عبد الرحمن بن إبراهيم القاص عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا، وقد وثق وضعف قلت: قال أبو حاتم: أنكر عليه حديث، وليس بالقوي، وقال أحمد: ليس به بأس فأما هذا الحديث لا بأس به، قلت: بل هذا منكر، والعلاء فَعُدَّ سيئ.
٧١ - حديث معاذ (غزونا خيبر فأصبنا غنما فقسم بعضها). يرويه أبو عبد العزيز شيخ أردني، فكأنه لم يعرف هذا فرمى بالحديث من أجله.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن مصفى، ثنا محمد بن المبارك، ثنا يحيى بن حمزة، ثنا أبو عبد العزيز عن عبادة بن نسي عن ابن غنم عنه وبرجاله، وهذا هو يحيى بن عبد العزيز والد المتكلم أبي عبد الرحمن الشائص الأعمى، روى عنه أيضًا الوليد بن مسلم، وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس.
قلت: هذا لا يعرف بإسناد سوى هذا، وابن مصفى يُعد تفرده منكرًا (١).
٧٢ - حديث رجل من الأنصار: "إنَّ النُهبةَ لَيستْ بِأَحَلِّ مِنَ المِيتَةِ".
رواه عاصم عن كليب عن أبيه عنه، وهذا رجاله ثقات لكن هذا الرجل لا ينبغي أن يقبل منه ادعاء مزية الصحبة لنفسه، كما لا يقبل ممن يوثق نفسه.
قلت: عاصم قال ابن المديني: لا احتج بما انفرد به (١).
٧٣ - حديث جابر: في امرأة أعطاها ابنها حديقة. . ثم قال: والصحيح هو: أن "أَيَّما رَجْلٍ أَعْمَرَ رَجُلًا فَهِي لَهُ وَلِعقبِهِ".
قلنا: الأول صحيح.
стр. 37
(أبو داود) ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا معاوية بن هشام، ثنا سفيان عن حبيب عن حميد الأعرج عن طارق المكي عنه. وهم ثقات، وطارق كان قاضي مكة وثقه أبو زرعة.
قلت: هو فرد غريب يستنكر، وعثمان ومعاوية فيهما شيء.
٧٤٠ - حديث ابن عباس في ديَّة الأصابع "لكلِّ أصبعٍّ عَشْرٌ" قال الترمذي: حسن غريب فلا أعرف لما لم يصححه، ساقه الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عنه، فهؤلاء ثقات على أصله، وقد احتج بعكرمة كثيرًا.
قلت: بالجهد أن يكون هذا المتن بهذا الإسناد حسنًا فدع النكد.
٧٥ - حديث ابن عباس: اشتركنا في البقرة سبعة، وفي البعير عشرة.
حسنه (الترمذي)، فهو عندي صحيح، حسين بن واقد عن علياء بن أحمر عن عكرمة عنه.
قلت: استنكر أحمد للحسين أحاديث (١).
٧٦ - حديث ابن عمر: كان النبي ﷺ يلبس النعال السبتية، ويصفر لحيته بالورس والزعفران. وقال: صح نهيه عن التزعفر، فأوهم ضعف هذا.
فقال (أبو داود): ثنا عبد الرحمن بن مطرف، ثنا عمرو بن محمد العنقري، ثنا ابن أبي رواد عن نافع عنه، فعمرو ثقة.
قلت: ابن أبي رواد، قال ابن حبان: روى عن نافع نسخة موضوعة، قال علي بن الجنيد ضعيف (١).
стр. 38
قلت: وتفرده يعد منكرًا، ولم يخرجا له في الصحيح.
٧٧ - حديث ابن عمر: "تُقْبلُ توبةُ العبدِ مَا لَمْ يُغَرغِرُ" حسنه (الترمذي).
فهذا يحمل أن يقال: صحيح. عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عنه.
قلت: بل هو منكر، قد ضعفه ابن معين في رواته عثمان بن سعيد، وقال مرة: ليس به بأس، وقال أحمد أحاديثه مناكير، وقال (النسائي) ليس بالقوي (١).
وقال ابن عدي: كتبت حديثه على ضعفه. قلت ومكحول مدلس فأين الصحة منه (٢).
٧٨ - حديث أنس: "كلُّ ابنُ آدمٍ خَطّاءُ". .
قال (الترمذي): غريب. فهذا عندي صحيح. زيد بن الحباب، ثنا علي بن مسعدة، ثنا قتادة عنه.
قلت: بل ضعيف، قال (البخاري): علي بن مسعدة فيه نظر (١).
٧٩ - حديث ابن عمر: "إِذَا أَمسكَ الرجلُ الرجلَ، وقَتلهُ آخرُ يُقتلُ القَاتِلُ وَيُحبسُ المُمْسِكُ".
стр. 39
قال الدارقطني: رواه الثوري عن إسماعيل بن أمية عن نافع عنه.
ورواه معمر وابن جريج عن إسماعيل مرسلًا, وهو أكثر فهذا صحيح عندي لجواز أن إسماعيل رواه على الوجهين، فإنه يجوز للمحدث أن يرسل ما عنده بالاتصال، وإنما يُعَد هذا اضطرابًا إذا كان الراوي سيئ الحفظ. وهو من رواية الحفري عن الثوري، وقد رواه وكيع عن الثوري فلم يصله.
قلت: تعين والله إرساله، ووهى اتصاله.
قال ابن القطان: ولم يقدم في هذا الباب ولا في ما قبله من نظر عبد الحق تضعيفًا لأحاديث بأشياء لا ينبغي أن تعد عللًا ككون الحديث يكون تارة مسندًا وتارة مرسلًا، ويجيء تارة مرفوعًا وتارة موقوفًا، ولعلك لم يتحصل لك من مثل ما ذكرناه مذهب عبد الحق في ذلك، فلنعرض عليك ما تيسر ليتبين لك اضطرابه في رأيه فمن ذلك:
٨٠ - حديث: "إِذَا سَجدَ فلاَ يُبْرك كَالبَعيرِ"، قال: رواه همَّام مرسلًا وهو ثقة.
٨١ - وحديث: "الأرضُ (كُلّها) مَسجدٌ إِلَّا المقْبَرةُ وَالحَمَّامُ"، قال:
стр. 40
المرسل أصح، وسرد جملة ثم قال المؤلف: فممن اختار ما اخترنا البزار ذهب إلى أنه إذا أرسل الحديث جماعة وحدث به ثقة مسندًا فالقول قوله.
قال ابن القطان: ولذلك عدّه من المختلطين وأن سهيلًا وهشام بن عروة لمنهم لأنهما تغيرا، فسكت عنهما إذا كان من الصحيحين أو من مُصَحّح الترمذي.
قلت: فاتتك نكتة، فإنك صحفي ما جالست أصحاب الحديث. أعاقل يعد هشام بن عروة من المختلطين أعظم الله أجرنا فيك.
٨٢ - وما وافق أبو محمد (الترمذي) في تصحيحه: تقبيل النبي ﷺ عثمان بن مظعون. فيه عاصم بن عبيد الله (١).
٨٣ - وتصحيحه لعن زوارات القبور، فقال: فيه عمر بن أبي سلمة وهو ضعيف عندهم قلت: أسرف.
٨٤ - وقال في الجهاد خالد بن الفِزر ليس بالقوي، وإنما حذا فيه حذو ابن معين، قال فيه: ليس بذاك، قلت: فأصاب وأخطأت.
٨٥ - حديث خباب: شكونا. . قوله: فلم يشكنا أي فلم يعذرنا، وقيل: فلم يحوجنا إلى الشكوى في المستقبل.
ويدل على الأول: ابن المنذر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا خلاد بن
стр. 41
يحيى، ثنا يونس بن أبي إسحق، ثنا سعيد بن وهب أخبرني خباب: شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء فما أشكانا، وقال: "إِذَا زَالتِ الشَّمسُ فَصَلُّوا". فلعل يونس حفظ زيادة ما حفظها أبوه.
قلت: هي زيادة منكرة لثبوت قوله: "أَبْرِدُوا".
٨٦ - حديث أبي هريرة: "الإِمامُ ضَامِنٌ". . وزاد البزار، ثنا الزيادي، ثنا غياث بن زياد، ثنا أبو حمزة السكري عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة إلى أن قال: واغفر للمؤذنين، قالوا: يا رسول الله لقد تركتنا نتنافس في الآذان بعدك، قال: "إِنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَعدِي قَومٌ سَفَلَتهُمْ مُؤَذِّنوهُمْ". ولا عبرة بقول الدارقطني: هذه زيادة غير محفوظة.
قلت: بلى والله هي زيادة منكرة.
٨٧ - حديث عبد الله بن عمرو في التشديد في زيارة النساء القبور، قال: في إسناده ربيعة بن سيف ضعيف عنده مناكير، قال المؤلف: فهذا عندي حسن لا ضعيف. روى عن ربيعة، حيوة بن شريح، وهشام بن سعد، والمفضل بن فضالة، وسعيد بن أبي أيوب. وقال (النسائي): ليس به بأس. وتضعيف أبي محمد له لا أعرفه لغيره، إلا أبا حاتم البستي، فقال: لا يتابع وفي حديثه مناكير وهذا أمر لا يعرى منه أحد من الثقات، بخلاف من يكون منكر الحديث جله أو كله.
قلت: قد ضعفه (البخاري) فقال: عنده مناكير، وكذا قال أبو سعيد بن يونس وقال الدارقطني: صالح الحديث.
قلت: ما أشبه أن يكون حديثه موضوعًا وستسمعه قال (أبو داود): ثنا يزيد بن خالد، ثنا المفضل عن ربيعة بن سيف المعافري عن أبي عبد الرحمن
стр. 42
الحبلي عن عبد الله: قبرنا مع رسول الله ﷺ مسلمًا فلما فرغنا وانصرفنا حاذى بابه فوقف، فإذا نحن بامرأة مقبلة، قال: أظنه عرفها، فلما دنت إذا هي فاطمة، فقال: "مَا أَخرَجَكِ مِنْ بَيتِكِ؟ " قالت: يا رسول الله أهل هذا الميت
خرجت إليهم وعزيتهم به، فقال لها رسول الله ﷺ : "فَلَعَلّكِ بَلَغتِ مَعَهُمُ الكَداءَ" تذكرة شديدة في ذلك.
فسألت ربيعة عن الكداء؟ قال: القبور فيما أحسب هذا أخرجه (أبو داود.
وقال (النسائي): ثنا قتيبة عن المفضل بهذا وقال: "لَوْ بلَغتِ مَعَهُمُ الكِدَاءَ مَا رَأَيْتِ الجَنَّةَ حَتَّى يَراهَا جَدُّ أَبِيكِ".
البزار: ثنا سلمة بن شبيب، ثنا المقبري، ثنا حيوة بن شريح أخبرني ربيعة بن سيف عن الحبلي عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه رأى فاطمة ابنته مقبلة فقال: "مِنْ أَينَ أَقبلتِ؟ " فقالت: من وراء جنازة هذا الرجل، فقال: "هَلْ بَلغتِ مَعهمُ الكداءَ"، قالت: لا، وكيف أبلغها وقد سمعت منك ما سمعت فقال: "والَّذِي نفسِي بِيدِه لَوْ بَلغتِ مَعهُمْ مَا رَأَيتِ الجنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ".
قال: (البزار): كثير الغلط، فقد قال البخاري في الضعفاء له: ربيعة بن سيف المعافري الاسكندراني يشبه هشام بن سعد عنده مناكير، روى أحاديث لا يتابع عليها، ثم قال البخاري: سمع المقري، ثنا سعيد بن أبي أيوب حدثني ربيعة عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله قال: بينما نحن نمشي مع رسول الله ﷺ ، إذ أبصر بامرأة، فلما توسط الطريق، وقف حتى انتهت إليه فإذا فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فقال لها: "مَا أَخْرَجَكِ مِنْ بيتكِ يَا فَاطمةَ"، قالت: أتيت أهل هذا الميت فترحمت على ميتهم وعزيتهم بميتهم، فقال: "فَلعلّكِ بَلغتِ الكدَاءَ؟! " فقالت: معاذ الله أن أكون بلغتها معهم وقد سمعتك تذكر من ذلك ما تذكر، فقال: "لَوْ بلغتِ مَعهُمْ مَا رَأيتِ الجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ".
стр. 43
ذكر المصنفين الذين أخرج عنهم في كتابه من متن أو علة:
١ - ابن إسحاق، وإنا تبينا في أمره الثقة والحفظ ١٥١ هـ.
٢ - سفيان الثوري أحد الأئمة توفي ١٦١ هـ.
٣ - حماد بن سلمة مولى تميم، وقيل: مولى قريش توفي ١٦٧ هـ.
٤ - مالك أبو عبد الله إمام الفقهاء توفي ١٧٩ هـ.
٥ - إسماعيل بن علية إمام توفي ١٩٣ هـ.
٦ - وكيع أبو سفيان الحافظ توفي ١٩٧ هـ.
٧ - سفيان بن عيينة أبو محمد الإمام توفي ١٩٣ هـ.
٨ - عبد الله بن وهب فقيه مصر توفي ١٩٧ هـ.
٩ - سليمان أبو داود الطيالسي الحافظ توفي ٢٠٤ هـ.
١٠ - عبد الرزاق أبو بكر الصنعاني الحافظ توفي ٢١١ هـ.
١١ - أبو عبيد القاسم بن سلام صاحب التصانيف توفي ٢٢٤ هـ.
١٢ - محمد بن السياح أبو جعفر الدولابي الحافظ توفي ٢٢٧ هـ.
١٣ - أسد بن موسى السنة الحافظ الأموي، قلت: توفي سنة ٢١٢ هـ.
١٤ - سعيد بن منصور الحافظ أبو عثمان صاحب السنن توفي سنة ٢٢٧ هـ.
١٥ - أبو بكر بن أبي شيبة الحافظ توفي ٢٣٥ هـ.
١٦ - أبو مروان السلمي الفقيه، توفي سنة ٢٣٨ هـ لم يهد في الحديث لرشد ولا حصل منه على شيء مفلح.
١٧ - اسحق بن راهويه الإمام توفي ٢٣٨ هـ.
١٨ - هناد بن السري الكوفي الوراق توفي ٢٤٣ هـ.
١٩ - عبد بن حميد الكشي وكش على فرسخ من جرجان، قلت: هذا وهم، هو من كس بمهملة مدينة بماء وراء النهر، له المسند والتفسير، قلت: توفي سنة ٢٤٩ هـ.
стр. 44
٢٠ - محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الإمام توفي ٢٥٦ هـ.
٢١ - محمد بن سنجر الحرافي الحافظ توفي سنة ٢٥٨ هـ.
٢٢ - مسلم بن الحجاج -أبو الحسين- توفي سنة ٢٦١ هـ.
٢٣ - أبو إبراهيم المدني إسماعيل بن يحيى الفقيه توفي سنة ٢٦٤ هـ.
٢٤ - عباس الدوري الحافظ توفي ٢٧١ هـ.
٢٥ - أبو داود السجستاني توفي ٢٧٥ هـ.
٢٦ - بقي بن مخلد أبو عبد الرحمن الحافظ توفي سنة ٢٧٦ هـ.
٢٧ - أحمد بن أبي خيثمة صاحب التاريخ توفي ٢٧٩ هـ.
٢٨ - أبو عيسى الترمذي توفي ٢٧٩ هـ.
٢٩ - الحارث بن أبي أسامة توفي ٢٨٢ هـ.
٣٠ - محمد بن عبد السلام الخشني القرطبي الحافظ من ولد أبي ثعلبة توفي ٢٢٦ هـ.
٣١ - أبو بكر أحمد بن عمرو البزار البصري الحافظ مات ٢٩٢ هـ.
٣٢ - أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي الفقيه مات ٢٩٤ هـ.
٣٣ - أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الحافظ، قلت توفي ٣٢٧ هـ.
٣٤ - النسائي مات ٣٠٣ هـ.
٣٥ - زكريا بن يحيى الساجي مات ٣٠٧ هـ وثقه قوم وضعفه آخرون، كذا قال، فأخطأ، ما علمت أحدًا ضعفه.
٣٦ - محمد بن جرير الطبري توفي ٣١٠ هـ.
٣٧ - أبو بكر بن (أبي) داود توفي ٣١٦ هـ.
٣٨ - أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر مات سنة ٣١٨ هـ، لا نلتفت إلى كلام العقيلي فيه، فإنه ثقة.
٣٩ - أبو جعفر الطحاوي مات ٣٢١ هـ.
٤٠ - أبو جعفر العقيلي مكي ثقة توفي ٣٢٢ هـ.
стр. 45
بقي علينا أن نذكر جميع ما مر ذكره في الأبواب ذكرًا متصلًا مرتبًا على نسق المصنف ليسهل تقبله فسرد ذلك في خمس وثلاثين ورقة، والحمد لله وحده.
فرغ من كتابته العبد الفقير إلى الله تعالى، محمد بن عبد الله بن المصفى بن منجا الحنبلي اللهم اعف عنه ولمن دعا له بالعفو آمين.
٤١ - محمد بن عبد الملك بن أيمن القرطبي مقدم في الفقه والحديث مات ٣٣٠ هـ.
٤٢ - قاسم بن أصبغ الحافظ مولى بني أمية توفي ٣٤٠ هـ.
٤٣ - أبو سعيد ابن الأعرابي شيخ الحرم ثقة جليل القدر كثير التأليف توفي ٣٤٠ هـ.
٤٤ - أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني الحافظ توفي ٣٦٥ هـ.
٤٥ - أبو الحسن الدارقطني توفي ٣٨٥ هـ.
٤٦ - أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن الحافظ توفي ٣٥٣ هـ.
٤٧ - أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي مات سنة ٣٩٢ هـ.
٤٨ - أبو سعد الماليلي مات ٤١٢.
٤٩ - أبو سليمان حمد الخطابي مات ٣٨٨ هـ.
٥٠ - أبو عبد الله الحاكم مات ٤٠٥ هـ.
٥١ - أبو الحسن بن صخر توفي ٤١٥ هـ.
٥٢ - أبو عمر بن عبد البر توفي ٤٦٣ هـ.
٥٣ - أبو محمد بن حزم مات ٤٥٦ هـ.
قال الشيخ أبو عبد الله الذهبي، فرغنا من ترتيب ما وجدناه في الكتاب بالترتيب الصناعي بقي علينا أن نذكر جميع ما مر ذكره في الأبواب ذكرًا مختصرًا.
стр. 46
الأحكام الوسطى من حديث النبي ﷺ
تأليف
الإمام الحافظ المحدث أبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن ابن عبد الله الأزدي الأشبيلي
«ابن الخراط»
(٥١٠ هـ - ٥٨٢ هـ)
تحقيق
حمدي السلفي - صبحي السامرائي
[الجزء الأول]
стр. 47
مقدمة التحقيق
إنَّ الحمدَ لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإنَّ أصدقَ الكلامِ كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. وبعد:
لقد صنفت كتب كثيرة في أحاديث الأحكام ومنها ما صنفه الإمام الحافظ العلّامة أبو محمد محمد بن عبد الحق الإشبيلي فقد صنف ﵀ ثلاث كتب في أحاديث الأحكام: كبرى، ووسطى، وصغرى. وهو من السابقين في هذا المضمار.
وهذا النوع من التأليف هو أن يعمد المؤلف إلى كتب السنة الشريفة فينتقي منها مجموعة من الأحاديث في أنواع أبواب الفقه وذلك ليسهل الرجوع إليها وهي مجموعة في كتاب واحد. وغالب هذه الكتب تُحذف أسانيدها إلا أنها تخرج ويشار إلى أماكنها من كتب السنة.
وهذا التأليف بدأ بعد أنْ استقر تدوين السنة المصنفة في المصنفات والجوامع والمسانيد والسنن والصحاح.
أهم التصانيف في أحاديث الأحكام:
صنفت كتب كثيرة في أحاديث الأحكام منها:
стр. 48
١ - الأحكام الكبرى لعبد الحق الإشبيلي. سيأتي الكلام عنه عند وصف مؤلفاته.
٢ - الأحكام الوسطى. كتابنا هذا، وسيأتي وصفه.
٣ - الأحكام الصغرى لنفس المؤلف. سيأتي وصفه.
٤ - العُمدة في الأحكام عن سيد الأنام للإمام الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الجماعيلي المتوفى سنة ٥٤١ هـ. (طبع). وأحاديثه ممّا اتفق على إخراجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. شرح الكتاب عدة شروح منها أحكام الأحكام للإمام الحافظ ابن دقيق العيد ﵀. طبع. والإعلام بفوائد عمدة الأحكام للحافظ علي بن أحمد بن الملقن المتوفى سنة ١٠٤٠ (خط). وشرح عمدة الأحكام لابن الأثير الجزري. (طبع قديمًا).
٥ - الإلمام بأحاديث الأحكام للإمام الحافظ محمد بن علي بن دقيق العيد. طبع بدمشق ١٣٨٣ هـ. وله شرح للمؤلف يوجد منه جزءان (خط).
٦ - الإمام. لابن دقيق العيد. ولم يتمه ﵀. قال الإمام الذهبي: ولو كمل تصنيف الإمام لجاء في خمسة عشر مجلدًا. ولم نقف عليه.
٧ - المنتقى من أخبار المصطفى للإمام العلامَّة مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن تيمية الحرّاني المتوفى سنة ٦٥٣ هـ وهو جد شيخ الإسلام أحمد بن تيمية. طبع بمصر سنة ١٣٥٠ هـ. وهو الذي شرحه العلّامة الشوكاني في كتابه الكبير نيل الأوطار (طبع).
٨ - غاية الأحكام في أحاديث الأحكام للمحب الطبري المتوفى سنة (خط).
٩ - المحرر في الحديث للحافظ العلامة شمس الدين محمد بن عبد الهادي المقدسي المتوفى سنة ٧٤٤ هـ - طبع بالقاهرة.
١٠ - الإعلام بأحاديث الأحكام لابن جماعة المتوفى سنة ٤٨٠ هـ (خط).
١١ - أحكام الأحكام لمحمد بن عبد الواحد النقاش. (طبع).
стр. 49
١٢ - بلوغ المرام من أحاديث الأحكام للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني (طبع) شرحه الأمير الصنعاني في كتابه سُبل السلام. (طبع).
١٣ - فتح العلام بأحاديث الأحكام للعلاّمة زكريا الأنصاري المتوفى سنة ٩٢٦ هـ (خط).
١٤ - المختصر في أحاديث الأحكام للعلاقة الفقيه جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن عبد الهادي المقدسي المبرد المتوفى سنة ٩٠٤ هـ خط.
стр. 50
ترجمة المؤلف
الإمام الحافظ العلاّمة الحجة أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسين بن سعيد الأزدي الأندلسي الإشبيلي المعروف بابن الخَرَّاط.
ولادته:
اختلف في سنة ولادته:
قال الغبريني: ولد سنة ٥١٠ هـ (١).
وقال أبو جعفر بن الزبير سنة ٥١٤ هـ (٢).
وقال أبو العباس قنفذ ولد سنة ٤١٦ هـ (٣).
ولم ترشدنا المصادر التي بين أيدينا إلى مكان مولده. إلا أنه نشأ في إشبيلية وترعرع فيها وإليها ينسب. ثم تحول إلى لبلة.
قال أبو جعفر بن الزبير: ثُمَّ انتقل إلى لبلة ولازم بها أبا الحسن خليل بن إسماعيل (٤).
стр. 51
ثم ارتحل إلى بجاية بعد سنة ٥٥٠ هـ واتخذها موطنًا (١)، وسكنها وقت الفتنة التي زالت فيها الدولة اللمتونية بالدولة المؤمنية، فنشر بها علمه وصنفَ التصانيف واشتهر وسارت بأحكامه الصغرى والوسطى الركبان، وله أحكام كبرى قيل هي بأسانيد فالله أعلم (٢).
وقال أبو جعفر بن الزبير: وفي بجاية ألّف تآليفه (٣).
ووليَ الخطابة بجامعها (٤). وصلاة الجمعة بجامعها الأعظم وولي قضاء بجاية مدة قليلة (٥).
شيوخه:
روى عن شريح بن محمد، وأبي الحكم بن برجان، وعمر بن أيوب، وأبي بكر بن مدبر، وأبي الحسن طارق بن يعيش، وطاهر بن عطية. وكتب إليه بالإجازة الحافظ أبو بكر بن عساكر وجماعة، وسمع من أبي القاسم بن عطية صحيح مسلم، وروى عن أبي بكر بن العربي، وغيرهم (٦).
تلاميذه:
روى عنه خطيب القدس أبو الحسن علي بن محمد المعافري، وأبو الحجّاج بن الشيخ، وأبو عبد الله بن يقمش (٧). والضبيّ.
وقد ذكر العلامة أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري في كتابه القيّم
стр. 52
(الشروح والتعليقات) جماعة آخرين من تلاميذه (١). كما ترجم للمؤلف ترجمة رائعة.
مناقبه وثناء العلماء عليه:
قال ابن الأبار: كان فقيهًا حافظًا عالمًا بالحديث وعلله عارِفًا بالرجال مشاركًا في الأدب وقول الشعر (٢).
وقال ابن العربي: جمال الحفاظ وزين العلماء وعماد الرواة ورأس المحدثين (٣).
وقال تلميذه الضبي: الفقيه المحدث الحافظ. ووصفه بأنه أديب شاعر.
قال: كان ﵀ متواضعًا مُتقللًا من الدنيا زاهدًا فاضلًا، قسم نهاره على أقسام: كان إذا صلّى الصُبح في الجامع أقرأ إلى وقت الضحى، ثم قام فركع ثماني ركعات، ونهضَ إلى منزله، واشتغل بالتأليف إلى صلاة الظهر، فإذا صلّى الظهر وأدى الشهادات قُرئ عليه في أثناء ذلك إلى العصر، فإذا صلّى العصر مشى في حوائج الناس، وكان لا يدخل بجاية أَحدٌ من الطلبة إلَّا سأَل عنه ومشى إليه وآنسه بما يقدر عليه (٤).
ووصفه المقري بالعالم الكبير الشهير صاحب التآليف (٥).
وقال اليافعي: وكان مع جلالته في العلم قانعًا متعففًا موصوفًا بالصلاح والورع ولزوم السنة (٦).
وقال ابن فرحون: كان فقيهًا حافظًا عالمًا بالحديث وعلله عارفًا بالرجال موصوفًا بالخير والصلاح والزهد والورع ولزوم السُنَّة والتقلّل من الدنيا مشاركًا
стр. 53
في الأدب وقول الشعر (١).
وقال الإمام الذهبي: العلاّمة الحُجَّة (٢).
وقال الإمام الذهبي أيضًا: الإمام الحافظ البارع المجوّد (٣).
وقال ابن ناصر الدين: الحافظ العلاّمة، وكان بالحفظ ومعرفة الحديث وعلله ورجاله موصوفًا، وبالصلاح معروفًا والزهد ولزوم السُنَّة (٤).
توفي في بجاية سنة ٥٨٢ هـ (٥).
стр. 54
مؤلفاته:
قال الإمام النووي: ولَهُ تصانيف كثيرة في الحديث والغريب والعلل والأنساب والنظم الحسن والزهد (١).
منها:
١ - الأحكام الكبرى:
انتقاها من كتب الأحاديث وأورد الأحاديث بأسانيدها وهو كتاب جامع لأحاديث الأحكام.
ذكر ابن سعيد في رسالته إذ ذكر كتبه في معرض ذكر مفاخر أهل الأندلس فقال: وكتاب الأحكام لأبي محمد عبد الحق الإشبيلي مشهور متداول القراءة وهي أحكام كبرى وأحكام صغرى وقيل ووسطى (٢).
وقال ابن الأبار: صنف في الأحكام نسختين كبرى وصغرى (٣).
стр. 55
وقال الغبريني: وقد اشتهرت كتبه بالمشرق ووقع النقل منها والذي كثر تداوله بين أيدي الناس من كتبه هي الأحكامان الكبرى والصغرى (١).
وذكر الرعيني في برنامجه أن علي بن أحمد الغسّاني العشّاب قرأ الأحكام لعبد الحق على أبي الحجّاج بن الشيخ (٢).
وذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٢٠).
مخطوط:
آ- دار الكتب المصرية رقم ٢٩ حديث. وهي نسخة كاملة في خمس مجلدات.
ب- البلدية في الاسكندرية رقم ١٢٢٨ آب.
ج- خدا بخش باتنه رقم ٣٧٥.
د- عاشر افندي ٣٢٦.
هـ- الخزانة الملكية في الرباط.
و- المتحف البريطاني ذكرها بروكلمان في تاريخ الأدب العربي (٦/ ٢٧٩).
ز- جامعة برنستون ذكرها بروكلمان (٦/ ٢٧٩).
ط- الآصفية بحيدر آباد الدكن: ذكرها بروكلمان (٦/ ٢٧٩).
٢ - الأحكام الصغرى:
وذكرها الروداني في صلة الخلف وبروكلمان (٦/ ٢٧٩).
وشرح الأحكام الصغرى أبو محمد عبد العزيز بن إبراهيم القرشي بن بُزيزة (٣).
стр. 56
مخطوط: ذكر بروكلمان أن نسخًا منه في المتحف البريطاني ومكتبة جامع القرويين. ودار الكتب المصرية. تاريخ الأدب العربي (٦/ ٢٧٩).
٣ - الأحكام الوسطى- كتابنا سيأتي وصفه.
٤ - الجامع الكبير في الحديث.
قال الغبريني: وسمعت شيخنا الفقيه أبي محمد بن عبادة ﵀ أنه ألف كتابًا كبيرًا في الأحكام في الحديث وهو أضعاف الأحكام الكبرى، وسمعت منه أن الكتاب المذكور اضمحل أمره بعد كمال تأليفه (١).
وذكره ابن فرحون وسَمَّاه الجامع الكبير في الحديث ومقصوده فيه الكتب الستة، وأضات إليه كثيرًا من مسند البزار وغيره، منه صحيح ومعتل تكلَّم على علله، ونهب منه في دخلة البلد في الفتنة (٢).
٥ - الجمع بين الصحيحين.
ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢١/ ١٩٩). وابن الأبار كما في تذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٥١). وابن فرحون. الديباج المذهب (٢/ ٦٠).
مخطوط: آ- مكتبة لالة لي في إسطنبول رقم ٣٩٠
ب- مكتبة نور عثمانية- اسطنبول ٧٦٩، ٧٧٠
ج- مكتبة أحمد الثالث- اسطنبول رقم ٢٠٠
٦ - المُعْتَل من الحديث.
ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢١/ ١٩٩). وابن الأبار كما في تذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٥١). وابن فرحون في الديباج المذهب (٢/ ٦١) وذكر أنه سفر صغير. ولم نقف له على ذكر.
стр. 57
٧ - الحاوي في اللغة.
قال الغبريني: وسمعت بعض الطلبة أنه ألف كتابًا في اللغة سمّاه بالحاوي وهو في ثمانية عشر مجلدًا. (عنوان الدراية ص ٤٣). وذكره في الديباج (٢/ ٦١) وسماه الواعي. وقال الذهبي: نقلًا عن ابن الأبار: ضاهى به كتاب الغريبين للهروي. تذكرة (٤/ ١٣٥١).
٨ - ديوان شعر.
قال الغبريني: له ديوان شعر. عنوان الدراية ص ٤٣.
٩ - الرقائق.
ذكره ابن الأبار كما في تذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٥١). وذكره ابن فرحون في الديباج المذهب (٢/ ٦٠).
١٠ - العاقبة.
ذكره في الديباج المذهب (٢/ ٦١) وتاريخ الأدب العربي لبروكلمان (٦/ ٢٧٩). مخطوط آ- بايزيد رقم ١٥٢٣، الظاهرية ٢٣٥، أحمد الثالث ١٥٤٦.
١١ - الزهد.
ذكره في فوات الوفيات (٢/ ٢٥٧).
١٢ - فضل الحج والزيارة.
ذكره في الديباج المذهب (٢/ ٦١).
١٣ - مختصر صحيح البخاري.
ذكر بروكلمان (٣/ ١٧٥) يوجد منه نسخة في بطرسبرج.
١٤ - مختصر كتاب الرشاطي في الأنساب.
اختصر فيه اقتباس الأنوار في معرفة أنساب الصحابة ورواة الآثار.
стр. 58
ذكره في عنوان الدراية (ص ٤٢) وفي الديباج المذهب (٢/ ٦١).
مخطوط: نسخة منه في المكتبة الأزهرية (١٣٣ مصطلح الحديث).
١٥ - التهجد.
ذكره في هداية العارفين (٢/ ٥٠٢).
١٦ - مختصر كتاب الكفاية للخطيب البغدادي.
ذكره في الديباج المذهب (٢/ ٦١).
١٧ - المرشد.
ذكره في الديباج المذهب (٢/ ٦٠).
١٨ - الأنيس في الأمثال والمواعظ والحكم من كلام النبي ﷺ والصالحين.
ذكره في الديباج المذهب (٢/ ٦١).
١٩ - البهجة.
ذكره البلوي قال: رأيت في كتاب البهجة لشيخي أبي محمد عبد الحق ﵀ بيتًا في قطعة حسنة شينية أعجبتني. ألف باء (٢/ ٤١٥)، الشروح والتعليقات (١/ ١٣٤).
٢٠ - تلقين الوليد.
ذكره في الديباج المذهب (٢/ ٦٠) ونقل عن الأنصاري بأنه سفر صغير في الحديث.
٢١ - تهذيب المطالب.
ذكره في هدية العارفين (١/ ٥٠٣).
٢٢ - التوبة.
ذكره في الديباج المذهب (٢/ ٦١) ونقل عن الأنصاري أنه في سفرين.
٢٣ - الجمع بين الكتب الستة. جمع فيه بين الصحيحين والسنن الأربع.
стр. 59
ذكره في الديباج المذهب (٢/ ٦١) وكشف الظنون (١/ ٦٠٠) الرسالة المستطرفة ١٧٩.
الأحكام الشرعية الوسطى
ذكرها الإمام الحافظ الناقد شمس الدين الذهبي في ترجمة عبد الحق في كتابيه سير أعلام النبلاء (٢١/ ١٩٩) قال: وسارت بأحكامه الصغرى والوسطى الركبان، وله أحكام كبرى قيل هي بأسانيد فالله أعلم.
وذكرها أيضًا في تذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٥٤).
وقال حاجي خليفة: وذكر جمال الدين في المنهل الصافي أن له الأحكام الوسطى في مجلد كبير والصغرى أيضًا تتضمن ألف حديث وخمسة عشر حديثًا. كشف الظنون (١/ ٢٠) نقول: وهو الصحيح فإن أحاديث الوسطى تقرب من خمسة آلاف حديث والصغرى كما ذكرها.
وقال الكتاني: ولعبد الحق أيضًا الأحكام الوسطى في مجلدين كما في شفاء الأسقام وهي مشهورة اليوم بالكبرى، ذكر في خطبتها أن سكوته عن الحديث دليل على صحته فيما نعلم.
نقول: قد وهم فإن ما ذكره ينطبق على الأحكام الوسطى، كما أن الكبرى تقع في خمس مجلدات.
وذكر العابد الفاسي ﵀ في فهرس مخطوطات خزانة القرويين: قال: كتب عليها أنها الأحكام الكبرى للإمام عبد الحق وقد تَبين بعد البحث والتتبع أن للإمام المذكور موضوعات ثلاثة في الأحكام: الكبرى وهي التي يذكرها ابن القطان والمؤلف نفسه يحيل عليها ويُسميها بالكتاب الكبير الذي يذكر فيه الأحاديث بأسانيدها ولم يشتهر هذا الكتاب، فإذا لا يعرف عند الناس إلا بالأحكام الكبرى ويعنون بها الوسطى التي كتب عليها ابن القطان ثم عنده الأحكام الصغرى المتقدمة برقم ٢١٨ أما هذه فهى الوسطى. وقد ذكر ابن
стр. 60
القطان في شرحها أن لعبد الحق كتابه الكبير الذي يذكر الأحاديث بأسانيده ومنه اختصر كتابه هذا، وهذه النسخة واقعة في جزأين الثاني بآخره بتر ولا يتصل نهائيًا بالجزء الذي قبله لفوات أوائل الجهاد. قال: وبقراءة الخطبة ومقدمته تبينَ الفرق العظيم بين الأحكام الصغرى وهذه الأحكام التي تعرف عند الناس بالكبرى وليست كذلك بل هي مختصرة من كتابه الكبير فالجدير أن
تُسمى بالأحكام الوسطى فهرس القرويين.
إن ما ذكر السيد العابد من أوصاف ينطبق على الأحكام الوسطى وإن كنا لم يتيسر لنا الاطلاع عليها.
والوسطى هي مختصرة من الكبرى وهي محذوفة الأسانيد.
وهي الذي وضع عليها الحافظ الناقد أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الحميري الكتامي المعروف بابن القطان الحافظ الكبير والناقد الجهبذ المتوفى سنة ٦٣٩ هـ كتابه المسمى ببيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام (خط) قال الذهبي: وهو يدل على حفظه وقوة فهمه لكنه تعنت في أحوال الرجال فما أنصف بحيث إنه أخذ يلين هشام بن عروة وغيره.
وقد اختصر الإمام الذهبي كتاب الوهم والإيهام لابن القطان وعقب عليه ويوجد المختصر في المكتبة الظاهرية. وكتب الذهبي على ظاهر الكتاب قائلًا عن ابن القطان: لقد أَسْرفَ في المحاققة والتعنت للحافظ أبي محمد وبالغ في ذلك وأصاب في كثير من ذلك، ولم يصب في أماكن وغلط فيها وألزم أبا محمد بتطويل الكلام على الأحاديث بما لا يناسب الأحكام المختصرة بلا أسانيد، وعمد إلى رواة لهم جَلالة وجلادة في العلم وحديثهم في معظم دواوين الإسلام فغمزهم بكون أن أحدًا من القدماء ما نصَّ على توثيقه.
وقد تعقب على ابن القطان في توهيمه لعبد الحق تلميذه الحافظ الناقد أبو عبد الله محمد بن عيسى الموَّاق في كتاب سَمَّاه (المآخذ الحفال السامية في
стр. 61
مآخذ الإجمال في شرح ما تَضمنه كتاب بيان الوهم والإيهام من الإخلال والإغفال) ولم يتمه وتولى تكميل تخريجه مع زيادات أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن رشيد السبتي الفهري المالكي صاحب الرحلة المشهورة (١) المتوفى سنة ٧٢١ هـ وقد اعتمده الحفاظ في التعديل والتجريح ومدحوه كالحافظ ابن حجر وغيره. الرسالة المستطرفة (ص ١٧٨).
قال ابن القطان: هكذا رأيته (٢) (أي عبد الحق) كتبه بخطه في كتابه الكبير حيث يذكر الأحاديث بأسانيدها، ثم اختصره (أي الوسطى) من هنالك.
وصف المخطوط:
قلنا لم نتمكن من الحصول على نسخة مكتبة القرويين بفاس وذكر السيد العابد الفاسي أنها برقم ٢١٩/ ٤٠.
نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق:
وهي نسخة قيمة برقم ٢٩١ حديث كتبت سنة ١١٢٥ وخطها نسخي عدد أوراقها ٢٣١ ورقة. أوقفها الوزير سليمان باشا على مدرسته سنة ١١٥٠. وقد كتب عليها الأحكام الكبرى خطأ وهي الأحكام الوسطى. وهي النسخة الوحيدة التي اعتمدناها بالتحقيق.
عملنا في الكتاب:
١ - قابلنا كل حديث بالمصدر الذي استقى منه المؤلف، ولما كانت المخطوطة فيها من الأخطاء الكثيرة وليسَ لدينا غيرها فقد صححنا الحديث على المصدر إنْ كان موثوقًا مثل الكتب الستة، وأهملنا الإشارة إلى ذلك إلا
стр. 62
قليلًا جدًا لئلا تثقل الهوامش بالتعليقات التي لا فائدة مها.
٢ - ذكرنا مكان الحديث من المصدر الذي استقى منه المؤلف إن كان متوفرًا لدينا واكتفينا بذلك إلاّ نادرًا.
٣ - لم نتعرض لاعتراضات ابن القطان على المؤلف لأنَّ أحدنا يقوم بتحقيق كتاب بيان الوهم والإيهام، وإن شاء الله تعالى سيكمله ويكون في متناول يد القارئ بعد طبعه قريبًا إن شاء الله.
والله الموفق.
حمدي عبد المجيد
صبحي السامرائي
стр. 63
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
قال الفقيه المحدث الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي رحمه الله تعالى:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والتسليم على محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وعلى جميع عباد الله الصالحين.
أما بعد وفقنا الله وإياك، فإني جمعت في هذا الكتاب مفترقًا من حديث رسول الله ﷺ ، في لوازم الشرع وأحكامه، وحلاله وحرامه، وفي ضروب من الترغيب والترهيب، وذكر الثواب والعقاب، إلى غير ذلك من الآداب والرقائق والحكم والمواعظ، وفنونًا من الأدعية والأذكار، وجملًا في الفتن والأشراط، وأحاديث في معان أخر، مع نُبَذٍ من التفسير، مما يكسب حافظه العلم الكثير، والعامل به الحظ الخطير، والملك الكبير.
ونقلتها من كتب الأئمة المشهورين، والجلة السابقين، سُرُج الدين، وهداة المسلمين:
أبو عبد الله مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي.
وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري.
وأبو الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري.
وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني.
وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي.
стр. 64
وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَة الترمذي.
وأضفت إلى ذلك أحاديث من كتب أخر، أذكرها عند ذكر الحديث منها، أو أذكر أصحابها أو المشهور برواية ذلك الحديث الذي أخرج، مثل أن أقول: ومن مسند أبي بكر بن أبي شيبة، أو ذكر ابن أبي شيبة، أو وروى وكيع بن الجراح، أو فلان، وإذا ذكرت الحديث لمسلم أو لغيره عن صاحب، ثم أقول: وعنه، أو وعن فلان وأذكر ذلك الصاحب أو صاحبًا آخر، فإنما كل
ذلك لمسلم، أو من الكتاب الذي أذكر أولًا، حتى أسمي غيره، وربما تخللها كلام في رجل أو في شيء.
وإذا قلت: وفي رواية أخرى أو وفي طريق آخر، ولا أذكر الصاحب، فإنه من ذلك الكتاب، وإن كانت الزيادة عن صاحب آخر ذكرت الصاحب وذكرت النبي ﷺ وعن ذلك الصاحب، عن النبي ﵇.
وإذا ذكرت الحديث لمسلم أو لسواه، ثم أقول: زاد البخاري كذا وكذا، أو زاد فلان كذا وكذا، أو قال كذا وكذا ولم أذكر الصاحب ولا النبي ﷺ ، فإنه عن ذلك الصاحب عن النبي ﷺ ، وإن كانت الزيادة عن صاحب آخر، ذكرت الصاحب وذكرت النبي ﷺ ، وربما ذكرت الزيادة، وقلت: خرجها من حديث فلان، ولم أذكر النبي ﵇، ولكنها عن النبي ﷺ ، وإن كان حديثًا كاملًا ذكرت الصاحب، وذكرت النبي ﵇، وإن كانت الزيادة أو الحديث الكامل بإسناد معتل ذكرت علته، ونبهت عليها، بحسب ما اتفق من التطويل أو الاختصار، وإن لم تكن فيه علة كان سكوتي عنه دليلًا على صحته.
هذا فيما أعلم، ولم أتعرض لإخراج الحديث المعتل كله، وإنما أخرجت منه يسيرًا مما عمل به، أو بأكثره عند بعض الناس، واعتمد عليه وفزع عند الحاجة إليه، والحديث السقيم أكثر من أن أتعرض له، أو أشتغل
стр. 65
به، وبعض هذه الأحاديث المعتلة ورد من طريق واحد، فذكرته منها، وربما بينته، ومنها ما ورد من طريقين أو أكثر، فذكرت منها ما أمكن، وأضربت عن سائرها، ومنها ما لم أُحص طرقه، ولو أردت ذلك لم أقدر عليه، ولا وجدت سبيلًا إليه، لضيق الباع، وقلة الاتساع، مع ما أكرهه أيضًا من التكرار، وأرغب فيه من التقريب والاختصار، وكثيرًا ما أخذت من كتاب أبي أحمد بن عدي الجرجاني حديثًا وتعليلًا، وكذلك من كتابي أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، كتاب السنن وكتاب العلل له، وأخذت كلامًا كثيرًا في التجريح والتعليل من كتاب أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، ومن كتاب غيره، وربما أخذت حديثًا من كتاب وتعليلًا من كتاب آخر، أو كلامًا في رجل، وقد بينت ذلك في بعض المواضع، وأكثر ما أذكر من العلل ما يوجب حكمًا، ويثبت ضعفًا، ويخرج الحديث من العمل به إلى الرغبة عنه والترك له، أو إلى الاعتبار بروايته، مثل القطع، والإرسال، والتوقيف، وضعف الراوي، والاختلاف الكثير في الإسناد، وليس كل إسناد يفسده الاختلاف، وليس الإرسال أيضًا علة عند قوم، إذا كان الذي يرسله إمامًا، ولا التوقيف علة أخرى، إذا كان الذي يسنده ثقة، وضعف الراوي علة عند الجميع وضعف الراوي يكون بالتعمد للكذب، ويكون بالوهم، وقلة الحفظ، وكثرة الخطأ، وإن كان صادقًا، ويكون بالتدليس، وإن كان ثقة فيحتاج حديثه إلى نظر، ويكون أيضًا لجَرحِة أخرى مما يسقط العدالة أو يوهنها، أو رأي يراه الراوي، ومذهب يذهب إليه مما يخالف السنة، ويفارق الجماعة، وقد يكون داعية إلى مذهبه ذلك، وقد يكون يعتقده ويقول به ولا يدعو إليه، وبينهما عند بعضهم فرق.
وللكلام في هذا موضع آخر، وإنما أذكر في هذا الكتاب كلام الأئمة في الراوي مختصرًا، وإذا ذكرته في موضع، وذكرت الكلام فيه، ووقع ذكره في موضع آخر، ربما ذكرت من تكلم فيه، وربما ذكرت ضعفه خاصة، وربما
стр. 66
ذكرت الجرحة في بعض المواضع، وربما قلت: لا يصح هذا من قبل إسناده، اتكالًا على شهرة الحديث في الضعف، وإنما أعلل من الحديث ما كان فيه أمر أو نهي أو يتعلق به حكم، وأما ما سوى ذلك، فربما كان في بعضها سمح، وليس منها شيء عن متفق على تركه فيما أدري وليس فيه أيضًا من هذا النوع إلَّا قليل.
ولعل قائلًا يقول: قد كان فيما جمع أبو القاسم الزيدزي ﵀، ما يريحك من تعبك ويغنيك عن نصبك فما فائدتك فيما قصدت، وما الفائدة التي تعود عليك في هذا الذي جمعت.
فأقول: والله المستعان إن لكل أحد رأيًا يراه، وطريقًا يلتمسه ويتوخاه، وإن أبا القاسم ﵀ أخذ الأحاديث غثها وسمينها وصحيحها وسقيمها، فأخرجها بجملتها، ولم يتكلم في شيء من عللها، إلا في الشيء اليسير، والنادر القليل، وقد ترك أحاديث في الأحكام لم يخرجها، إذ لم تكن في تلك الكتب التي أخرج حديثها، وإن كان فيها أحاديث معتلة فقد أخرج أمثالها في الوهن، وتلك الأحاديث التي ترك قد أخرجت منها ما يسر الله به، وما كان منها فيه علة فذكرتها، كما فعلت في سائر ما في الكتب من الحديث المعتل مما أخرجته منها، إلا أن تكون العلة لا توهن الحديث لضعفها، وقلة القائلين بها.
وأيضًا فإن أبا القاسم عمد إلى الحديث فأخرجه من كتب كثيرة وترجم عليه بأسماء عديدة، ولم يذكر إلا لفظًا واحدًا، ولم يبين لفظ من هو، ولا من انفرد به، وقل ما يجيء الحديث الواحد في كتب كثيرة، إلا باختلاف في لفظ أو معنى، أو زيادة أو نقصان، ولم يبين هو شيئًا من ذلك، إلا في النزر القليل، أو في الحديث من المئة، أو في أكثر، أو فيما كان من ذلك، وليس الاختلاف في اللفظ مما يقدح في الحديث إذا كان المعنى متفقًا، ولكن الأولى
стр. 67
أن ينسب كل كلام إلى قائله، ويعزى كل لفظ إلى الناطق به، وأما ما كان في الحديث من الاختلاف معنى أو زيادة أو نقصان، فإنه يحتاج إلى تبيين ذلك وتمييزه، وتهذيبه وتحصيله، حتى يعرف صاحب الحكم الزائد والمعنى المختلف وإنما ترجم ﵀ على الحديث الواحد بما ترجم عليه من الكتب، لتعرف شهرة الحديث وإخراج الناس له، وعمدت أنا إلى الحديث وأخرجته من كتاب واحد، ولفظ واحد، وكذلك ذكرت الزيادة من كتاب واحد، وبلفظ واحد ليعرف صاحب اللفظ ويتبين صاحب النص، وتقع نسبة الحديث إليه صحيحة.
وإن الحديث إذا جاء من طريق واحد صحيح، ولم يجئ ما يعارضه فإنه يوجب العمل، وتلزم به الحجة، كما يوجب العمل وتلزم به الحجة إذا جاء من طرق كثيرة، وإن كانت النفس إلى الكثرة أميل، وبها أطيب إذا كانت الكثرة إنما اجتمعت ممن يوثق بحديثه، ويعتمد على روايته، وإن ذكر الحديث في مواضع كثيرة، ومجيئه في دواوين عديدة، شهرته عند الناس لا يخرجه عن منزلته، ولا يرفعه عن درجته في الحقيقة، وإنه إذا رجع إلى طريق واحد حكم له بحكم الواحد، فإن كان صحيحًا حكم له بحكم الصحيح، وإن كان سقيمًا حكم له بحكم السقيم؛ لأن الفرع لا يطيب إلآ بطيب الأصل، وكما أن التواتر إذا رجع إلى آحاد حكم له بحكم الآحاد، إلا أن يكون الإجماع على عمل يوافق حديثًا معتلًا، فإن الإجماع حكم آخر وهو الأصل الثالث الذي يرجع إليه، وليس ينظر حينئذ إلى علة الحديث، ولا لضعف الراوي ولا لتركه.
ولم يشتهر بالصحة من الكتب التي أخرج أبو القاسم ﵀ حديثها، إلا كتاب الإمامين، أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج رحمة الله عليهما، وسائرها لم يعرف بالصحة، ولا اشتهر بها، وإن كان فيها من الصحيح ما لم يجئ في الكتابين، كما أن فيها من السقيم ما يحتاج إلى الكلام فيه، والتنبيه عليه والتمييز له، وإلا كان قارئه
стр. 68
والعامل به يسير في ظلماء، ويخبط في عشواء، مع أن أحاديث في الكتابين قد تكلم فيها، ولم يسلم لصاحبها إخراجها في جملة الصحيح، وإن كان ذلك الاعتراض لا يخرج الكتابين عن تسميتهما بالصحيحين، ومع أن بعض الكلام في تلك الأحاديث تعسف وتشطط لا يصغى إليه ولا يعرج عليه.
وقد أخرجت في هذا الكتاب أحاديث قليلة من كتاب، وتركتها في كتاب أشهر من الكتاب الذي أخرجتها منه، ثم نبهت على كونها في ذلك الكتاب المشهور، وإنما فعلت ذلك لزيادة في الحديث، أو لبيانه أو لكماله وحسن سياقه، أو لقوة سند في ذلك الحديث على غيره، ومنها ما فعلته نسيانًا ونبهت على الكل، وقد يكون حديثًا بإسناد صحيح، وله إسناد آخر أنزل منه في
الصحة، لكن يكون لفظ الإسناد النازل أحسن مساقًا أو أبين، فآخذه لما فيه من البيان وحسن المساق، إذ المعنى واحد، وإذ هو صحيح من أجل الإسناد الآخر، أو يكون حديث تعضده آية ظاهرة البيان من كتاب الله تعالى، فإنه وإن كان معتلًا أكتبه؛ لأن معه ما يقويه ويذهب علته، وهذا النوع المعتذر عنه في هذا المجموع قليل.
وجعلت هذا الكتاب مختصر الإسناد، ليسهل حفظه ويقرب تناوله، وتتيسر فائدته إلّا أحاديث يسيرة ذكرت سندها أو بعضه ليتبين الراوي المتكلم فيه لأنه ربما كان الراوي لا يعرف إلاّ حتى يذكر عن من روى، ومن روى عنه، وربما فعلت ذلك لقرب السند، وربما يكون مما تقدم ذكره والكلام عليه في موضع آخر ولغير ذلك، وربما ذكرت من الإسناد رجلًا مشهورًا يدور
الحديث عليه، ويعرف به كما تقدم، وعلى كتاب مسلم في الصحيح عولت ومنه أكثر ما نقلت، وإلى الله أرغب، ومنه ﵎ أسأل وأطلب أن يجعل ذلك خالصًا لوجهه مقربًا إليه مزلفًا لديه، وأن يعين على العمل به والأخذ بما فيه، وأن ييسر لنا طريق النجاة، وسبيل الهداة، وأن يرزقنا طيب الحياة وكرم الوفاة برحمته لا رب غيره وهو المستعان، وعليه
стр. 69
التكلان، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين وصحبه الطيبين وسلم تسليمًا
باب في الإيمان
مسلم، عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجُهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فَوُفِّقَ لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلًا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليَّ فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتَقَفَّرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون ألّا قدر، وأنَّ الأمر أُنُفٌ، فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآءُ مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أُحد ذهبًا فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدثني عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى رسول الله ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "الإِسلامُ أَنْ تَشهدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبيلًا" قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: "أَنْ تَؤمِنَ بَاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسِلِهِ وَاليومِ الآخَرِ، وَتُؤمِنَ
стр. 70
بالقَدرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ"، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: "أَنْ تَعبدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَراهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَراكَ" قال: فأخبرني عن الساعة، قال: "مَا المَسؤُولُ عَنْهَا بِأعَلمِ مِنَ السَّائِلِ"، قال: فأخبرني عن أمارتها، قال: "أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتهَا، وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتطاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ"، قال: ثم انطلق فلبثت مليًا، ثم قال "يَا عُمَرُ: أَتدْرِي مَنِ السَّائِلِ؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فَإِنَّهُ جِبْرِيل أَتَاكُمْ يُعَلِّمَكُمْ دِينَكُمْ" (١).
معنى يتقفرون يتتبعون ويجمعون.
ذكر هذا الحديث أبو جعفر العقيلي من طريق عبد العزيز بن أبي رواد، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن يحيى بن يعمر قال فيه: فما شرائع الإسلام؟ قال: "تُقيم الصَّلاةَ وَتُؤتِي الزَّكَاةَ. . الحديث".
قال العقيلي: كذا قال شرائع الإسلام، وتابعه على هذه اللفظة أبو حنيفة، وجراح بن الضحاك، قال: وهؤلاء مرجئة (٢). لم يزد على هذا،
стр. 71
وعبد العزيز ثقة مشهور في الحديث متعبد، إنما كان صاحب رأي.
ولمسلم في حديث أبي هريرة "مَا المَسؤولُ عَنْهَا بِأعَلم مِنْ السَّائِلِ، وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشراطَها، إِذَا رَأيْتَ الأُمَةَ تَلِدُ ربُتَّهَا، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ الحُفاةَ العُراةَ الصُّمَّ البُكْمَ مُلوكَ الأَرضِ، فَذاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأيْتَ رِعَاءَ البهمِ يَتطولونَ فِي البُنيانِ، فَذاكَ مِنْ أَشرَاطِهَا، فِي خَمْسِ مِنْ الغيبِ لاَ يعلمهُنَّ إِلَّا الله" ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ثم قام الرجل، فقال رسول الله ﷺ : "رُدوهُ عليّ" فالتمس فلم يجدوه، فقال رسول الله ﷺ : "هَذَا جِبريلُ أَرادَ أن تَعَلَّموا إِذ لَمْ تَسأَلُوا" (١).
وفي طريق أخرى عن أبي هريرة: "وَتُقيمَ الصَّلاةَ المَكتوبةَ وَتُؤدِّي الزكاةَ المَفروضَةَ" (٢).
стр. 72
وعن ابن عباس قال: إن وفد عبد القيس أتوا رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "مَنِ الوَفدَ؟ " أو "مَنِ القَومَ؟ " قالوا: ربيعة، قال: "مَرحبًا بالقومِ أو بِالوَفدِ، غَيرُ خَزَايَا وَلا النَدامَى" قال: فقالوا: يا رسول الله: إنا نأتيك من شقة بعيدة، وإن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلّا في شَهْرِ الحرام، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا ندخل به الجنة، قال: فأمرَهم بأربع ونهاهم عن أربع، قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده، وقال: "هَلْ تَدرونَ مَا الإِيمانُ؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "شَهادةُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلّا اللهُ وأَنَّ محمدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتاءُ الزَّكَاةِ، وَصَومُ رَمَضانَ، وَأَنْ تُؤدُّوا خُمسًا مِنَ المغنَمِ، ونهاهُمْ عنِ الدبَاءِ والحَنْتَمِ والمُزَقَّتِ والنَّقيرِ"، وربما قال: "المُقَيَّر" وقال: "احفظُوهُ وِأخبِرُوا بِهِ مَنْ وَرَاءَكُم" (١).
وعن ابن عباس أن معاذًا قال: بعثني رسول الله ﷺ فقال: "إِنَّكَ تَأتِي قومًا مِنْ أَهلِ الكتابِ، فَادعهُمْ إِلى شَهادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعلمهُمْ أَنّ اللهَ افترضَ عَليهمْ خَمسَ صَلَواتٍ فِي كُلِّ يومِ وَليلةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطاعُوا لِذلكَ، فَأَعَلمهُمْ أَنَّ اللهَ افترضَ عَليهِمْ صَدقةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغنيائهِمْ وَتُردُّ فِي فُقرائِهمْ، فَإِنْ هُمْ أَطاعُوا لِذلكَ، فَإِيَّاكَ وَكرائِمَ أَموالِهِمْ، وَاتّقِ دَعوةَ المَظلُومِ فَإنَّهُ لَيسِ بَينَها وَبيْنَ اللهِ حِجَابٌ" (٢).
وفي طريق آخر "إِنكَ تَقدِمُ عَلَى قَومٍ مِنْ أهلِ الكِتابِ، فَلْيَكُنْ أَولُ مَا تَدْعوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ، فَإِذَا عَرفُوا اللهَ فَأَخَبِرهُمْ. . الحديث". وفيه أنه ﵇ بعثه إلى اليمن (٣).
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "بُنِي الإِسلامُ عَلَى خَمسٍ شهادةِ
стр. 73
أَنْ لاَ إِلَه اِلاَّ اللهُ وأَن محمدًا عبدَهُ وَرَسولُهُ، وإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمضانَ" (١).
وروى عبد السلام بن صالح الهروي قال: نا علي بن موسى الرضا ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن علي بن حسين، عن أبيه، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "الإِيمانُ مَعْرِفَةٌ بِالقَلبِ، وَإِقرارٌ بِاللِّسَانِ، وَعَملٌ بِالأرْكَانِ" (٢).
وعبد السلام هذا ضعيف لا يحتج به، وحديثه هذا أخرجه قاسم بن أصبغ والعقيلي وغيرهما (٣)، وقد رواه عن علي بن موسى الهيثم بن عبد الله وهو مجهول (٤)، وداود بن سليمان القزويني (٥)، وعلي بن الأزهر السرخسي وهما ضعيفان (٦).
ورواه الحسن بن علي العدوي عن محمد بن صدقة ومحمد بن تميم وهما مجهولان عن موسى بن جعفر والد علي، والحسن هو ابن على بن صالح بن زكريا أبو سعيد البصري، وكان يضع الحديث، ولا يتيسر هذا الحديث من وجه صحيح (٧).
مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "أُمرتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاس
стр. 74
حتَّى يَشْهدُوا أَنْ لاَ إِلَه إِلّا اللهُ، وَيُؤمِنُوا بِي، وَبِمَا جِئْت بهِ، فَإذَا فَعلُوا ذَلِك عَصمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وَأموالَهُمْ إِلّا بِحَقِّها، وَحِسابُهُمْ عَلى اللهِ" (١).
البخاري عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "أُمرتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَه إِلّا اللهُ وَأنَ محمدًا رسولُ اللَّهِ، وَيقيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكاةَ، فَإِذَا فَعلُوا ذَلِكَ عَصمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وأموالَهُمْ إِلّا بِحَقِّ الإِسْلامِ، وَحِسابُهُمْ عَلَى اللهِ" (٢).
مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: قسم رسول الله ﷺ قسمًا، فقلت: يا رسول الله أعط فلانًا فإنه مؤمن، فقال النبي ﵇: "أَوْ مُسْلِمٌ؟ " أقولها ثلاثًا، ويرددها علىَّ ثلاثًا "أَوْ مُسْلِمٌ؟ " ثم قال: "إِنِّي لأُعطِي الرَّجلَ وَغَيرهُ أَحبُّ إِليّ مِنهُ مَخافةَ أَنْ يكبّهُ اللهُ فِي النَّارِ" (٣).
وذكر أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة في مسنده، عن زيد بن الحباب عن علي بن مسعدة الباهلي، قال: حدثنا قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "الإِسلامُ عَلانِيّةً وَالإِيمانُ فِي القَلْبِ" ثم يشير بيده إلى صدره "التَّقْوَى هَا هُنَا التَّقْوَى هَا هُنَا" (٤).
هذا حديث غير محفوظ، تفرد به علي بن مسعدة، وعلي بن مسعدة روى عنه الأئمة يحيى بن سعيد وابن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم.
قال البخاري: فيه نظر.
стр. 75
وقال ابن معين: صالح الحديث.
وقال فيه أبو حاتم: لا بأس به، ووثقه أبو داود الطيالسي وروى عنه، وذكر له أبو أحمد الجرجاني ولم يجد فيه أكثر من قول البخاري وقال: هذا حديث غير محفوظ.
مسلم عن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد، ثائر الرأس نَسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دخل على رسول الله ﷺ ، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "خَمسُ صَلواتٍ فِي اليومِ وَاللَّيلَةِ" فقال: هل علي غيرهن؟ فقال: "لاَ إِلّا أَنْ تَطّوَعَ، وَصيامُ شَهرِ رَمضانَ"، فقال: هل عليّ غيره؟ فقال: "لاَ إِلّا أَنْ تَطّوعَ"، وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، فقال: هل عليّ غيرها؟ فقال: "لاَ إِلّا أَنْ تَطّوعَ"، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله ﷺ : "أَفْلحَ إِنْ صَدَقَ" (١).
رواه عن أنس بن مالك بلفظ آخر وذكر فيه حج البيت (٢).
وعن جابر بن عبد الله أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ قال: أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام ولم أزد على ذلك شيئًا أأدخل الجنة؟ قال: "نَعَمْ" قال: والله لا أزيد على ذلك شيئًا (٣).
وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله ﷺ : قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: "قُلْ آمنتُ بِاللهِ ثُمَّ استَقِمْ" (٤).