أَراكٌ وأَثْلٌ قد تَحنَّتْ فُروُعه ... قصارٌ وأُسلوبٌ طِوالٌ محدَّدُ
تحنّت، أي تثنّت. فروعه، أي أغصانه. وأُسلوب: طريقةٌ واحدة [من]. شجرٍ طِوال. ويقال: أَخذ فلان أُسلوبا من الأمر، أي طريقة. ويقال: أَخذ في أُسلوب سُوء، أي في طريقةِ سُوء. فيقول: هو نَبْت، فمنه طِوال، ومنه شجر قِصار ليس بالطوال.
إذا احتَضَر الصِّرمُ الجميعُ فإنّه ... إذا ما أَراحوا حَضْرةَ الدارِ يَنْهَدُ
يقول: إذا أراحوا مواشِيَهم نهَد إليهم. ويقال: نهَد إليهم، إذا نهَض إليهم وانتهى إليهم. وحَضْرةُ الدار: حيث تكون الدار، وهو ما دنا من الدار. ويقال: هو بحضرةِ المسجِد. "وأهل الحِجاز يقولون: هو (١) بحضرةِ الدار". وقوله: احتَضَر الصِّرْم، أي أهلُ الدّار أهلُ الِحواءِ قال: الصِّرم الجماعةُ مِن البيوت ليس بالكثِيرة والحِواء: الأبيات الكثِيرة، ثلاثون أو أربعون.
وقاموا قِياما بالفِجاجِ وأَوْصَدوا ... وجاءَ إليهم مُقبِلا يَتورَّدُ
يَتورّد، أي يغشاهم في بيوتِهم. والوَصيد هو الفِناء (٢). يقول: إذا ما حَضَروا الدارَ نَهَضَ إِليهم وكاَبرَهم.
يقصِّم أَعناقَ المخَاضِ كأنّما ... بمَفْرَجِ لَحْيَيَه الزِّجاج الموتَّدُ
стр. 247
يقصِّم: يكسِّر. ومَفْرَج لَحْيَيه: مُنْفَتَح لَحييه، يريد فاه. والقَصْم: فَكٌّ وفَتْح، وهو يُروى كنحوِ قولِك: قَصَمْتُ الخَلخال. والقَصم: كَسْر. يقول: كأن زِجاج الرِّماح في أَنيابِه. وقوله: المُوتَّد؛ يقول: كأنها رِماحٌ قد وُتِّدَت (١).
بأصدقَ بأسا من خَليلِ ثَمينةٍ ... وأَمضَى إذا ما أَفلَطَ القائمَ اليَدُ
قال: ويُروَى بأصدقَ كَيْسا. والكَيس البأس عِند هُذَيل. وقوله: ثَمينة، وهو بلد.
وقوله: أَفْلَطَه أي فاجأه مفاجأةً (٢). والقائم: قائم السَّيف. وقوله: خليلِ ثمينةٍ، أراد صاحبَها فلم يقدِر أن يقوله، فقال: خلِيلَها، وهو الّذي يحبّها ويأتيها (٣).
أرَي الدهرَ لا يَبقَى علي حَدَثانِه ... أبُودٌ بأَطرافِ المَناعةِ جَلعَدُ
الأَبُود: الأَبِد، وهو المتوحِّش. ويقال: أَبِدَ يأبَدُ: إذا تَوحَّش، وإنما يصِف وعِلا. والجَلْعَد: الغليظ. والمَناعة: بلد (٤).
تَحَوَّلَ لونًا بعد لونٍ كأنّه ... بشَفّانِ ريحٍ مُقلِعِ الوَبلِ يَصرَدُ
تَحَوَّلَ لونا: يَقْشعِرّ فيُخرِج باطنَ شَعرَته فيجئ لونٌ غيرُ لَونه، ثم يسكن فيعود لونُه الأوّل. والشَّفّان: الريح (٥) البارِدة. والصَّرْد أشدّ البَرد.
стр. 248
تَحُولُ قُشَعْرِيراتُه دون لوْنهِ ... فَرائصُه مِن خِيفة الموت تُرعَدُ
الفَرِيصة. المُضَيْعة الّتي تحت الكَتِف.
وشَفّتْ مقاطيعُ الرُّماةِ فؤادَه ... إذا يَسمَع الصَّوتَ المغرِّدَ يَصْلِدُ
شَفّتْ: آذت. والشَّفيف: الأَذَى. والمَقاطِيع: السِّهام. والقِطْع: النَّصْل العرِيض. والتَّغْرِيد: رَفْع الصّوت والتطريب. وقوله: يَصْلِد أي يَضرِبُ بيَدِه الصخرة فَتسمع لها صوتا.
رأى شَخْصَ مسعودِ بن سَعْدٍ بكَفِّه ... حديدٌ حديثٌ بالوَقيعةِ مُعْتَدُ
الجديد: الحادّ. والوَقِيعة: المطرقة. والمُعتَد: المهيَّأ. ويروَى أيضا "رأت شخصَ مسعود" قال: أنَّثه جعله شاةً، ثم ذَكَّر فقال: فَجَال، وذلك أنّ الشاة يَصْلُح أن يكون ذَكَرا.
فجالَ وخالَ أنه لَم يَقَعْ به ... وقد خَلَّه سَهْمٌ صوِيبٌ معرَّدُ (١)
قد خَلَّه، أي قد أَنفَذَه صاحبُه كأنّه خِلال (٢)، وهو يَرَى أنه لم يُصِبْه. يقال: عَرَّد سَهْمَه إذا رمى به في السماء. وصَوِيب وصائب واصد، وقَوِيم وقائم واحد، إذا أردتَ مستقيما. عُرِّدَ، أي أُبعِد أي بعيد المَوْقِع.
стр. 249
ولا أَسفَعُ الخَدَّين طاوٍ كأنّه ... إذا ما غدا فى الصُّبحِ عَضْبٌ مهنَّدُ
أَسفَع الخَدَّين ثَوْرٌ بخدّيه سُفْعة، وقد تكون السُّفْعَة من حُمرةٍ إلى سواد. والطاوِى: الخَمِيص البَطْن. عَضْب: قاطِع. يَعنِي سَيْفا مهنَّدا منسوبا إلى الهند.
كأنّ قَراه مُكتَسٍ رازقِيّةً ... جَديدا بها رَقمٌ من الخالِ أَرْبَدُ
قال أبو سعيد: كلّ رقيقٍ من الثيابِ ناعمٍ رازقيٌّ، يعِني أنّ الثور أبيضُ وفيه خطوطٌ سُود. وقوله: أَرْبَد أي فيه رُبْدة، أي ليس بصافي اللّون. والخال: بُرودٌ خُضرٌ فيها خطوط.
* * *
تم القسم الأوّل من ديوان الهذليين، ويليه القسم الثاني وأوّله: "وقال المتنخل واسمه مالك بن عويمر" الخ. وقد رأينا إخراج هذا الديوان في ثلاثة أقسام ويلاحظ أنه قد بقى من شعر ساعدة بن جؤية خمس قطع وردت في نسخة الأصل بعد شعر أسامة بن الحارث أي بعد شعر سبعة من الشعراء الهذليين؛ ولم نضم هذه القطع إلى ما هنا من شعر ساعدة اتباعا لترتيب الأصل، ولأنه قد ورد هناك عند ذكر هذه القطع ما نصّه: "قال في الأم: هذا من غير رواية أبي سعيد جعلناه في هذا الموضع".
والحمد لله ربّ العالمين
стр. 250
ديوان الهذليين
القسم الثاني
ويشتمل على:
«شعر المتنخل، وعبد مناف بن ربع، وصخر الغي، وحبيب الأعلم، وأبي كبير، وأبي خراش، وأمية بن أبي عائذ، وأسامة بن الحارث، وساعدة بن جؤية، وصخر الغي وأبي المثلم، وأبي العيال، وبدر بن عامر وأبي العيال»
стр. 251
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا هو الجزء الثاني من ديوان الهُذَليّين.
نجتزيء في تقديمه، مكتفين بما جاء في مقدمة الجزء الأوّل، فالطريقة هنا هي ذات الطريقة هناك، والمَراجع والمَظانّ في هذا هي هي بعينها نفس المَراجع أو المَظانّ في ذاك.
لم يَبقَ إلّا كلمة نحسبها من أحقّ ما يقال الآن:
لقد كان العمل في إخراج ديوان الهُذَليّين بجميع أجزائه موكولا للشاعر الراوية الأديب الكبير الأستاذ أحمد الزين بوصفه أحد موظفي القسم الأدبي بدار الكتب وإذا به يوافيه القَدَرُ المحتوم وهو لم ينته بعدُ إلّا من إخراج الجزء الأوّل، وإلّا بعد إتمام الملازم السبع الأُول من هذا الجزء.
ويشاء الله أن يُسنَد إنجازُ الباقي من هذا الديوان إلى كاتب هذه السطور فإذا كان من الحق أن أعترف بفضل سَلَفي الصالح، فلعلّه لا يكون من الباطل إذا قلتُ: إنّي لم آلُ المستطاع في انتهاج طريقته، والتزام دستوره الذي أجمله في مقدّمة الجزء الأوّل، حيث يقول:
"فلم ندع تفسيرًا لبيت ولا روايةً فيه إلَّا ذكرناه في حواشي هذا الكتاب منبِّهين على مصدره الّذي نقلناه عنه، كما أنّنا لم نَدَع في هذا الشرح تفسيرًا للفظ غريبٍ إلّا رجعنا إليه فيما بين أيدينا من كتب اللغة، فإن لم نجد هذا التفسير أو وجدنا ما يخالفه نبّهنا على ذلك في الحواشي، وذَكَرْنا عبارة اللغويين في تفسير هذا اللفظ ولم نَدَعْ كذلك بيتا غامضَ المعنى لا يستطاع فهمه إلّا أوضحناه وأبنّا المرادَ منه".
علي أنّي لا أزعم أن الطريق كان معبَّدًا دائما، أو أنّ المَراجع كانت مسعِفةً أبدا.
стр. 252
ففى هذا الجزء الثاني -بالذات، وعلي الأخص- قدرٌ ليس بالقليل لم يكن له مراجع قطّ (انظر الصفحات من ١٩٧ إلي ٢٢٢ من هذا الكتاب).
ولو أن الصعب في قِلّة المراجع فَحسْبُ لهان، وإنما البلاء المبين كان في أفاعيل النسّاخين، وما يجيئون به من التحريف الذي هو أشبه بالتخريف.
أترى هذا البيت؟ لقد أثبتوه هكذا في الأصل:
أضربه ضاخ قبيطا اساله ... فمر فأحلى جوزها فخصورها
في حين أن صوابه إنما هو هكذا:
أَضَرَّ به ضاجٍ فَنبْطَا أُسالَةٍ ... فَمَرٌّ فأعلى حوزِها فخُصورُها
انظر صحيفة ٢١٣ من هذا الجزء.
على أن هذا البيت ليس بالشاهد الوحيد، وإنما هناك من أمثاله شواهد ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾.
وكلُّ ما نرجوه أن نكون قد وفِّقنا في هذا الجزء إلي ما نقصد إليه من إصلاح تحريفاته، وتكميل ما نقص من عباراته، وتفسير غريبه، وشرح ما أَشكَل في جُمَلِهِ وأبياته، وضبطِ ما التبس من ألفاظه، وتحقيق ما اشتمل عليه من أسماء الأماكن والبلاد والقبائل والشعراء، وإخراج ذلك كلِّه على الوجه الصحيح.
محمود أبو الوفا
دار الكتب المصرية
стр. 253
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وقال المتنخِّلَ -واسمه مالك بن عُوَيمرٍ بن عثمان بن سُوَيد بن خُنَيس بن خُناعة ابن عادية بن صَعْصَعة بن كعب بن طانجة بن لِحْيان بن هُذَيل بن مُدرِكة بن إلياس ابن مُضَر-:
هل تعرف المَنزلَ بالأَهْيَلِ ... كالوَشْم في المِعصَم لم يَجمُلِ (١)
قال أبو سعيد: الأَهْيَل مكان. وقوله: "لم يجمل" يقول لم يُوشَم وَشما جاملا (٢) أي لم يُجعَل جاملا جعلا ىلىا (٣)، ومن قال: يَخمُل، أراد لم يَدْرُس.
وَحْشا تُعَفِّيه سَوافى الصَّبا ... والصيفُ إلّا دمَنَ المَنزِل
السوافي: ما تَسْفِي الريحُ، أي ريح الصِّبا. والصبا أكثر في الشتاء. وأراد مطرَ الصّيف (٤) فقال: والصيفُ؛ كما قالوا: ميِّت ومَيْت؛ ويقال: هيِّن وهَيْن،
стр. 254
وليّن ولَيْن، يثقَّل هذا ويخفَّف. وقوله: إلا دِمَنَ المنزل. يقول: إلا أنّ الدِّمْنة بقيتْ. والدِّمْنة: آثار الناس وما سَوَّدوا (١) بالرَّماد وغيرِ ذلك، فيقول: بقى آثارُ البول والبعر، وهي الدِّمَن؛ يقول: قد عفَت الريحُ آثارَ الناس وبقيتْ دِمَن المنزل.
فانْهَلَّ بالدمع شؤونى كأنّ ... الدمع يَسْتبدر من مُنْخُل
يقال: إنّ معظم الدمع يجري من شؤون الرأس حتى يسيل من العينين، وهو (٢) التلاؤم الذي بين العظام. وانهلّ: سال وانصبّ. ويَستبدر: يخرج من مُنخُل من سرعته.
أو شَنّةٍ يَنفَح من قَعرِها ... عَطٌّ بكفَّي عَجِلٍ مُنْهِلِ
شَنّة: قِرْبة انشقّت. يَنفَح، يَنفَح الماءُ، والنَّفْح ليس بسَيَلان، ولكنّه مِثل نفحة السيف. ومنه قولهم: طعنةٌ نَفوح، تَدفع بالدم دَفعا، يَخرج كأنه ضَرْب خفيف؛ ويقال للشاة إذا مشت فخرج اللّبن من ضَرْعها: نَفوح. وإذا أخلق الجِلدُ قيل: صار شَنّة. وعَطٌّ: شَقٌّ. من قعرها، يقول: من أسفلها.
ومُنهِل: مُعطِش، أي إبِله عِطاش، أو يبادِر قوما عِطاشا.
تَعنُو بمَخْروتٍ له ناضحٌ (٣) ... ذو رَيِّقٍ يَغذو وذو شَلشَلِ
стр. 255
تعنو بمخروت، أي تُخرِج به. والمخروت والمشقوق واحد. والخَرْت: الخَرْق.
ويَغذو: يسيل. قال: وإذا قيل كذا وكذا كأنه يهتر (١)، فهو يغذو؛ قال الشاعر:
أُبْذِى إذا بُوذيتُ من كلبٍ ذَكَر ... أعقدَ (٢) يغْذو بولهُ على الشجرْ
تعنو، يقول: عنتْ به، أي تسيل به وتُخرِج به. قال أبو سعيد: ومِثلُه قول ذي الرمّة:
ولم يَبقَ بالخَلْصاء ممّا عنت به ... من الرّطب (٣). . . . . . . .
والرَّيِّق: ناحية المطر وليس بمعظمه، فهذه المزادة يَخرج منها الماء قليلا قليلا مشلشَلا، متفرقا، وهو قوله: ذو شَلشَل، وتَخرج من ثُقْب آخر متصلا ممتدّا يهتر (١)، فَضَرب هذا الذي يَخرج من هذه المزادة مَثَلا لما يخرج من عينه من الدمع، كما قال الراجز (٤):
* ما بال عيني كالشَّعيب (٥) العَيِّن *
ويروى أيضا:
* ما بال عيني كالشَّعيب العيَّنِ *
ذلك ما دِينُك إذ جُنِّبتْ ... أحمالهُا كالبُكُر المُبتِل
стр. 256
دِينك، أي دأبك. إذ جُنِّبت أحمالُها: أخذتْ أحدَ الجانبين. والبُكُر: ما بَكَّر من النخل، والواحدة بَكور. والمُبتِل: الذي قد بان من أمّهاته (١)، والواحدة مُبتِلة.
يقول: كأنّ أظعان هذه المرأة نخلٌ قد بان منه فَسِيلُه (٢). ومِثلُه قول الآخَر:
كأن أظعانَ مَيٍّ إذ رُفِعن لنا ... بَواسقُ النخل مِن يَبرينَ أو هَجَرا
عِيُرٌ عليهنّ كِنانيّةٌ ... جاريةٌ كالرَّشَإِ الأكحَل
الرشأ: الظبي الصغير. يقول: هي مثل الرشإ الأكحل في حسنه.
كالأَيم ذي الطُّرّة أو ناشيء الـ ... ـبَرديِّ تحت الحَفَإِ (٣) المُغْيِلِ
ناشيء البَرْدِيّ: صِغاره. والأَيْم: الحيّة الّتي لها مِثلُ الخُوصتين (٤) في جنبها، يقال لها: ذو الطُّفْيتَين. والمُغْيِل: الذي في الغَيْل، وهو الماء السَّحُّ. والغِيل: الشجر أيضا، ففي أيّهما كان جاز. والغَيْل: الماء الّذى يجري بين ظَهرَي الشجر.
стр. 257
تَنكَلُّ عن متِّسقٍ ظَلْمُه ... في ثغرِه الإثمِدُ لم يُفلَلِ
تنكّل: تَضحك. ويقال: انكلّ انكِلالا، إذا تبسّم. عن متّسق، أي مستوٍ. والظَّلمْ: ماء الأسنان، يقال: ظَلمُه مطّرد بعضه في بعض، جميعٌ ليس فيه شيء دون شيء. في ثغره الإثمد، يقول: في أصوله سواد كالإثمد. لم يُفلَل: لم ينكسر ولم يَكْبَر، وهي أسنان من أسنان شباب لم يَطُل الأكلُ عليها ولم يكسرها حدّ الزمان.
قال: وتُغرَز اللِّثةُ بإبرة ثم تُسَفّ بالإثمِد فيها، وهو النَّؤور.
غُرِّ الثَّنايا كالأَقاحي إذا ... نَوّر صُبحَ المطرِ المُنجَلِي
المنجلي: المنكشِف. يقول: قد انجلى المطرُ عنه وطلعتْ عليه الشمس وانقشع عنه الغَيْم. فيقول: كأنّ أسنان هذه المرأةِ أُقحُوان صبَّحه المطر. يقول: بعد ما قد غسل عنه المطرُ الترابَ. ومثله للذبيانيّ:
كالأُقحوان غداةَ غِبِّ سمائه ... جَفّت أعاليه وأسفلُه ندِى
ومثله أيضا:
إذا أخذَتْ مِسواكَها صقَلتْ به ... ثنايَا كنَوْر الأُقْحوُان المهطَّلِ
المهطّل: الذي مسّه الهَطْل، وهو الخفيف من المطر. ومثله:
ذُرا أُقْحُوانٍ راحَهُ الليلُ وارتقَى ... إليه الندى من رامةَ المتروِّحُ (١)
стр. 258
ومثله أيضا.
تَبسَّمُ عن أحوَى اللِّثاتِ كأنّه ... ذُرا أُقْحُوان مِن أَقاحي السَّوائفِ (١)
ومثله أيضا:
تَبسَّمَ لمحُ البَرْق عن متوضِّحٍ ... كَلوْنِ الأَقاحِي شافَ ألوانَها القَطْرُ
شافَ، أي جلا.
هل هاجك الليلَ كليلٌ على ... أسماءَ من ذي صُبُرٍ مُخْيِلِ
كليل: برق ضعيف لأنه يجيء من مكان بعيد. علي أسماء أي من نَحْو دار أسماء. مُخْيل، أي مُخِيل للمطر. مِن ذي صُبُر أي من سحابٍ ذي صُبُر، والصُبُر جمع صَبِير، والصَّبِير: الغيم الأبيض. والصَّبير جمعه صُبُر، مثل كثيف وكُثُف، وقضِيب وقُضُب. وقوله: مُخْيِل، أي سحاب ذو مُخِيلة للمطر.
أنشأَ في العَيقةِ يَرمي له ... جُوفُ رَبابٍ وَرِهٍ مُثقَلِ
العَيْقة: ساحة من ساحات البر والبحر. والجُوف: العظام الكثيرة الأخذ، ويقال رجل أجوَف أي عظيم البطن. والوَرِه: المتساقِط، كأنّ به هَوَجا مِثلَ الإنسان، بقال: رجل أوْرَه وامرأة وَرْهاء. يقول: فهذا غَيْم هكذا يمضي متساقطا. وأنشأ: بدأ. ورَباب: سحاب.
فالتَطَّ بالبُرْقة، شُؤبوبُه ... والرّعدُ حتى بُرْقة الأجوَل
стр. 259
يقول: التَّطَّ سُتِر. يقول: أَخذ السماءَ كلَّها ببرق وبرعد، حتي التَطَّ هذا السحابُ حتي لا ترى من السحاب (١) شيئا إلا كلّما برَقت بَرْقة، أي كأنه ستَر السماءَ بارقا وراعدا. وشُؤْبُوبُه، مَطْرةٌ ودَفْعة شديدة ليست بعريضة. وبُرْقة الأَجْوَل: موضع.
أسدَفُ منشَقٌّ عُراهُ فذو الـ ... إِدماثِ ما كان كذي المَوْئلِ
الأَسَدف: الأسوَد. وقوله منشَقّ عُراه، يقول: كأنّ عُرا هذا السحابِ قد انشقّتْ من كثرة مائه؛ وعُراه: نواحيه. يقول: نواحي هذا السحاب انبعجتْ بالماء. وهذا مَثَل ضرَبَه من غُزره، وهو مِثل قول الشاعر:
* وَهتْ أعجازُ رَيِّقِه فحارا *
يقول: وهت بالماء. ويقال: غَزُر السحابُ الأسوَد. وهذا مثل قول امريء القيس بن حُجْر:
* أَلَّح عليها كلُّ أسودَ هَطّالِ *
قال أبو سعيد: وسمعتُ أعرابيّا يقول: إذا رأيتَ السحابةَ كأنّها بطنُ أَتانٍ قَمراءَ (٢) فهي أغزر ما تكون. وقوله: فذو الإدماث ما كان كذي الموئل، الموئل: المَلجأ من هذا المطر. يقول: من كان بدَمِثٍ من الأرض ومن كان بنَجْوةٍ فهما سواء لا يُحرِزهما من هذا المطر شيء، قد علا هذا السيلُ على كلّ شيء. يقول: الذي صار في مَعقِل قد غشيه، وهذا مِثلُ قول أَوْس بن حَجَر:
стр. 260
فمَن بنجوَتِه كمن بمَجْفِله ... والمستكِنّ كمن يمشي بِقرْواحِ (١)
والدَّمِث: المكان السهل الذي ليس بمرتفِع. والموئل: المَلجأ من هذا الغيث، وهو المرتفِع. يقول: صارا سواءً. يقول: ما كان من شيء حمار أو سَبعُ فهو كذي الموئل؛ يقول: إن الذي وَأَلَ واعتصَمَ بشيء من المطر مثل الذي في الدمث لا يُحرِز هذا مكانُه ولا يغني عنه شيء.
حارَ وعَقّت مُزْنَه الرِّيحُ وانـ ... ـقارَ به العَرضُ ولم يُشمَلِ
حار: يريد تحيَّرَ وتَردّد. وعَقّت: شَقّت الريحُ سحابَه. وانقارَ، يقول: انقطعت منه قِطعةٌ من عَرضه، وهي لغةٌ لهم؛ ومنه قولهم: قَوَّر الأديمَ إذا قطعه. وقوله: ولم يُشمَل، أي لم تُصِبه شَمال فيذهبَ كلُّه. يقول: هو يُمطِر على حاله.
مستبدِرا يَزْعَب قُدّامَه ... يَرمى بعُمِّ السَّمُر الأطوَل
قوله: يزعب، أي يمضي يتدافع؛ يقول: يمضي متدافعا. قدّامه أي أمامه.
ويزعب أيضا يَملأ. ويروى يَرْعَب. وواد مَرْعوب أي مملوء. والعُمّ: الطوال.
والعُمّ: مثل العميم (٢). والسَّمُر: شجر طوال وله شوك صغار، يعني أن السيل قلَع الشجرَ ومضى به قُدُما، ومثله:
* يَكُبُّ علي الأذقان دَوْحَ الكَنَهبُلِ (٣) *
стр. 261
ظاهَرَ نَجْدا فتَرامَى به ... منه تَوالِى ليلةٍ مُطفِل
ظاهَرَ نجدا، أي علا نجدا. وتَوالى ليلةٍ: مآخيرُ ليلة. ومطفِل، يقول: فيها نشأ الغيمُ وأَمطَر، أي هي حديثة عهد بماءٍ مِثلُ الحديثة العهد بالولد؛ ويقال: شاة مُطفِل إذا كانت حديثةَ العهد بالولادة.
للقُمْر من كلّ فَلًا نالَه ... غَمغمةٌ يَقزَعن كالحنظلِ
القُمْر: الحمير. غَمغَمة: صوت. يَقْزَعْن: يمررن في السير مرا سريعا. والحنظلة إذا يبستْ طَفَت فوق الماء فمرّت في السيل مرّا سريعا. ويقال: مرَّ يقزَع ويَمصَع ويَهَزع ويَمزَع إذا مرّ مرّا سريعا. ويروى: "من كلّ فلًا نالَه". "ومن كلّ مَلًا" والملأ: المكان المستوى؛ فشبّه الحميرَ في كل مكان أصابه هذا المطر بالحنظل اليابس إذا مرّ فوق الماء يتدحرج. قال: ويقال فلاة وفلًا وفلَوات وفُلِي. والقَزْع والمَصْع والهَزْع والمَزْع: المرّ السريع، يقال للفرس: هو ممزَع إذا كان من عادته أن يمرّ مرا سريعا؛ قال الشاعر (١): "سَفْواء (٢) مِمْزَع".
فأصبَح العِينُ رُكودا على الأَ ... وْشازِ أن يَرسخن في المَوْحِلِ
стр. 262
العِين: البقر. ركودا أي قياما. والأوشاز والأنشاز: الأمكنة المرتفعة.
وقوله: أن يرسخن في الموحِل، أي يدخلن. يقول: أصبحن قد اعتصمن بتلك الأوشاز أن يَغرَقن في الموحِل. يروى: مَوْحَل ومَوْحِل.
كالسُّحُلِ البِيضِ جلا لونَها ... سَحُّ نِجاءِ الحَمَلِ الأَسْوَلِ
السُّحُل: ثياب بيض، واحدها سَحْل. جلا لونها، يقول: جلا لونَ هذه الحمير (١) سحابةٌ، وكلّ سوداءَ من السحاب تسمَّى حَمَلا (٢). والأسوَل: المسترخِي أسفل البطن، والاسم السَّوَل؛ وإنما هذا مَثَل. والنِّجاء مكسور الأوّل، وهو السحاب؛ (٣) يقول: الحُمُر كالثياب البيض.
أَرْوَى بجِنّ العهدِ سَلمَى ولا ... يُنصِبْكَ عهدُ المَلِقِ الحُوَّلِ
قال: دعا لها بالسُقيا أي سقاها الله هذا المطر (٤) أوّلَ عهده (٥)، تقول: فعل ذلك بجِنّ العهد أي بحِدْثانه. ويقال: خذ هذا الأمر بجِنّه وإبّانِه، أي خذه بأوّله. قوله:
стр. 263
بجِنّ العهد أي بحِدْثانه. يقول: سقاها الله بهذا لأنها تَثبت وتدوم. وقوله: لا يُنصِبْك، دعاء له. يقول لا تَعبَأنّ به ولا تحزن به. والحُوَّل: الكثير التحوّل.
ويُروَى المَذِق. والحُوَّل والمَذِق: الّذي في كلامه مَذَق وليس بخالص.
دَعْ عنك ذا الألْسِ ذميما إذا ... أعرَضَ واستبدَلَ فاستبدِلِ
الأَلْس: الخيانة. وقد ألَس يألِس أَلْسا. وهي المؤالسة. ويقال في الكلام: ولا مؤالسَة ولا مدالَسة، فالمدالسة أن يجيء بالشيء مظلِما. والمؤالَسة: الخيانة وقال الشاعر (١):
* هم السمنُ بالسَّنُّوت (٢) لَا ألْس فيهمُ *
يقول: لا خيانة. وذميم، أي مذموم. إذا أعرض، يقول: إذا أعرض عن الودّ.
واسل عن الحبّ بمضلوعةٍ ... تابَعَها البارِى ولم يَعجَلِ
بمضلوعة، أي بقوس ضليعة، وهي الشديدة (٣). وقوله: تابعها، أي تتَبَّع ما فيها.
وباريها هو الذي جعلها مطرورةً متتابعةَ العمل. ولم يعجل فيها، قام عليها قياما حسنا.
ويروى "بمبضوعة" أي بمقطوعة من شجرتها؛ وهذه الرواية أجوَد عند أبي العباس.
كالوقفِ لا وَقْرٌ (٤) بها هَزْمُها ... بالشِّرْع كالخَشْرَم ذي الأزْمَلِ
стр. 264
الَوقْف: الخَلخال والسِّوار. وهَزْمُها: صوتها. والشِّرْعة: الوَتَر، والجماع الشِّرَع.
والخَشرَم: النحل، أي الزنابير الكبار، ويسمَّى الدَّبْرَ أيضا. والأزمَل: الصوت.
من قَلبِ نَبْعٍ وبمنحوضةٍ ... بيضٍ ولَيْنٍ ذَكَر مِقصَلٍ
من قلبِ نبع، أي من خالصِ نبع. وبمنحوضة، أي نَبل قد أُرهفتْ نِصالُها.
وليْن: لين. يقول: ليس بكَزّ.
منتخَب (١) اللُّبّ له ضربةٌ ... خَدْباءُ كالعَطِّ من الِخذْعِلِ
منتخَب، أي منخوب اللُّب. يقول: ذهب عقلُه. يقول: كأنه ليس له عقل مِن مَرِّه لا يتماسك. والخدب: الاسترخاء (٢)، وركوبٌ من الرجل (٣) لرأسه، وهو مِثلُ الهوَج. والعَطّ: الشقّ. والخِذْعِل: المرأة الحمقاء. ويقال: رجل فيه خَدَب إذا كان يركب رأسَه. ويقال: هذه الحمقاءُ لا تداوِي الشَّق, تدعه كما هو.
أفلَطَها اللّيلُ بِعيرٍ فتسـ ... ـعى ثوبُها مجتنِبُ المَعْدِل
أفلطها: فاجأها بِعير تَحمل بعضَ ما تحبّ هذه المرأة الرَّعْناء. وقوله: مجتنب المعدل، أي اجتنبت الطريقَ فمرّ ثوبُها بشجرة فشقّقتْه.
أبيضُ كالرَّجْعِ رَسوبٌ إذا ... ما ثاخَ في محتفَل يَختلِى
стр. 265
الرجع: الغدير فيه ماء المطر. والمحتفَل: معظم الشيء. ومحتفَل الوادي: معظمه.
وثاخ وساخ واحد، أي غاب. يختلى: يَقطع. والرَّسوب: الّذي إذا وقع غَمُض مكانُه لسرعة قَطْعِه.
ذلك بَزِّي وسَليهمْ إذا ... ما كَفتَ الحَيشُ عن الأرجُلِ
كَفَتَ: شَّمَر. والكَفْت: الرفع. ويقال: اِكفِتْ ثوبَك إليك أي ارفعه إليك. والحَيْش: الفزع نفسُه. ويقال: وقع في الناس كَفْت إذا وقع فيهم موت وقبض. ويقال: انكفِتْ في حاجتك، أي انقبِض فيها. ويقال: رجل كفيتُ الشدّ إذا كان سريعا. ويسمى بقيع الغَرْقَد كَفْتة, لأن الناس يُدفَنون فيه.
هل أُلحِقُ الطعنةَ بالضربة الـ ... ـخَدْباءِ بالمطّرِد الِمقْصَلِ
الخدباء: أخَذَها من الأخدَب، وهو الأهوَج (١) المتساقط. والمقصل: القاطع.
ومن رَوَى (مِخْصَل) أي يقطع الخُصْلة من اللحم.
مما أقضِّي ومحَارُ الفتى ... للضُّبْع والشَّيبة والمَقتَل
مَحارُ الفتى: مصيرُه ومرجعه. للضُّبع، إذا مات نبشتْه الضَّبعُ. يقول: فهو للموت أو للهَرَم أو للقتل. والضُبْع: جمع ضِباع.
إن يُمسِ نَشوانَ بمصروفةٍ ... منها بِرِيٍّ وعلى مِرْجَلِ
بمصروفة، يعني بخمر شربَها صِرْفا علي لحم. قوله: بِرِيٍّ أي بِرِيٍّ من هذه الخمر.
وعلى مِرْجَل أي على لحم في قِدْر.
стр. 266
لا تَقهِ الموتَ وقيّاتُه ... خُطَّ له ذلك في المَحْبَلِ
ويُروى المَحبِل بالكسر، قال أبو سعيد: إن أراد حين حملتْ به أمّه فهو في وقت الحبل في المحبَل مفتوحة، وإن كان يريد الموتَ قال: المَحبِل بالكسر (١). قال: وهو الكتاب حيث تَحبِله المنيّة؛ والرواية بالفتح.
ليس لميْتٍ بوَصيلٍ وقد ... علِّق فيه طَرَفُ المَوْصِل
يقول: ليس (٢) الحيُّ بمتّصل بالميّت؛ يقول: الميّت قد انقطع، فذهبتْ منه مُواصَلتُه. وقد عُلِّق فيه السبب الّذي يصير به إلى ما صار الميّت؛ يقول: قد عُلِّق فيه الأجل، فهو يستوصِله إليه أي إلى الموت. يقول: هو اليوم حيّ. يريد أن يصيِّره إلى الموت، فكأنه متعلِّق به وإن كان قد فارقه. والوَصِيل: الذي بينه وبين صاحبه متّصَل. قال: والوَصول الّذي يصل وليس بينه وبين صاحبه صِلة، وأنشد أبو سعيد:
стр. 267
* وليس لمَيْتٍ هالكٍ بوَصِيلِ (١) *
يدعو له بالبقاء أي لا جُعلتَ بمتّصِلٍ إلى الموتى.
أَوْدَى إذا انبتّتْ قُواه فلمْ ... يَرْكَب إذا ساروا ولم ينَزِل
أودى: مات. إذا انبتّت قُواه، إذا انقطعتْ أسبابه.
(وقال أيضا)
لا دَرَّ دَرِّيَ إن أَطعمتُ نازِلَكُمْ ... قِرْفَ الحَتِيِّ وعندى البُرُّ مكنوزُ
يقول: لا رُزقتُ الدَّرَّ، كأنه قال ذلك لنفسه كالهازئ. وقِرْف كلِّ شيء ما قُرِف يعني قِشَره. والذي يُقلعَ عنه يؤكل. والحَتيُّ: المُقْل (٢)، وهو الدَّوْم.
لو أنه جاءني جَوْعانُ مهتلكٌ ... من بُؤَّس الناسِ عنه الخيرُ محجوزُ
ويروى: "عنه الخيرُ تعجيز" قوله: مهتلِك أي يهتلك على الشيء لا يتمالك دونَه (٣)؛ وتعجيز: تقصير. ومحجوز: حُجِز عنه، وسمعتُ "مِن جُوَّع الناسِ"، حِيل بينه وبينه فلا يَقدِر عليه. والرواية محجوز.
أَعيَا وقَصَّر لمّا فاته نِعَمٌ ... يبادر الليلَ بالعَلياء مَحْفوزُ
стр. 268
قال: يقول: كان مع نِعَم ففاتتْه وأَعيا عنها. ويُحفَز: يُدْفَع من خَلْفِه؛ وكل مكان مرتفِع عَلْياء.
حتّى يجئَ وجِنُّ (١) الليل يوغِلُه ... والشَّوْكُ في وَضَحِ الرِّجْلين مَرْكوزُ
يُوغله: يُدخله ويُقْدِمه إلى الناس. يقول: يُوغِله إليهم؛ ويقال: أَوْغَل في الأرض إذا أَبعَد. وجِنُّ الليل وجِنّانُه: ما أَلبَسَك (٢) منه، وهو معظمه. ووَضَح الرجلين: بياضهما من أسفلهما.
قَد حال دون دَرِيسَيه (٣) مؤوِّبةٌ ... نِسْعٌ لها بعِضاه الأرضِ تهزيزُ
مؤوِّبة: ريح جاءت مع الليل. ونِسْع ومِسْع: اسم من أسماء الشِّمال.
والعِضاه: كلّ شجر له شوك.
كأنّما بين لحَييه ولَبَّتِه ... مِن جُلْبة الجوع جيّارٌ وإِرزِيزُ
قال: يقال أصاب الناسَ جُلْبة أي أزمة. والجُلْبة: السنة الجَدِيبة. والجيّار: حَرٌّ يَخرج من الجوف. قال أبو سعيد: وأراد بجيّار جائرا، ولكنّه حوّل الهمزة؛ ويقال: إن للسّم جائرا أي حرارة في الجوف؛ وأنشد لوَعْلة الجَرْميّ:
* ينازِعني من ثُغْرة النحرِ جائرُ *
وهو حَرّ ووَهَج في صدره من الجوع والجَهد. والإرزيز: الشيء يغمِزه (٤).
стр. 269
لَباتَ أُسوةَ حَجّاجٍ وإخوتِه ... في جَهدنا أو له شِفٌّ وتمزيزُ
يقول: بات أُسوةً أي لو كان ضيفا (١)؛ ويقال كذا وكذا أَمَرُّ مِن كذا وكذا أي أفضل. والشَّفّ: الفَضْل؛ وبعضهم يجعل الشَّفّ النقصان، وهو ها هنا الفضل. وتمزِيز، أي له مِزّ فوق ذلك وفضل وقِرًى أفضل مما لغيره، كما تقول: فلان أمزّ مِن فلان، أي أقوى مِنه وأشد:
يا ليته كان حظّى مِن طعامكما ... أَنِّي أَجَنَّ سوادِى عنكما الجِيز
الجِيز: شِقّ الوادي الذي أنت في غيره (٢)؛ ويقال: نحن بهذه الجِيزة وفلان بالجِيزة الأخرى. قال أبو سعيد: وأهل الطائف يسمّون الشِّقّ الذي ليس فيه المسجد جِيزا.
إنّ الهوان فلا يَكذِبكما أحدٌ ... كأنه في بياض الِجلد تحزِيز
يقال (٣): إذا أهين الرجل فكأنما جِلدُه يُحَزّ، أي يجد وجعَه كما يجد وجعَ حزٍّ في جسدِه.
يا ليت شِعرى وهَمُّ المرءِ يُنصِبه ... والمرء ليس له في العيش تحرِيز
يقول. ليس له حِرز من الموت. يُنصِبُه: يُشخصُه (٤).
هل أجزِينّكما يوما بقَرضِكما ... والقَرْض بالقرض مَجزِيٌّ ومَجْلوزُ
стр. 270
يقول: هو مَجْلُوز به، أي مربوط به حتى يُجزَى (١) به ويقال: جَلَزَ على صَدْعِ قوسِه عَقَبةً، وجَلَزَ عِلْباءَ أعلى الرمح؛ وأنشد للشّمّاخ:
* وصفراءَ من نَبْعٍ عليها الجَلائزُ (٢) *
وقال أيضا
عَرفتُ بأجدُثٍ فنِعافِ عرْقٍ ... علاماتٍ كتَحْبير النِّماطِ
أَجْدُث ونِعاف عِرق، قال أبو سعيد: هي مواضعُ. والنِّماط جمع نَمَط كتحبير: كتنقيش.
كوَشْم المعْصَم المُغْتالِ عُلَّتْ ... نَواشِرُه بوَشْمٍ مُستشاطِ
الوَشْم: أن يوشَم الذراع واللِّثة بالإبرة ثم يُحْشى نَؤُورا. فيقول: كأن آثارَ هذه الديار وَشْمٌ في مِعْصَمٍ مُغْتال، كما قال زهير:
ودارٍ لها بالرَّقْمَتَين كأنّها ... مَراجِعُ وَشْمٍ في نَواشِرِ مِعْصَمِ
والمِعصَم: موضع السِّوار من الذراع. والمُغْتال: الممتلئ. ويقال: مِعْصَم غَيْلٌ ومُغال (٣) ومُغْتال إذا كان رَيّانَ ممتلئا حَسَنا. ونَواشِرُه: عَصَبُه، وهو العصب الذي في باطن الذراع. عُلَّت، يقول: وُشِم مرّة بعد مرّة أخرى، وهذا مَثَل.
стр. 271
والنَّهَل: الشربة الأولى، والعَلَل: الشربة الثانية، فيقول: هذا المِعصَم لم يُوشَم وَشْما مُخْمَلا. ومستشاط: اُستُشِيط، أي صار في النواشر رفسا (١) كأنه غَضِبَ وحَمِيَ وهذا مَثَل، أي حُمِل على أن يستشيط، ويقال: ناقة مستشاطة إذا كانت سريعةَ السِّمَن.
وما أنت الغداةَ وذكرُ سَلْمَى ... وأضحى الرأسُ منك إلى اشمِطاط
كأنّ على مَفارِقِه نَسِيلًا ... مِن الكتّان يُنزَع بالمشاط
من الكتّان، يقول: مِثلَ ما يُسرَّح من الكتّان. يَنسِل منه أي يَخرج، وإنما أراد بياضا إلى صُفْرة.
فإِما تُعرِضينَ أُمَيْمَ عَنّي ... ويَنزِعُكِ الوُشاةُ أُولو النِّباطِ
يَنْزِعُك: يَوَدُّونَكِ ويُقَرِّضُونِك (٢). والنِّباط (٣): الّذين يسَتنبِطون الأخبار ويستخرِجونها.
فحُورٍ قد لهوتُ بهنّ وَحْدِي ... نَواعمَ في المُروطِ وفي الرِّياطِ
ويروى "لَهَوْتُ بهِنّ عينٍ" الحُورُ: الشديدة بياض الحَدَقة الشديدةُ سوادِها. والعِين: البقر الضخام (٤). قال: وإنّما شَبَّه البقر (٥) بالنساء.
стр. 272
لَهَوْتُ بهنّ إذ مَلَقِى مَليحٌ ... وإذ أنا في المَخيلة والشَّطاطِ
مَلَقِى: لِين كلامي، وهو التملّق. وشَطاطُه: طوله قبل أن يَكبَر فيتقبَّضَ جلْدُه ويَحْدَوْدِبَ ظهرُه، ويدنوَ بعضُه من بعض. والشَّطاط: حُسن القوام. والمَخيلة: الخُيَلاء.
أَبِيتُ على مَعارىَ فاخِراتٍ ... بهنّ مُلوَّبٌ كدَم العِباطِ
يقول: أَبِيتُ أتعلَّل بمَعارِيها، والواحدُ مَعْرَى (١)، وهو مِثلُ قولك: بتّ ليلتِي في اللهو، تريد على اللهو. والملوَّب. . . . . المَلاب (٢). والعِباط: جماعةُ العَبيط، والعَبِيط: ما ذُبح أو نُحِر من غير مَرَض فدُمه صافٍ، وأنشد لأبي ذؤيب:
فتَخالَسَا نَفْسَيْهِما بنوافِذٍ ... كنوافِذِ العُبُطِ الّتي لا تُرقَعُ
وأنشد:
من لم يمت عَبْطًا يمتْ هَرَما ... الموت كأسٌ والمرء ذائقُها
يقال لهنّ من كَرَمٍ وحُسْنٍ ... ظباءُ تَبالةَ (٣) الأُدْمُ العَواطِي
العَواطي: اللّواتي يتناولن أطرافَ الشّجر، والواحدة عاطية، ومِن هذا قولهم: هو يَتعاطى كذا وكذا أي يتناول.
стр. 273
يُمشِّي بينَنا حانوتُ خَمْرٍ ... من الخُرْس الصَّراصرة القطاطِ
يقول: يُمشِّي بيننا صاحبُ حانوتٍ مِن خمر. وقوله: من الخُرْس الصَّراصِرة يريد أَعجَمَ من نَبط الشام يقال لهم الصَّراصرة. والقِطاط: الجِعاد، والواحد قَطَط وهو أشدّ الجُعودة.
رَكُودٍ في الإناء لها حُمَيَّا ... تَلَذُّ بأخذها الأيدِي السَّواطِي
رَكودٍ في الإناء، أي صافية ساكنة. وحُمَيّاها: سَوْرَتُها. والسَّواطي: التي تسطو إليها (١)، وهي المتناوِلة، والواحدة ساطِية.
مشعشَعة كعين الدِّيك ليست ... إذا ذِيقَتْ من الخلّ الخِماطِ
المشعشعة: الّتي قد أُرِقَّ مَزْجُها، والخَمْطة: التي قد أَخذتْ ريحا ولم تستحكِم، لم تَبلغ الحُموضةَ بعد؛ ويقال: لبن خَمِيط وسَقِيط، فالسَّقِيط: الذي قد حَمُض وفَسَد، والخَمِيط: الذي قد أَخذ رِيحا ولم يَفْسُد، وأنشد لأبي ذؤيب:
. . . . . . . . ليست بخَمْطةٍ ... ولا خَلّةٍ يَكوِى الشُّروبَ (٢) شِهابُها
فلا والله نادَى الحيُّ ضَيْفي ... هُدوءا بالمسَاءةِ والعِلاطِ
يقول: لا واللهِ لا ينادِي الحيُّ ضَيْفي بعد هُدوءٍ بالمَساءة. والعِلاط، يقال: عَلَطه بشّر أي تَرَكَ عليه مِثلَ عِلاط البعير (٣)، وأنشد:
стр. 274
لأعلِطنّ حَرْزَما بعَلْط ... بِلِيته عند بُذوحِ (١) الشَّرْطِ
حَرْزَم رجل.
سأبْدَؤهمْ بمَشْمَعةٍ وأَثْنِي ... بجُهْدِي مِن طَعامٍ أو بِساطِ
بمَشْمَعة أي بِمزاح ولعِب ومُضاحَكة؛ ويقال: امرأة شَموع أي ضَحوك ولَعوب، وأَثْنِي بأن أبْسُط لهم بِساطي وأُطْعِمَهم طعامي؛ وإنما سمى المُزاح مُزاحا لأنه أُزِيحَ عن الجِدّ.
إذا ما الحَرْجَف النَّكْبَاءُ تَرمى ... بُيوتَ الحيِّ باِلوَرَق السِّقاطِ
الحَرْجَف: الريح الشديدة تَرمِي بوَرَق الشجر بيوتَ الحيّ. يقول: تُسقِط ورقَ الشجر على البيوت من شدّتها.
وأُعطِي غيرَ مَنْزورٍ تِلادي ... إذا التَطّت لَدَى بَخَل لَطاطِ (٢)
التَطَّتْ: سَتَرتْ. ومَنْزُور: أن يُسأَل ويُكَدَّ فلا يَخرج منه شيء.
وأَحفَظُ مَنصِبي وأصونُ عِرْضي ... وبعض القوم ليس بذي حِياطِ
وأكسو الحُلّةَ الشَّوْكاءَ خِدْني ... وبعضُ الخيرِ في حُزَنٍ وراطِ
стр. 275
الشَّوكاء: الجديدة. قال: وبعض الخير لا يخرج سهلا وأنا يخرج ما عندي سهلا. والوَرْطة: الموضع الذي يقع فيه الرجل فلا يقدر أن يخرج منه، وبعض الخير يكون في موضع إن طلبته لم تقدر عليه (١).
فهذا ثَمّ قد عَلِموا مكانِي ... إذا قال الرقيب ألا يَعاطِ
يقول: إذا خاف ألاّ يدركهم حتّى يغشاه القومُ صاح وعَطْعَط. ويَعاط، من العَطْعَطة أي صوّت (٢).
ووجهٍ قد طَرقتُ أُمَيْمَ صافٍ ... أَسيلٍ غيرِ جَهْمٍ ذي حَطاطِ
يريد صافي البَشَرة. أَسِيل: سهل لم يَكثُر لحمُه حتى يتبثّر. والحَطاط: البَثْر (٣).
وعاديةٍ وَزَعْتُ لها حَفيفٌ ... حَفيفَ مُزبِّدِ الأعرافِ غاطِي
عادية: حاملة، قوم يَحمِلون في الحرب. وزَعْتُ: كَفَفْتُ. لها حفيف مِثلُ صوت السَّيْل له زَبَد وأَعراف. وغاطِي: مرتفِع. والأعراف: السيل إذا أَزبَد يُرَى له مِثلُ العُرْف.
تَمُدُّ له حَوالبُ مُشْعَلاتٌ ... يجلِّلهن أقمرُ ذو انعِطاط
стр. 276
يقول: هنّ متفرّقات يجئن من كلّ حَرّة ومن كلّ مكان. أقمر: سحاب أبيض.
قال: وإذا رأيتَ للغيث (١) حوالبَ من أمكنةٍ كأنّه بطن أَتانٍ قَمْراء فذلك الجَوْد.
وقوله: تُمَدّ له حَوالب أي هذا السيل. حَوالب: دوافع. مشعَلات: متفرّقات.
ذو انعِطاط: ذو انشقاق، ينعطّ بالماء، أي ينشقّ.
لَفَقْتُهمُ بمثلِهمُ فآبوا ... بهم شَيْنٌ من الضَّرْب الخِلاط
الشَّين: آثارٌ تَبقَى قبيحةً. والخِلاط: المخالطة، أي خالَطَ بعضُه بعضا.
بضربٍ في الجَماجم ذي فُروغٍ ... وطَعْنٍ مثل تَعْطيطِ الرِّهاطِ
الرِّهاط: أُزُرُ تُشقَّق تُجعَل (٢) للصبيان، واحدها رَهْط، ويقال (٣): الرَّهْط والحَوْف والوَثْر تتّخذه المرأة إذا حاضت؛ وأنشد:
جاريةٌ ذاتُ حِرٍ كالنَّوفِ (٤) ... مُلَمْلَمٍ تَستُره بحَوْفِ
والفَرْغ: ما بين عَرْقُوَتَي الدَّلْو، فشَبَّه هذا الضربَ حين يسيل دمُه بفَرْغ الدلو إذا انصبّ.
وماءٍ قد وردتُ أُمَيْمَ طامٍ ... على أرجائه زَجَلُ الغَطاطِ
стр. 277
قلت: القَطا ثلاثة أنواع: جَوْن وكُدْرِيّ وغَطاط. الطامي: الذي قد تُرك حتى طَمَا وعَلاَ. وأرجاؤه: نواحيه. والزَّجَل: الصوت. والغَطاط: طير (١).
قليلٍ ورْدُه إلاَّ سِباعا ... يَخِطن المَشيَ كالنَّبْل الِمراط
الوَخْط: الزَّجّ، وهو ضرب من المشي يَخِطُ فيه يَزُجُّ بنفسه زَجّا. والمِراط التي تَمَرّطَ رِيشُها. وقوله: يَخِطْن المشيَ، يقول: كأنّهن يَنْدُسْن بأيديهن (٢) إذا مَشَين كما يَمدّ (٣) الخيّاط بإبرته إذا خاط.
فبتُّ أُنَهْنِهُ السِّرْحانَ عنّي ... كلانا واردٌ حَرّانَ ساطِي
ساطٍ: ذو سطوة إذا حَمَل. أُنَهْنِه. أَزْجُر: يقول: ساطٍ على صاحبِه.
والسِّرْحان: الذئب.
كأنّ وَغَى الخَمُوشِ بجانبِيه ... وَغَى رَكْبٍ أُمَيْمَ ذوِي هِياط
الخَموش: البعوض. والهِياط: الصِّياح والمجادَلة؛ ويقال: فعلتُه بعد الهِياط والمِياط، أي بعد الجَلَبة والصوت. والوَغَى والوَعَى واحد، وهو الصوت في الحرب.
كأنّ مَزاحِفَ الحيّاتِ فيه ... قُبَيْلَ الصُّبحِ آثارُ السِّياطِ
هذا بيت القصيدة، ما أحسنَ ما وَصَف!!.
стр. 278
شربتُ بجَمِّه وصَدرتُ عنه ... وأبيضَ صارمٍ ذَكَرٍ إِباطِي (١)
جَمُّه: ما اجتمع في البئر من الماء. والجَمّة: معظم الماء. قوله: إباطي يقول: قد تأبّط هذا السيفَ.
كلَوْن الملْح ضَرْبتُه هَبِيرٌ ... يُتِرُّ العَظْمَ سَقّاطٌ سُراطِي
هَبِير، أي يَهبر اللّحمَ, أي يقطعه. والهَبْرة: القطعة من اللحم، والِجماع هِبَر، يقال: أتانا بِهبَر من اللَّحم أي بِقطَع. يُتِرّ العَظْم، أي يطيّره. سَقّاط، يقول: يقطع الضريبةَ حتّى يَسقُط خلفَها. وسُراطِي: يَستَرط ما ضَرب واحدا واحدا. والهَبْر: أن يضربه ضربة فيقطعَ منه قطعة. وسُراطِي (٢): يَسترِط كلَّ شيء. وقوله: يُتِرّ العَظْم، يقال ضربه فأَتَرّ يدَه، إذا طيّرها؛ وترّت هي. ويقال: السيف يَخضِم الجَزور ويَخضِم وسطَ الجزور.
به أَحمِي المُضافَ إذا دعاني ... ونفسي ساعةَ الفزَعِ الفِلاطِ
المُضاف: المُلْجَأ. والفِلاط: الذي يأتيك فجأة.
وصفراءَ البُرايةِ فرعَ نَبْعٍ ... كوَقْف العاجِ عاتِكةِ اللِّياطِ
ويُروَى: وصفراء البُراية غير خِلْط. والعاتكة: التي قَدُمتْ فاحمرّت. واللِّياط: القِشر الأعلى، ومنه لِيطة القصبة، لِيُطها قِشُرها الأعلى، وأنشد أبو سعيد "عُذافِرة
стр. 279
حُرّةُ اللِّيط (١) ". وقوله: غير خِلْط، يقال للقضيب إذا نبت على عِوج هو خِلط والقوس التي تَنبُت على عِوَج فهي على خطر لأنّها تُغمَز فتسترخي، ثم ترجع إلى حالها الأولى؛ ويقال للرجل إذا كان في خُلُقه عِوَج: هو خِلط من القوم. والبُراية: النُّحاتة.
شَنَقْتُ بها مَعابِلَ مُرهَفاتٍ ... مُسالاتِ الأغِرّة كالقِراطِ
ويُروَى "قَرنتُ بها". شنقت: جَعلتُ النَّبْل في الوَتَر فشنقتُها كما تُشنَق الناقة. ويقال: ما زال شانقا ناقته، أي رافعا رأسها. ومرهَفات: مرقَّقات. وهي النِّصال. ومُسالات: مسنونات من التحديد ليس من الصّبّ. والغِراران: جَنبا النَّصْل، وهما حدّاه. والأغرّة: جمع غِرار، والغِرار: الحدّ. وقوله: كالقِراط، والواحد قُرْط، يعني قُرْط الأذن (٢). قال: يقال قُرْط وقِراط وقِرَطة وأقراط؛ وإنما أراد أنها تَبرُق كما يبرق القُرْط.
كأوْبِ الدَّبْر غامضةٍ وليست ... بمرهَفة النِّصال ولا سِلاطِ
قوله: كأَوْب الدَّبْر، أوبُه رَجْعُه. والدبر: النحل. والسِّلاط: الطوال (٣)؛ يقول: كرجوع الدبر في خِفّته. وقوله: ليست بمرهَفة النِّصال، أي ليست برقاق تتكسّر.
стр. 280
خَواظٍ في الجَفِير مخوَّياتٍ ... كُسِين ظُهارَ أصحرَ كالِخياط
لا يعرفه الزِّياديّ ولا الرِّياشيّ. قال أبو العباس: رواه أبو عمرو الشَّيبانيّ. الخِياط: زِقُّ زيت أي كأنّه وِعاءٌ للزيت (١)، فربّما شُقّ فَجُعل مِثلَ القَروِ (٢)؛ وأنشدنا:
* وصاحب القَرْوِ من الخِياطِ *
ومَرْقَبةٍ نَمَيتُ إلي ذُراها ... تُزِلّ دَوارجَ الحَجَل القَواطي
مرقبة: موضع يُرْبأ فيه ويُرقَب. نميتُ: علوتُ وارتفعتُ إلى أعاليها.
والقَواطِي: اللّواتي يقاربن الخَطو، يقال: قطا يقطو إذا قارب المشيَ.
وخَرْقٍ تَحسِر الرُّكْبانُ فيه ... بعَيدِ الغَوْلِ أغبَر ذِي نِياط
خَرْق: فلاة بعيدة واسعة. والغَوْل: البُعد؛ يقال: هوّن الله عليك غَوْل الأرض، أي بُعدَها. تَحسِر، أي تَكِلّ رِكابُهم وتسَقط من الإعياء. قوله: ذي نِياط، أي بعيد، يقول: هو من بُعدِه كأنّه قد عُلِّق ببلد آخرَ أي وُصِل به. أغبر: عليه هَبْوَة:
كأنّ على صَحاصِحِه مُلاءً ... منشَّرةً نُزِعنَ مِن الِخياط
стр. 281
الصَّحاصح: ما استوى من الأرض؛ يقال: مكان صَحصاح وصَحصَحان: إذا كان مستوِيا. مُلاء: مَلاحف. نُزِعن من الِخياط، أي من الخياطة. شبّه السّرابَ بالملاحف البِيض إذا جرى من شدة الحرّ.
أَجَزْتُ بفِتيةٍ بِيضٍ خِفافٍ ... كأنّهمُ تَمَلُّهمُ سَباطِ
أجَزْتُ وجُزْتُ: واحد. وسَباط: الحمّى، وإنمّا سمّيت سَباطِ لأنّ الإنسان يُسبَط فيها، أي يتمدّد إذا أخذتْه ويسترخى.
وقال يرثي أباه عُوَيْمِرا
لَعَمْرُكَ ما إن أبو مالِكٍ ... بِوانٍ ولا بضعيفٍ قُواهْ
ويُروَى "بواهٍ ولا بضعيف" وهو الأجوَد عند أبي العبّاس.
ولا بألدّ له نازِعٌ ... يغارِي أخاه إذا ما نهَاهْ
ألدّ: شديد الخُصومة. له نازعٌ من نفسه، وكأنّه يقول: إذا كان له صديق فلا يُغارِيه ولا يشارُّه؛ يقول: ليس له خُلُق يَنزِعه، أي طبيعة سوء (١). يُغارِيه (٢)
стр. 282
ويشارُّه ويُلاحيه. ويقال للرجل: هو يُغارِيه إذا جعل يماريه ويَعلِق به ولا يكاد يُفلِت منه. "قال: ومِثلُه قول الآخر:
ذَرِيني فلا أَعياَ بما حَلّ ساحتي ... أَسودُ فأَكْفِي أو أُطيع المسوَّدا (١) "
ولكنّه هَيِّنٌ لَيِّنٌ ... كعاليةِ الرُّمحِ عَرْدٌ نَساهْ
عَرْد نَساه، يقول: شديدة ساقُه.
إذا سُدْتَه سُدْتَ مِطواعةً ... ومهما وَكَلْتَ إليه كَفاهْ
إذا سُدْتَه، يقول: إذا كنتَ فوقه أطاعك ولم يَحسُدك؛ وقال آخَرون: المُساوَدة: المُشارّة، ولا نراه كذا، وأنشد:
* وإنْ قومُكمْ سادوا فلا تَحسُدونهمْ *
ألا من ينادى أبا مالِكٍ ... أفي أمرِنا أمرُه أم سِواهْ
يقول: يا ليت شعري من ينادي أبا مالك، وهل يسمعنّ أبو مالك بمنادٍ، وهذا على الجاري، كقولك: يا فلان أتدري ما نحن فيه. أفي أمرنا، يقول: تصير إلينا أم تذهب فتصير إلى سوانا. ألا من ينادي أبا مالك: ألا من يندب أبا مالك لنا.
أبو مالِكٍ قاصرٌ فَقْرَه ... على نفسِه ومشِيعٌ غناهْ
стр. 283
وقال أيضا
لا يَنْسَإِ اللهُ منّا معشرا شَهدوا ... يوم الأُمَيْلِحِ لا غابوا ولا جَرَحوا (١)
لا ينسأ، قال أبو سعيد: يريد لا يؤخِّر الله آجالَهم، عجّل الله موتَهم وفناءهم؛ ومثلُه قوله: "عَرَفَتْني نَسَأَها (٢) الله أي أخّرها الله".
كانوا نَعائمَ حَفّانٍ منفَّرةً ... مُعْطَ الحُلوقِ إذا ما أدرِكوا طَفَحوا
يقول: طاروا كما تطير التعائم. وطَفَحوا: عَلَوا وذهبوا في الأرض، أي عَدوْا؛ ويقال: طَفَح يطفَح طَفْحا إذا تباعد واتسع. ويقال: تركتُ النهر يَطفَح أي ممتلئا قد اتّسع في الأرض. وقال ابن أحمد: طَفّاحة الرِّجلين، أي واسعة الخَطْو. وقوله: كانوا نعائمَ حَفّان، وحَفّانه: صِغاره، أي صِغار النَّعام.
لا غَيَّبوا شِلْوَ حَجاّجٍ وشَهِدوا ... جَمَّ القتالِ فلا تَساءَلْ بما افتَضَحوا
جَمّ القِتال وجَمّ كل شيء: معظمه. وشِلْو كلّ شيء: بقيتّه.
عَقُّوا بسهمٍ فلم يشعر به أحدٌ ... ثم استفاءوا وقالوا حَبّذا الوَضَحُ
عَقُّوا بسهم أي رَموا به في السماء (٣). وقالوا حَبّذا الوَضَح؛ حبّذا اللَّبَن نرَجِع اليه. واستفاءوا: رجعوا.
стр. 284
لكن كبيرُ بنُ هِندٍ (١) يومَ ذلكِمُ ... فُتْخُ الشّمائل في أَيمانِهمْ رَوَحُ
الفَتَح: لِينُ في المَفاصل. وقوله: رَوَح، يقول يَضِربون ضَرْبا يُميلون الكفّ (٢). وُفُتْحُ الشَّمائل: تَبْسُطها للرّمى (٣).
تعلو السيوفُ بأيديهم جَماجِمَهمْ ... كما يفلَّق مَروُ الأَمْعَزِ الصَّرَحُ
الصَّرَح: الخالص. والأمعَز: المكان الكثير الحَصَى الغليظ. والمَعْزاء مثلهُ. ومن قال: مَعْزاء قال مُعْز؛ ومن قال: أَمعَز قال أَماعِز.
لا يُسلمِون قَريحًا كانْ وَسْطَهمُ ... يوم اللِّقاء ولا يُشْوُونَ مَن قَرَحوا
قريحا، أي جريحا. كان وَسْطَهم يوم اللقاء ولا يُسْوُون من قَرَحوا، يقول: لا يَجْرَحونه جُرْحا لا يَقتل. يقال: أَشْواه إذا لم يُصِب مَقْتَلَه، وشَواه إذا أصاب (٤) منه المَقتَل. والشَّوَى: القوائم. ويقال: كلّ شئ من الأمر شَوًى ما لم يكن كذا وكذا أي هيّن. والشَّوِىّ: الشاء.
كأنّهمْ بجُنُوبِ المَبْرَكَين ضُحًى ... ضأْنٌ تجزَّر في آباطِها الوَذَحُ
ويروى تُجزَّز أي يَجُزّونه عنها بالجَلَم. والوَذَح: ما تَعلَّق بأذنابها شِبهَ أبْعار الإبل وأعظمَ من ذلك وأصغرَ من ذلك من أبوالِها وترابِ الأرض؛ يقول: كأن أعداءهم في أيديهم ضأنُ هذه صفتُها. والذي يَتعلّق في أذناب الإبل يقال له العَبَس.
стр. 285
وقال يَرثى أُثَيْلةَ ابنَه
ما بالُ عينِك تبكى دمعُها خَضِلُ ... كما وَهَى سَرِبُ الأَخراتِ منبزِلُ
ويُروَى الأخراب. السَّرِب: السائل يكون فيه وَهْيٌ فيَنسرب الماء منه. والأخرات، جع خَرْت: وهو الثُّقْب؛ ومن قال: الأخراب فأراد العُرَى واحدتها خُرْبة. "والُعروة خُرَزٌ حولها يقال لها الكُلْيَة (١) " والخُرْبة: العروة، ومن قال: الأخرات فكل خَرْت خَرْق: وهو مَثل. يقول: مبتلّة، تَبُلّ كلَّ شيء من كثرة دموعها.
لا تَفْتَأُ الدهرَ مِن سَحٍّ بأربعةٍ ... كأنّ إنسانَها بالصاب مكتحِلُ
يقول: لا تنفكّ الدهرَ تبكى. والصاب: شجرة إذا ذُبحتْ يخرج منها لبن إذا أصاب شيئاً أحرقه، وإذا أَصاب العينَ سُلِقتْ وانَهمَلتْ.
تَبكيِ على رَجُل لم تَبْلَ جِدَّتُه ... خَلَّى عليكَ فِحاجا بينها سُبُلُ
لم تَبْلَ جِدّته: لم يُستَمْتَع به, مات شابا، يقول: لم يُتَملَّ به. فجاجا بينها سُبُل. يقول: كان يسدّ عنك كل مَسَدّ من المكروه، فلما مات خلّى عليك فجاجا بينها سُبُل سُلِك عليها من الشرّ. قال: إذا أردتَ أن تَعبُرَ أتيتَ ذلك به. يقول: خَلَّى عليك طُرُقا لم تسدَّ ثُلَمُها.
فقد عجبتُ وما بالدهر من عَجَبٍ ... أنَّى قُتِاتَ وأنت الحازمُ البَطَلُ