ - وجوب تربية العقل على إدراك مقاصد الشريعة الإسلامية، حتى يكون له دور في ضبط الشهوات والانفعالات والعواطف والتربية بموجبها.

стр. 550

ب- وجوه الاستفادة من الآراء التربوية في الطبيعة البشرية قبل بيان وجوه الاستفادة من آراء ابن الجوزي بشأن الطبيعة البشرية، لابدّ من تأكيد أن الإنسان هو محور العملية التعليمية والتربوية، وحتى تتحقق الغاية من وجوده، لابد من توجيهه الوجهة الصحيحة التي تتناسب مع ما لديه من ميول ودوافع ورغبات واستعدادات وقدرات، ولن يتم هذا التوجيه كما قال أحد الباحثين إلا "بمعرفة ما في الداخل من حقائق وأجهزة وطاقات وآلات محركة وموجهة، ليستطيع الإنسان أو المربي تحريك الإنسان وتوجيهه كيفما يشاء وحيثما يريد، ولهذا كانت الأسباب الرئيسية في إخفاق النظريات التربوية في تحقيق أهدافها، ترجع ضمن ما ترجع إليه إلى أنها بعيدة عن طبيعة الإنسان الداخلية أو يكون السبب جهلها وخطأ تصورها للحقائق الداخلية لهذه الطبيعة من الجوانب المختلفة. ولهذا نجد الإسلام يعطي تصورًا كاملًا لحقيقة طبيعة تكوين الإنسان، كما يلقي بعد ذلك أضواءً كاشفة عن أغوار هذه الطبيعة، ثم كان توجيهه وفقًا لذلك التصور الكامل ووفقًا لتلك المعرفة الكاملة للجوانب الداخلية لهذه الطبيعة. . . . وهذه المعرفة معرفة خالق هذه الطبيعة (١). ثم أكد الباحث ذلك يقول الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٢). ومن خلال هذه التصورات للطبيعة الإنسانية كما خلقها الله تعالى، يستطيع المخططون تحديد الأهداف العامة والخاصة للتعليم بمراحله المختلفة وفقًا لهذه التصورات، ثم وضع المناهج التعليمية المناسبة لهذه القدرات والميول والاستعدادات، وما يناسبها من وسائل وأساليب تربوية، وما يتبعها من نظم ولوائح إدارية تنظم كل ما يتعلق بالناحية التعليمية والتربوية، بدءًا من المعامل والأجهزة والإمكانات البشرية، إلى المقررات والوسائل وأنظمة الامتحانات .. الخ. كل ذلك .. يوظف لخدمة الإنسان وتربيته وتعليمه التعليم المناسب الذي يحقق الأهداف المرجوة منه، وفق المنهج التربوي الإِسلامي. وهذا

стр. 551

لا يعنى أن هذه التصورات للطبيعة الإنسانية تكفي وحدها، لكي تكون مصدرًا لاشتقاق الأهداف، بل هناك نواح أُخرى متعددة -يحتاجها المجتهد التربوي المسلم- منها على سبيل المثَال طبيعة المجتمع وفلسفته وآماله ومشكلاته، وطبيعة العصر الذي نعيش فيه، وما يقدمه المتخصصون في المواد الدراسية، تلك الأمور التي تساعد على بناء حضارة إسلامية متكاملة. والآراء التربوية التي حددها ابن الجوزي من خلال تصوره للطبيعة البشرية كما خلقها الله تعالى، يمكن الاستفادة منها في معاهد المعلمين والكليات التربوية المتخصصة، لإعداد المعلمين والمعلمات، فهي تمدَّهم بالمعلومات اللازمة عن التصور، ليستعينوا بها أثناء تدريسهم للتلاميذ، لتلافي سلبيات المناهج التعليمية الراهنة، وليطبقوا ما في توجيهات ابن الجوزي من طرق ووسائل لتهذيب النفس البشرية. ويضاف إلى ذلك أنه يمكن تعميم هذه الآراء والتوجيهات التربوية لكل من يريد أن يربي نفسه تربية ذاتية مستمرة، لأن ابن الجوزي قد وضح أساليب التحكم في الأهواء والشهوات، وأساليب تهذيب الانفعالات والعواطف بالتفصيل. ثانيًا: أهم الآراء التربوية في تربية الطفل في ضوء مراحل النمو تنوعت الآراء التربوية لابن الجوزي في تربية الطفل في ضوء مراحل النمو، بسبب تعدد المراحل التي تناولها، من طفولة مبكرة .. إلى بلوغ، ومن شباب إلى كهولة، وما تتعرض له كل مرحلة من مناشط مختلفة تتناسب ونمو الإنسان فيها. لذلك سأحدد الآراء التربوية لكل مرحلة، ثم أذكر أوجه الاستفادة منها. أ- الآراء التربوية في مرحلة ما قبل الولادة (١): ١ - اختيار الشريك الصالح، لما لهما (أي الزوجين) من دور مهم في تربية الأجيال المسلمة وتنشئتها. ٢ - رعاية الجنين وهو في بطن أمه من كافة الجوانب الجسمية والنفسية، لما لذلك من تأثير في تشكيل الفرد.

стр. 552

وجوه الاستفادة من آرائه في هذه المرحلة: تبرز أهمية الاستفادة من توجيهات ابن الجوزي التربوية، عند وضع الأهداف العامة والخاصة لتعليم المرأة المسلمة، التي تختلف في بعض جوانب تكوينها الجسمي والنفسي عن الرجل، وتختلف عنه في وظيفتها ودورها في الحياة. لذلك يمكن أن تصاغ الأهداف وتؤلف المناهج التي تعد المرأة المسلمة لوظيفتها الحقيقية التي كلفها الله القيام بها وهي رعاية شؤون الأسرة وتربية الأجيال المؤمنة، وهذه الوظيفة الخطيرة تحتاج إلى حسن إعداد الزوجة الصالحة، والأم المربية، وهذا يتم من خلال المناهج التعليمية التي تركز على هذا الإعداد التربوي من جميع جوانبه الصحية والعقلية والنفسية والأخلاقية. وتزود المرأة بالمعلومات الكافية عن حقيقة العلاقة بين الزوجين، وما لهما من حقوق وما عليهما من واجبات، وكيفية الاهتمام بالطفل قبل ولادته وتربيته إلى نهاية حياته، وما هي الأساليب والوسائل التربوية التي يجب استخدامها لتعينها على التربية، هذا بالإضافة إلى تزويدها بكل ما تحتاجه من ثقافة إسلامية متنوعة تتعلق بوظيفتها أُمًّا وداعية لنشر الإسلام. . . الخ. وهذه الاستفادة تنبع من كون المناهج "لا تفرق بين خواص الرجال وخواص النساء -إلا في بعض الأمور اليسيرة الخاصة بالمرأة- فلا تقيم تعليمًا منفصلًا للفتاة بحكم تكوينها النفسي والإجتماعي والجسمي الحياتي، وبحكم مسؤوليتها ورسالتها وعملها، ولكنها تشترك مع الرجال في برنامج واحد، فلا تعرف لها مهمة خاصة ولا هدفًا محددًا" (١). لذلك لابد من الاهتمام بذلك عند صياغة الأهداف ووضع المناهج التعليمية حتى نضمن إعداد المرأة المسلمة الإعداد المناسب لوظيفتها الحقيقية في الحياة. ب- أهم الآراء التربوية في مرحلة الطفولة المبكرة (٢) (٢ - ٦ سنوات) أهم الآراء التربوية لابن الجوزي في مرحلة الطفولة المبكرة تتمثل في الآتي:

стр. 553

١ - ضرورة تكوين العادات الطيبة، والآداب الحسنة في هذه المرحلة، مع الاستمرار في تأصيلها بشتى أساليب الترغيب والتحبيب. ٢ - وجوب الاهتمام بغرص القيم والآداب في السنوات الأُولى من عمر الطفل. ٣ - ضرورة معرفة المربي بخصائص نمو الطفل في هذه المرحلة، وما يناسبها من تطبيقات تربوية إسلامية. ٤ - المحافظة على شخصية كل من الذكر والأنثى، عن طريق تميز الفريقين باللباس والإعداد والتدريب على أعمال خاصة بكل نوع منهما. ٥ - الاهتمام بالتربية الجسمية والصحية والخلقية والاجتماعية للأطفال. ٦ - تعريف الوالدين بدورهما العظيم في تربية الأطفال وتنشئتهم، مع مراعاة الحكمة في المعاملة والتأديب. ٧ - الاهتمام باختيار الصحبة الصالحة للطفل، لأثرها العظيم في غرس السلوكيات والآداب الصالحة. ٨ - يجب الاهتمام باستخدام أساليب التربية الإِسلامية ووسائلها. ٩ - ضرورة التنويع في أساليب التربية حتى تتناسب وطبيعة النفس البشرية. ١٠ - ضرورة الاهتمام بالعلوم الأساسية للطفل، وتقديمها على العلوم الأقل أهمية. ١١ - عدم الانتقال من علم إلى علم إلا بعد أن يتقن العلم الأول. ١٢ - ضرورة اقتران العلم بالعمل به. ١٣ - ضرورة التنوع في العلوم، وعدم الاقتصار على علم واحد. ١٤ - مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال في قدراتهم العقلية وتعلمهم وسلوكهم. ١٥ - ضرورة العناية بالمناهج التعليمية في مرحلتي الدراسة النظامية وما قبلها، والتركيز على المواد الأساسية الإِسلامية.

стр. 554

وجوه الاستفادة من آرائه في هذه المرحلة: لا تنحصر الاستفادة من الآراء التربوية لابن الجوزي في هذه المرحلة على معلمات رياض الأطفال، بل تشمل أيضًا ركني الأسرة (الأب، الأم) ذلك أنه ينبغي لهما أن يعرفا كيفية القيام بعملية التنشئة والتربية الصحيحة. ويمكن تصنيف وجوه الاستفادة في النقاط الآتية: ١ - تربية الأمهات المربيات، والآباء المربين الذين هم معلموا المدرسة الأُولى، مدرسة الأسرة. ٢ - بناء المناهج التعليمية لما قبل الدراسة النظامية وما بعدها وهذه يستطيع أن يستفيد منها القائمون على وضع المناهج عند تحديد المواد الدراسية في هذه المرحلة. ٣ - الاستفادة من أساليب التربية بالقدوة والثواب والعقاب وغيرها من أساليب التربية الإِسلامية .. التي ذكرها ابن الجوزي، وهذه لابد من إدراجها ضمن مناهج معلمات رياض الأطفال، وكليات التربية، للاستفادة منها في توجيه الأطفال وتربيتهم. وعمومًا يمكن الاستفادة من جميع الآراء التربوية لابن الجوزي في مرحلتي الدراسة الثانوية والدراسة الجامعية، باعتبار أنهما النواة الأُولى لتكوين الأسرة المسلمة، وعليهما دور التربية والتوجيه. جـ - أهم الآراء التربوية في مرحلة البلوغ والشباب (١) (١٢ - ٢١ سنة): أهم الآراء والتوجيهات التربوية لابن الجوزي في مرحلة البلوغ والشباب: ١ - ضرورة الاهتمام بمرحلة البلوغ، والعناية التربوية بها لخطورة هذه المرحلة على البالغ. ٢ - ضرورة تكوين الشعور القوي بمراقبة الله الدقيقة لدى البالغ. ٣ - ضرورة تسهيل طريق الزواج للبالغ، وإذا لم يستطع فيعوَّد على

стр. 555

غض البصر والصيام ويدفع إلى الاشتغال بالعلم وبمعالي الأمور. ٤ - ضرورة تدريب البالغ على الصيام حتى يقوّي إرادته، ويضبط دوافعه، فيحفظ نفسه من الوقوع في الزلل. ٥ - الاكتفاء ما أمكن بالزوجة الواحدة للمحافظة على نفسه من التشتت. ٦ - منع اختلاط البالغ بالنساء. ٧ - المعاملة الكريمة للبالغ، مع احترام رأيه وتقدير مشاعره، وغرس الثقة في نفسه. ٨ - ضرورة التأهيل الوظيفي لكسب الرزق للبالغ. وجوه الاستفادة من آرائه في هذه المرحلة: رغم تركيز ابن الجوزي على الجانب الجنسي للبالغ، وكيفية التعامل معه، فإننا نستطيع الاستفادة من هذه الآراء في التربية الأُسرية للوالدين، من حيث المحافظة على البالغ ومعاملته المعاملة المناسبة وتربيته تربية إسلامية، (وهذا لا يتم إلا ممن توافرت لديه معلومات تربوية كافية ومهارات مناسبة)، تليق بكرامته الإنسانية وبالمرحلة الحرجة التي يمرّ بها، وهو في حاجة إلى التقدير والاحترام، اللذين يزيدان من ثقته بنفسه. كذلك نستطيع الاستفادة من مبدأ منع اختلاطه بالنساء في التربية الأسرية، وفي نظام التعليم، ولاسيما في الدول التي تبيحه وتجني من ورائه الويلات. أما مبدأ تأهيل البالغ وظيفيًا لكسب الرزق، فأعتقد أن الحاجة ماسة لهذا المبدأ -ولاسيما في الوقت الحاضر- لأن البالغ يعتمد على أسرته في معيشته حتى انتهاء دراسته، وفي معظم الأحيان إلى ما بعد الدراسة، وإذا تزوج فإنه لا يستطيع تحمل المسؤولية، لأنه تعود الاعتماد على أسرته في كل شؤونه. لذلك لابد من الاستفادة من هذا في تشغيل وتوظيف البالغين في أيام الإجازات، ومواسم العمل كالحج، بما يتناسب وعمرهم الزمني ومؤهلاتهم العلمية، وقدراتهم العقلية والجسمية، حتى يتعودوا الاعتماد على أنفسهم وتحمل المسؤولية، وتكتسب نفوسهم القوة والصلابة

стр. 556

والرجولة، والمشاركة في العطاء والبناء. أما الفتاة فتدرب على الأعمال الخاصة بوظيفتها الأساسية مع الاهتمام بإعدادها لتكون زوجة صالحة، ومربية فاضلة. د- أهم الآراء التربوية في مرحلة الكهولة (١) (٤٠ - ٦٠ سنة): ركز ابن الجوزي في هذه المرحلة على جانبين هما: ميل الإنسان لشهواته المختلفة ثم مرحلة العلم والحفظ والتأليف، ومن هذين الجانبين نستخلص هذه الآراء والتوجيهات التربوية: ١ - ضرورة استمرار ضبط النفس عن شهواتها، ومحاولة التسامي والإعلاء منها. ٢ - ضرورة تعلم العلم وتعليمه وبذله للآخرين. ٣ - ضرورة الاهتمام بالتأليف وتصنيف الكتب المفيدة. وجوه الاستفادة من آرائه في هذه المرحلة: إن كلَّ مرحلة من مراحل النمو الإنساني، تحتاج إلى توجيه يناسبها، وهذه المرحلة -كغيرها من المراحل- تحتاج من المجتمع بكافة مؤسساته إلى الاهتمام بالاستفادة من خبرة وتجارب هؤلاء الأفراد، واستغلال طاقاتهم العقلية في الإنتاج الأدبي والعلمي، وتشجيعهم على البحث الجادّ في المجالات التي تناسب ميولهم وقدراتهم، ويمكن الاستفادة ممن يتميز منهم بالكتابة والتأليف في مراكز البحوث، وبقية الأفراد كل حسب ما يميل إليه ويقدر عليه فتكثر مراكز التدريب المهني أو النوادي الثقافية والاجتماعية والفكرية، وبذلك يمتص المجتمع أوقات الفراغ في أمور مفيدة، بالإضافة إلى إغناء العمل من خبراتهم وتجاربهم في هذا المجال، واستغلال هذه الطاقات المعطلة القادرة على العمل والعطاء في مختلف المجالات المناسبة لهم. هـ - أهم الآراء التربوية في مرحلة الشيخوخة (٢) (٥٠ - ٧٠ سنة): ركز ابن الجوزي في هذه المرحلة على جانبين هما: ضعف الشهوة،

стр. 557

وضعف القدرة العقلية والعلمية -وهذا الضعف يتفاوت بين الأفراد بحسب بدء المرحلة أواسطها ونهايتها- ومن هذين الجانبين نستخلص هذه الآراء والتوجيهات التربوية: ١ - ضرورة المحافظة على وقار الشيخ ومظهره من الابتذال في التشبه بالشباب. ٢ - ضرورة الاهتمام بالنواحي العلمية والتعليمية والتأليف في هذه المرحلة. ٣ - ضرورة الاستزادة من العمل الصالح الذي ينفعه في آخرته. وجوه الاستفادة من آرائه في هذه المرحلة: يمكن الاستفادة مما سبق ذكره من وجوه الاستفادة في مرحلة الكهولة لهذه المرحلة (مرحلة الشيخوخة) لأنها الاستفادة نفسها، ويضاف إلى ذلك استغلال جميع الأوقات في العمل الصالح ومرضاة الله تعالى، وحث الشيوخ على حضور مجالس العلم والذكر متابعين للعلم أو معلّمين له. و- أهم الآراء التربوية في مرحلة الهرم (١) (ما بعد ٧٠ - إلى نهاية العمر): ركز ابن الجوزي في هذه المرحلة على تذكير الإنسان بأنها نهاية المطاف، للتأهب للرحيل، والتزوّد بالزاد. وأهم رأي تربوي يمكن استخلاصه هنا هو: ١ - ضرورة الاستزادة من العمل الصالح، والصدقة الجارية، والذكر المستمرّ، للاستعداد للموت ولقاء الله تعالى. وكثير من وجوه الاستفادة من هذه المرحلة، هي وجوه الاستفادة نفسها تقريبًا من مرحلة الشيخوخة، لذلك لا داعي للتكرار. ثالثًا: أهم ما يستفاد من جوانب التربية الإِسلامية عند ابن الجوزي: تقوم الباحثة هنا بتوضيح أهم الآراء التربوية في كل جانب من

стр. 558

جوانب التربية الإِسلامية عند ابن الجوزي ووجوه الاستفادة منها. أ- أهم الآراء في التربية الصحية (١) عند ابن الجوزي: ١ - ضرورة الاهتمام بإشباع الحاجات الفطرية، لإعانة البدن على طاعة الله . ٢ - مراعاة الفروق الفردية عند إشباع هذه الحاجات الفطرية، واجتناب تكليفهم نظامًا واحدًا يتجاهل هذه الفروق بين الأفراد، كي لا يؤثر فيهم ذلك تأثيرًا سيئًا. ٣ - الاهتمام بتناول ما يحفظ الذات، والابتعاد عما يؤذي البدن. ٤ - الاهتمام بالتداوي والعناية بالنظافة الشخصية، لأثرها الطيب في قوة الإنسان وإيمانه. ٥ - تنشئة الأطفال على المبادئ الصحية. ٦ - تكوين الوعي بأهمية السلوكيات الصحية. ٧ - تعويد الأطفال على الاعتدال في الأكل والشرب، مع بيان أضرار كل من الإفراط والتفريط فيه. ٨ - تعويد الأطفال على خصال الفطرة (٢)، لأنها الأساس في المحافظة على صحة البدن ووقايته من الأمراض ولها آثارها الاجتماعية الصالحة. وجوه الاستفادة من آرائه في هذا الجانب: يمكن الاستفادة بصفة عامة من آراء ابن الجوزي في التربية الجسمية والصحية في مجال الأُسْرة والمدرسة والوسائل الإعلامية المختلفة، من خلال تعويد النشء الآداب والسلوكيات الصحية في الأسرة والمدرسة، ثم بث الوعي الصحي من خلال الوسائل الإعلامية المرئية

стр. 559

والمسموعة والمقروءة. ب- أهم الآراء في التربية العقلية والعلمية (١) عند ابن الجوزي: أهم الآراء التربوية في الجانب العقلي والعلمي عند ابن الجوزي تتلخص فيما يأتي: ١ - ضرورة مراعاة الفروق الفردية في القدرات العقلية. ٢ - ضرورة توجيه القدرات العقلية المرتفعة والمنخفضة عند الأفراد بما يناسبها. ٣ - مراعاة القدرات العقلية الفطرية والمكتسبة في مجال التربية والتعليم. ٤ - الاهتمام بالمقومات الأساسية عند إعداد المعلم له الأثر الفعال في الإعداد. ٥ - توجيه المتعلم إلى طرق التعليم الجيد، يساعد على التقدم في التحصيل. ٦ - إرشاد الطلاب إلى العوامل المساعدة حقًا على مقاومة النسيان. وجوه الاستفادة من آرائه في هذا الجانب: جميع الآراء التربوية لابن الجوزي في الجانب العقلي والعلمي، التي ثبتت صحتها من خلال التقويم في الباب الخامس، يمكن ترجمتها في المناهج التعليمية إلى توجيهات ولوائح وأنظمة عامة يستفيد منها المعلمون والموجهون في معاهد إعداد المعلمين والكليات التربوية، لتوصيلها للتلاميذ في مختلف المراحل التعليمية وتدريبهم على الاستفادة منها، وتطبيقها في تدريسهم ودراستهم اليومية. جـ - أهم الآراء في التربية الاعتقادية (٢) في نظر ابن الجوزي أهم الآراء التربوية في الجانب الاعتقادي عند ابن الجوزي تتلخص فيما يأتي:

стр. 560

١ - ضرورة التربية الاعتقادية الصحيحة، كي تؤتي ثمارها في الخلق والسلوك والعبادة. ٢ - ضرورة الابتعاد عن التلقينات الصورية التقليدية الجامدة في مجال التربية الاعتقادية. ٣ - استخدام الأساليب القرآنية الكريمة في التربية الاعتقادية. ٤ - التركيز على الجوانب الإيجابية المؤثرة والدافعة إلى السلوكيات الصالحة. ٥ - تنمية عاطفتي حب الله تعالى والخوف منه دائما، مع مراعاة التوازن بينهما. ٦ - تكوين القناعة التامة بالعقيدة الإسلامية بالأدلة النقلية والحجج العقلية والعلمية. ٧ - ضرورة تربية النشء على العقيدة الإسلامية، والثقافة الصحيحة، من أجل أن تكون لهم حصانة ضد الإلحاد وأهله. وجوه الاستفادة من آرائه في هذا الجانب: إن الاهتمام بهذا الجانب الاعتقادي للاستفادة منه، لا يقتصر على مرحلة تعليمية معينة، أو فئة من الأفراد بل هو يشمل جميع الفئات في مختلف المراحل التعليمية. والشيء المفقود -يا للأسف- عند تربية هذا الجانب الهام، هو غياب توصيل المعلومات الخاصة بهذا الجانب، بطريقة إيجابية مؤثرة، مدعّمة بالأدلة والحجج العقلية والعلمية المناسبة لإدراك الناشئ، فتكون نتيجة هذا الفهم الصحيح للعقيدة، تعديل السلوك، وإتقان العبادة، وضبط الشهوات، ونبذ الأخلاق السيئة. وهذا مما تسعى إليه التربية الإسلامية الحقة. لذلك ولنضمن الاستفادة من هذه المبادئ والتوجيهات التربوية في هذا الجانب، لابدّ من تلقين الآباء والمربين المعلومات الاعتقادية بطريقة صحيحة، مستخدمين في ذلك المنهج القرآني والنبوي، مع تنمية عاطفتي الحب لله والخوف منه، حتى تثمر هذه التربية، وهذا التلقين والإعداد للآباء والمربين لن يتم إلا من خلال المناهج التعليمية لجميع المواد، ولجميع المستويات، وبطريقة تتناسب مع

стр. 561

خصائص النمو في كل مرحلة من جميع جوانبها، بحيث تستثير فيهم الناحية الوجدانية مع الأدلة العقلية التي تثبت العقيدة في نفوسهم. د- أهم الآراء في التربية الروحية (١) في نظر ابن الجوزي: أهم الآراء التربوية في الجانب الروحي عند ابن الجوزي تتلخص فيما يأتي: ١ - وجوب الاهتمام بغرس العقيدة الإِسلامية الصحيحة، وربطها بجميع جوانب النفس البشرية. ٢ - ضرورة التربية الروحية للباطن والظاهر عند تكوين الشخصية المؤمنة. ٣ - ضرورة ارتباط التربية الروحية بالنواحي التعبدية والخلقية والاجتماعية والنفسية والجسمية. ٤ - ضرورة الاهتمام بالآثار التربوية والروحية لكل نوع من العبادات المفروضة: كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج. وجوه الاستفادة من آرائه في هذا الجانب: تتم الاستفادة من هذا الجانب على مراحل زمنية مختلفة من عمر الإنسان، بواسطة الأسرة ثم المدرسة ثم المسجد والمجتمع بوجه عام. وتبدأ الأُسرة بتربية الجانب الروحي للفرد وهو طفل، بتعريفه بالله تعالى من خلال مخلوقاته، ثم عن طريق التحبيب والترغيب وربط جميع جوانب حياته ومتطلباته بالله تعالى، إلى أن يصل لسن السادسة من عمره فتدربه على الصلاة بإتقان إلى العاشرة من عمره، فتلزمه بها. أما الصيام فتدربه عليه بالتدريج إلى أن يتم صوم يوم كامل وهكذا. كذلك في الزكاة تعوده على التصدق من مال تعطيه إياه، وتعرِّف له الحج من خلال وسائل الإعلام التي تتناول هذا الجانب في وقته، يضاف إلى ذلك استخدام الوسائل التعليمية المختلفة، إلى أن يقوم

стр. 562

بالحج فعلًا فتربط مناسك الحج بالمعاني الإيمانية، وبسيرة الرسول ﷺ وسنَّته. وتقوم المدرسة بالدور المكمل للمنزل، والمثبّت لهذه العبادات من خلال ممارستها جماعيًّا في المدرسة. هـ - أهم الآراء في التربية الأخلاقية (١) في نظر ابن الجوزي: أهم الآراء في التربية الأخلاقية في نظر ابن الجوزي، تتلخص فيما يلي: ١ - وجوب الاهتمام بالأخلاق الإِسلامية في تربية النشئ عليها منذ نعومة أظفارهم. ٢ - ضرورة التقويم الخلقي الإِسلامي للمتعلمين. ٣ - ضرورة التنشئة على القيم الأخلاقية الإسلامية منذ الصغر حتى تصبح جزءًا راسخًا من شخصية الفرد. وجوه الاستفادة من هذا الجانب: يمكن الاستفادة من هذا الجانب في جميع المراحل العمرية للإنسان جمد مرحلة الرضاعة -لما لهذه المرحلة من أثر في تعويد الطفل على بعض الأمور ذات الطابع السلوكي- ومن خلال جميع المؤسسات الاجتماعية بدءًا بالبيت وانتهاءً بالمجتمع ومؤسساته المختلفة. وقد أكد د. مقداد يالجن أهمية ذلك، وبيَّن أن هناك طريقين لتعميم التربية الأخلاقية على كل أفراد المجتمع، فقال: "الطريق الأول والأهم، تعميم التربية الأخلاقية في جميع الميادين التعليمية، وجعل مادة تعليم التربية الأخلاقية إجبارية كتعليم العلوم الأخرى. الطريق الثاني: اتخاذ المؤسسات الأُخرى مثل الراديو والتلفزيون والمسرح وتأليف كتب مختلفة في ميدان التربية الأخلاقية وسيلة تربوية، لتزويد الآباء بطرق التربية الأخلاقية ووسائلها في مختلِف مراحل نمو الأطفال. وبذلك

стр. 563

نستطيع أن نساعد أبناءنا لكي يتربوا على الفضيلة، ويكونوا أبرارًا" (١). ومن خلال هذين الطريقين نستطيع تعميم التربية الأخلاقية في جميع المؤسسات الاجتماعية فينتشر الخير والصلاح بين الأفراد. و- أهم آراء ابن الجوزي في التربية الإرادية (٢): أهم الآراء التربوية لابن الجوزي في الجانب الإرادي هي: ١ - ضرورة تدريب الإنسان على استحضار النية الخيّرة في جميع أقواله وتصرفاته. ٢ - ضرورة التنويع في استخدام الأساليب والوسائل الإرادية، حتى تقوى شخصية الإنسان. ٣ - ضرورة تدريب الفرد على ضبط دوافعه الفطرية وانفعالاته النفسية منذ صغره. ٤ - ضرورة استخدام الحوافز المادية والمعنوية عند تدريب الإرادة بطريقة عملية، ثم تنقاد النفس مكرهة، ثم تنقاد راضية إلى ما يحبه الله ﷻ ويحبّه رسوله ﷺ . ٥ - ضرورة مراعاة طبيعة النفس البشرية، وما فيها من قوة وضعف عند تدريب إرادتها. وجوه الاستفادة من هذا الجانب: نستطيع الاستفادة من آراء ابن الجوزي في التربية الإرادية في جميع مراحل نمو الإنسان، ولكل مرحلة من هذه المراحل ما يناسبها من آراء تتناسب مع الطبيعة البشرية، وأن يكون ذلك بالتدريج حتى يقوى جسم الناشئ وفكره وروحه ونفسه وشخصيته وذلك من خلال المؤسسة التربوية الأُولى وهي البيت، وعن طريق التدريب العملي لإعلاء الدوافع الفطرية المختلفة، وضبط الانفعالات البشرية، بشتى الأساليب التربوية

стр. 564

والتهذيبية، والحوافز التشجيعية المعنوية، مع تكليف الطفل بالأعمال والمسؤوليات المناسبة لعمره الزمني، وتعويده على القوة والصلابة والشدة. فتتربى إرادته من جميع الجوانب الفكرية والنفسية والروحية والجسمية. وبعد ذلك يأتي دور المدرسة في تدعيم هذه التربية مع مساعدة المنزل في تثبيتها. هذا وبعد عرض أهم الآراء التربوية لابن الجوزي، ووجوه الاستفادة منها، نستطيع القول: إن هذه الآراء لو أُخذت في الاعتبار، ووُضعت مقتضياتها ضمن المناهج الدراسية بطريقة تتناسب مع المستوى التعليمي، لأسهمت إلى حد كبير في غرس المفاهيم الصحيحة للتربية الإسلامية، وكان لها دور في بناء الشخصية الإسلامية، وساعدت -في الوَقت نفسه- على تأصيل الفكر التربوي الإِسلامي الذي ينبغي أن يحل مكان الفكر التربوي الغربي. رغم أن ابن الجوزي لم يتكلم على التربية الإبداعية، وهي تربية مهمة في عصرنا، ولابد من الاهتمام بها لنستطيع إعداد أجيال قادرة على ابتكار وتصنيع ما تحتاج إليه أمتنا الإسلامية بدلًا من استيرادنا جميع المصنوعات والمبتكرات التي ينتجها غيرنا.

стр. 565

• الفصل الثاني طريقة ابن الجوزي في اجتهاداته التربوية ووجوه الاستفادة منها أولًا: طريقة اجتهاداته التربوية من خلال شروط الاجتهاد وضوابطه. ثانيًا: ووجوه الاستفادة من طريقة اجتهادات ابن الجوزي التربوية.
следующие страницы →