وهي بِيض، طوال الأعناق والقوائم. والآرام: البِيض، والواحد رِئْم، وهو الّذى لا يخالط بياضَه شيء.
والخُنْسُ لن يُعجِزَ الأيّامَ ذو حَيَدٍ (١) ... بمُشمَخِرٍّ به الظَّيّانُ والآسُ
قال: الخُنْس هاهنا الوعول، ويجوز فى الأُرْويّة (٢) ما يجوز فى العَنْز؛ ويجوز فى الوَعِلْ ما يجوز فى التَّيْس، ويجوز فى البقرة ما يجوز في الضائنة، ويجوز فى الثور ما يجوز في الكَبْش. والظَّيّان: ياسَمين البرّ.
فى رأسِ شاهقةٍ أُنْبوبُها خَصِرٌ ... دون السماء له فى الجَوِّ قُرْناسُ
القُرْناس، رأس الجَبَل. أُنبوبُها خَصر: أي طريقةٌ باردةٌ (٣) فى الجَبَل.
مِن فَوقهِ أنْسُرٌ سُودٌ وأَغْرِبةٌ ... وتَحْته أعنُزٌ كُلْفٌ (٤) وأَتْياسُ
أَنْسُر سود وأغربة، يريد أن فوقَه نُسورا وغِرْبانا محلِّقةً فى السماء. وتَحْته: فى بعض الجبل أُرْوِيّات وأَتْياس من الوُعول، وهو فَوقَها فى قُلَّته.
стр. 527
حتّى أُشِبَّ لها رامٍ بمُحْدَلةٍ ... ذو مِرّةٍ بدِوار الصّيد هَمّاسُ (١)
المُحْدلة: الّتى قد غُمِز طائفُها إلى مؤخّرها، ثم عُطِف إلى مقدّمها، وأنشد قول أبى حيّة:
منصوبة دُفِعتْ فلّما أَقَبلتْ ... عَطَفَتْ طوائفُها على الأَقْيالِ (٢)
ذو مِرّة: ذو (٣) عقل. بدِوار الصيد أي بمداوَرة الصيد.
يُدنِى الحَشيفَ عليها كى يوارِيَها ... ونفسَه وهو للأطمارِ لَبّاسُ
الحشيف: الثوب الخَلَق. والأَطمار: الأخلاق.
فثارَ من مَرْقَبٍ (٤) عَجْلانَ مقتحِماً ... ورابَه رِيبةٌ مِنْه وإيجاسُ
يقول: ثارَ من مَرْقَبِ كان يَرقُب القانصَ فى موضع يُبصِره. رابَه، أي رابَه صوتُه. وإيجاس أي حِسّ.
فقامَ فى سِيَتَيْها فانَتَحى فرَمَى ... وسَهْمُه لَبِنات الجَوْف مَسّاسُ
فى سِيَتَيها، يقول: قام سَهْما (٥). وقولُه؛ فانتَحَى، أي تَحرَّف فى أحد شقَّيْه. وبَناتُ الجَوْف: الأفئدة.
стр. 528
فراغَ عن شَزَنٍ (١) يَعْدو وعارَضَه ... عِرقٌ تَمُجُّ به الأحشاءُ قَلّاسُ
أي عن ناحية. وعارَضه عِرْقٌ من صَدْرِه عانِد (٢). أي خالَفَ (٣)، أخَذَ يَمْنَةً ويَسْرة. قَلّاس: يَقْلِس (٤) بالدّم.
يامَىّ لا يُعجِزُ الأيّامَ مُجْترِئٌ (٥) ... فى حَوْمة الموتِ رَزّامُ وفَرّاسُ
حَوْمة الموت: مُعْظَمُه. ورَزَّام: يَرْزُم على قِرْنهِ أي يَبرُك عليه.
لَيْثُ هِزَبْرٌ مُدِلٌّ عند خِيسَتِهِ ... بالرَّقْمَتَين له أَجْرٍ وأَغْراسُ
هزَبرْ: غليظ (٦). وأعْراس: جمع عُرْس.
أَحمَى الصَّريمةَ أُحْدان (٧) الرِّجالِ، له ... صَيْدٌ ومستمِعٌ باللَّيل هَجّاسُ
стр. 529
الصَّريمة: رُمَيْلة فيها شجر، وجماعتُها الصَّرائم. قال: والهَجْس، يقول: يَسْتَمع وأنشَدَنا عيسى بنُ عمر:
يصيِّدُ أُحدانَ الرِّجالِ وإن يَجِد ... ثُناءَهُمُ يَفرَحْ بهم ثم يَزْدَدِ
صَعبُ البَديهةِ مَشْبوبٌ أظافِرُه ... مُواثبٌ أهرَتُ الشَّدْقَين هِرْماسُ
مَشبوب أظافره، أي قُوِّيتْ كما تُشَبّ النار وتُذكَى به. والبديهة، يقول: هو ذو مُبادَهة أي معاجَلة. صعبُ البَديهة، أي مبادَهَتُه شديدة. هرْماس أي شديد. "ويروى: نبِرْاس، أي حديدٌ شَهْم القلب (١) " ويقال: ذو جُرأة. ويُروَى: جَسّاس (٢).
وقال يمدح زُهَيرَ بنَ الأَغَرّ -وكان أخذَ خُبَيْبَ بنَ عَدِىّ بنِ أَساف:
فَتًى ما ابنُ الأَغَرِّ إذا شَتَوْنا ... وحُبَّ الزادُ فى شَهْرَىْ قُماحِ (٣)
قال أبو سعيد: "ما" زائدة (٤)، وبعضُهم يُنشِد "ما ابنَ الأغرِّ" يَنْصِبه على النداء، كأنّه قال: يا فَتًى ابنَ الأغر. وقوله، شَهْرَى قُماح، هو من مُقامَحة الإبل فى الشتاء، إذَا تَشْرَب الإبلُ الماءَ فى الشتاء فقد قامَحَتْ، تَرَفَعُ رُءوسَها. وقال ابن إسحاق: أنشَدَ الأصمعىّ "وهنّ مِثلُ القاصِباتِ (٥) القُمَّحِ".
стр. 530
أَقَبُّ الكَشْحِ (١) خَفّاقٌ حَشاهُ ... يُضيءُ اللَّيْل كالقَمَر اللِّيَاحَ
أقبّ: خَميص. خَفّاقٌ حَشاه، أي ليس ببَطِين، تَخفِقُ حَشاه كما يَخفُقُ جنَاحُ الطائر.
وصَبّاحٌ ومَنّاحٌ ومُعْطٍ ... إذا عادَ المَسارِحُ كالسِّباحِ (٢)
صَبّاح: يقول: يَصبِح الناسَ، من مَر به صَبَحه. والمَنيحة: أن يمنحَ الرجلُ ابنَ عمِّه وجاره قِطعةً من إِبِله، فيَشْرَبَ ألبانها، وينَتفعَ بأوبارها، فإذا هي غَرَزتْ (٣) رَدّها. والسَّبْحة: قميصٌ للصبيان من جُلود، وسِلْف: رقيق.
وخَزّالُ (٤) لَموْلاه إذا ما ... أَتاُه عائلا قَرِعَ المُراحِ
قَرِع المُراح، يقول: يَقرَعُ مُراحه من الإبِل، لا يكون فيه إِبِل، وهو حيث يريح إبلَه.
стр. 531
وقال يردّ على مالك بنِ عوف النَّصْرى
أَمالِ بنَ عَوْفٍ إنّما الغَزْوُ بيننا ... ثلاثَ لَيالٍ غيرُ مَغْزاةِ أشْهُرِ
يقول: إنما الغَزْو بيننا ثلاثَ لَيالٍ. يقول: ليس بيننا وبينكم ما يقيم. (١) قال: ولا يَنصِب أحدٌ "غَيْر".
متى تَنْزِعوا من بَطْنِ لِيّةَ تُصبحوا ... بقرْنٍ ولم يَضْمُر لكم بطنُ مِحْمَر
متى تَنزِعوا، أي متى تخرجوا، يقال: نَزَع إلى مكان كذا وكذا. والِمْحمَر والكَوْدَن واحد، وهو الهجَين من الدّوابّ (٢).
فلا تَتَهدَّدْنا بقحْمِكَ إنّنا ... متى تأتِنا نُنْزِلْك عنه ويُعْقَرِ
بقَحْمِك أي بفَرَسِك؛ (٣) والقَحْمُ والقَحْرُ: المُسِنّ. يُعقَر: جوابُ الجزاء. "قلت (٤) له، بقومك" قال: لا.
فبعضَ الوعيدِ إنّها قد تكشّفتْ ... لأشْياعِها عن فَرْج صَرْماءَ مُذْكِرِ
فبعضَ الوعيد أي لا يشتدّ وعيدُك. تكشّفتْ: لَقحتْ. والصَّرْماء: التي لا لبن (٥) لها؛ والمُذْكِر: [التى] تجئ بالذِّكارة، وهي شَرّ، وهذا مَثَل.
стр. 532
ألم تر أنّا أهلُ سَوداءَ جَوْنةٍ ... وأهلُ حجِابٍ ذى قِفافٍ مُوَقَّرِ
الحجاب: ما ارتفع من الحَرّة (١) حتى يصيَر كأنّه جبل. جَوْنة: حَرّة. مُوَقَّر: به آثارٌ فى رأسه قد وَقرَتْه.
وقال أيضا
فِدًى لبِنِى لِحْيانَ أُمِّى فإنّهمْ ... أطاعوا رئيسا منهمُ غيرَ عُوَّقِ (٢)
أبأْنا بيَوْم العَرْج يوما بِمثلِه ... غَداةَ عُكاظٍ بالخَليط المفرّقِ (٣)
قال: يقول: كان يومُ العَرْج علينا، فأَبأْنا به يوما بمثله، يقول: جزَيْناهم حين لقِيناهم بعُكاظ.
فقَتْلَى بقَتْلاهْم وسَبْياً بسَبْيهِمْ ... ومالًا بمالٍ عاهِنٍ لَم يُفرَّقِ
العاهن: الحاضر (٤)، قال أبو سعيد: ولم أَسمَعْ له بفِعْل.
فَيْبَرحُ (٥) منهمْ مُوَثقٌ فى حِبالنِا ... وعَبْرَى متى يُذْكَرْ لها الشَّجْوُ تَشْهَق
стр. 533
مكبَّلة قد خَرَّقَ السَّيْفُ حِقْوَها ... وأخرى عليهاِ حِقْوُها (١) لَم يُخَرَّقِ
قال أبو سعيد: الحَقْوُ هاهنا الزَّوج فيما نَرَى، والحَقْو فى موضع آخر: الإزار.
وقال أيضا
لإلْدِكَ (٢) أَصحابِى فلا تَزْدَهِيهمُ ... بِسايَةَ إذ مدّتْ (٣) عليكَ الَحلائبُ
كذا أنشَدَنى "لإلدكِ"، قال لى: هم الصِّغار، ويُروَى "لِوُلْدك". تزدهيهم، يقول: لا تَحقِروا أصحابى فإنّهم إذا جاء الناسُ وكَثُروا دَفَعوا عنّى، "وهى حَلْبَة وحَلائب" (٤).
طَرحْتُ بذى الجَنْبَيْن صُفْنى (٥) وقِرْبتَى ... وقد أَلَّبوا خَلْفى وقَلَّ المَساربُ (٦)
الصُّفن: واحد، وجماعُته أَصْفان وصُفُون، والصُّفْن: شئٌ يشبِه الزِّنْفِيلَجَة (٧)
يُشْتار فيه العسل، قال أبو سعِيد: وإنّما طَرَحَ صُفْنَه وقِربَتَه لِيَخِفَّ إذا هَرَب. وَقلَّ المَسارب، أي قَلَّ مكانُ أَسُربُ فيه.
стр. 534
وكنتُ آمْرَأً فى الوَعْثِ (١) مِنّى فُروطَةٌ ... وكلُّ ريُود (٢) حالِقٍ أنا واثِبُ
يقول: إذا كنتُ فى الوعث افترطتُه فمررت مَرا سريعا، وإذا أتيتُ حالِقا له رُيُود وَثَبْتُه. والحالِق: المُشرِف من الجبال. فُروطَةٌ: تَقَدُّمٌ.
فما زِلتُ فى خَوْفٍ لَدُنْ أن رأيتُهمْ ... وفى وابلٍ حتى نَهَتْنى المَناقِبُ
قوله: لَدُن أنْ رأيتهمْ، قال: رأَى قوما يطلبونه، فهَرَب منهم، وكان فى مِثلِ الوابِل من شِدّةِ عَدْوِه. وقوله: حتّى نَهَتْنى المنَاقب، قال: هي ثَنايَا ذات عِرْق، وكلّ طريقٍ فى جَبلٍ أو غَلْظ فهو مَنقَب.
فواللهِ لا أَغْزُو ومُزَيْنةَ بعدَها ... بأرضٍ ولا يَغْزُوهمُ لىَ صاحِبُ
أَشُقّ جِوارَ (٣) البِيدِ والوَعْثِ مُعْرِضا ... كأنّى لما قد أَيْبَس الصَّيْفُ حاطِبُ
جِوار البِيد: ما جاوَرَ، وهو الجِوار، ولا واحد له. قوله: معرِضا يقول: لا أبالى ما وَطِئْتُ، أَكْسِر لا أُبالى، كأنّي حاطِب لِما أَيْبَس القَيْظ من الحَطَب.
غَيالٌ وأَنْشامٌ وما كان مَقْفِلى ... ولكنْ حَمَى ذاكَ الطَّريقَ المَراقِبُ (٤)
غَيال: شجر. وأَنْشام: جمعُ نَشَم، وهو ضربٌ آخرُ من الشَّجَر. والمَرْقَبة: موضعُ المَخافة. ومَرْقَبة: جمعُه لَمراقِب.
стр. 535
ويمّتُ قاعَ المُستحيرةِ (١) إنّنى ... بأنْ يَتلاحَوا آخِرَ اللَّيلِ آربُ
يقول: نَجوْتُ منهم وتركتُهم. يتلاحوْا: يَتسابُّوا، يقول بعضُهم لبعض: فَعَلَ اللهُ بنا وفعل بنا، كيف انفَلَتْنا. يقول: فلِى حاجةٌ أنا فى أن أنجوَ ويتلاحَوْا. والإِرْب: الحاجة.
جِوارَ شَظِيَّاتٍ وبَيْداءَ (٢) أَنتَحِى ... شَمارِيخَ شُمًّا بينهنَّ خَبائبُ
الخَبائب: الطرائق. جِوار: موضِعُ المُجاورة، يريد شَمَاريخَ شُمًّا بين طرائقَ شَظِيّات. بَيْداء: قَفْرِ. أَنتحِى: أعتمِد. والشَّماريخ: رءوسُ الجبال العُلا المُشرِفة، والواحد شمْراخ.
فلا تَجزَعوا، إنا رجالٌ كمِثْلِكمْ ... خُدِعْنا ونَجّتْنا المَنَى والعَواقِبُ (٣)
يقول: نحن رجالٌ خُدِعنا مِثْلَك ووقَعنا، فلمّا وقعْنا نجتْنا المنَى، أي القَدَر. والعواقِب، أي كان عاقِبةً عليكم. يقول: أَوطأْنا عِشْوَةً فيكم: أخطَأْنا الطريقَ وأَخذنا الطريقَ الّذى لا ينبغى أن نأخذَه حتّى وَقعْنا فيكم.
كَمْعجِزِكْم يومَ الرَّجيعِ حِسابنَا ... كذَلكم إنّ الخُطوبَ نَوائبُ (٤)
стр. 536
يقول: كما عَجزْتم يومَ الرَّجيع. يقول: كما كنتمْ يومَ الرجيع كانَ لكُم علينا فلا تَجزَعوا أنْ يكون لنا عليكم يوم. وقولُه: "إنّ الخطوب نوائب" أي لكم وعليكم فلا تجزَعوا. والرَّجِيع: وادٍ لهذيل بين مكّة والمدينة.
كأنّ ببَطْنِ الشِّعْب غِرْبانَ غِيلةٍ ... ومِن فَوقِنا منهمْ رِجالٌ عَصائبُ
غِيلة: شجرٌ ملتَفّ. والشَّجر: الغِيل. والماء: الغَيْل. كأنّ ببَطْن الشِّعب من كثرتِها غِرْبانا قد اجتمعت. ومِن فوقِنا، أي من فوق الجبل أيضا. رجالٌ عَصائب، أي جماعات.
وكان (١) لهم فى رأسِ شِعْبٍ رقيبهم ... وهل تُوحِشَنْ مِنَ الرِّجال المرَاقِبُ
يقول: لا تَخْلو المَراقب من الرَّجال يترقّبون فيها.
وقال يذكر الوقعة
لمّا رأيتُ عَدِىَّ (٢) القوم يَسْلُبهمْ ... طَلْحُ (٣) الشَّواجنِ والطَّرْفاُء (٤) والسَّلَمُ (٥)
стр. 537
قال أبو سعيد: يقول: اِنهزَموا، فجَعَل الطلحُ والطَّرفاءُ يَمْشُقهمْ وهم يَعْدُون فى الشّجر، يَهرُبون منهزمين، ومِثلُ هذا قولُ الآخَر:
وأَحسبُ عُرْفُطَ الزَّوْراءُ يُودى ... علىّ بوَشْكِ رَجْعٍ واستلال (١)
قال أبو سعيد: هذا الشقِيُّ فَرِق فَحسِبَ أنّ السيفَ يُسَلّ عليه.
كَفَّتُّ ثَوبىَ لا ألوِى على أَحَدٍ ... إنِّى شَنِئْتُ الفَتى كالبَكْرِ يُخْتَطَمُ (٢)
شَنِئتُ، أي أَبغَضْتُ. كالبَكْر يُختطم، يقول: إذا فَزع قامَ كما يقوم البَكْر وصيَّره بَكْرا لأنّه أضعَفُ الإبل، ولو أنّه صَيَّره فَحْلا رَفَسَه.
وقلتُ مَن يَثْقَفُوه (٣) تَبْكِ حَنَّتُه (٤) ... أو يَأْسرُوه يَجُعْ فيهمْ وإن طَعِموا
حَنَّتُه: اِمرأتُه. يَجُعْ فيهم وإن طَعموا، قال: يقول: يأكلون ويشربون وهو بمنزلة الكَلْب، إذا فَرَغوا أطَعموه.
وزعمَ الحسنُ فى قوله : (مِسْكِينًا ويَتِيماً وأَسِيراً) قال: ما كان أسراهم إلّا المُشْرِكين.
стр. 538
واللهِ ما هِقْلةٌ حَصّاءُ عَنَّ لها ... جَوْنُ السَّراةِ هِزَفٌّ لَحْمُها (١) زِيَمُ
هِقْلة: نَعامة. والذَّكَر هِقْل. حَصّاء: قد تَحاتَّ عنها الرِّيش، وذلك من كبَرها، فهو أشدُّ لها، وأنشَدَنا "مُعْط الحُلوقِ عن عُرُضٍ": أي يُبارِيها ذَكَر فى العَدْو (٢). والهِزَفّ والهِجَفّ: واحد، وهو الجافِى. وقولهُ: لَحمُها زِيَم، أي قِطَع على رءوس العِظام، يقول: ليستْ بمَذْمومة، وذلك أشدُّ لها.
كانتْ بأَوْدِيَةٍ مَحْلٍ فجادَ لها ... من الرَّبيعِ نِجاءُ نَبْتُه دِيَمُ
قال: يريد أصابها نِجاء من المطر، ونبته أيضا: دِيم من المطر، يقول: كانت بأوديةٍ غُبْر فهى بضُرّ، ثم جاد لها بنَبْتِ ما تَأْكل" وهو أشدُّ لها (٣).
فهى شَنُون قد ابتَلّت مَسارِبهُا ... غيُر السَّحوِف ولكنْ عَظْمُها (٤) زَهِمُ
стр. 539
السَّحوف: الّتى تُسحَف عن ظَهْرِها قطعَةُ شَحْم. وقولُه ابتلّت مَساربُها وهي غَيْرُ السَّحوف، وهو أقوَى لها. وعَظُمها زَهِم، أي فيه مُخّ. والشَّنون: الّذى بين السَّمين والمهزول.
بأسرعَ الشَّدّ منّى يومَ لانَيِةٍ (١) ... لمّا عَرَفْتُهمُ واهتزّتِ اللِّمَمُ
قال أبو سعيد: مِثلُ هذا البيت:
يَعْدُو بهمْ قُرزُلٌ ويَلْتَفتُ النا ... سُ إليهمْ وتَخفِق اللِّمَمُ
هَجاهمْ وعَيّرهْم بفِرارهم. يقول: إنّهم عَدَوا فتحركتْ لِمَمُهُمْ وهم يَعْدون. وقُرْزل: فرس طُفَيل بنِ مالك. وطُفيل، هو أبو عامر.
غَزَتْ بنو كَعب بنِ عَمْرو مِن خُزاعةَ بنى لحيْانَ
فقال فى ذلك اليوِم (مالِكٌ) (٢) ولَم يَشْهَدْه
فدًى لِبنى لِحْيانَ أُمِّى وخالتى ... بما ماصَعُوا بالجِزْعِ رَجْلَ بنى كَعْبِ
قال أبو سعيد: مُنْثَنَى الوادى يقال له الجِزْع. والخَرَزُ الّذى ينُظَم يقال له: الجَزْع. والمُماصَعة: المُماشَقة (٣) بالسَّيْف. والرَّجْل: الرَّجّالة.
стр. 540
ولمّا رَأَوْا نَقْرَى (١) تَسيلُ إكَامُها ... بأَرْعَنَ جَرّارٍ وحامِلةٍ (٢) غُلْبِ
نَقَرَى: موضعٌ بعَيْنه. وأنشَدَنا أبو سعيد "بالجِزْع مِن نَقَرَى نِجاءُ خَريف (٣) ". وقوله: تَسيلُ إكامُها، هذا مَثَل، يقول: سالَ الوادى بهم، يريد الكثرة.
تَنادَوا فقالوا يالَ لِحْيانَ ماصِعوا ... عن المَجْد حتى تُثْخِنوا القومَ بالضَّرْبِ (٤)
المُماصَعة: المُماشَقة بالسيف.
فضارَبَهمْ قومٌ كِرامٌ أعِزّةٌ ... بكلِّ خُفافِ (٥) النَّصْل ذى رُبَدٍ عَضبِ
الخفاف: الخفيف. الربد: آثار سود. والعضب: القاطع من السيوف.
فما ذَرَّ قَرْنُ الشّمسِ حتّى كأنّهمْ ... بذاتِ اللَّظَى خُشْبُ تُجَرُّ إلى خُشْبِ
ذَرَّ: طَلَع. وقَرْن كلّ شيء: أوْله وما يبدو منه. وذاتُ اللَّظَى: مكان. خُشْب، يقول: قَتْلاهم خُشُبٌ مُصرَّعة، وأَشَدَنا:
كأنّ قَتلاهمْ بحيث تَرتَمِى ... كخُشُبِ المَدينةِ المُحْرَنْجِم (٦)
стр. 541
كأنّ بذى دَوّانَ والِجزْعِ حولهَ ... إلى طَرَف المِقْراةِ أرغِيةَ السَّقْبِ (١)
قال أبو سعيد: هذا مَثَل، يقول: أصابهم مِثلُ ما أصاب ثمود، وأنشدنا الهُذَلىّ:
ورَغَا بهمْ سَقْبُ السَّماءِ وخُنِّقتْ ... مُهَجُ النّفوسِ بِكارِبٍ متزِلِّف (٢)
وأنشدنا لعلقمةَ بنِ عَبَدة:
رغا فوقَهمْ سَقْبُ السماءِ فداحِصٌ ... بشِكّتِه لم يُسْتَلَبْ وسَلِيبُ
стр. 542
وقال حُذَيفة بن أنَس أحدُ بنى عامر بن عَمْرو بنِ الحارث بنِ تميم بنِ سعد بنِ هُذَيل (١)
ألَا أبْلِغَا جُلَّ السَّوارِى وجابرًا ... وأبلِغْ بنى ذِى السَّهْمِ عنّا ويَعْمَرَا
سارية: مِن نُفاثةَ بنِ الدِّيل (٢). قال أبو سعيد: وهو قول عمر: يا سارية الجَبَل. فيقول: أبلغْ جُلَّ أهل ذلك البيت. وقولُه: "بنى ذى السَّهْم"، قال أبو سعيد: أظنّهم من عَجزُ هَوازِن. ويَعمَر: من بنى لَيث (٣).
وُقولَا لهمْ عنّى مَقالةَ شاعرٍ ... أَلمَّ (٤) بقَوْلٍ لَم يُحاوِل ليَفْخَرا
يقول: قلتُ هذا القولَ ولم أحاولْ أنّى أقول باطلا، إنّما قلت حقّا ليُفخَر به. هذا مِثلُ قولك: أقولُ ذلك ولا فَخْر؛ قال: وإذا هو لم يَفْخَر كان أجْدَر أن يقولَ الحقّ.
لعلّكمُ لمّا قَتَلْتمْ ذَكرتمُ ... ولن تتركوا أن تَقْتُلوا مَن تعَمَّرَا
стр. 543
قال: يقول: لمّا قتلتمْ ذَكَرتم الذُّحول. قوله: مَن تَعَمَّرا أي من يُنسَب إلى يَعْمَر (١)، وأنْشَد:
* وقَيس غَيْلانَ ومَن تَقَيَّسا *
أي هو منهم بنَسَب.
أَلَم تَقْتُلو الِحرْجَين (٢) إذ أعْوَرَا لكمْ ... يُمِرّان فى الأيْدى اللِّحاءَ المضَفَّرا
الحْرجَان، قال: شَبَّههما من بياضهما بوَدَعتين، يقول: قتلوهما وهما فى حُرمةٍ قد أخَذَا من لحاء شجر الحَرَم فضَفَّرَا. قال: ويكون أيضا الِحرْجان رَجلين يقال لهما: الحِرْجان. ويُروَى عَوَّرا لكم أي بدَتْ لكم عَوْرَتُهما.
وأَرْبَدَ يومَ الجِزْع لمّا أتاكمُ ... وجارَكُمُ لَم تُنْذروه ليَحْذَرا (٣)
لم تُنذِروه لِيحذر، يقول: سكَتُوا عنه حتّى قُتل.
стр. 544
كَشَفْتُ غِطاءَ الَحْربِ لمّا رأيتُها ... تنَوُءُ (١) على صَغْوٍ من الرأس أصْعَرا
كَشفتُ غِطاءَ الحَرْب، يقول: كنتُ أستُرها عنهم، فقد كَشفتُ غِطاءَها وأبرَزْتُها اليوم.
بقَتْل بن الهادي وقيس بن عامر ... كَشَفتُ لهم وِتْرى وكان مُخَمَّرا (٢)
كشفتُ لهمْ وِتْرِى، يقول: وِتْرا كان مُغَطّى أستُره أن يَعرفَه أحد، فقد كشفُته، والوِتْر: الذَّحْل، والذَّحْل: الأمرُ الذي أَثأَرْتَ به.
ونحن جَزَرْنا نَوْفَلاً فكأنّما ... جَزَرْنا حِمارًا يأكلُ الَقِرْفَ (٣) أَصْحَرا
يقول: لم يَفزَع لقَتْله أحد، فكأَنّما قَتَلْنا به حمارا أصَحرَ، والصُّحْرة من اللون: إلى الحرة. وقِرْف الشجر. قِشرُه.
جزَرْنا حمارا يأكل القِرْفَ صادِرًا ... تَرَوَّحَ عن رمٍّ (٤) وأُشْبِعَ غَضْوَرا
رِمّ: اسم ماء، وغَضْوَر: أخبَثُ الحشيش (٥).
стр. 545
ألا يا فتىً ما نازَلَ القومَ واحداً ... بنَعْمَانَ لم يُخْلَق ضَعيفًا مُثَبَّرا
المثبرّ: الهالك، وليس هو عن الأصمعىّ (١).
أخو الحربِ إنْ عَضّت به الحربُ عَضَّها ... وإن شَمَّرتْ (٢) عن ساقِها الحربُ شَمَّرا
يقول هو: الحَرْب قد زاوَلهَا وعالجَهَا، فإنّ عضّته عضّها، وإن غمزتْه غَمَزَها هو.
ويمشى إذا [ما] (٣) الموتُ كان أمامَه ... لِقَا المَوْتِ يَحمِى الأنفَ أن يتأخّرا
قال أبو حفص الأصفَهانىّ: أَرْوِيه عن بُنْدار: "قِدَى الرُّمْح" مكان "لِقَا الموت" ولم يُثبت أبو إسحاقَ هذا البيت، وأنكَره، قال: قَصَر اللِّقاء.
فلو أَسمَعَ القوم الصُّراخ لقُورِبَتْ ... مصارِعُهمْ ببن الدَّخول وعَرْعَرا (٤)
لقُورِبَتْ مَصارِعُهم، يقول: لقُتِل بعضُهم إلى جَنْب بعض.
стр. 546
وأَدْرَكهْم شُعثُ النّواصى كأنهمْ ... سَوابقُ حُجّاجٍ تُوافِى المُجَمَّرا (١)
أي وأدرَكَهم شُعْث، أي وأدركهمْ قومٌ غُزَاةٌ شُعثُ الرءوس، فكأنّهم قومٌ مُحرِمون.
هَمُ ضَرَبوا سعدَ بنَ ليَثٍ وجُنْدُعًا ... وكَلْبا (٢) غَداةَ الِجزْع ضَرْبا مُذَكَّرا
ضَربًا مذكَّرا: لا تأنيث (٣) فيه. والجِزْع: مُنْثَنىَ الوادى.
نجا سالمٌ والنفسُ منه بشدْقِه (٤) ... ولمَ يَنْجُ إلاّ جفنَ سَيْفٍ ومِئْزَرا
قال: يريد ولم ينج إلاَّ بجَفْن سَيْف ومئزَر، فلمّا حذفَ حرف الجرّ نَصبَه.
وطابَ عن اللَّعّاب نفسًا ورَبِّه ... وغادرَ قيسا في المَكَرِّ وعَفْزَرا (٥)
قال أبو سعيد: كان اللَّعّاب لعُمارة بن الوليد، وكان استودَعَه إيَّاه، فلمَّا غُشِىَ ركبَه.
стр. 547
وقال أيضًا
عَجَبتُ لقَيسٍ والحوادثُ تُعْجِبُ ... وأصحابِ قَيْسٍ حين سارُوا وَقنَّبوا
يقول: يوم صارُوا مقْنَبا؛ والمِقنْبَ: الجماعة. قال أبو حفص: هو ما بين الثلاثين إلى الأربعين.
وعَمَّى عليه الموتُ يأتى طريقَه ... سِنانٌ كعَسْراء العُقاب ومِنْهَبُ
قال أبو سعيد: عَسْراء العُقاب، رِيشةٌ بيضاءُ تكون في جناحها. والسِّنان: بدلٌ من الموت. يقول: أصابْته طعنةٌ عَمّت عليه مَذاهبَه حين غشيتْه وغَشيَه الدّم. ومِنهَب. فرسٌ كان عندهم لقريش:
وكان لهْم في أهل نَعمانَ بُغْيةٌ ... وهَمُّكَ ما لم تُمضِه لك مُنْصِبُ
فكانت على العَبْسِىِّ أوّلَ شَدَّةٍ ... وآبُوا عليه ثم صَدُّوا وجَنَّبوا
آبوا: رجَعوا. وجَنَّبوا: عَدَوْا وقَرَّبوا.
فَأدبَرَ يَحْدو الضَّأنَ بالمَتْن (١) مُصْعِدا ... فلاقَاهُما بين القُتائِد جُنْدَبُ
стр. 548
قال: كانا رجلَين فَأدْبر أحدهما، فلاقاهما جُنْدَب، يعنى الرجلين. بين القُتائد، قال أبو سعيد: قُتادات: نابتات بمَوْضع (١) بعَرفة.
فأَلَزَمَ قيسًا رَمْيَةً ذاتَ عانِدٍ ... وسَلَّ وسَلَّا يَضْرِبان ويَضْرِب
فأَلزَمَ قيسًا رَمْيَةً أي أَثْبتَ فيه سهما. والعاند: الدمُ يأخذ معترِضا ليس بقاصد.
وأَفلَتَ منه سالمٌ بعد كُرْبَةٍ ... وفي ثَوْب حَقْوَيْه دَمٌ يتصبَّبُ
الإزار يسمَّى (٢). قال أبو سعيد: ماتَ بعضُ بناتِ رسولِ الله ﷺ فَأَلْقَى حَقْوا فقال، أشْعِرنَها إيَّاه: أي إزارا. والزَّوْج يسمَّى الحَقْو (٣)، يريد في ثوبه دم.
فيا لَهْفَ أمِّ العاذلات وهذه ... سَفاةٌ ولكنّى إلى الشَّفْع أرْغَبُ
إلى الشَّفْع أرْغَب، يقول: أَشتهِى أن يكونوا شَفَعوهمْ بِمثْله، وهذه سَفاة، يقول: لأمنيّة (٤) سفاة.
стр. 549
كأنّ بنى عَمْرٍو (١) يُراد بدارهم ... بنَعمانَ راعٍ في أُدَيْمَةَ مُعْرِبُ
كأنّ في عمرو، يَعجَب منهم، يقول: جاءوا إليهمْ كأنّما يريدون راعيا مُعزِبا. وأُدَيمة: جَبَل، يقول: قد اجترأوا عليهم حين أَتَوْهم كأنَّهم أَتَواْ راعِيا.
وكنّا أُناسا أنطَقَتْنا سُيوفُنا ... لنا في لِقاء الموت حَدٌّ وكَوْكَبُ
حدّ: بأس. وكَوكَب كلّ شيء: مُعظَمه.
بنو الحَرْب أُرْضعْنا بها مُقْمَطِرَّةً ... فمن يُلقَ منَّا يلُقَ سِيدٌ مُدَرَّبُ
قال أبو سعيد: المُقْمَطِرّة: الكالحة الشنيعة. ويقال: اقْمَطَرَّ السَّبعُ، واقْمَطَرّت الناقة: إذا لَقِحَت. يقول: أُرضِعْنا بها وقد تهيّأتْ للشرّ. قال؛ والمُدَرَّب: الضارى. والسِّيد في كلام هُذَيل: الأسد.
فُرافِرةٌ أظفارُه مِثْلُ نابه ... وإن يُشْوِ نابُ اللَّيْث لا يُشْوِ مِخْلَبُ
فُرافِرة: يفرفر كلَّ شيء. وإن يُشْوِ نابُ اللَّيث لا يُشْوِ مخِلْبَ. يقول: إن كان نابُه يُشوِى لا ضيَر (٢) فإنّ مخِلبهَ لا يُشوِى، أي هو قاتِل، يقال: أَشْواه إذا أصابَ منه الأمرَ الهيّن، وأصلُه من الشَّوَى، وهي القوائم. والقوائم غيرُ مَقْتَل ثم كثُر على ألسنتهم حتى قالوا: أَشْواه إذا لم يَقْتُله؛ وإن هو أصابه في غير الشَّوَى؛ ويقال: لم يُشوِه، إذا أصاب المَقْتَل.
стр. 550
وقال أيضاً (١)
غَلَتْ حَرْبُ بَكْر واستطارَ أَديمُها ... ولو أنّها إذا شُبّت الحَرْبُ بَرّتِ (٢)
стр. 551
قال أبو سعيد: قوله: واستطار أديمُها، هذا مَثَل، يقول: تشقّقتْ، وكل ما تشقّق فقد استطار، وإنما يريد أنّ الشرّ تَشقَّق فيما بين هؤلاء القوم.
وأخْطَأَ عَبْدًا ليلةَ الِجزْعِ عَدْوَتى ... وإيّاهمُ لولا وُقُوها (١) تَحَرَّتِ
قال هو عَبْد بن عَدِىّ بنِ الدِّيل؛ عَدْوتى: حَمْلتى. يقول أَصبْنا قوما لم نُرِدْهم لولا أنهم وُقُوها.
أَصبْنا الّذين لم نُرِد أن نصيبَهمْ ... فساءتْ كَثيرا من هُذَيلٍ وسَرّتِ (٢)
أسائلُ عن سعدِ بنِ ليثٍ لعلّهم ... سِواهم وقد صابَتْ بهم فاستحرّت
أسائل عن سعد، يقول: أقول: لعل الذين وقعَ بهم الأمرُ وقع بسواهم، وقد صابتْ بهم أي كان مُعظمُها (٣) بهم. وقوله: فاستحرّت، يقال: استحرّ الأمرُ ببنى فلان إذا اشتد.
وكانت كداء البَطْنِ حِلْسُ ويَعْمَرٌ (٤) ... إذا اقتَربَتْ دَلّت عليهم وغَّرت
قوله: كداء البطن، يقول: كانت غائلتها تخفى كما يَخْفَى داءٌ لا يُدْرَى كيف يؤُتَى له.
стр. 552
يقول: فهؤلاء كداء البطن، لا خَير عندهم. وغَرّت، يقول: تغُرّهم فيطمئنون فَيَنزِل عليهم من يريد غِرّتَهمْ.
وتُوعِدُنا كلبُ بنُ عوفٍ بخَيْلِها ... عليها الخسَارُ حيث شَدّتْ وكَرّت (١)
يقول: عليها الخسار، يدعو عليهم، كقولك: عليه لعنةُ الله.
فلا تُوعِدونا بالِجياد فإِنّنا ... لكْمُ مُضْغةٌ ما لُجلِجَتْ فأَمَرّت (٢)
يقول: يريدوننا فلا يَقدِرون علينا. قال: ومثلُه قولُ زهير:
تُلْجلجُ مُضْغةً فيها أَنِيضٌ ... أَصَلَّتَّ فهي تحتَ الكَشْحِ داء (٣)
стр. 553
نشَأْنا بنى حَرْبٍ تَربَّت صِغارُنا ... إذا هي تُمْرَى بالسَّواعد كَرّتِ (١)
نشأْنا، يقول: نشأْنا عليها ثم نَغْتَبِقُها (٢) إذا هي تُمْرَى بالسواعد، يقول إذا هي تُمْرىَ في سواعدها، والسواعد: مَجارِى اللّبن في عروق الضَّرْع، يقول: إذا مَرَينْاها لنَحلُبها دَرّت. وكَرّت: عادت.
ونَحمِل في الأبطال (٣) بِيضًا صَوارِماً ... إذا هي صابتْ بالطَّوائف تَرّتِ
صابت: نَزلتْ وقَصَدَتْ، أي كما يَصُوب الغَيْث، أي يَنحدِر. والطوائف: النَّواحى، يريد الأيْدى والأرْجُل. تَرّت: قَطَعتْ. في الأبطال: أي مع الأبطال.
وما نحن (٤) إلاَّ أهلُ دارٍ مقيمةٍ ... بنَعْمانَ من عادتْ من النّاس ضرَّت
стр. 554
وفي هذه الحرب يقول جُنادةُ (١) بنُ عامر أحد بني الدَّرْعاء، والدَّرْعاء (٢): حيٌّ من عَدْوان ابن فهم بنِ عَمْرو بن قيس عيلان، واسم عَدْوان الحارث، وخلفهم في بنى سَهْم بن معاوية فيِ تميم بن سعد بن هُذَيل:
لعَمْرُكَ ماونَى ابنُ أبى أُنَيْسٍ ... وما خامَ القِتالَ وما أَضاعَا
قال أبو سعيد: قولهُ: خامَ القتال، أي عَدَل عنه.
رَمىَ بقِرانِها حتّى إذا ما ... أتاه قِرْنُه بَذَلْ المِصاعا
قوله: رَمَى بقِرانها، يعني نَبْلا. والقِران: المستوية. يقول: لمّا أنفَدها قاتَلَ بَسيْفِه. والمِصاع: القتال بالسيف.
بذى رُبَدٍ تَخالُ الأَثْرَ فيه ... طريقَ غرانِقٍ خاضت نِقاعا
رُبَد: آثارٌ فيه تَلمَع سَوادا، وإنّما يصف سيفا. وأَثْرهُ: فِرِنْدُه، وهو الّذي تراه كأنّه مَدَبّ نَمْل. فيقول: تَحسَب هذا الأَثْرَ الّذي في مَتْن هذا السيف طَريق غَرانِق، وهي طيرٌ. خاضت نِقاعا. يقول: كأنها خاضتْ في طينٍ فتُرَى أثارُ أرجُلِها. فشبّه فِرِنْدَ السيف بآثارها. وواحدُ الغَرانِق غُرْنَيْق (٣).
стр. 555
إذا مَسَّ الضريبةَ شَفْرَتاه ... كفاكَ من الضّريبة ما استَطاعا
ما استطاعا، أي ما وَجَد مَذْهبا.
فإنْ أكُ نائياً عنه فإِنّى ... سُرِرتُ بأنّه غَبَنَ البِياعا
غَبَن البِياع، أي ظَفِر بأصحابهم. وغَبَنَهم، أي خَدَعَهم. قال: ويريد بالبِياع المُبَايَعة.
وأَفلتَ سالمٌ منه جَريضًا ... وقد كَلمَ الذُّؤابةَ والذِّراعا
يقال للرجل إذا أفلَتَ بآخِر رَمَق: أفلَتَ جَريضا. كَلَم الذُّؤابَة والذِّراعا، يقول: أصاب ذُؤابَته وذِراعَه. ويريد بالذُؤابة الرأسَ. وذؤابة كلِّ شئٍ أعلاه.
ولو سَلِمتْ له يمُنَى يَدَيْه ... لعَمْرُ أبِيك أطعَمَه السِّباعا
يقول: قتَلَه فصار طُعْمَةً للسِّباع.
كأنّ محرَّبا من أُسْدِ تَرْجٍ (١) ... يُسَافِعُ فارِسَىْ عَبدٍ سِفاعَا (٢)
стр. 556
وقال أبو قلابة
أمِنَ القَتولِ مَنازِلٌ ومعرَّسُ ... كالوَشْم فى ضاحِى الذِّراع يُكرَّسُ
قال أبو سعيد: يكَّرس، يُجْعل كِرْسا، وكلُّ نِظام فهو كرْس من اللُّؤْلؤ والشَّذْر. والقَتول: امرأةٌ هامَ بها.
يا حِبُّ، ما حُبُّ القَتولِ؟ وحُبُّها ... فَلَسٌ فلا يُنْصِبْكَ حُبٌّ مُفْلِسُ
فَلسَ: لا نَيْلَ معه. يقول: ليس يُبْذَل منه شيء.
خَوْدٌ ثَقالٌ فى المَنامِ (١) كَرمْلةٍ ... دَمثٍ يُضئُ لها الظلامُ الحِنْدِسُ
الدَّمث: السَّهْل الليّن. والِحنْدِس: الشديد السواد.
رَدْعُ العَبيرِ (٢) بجِلْدِها فكأنّه ... رَيْطٌ عِتاقٌ فى المَصان (٣) مُضَّرسُ
ردع العبير: أثَرهُ. والعَبير: ضَربٌ من الطِّيب يُجمَع بزعفران. والمصَان: التَّخْت. مضرَّس: ضربٌ من الوشى.
هل تُنْسَيَنْ حُبَّ القَتولِ مَطاردٌ ... وأفَلُّ يَخْتضِم الفَقارَ مُسَلَّسُ
стр. 557
مَطارد: هي الّتى يُشبه بعضُها بعضا: وأفلّ: سيفٌ به فُلول ممّا قد قُورع
به وقُورع به مرارا، أي به آثار. يَختضم، أي يَقطع، ويقال: سيف لا يَمُرّ بشيءٍ "إلا بشيء" (١) إلّا خَضَمه خَضما. والفَقار: مانَبَا من الظَّهر، والواحد فَقارة.
عَضْبٌ (٢) حُسامٌ لا يليقُ ضَرِيبةً ... في مَتْنِه دَخَنٌ وأَثْرٌ أخْلَسُ
العَضب: القاطع. والحُسام: الّذى يحسم الدمَ من سُرعته. لا يليق: لا يَدَع شيئاً إلّا مرَّ به. ودَخَنٌ: سَوادٌ. والأَخْلس: الذّى في وَسَطه لونٌ يُخالِف لوَنه. ويقال: شاةٌ خَلْساء، إذا كانت كذلك. ويقال: يَليق ويُليق. وإنّما أُخِذ من لِقْتُ الدَّواةَ وأَلَقْتُها، وهو إذا لاءمْتَ بين الصُّوف والأَنْقاس.
وشِريجةٌ جَشّاءُ ذاتُ أزامِلٍ ... يُخْظِى الشِّمالَ بها مُمَرٌّ أَمْلَسُ
شَريجة: شُقّة، يعني قَوْسا. والجَشّاء: التي في صوتها بَحّة وليست بصافية الصوت. والأزْمَل: الصوت المختلط، وأزامِل: جمعُ أَزْمَل. يُخْظى الشِّمال: يبْعَجُه (٣) من قولهم: خاظِي البَضيع، إذا نَزَع بوَتَرِه. مُمَرّ: وَتَرٌ شديد الفَتْل.
стр. 558
بَزٌّ به أَحمِى المُضافَ إذا دعا ... وبَدَا لهْم يومٌ ذَنُوبٌ أَحْمَسُ (١)
بَزّ: سلاح. والمضاف: المُلْجَأ. يومٌ ذَنوب، أي طويل لا يكاد ينقضى كأنه يجرّ ذَيْلا وذَنَبَا طويلاً. ويقال: يوم أَبْتَر ويومٌ أجَذّ: إذا كان ناقصا.
واستَجْمَعُوا نَفْرًا ورَادَ جَبَانَهمْ (٢) ... رَجُلٌ بصَفْحَتِه دَبُوبٌ تَقْلِسُ
نَفْرا، أي ذَعْرا. دَبوب: تَدِبّ بالدم، أي يَسيل منها. يقول: رادَ جنابَهم رجُلٌ به طَعْنَةٌ تَقْلِس وتَمور (٣). نَفْرا ونُفُور وَنَفِيرا، ويقال يومُ النَّفْر والنُّفور والنَّفير، وأما النِّفار، فعَيْب يكون في الدوابّ.
وقال أيضا (٤)
فيأسُكَ (٥) من صديِقك ثم يَأْسى ... ضُحَى يوِم الأَحَثِّ (٦) مِن الإياب
قال: يريد يَأْسُك (٧) من الإياب.
يصاحُ بكاهِلٍ حَوْلِى وعَمْرٍو ... وهمْ كالضّاريات مِن الكلابِ
كاهِل وعَمرو: حَيّان من هُذَيل.
стр. 559
يُسَامُون الصَّباحَ بذى مُراخٍ ... وأُخْرَى القَومِ تَحتَ حَرِيقِ غابِ (١)
يُسامُون، هذا مثل، يقول: يُسْقَون ما لا يَشتهون (٢) أي ما يَكرهون. وقوله: تحتَ حريقِ غاب، أي تحتَ ضِراب وطِعانٍ كأنّه حَريق.
فمنّا عُصْبةٌ (٣) لا هَمْ حمُاةٌ ... ولا همْ فائِتُونا في الذَّهابِ
لا هُم حُماة، يقول: لا هُم يَحْموننا, ولا هم يُجِيدون العَدْو، فنحن نُقاتِل عنهمْ لأنّهم لا يَقدِرون أن يذهبوا.
ومِنّا عُصْبةٌ (٤) أخرى حُماةٌ ... كغَلْيِ النارِ حُشَّتَ بالثِّقابِ
يقول: ومنّا عُصْبَةٌ حُمَاةٌ يحَمونَنا، كما تُحَشُّ نارُ القِدْرِ بالحَطَب، وتُحَشّ: تُوقَد يقال: قد حَشَّ القِدر، إذا أَوْقَدَ النارَ تَحتَها.
ومنّا عُصْبةٌ أخرى سِراعٌ ... زَفَتْها الرِّيح كالسَّنَن (٥) الطِّرابِ
يقول: ومنّا آخرونَ هرّابون كأنّهم (٦) إِبلٌ قد طَرِبَتْ إلى أوْطانها. زَفَتْها: اِستخَفَّتها.
стр. 560
وقال أيضا (١)
يا دارُ أَعرِفُها وَحْشا منَازِلهاُ ... بين القَوائم مِن رَهْطٍ فأَلْبانِ
стр. 561
يقول: سَكَنَها من بعدِ أهلِها الوَحْش. والقَوائم (١): جبالٌ منتصِبة. ورَهْط وأَلْبان: بلدان (٢).
فدمْنَةٍ برُحَيّات (٣) الأَحَثِّ إلى ... ضَوْجَىْ (٤) دُفاقٍ كسَحْق المَلْبَس الفانِى
ويُروَى كسَحْق الدِّمْنة (٥) الفانى: عن الأَحْوال. السَّحْق: الخَلَق، وهذه كلُّها أماكن. والدِّمنهَ: آثارُ الناس وما سَوَّدوا بالرَّماد ودَمَّنوا.
ما اِنْ رأيتُ وصَرْفُ الدَّهرِ ذُو عَجَبٍ ... كاليوِم هزّةَ أجْمالٍ وأَظْعانِ
هِزّة أَظْعان، أي سَيْرَ أَظْعان. وأصلُ الهِزّة الحَرَكة، يقال: مَرَّ المَوْكِب له هِزّة؛ إذا مرّ يهتزّ.
стр. 562
صَفًّا جَوَانَح بين التَّوْءَماتِ كما ... صَفَّ الوُقُوع حمَامَ المَشْرَب الحانِى
يقول: صَفَفْن وقوعَهنّ، جعلنَه مستويًا كما يستوى صفّ الحمام، وكلّ جانحٍ مُصْغٍ، وأنشَد:
تُصغى إذا شَدَّها بالرَّحْلِ جانِحةً ... حتى إذا ما استَوَى في غَرْزِها تَثبُ (١)
والحانِي: الذي قد حنِي ليشَرَب.
وَيحَك (٢) يا عَمرو لِم تَدْعو لتقتلَنى ... وقد أجبتَ إذَا يدعوكَ أقْرانى
القومُ أعَلمُ هل أرمِي وراءَهم ... إذ لا يقاتِل منهم غيرُ خِصّان (٣)
إذ عارتِ النَّبْل والتَفَّ اللُّفوفُ وإذ ... سَلُّوا السيوفَ عُراةً بعد إشْحانِ (٤)
стр. 563
عارَتِ النَّبْل: أَخذتْ كذا وكذا على غير القَصْد (١). واللُّفوف: الجماعات والواحد لِفٌّ. والإشحان (٢): التهيّؤ للبكاء، وجعَلَه ها هنا للقتال. عُراة: قد تجَرّدوا للحرب، وأنْشَدَنا:
تَجرَّدَ فى السِّربال أبيضُ حازمٌ ... مُبينٌ لعَينِ الناظرِ المتوسِّمِ
إذ لا يقارِع أطرافَ الظُّبات إذا اسـ ... ـتَوْقَدْن إلاَّ كُماةً غْيَر أَجْبانِ
قوله: أطرافَ الظُّبات، أي حدّ السيوف. والكُماة: الأبطال، والواحد كمِىّ.
إنّ الرّشادَ وإنّ الغَىَّ في قَرَنٍ ... بكلّ ذلك يأتيكَ الجَديدانِ
الجديدان والأجَدّان والعَصْران والقَرْنان والمَلَوان: الليل والنهار.
لا تأمنَنّ وإن (٣) أصبحتَ فى حَرَمٍ ... إنّ المَنايا بَجْنبَىْ كلِّ إنسانِ
يقول: لا تأمَننّ أن تأتيَك منيّتُك وإن كنتَ بالحرم حيث تأمن الطير.
ولا تقولَنْ لشئٍ سَوْفَ أفعَلُه ... حتى تَبَيّنَ ما يَمنِي لك المانِى
قوله: يمني لك المانى، أىُ يُقَدِّرُ لك المقدِّر.
стр. 564
وقال المعطَّل أحدُ بني رُهْم (١) بنِ سعد بنِ هُذَيل يَرثِى عَمْرَو بنَ خُوَيلد، وكان غَزَا عَضَلَ بنَ الدِّيش وهم من الفارّة، فقَتَلوه، ولم يقتلوا من أصحابه أحدا.
لعَمْرِى لقد نادى المنادِى فراعَنِى ... غَداةَ البُوَيْن (٢) من بَعيدٍ فأَسْمَعا
لعمرِى لقد أعلنْتَ خِرقًا مبرَّأً ... من التَّغْبِ جَوّاب المَهالِكٍ أَرْوَعا
стр. 565
قال: يقول: مبرّأ من القبيح. والتَّغْب: الهلاك والفساد، ويقال: فلانٌ صاحبُ تَغَبات، والواحد تَغْبة. وجوّاب: دَخّال (١).
جَوادًا إِذا ما الناسُ قَلَّ جَوادُهمْ ... وِسُفًّا إذا ما صَرَّحَ الموتُ أَقْرَعَا (٢)
السُّفّ: الحيّة. أَقْرعَ، هو من صفة السِّف وهو أخبث ما يكون.
فأظلَم ليلِى بعد ما كنتُ مُظْهِرا ... وفاضت دُموعى لا يُهِبْنَ بأَضْرَعا (٣)
المُظهر: الذي قد جاء به الظُّهْر. وقوله لا يُهِبْنَ بأَضْرَعا، أي يَدْعون ضارِعا ذَلِيلاً. وقولُه: مُظهِرَا أَراهُم الشمسَ ظُهْرًا، مثل قولِه: أظلمَ لَيلِى، أي أظلَمَ علىّ النهار وهو مضئ، ومثلُ أراه الكواكبَ ظُهْرًا.