ومَعابِلا صُلْعَ الظُّباتِ كأنّها ... جَمرٌ بمَسْهَكةٍ تُشَبّ لمُصْطلِي
مَعابِل: سهام عِراض النِّصال. وقوله: صُلْع الظُّبات، يقول: تَبرُق، ليس عليها صَدَأ. بمَسْهَكة: بموضع شديدِ الرِّيح؛ ويقال سَهَكَت الريحُ وسَهَجَتْ إذا مرّت مرًّا سريعا. ويقال: رِيحٌ سَهُوك وسَهوجٌ إذا كانت تَقشِر الأرضَ من شدّة مَرِّها. تُشَبُّ: تُوقَد. يقول: هذه النِّصال كأنّها جَمْر.
نُجُفا بَذَلْتُ لها خَوافيَ ناهِضٍ ... حَشْرِ القوادِم كاللِّفاع الأطحَلِ
النُّجُف: العِراض النِّصال والظُّبات. وبذلك سُمى الرجلُ مَنْجوفا. والحَشْر: اللِّطاف (١) القُذَذ. واللِّفاع هو الكِساء واللِّحاف. والأَطحَل: الّذى كلَوْنْ الطِّحال إلى الغُبْسة والحُمْرة.
فإذا تُسَلُّ تَخَلخلتْ أرياشُها ... خَشْفَ الجَنوبِ بيابس من إِسْحِلِ
يقول: ليس رِيشُها بكَزّ، فإذا مسستَها سمعتَ لها خَشْفة أي صوتا. والإسْحِل: شجر (٢).
وجَليلةِ الأنساب ليس كِمثلِها ... ممّن تَمتَّعُ قد أتتْهما أَرْسُلى
ويُروَى ممن يُمتِّع. والتَّمتيع: حُسنُ الغِذاء والتّنعيم. يريد امرأةً سَرِيّةَ الأنساب ليس مِثلُها؛ ثم قال: ممّن تَمتَّعُ هذه المرأةُ التي ذَكَر.
стр. 352
ساهرتُ عنها الكالِئَين كلاهما ... حتى التفَتُّ إلى السِّماك الأَعزَلِ
يقول: "سلت (١) بكلاوهما" أي ترقّبْتُهما حتى نُوِّما ثم سِرْتُ إليها.
قد خلتُ بيتا غيرَ بيتِ سَناخةٍ ... وازدرتُ مُزْدارَ الكريِم المُعْوِلِ
يقول: دخلتُ بيتا ليس بيتَ دَبّاغ ولا سَمّان ولا بيتَ صاحبِ وَدَك ولا بيتَ قَذَر أي بيتا طيّبَ الرِّيح، ويقال: سَمنْ سَنِخ إذا كان متغيّرا. والمُعْوِل: المُدِلُّ (٢) عليه، إنما عَوَّل عليه، أي أدلَّ عليه. وعَوَّلْتُ عليه، أي أَدلَلْتُ عليه.
فإذا وذلك ليس إلاَّ حِينَه ... وإذا مضى شيءٌ كأن لم يُفْعَلِ
قال أبو سعيد: كذا أنشَدَنيهِ الأصمعيُّ ليس إلاَّ حِينَه بفتح النون، لم يُفْعَل أي يَكُن، فإذا وذلك، قال أبو سعيد: الواو زائدة، قال: قلتُ لأبي عَمْرو: يقول الرجل: ربَّنا ولك الحمد. فقال: يقول الرجل: قد أخذتُ منك هذا بكذا وكذا، فيقول: وهو لك:
(وقال أبو كبير أيضاً):
أُزهَيَرُ هل عن شَيبةٍ من مَقْصَرِ (٣) ... أم لا سبيلَ إلى الشّباب المُدْبِرِ
يقول: هل أستطيع أن أَقْصُرَ حتى لا أشيب؟
стр. 353
فَقَدَ الشبابَ أبوكِ إلاَّ ذِكرَه ... فاعجبْ لذلك فِعْلَ (١) دهرٍ واهكَرِ
قال أبو سعيد: الهَكر: أشدّ العَجَب.
أزُهَيْرُ ويحَكِ ما لرأسِي كلَّما ... فَقَدَ الشَّبابَ أَتَى بلَونٍ مُنْكَرِ
يقول: أَتىَ بلَوْن أُنكِره، وهو يريد بياضا بعد سواد.
ذهبتْ بشاشتُه وأصبح واضحا ... حَرِقَ المَفارِق كالبُراءَ الأَعْفَرِ
البشاشة: اللّذّة (٢). والحَرِق: الّذى كأنما أصابته نار أو رِيحٌ فاحترَق. وقوله: كالبُراء، البُراء والبُراية واحد، وهو بُراية القِىسيّ. والأَعْفَر: الأبيض الّذى تعلوه حُمْرة.
ونُضِيتُ ممّا تَعْلَمين (٣) فأصبحت ... نفسى إلى إخوانِها كالمُقذَرِ
نُضِيتُ أي سُلِخْت. كالمُقْذَر أي ذلك الأمرُ الَّذى يستقذِره الناس أي يُستقذَر، وهو كالمصْدَر.
فإِذا دعاني الداعيمان تأيَّدَا ... وإذا أُحاوِلُ شَوْكَتى لَم أُبْصِرِ
تأيَّدَا: تَشَدّدا. يقول: لا أسمع صوتا، فقد قَلَّ سمعي. وإذا أحاول شوكتى يعني شوكةً تدخل رِجْلَه وفي بعض جسده.
يا لَهْفَ نفسي كان جِدّةُ خالدٍ ... وبياضُ وجهكَ للتَّراب الأَعْفَرِ
يقول: دُفِن في أرضٍ ترابُها أعفَرُ إلى الحُمرة ما هو.
стр. 354
وبياضُ وَجْهٍ (١) لم تَحُلْ أَسْرارُه ... مِثلُ الوَذيلة أو كسَيْف الأَنْضَرِ
أسرارُه: طرائقه. لَم تَحُلْ: لم تَغيَّرْ. والوَذِيلة: سَبيكةُ الفِضّة. والأنضَر: الذهب.
فرأيتُ ما فيه فثُمَّ رُزِئْتُه ... فلبِثتُ بعدَكَ غيرَ راضٍ مَعْمَرِي (٢)
يقول: فرأيتُ ما فيه من خصال الخير. والمَعمَر: حيث يُسكَن ويُعمَر، وهو المنزل؛ ويقال: أنت بَمَعْمَر ترَضاه، أي بمنزل تَرْضاه. وأنشد:
* يا لَكِ من حُمَّرة (٣) بمَعْمَرِ *
ولرُبَّ من دَلَّيتُه لحَفيرةٍ ... كالسّيف مُقتَبَلِ الشّاب مُحبَّرِ
مقتَبَلُ الشباب أي مستأنَفُه. محبَّر: محسَّن مزيَّن.
ثم انصرفتُ ولا أَبثُّكَ حِيبَتِى ... رَعِشَ الجَنان أَطيشُ فِعْلَ الأصْوَرِ
حِيبَتُه: سوءُ حالِه. ويقال: فلان بحِيبة سُوء. والرجل الأَصْوَر: الّذى فيه صَوَر إلى أحد شِقَّيه، وذلك أنّه انشِناج في أخادعِهِ فيَصُور.
هل أُسْوةٌ لك في رجالٍ صُرِّعوا ... بِتلاعِ تِرْيَمَ هامُهُم لَم يُقْبَر
صُرِّعوا: قُتِلوا. بتِلاعِ تِرْيَم: موضع. لم يُقْبر: لم يُجَنَّ.
стр. 355
وأخو الأَباءةِ إذْ رأى خِلّانَه ... تَلَّى شِفاعا حَولَه كالإذْخِر (١)
تَلَّى أي صَرْعى. شِفاعا: اثنين اثنين، يريد قَتلَى كثيرةً كالإذْخِرِ، قال أبو سعيد: ولا نجد إذْحِرَة واحدةً، إنما نجد الأرض مُستَحْلِسة. والأَباءَة: الأَجَمة والجِماع الأَباء.
لمَّا رأى أن ليس عنهم مَقْصَرٌ ... قَصَرَ الشِّمالَ بكلّ أبيضَ مطْحَرِ
قَصَرَ الشِّمال، يريد حبَسَ شِمالَه، والمِطْحَر: سَهْمٌ بعيدُ الذَّهاب.
وعُراضة السِّبَتَيْن (٢) تُوبِع يَرْيُها ... تأوِى طوائفُها لعَجْسٍ عَبْهَرِ
هذه قَوْس؛ يقول: هي عرِيضة مُدْمَجة مستديرة. والعَجْس: كَبِدُها حيث يَقبِض الرامي. ويقال عَجْس وعُجْس ومَعْجِس ثلاث لغات. والعَبْهَر: الممتلئ.
يأوِى إلى عُظْم الغَريف ونَبْلُه ... كسَوام دَبرْ الخَشْرِم المتثوِّرِ
الغَريف: شجر. وقوله: كسَوام دَبرْ، سَوامُه: ذَهابهُ في السماء كما تَسُوم الإبلُ تَذهبُ في الأرض تَرعى. والدَّبْر: الذي يعسِّل. والخَشْرَم: الذي يلسع، كأنَّه أضاف بعضَها إلى بعض (٣) إذا كان لا يعسِّل.
стр. 356
يَكوِى بها مُهَجَ النفوس كأنّما ... يسقيهمُ بالبابِليِّ المُمْقِرِ
يَكوِى بها أي يَلْذَع بها مُهَجَ النفوس. وقوله: بالبابِليّ، يقول: كأنّما سقاهم سُمَّ بابل. والمُمْقِر: المرّ. والممقِر: الصَّبِر.
من يأتِه منهم يَؤُبْ بمُرِشّةٍ ... نَجْلاءَ تُزْغِل مِثلَ عَطِّ المِستَرِ
بمُرِشّة؛ يريد بطعنة ذاتِ رَشاش، وهي الّتى ينتشِر نَضْحُها. وقوله: تُزْغِل أي تَدفَع بالدّم دَفْعة بعد دَفْعة. والمِسْتَر: الثوب يُسَتر به الإنسانُ فيَعُطُّه (١).
أم مَن يُطالِعه يَقُلْ لِصحابِه ... إنّ الغَريفَ تُجِنّ ذاتَ القنْطر
الغَرِيف: شجر. والقنْطِر: الداهية.
وقال أيضا
أَزُهَيرُ هل عن شَيبةٍ من مَصْرِفِ (٢) ... أم لا خُلودَ لباذِلٍ متكلِّف
أزُهَير إنّ أخًا لنا ذا مِرّةٍ ... جَلْدَ القُوَى في كلّ ساعةِ مَحْرِفِ
ذا مِرّة، أي ذا قوّة. في كلّ ساعةِ مَحْرِف، يقول: يَحترِف ويتقلّب ويتصرّف.
فاردتُه يوما بجانِب نخلةٍ ... سبَقَ الِحمامُ به زُهَير تَلهُّفي
يقول: إنّه كان مريضا وكان يتلهّف عليه فسَبَقه به الِحمام، أي غلبه القدَر عليه. ونَخْلة (٣): موضع.
стр. 357
ولقد وردتَ (١) الماءَ لم يَشرَب به ... بين الرَّبيع إلى شهور الصَّيِّفِ
إلاَّ عَواسلُ كالمِراط مَعِيدةٌ ... بالليل مَوْردَ أَيِّمٍ متغضِّفِ
عَواسل، يعني تَعسِل في مَشْيها، تمرّ مرّا سريعا، وإنما يعني ذئابا، ويقال: الذئب يَعسِل وينَسِل، إذا مرّ مرّا سريعا (٢)؛ وقال الجعديّ:
عَسَلانَ الذِّئب أَمسَى قارِبًا ... بَرَدَ اللّيلُ عليه فنَسَلْ
ويُروَى إلّا عَواسر، يقول: هذه الذئاب تَعسِر بأذنابها (٣). والمِراط، النَّبْل المتمرِّطة الريِّش. وقوله: معيدة أي معيدةُ الشُّرْب. والأَيمْ: الحيّة. والأصل الأَيِّم ولكن خَفِّفوا. وقوله متغضِّف أي منطوٍ متثَنٍّ. وقوله: معيدة، أي معاوِدة لذلك مرّة بعد مرّة.
يَنسلن في طُرُقٍ سَباسِبَ حَوْلَه ... كقِداحِ نَبْلِ محبِّرٍ لم تُرْصَفِ
لم يَعرِف أبو إسحاق هذا البيتَ ولا الّذى بعده، وعرفهما الرِّياشيّ، قال: أنشَدَنيهما الأصمعىّ في هذا الموضع، قال: وأخبرني الأصمعىّ قال: كان طُفَيل الغَنَوىّ يسمَّى في الجاهلية محبِّرا، وذلك لأنّه كان يزيِّن شِعرَه ويحسِّنُه. والمحبِّر: المحسِّن المزيِّن للشيء. وقوله: يَنسلْن، يعني ذئابا يَنْسلْن، وهو شبيه بالعَسَلان. والسَّباسب: جمع سَبْسَب، ومِثْلُه البَسْبَس، وهو المستوِى البعيد، والجمع البَسابسِ.
стр. 358
تَعوِى الذّئابُ من المَجاعة حولهَ ... إهلالَ رَكِب اليامِن المتطوِّف
اليامِن: الّذى يجيء من اليَمَنَ، وأنشَدَ لرؤبة:
* بيتُك في اليامِن بيت الأيْمن (١) *
زَقَبٌ يَظَلّ الذئبُ يَنتَبعَ ظِلَّه ... من ضِيق مَوْردِه استنِانَ الأَخلَف
الزَّقَب: الضَّيِّق، فيمرُّ فيه الذئبُ في عُرضٍ من ضِيقه، وهو المكان المُعْورُ اّلذى لا يُدَلّ فيه. قال: والاستِنان العَدْو. والأخلَف: العَسِر المخالِف المعوجّ (٢)، يقول: فلِضيق هذا المَوْردِ يمشى الذئبُ فيه على حَرف كما يمشى الأخلفُ إذا مَشى.
ولقد وردت (٣) الماءَ فوق جِمامِه ... مِثلُ الفَرِيفةِ صُفِّيتْ للمُدْنَف
الفَرِيقة: حُلْبة تُطْبَخ للنُّفَساء مع حُبوب (٤)، فشبّه ماءَ ذلك السنن بالفَريقة لصُفْرته.
فصدَرْتَ عنه ظامئا وتركتَه ... يَهْتزُّ غَلْفَقُه كأن لم يُكشَفِ
الغَلْفَق والعَرْمَض والطُّحْلُب: الخُضْرة الّتي على الماء. يهتزّ: يتحرّك.
ولقد أَجَزْتَ الخَرْق يَركُدُ عِلْجُه (٥) ... فوقَ الإِكامَ إدامةَ المُستَرْغِفِ
стр. 359
أَجَزْت وجُزْت سواء. الخَرْق: الأرض البعيدة. يَركُد، الركود القيام لا يتحرك ولا يأكل، وذلك إذا اشتدّ عليه الحرّ حتى يبوخَ له النهارُ فيَرعىَ ويأكل. والمسترعِف: الذي بَصدِمه الحَرّ فيطأطئ رأسَه. إدامةَ المسترعِف، يقول: كما يديم المسترعف رأسَه، كما يَفعل الّذى يرعف.
فأجَزْتَه بأفَلَّ يُحسَب أَثرُه ... نَهْجا أبانَ بذى فَريغٍ (١) مَخرَفِ
الأفلّ: السَّيف به فَلَلٌ وُفلُولٌ (٢) معا، قد قُورِعَ به. نَهْج: ماضٍ ذاهِب. والمَخْرَفة: الطريق من طُرُق النَّعَم (٣). ومن قال: "قَريع" كان كما قال الراعي:
كهُداهِدٍ كَسَرَ الرُّماةُ جَناحَه ... يدعو بقارعة الطريقِ هَدِيلا
ويقال: "تركتُه على مِثلِ (٤) مَخرَفةِ النَّعَم"، أي علي طريقها.
ولقد نقيم إذا الخُصُوم تَنافَدوا (٥) ... أحلامَهم صَعَرَ الخَصيم المُجْنِفِ
المُجْنِف: الّذى يأمر بأمرٍ فيه جَنَف، أي عِوَج. والصَّعَر: المَيل؛ ويقال: والله لأقيمنّ صَعَرك أي مَيلَك.
стр. 360
حتّى يظلّ كأنّه مثبِّت ... بِرُكوحِ أمغَرَ ذى رُيودٍ مُشرِفِ
الرُّكْح: الناحية من الجبل. ورُكْحَا كلِّ شيء: ناحيتاه (١). وأَمغَر: جبل أحمد يقول: مِن فَرَقِ أن يخطئ كأنّه على حرفِ جبلٍ يَتّقي أن يَسقُط منه.
وإذا الكُماةُ تَعاوَروا (٢) طَعْن الكُلَي ... نَدْرَ البِكارةِ في الجَزاءَ المُضْعَف
يقول: كما تُندَر البِكارة في جَزاء الدمِ، وهو الدِّيَة. المُضْعَف: الّذى قد أضْعِف ديتُه (٣)، يريد الدِّيَة التى تُضاعَف. والكَمِيّ: الشحاع الذي يَدْرِى كيف جهةُ قِتالِه.
وقال أبو إسحاق: هذا مأخوذ من كمَى الرجلُ شجاعَته يَكْمِيها كَمْيا، وكَمَى بها (٤) إذا كتمها، وجَمْع كَمِيّ كُماة.
وتَعاوَروا نَبْلا كأنّ سَوامَها ... نَفَيانُ قَطْر في عَشِيٍّ (٥) مُرْدِفِ
سَوامُها: ما يَسُوم منها أي ما يُرمىَ منها (٦) به. ومُردِف: مُظْلِم.
ورَغَابهمْ سَقْبُ السماء وخُنِّقتْ ... مُهَجُ النفوسِ بكارِبٍ متزلِّف
стр. 361
يقول: أصابهم ما أصاب قومَ ثمودَ حين رغا بهم البَكر (١) من الهلاك؛ وأنشِدْنا لعَلْقمةَ فيِ عَبْدة:
رغَا فوقَهُمْ سَقبُ السماء فَداحِصٌ (٢) ... بشِكّته لَم يُستلَبْ وسَلِيبُ
وقوله: بكارِبٍ متزلِّف، بكارِب، أي بِكَرْب. متزلِّف: يتزلّف منهم أي يدنو من أجوافهم.
وتبوّأ الأبطالُ بعد حَزاحِزٍ ... هَكعَ النَّواحِز فى مُناخ المَوْحِف (٣)
الهَكعْ: السُّعال. يقول: تبوَّأ الأبْطَالُ يَهْكَعون، يقال: هَكَعَ يَهكَع هُكاعا وهَكعا. النواحِز، يقول: يَزْحَرون (٤)، قال: وأنشدَني أبو عمرو بنُ العَلاء:
إذا راعِياها ثَوَّراها لمَنزِلٍ ... تُحَزْحز حتى يأذَنا بالتحَزْحز (٥)
يقول: جَعلوا يَزْفِرون كما يَزْفر البعير الناحِز.
عَجلتْ يداكَ لخيرِهمْ بمُرِشّةٍ ... كالعَطِّ (٦) وَسْطَ مزَادةِ المستخلِفِ
стр. 362
بمُرِشّة، أي بطعنةٍ واسعةِ الفَرْغ، يتفرّق دَمها. والمستخلِف: الذي يَستقِي لأصحابه.
مُسْتَنّةٍ سَنَنَ الفُلُوِّ مُرِشّةٍ ... تَنفِى الترابَ بقاحِز مُعْرَوْرف
يقول: تَجرِى على وجهها كما يَستنّ (١) الفُلوّ. وقوله: تنفِي التراب، أي تَطْرُدُه هذه الطعنةُ إذا دُفعت دَفْعة. والقاحز: النّازى. والمُعْرَوْرِف: الّذى له عُرْف. يقول: يَخرج منها الدمُ كأنّه عرْف في الطُّول، وإنما عَنَى بالقاحز الدّمَ نفسَه.
يَهدِى السباعَ لها مُرِشُّ جَدِيّةٍ ... شَعْواءَ مُشْعَلةٍ كجَرِّ القَرْطَف
يقول: تَشَمُّ السباعُ الدمَ فتَتبعُه. وقوله: شَعْواء. والشعْواء: المنتشِرة. والمُشْعَلة: المتفرِّقة. والجَدِيّة: الطريقة من الدم، وجِماعُها جَدايَا. والقَرْطَف: القطيفة، وكلُّ ما كان له خَمْلٌ فهو قَرْطف.
ولقد غدوتُ (٢) وصاحبى وَحْشيّةُ ... تحت الرداء بَصيرةٌ بالمُشْرفِ
وصاحبى وحشِيّة، يريد رِيحا تَرفع ثوبه (٣). بصيرةٌ بالمُشرِف، يقول: من أشَرفَ للرِّيح أصابتْه.
حتّى انتهيتُ إلى فِراشِ عَزيزةٍ ... سَوْداءَ رَوْثةُ أَنفِها كالمِخْصفِ
стр. 363
يريد أنّ طَرف مِنْسِرِها حديد دقيقٌ كأنّه مِخْصَف، وهو الّذى تُخصَف به أَخفافُ الإبل (١). والرَّوْثة: طَرف الأَنف. وإنّما يريد طَرَف مِنْقارها، وإنّما ذَكَر عُقابا. وفِراشُها: عُشُّها.
* * *
وقال أيضا
أَزُهَير هل عن شَيْبةٍ مِن مَعْكِمِ ... أم لا خُلودَ لباذلٍ من متكرِّم
قال أبو سعيد: قوله: مَعْكِم، أي مَرجِع (٢)؛ ويقال: مضى فما عَكَمَ أي ما رَجَع. والباذل: الذي يَيذُل مالَه. يقول: ماله خلود.
يَبكى خَلاوةُ أن يفارقَ أُمَّه ... ولسوف يلقاها لَدَى المتهوِّمِ
يقول: سوف يَلْقاها في المنام. وخلاوة اسمُ ابنِه.
أَخَلاوَ إنّ الدهر مُهلكُ من تَرَى ... من ذى بنين وأمِّهمْ ومِنِ ابنِم
والدهرُ لا يَبقَى على حَدَثانه ... قُبٌّ يَرِدْنَ بذى شُجونٍ مُبْرمِ
قبّ: خِماصُ البطون، يريد حميرَ وَحْش. بذى شُجون، والشُّجون: شِعاب تكون في الحَرّة، يَنبتُ المَرعَى مكانَها. والمُبْرِم: الذي قد خرجتْ بَرَمَتَه. والبَرَمة: ثمر الطَّلحْ.
يَرتَدْن ساهرةً كأنّ جَميمَها ... وعَيمَها أسدافُ ليلٍ مظلمِ
الساهرة: الأرض. وأنشَدَنا أبو سعيد لأميّة بنِ أبي الصَّلْت الثَّقَفيّ:
стр. 364
وفيها لحمُ ساهرةٍ وبَحْرٍ (١) ... وما فاهوا به لهمُ مقيمُ
والجَميم: النبت الذي قد نَبَت وارتفع قليلًا ولم يَتمّ كلّ التمام، صار مثلَ الجُمّة. والعَميم: المكتهِل التامّ من النّبْت؛ وأنشَدَنا لأبي ذؤيب:
أَكَلَ الجَميمَ وطاوعتْه سَمْحَجٌ ... مِثلُ القَناة وأَزْعلتْه الأَمْرُعُ
أزعَلَتْه: أنشَطَته.
في مَرتَع القُمْرِ الأَوابد أُسقيتْ ... دِيَمَ العَماءَ وكلَّ غَيْثٍ مُثْجِم
مَرْتَع: حيث تَرتَع وتَرعى. والقُمْر: حُمُرٌ بيضُ البطون. والأَوابِد: المتوحِّشة؛ ويقال: قد أَبَد إذا توحَّش، وأنشَدَنا لاْمرئ القيس:
* قَيْدِ الأَوابِدِ هَيْكَلِ * (٢)
والدِّيَم: جمع دِيمة، وهي المطر الساكن. والعَماء: السحاب الرقيق.
والغَيْث: يُجعَل مرّة اسما للكَلَإ، ومرّة اسما للمطر. ومُثْجِم: مقيم، ومُنْجِم: مُقْلِع. ويقال: قد أثجمتْ علينا السماءُ حتى خشينا الهلاكَ. وأنْجمتْ إذا أَقلعتْ وأنشَدَ لأبي ذؤيب:
* فَأثجَمَ بُرْهَةً لا يُقلِعُ (٣) *
بُرْهة: زمنٌ وحِين، أي أَقامَ.
стр. 365
واهى العُروضِ إذا استطار بُروقُه ... ذاتَ العِشاء بهَيْدَبٍ متهزِّم
واهٍ: يقول كأنّما تشقّقتْ نواحيه بالماء. والهيْدَب: الّذى يتدلّى من السحاب كأنّه هُدْبُ قطيفة. ومتهزِّم: متشقِّق بالماء. استطارَ بُروقُه، أي انكَشفَ.
وكأنّ أصواتَ الخَموش (١) بجَوِّه ... أصواتُ رَكْبٍ في مَلاً متزنِّمِ
الخَموش: البَعوض كأنّ أصواتهنّ تطريبُ رَكْب يُغَنّون في صَحرْاء؛ ويقال: راكب ورَكْب مِثلَ صاحب وصَحْب وسافر وسَفْر وشارب وشَرْب.
عَجِلَ الرياحُ لهمْ فتَحمِلُ عِيرُهمْ ... مُصْطافةً فَضَلاتِ ما في القُمْقُمِ
يقول: أصابوا رِيحا فطابت أنفسُهم. وقوله: فَضَلاتِ ما في القُمْقُم، أي فَضَلات ما في الدَّنّ. وقال الآخر:
* كَمْيحِ (٢) القَماقِم ما في القِلال *
ومصطافة: في الصيف.
فرأين قُلَّةَ فارسٍ يَعْدو به ... متفلِّقُ النَّسَيَنِ نَهْدُ المَحْزِمِ
يعنى هذه الحمير الّتى وصفها. قُلّة فارس: رأس. نَهْد المَحزِم، أي عظيم البطن، وهو موضع الِحزام للفرسِ.
ذو غَيِّثٍ بَثْرٍ يَبُذُّ قَذالُه ... إذ كان شَغشَغَةُ (٣) سِوارَ المُلجِمِ
стр. 366
الغيِّث: شيء بعد شيء من جَرْيِه؛ ويقال بئر ذاتُ غَيِّث إذا كان ماؤها يجيء شيئاً بعد شيء. وفرس ذو غَيِّث أي يجيء منه عَدْوٌّ بعد عَدْو؛ يريد أنّه شديد الجَرْي، وإنما جَعَل هذا مَثَلا. والبَثْر: الكثير. وسِوارُ المُلْجِم: مُساوَرَتُه إيّاه إذا كان الإلجام.
وكأنّ أَوْشالَ الجَدِيّةِ وَسْطَها ... سَرَفُ الدِّلاءَ مِن القَلِيبِ الِخضْرِمِ (١)
الوَشَل: الماء يَقطُر ويسيل؛ ويقال عَيْن بني فلانٍ تكفيهم ويَذهَب باقيها سَرَفا في الأرض. والخِضِرم من الآبار: الكثيرة الماء. والخِضْرِم من الرجال: الكثير الخير والفضل.
قال الأصمعي. وزعم جريرُ بنُ حازم (٢) قال: قال لي العجَّاج: أو قال لرجل: أين تريد؟ قال: البحرين. قال. لَتَوافِقنّ بها نَبيذا خِضْرِما أي كثيرا. وسَرَفُ الدِّلاء: ما يَذهب من الماء فضلا عمّا يُستقَى، يقال: ذهب ماءُ القَلِيبِ سَرَفا.
متبهِّراتٍ بالسِّجال مِلاؤها ... يخْرجن من لجَفٍ لها ملقِّمِ (٣)
стр. 367
المتبهِّر: الممتلئ. ويقال للرجل: بَهَرَه أمرُ كذا وكذا أي ملأ صدرَه. واللَّجَف: ما تَهدّم من طَىِّ البئر من أسفلها، يريد صوتَ الماء؛ ويقال: سمعتُ تَلقُّمَ البئرِ يعنِي صوتَ الماءِ من (١) أسفلها.
فاهتَنجن مِن فَزَعٍ وطارَ جِحاشُها ... من بين قارِمِها وما لَم يَقْرِم
القارم: الّذى قد فُطِم فهو يَقْرِم من بُقول الأرض؛ ويقال للرجل إذا كان زَهِيدا في الطعام: إنّما يَقرِم كما تَقرِم السَّخْلة.
وَهَلًا وقد شَرَعَ الأسِنّةُ نحوَها ... من بين مُحْتَقٍّ بها ومشرَّمِ
الوَهَل: الفَزَع. والمُحْتَقّ: الذي قد أُصيبَ فاحتَقَّ الرَّمْيَة (٢). والمشَّرم: الذي قد شُقَّ بالعَرْض، يقال: شْرَمَه يَشرِمه شَرْما.
стр. 368
وقال أبو خِراش
واسمه خُوَيلِد بنُ مُرُّة أحدُ بني قِرد بنِ عمرو بنِ معاوية ابن تميم بن سعد بن هُذَيل، ومات في زمن عمر بنِ الخطاب -رضي الله تعالى عنه- نهشته حيّة -وهو صحابيّ
"قال أبو حِراش- يرثى أخاه عمرو (١) بنَ مُرّة وإخوَتَه فَرَطوا أمامَه". وأبو خاش وإخوتُه بنو لُبْنَى:
لَعَمْرِى لقد راعت أُمَيْمةَ طَلْعنى ... وإنّ ثَوائي عندها لَقليلُ
ثَوائى: مُكْثى. والثَّواء: المُقام. يقول: راعَتْها رُؤْيتي.
تقول أَراه بعد عُرْوةَ لاهِيًا ... وذلك رُزْءٌ لو عَلمتِ جليلُ
لاهيًا: لاعبا، من اللهو. جليل: عظيم.
ولا تحسَبي أنِّي تناسَيتُ عهدَه ... ولكنّ صبرى يا أُمَيْمَ جميلُ
ألم تعلمي أن قد تَفرَّقَ قبلَنا ... خليلَا صَفاءٍ مالكٌ وعَقيلُ
стр. 369
قال أبو سعيد: هما رجلان (١) كانا في غابر الأُمَم.
أَبَى الصبرَ أنِّي لا يزال يَهيجُنى ... مَبيتٌ لنا -فيما خَلَا- ومَقِيلُ
وأنِّي إذا ما الصُّبح آنستُ ضَوءَه ... يعاوِدني قِطعٌ علىَّ ثقيلُ
آنستُ: ضوءَه. يقول: كأن قد قَرُب الصبحُ منّى في ظنّي. وقِطْع أي قِطْع من اللّيل أي بقيّة.
أَرَى الدهرَ لا يَبقَى على حَدَثانهِ ... أَقَبُّ تُبارِيه جَدائدُ حُولُ
أقبّ: حمارٌ خَميص البطن. جَدائد: جمع جَدود وهي الّتى لا لبن لها وحُول: جمع حائل، وهي الّتى لم تَحمل من عامها.
أَبَنَّ عقاقًا (٢) ثم يَرْمَحْن ظَلْمَه ... إباءً وفيه صَولةٌ وذَميلُ
قال أبو سعيد: الإبانة: استبانةُ الحَمل؛ يقول: أطهرن حَملَهنّ. وقوله: "ظَلمه" قال: هو طَلبُه منهنّ السِّفادَ في غير موضعه، فمن أراد المَصدَر قال: "ظَلْمَه"، ومن أراد عَمَلَه قال: "ظُلْمَه"؛ وإنما يُنشَد "ظَلْمَه"، ومثله دهنتُه دَهْنا إذا أراد العَمَل، وإن أراد الاسم قال: دهنتُه بدُهْنٍ طيّب، قال: وهذا مِثلُ قول
стр. 370
الرجل: والله لأدفعنَّ ظَلْمَك عن ظُلْمِه. قال: يقول هنّ لَقِحْن، فوَضْع السِّفادِ في غير موضعه؛ ويقال: أعقَّت الأَتانُ، إذا عَظُم بطنُها؛ ويقال: قد ظَلَم الرجلُ سِقاءَه وهو أن يَمْخَضَه ويضعَ يدَه فيه قبل أن يَرُوب؛ وأنشَدَنا عيسى بنُ عمر:
وصاحبِ صِدقٍ لم تَنَلْني (١) شَكاتُه ... ظَلمَتُ وفي ظَلمِي له عامِدًا أَجْرُ (٢)
يعني سقاه ما في سِقائه قبل أن يُدرِك. وقوله: وفيه صَولة وذَمِيل، يقول: وله عليهنّ أيضاً صِيالٌ وذَميل (٣).
يَظَلّ على البَرْز اليَفاعِ كأنّه ... من الغارِ (٤) والخوفِ المُحِمِّ وَبِيلُ
البَرْز: ما يَبرُز للضِّحِّ (٥). واليَفاع: ما ارتَفَع من الأرض. والوَبِيل: العصا الغليظةُ الشديدة. والإبّالة: حُزْمة من حَطَب؛ وأنشَدَنا لطَرَفة بن العَبْد:
стр. 371
فمرّت كَهاةٌ (١) ذاتُ خَيْفٍ جُلالةٌ ... عَقيلةُ شيخٍ كالوَبيلِ يَلَنْدَدِ
أَلَنْدَد ويلَنْدد: الغليظ الشديد. وقوله: الغار [والخوف] (٢) المُحِمّ، هو الذى يأخذ (٣) معه هَمٌّ وحديثُ نفس. ويقال: حاجة مُحِمّة. وإنما يريد أنه ضَمَر حتّى صار مِثلَ العصا؛ وأنشَدَنا خَلَف الأحمر:
لا يَلتَوى من الوَبيِل القِسْبارْ (٤) ... وإن تَهَرّاه بها العبدُ الهارْ
تَهرّاه، يعني ضرَبَه بالهِراوة.
وَظلَّ لها يومٌ كأنّ أُوارَه ... ذَكا النارِ من فَيْحِ الفُروغِ طَويلُ
الأُوار: الوَهَج. وقوله: ذَكا النار، هو اشتعالها من وَهَج طَبْخِ السَّموم.
وقوله: مِن فَيْح الفُروغ، يقول: يَفيح (٥) من فُرُوغهِ أي من مَجْراه الّذى يَجرِى منه كمِثْل فَرْغِ الدَّلْو. طويل: لا يكاد ينقضى مِن طُولِه وشِدّته.
فلما رأين الشمسَ صارت كأنّها ... فُوَيْقَ البَضِيعِ في الشُّعاع خَمِيلُ
البَضيع: الجزيرة في البحر. يقول: صارت الشمس حين دنتْ للغروب كأنّها قطيفةٌ لها خَمْلٌ لشُعاعِها. يقول: تراها كأنّ لها هُدْبا. وكلّ جزيرة في البحرِ بَضِيع.
فَهيَّجَها وانشامَ نَقْعا كأنّه ... إذا لَفَّها ثم استمَرّ سَحيلُ
стр. 372
اِنْشامَ (١) نَقْعا: دخل فيه، أي دخل فى نَقْع كأنّه هذا النَّسيجُ قبل أن يُنْسَج. والنَّقْع: الغُبار. والسَّحِيل: خَيْطٌ لم يُبرَم، شبّه به الحمار (٢).
مُنيبًا وقد أَمسَى تَقدَّمَ وِرْدَها ... أُقَيْدِرُ مَحْموزُ القِطاعِ نَذيلُ
مُنيبا أي راجعا. مَحْموز القِطاع، يقال: رجل محموز الفؤاد أي شديد الفؤاد. ويقال: كلّمته بكلمةٍ حَمَزتْ فؤادَه، وإنما يريد أنه محموز السّهام. والأقَيْدِر: القصير العُنُق؛ ويقال: نذِيل ونَذْل وسَمِيح وسَمْح، وإنما جَعَله نَذِيلا لقشَفِه ورَثاثةِ حالِه. والقِطْع: النَّصْل العريض القصير. والقِطاع للجميع. فيقول: "هي مَباعجُ (٣) منكرة"، يعنى سِهامَه.
فلما دَنَتْ بعد استماعٍ رَهَفْنَه ... بنَقْب الحجاب وَقْعُهنّ رَجيلُ
قوله: بعد استماع، أي بعد ما استَمَعتْ هل تَسمَع صوتا أم تَرَى أحدا. وقوله: بنَقْب الحجاب، أي بطريقه، وكلُّ طريقٍ فى غِلَظٍ نَقْبٌ. والحِجاب: مرتَفعٌ يكون فى الحَرّة (٤) عند اعتداله انقطاعها (٥). فيقول: ليست بمنبسِطة. والنَّقْب: الطريق فيها، وهو مرتفع. وقولُه: رَجِيل، يقال: دابّة ذات رُجْلة أي قويّة على
стр. 373
السَّيْر. ويقال: رجُل رَجِيل: إذا كان قويًا على المشى صَبورا. ويقال: حَرّة رَجْلاء، أي غليظة مُنكرة.
يُفَجِّينَ بالأَيْدِى على ظَهْرِ آجِنٍ ... له عَرْمَضٌ (١) مستأسِدٌ ونَجِيلُ
يفجِّين بالأَيْدى أي يَفْتَحْن ما بين أيديهنّ. وقوله: مستأسِدٌ، إذا طال النَّبتُ يقال: قد استأسَدَ النَّبْت. والنَّجِيل: ضَرْبٌ من الحَمْض.
فلمّا رأى أن لا نَجاءَ وضَمَّه ... إلى الموت لِصْبٌ حافظٌ وقَفِيلُ
اللِّصْب: الشّق فى الجبل. والقَفِيل: المكانْ اليابس. حافِظ، يقول: هو يَحفَظه أن يأخذ يمينا وشِمالا فيمرَّ على غير طريق الرامى.
وكان هو الأدنى فَخلَّ (٢) فؤادَه ... من النَّبْل مفتوقُ الغِرار بَجِيلُ
يقول: كان هذا الحمارُ أقربَهنّ من الرامى. وقوله: مفتوق الغِرار أي عريض النَّصْل. والغِرار: الحدّ. قال: والغِراران الحدّان. والبَجِيل: الضَّخْم؛ ويقال: رجل بَجِيل وبجَال، إذا كان ضَخْما، يوصَف به الرجل، وإنما هو ها هنا السَّهْم.
كأنّ النَّضِىَّ بعد ما طاش مارِقا ... وراءَ يديْه بالخَلاء طَمِيلُ
النَّضِىّ: القِدْح من غير حديدةٍ ولا رِيش. قال: هذا أصلُه، ثم كثر حتي صار السهمُ نفسُه يقال له النَّضِىّ. والطَّمِيل: المَطْلِىّ؛ يقال: طمَلَه بالدَّمِ وطَلاه سواء.
ولا أَمْعَرُ (٣) السّاقَيْن ظَلَّ كأَنَّه ... على مُحْزَئلّات الإكامِ نَصيلُ
стр. 374
أَمعَرُ الساقين (١): يريد صَقْرا من الصُّقور. والنَّصيل: حَجَر يُجعَل فى البئر (٢). والمُحْزئلّ: المُشِرف، والمجتمِع، ومِثلهُ قولهُ:
وأَقبَلتِ اليَمامةُ وَاحزألّت ... كأسيافٍ بأَيْدِى مُصْلِتينا (٣)
رأى أَرْنَبا مِن دونها غَوْلُ أَشرُجٍ ... بَعيدٌ عليهنّ السَّرابُ يزولُ
غَوْل، أي ذاتُ بُعْد. أَشرُج: شقوق تكون فى الحَرّة بعيدةٌ طوال. ويقال: شَرْج، وشُرُوج للجِماع. يزول: يتحرّك علينّ السراب.
فضَّمَّ جَناحَيه ومِن دون ما يَرَى (٤) ... بلادٌ وُحوشٌ أَمْرُعُ ومُحولُ
بلادٌ وُحوش، أي بلاد واسعة تسكنها الوحوش. وقد نَفَضَ هذه البلادَ الواسعة (٥)، ومثلُه: الدار من أهلها وُحوش، أي خاليةٌ إلاَّ من الوَحْش.
تُوائِلُ منه بالضَّراءِ كأنّهما ... سَفاةٌ لها فوق التراب زَليلُ
تُوائِل: يريد لتنجوَ منه. والضَّراء: ما واراك من الشجر، وهو ما يواءَل فيه. زليل أي تَمُرّ. يقول: من خِفّتها كأنّها سَفاةُ بُهْمَى (٦) تَزِلّ فُوَيْق الأرض؛ ومِثلهُ قول لَبيد بنِ ربيعة: "تَزِلُّ عن الثَّرى أزلامُها (٧) " أي من خِفّتها. والسَّفاة: شَوْكَةُ.
стр. 375
يقرِّبه النَّهْضُ النَّجيحُ لمِا يَرَى ... ومنه بُدُوٌّ مَرّةً ومُثولُ
يقول يبدو مرّةً فيَظهر ويتبيّن، ويَمثُل أحيانا فيغيبِ مُثولَ ذَهابٍ، تقول: رأيث شخصا فى جوف اللّيل ثم مَثَل عنّى فلم أرَه أي غاب.
فأَهوَى لها فى الجوِّ فاختَلَّ قَلْبَها ... صَيُودٌ لحَبّات القلوب قَتولُ
فأَهوَى لها، يقول: أَهوَى بِيَدِه ليَخْطَفَها. فاختَلَّ أي انتظم. صَيُود، يقول: هو صَيُود لحَبّات القلوب، يعنى الأفئدة.
* * *
وقال أيضًا
فَقدتُ بنى لُبْنَى فلمّا فَقَدْتُهمْ ... صبرتُ ولم أَقطَعْ عليهمْ أَباجِلى
قال أبو سعيد: بنو لُبنَى إخوته، وضرَبَهم مَثَلا. قال: يقول لم أَجْزع كجَزَع غيرى. والأَبْجَل: عِرْق فى الرجل (١)، يقول: صبرتُ فلم أَقطعْ نفسِى فى آثارِهم؛ وأَقطعْ عُروقى عليهم.
حسانُ الوجُوهِ طيّبٌ حُجُزاتُهُمْ ... كريمٌ نَثاهمْ غيرُ لُفٍّ مَعازِلِ
قوله: طيّب. حُجُزاتُهمْ، أي هم أعفّاء، يقال: فلان طيّب الحُجْزة (٢)، إذا كان عفيفا؛ وقال النابغة الذُّبيانىّ:
حِسانُ الوُجوه طيّب حُجُزاتُهمْ ... يُحيَّوْنَ بالرَّيحْان يومَ السَّباسِبِ (٣)
стр. 376
وقوله: كريمٌ نَثاهمْ، يقال: نَثَا عليه ذلك الأمرَ إذا بحث عنه (١) واستخرجه.
والأَلَفّ: الثقيل؛ ويقال: فى لسانه لَفَف، إذا كان فيه ثِقَل. والأعزَل: الّذى لا سِلاح معه (٢).
رِماحٌ من الخَطِّىَّ زُرْقٌ نِصالهُا ... حِدادٌ أعاليها شِدادُ الأسافلِ
زُرْق: بِيض، وتقول: نُطْفة زَرْقاء، إذا كانت بيضاء، تريد الماءَ، وعَنى بالنِّصال الأسنَّةَ.
قتلتَ قتيلا لا يُحالِفُ غَدْرةً ... ولا سُبّةً لا زلتَ أسفلَ سافلِ
لا يحالِف غَدْرْةً أي لا يلازم الشرِّ والغَدر. لا زِلْتَ أسفلَ سافِل، لا زِلتَ فى سَفالٍ ما عِشتَ.
وقد أَمِنونِى واطمأنّت نفوسُهمْ ... ولم يَعلَوا كلَّ الّذى هو داخلى
داخلى، أي ما فى جوفي من الوجد والحُزْن.
فمن كان يرجو الصّلحَ منهمْ فإِنّه ... كأحمرِ عادٍ أو كُلَيبٍ لِوائلِ
يقول: هذا القتيلُ كأحمرِ عاد، وإنما يريد كأحمرِ ثمودَ الذي عقر الناقة. يقول: هذا القتيلُ فى شؤمِ ذاك وفي شؤمِ كُلَيبٍ لوائل.
стр. 377
أُصيبتْ هُذَيْلٌ بابن لُبْنَى وجُدِّعتْ ... أُنوفُهمُ باللَّوْذَعىِّ الحُلاحِلِ
اللَّوْذعىّ: الحديدُ اللّسان ذو القلب الذّكىّ. والحُلاحِل: الرَّكين الرَّزين وأَنشد لامرئ القيس:
القاتلِين المَلِكَ الحُلاحِلا ... خيرَ مَعَدٍّ حَسَبا ونائلا
رأيتُ بنى العَلّات لمّا تَضافَروا ... يَحُوزون سَهْمى دونهمْ بالشَّمائلِ
تَضافَروا: تَعاوَنوا. والتّضافُر: التعاوُن. وقولُه: فى الشّمائل (١)، أي يجعلوننى فى الشمائل؛ وهذا مِثلُ قولهم: عندى فلانٌ باليمين، أي بالمنزلة العُلْيا.
فلَهْفِى على عَمرِو بنِ مُرّةَ لَهْفةً ... ولَهْفِى على مَيْتٍ بقَوْسَى المَعاقِلِ
قَوْسَى المَعاقل: موضع من بلاد هُذَيل أو بناحيتهم (٢).
* * *
(وقال أيضًا)
لقد علمتْ أُمُّ الأُدَيْبِرِ أنّنى ... أقول لها هَدِّى ولا تَذْخَرى لحَمْى
قوله: هَدِّى، أي اقسِمى هدّيتَكِ وما عندَكِ ولا تَذْخَرى.
فإِنّ غدًا إن لا نجِد بعضَ زادنا ... نُفِئْ لكِ زادا أو نُعَدِّكِ بالأَزْمِ
стр. 378
نُفِئ لكِ زادا، أي نُفِىْ عليكِ فَيْئا، ونُعَدِّك: نَصْرِفُكِ بإمساك الفم، أي نَصْرِفُكِ بأَزْمِه لا تأكلين. وحدّثنا الأصمعىّ قال: حدّثنا سُفْيان بنُ عُيَينة قال: قال عمرُ بنُ الخطّاب - رضي الله تعالى عنه - للحارث بن كَلَدة: يا حارِ، ما الطِّبّ؟ قال: الأَزْم، يعني إمساكَ الفم عن الطعام.
إذا هي حَنّتْ للهوى حَنَّ جَوْفُها ... كجَوْف البعير قَلبُها غيرُ ذى عَزْمِ
يقول: إذا حَنّث إلى أهلها وبلدِها فَتحتْ فمهَا، تحنّ كما يحنّ البعير. قَلْبُها غيرُ ذى عَزْم، أي هي غير ساكنة، وذلك أن العازم يَسكُن.
فلا وأبيكِ الخير لا تَجِدينَه ... جَميلَ الغِنَى ولا (١) صبورا على العُدْمِ
يقول: لا تَجِدِينه جميلَ الأمر إذا استغنى ولا تَجِدينه صَبورا اذا افتَقَر.
ولا بَطَلا إذا الكُماةُ تَزيَّنْوا ... لَدَى غَمَرات الموتِ بالحالك الفَدْمِ
الفَدْم: الثقيل من الدم، وهو ها هنا الخاثر، وكذلك صِبْغٌ مُفْدَم. قال أبو سعيد: وزْينتهُمْ فى الحرب أن يتضمّخوا بالدم؛ وهذا مَثَل. والفَدْم: الشديد الحُمْرة. وثوبٌ مُفْدَم: إذا كان مشبَعَ الصِّبغْ، وأراد هو بالحالك الفَدْم أىَّ دم شديدِ السّواد؛ يقول: إذا كان هذا زينتهم.
أبَعْدَ بلائى ضَلّتِ البيتَ مِن عَمًى ... تُحِبُّ فِراقى أو يَحِلُّ لهما شَتْمِى
стр. 379
يقول: لا أَبصرتْ، دعاءٌ عليها. ضَلّت كما يَضلّ الأعمى، يدعو عليها يقول: أَعمَى الله بصَرها حتى لا تهتدى إلى البيت.
وإنّى لأُثْوِى الجُوعَ حتى يَملَّنى ... فيَذهبَ لَم يَدْنَسْ ثيابى ولا جِرْمى (١)
لَأُثوِى الجوعَ، يقول: أطيلُ حبسَه عندي حتى يَمَلنَّى. يقول: أَصبِر صَبْرا شديدا. والجِرْم: الجسد. يقول: لَم يَلحقْنى عار.
وأَغتَبِق الماءَ القَراحَ فأنتهِى (٢) ... إذا الزاد أَمسَى للمزلجَّ (٣) ذا طَعْم
يقول: أَغتبِق الماءَ القَراح تكّرما فتنتهى نفسى، وأنشَدَ لحسّانَ بنِ ثابت:
وأُكثِرُ أهلى من عِيالٍ سواهمُ ... وأَطوِى على الماءِ القَراحِ المبرَّدِ
وأنشد لعنترة:
ولقد أَبِيتُ على الطَّوَى وأَظَلُّه ... حتّى أَنالَ به كريم المأكَلِ
والمزلَّج: الّذى ليس بالمَتين، وهو الأمر الخفيفُ الّذى ليس بكثيف وكذلك هو أيضا من الرجال الّذي ليس بالتامّ (٤). وَعَيْشٌ مُزَلجَّ: إذا كان فيه بعض
стр. 380
النقص. وقوله: ذا طَعْم، أي ذا شهوة اذا اشتهاه وكان طيبّا عنده وطاب فى فمه.
فأنْتهَى: فأكُفُّ عنه.
أَرُدُّ شجاعَ البَطْنِ قد تَعلَمينَه ... وأُوثِرُ غيرى من عِيالِكِ بالطُّعْم
هذا مَثَل، يقول: الجوع يتلظّى فى جوفى كما يتلظّى الشُّجاع (١). والطُّعْم: الطعام.
مخافةَ أن أحيا برَغْمٍ وذِلّةٍ ... وللَموتُ خيرٌ من حَياةٍ على رَغمِ
ويُروَى رُغْم. قال أبو سعيد: رَغْم ورُغْم سواء، يقول: أَطوِى ولا آكُل أحَبُّ إلىّ من أن أَغشَى وَليمةً أعيَّرُ بها. ورَغْم: هَوانٌ ومَذَلّة.
رأت رجلًا قد لوّحتْه مَخامِضُ ... وطافت برَنّان المَعَدَّيْنِ ذى شَحْمِ
يقول: رأتْنى هذه المرأةُ وقد غيّرتنْى هذه المخَامِص وأضمرَتنْى، وطافت بشاب مِرنانِ المَعَدَّيْن، إذا ضرب مَعَدَّيْه أَرَناَّ من صفائهما وصلابتِهما، فسمعتَ لهما صوتا. والمَعَدّ: ما تحت العَضُد (٢)، وهو موضع رِجْل الفارس من الفَرَس؛ فيقول: أنا متشنِّج المَعَدَّيْن، وقد استرخَى مَعَدّاىَ واضطرَبا وماجَا.
غذِىِّ لِقاحٍ لا يزال كأنّه ... حَمِيتٌ بدَبْغٍ عَظْمُه غيرُ ذى حَجْم
الحَمِيت: النِّحْى يُرَبّ، فإذا رُبَّ فهو حَمِيت. بدَبْغ أي جديد لم يُستعمَل؛ عَظْمُه غيرُ ذى حَجْم، يقول: عَظْمُه ليس له حَجْم من السِّمَن.
стр. 381
تقول فلولا أنتَ أُنكِحْتُ سَيّدا ... أُزَفُّ إليه أو حُمِلْتُ على قَرْم
تقول له هذه المرأة: أولا أنّى ابتُليتُ بك وأُنكِحْتُك لأنكِحتُ رجلا سيّدا سِواك. والَقرْم: الفَحْل الّذى يربَّى ولم يُستعمَل. تقول: وحُمِلتُ أيضًا على قَرْم.
لعَمْرِى لقد مُلِّكْتِ أمرَكِ حِقْبةً ... زمانا فهلّا مِسْتِ فى العَقْم والرَّقْمِ
يقول: قد كنتِ تملكِين أمرَكِ زمانا فهلّا تزوّجتِ رجلا غيرى يكسوكِ العَقْمَ والرَّقْم. والعَقْم: ما وُشِّىَ ثم أُدخِل خَيْطُه ثم أُخرِجَ فوُشِّى (١). والرَّقْم: ما رُقِم. والعَقْم والرَّقْم: ضَرْبانِ من الوَشْى.
فجاءت كخاصِى العَيْرِ لم تَحْلَ جاجةً ... ولا عاجةً منها تَلوحُ على وَشْمِ
كخاصِى العَيْر، جاءت منكسِرة، وخاصِى العَيْر يَستحيى ممّا صنع، والمرأة إذا خَصَت العَيْرَ لم يبَقَ شيء من البُذاء إلاَّ أتته. يقول: فعلَتْ مثلَ هذا ثم لم تَحْلَ بشئ؛ قال حُمَيد فيُ ثَوْر:
جُلُبّانةٌ وَرْهاءُ تَخصِى حِمارَها ... بِفى مَن بَغَىَ خيرا لديها (٢) الجَلامِدُ
وقوله: لمَ تَحْلَ، أي لم تفعل، من الحَلْى. جاجةً، قال: الجاجة خَرَزة من رديء الخَرَز. والعاجة: ذَبْلة. وقولهُ: على وَشْم، يقول: ليست بموشومة
стр. 382
ولا مزيَّنة. قال: وكانت أيديهن تُوشَم بالنَّؤور. يقول: فلم تكن هذه تَلبَس سوارَ ذَبْل (١) على وَشْمٍ فى اليد.
أفاطِمَ إنِّى أَسبِق الحَتْفَ مُقبِلًا ... وأَتركُ قِرْنى فىَ المَزاحِف يَستدمِى
أَسبِق الحَتْف، يقول: أَرَى القومَ العَدُوَّ مقبِلين يريدوننى فأنجُوَ منهم وأسبِقَهم عَدْوا، وقوله: مُقبِلا أي مُقدِما، وواحد المَزاحف مَزْحَف، وهو موضع القِتال.
وليلةِ دَجْنٍ من جُمادَى سَرَيْتُها ... إذا ما استَهَلِّت وهى ساجيةٌ تَهْمِى
الدَّجْن: إلباسُ الغَيْم [الأرضَ] (٢). وقوله: "تَهمِى" أي تسيل.
وشَوْطٍ فِضاحٍ قد شَهِدتُ مُشايِحًا ... لأُدْرِكَ ذَحْلا أو أُشِيفَ على غُنْمِ
شَوْطٍ فِضاح، يقول: إنْ سُبِق فيه رجل افتَضَح. والمشُايِح: الجادّ الحامل فى كلامَ هُذَيل. وقوله: أُشِيف على غُنمْ أي أُشِرف على غنيمة.
إذا اْبتَلّت الأقدامُ وَالْتَفَّ تَحتَها ... غُثاءٌ كأَجواز المُقرَّنةِ الدُّهْمِ
يقول: إذا اْبتلّت الأقدامُ من نَدَى اللَّيل. قال أبو سعيد: وتِهامة كثيرة النَّدَى. يقول: إذا جلسوا ابتَلّت أقدامُهم، يَعنِي أنّهم كانوا يَعْدُون على أرجلهم فيكسِرون الشجرَ بأرجلهم. وقوله: كأجواز، أي كأوساط الدُّهْمِ من الإبل.
стр. 383
والمقرَّنة: التى تُقرَن بأخرى؛ لأنّها صعاب، فلذلك تُقرَن، وجَعلَ الغُثاءَ كاجواز المقرَّنة لأنّه أراد كثرتَه وكَثافتَه.
ونَعْلٍ كأَشْلاءِ السُّمانَى نَبَذْتُها ... خلافَ نَدًى من آخِر اللّيلِ أورِهْم
نَعْل كأشْلاء السُّمانى، أي نعل قد تقطّعتْ، فشبَّهها بسُمانىَ قد أُكِلتْ، وإنما أراد شِلْوَ السُّمانَى المأكولة فبقىَ جَناحاها وجلدُها، فشَبَّهَ بذلك. والرِّهمْ (١): المطر الضعيف الساكن الليّن، والواحد رِهْمة، والجماع رِهام ورُهام (٢) ورِهَم.
إذا لم ينازِعْ جاهلُ القومِ ذا النُّهَى ... وبَلَّدَت الأعلامُ باللَّيَلِ كالأُكْمِ (٣)
يقول: استَسْلَم القومُ للأَدِلّاء. وبَلَّدَت، أي لَزِقتْ بالأرض فَتَرى الجبلَ كأنّه أَكَمة فى جوف الليل يَصغُر فى عَيْنِك. والأعلام: الجبال، والواحد عَلَم
تراها صِغارا يَحْسِر الطَّرْفُ دونَها ... ولو كان طَوْدا فوقَه فِرَقُ العُصْمِ
يقول: تراها باللّيل قِصارا وإن كان طَوْدا أي جَبَلا، فوقه فِرَق الأَرْوَى ويَحسِر الطرْف: يَكِلّ الطَّرْف.
وإنِّى لأَهدِى القومَ فى ليلة الدُّجّى ... وأَرمِى إذا ما قيل: هل مِن فَتًى يَرمِى
الدُّجى: الظُّلْمة. والدُّجى: ما أَلْبَسَ من الغيم الدنيا.
стр. 384
وعاديَةٍ تُلقِى الثيابَ وَزَعْتُها ... كرِجْلِ الجَراد يَنْتَحى شَرَفَ الحَزْم
العادية: الحاملة. تُلْقِى الثياب، مِن شِدّة عَدْوِهم تَقَع عَمائهُم ومَعاطِفُهم وهي أردِيَتُهم، والواحد مِعْطَف. وزَعْتُها: كفَفْتُها. يَنتحِى: يَقصد له. شَرَف الحَزْم، وهو المكانَ الغليظ. والحَزْنُ مِثْلُه.
* * *
وقال أيضا (١)
عَدَوْنا عَدْوةً لا شكَّ فيها ... وخِلْناهمْ ذُؤَيبْةَ أو حَبيبا
قال أبو سعيد. يقول: حَمَلْنا حَمْلةً لا شكّ فيها. والعَدْوة: الحَمْلة. وذُؤَيبْة وحبيب: حَيّان من عجز هَوازِن. قال: يقول: حَمَلْنا حَمْلَةً لا يُشَكّ فيها.
فنُغرِى الثائرِين بهمْ وقُلْنا ... شِفاءُ النفسِ أن بَعَثوا الحُروبا
أَغْرَيْنا الثائرِين، قلنا: خُذْ يا فلان، خُذْ يا فلان. قال الأصمعىّ: وسمعتُ ابنَ أبى طَرَفةَ يقول: "شِفاء النفس إن" كَسرَ إنْ، ومِثلُه:
* عِيَر (٢) على أنْ عَجَّل المَنايا *
стр. 385
كأنّى إذ عَدَوْا ضَمَّنتُ بَزِّى ... من العِقْبان خائتةً طَلوبا
يقول: كأنّى أَلبستُ بَزِّى عُقابا. يقول: لما حملوا علينا كأنى أَلبستُ بَزِّى وهو سِلاحُه من سرعتى عُقابا. خائتةً، أي منقضّة. طَلوبا: تَطلُب الصَّيْد.
جريمةَ ناهِضٍ فى رأس نِيقٍ ... تَرَى لعِظامِ ما جَمعت صَليبا
جَريمةَ ناهِض، أي كاسِبَةَ فَرْخٍ، وهو الناهض. والنِّيق: الشِّمْراخ من شمَاريخ الجَبَل. والصَّليب: الوَدَك، وأَنشَدَ لعَلْقَمةَ بن عَبْدة:
بها جِيَفُ الحَسْرَى فأمّا عِظامُها ... فبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فصَليبُ (١) يَعنِى الوَدَكَ.
رأت قَنَصا على فَوْتٍ فضَمّتْ ... إلى حَيْزُومِها رِيشًا رَطيبا
قَنَصا أي صَيْدا. على فَوْتٍ أي سَبْق. والرَّطيب: الناعم الّذى ليس مُتَحاتًّا. والحَيزْوم: الصَّدْر وما احتَزَم عليه، ويقال للرجل: اُشدُدْ حَيازِيمَك لهذا الأمر، أي تَشَدَّدْ عليه واعزِمْ، وأَنشَدَنا:
* وشَدِّى حَيازِيمَ المَطِيّةِ بالرَّحْلِ *
стр. 386
فلاقَتْه ببَلْقَعةٍ بَرازٍ ... فصادَمَ بين عَيْنَيْها الجَبُوبا
البَلْقَعة: المستوِى من الأرض ليس فيه شيء. والبَرا: الفَضاء البارز ليس حولَه شيء يَسَتُره. فصادَمَ بين عَيْنَيْها الجَبوبا، يقول: حين مرّت تريد الغزالَ أخطأَتْه فصَكّت الجَبوبَ برأسها. وبَلْقَعة: جَمْعُه بَلاقِع، ومنه الحديث: "اليمين الغَموسُ الفاجرُة تَدَع الديارَ بلاقِع". والجَبوب: الأرض. قال أبو سعيد: يقول أهلُ الحِجاز: أَخَذَ جَبُوبةً (١) من الأرض.
مَنَعْنا من عَدِىِّ بنى حُنَيْفٍ ... صِحابَ مضرِّسٍ وابنَى شَعُوبا
اِبنَا شَعوب: قوم من بنى لَيْث، وهم حُلَفاء العباس. والعَدىّ: الحاملة.
وبنو حُنَيف: بعضُ من كان يقاتل الهُذَلِيّين.
فأَثْنوا يا بَنِى شِجْعٍ علينا ... وحَقُّ ابنَىْ شَعوبٍ أن يُثيبا
شِجْع: ابن لَيث (٢)، يقول: اثْنوا علينا ببلائنا عندكم.
فسائلْ سَبْرةَ الشِّجْعىَّ عنّا ... غَداةَ تَخالُنا نَجْوًا جَنِيبا
تَخالُنا: تَحسَبنا. والنَّجْو: السحاب. والجَنيب: الّذى قد أصابته الجَنوب وهو أَدَرُّ له، وإذا شُمِل يُقْشَع، يقول: وَقْعُنا بهم مثل وَقْع سَحابةٍ تمُطِر، ومثلهُ:
стр. 387
كأنهمْ تحت صَيْفىٍّ له نَحَمٌ ... مصرِّحٍ طَحَرتْ أَسناؤه القَرِدا (١)
[وأنشد لعلقمة بنِ عبْدة].
كأنّهمُ صابت عليهِم سحابةٌ ... صَواعِقُها لطيرهنّ دَبيب
بأن السابقَ القِرْدِىَّ أَلقَى ... عليه الثوبَ إذ وَلَّى دَبِيبا
السابق: سبقَ القوَم فأَلقَى عليه رداءَه وأَجارَه. قال: وكان الرجل إذا أَلْقَىَ ثوبَه على الرجل فقد أجاره، وأنشد:
ولَم أَدْرِ مَن أَلْقَى عليه رداءَه ... ولكنّه قد سُلَّ من ماجِدٍ مَحْضِ (٢)
وقوله: إذ وَلَّى دَبِيبا، يقول: دَبَّ إليه دَبِيبا يُخْفِيه حتى ألَقَى عليه الثوبَ.
ولولا نحن أَرهَقَه صُهيبُ ... حُسامَ الحدّ مَذْروبا خَشِيبا
أرهَقَه: أغشاه. والمَذْروب: الحديد. والخَشِيب: الصقيل.
والحُسام: الحادّ. والخَشيب: الحديث عهدٍ بالصِّقال. والخَشْب: الطَّبعْ الأوّل، ثم صار كلّ صقيلٍ خَشيبا. أرهَقَه: أغشاه صُهَيب.
به ندعُ الكَمِىَّ على يديه ... يخِرّ تَخالُه نَسْرا قَشِيبا
قشِيب: مسموم. وإنما يراد أنه سُقى القِشب، وهو خَرْبَق تُقتَل
стр. 388
به النُّسور، وهو أن تَجعَل للنسر لحما (١) فيأكلَه، وكلّ مخربَقٍ قَشِيب ومُقَشَّب، وأنشد لطُفَيل:
* إلى وَكْرِه وكلّ جونٍ (٢) مقشّبِ (٣) *
قال: وإنّما ذكر النسورَ بهذا لأنّ النسور هي الّتى يُجعَل لهما فى الِجيَف القِشْب لتُقتَل، وكلّ مسموم مقشَّب.
غداةَ دعا بنى شجْعٍ ووَلَّى ... يؤمّ الخَطْم لا يدعو مجِيبا
لا يدعو مجيبا، أي لا يدعو أحدا يجيبه. والخَطْم: موضع (٤) أو جبل.
وقال أيضا (٥)
لعلّك نافعى يا عُرْوَ يومًا ... إذا جاورتُ من تحت القبورِ
إذا راحوا سِواىَ وأَسلمونى ... لخَشْناءِ الحجارةِ كالبعير
стр. 389
إذا راحوا سِواى "يقول: إذا ذهبوا إلى مكانى (١) " لخشناء الحِجارة، أي لحفرة. وقوله: "كالبعير"، يعني ظهر القبرِ كأنه بعير بارِك.
أخذتَ خفارتى (٢) وضَربتَ وجهى (٣) ... فكيف تُثيبُ بالمَنّ الكثير
يقول: أخذتَ ما أخذتَ وخَفَرْت، أي أخذتَ مالا كثيرا خفرت أهلَه فكيف تثيبنى بمنيّ.
стр. 390
بما يمّمتُه (١) وتركتُ بِكْرِى ... بما أَطعمتُ مِن لحِم الجَزورِ
هذا مثل؛ يقول: كان عندي طعام طيّب فأطعمتُه إيّاه وتركتُ ولدى، فآثرتُه على نفسى وولدى. وبِكْره: ابنه. ويمّمت: قصدتُ له.
ويوما قد صبرتُ عليك نفسى ... مع الأشهاد مرتدِىَ الحَرورِ
قوله: صبرتُ عليك نفسى: فى السَّفَر والعَزْوِ. والأشهاد: من شهد الوقعة، وهم كانوا شهِدوا معه. مع الأشهاد، أي مع الشهود على ما أقول. والحَرور يصيبنى أيضًا. والحَرور: السَّموم.
وقال أيضًا
أَواقِدُ لم أغرركَ فى أَمْرِ (٢) واقِدٍ ... فهل تنتهى عنّي ولستَ بجاهلٍ
يقول: لم آتِ فيما بينى وبينك أمرا ترى أنّى محسن فيه وأنا مسيء، فقد غررتُك، فهل أنتَ منتهٍ عنّى وأنت عاقل ولستَ بجاهل. ولم يعرف الأصمعىّ واقدا هذا. يقول: فلم أحمِلْك على غِرّة.