← Книги сунны

Книги сунны · id 17903

الأحكام الوسطى

عبد الحق الإشبيلي

Полный текст (1 539 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

يرويه شيخ من الأردن يقال له أبو عبد العزيز. أبو داود، نا هناد بن السري نا أبو الأحوص عن عاصم يعني ابن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأصاب الناس حاجةٌ شديدةٌ وجهدًا، وأصابوا غنمًا فانتهبوها، وإن قدورنا لتغلي إذ جاء رسول الله ﷺ يمشي على قدميه، فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم عجل يُرَمِلُ اللحم بالتراب ثم قال: "إِنَّ النُّهْبَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنَ الْمَيْتَةِ" أو: "إِنَّ الْمَيْتَةِ لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنَ النُهْبَةِ" (١). الشك من هناد. مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتمُوهَا أَوْ أَقَمْتَمْ فِيهَا فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ خُمُسَهَا للهِ وَلِرَسُولهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ" (٢). البخاري، عن أسلم مولى عمر قال: قال عمر: لولا آخِرُ المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي ﷺ خيبر (٣). زاد النسائي: سهمانًا (٤). أبو داود، عن بُشَيْر بن يسار مولى الأنصاري عن رجال من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ لما ظهر على خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهمًا، جمع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله ﷺ وللمسلمين النصف من ذلك، وعزل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس (٥).

стр. 877

وعن بشير بن يسار أيضًا أن رسول الله ﷺ لما أفاء الله عليه خيبر قسمها ستة وثلاثين سهمًا، جَمْعُ فعزل للمسلمين الشطر ثمانية عشر سهمًا، يجمع كل سهم مائة النبي ﷺ معهم، له سهم كسهم أحدهم، وعزل رسول الله ﷺ ثمانية عشر سهمًا وهو الشطر لنوائبه، وما ينزل به من أمر المسلمين فكان ذلك الكتيبة والوطيح والسلالم وتوابعها، فلما صارت الأموال بيد رسول الله ﷺ والمسلمين لم يكن لهم عمال يكفونهم عملها، فدعا رسول الله ﷺ اليهود فعاملهم (١). وهذا مرسل وكذلك الذي قبله. وذكره أبو داود عن مجمع بن جارية الأنصاري، وكان أحد القراء الذين قرؤوا القرآن، قال: قسمت خيبر على أهل الحديبية فقسمها رسول الله ﷺ على ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيش ألفًا وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين والراجل سهمًا (٢). قال أبو داود: هذا وهم كانوا مائتي فارس، فأعطى الفارس سهمين وأعطى صاحبه سهمًا. وقال في موضع آخر: الصحيح أنهم كانوا مائتي فارس. وعن ابن عمر قال: لما افتتحت خيبر سألت يهود رسول الله ﷺ أن يقرهم يعملون على النصف مما خرج منها، فقال رسول الله ﷺ : "نُقِرُّكُمْ فِيهَا عَلى ذَلِكَ مَا شِئْنَا" فكانوا على ذلك وكان الثمر يقسم على السهمان من نصف خيبر ويأخذ رسول الله ﷺ الخمس، وكان رسول الله ﷺ أطعم كل امرأة من أزواجه من الخمس مائة وسق تمر وعشرين وسق شعير. . . . . . وذكر الحديث (٣).

стр. 878

وقد ذكره مسلم إلا الخمس في موضعين، وقسمته التمر على السهمان فإنه لم يذكره (١). وعن الزهري وعبد الله بن أبي بكر وبعض ولد محمد بن مسلمة قالوا: بقيت بقية من أهل خيبر فتحصنوا، فسألوا رسول الله ﷺ أن يحقن دماءهم ويُسَيِّرَهُمْ، ففعل، فسمع بذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك، فكانت فدك لرسول الله ﷺ خاصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب (٢). وعن ابن شهاب قال: خمس رسول الله ﷺ خيبر ثم قسم سائرها على من شهدها ومن غاب عنها من أهل الحديبية (٣). وعن عمر قال: كانت لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا بنو النضير وخيبر وفدك، فأما بنو النضير فإنها كانت حبسًا لنوائبه، وأما فدك فكانت حبسًا لأبناء السبيل، وأما خيبر فجزأها رسول الله ﷺ ثلاثة أجزاء، جُزْأيْنِ بين المسلمين وجزءًا نفقة لأهله، فما فضل من نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين (٤). مسلم، عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، إذ نظرت عن يميني وعن شمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عمر هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلتُ: نعم وما حاجتك إليه يا ابن أخي، قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، قال: فتعجبت لذلك، قال: فغمزني الآخر فقال مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس، فقلت: ألا تريان

стр. 879

هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، قال: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه فقال: "أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ " فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: "هَلْ مَسَحْتُمَا سيْفَيْكُمَا؟ " قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: "كِلاَكُمَا قَتَلَهُ" وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. والرجلان: معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء (١). وعن عوف بن مالك قال: قتل رجل من حمير رجلًا من العدو، فأراد سلبه فمنعه خالد بن الوليد، وكان واليًا عليهم، فأتى رسول الله ﷺ عوف بن مالك فأخبره، فقال لخالد: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ؟ " قال: استكثرته يا رسول الله، قال: "ادْفَعْهُ إِلَيْهِ" فَمَرَّ خالد بعوف فَجَرَّ بردائه ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله ﷺ ، فسمعه رسول الله ﷺ فاستُغْضِبَ فقال: "لاَ تُعْطِهِ يَا خَالِدُ لاَ تُعْطِهِ يَا خَالِد، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي، إِنَّمَا مَثلُكُمْ وَمَثلَهُمْ كَمَثلِ رُجِلٍ اسْتَرْعى إبِلًا أَوْ غنَمًا، فَرَعَاهَا ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقْيَهَا فَأَورَدَهَا حَوْضًا فَشَرَعَتْ فِيهِ فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ وَتَرَكَتْ كَدِرَهُ، فَصَفْوَهُ لَكُمْ وَكَدِرُهُ عَلَيْهِمْ" (٢). وفي رواية أخرى قال عوف: فقلت: يا خَالد أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل قال: بلى ولكني استكثرته. أبو داود، عن عوف بن مالك وخالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ قضى في السلب للقاتل، ولم يخمس الخمس من السلب. مسلم، عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن فبينا نحن نتضحى مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طَلَقًا من حَقَيهِ فقيد به الجمل ثم تقدم يتغدى مع القوم وجعل ينظر وفينا ضَعْفَةُ

стр. 880

وَرِقَّةٌ في الظهر وبعضنا مشاة إذ خرج يشتد، فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل، فأتبعه رجل على ناقة له ورقاء، قال سلمة: وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل، فندر ثم جئت بالجمل أقوده، عليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه، فقال: "مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ " فقالوا: ابن الأكوع قال: "لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ" (١). وعن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، قال: فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين، فاشتددت إليه حتى أتيته من ورائه حتى ضربته على حَبْل عاتقه، وأقبل عليَّ فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت، فأرسلني فلحقت عمر بن الخطاب فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله ثم إن الناس رجعوا وجلس رسول الله ﷺ فقال: "مَنْ قَتلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ" قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال مثل ذلك، قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم قال مثل ذلك الثالثة، فقمت فقال رسول الله ﷺ : "مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةُ؟ " فقصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله سلب ذلك القتيل عندي، فارضه من حقه، فقال أبو بكر الصديق لاها الله، إذًا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه، فقال رسول الله ﷺ : "صَدَقَ، فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ" فأعطاني إياه، فبعت الدرع فابتعت به مَخْرَفًا في بني سلمَةَ، فإنه لأول مال تَأَثّلته في الإسلام (٢). أبو داود، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ يومئذ، يعني يوم حنين:

стр. 881

"مَنْ قَتلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلبُهُ" فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا وأخذ أسلابهم (١). وذكر أبو داود في المراسيل عن ابن شهاب أن المغيرة بن شعبة نزل هو وأصحاب له بأيلة فشربوا خمرًا حتى سكروا، وناموا وهم كفار وقبل أن يسلم المغيرة بن شعبة فقام إليهم أعليهم، المغيرة فذبحهم، ثم أخذ ما كان لهم من شيء فسار به حتى قدم على رسول الله ﷺ ، فأسلم المغيرة ودفع المال إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فقال رسول الله ﷺ : "لاَ نُخَمِّسُ مَالًا أُخِذَ غَصْبًا" فترك رسول الله ﷺ المال في يد المغيرة (٢). ذكر هذا الحديث البخاري مجملًا وقال: فقال رسول الله ﷺ : "أَمَّا الإِسْلاَمُ فَأَقْبَلَ، وَأَمَّا الْمَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ" ولم يذكر تركه في يد المغيرة (٣). وقال أبو داود في كتابه: "أَمَّا الإسْلاَمُ فَقَدْ قَبِلْنَا، وَأمَّا الْمَالُ فَإِنَّهُ مَالُ غَدْرٍ لاَ حَاجَةَ لَنَا فِيهِ". ولم يذكر أيضًا تركه في يد المغيرة، ذكر الحديث في الجهاد (٤). وعن ابن عمر قال: بعثنا رسول الله ﷺ في جيش قبل نجد، وانبعثت سرية من الجيش، فكان سهمان الجيش اثني عشر بعيرًا اثني عشر بعيرًا، ونفل أهل السرية بعيرًا بعيرًا، فكانت سهمانهم ثلاثة عشر ثلاثة عشر (٥). زاد في أخرى: بعد الخمس (٦).

стр. 882

وفي أخرى: فلم يعيره رسول الله ﷺ ، وذكر أن أمير السرية نفلهم (١). مسلم، عن ابن عمر قال: بعث رسول الله سرية إلى نجد فخرجت فيها، فأصبنا إبلًا وغنمًا، فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرًا اثني عشر بعيرًا، ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا (٢). زاد في أخرى: من الخمس (٣). مسلم، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يُنَفِّل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة، سوى قَسْم عامة الجيش والخمس في ذلك كله واجب (٤). أبو داود، عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله ﷺ كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس إذا قفل (٥). وعن أبي الجويرية الجرمي قال: أصبت بأرض الروم جرة حمراء فيها دنانير في إمرة معاوية، وعلينا رجل من أصحاب النبي ﷺ من بني سُلَيْمٍ يقال له معن بن يزيد، فأتيته بها فقسمها بين المسلمين، فأعطاني منها مثل ما أعطى رجلًا منهم ثم قال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لاَ نَفْلَ إلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ" لأعطيتك، ثم أخذ يعرض عليَّ من نصيبه فأبيت (٦). وعن جبير بن مطعم قال: لما كان يوم خيبر وضع رسول الله ﷺ سهم ذي القربى في بني هاشم وبني عبد المطلب، وترك بني نوفل وبني عبد شمس، فانطلقت أنا وعثمان بن عفان حتى أتينا رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم للموضع الذي وضعك الله به منهم. فما بال

стр. 883

إخواننا بنو عبد المطلب أعطيتهم وتركتنا، وقرابتنا واحدة، فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لاَ نَفْتَرِقُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلاَ فِي إِسْلَامٍ، وَإنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ". وشبك بين أصابعه (١). زاد البخاري، قال ابن إسحاق: وعبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم وأمهم عاتكة بنت مرة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم (٢). وذكر ابن إسحاق قال: نا الزهري عن سعيد بن المسيب عن جبير بن مطعم قال: قسم رسول الله ﷺ بينهم خمس الخمس من القمح والتمر والنوى، يعني بني المطلب وبني هاشم. أبو داود، عن علي بن أبي طالب قال: ولأنَّي رسول الله ﷺ خمس الخمس، فوضحته مواضعه. حياة رسول الله ﷺ وحياة أبي بكر وحياة عمر، فأوتي بمال فدعاني فقال: خذه فقلت: لا أريده، قال: خذه فأنتم أحق به قلت: قد استغنينا عنه، فجعله في بيت المال (٣). وذكر ابن أبي خيثمة عن عبد الله بن بريدة أن رسول الله ﷺ بعث عليًا إلى خالد ليقسم بينهم الخمس، فاصطفى علي منها سبية، فأصبح يقطر رأسه فقال خالد لبريدة: ألا ترى ما صنع هذا الرجل؟ قال بريدة: وكنت أبغض عليًا، فأتيت النبي ﷺ فلما أخبرته قال: "أَتُبْغِضُ عَلِيًّا؟ " قلت: نعم، قال: "فَأَحِبَّهُ فَإِنَّ لَهُ فِي الْخُمُسِ أَكْثَرَة منْ ذَلِكَ" (٤). خرجه البخاري، وهذا أبين وإسناده صحيح (٥).

стр. 884

أبو داود، عن عمرو بن عبسة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير قال: "وَلاَ يَحِلُّ لِي مِنْ غَنَائِمِكُمْ مِثْلُ هَذِهِ إِلَّا الخُمُسُ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ" (١). البخاري، عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال رسول الله ﷺ : "أَحَبُّ الْحَديث إِلَيَّ أَصْدَقُهُ فَاخْتَارُوا إِحْدى الطَّائِفَتينِ إِمَّا السَّبْيُ وَإِمَّا الْمَالُ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأنَيْتُ بِكُمْ" وقد كان رسول الله ﷺ انتظر آخرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غَيْرُ رادٍّ لهمِ إلا إحدى الطائفتين قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام رسول الله ﷺ في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إخْوَانكُمْ هَؤُلاَء قَدْ جَاؤُونَا تَائِبينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنكمْ أَنْ يطيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنكمْ أَنْ يَكُونَ عَلى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ" فقال الناس: قد طَيَّبْنَا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّا لاَ نَدْرِي مَنْ أَذِنَ لَكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ" فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم طيبوا وأذنوا (٢). وذكر أبو داود من حديث ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في هذه القصة قال: فقال رسول الله ﷺ : "رُدُّوا عَلَيْهِمْ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ،

стр. 885

فَمَنْ تَمَسَّكَ بشَيءٍ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَإِنَّ لَهُ عَلَيْنَا سِتة فَرَائِضَ مِنْ أَوَّلِ شَيْءٍ يُفِيئُهُ اللهُ عَلَيْنَا" (١). مسلم، عن سعد بن أبي وقاص قال: أعطى رسول الله ﷺ رهطًا وأنا جالس فيهم، فترك رسول الله ﷺ منهم رجلًا لم يعطه وهو أعجبهم إليّ، فقمت إلى رسول الله ﷺ فقلت: ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنًا، قال: "أَوْ مُسْلِمًا" فسكت قليلًا ثم غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنًا، قال: "أَوَ مُسْلِمًا" فسكت قليلًا ثم غلبني ما أعلم منه فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنًا، قال: "أَوَ مُسْلِمًا" قال: "إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ عَلى وَجْهِهِ فِي النَّارِ" (٢). وعن أنس بن مالك أن ناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق رسول الله ﷺ يعطي رجالًا من قريش المئة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس بن مالك: فحدثت بذلك رسول الله ﷺ من قولهم فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من أدم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ فقال: "مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ" فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا، وأما أناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسوله يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله ﷺ : "إِنِّي لأُعْطِي رِجَالًا حَدِيثي عَهْدٍ بكُفْر أَتَأَلَّفُهُمْ، أَفَلاَ تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ وَتَذْهَبُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللهِ، فَوَاللهِ لَمَا تنَقَلِبُونَ بِهِ خَيْرًا مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ" قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا، قال: "فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أثَرَةً

стр. 886

شَدِيدَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ" قالوا: سنصبر يا رسول الله (١). وفي بعض طرق هذا الحديث عن عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ قال إذ جمعهم: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَلَمْ أَجدُكُم ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي، وَعَالَةَ فَأغنَاكُمُ اللهُ بِي، وَمُتفرِّقينَ فَجَمَعَكُمُ اللهُ بِي" ويقولون: الله ورسولَه آمن، فقال: "أَلاَ تُجِيبُوني؟ " فقالوا: الله ورسوله آمن، فقال: "أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ شِئْتُمْ أَنْ تَقُولُوا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ مِنَ الأَمْرِ كَذَا وَكَذَا لأشياءِ عددها، زعم عمرو بن يحيى أن لا يحفظها فقال: "أَلاَ تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بالشَّاءِ وَالإِبْلِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى رِحَالِكُمْ، الأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، وَلَوْلاَ الْهِجْرَةُ لِكُنْتُ امْرأً مِنَ الأَنْصَارِ" (٢). وفي طريق آخر: "لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ" (٣). وعن أبي سعيد الخدري في هذا الحديث قال: "أَلاَ تُجِيبُوني يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ؟ " قالوا: وبماذا نجيب يا رسول الله ولله ولرسوله المن والفضل، فقال: "أَمَا وَاللهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ وَلَصَدَقْتُمْ، أتَيْتنا مُكَذَّبًا فَصَدَّقناكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فنَصَرْنَاكَ، وَعائِلًا فَاسَيْنَاكَ" وقال في آخر الحديث: فبكى القوم حتى اخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا يا رسول الله قسمًا وحظًا. ذكر هذا الحديث ابن إسحاق وسفيان بن عيينة وغيرهما، وهي الأشياء التي لم يذكر مسلم بن الحجاج والله أعلم (٤).

стр. 887

البخاري، عن عمرو بن تغلب قال: أعطى النبي ﷺ قومًا ومنع قومًا آخرين وكأنهم عتبوا عليه فقال: "إِنِّي أُعْطي قَوْمًا أَخَافُ ظَلَعَهُمْ وَجَزَعَهُمْ، وَأَكِلُ قَوْمًا إِلى مَا جَعَلَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِنى وَالْخَيْرِ" منهم عمرو بن تغلب، قال عمرو بن تغلب: ما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ حمر النعم (١). أبو داود، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير قال: كنا بالمِرْبَدِ فجاء رجل أشعث الرأس بيده قطعة أديم حمراء فقلنا: كأنك من أهل البادية؟ فقال: أجل، قلنا. ناولنا هذه القطعة الأدَم التي في يدك، فناولناها فقرأ ما فيها، فإذا فيها: "بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلى بَنِي زَهْرِ بْن أُقَيْشٍ، إِنَّكُمْ إِنْ شَهِدْتُمْ أَنْ لَا إِلِه إِلَّا اللهُ وَأَن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَأَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ، وَأَذَيْتُمُ الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ، وَسَهْمَ النَّبِيِّ [وسَهم] الصَّفِيِّ أَنْتُمْ آمِنُونَ بِاللهِ بِأَمَانِ اللهِ وَرَسُولهِ" فقلنا: من كتب لك هذا الكتاب؟ فقال: رسول الله ﷺ (٢). هذا الرجل هو النمر بن تولب، كان جوادًا كريمًا فصيحًا شاعرًا. وعن عائشة قالت: كانت صفية من الصفيِّ (٣). وعن قتادة قال: كان النبي ﷺ إذا غزا كان له سهم صاف يأخذه من حيث شاء، وكانت صفية من ذلك السهم، وكان إذا لم يعز بنفسه ضرب له سهم ولم يخيَّر (٤). وعن ابن عون قال: سألت محمدًا يعني ابن سيرين عن سهم رسول

стр. 888

الله ﷺ والصفيِّ، قال: كان يضرب له بسهم مع المسلمين وإن لم يشهد، والصفيّ يؤخذ له رأس من الخمس قبل كل شيء (١). محمد بن سيرين وقتادة تابعان جليلان. قال أبو عمر: سهم الصفي مشهور في صحيح الآثار معروف عند أهل العلم، ولا تخالف أهل السير في أن صفية من الصفي، وأجمع العلماء أن سهم الصفي ليس لأحد بعد النبي ﷺ . أبو داود، عن ابن عمر قال: ذهب فرس لنا فأخذها العدو وظهر عليهم المسلمون، فرد عليه في زمن رسول الله ﷺ ، وأبق عبد له فلحق بأرض الروم فظهر عليهم المسلمون، فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي ﷺ (٢). وذكر الدارقطني عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ وَجَدَ مَالَهُ فِي الْفَيْءِ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ فَهُوَ لَهُ" (٣). هذا يرويه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن الزهري عن سالم عن ابن عمر كما تقدم، وإسحاق متروك. وكذا رواه رشدين عن يونس عن الزهري، ورشدين كذلك متروك أو شبه المتروك (٤). وذكر أبو داود في المراسيل جمن تميم بن طرفة قال: وجد رجل مع رجل ناقة له، فارتفعا إلى رسول الله ﷺ ، فأقام البينة أنها ناقته، وأقام الآخر البينة أنه اشتراها من العدو، فقال النبي ﷺ : "إِنْ شِئْتَ فَخُذْهَا بِمَا اشْتَرَاهَا" (٥). هذا مرسل.

стр. 889

وقد أسند من حديث ياسين الزيات عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة. وياسين ضعيف عندهم (١). وذكر أبو أحمد من حديث الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس أن رجلًا وجد بعيرًا له في المغنم، وقد كان المشركون أصابوه قبل ذلك، فسأل عنه النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "إِنْ وَجَدْتَهُ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ فَهُوَ لَكَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قُسِمَ أَخَذْتَهُ بِالثَّمَنِ إِنْ شِئْتَ" (٢). قال أبو أحمد: هذا الحديث يعرف بالحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة. وقد روي عن مسعر عن عبد الملك. قال يحيى بن سعيد: سألت مسعرًا عنه فقال: هو من حديث عبد الملك، ولكن لا أحفظه، قال يحيى عن النبي ﷺ أكثر علمي، والحسن بن عمارة متروك. وقد روي من حديث سلمة بن علي وإسماعيل بن عياش وهما ضعيفان. أبو داود، عن عائشة أن النبي ﷺ أتى بظبية فيها خرز، فقسمها للحرة والأمة، قالت عائشة: كان أبي يقسم للحر والعبد (٣). في إسناده القاسم بن عباس وكان لا بأس به. البخاري، عن المسور بن مخرمة قال: قدمت على النبي ﷺ أقبية، فقال لي أبي مخرمة: انطلق بنا إليه عسى أن يعطينا منها شيئًا، فقام أبي على الباب فتكلم، فعرف النبي ﷺ صوته، فخرج النبي ﷺ ومعه قباء وهو يريه محاسنه

стр. 890

وهو يقول: "خَبَأْتُ هَذَا لَكَ خَبَأْتُ هَذَا لَكَ" (١). زاد في طريق أخرى: وكان في حلقه شيء (٢). أبو داود، عن عوف بن مالك أن رسول الله ﷺ كان إذا أتاه الفيء قسمه من يومه، فأعطى الآهل حظين، وأعطى الأعزب حظًا، فدعينا وكنت أدعى قبل عمار، فدعيت فأعطاني حظين، وكان لي أهل ثم دُعي بعد عمار بن ياسر فأُعطي حظًا واحدًا (٣). أبو داود، عن عمرو بن حريث قال: خطّ لي رسول الله ﷺ دارًا بالمدينة بقوس وقال: "إِن أَزْبِدُكَ أَزْبدُك" (٤). وعن وائل بن حجر أن النبي ﷺ أقطعه أرضًا بحضرموت (٥). وعن ابن عمر أن النبي ﷺ أقطع الزبير حُضْرَ فرسه، فأجرى فرسه حتى قام ثم رمى بسوطه، فقال: "أَعْطُوهُ مَنْ حَيْثُ بَلَغَ السَّوْطَ" (٦). وعن عمرو بن عوف أن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية جلسيها وغوريها، وحيث يصلح للزرع من قدس، ولم يعطه حق مسلم، وكتب له النبي ﷺ : "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَعْطى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلاَلَ بْنَ الْحَارِثِ أَعْطَاهُ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّة جَلْسِيِّهَا وَغَوْرِيِّهَا، وَحَيْثُ يَصْلُحُ لِلزَّرع مِنْ قُدْسَ، وَلَمْ يُعْطِهِ حَق مُسْلِمٍ" (٧). وعن ابن عباس مثله (٨).

стр. 891

قال الحنيني وهو إسحاق بن إبراهيم قرأته غير مرة، يعني هذا الكتاب، زاد فيه: ذات النصب، وكتب أبي بن كعب (١). قال أبو عمر: هذا حديث منقطع لا تقوم به حجة. وخرج أبو داود أيضًا عن سمي بن قيس عن شمير بن عبد عن أبيض بن حمال، أنه وفد إلى رسول الله ﷺ فاستقطعه الملح الذي بمأربَ، فقطعه له، فلما أن ولّى قال رجل من المجلس: أتدري ما قطعت له؟ إنما قطعت له الماء العِدَّ قال: فانتزع منه، قال: وسأله عما يحيي من الأراك، قالَ: "مَا لَمْ تنَلْهُ خِفَافُ الإِبِلِ" يعني أن الإبل تأكل منتهى رؤوسها ويُحمى ما فوقه (٢). وأخرج أبو داود أيضًا عن جامع بن شداد عن كلثوم وهو ابن عامر الخزاعي عن زينب أنها كانت تفلي رأس رسول الله ﷺ وعنده امرأة عثمان بن عفان ونساء من المهاجرات، وهن يشتكين منازلهن أنها تضيق عليق ويُخْرَجْنَ منها، فأمر رسول الله ﷺ أن تورث دور المهاجرين النساء، فمات عبد الله بن مسعود، فورثت امرأته داره بالمدينة (٣). كلثوم هذا روى عنه مهاجر أبو الحسن وجامع بن شداد. وخرج أبو داود أيضًا عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلًا لزم غريمًا له بعشرة دنانير قال: والله ما أفارقك حتى تقضيني أو تأتيني بحميل، قال: فتحمل بها النبي ﷺ فأتاه بقدر ما وعده، فقال له النبي ﷺ : "مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هَذَا الذَّهَبَ؟ " قال: من معدن، قال: "لاَ حَاجَةَ لَنَا فِيهَا، لَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ" فقضاها عنه رسول الله ﷺ (٤).

стр. 892

إسناد هذا الحديث لا تقوم به حجة (١). أبو داود، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِجزْيَتِهَا فَقَدْ اسْتَقَالَ هِجْرَتَهُ، وَمَنْ نزعَ صَغَارَ كَافِرِ مِنْ عُنُقِهِ فَجَعَلَهُ في عُنُقِهِ فَقَدْ وَلَّى الإِسْلاَمَ ظَهْرَهُ" (٢). إسناده ضعيف جدًا فيه بقية بن الوليد وغيره. أبو داود، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "إِيَّاكُمْ وَالْقَسَامَةَ، القَسَامَةُ الرَّجُلُ يَكُونُ عَلَى الفِئَامِ مِنَ النَّاس فَيَأْخُذُ مِنْ حَظِّ هَذَا وَمِنْ حَظِّ هَذَا" (٣).

стр. 893

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد نبيه الكريم، وعلى آله وسلم تسليمًا كتاب الصلح والجزية البخاري، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قال: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ : "إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَليدِ بِالْغَمِيمِ في خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ" فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يُهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فَأَلحَّتْ، فقالوا: خلأت القصواء فقال رسول الله ﷺ : "مَا خَلأَتِ الْقَصْوَاء وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حابِسُ الْفِيلِ" ثم قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَسْأَلْونَنِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إلَّا أَعْطَيْتُهُمُ إِيَّاهَا" ثُمَّ زجرها فوثَبت قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضًا، فلم يُلَبِّثهُ الناس حتى نزحوه، وشُكِيَ إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرِّيِّ حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاءهم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكان عَيْبَةَ نُصْح رسول الله ﷺ من أهل تِهَامَةَ، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال

стр. 894

رسول الله ﷺ : "إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَكَتْهُمْ الْحَرْبُ وَأضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاؤُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَر إِنْ شَاؤُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالَّذي نَفْسي بِيَدِهِ لأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتي، وَلَيُنْفِذَنَّ اللهُ أَمْرَهُ" فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتَّى أتى قريشًا قال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته، يقول: قال سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي ﷺ ، فقام عروة بن مسعود: فقال: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلَّحُوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: إلى قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطبة رشد، اقبلوها، ودعوني آتيه، قالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ نحوًا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخرى فوالله إنى لأرى وجوها واني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا عنك ويدعوك، فقال له أبو بكر الصديق: أمصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ فقالوا: أبو بكر، فقال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أَجِزْكَ بها لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبي ﷺ ، فلما تكلم كلمة أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال: أَخِّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ ، فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر ألستُ أسعى في غَدْرتَكَ؟ وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال

стр. 895

النبي ﷺ : "أَمَّا الإِسْلَام فَأقْبَلُ وَأَمَّا الْمَالُ فَلَسْتُ مِنْهْ في شَيْءٍ" ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئِهِ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يَحِدُّون النظر إليه تعظيمًا له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم. والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، والله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يُعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها جلده ووجهه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئهِ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني ائته، قالوا: ائته، فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ : "هَذَا فُلَانٌ وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ فَابْعَثُوهَا لَهُ" فَبُعِثَتْ له واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت، فقام رجل منهم يقال له مِكْرَزٌ بْنُ حفص فقال: دعوني آتيه فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال رسول الله ﷺ : "هَذَا مِكْرَزٌ بْنُ حَفْصٍ وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ" فجعل يكلم النبي ﷺ ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، قال عكرمة مولى ابن عباس: لما جاء سهيل قال النبي ﷺ : "قَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ" رجع إلى الحديث قال: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ : "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال النبي ﷺ : "اكْتُب بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ" ثم قال: "هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ " فقال سهيل: لو كنا

стр. 896

نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال النبي ﷺ : "وَاللهِ إِنِّي لِرَسُولُ اللهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي اكْتُبُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ" قال: وذلك لقوله: "وَلا يْسأَلُنَنِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتَهُمْ إِيَّاهَا"، فقال له النبي ﷺ : "عَلى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ" فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أُخِذنا ضُغْطَةً، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب فقال سهيل: وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك وإلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا، فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يوسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتَّى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده عليّ، فقال النبي ﷺ : "إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ" قال: فوالله إذن لا أصالحك أبدًا على شيء، قال النبي ﷺ و: "فَأَجَزْهُ لِي" قال: ما أنا بمجيز ذلك لك، قال: بلى فافعل قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بلى قد أجزناه لك، قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا ألا ترون ما قد لقيت، قال: وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله، قال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقًا؟ قال: "بَلى" قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بَلى" قلت: فَلِمَ نُعْطِي الدنية في ديننا إِذًا؟ قال إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصر لي، قلت: أوليس كنت تحدثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: "بَلى" قال: فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال: لا، قال: فإنك آتيه وتُطوف به، قال: فأاتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقًا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال فَلِمَ نُعطى الدنية في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل إنه لرسول الله ﷺ وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق، قلت: أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، قال: فأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه وتطوف به، قال

стр. 897

عمر: فعملت لذلك أعمالًا، قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا" قال: فوالله ما قام منهم رجل حتَّى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك اخرج ثم لا تُكلم أحدًا منهم كلمة حتَّى تنحر هديك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتَّى فعل ذلك نَحَر بُدْنَهُ ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل يحلق بعضهم بعضا حتَّى كاد بعضهم يقتل بعضًا غَمًّا، ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتَّى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بَصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتَّى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تَمْرِ لهم فقال أبو بَصير لأحد الرجلين: إنى لأرى سيفك هذا جيدًا فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه فضربه حتَّى برد، وفر الآخر حتَّى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ : "لقد رَأَى هَذَا ذُعْرًا" فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم، قال النبي ﷺ "وَيْلَ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ" فلما سمع ذلك عرف أنَّه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيفَ البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل فلحق بأبي بَصير، فجعل لا يخرج أحد من قريش قد أسلم إلا لحق بأبي بَصير حتى اجتمعت معه منهم عصابة، فوالله ما يستمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوها وأخذوا أموالهم، وأرسلت قريش إلى رسول الله ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل فمن

стр. 898

أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم، فأنزل الله ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ حتى بلغ ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ وكانت حميتهم أنهم لن يُقرّوا أنَّه نبي الله، ولم يقرؤوا ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وحالوا بينه وبين البيت (١). وذكر أبو داود في هذا الحديث ولم يذكره بكماله أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس، وعلى أن بيننا عَيْبَةَ مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال (٢). مسلم، عن أنس في هذا الحديث قال: اشترطوا على النبي ﷺ أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاء منا رددتموه علينا، فقالوا: يا رسول الله أتكتب هذا؟ قال: "نَعَمْ إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فَرَجًا ومَخْرَجًا" (٣). وعن البراء بن عازب قال: لما أحصرَ النبي ﷺ عند البيت صالحه أهل مكة على أن يدخلها فيقيم فيها ثلاثًا، ولا يدخلها إلا بجُلُبَّانِ السلاح السيف وقرابه، ولا يخرج بأحد معه من أهلها، ولا يمنع أحدًا يمكث بها ممن كان معه قال لعلي: "اكْتبُ الشَّرْطَ بَيْنَنَا: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحِيمِ، هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ" ﷺ فقال له المشركون: لو نعلم أَنك رسول الله ما منعناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فأمر عليًا أن يمحوها، فقال علي: لا والله لا أمحاها فقال رسول الله ﷺ : "أَرِنِي مَكَانَهَا" فأراه مكانها فمحاها، فكتب ابن عبد الله، أقام بها رسول الله ﷺ ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الثالث قال لعلي: هذا آخر يوم من شرط صاحبك فأمره فليخرج، فأخبره بذلك فقال: "نَعَمْ" فخرج (٤).

стр. 899

أبو داود، عن نعيم بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لهما، يعني لرسولي مسيلمة حين قرأ كتاب مسيلمة: "مَا تَقُولَانِ أَنْتُمَا؟ " قالا: نقول كما قال قال: "أَمَا وَاللهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقكُمَا" (١). وذكر أبو داود في المراسيل عن الحسن قال: أمر النبي ﷺ أن يقاتل العرب على الإسلام ولا يقبل منهم غيره، وأمر أن يقاتل أهل الكتاب على الإسلام لا يقبل منهم غيره، فإن أبوه فالجزية (٢). ومراسيل الحسن من أضعف المراسيل. وذكر أبو داود أيضًا من طريق قشِير بن عمرو عن بجالة بن عبدة عن ابن عباس قال: جاء رجل من الأسيْدِيِّينَ من أهل البحرين -وهم مجوس هجر- إلى رسول الله ﷺ ، فمكث عنده ثم خرج، فسألته ما قضى الله ورسوله فيكم؟ قال: شر، فقلت: مَهْ، فقال: الإسلامُ أو القتلُ، قال: وقال عبد الرحمن بن عوف: قبل منهم الجزية. قال ابن عباس: فأخذ الناس بقول عبد الرحمن فتركوا ما سمعت من الأسيدي (٣). إسناد حديث عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية هو الصحيح، وهو ما ذكر البخاري عن بجالة بن عبدة قال: أتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة، فَرِّقُوا بين كل ذي محرم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر (٤). وعن عمرو بن عوف أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة إلى البحرين، وأمر

стр. 900

عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبا عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الصبح مع النبي ﷺ ، فلما صلى بهم الفجر انصرف، فتعرضوا له فتبسم النبي ﷺ حين رآهم وقال: "أَظنُّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَة قَدْ جَاءَ بِشَيْءٍ" قالوا: أجل يا رسول الله، قال: "فَأَبَشِرُوا وَأَمِّلُوا فَوَاللهِ لَا الْفِقْر أَخْشَى عَلَيْكُنم وَلَكِنِّي أَخْشى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ" (١). أبو داود، عن ثابت بن سعيد بن أبيض بن حَمَّال عن أبيه عن جده أبيض بن حمَّال أنه كلم رسول الله ﷺ في الصدقة حين وفد عليه، فقال: "يَا أَخَا سَبَأٍ لَا بُدَّ مِنْ صَدَقَةٍ" فقال: إنما زرعنا القطن يا رسول الله وقد تبددت سبأ، ولم يبق منها إلا قليل بمأرب، فصالح رسول الله ﷺ على سبعين حلة من قيمة وفاء بَزِّ المعافر كل سنة عمن بقي من سبأ بمأرب، فلم يزالوا يؤدونها حتَّى قبض رسول الله ﷺ ، وكان [إن] العمال انتقضوا عليهم بعدما قبض رسول الله ﷺ فيما صالح أبيض بن حمال رسول الله ﷺ في الحلل السبعين، فرد ذلك أبو بكر على ما وضعه رسول الله ﷺ حتَّى مات أبو بكر، فلما مات أبو بكر انتقض ذلك وصارت على الصدقة (٢). لا يحتج بإسناد هذا الحديث فيما أعلم؛ لأن سعيد لم يرو عنه فيما أدري إلا ثابت، وثابت مثله في الضعف. أبو داود، عن معاذ أن النبي ﷺ لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم يعني محتلم دينارًا أو عدله معافر ثياب تكون في اليمن (٣). تقدم الكلام على هذا الحديث في الزكاة.

стр. 901

النسائي، عن قيس بن عباد قال: انطلقت أنا والأشتر إلى عليِّ، فقلنا: هل عهد إليك نبي الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال: لا، إِلا في كتابي هذا، فأخرج كتابًا من قراب سيفه فإذا فيه: "الْمُومِنُونَ تَتَكافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعى بذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلى نَفْسِهِ أَوْ آوى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (١). وقال البخاري في هذا الحديث: "ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ" (٢). أبو داود، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ بنحو حديث النسائي وزاد فيه: "وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَيَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلى مُضْعِفِهِمْ وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ" (٣). البخاري، عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: قلت: يا رسول الله زعم ابن أمي عليٌّ أنه قاتل رجلًا قد أجرته فلان بن هبيرة، فقال رسول الله ﷺ : "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ" (٤). مسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فيه كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ

стр. 902

نفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا، إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ" (١). وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدرِ غَدْرِهِ، أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةِ" (٢). وفي حديث ابن عمر "فَيُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ" (٣). الترمذي، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أَلَا مَنْ قَتلَ نَفْسًا مُعَاهَدَةً لَهُ ذِمَّةُ اللهِ وَرَسُولهِ فَقَدْ أَخْفَرَ بِذِمَّةِ اللهِ، فَلَا يُرِيحُ رِيحَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ خَرِيفًا" (٤). قال: هذا حديث حسن صحيح. مسلم، عن حذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت وأبي حُسَيْلٌ قال: فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما نريده ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتلُ معه، فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر فقال: "انْصَرِفَا نَفي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللهَ عَلَيْهِمْ" (٥). أبو داود، عن أبي رافع قال: بعثني قريش إلى رسول الله ﷺ ، فلما رأيت رسول الله ﷺ ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله إني والله لا أرجع إليهم أبدًا، قال رسول الله ﷺ : "إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ،

стр. 903

وَلَكِنِ ارْجِعْ فَإِنْ كَانَ في نَفْسِكَ الَّذِي في نَفْسِكَ الآنَ فَارْجِع" قال: فذهبت ثم أتيت النبي ﷺ فأسلمت (١). قال أبو داود: وكان هذا في الزمان الأول وأما اليوم فلا يصلح. وعن سليم بن عامر قال: كان بين معاوية والروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم ليقرب حتَّى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر الله أكبر وفاءٌ لا غدرٌ، فنظروا فاذا عمرو بن عَبَسَةَ، فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَشُدُّ عُقْدَهُ وَلَا يَحُلُّها حَتَّى يَنْقَضِيَ أَمَدُهَا أَوْ يُنْبِذَ إِلَيْهِمُ عَلَى سَوَاءٍ" فرجع معاوية ﵀ (٢). وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الإِيمَانُ قَيْدَ الْفَتْكِ" (٣). سفيان الثوري عن مسروق عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتبت لعمر بن الخطاب حين صالح نصارى الشام، وشرط عليهم فيه ألا يحدثوا في مدينتهم ولا ما حولها دَيْرًا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب ولا يجددوا ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يؤووا جاسوسًا ولا يكتموا غشًا للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يظهروا شركًا ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوه، وأن يوقروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من ملابسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا يتسموا بأسماء المسلمين، ولا يتكنوا بكناهم، ولا يركبوا سرجًا ولا يتقلدوا سيفًا، ولا يتخذوا شيئًا من سلاح، ولا ينقشوا خواتمهم بالعربية، ولا يبيعوا الخمور وأن يجزوا مقادم رؤوسهم وأن يلزموا

стр. 904

زيهم حيث ما كانوا، وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم، ولا يظهروا صليبًا ولا شيئًا من كتبهم في طرق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربًا خفيًا، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا مع موتاهم أصواتهم، ولا يظهروا النيران معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جرت عليهم سهام المسلمين، فإن خالفوا ما شرطوه فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق (١). وذكر أبو بكر من حديث أبي المهدي سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية كثير بن مرة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : "لَا تُبْنَى كَنِيسَةٌ في الإِسْلَامِ وَلَا يُجدَّدُ مَا خُرِبَ مِنْهَا" (٢). أبو المهدي كان رجلًا صالحًا من صالحي أهل الشام، ولكن حديثه ضعيف ولا يحتج به. وذكر أبو أحمد أيضًا من حديث إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي عن زياد بن حُدَيْرٍ عن علي قال: لئن بقيت لأقتلن نصارى بني تغلب ولأسبين الذرية، أنا كتبت العهد بينهم وبين رسول الله ﷺ أن لا ينصروا أولادهم (٣). إبراهيم ضعيف عندهم. وقد رواه من طريق آخر فيه عبد الرحمن بن عثمان البكراوي وهو ضعيف أيضًا (٤). وذكر أبو داود من حديث إبراهيم بن مهاجر أيضًا (٥).

стр. 905

وقال: حديث منكر وهو عند الناس شبه المتروك. وأنكروا هذا الحديث على عبد الرحمن بن هانئ عن إبراهيم، ولكن ذكره في إبراهيم بن مهاجر. البخاري، عن عمر بن الخطاب قال: وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله ﷺ أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم (١). وذكر الدارقطني عن الزبير قال: نهى رسول الله ﷺ أن نقاتل عن أحد من المشركين إلا عن أهل الذمة (٢). في إسناده رشدين وقد تقدم ذكره ولا يتصل أيضًا. أبو داود عن العرباض بن سارية عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَاب إِلَّا بِإِذْنٍ، وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ، إِذَا أَعْطَوْكُمْ الَّذِي عَلَيْهِمْ" (٣). وعن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب النبي ﷺ عن آبائهم دنية عن رسول الله ﷺ قال: "أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا أَوِ انْتَقَصَهُ مِنْ حَقِّهِ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٤). أبو داود، عن حرب بن عبيد الله بن عمير عن جده أبي أمه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّمَا الْعُشُورُ عَلى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَيْسَ عَلى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ" ترجم عليه عشور أهل الذمة إذا اختلفوا في التجارات (٥). وهو حديث في إسناده اختلاف، ولا أعلمه من طريق يحتج به. وذكر أبو داود أيضًا عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس

стр. 906

قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ عَلى مُسْلِم جِزْيَةٌ" (١). أبو داود، عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ" (٢). يعني الذي يعشر الناس، الجنة. مسلم، عن عمر بن الخطاب أنَّه سمع النبي ﷺ يقول: "لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارى مِن جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلا مُسْلِمًا" (٣). وعن أبي هريرة أنه قال: بينما نحن في المسجد إذ خرج إلينا رسول الله ﷺ فنادى: "يَا مَعشَرَ الْيَهُودِ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا" قالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال رسول الله ﷺ "ذَلِكَ أُرِيدُ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا" فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ذَلِكَ، أُرِيدُ" فقال لهم الثالثة، فقال: "اعْلَمُوا أَنَّمَا الأَرْضُ للهِ وَلِرَسُولهِ" (٤). البخاري، عن ابن عمر قال: لما فَدَعَ أهل خيبر عبد الله بن عمر قام عمر خطيبًا، فقال: إن رسول الله ﷺ كان عامل يهود خيبر على أموالهم فقال: نقركم ما أقركم الله، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك، فَعُدِيَ عليه من الليل ففُدِعَتْ يداه ورجلاه، وليس هناك عدو غيرهم هم عدونا وتهمتنا، وقد رأيت إجلَاءَهم، فلما أجمع عمر على ذلك أتاهم أحد بني أبي الحقيق فقال: يا أمير المؤمنين أتخرجنا وقد أقرنا محمد وعاملنا على الأموال وشرط ذلك لنا؟ فقال لهم عمر: أظننت أني نسيت قول رسول الله ﷺ : "كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُو بِكَ قَلُوصُكَ لَيلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ؟ " فقال: كان ذلك هُزَيْلَةً من أبي القاسم، فقال: كذبت يا عدو الله، فأجلاهم عمر وأعطاهم قيمة مالهم من

стр. 907

الثمر مالًا وإبلًا وعروضًا من أقتاب وجمال وغير ذلك (١). وعن سليمان بن مسلم عن سعيد بن جبير سمع ابن عباس يقول: الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتَّى بَلَّ دمعه الحصى، قلت: يا ابن عباس وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله ﷺ فقال: "ائْتُونِي بِكَتْفٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا" فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما له أهجر استفهِمُوهُ، فقال: "ذَرُوني فَالَّذِي أنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ" فأمرهم بثلاث قال: "أَخْرِجُوا الْمُشرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ" وأما الثالثة فإما سكت عنها وإما قالها فنسيتها (٢). النسيان هو من سليمان بن أبي مسلم، كذا قال البخاري عن سفيان بن عيينة. أبو داود، عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تَكُونُ قِبْلَتَانِ في بَلَدٍ وَاحِدٍ" (٣). قابوس بن ظبيان، مرة وثقه ابن معين ومرة ضعفه، وضعفه غيره، وكان يحيى بن سعيد يحدث عنه. الترمذي، عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس بالسجود فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأمر لهم بنصف العقل وقال: "أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ" قالوا: يا رسول الله ولِمَ؟ قال: "لَا تَرايا نَارَاهُمَا" (٤). هذا يرويه مرسلًا عن قيس بن أبي حازم.

стр. 908

وذكر النسائي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله ما أتيتك حتَّى حلفت أكثر من عددهن لأصابع يديه أن لا آتيك ولا آتي دينك، وإني كنت أمرأً لا أعقل شيئًا إلا ما علمني الله ورسوله، وإني أسألك بوجه الله بما بعثك ربنا إلينا؟ قال: "بِالإِسْلَامِ" قلت: وما آيات الإسلام؟ قال: "أَنْ تَقُولَ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلى اللهِ وَتَخَلَّيْتُ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤتيَ الزَكَاةَ، كُلُّ مُسْلِمٍ عَلَى مُسْلِمٍ مُحَرَّمٌ أَخَوَانِ نَصيرَانِ لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْ مُشْرِكٍ بَعْدَمَا أَسْلَمَ عَمَلًا أَوْ يُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ إِلى الْمُسْلِمِينَ" (١). بهز بن حكيم وثق وضعف، وقد مر ذكره. وذكر أبو داود عن جعفر بن سعد بن سمرة قال: حدثني حُبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب أما بعد، قال من رسول الله ﷺ : "مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ" (٢). حديث النسائي أقوى من هذا. أبو داود، عن مكحول والقاسم أبي عبد الرحمن أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَتْرُكُوا الذُّرِّيَّةَ" يعني لإزاء العدو (٣). وهذا مرسل. باب ما جاء في حمل السلاح إلى أرض العدو أبو داود، عن أبي إسحاق السبيعي عن ذي الجوشن رجل من الضباب قال: أتيت النبي ﷺ من بعد أن فرغ من أهل بدر بابن فرس لي يقال لها:

стр. 909

القرحاء، فقلت: يا محمد أنا جئتك بابن القرحاء لتتخذه فقال: "لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ أُقَيِّضَكَ بِهِ الْمُخْتَارَةَ مِنْ دُرُوعِ بَدْرِ فَعَلْتُ" فقلت: لا ما كنت لأقيضه اليوم بغرة قال: "فَلَا حَاجَةَ لي فِيهِ" (١). هذا كان قبل أن ينزل قول الله : ﴿وَلَا تَعَاوَنوُا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ويقال أيضًا: إسحاق لم يسمع من ذي الجوشن، وإنما سمع حديثه من ابنه شمر بن ذي الجوشن. ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر، وشمر بن ذي الجوشن لم يذكره أبو محمد بن أبي حاتم ولا البخاري في تاريخهما، هذا فيما رأيت من نسخ كتابهما. وقال أبو محمد بن أبي حاتم محمد بن ذي الجوشن الضبابي روى عنه أبو إسحاق السبيعي مرسل. كمل كتاب الجهاد بحمد الله وعونه

стр. 910

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [وصلى الله علي محمد خاتم النبيين، وآله وصحبه وسلم] (١) كتاب النكاح باب الترغيب في النكاح، ونكاح ذات الدين وما جاء في الأكفاء مسلم، عن علقمة بن قيس قال: كنت أمشي مع عبد الله بمنى ولقيه عثمان فقام معه يحدثه، فقال له عثمان: يا أبا عبد الرحمن ألا نزوجك جارية شابة لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك؟ قال: فقال عبد الله: لئن قلت ذلك لقد قال لنا رسول الله ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنُ اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فِإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" (٢). البخاري، عن أنس قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفَرَ اللهُ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فإني

стр. 911

أصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر فلا أفطر، وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: "أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ للهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأتزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" (١). مسلم، عن سعد بن أبي وقاص قال: أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه رسول الله ﷺ ، ولو أجاز له ذلك لاختصينا (٢). وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينها فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" (٣). وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ" (٤). أبو داود، عن ابن أبي شيبة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ بَلَغَ لَهُ وَلَدٌ وَعِنْدَهُ مَالٌ بِمَا يُنْكِحهُ فَلَمْ يَفْعَلْ فَأَحْدَثَ فَالإِثْمُ بَيْنَهُمَا" (٥). هذا من المراسيل. أبو داود، عن أبي هريرة أن أبا هند حجم النبي ﷺ في اليافوخ، فقال النبي ﷺ : "يَا بَنِي بَيَاضَةَ أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ في شَيْءٍ مِمَّا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ خَيْرٌ، فَالْحَجَامَةُ" (٦).

стр. 912

أبو هند كان مولى لبني بياضة. وزاد في المراسيل عن الزهري: فقالوا: يا رسول الله نزوج بناتنا من موالينا، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ. . .﴾ الآية، قال الزهري: نزلت هذه الآية في أبي هند خاصة (١). وقد أسند هذا والمرسل هو الصحيح. وذكر الترمذي عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن محمد وسعيد ابني عبيد عن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا جَاءكمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ" ثلاث مرات (٢). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. انتهى كلام أبي عيسى. قد أسند هذا من حديث أبي هريرة ولا يصح، وإنما هو مرسل (٣). وروى الدارقطني من حديث الحارث بن عمران الجعفري عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ، وَأَنْكَحُوا الأَكفَّاءَ، وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ" (٤). وهذا حديث ليس له أصل قاله أبو حاتم (٥)، الحارث ضعيف وكذاك رواه أبو أمية الثقفي ومندل بن علي وعكرمة بن إبراهيم وأيوب بن أبي واقد عن هشام، وأبو أمية وسائرهم ضعفاء. ورواه أبو المقدام هشام بن زياد عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلًا وهو أشبه بالصواب.

стр. 913

وذكر أبو بكر البزار في مسنده عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "الْعَرَبُ بَعْضُهَا لِبَعْضِ أَكفَّاءُ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكفَّاءُ" (١). ولم يسمع خالد من معاذ. وذكر أبو عمر في التمهيد قال: روى بقية عن زرعة عن عمران بن الفضل عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: "الْعَرَبُ أَكفَّاءُ بَعْضُهَا لِبَعْضِ قَبِيلَةٌ لِقَبِيلَةٍ وَحَيٌّ لِحَيٍّ وَرَجُلٌ لِرَجُلٍ إِلَّا حَائِكٌ أَوْ حَجَّامُ" (٢). قال: وهو حديث منكر موضوع. وقد روي عن ابن جريج عن ابن مليكة عن ابن عمر مرفوعًا مثله. قال: ولا يصح عن ابن جريج. ومن مراسيل أبي داود عن الحسن قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتزوج الأعرابي المهاجرة. وكان الحسن يقول: إن أقام معه بالمصر فلا بأس (٣). باب الترغيب في نكاح العذارى، والحض على طلب الولد، وإباحة النظر إلى المخطوبة مسلم، عن جابر بن عبد الله قال: تزوجت امرأة فقال لي رسول الله ﷺ : "هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ " قلت: نعم، قال: "أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ " قلت: ثيبًا، قال: "فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الْعَذَارَى وَلُعَابِهَا".

стр. 914

وفي طريق أخرى: "فَهَلَا جَارِيَة تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ" قلت: إن لي أخوات فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن وتمشطهن وتقوم عليهن، قال: "أَمَا إِنَّكَ قَادِمٌ، فَإِذَا قَدِمْتَ فَالْكَيْسَ الْكَيْسَ" (١). أبو داود، عن معقل بن يسار قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أصبت امرأة ذات حسن ونسب وأنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: "لَا" ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: "تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ" (٢). مسلم، عن أبي هريرة قال: كنت عند النبي ﷺ فأتاه رجل فأخبره أنَّه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله ﷺ : "أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ " قال: لا، قال: "فاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِن في أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئًا" (٣). أبو داود، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإن اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلى مَا يَدْعُوهُ إِلى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ" فخطبت امرأة من بني سلمة فكنت أتخبأ لها حتَّى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها (٤). باب ما جاء في الجمع بين الأختين، وفي نكاح ما زاد على الأربع الترمذي، عن فيروز الديلمي قال: قلت يا رسول الله إني أسلمت ولي أختان قال: "اخْتَرْ أَيُّهُمَا شِئْتَ" (٥). قال: هذا حديث حسن صحيح (٦).

стр. 915

أبو داود، عن الحارث بن قيس قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا" (١). الصواب قيس بن الحارث. في إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف، تركه البخاري. وروى معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية وأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يتخير أربعًا منهن (٢). قال البخاري: هذا حديث غير محفوظ. والصحيح ما رواه شعيب بن أبي حمزة وغيره عن الزهري قال حديث عن محمد بن سويد الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة. قال البخاري: وإنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلًا من ثقيف طلق نساءه، فقال له عمر: لتراجعن نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال. [ذكر] الحديث والتعليل أبو عيسى الترمذي ﵀. وقال أبو عمر: الأحاديث التي في تحريم نكاح ما زاد على الأربع معلولة كلها. باب النهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه مسلم، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "لَا يَبيعُ الرَّجُلُ عَلى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبُ عَلى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ" (٣).
следующие страницы →