وقال قيس بن عَيزارة أخو بني صاهلةَ يَرثى أخاه الحارث بنَ خُوَيلد (١)
يا حارِ إنِّى يا ابنَ أمِّ عَمِيدُ ... كَمِدٌ (٢) كأنّى فى الفُؤاد لَهِيدُ
العميد: المُثْبَت المُوجعَ، يقال: ما الذي يعَمِدُك. ولهّيد، أي كأنّ لهَدَةِّ أصابتهْ في فؤاده. واللَّهيد: الذي عَصَره الِحمل حتى انفسَخَ لحُمه.
واللهِ يَشْفِى ذاتَ نفسِى حاجِمٌ ... أبدًا ولا ممّا (٣) إِخاُل لَدُودُ
يقول: لا تَشفيه حجِامةٌ ولا لَدود، وهو الوَجور من الدّواء في أحد شِقَّى الفَم.
بأبيك (٤) صاحبُك الذي لمَ تَلْقَه ... بعد المواسِمِ واللِّقاء بعيدُ
يقول: هذا ذهب إلى المَوت فلا يجئ، والذي ذهب إلى المَواسم جاء.
стр. 597
فسَقَى الغَوادِى (١) بطنَ مكّةَ كلّها ... ورسَتْ به كلّ النهار تَجودُ
رَسَت: ثَبتتْ. تَجود: كلّ النهار.
وأَبيِكَ إنّ الحارثَ بنَ خُوَيلِدٍ ... لأَخُو مُدافَعةٍ له (٢) مَجْلُودُ
أي جَلَد.
وإذا تَروّحَت اللَّقاحُ عشِيّةً ... حُدْبَ الظُّهورِ ودَرّهنّ زَهيدُ (٣)
حُدْب الظُّهور من الهُزال. وزَهيد: قليل.
فحبِسْنَ فى هَزْمِ الضَّرِيعِ وكلُّها ... حَدْباءُ باديةُ الضُّلوعِ حَرُود (٤)
الهَزْم: ما تكسّر من الضّرِيع، وهو الشِّبْرِق، يعنى الضَّريع. وحَرُود: لا تكاد تدِرّ، ويقال: حارَدَتْ.
وإذا جَبانُ القَوم صَدَّق رَوْعه (٥) ... حَبضُ القِسِىّ وضَرْبَهٌ أُخْدُودُ
المعنى أنّ جَبانَ القومُ نفِّر فَفزِع حين رأى القِتالَ فصدّقَ رَوْعَه الحَبضُ فارتاع الارتياع كلَّه. والحَبضُ: وَقْعُ الوَتَر. وأُخدود، كأنه خَدَّ في الأرض أي شَقَّ.
стр. 598
أَلفَيْته يَحمِى المُضافَ كأنّه ... صَبْحاءُ تَحمِى شِبْلَها وتَحِيدُ (١)
صَبْحاء، يعني لَبُؤَةً تَضْرِب إلى البَياض والحُمرة.
صَبْحاءُ مُلْحِمةٌ جَريمةُ واحدٍ ... أَسِدَتْ ونازَعَها اللِّحامَ أُسودُ (٢)
جرِيمة: كاسِبةُ واحد. وأَسِدَتْ: كَلِبَتْ.
واللهِ لا يَبْقَى على حَدَثانِه ... بَقَرٌ بناصِفَةِ الجِواءِ (٣) رُكودُ
ظَلّتْ ببَلْقَعة وخَبْتٍ سَمْلَقٍ ... فيه (٤) يكون مَبيتُها وتَرُودُ
الخَبْت والسَّمْلَق: ما استَوَى من الأرض. وترُود: تجيء وتَذْهب. والكَؤُود: العَقَبة الصَّعْبَة (٥).
يوما (٦) كأنّ مَشاوِذًا رَبعَيّةً ... أو رَيْطَ كَتّانٍ لهنّ جُلودُ
стр. 599
المَشَاوذ (١): العَمائم، الواحد مِشْوَذ، أراد كأنّهنّ من بياضِ جُلودِهنّ عليهن رَيْطُ كَتّان. ورَبَعيّة: منسوبةٌ إلى رَبِيعة.
كُتِبَ البياضُ لها وُبورِكَ (٢) لَوْنُها ... فعيُونُها حتّى الحواجِب سُودُ
كُتِب أي خُلِقَتْ بِيضا، أي قُدِّر ذلك لها. حتّى الحواجِب سُود: كلُّ ما عَلا العينَ فهو أسَود.
حتّى أُشِبَّ لها أُغَيْبِرُ نابِلٌ ... يُغْرِى ضَوارٍ (٣) خَلْفَها ويَصيدُ
أُشِبَّ لها: أُتِيح لها. أُغَيْبِر: صائد. نابِل: ذو نَبل. ضَوارِى: كلاب.
في كلِّ معترَكٍ تُغادِر خَلْفَها ... زَرْقاءَ دامِيةَ اليَديْنِ تَميدُ
البَقَر تُغادِر خَلْفَها زَرْقاء: كَلْبَة قد غُشِىَ عليها فهي تَميد من الطَّعْن (٤).
يوما أرادَ لها المَلِيكُ نَفادَها ... ونفادَها بعدَ السَّلامِ يُريدُ (٥)
стр. 600
وقال قيُس بن عَيْزارة حين أسرْته فَهْمٌ وأخَذَ سِلاحَه تأَبّطَ شَرّا واسمهُ ثابت (١):
لَعَمْرُكَ أَنسَى رَوْعتِى يوم أَقْتُدٍ ... وهل تَترُكَنْ نفسَ الأَسيرِ الرَّوائعُ (٢)
غَداةَ تناجَوا ثم قاموا فأَجمَعوا ... بقَتْلِىَ سُلْكَى ليس فيها (٣) تَنازُعُ
يقول: تناجَوا فيما بينهم أي وَسْوَسوا، ثم استمرّ أمرهم على قَتْلى. وقوله: سُلْكَى، أي أَجمَعوا على أمرٍ ليس فيه اختلاف.
وقالوا عَدُوٌّ مُسرِفٌ في دِمائكْم ... وَهاجٍ لأعراضِ العَشيرةِ قاطِعُ (٤)
فسكّنتهمْ بالقَول حتّى كأنّهمْ ... بَواقِرُ جُلْحٌ أَسكَنْتها المَراتِعُ (٥)
جُلْح: بقرٌ لا قُرونَ لها. والمَراتع: مواضع تَرتَع.
стр. 601
وقلتُ لهمْ شاءٌ رَغيبٌ (١) وجامِلٌ ... وكلُّكمُ من ذلك المالِ شابِعُ
وقالوا لنا البَلْهاءُ (٢) أوَّلَ سُؤْلةٍ ... وأعراسُها واللهُ عنّى يُدافعُ
يعني الذين أسروه وقالوا لنا البَلْهاء، وهى ناقةٌ عنده. وأعراسُها: ألاّفُها يريد أَخْذَ ما معها من الإبل. أوَّلَ سُؤلَة: أوَّلَ ما سَألنا.
وقد أَمَرتْ بى رَبَّتى أمُّ جُنْدَبٍ ... لأُقتَلَ لا يَسْمَعْ بذلك سامِعُ (٣)
رَبَّتى: يعني امرأة (٤) الذى أَسَره قالت: اُقتُلوه سرًّا لا يسَمَع أحد.
تقول اقتُلوا قَيْسا وحُزُّوا لِسانَه ... بِحَسْبِهم أن يَقْطَع الرأسَ قاطِعُ
ويأمُر بي شَعْلٌ لأُقْتَل مُقْتَلا ... فقلتُ لشَعْلٍ بئسَما أنتَ شافِعُ (٥)
سَرَا ثابتٌ بَزِّى ذَميما ولم أكُنْ ... سَلَلْتُ عليه شَلَّ مِنّى الأَصابِعُ
стр. 602
ثابت، يعني تأبَّطَ شرّا حين أَسرَ قيسَ بنَ عَيزْارة. سَرَا بزِّى: أي سَلبَه. وسَرَوْت عن ذراعى إذا حَسَرْت. وسَرَوْت الجُلَّ عن الفَرَس (١).
فَويْلُ أمِّ (٢) بزٍّ جَرَّ شَعْلٌ على الحَصَى ... فُوقِّرَ بَزٌّ ما هُنالِك ضائعُ
شَعْل: لَقَبُ تأبَّطَ شرّا، يريد فَوْيل أُمِّ بَزٍّ لهَلكَة شَعْل، وهو تأبّط شرّا وُلقِّب بذلك لأنه لبس سَيْف قيسٍ حين أَسَرَه، فجعل يجرّه على الحصَى. فوُقِّر أي صارت به وَقَرات وهَزَمات في السيف.
فإِنّك إذْ تَحْدُوكَ أمُّ عُوَيْمِرٍ (٣) ... لَذو حاجةٍ حافٍ مع القوِم ظالِعُ
قولُه: إذ تَحْدوك، أي تَتْبَعك الضَّبع، وهو مَثَل، أي تَسوقُك الضَّبعُ من ضَعْفِك. وظالِع، أي ضَعيف. يقول: تَسوقُك الضَّبعُ تَطمَع أن تَأكُلَك.
وقال نِساءٌ لو قُتِلتَ لساءَنا ... سِواكُنّ ذو الشَّجْوِ الّذى أنا فاجِعُ
يقول: ما لكنّ تبكين، يَبْكى عليّ أَهْلى. والفَجْع: نزول المصيبة.
стр. 603
رِجالٌ ونِسْوانٌ بأكناِفِ رايَةٍ ... إلى حُثُنٍ ثَمَّ (١) العُيونُ الدَّوامِعُ
يَعنِي بَناتَه وأهلَه. وراية: موضع. وأكنافُها: ما حَوْلَها. وحُثُن: موضع.
سَقَى اللهُ ذات الغَمْر وَبْلاً ودِيمةً ... وجادتْ عليها البارِقاتُ (٢) اللَّوامِعُ
بما هِى مقْناةٌ أنِيقٌ نَباتُها ... مِرَبٌّ فتَرْعاها (٣) المخَاضُ النَّوازِعُ
قوله بما هي مقناة أنيقٌ، أي سقاها اللهُ نَدًى، يريد ذاتَ الغَمْر. ومقْناة ملزمة، ومنه: اقْنَيْ حيَاءَكِ، أي الزَمِيه. وأَنِيق: مُعجِب. والنَّوازِع: تَنْزع إلى أَوْطانها. والمخَاض: إِبِلٌ حَوامِل. مِرَبّ، أي مُجتمعٌ للنّاس. ومِرَبُّ الإبِل: الموضعُ الّذى ارتبَّتْ به أي أقامتْ.
وإن سالَ ذو ماوَيْنِ (٤) أَمْسَتْ قِلاتهُ ... لها حَدَبٌ تَسْتَنُّ فيه الضَّفادِعُ
стр. 604
ذو ماوَيْن: موضع. والقِلات: النَّقْرُ في الصَّخْر. ولها حَدَب: للقِلات.
إذا صَدرتْ عنه تمشّتْ مخَاضُها ... إلى السِّرّ تَدْعوها إليه الشَّفائعُ (١)
يقول: إذا صدرت عن ماوَين. والسِّرُّ: بطنُ الوادى وأكرَمُ موضعٍ فيه، ومنه فلانٌ في سِر قومه. تَدْعوها إليه الشَّفائع، كأنّ هذا الموضع شَفيعٌ لها فتأتيه فتَرعىَ به.
لها هَجَلاتٌ سَهْلَةٌ ونِجادَةٌ ... دَكادِكُ لا تُوبَى بهنّ المرَاتِع (٢)
الهَجَلات: بطونٌ من الأرض مطمئنّة، واحدُها -هجل. والنِّجاد: ما ارتَفعَ من الأرض. ولا تُوبىَ بهنّ: لا تنقص. يقال: أُوبِيَتْ هذه الأرض: إذا قلَّ نبتهُا.
كأنّ يَلَنْجُوجًا ومِسْكًا وعَنْبَرًا ... باشرافِه طلَّت عليه المرَابِع (٣)
طَلّت: من الطَّلّ، وهو النَّدَى، شبهّ طِيبَ النَّبتْ به. المرابع: سحاب تمُطر في الربيع.
стр. 605
وقال مالكُ بنُ الحارث أخو بنى كاهل بن الحارث ابن تَميم بن سعد بن هذُيل (١)
تقول العاذِلاتُ أكلَّ يَوْمٍ ... لَرِجْلةِ مالِكٍ عُنُقٌ شِحاحٌ (٢)
كذلك يُقتَلون معى ويومًا ... أَءُوب بهمْ وهمْ شُعْثٌ طِلاحُ (٣)
طِلاح: من الإعياء.
ويومًا نَقْتُل الأَثْارَ (٤) شَفْعًا ... فَنتْركُهمْ تَنُوبُهم السِّراحُ
الأَثْآر: جمع ثأر، يقال: فلان ثَأرى الذي أَطْلب. والشَّفع: الاثنان. والسِّراح: الذئاب.
فلستُ بمُقْصِرٍ ما سافَ مالِى ... ولو عُرِضَتْ بِلَبَّتِىَ الرِّماحُ
стр. 606
أي فلستُ بمُقصِر عن الغَزْو. ما سافَ، أي ما دام مالى يموت، يقال: رجلٌ مُسيف إذا ماتت إبلهُ وذهب مالهُ. والسُّواف: الموت.
ومن تَقْلِل حَلُوبَتُه ويَنْكُلْ ... عن الأعداءِ يَغْبُقه القَراحُ (١)
يكون غَبوقُه ماءً خالصا.
فلُوموا ما بدَا (٢) لكُم فإِنّى ... سأعْتِبكْم إذا انفَسَح المُراحُ
يقول لقومِ عاداهم يَهزَأ بهم: إنِّى سأكُفّ عن الغَزْوِ إذا اتسَع المُراح، أي مُراحِي فصِرْتُ صاحبَ إبلٍ كثيرةٍ، ومُراحُه: حيث تَروح إبلُه.
رأيتُ مَعاشِرًا يُثنَى عليهمْ ... إذا شَبِعوا وأوجهُهُمْ قِباحُ (٣)
يَظَلُّ المُصْرِمون لهم سُجودًا ... ولو (٤) لم يُسْقَ عندهمُ ضَياحُ
المُصرِمون: الفقراء، أي يعظِّمونهم وإن لم ينالوا منهم شربةَ لَبَن. والضَّياح والضَّيْح: اللبن المخلوط بالماء.
стр. 607
كَرهتُ (١) العَقْرَ عَقر بنى شُلَيْلٍ ... إذا هَبّت لِقارِيها الرِّياحُ
العَقْر: مكان، وكَرِهه لأنّه قُوتِل فيه. وشُليل: جدُّ جَرير بنِ عبد الله البَجَلىّ. وقارِيها: وقْتهُا، يقال ذلك للريح إذا هبّت لوقتِها.
كرهتُ بنى جَذِيمةَ (٢) إذ ثَرَوْنا ... قَفَا السَّلَفَين وانتَسَبوا فباحوا
ثَرَوْنا: كانوا أكثرَ منّا. قَفَا السَّلَفَين: موضع. وقوله: فباحوا أي كَشفوا عن أنسابهم وكانوا يكتمونها قبلُ، فقالوا: نحن بنو فلان.
فأما نِصفُنا فَنَجا جَريضًا ... وأما نِصفُنا الأَوْفَى فطاحُوا
الجَرَض: أن يَغَصّ بالرِّيق. والنِّصْفُ الآخَر قُتِل. قال هذا يعتذِر حين هَرَب.
وقد خرجتْ قلوبهمُ فماتوا ... على إخوانهمْ وهمُ صِحاحُ
يعني الذين أفلتوا خرجتْ نفوسهمْ على إخوانهم من الحُزن وهم صحاح.
وصَمَّمَ وسطَهمْ سُفْيانُ لمّا ... ألمّ بهم عن الوِردِ الشِّياحُ (٣)
стр. 608
صمّم، أي رَكِب رأسَه لِما اعتراه. عن الورْدِ الشِّياح: الِجدّ، أي اعتراه الِجدُّ والقِتال فشغَلَه عن أن يَرِد.
مَجازَ نِجادِ أَنْصَحَ وانتحَوْه ... كما يتكفّت العِلْجُ الوَقاحُ (١)
نِجاد: جمع نَجْد، وهو ما ارتفع. وأنْصَح: موضع. وانتحَوْه: اعتمدوه. ونصَحْت الثوبَ: خِطْتُه. والعِلْج: الحِمار الغليظ. والتكفّت في العَدْوِ أن يتقبّض ويُسِرع. والوَقاح: الشديد الحافر.
لِعادتِه وما قد كان يُبلِي ... إذا ما كَفَّتَ الظُّعنَ الصَّباح (٢)
لِعادتِه، يعنِي الّذى صمّم لعادةٍ كان يتعوّدها مِن شِدّة العَدْو. ويُبلِى مِن الفِعلِ الجمِيل. إذا ما كَفَّت الظعنَ صَباحُ الغارة، تكفّتَ: أَسَرع.
إذا خَلّفتَ خاصِرتَىْ سَرارٍ ... وبطنَ هُضاضَ حيث غَدَا صُباحُ (٣)
خلّفتَ: تركتَ. وسَرار: موضع. والخاصِرتان: الناحيتان. وهُضاض: وادٍ.
стр. 609
تركتَ صديقَنا وبلغتَ أرضًا ... بها عُذْوٌ لنَفْسِك (١) أو نَجاحُ
يقول: إمّا أن تَبلُغ عُذْرا وإمّا أن تُنجح.
فلا يَنْجو نَجائى ثَمَّ حَيُّ ... من الحَيَوان (٢) ليس له جَناحُ
أي لا يستطيع أن يَعدُوَ عَدْوِي يومئذ شيءٌ فيه رُوح، أي كلّ شيء ليس بطائرٍ فأنا أَسبِقه.
على أنّى غَداةَ لَقِيت قَسْرًا ... لم ارمهِمُ وقد كَمل السِّلاح
يقول: نجوتُ هذا النَّجاء، إلاَّ أنّى يوم لقيتُهم لم أَرْمهم، قال هذا يعنِّف نفسَه أي قصّرت في القتال (٣).
قال: وكان أبو جندب بن مرّة القِردىّ اشتكى، وكان له جارٌ من خُزاعَةَ يقال له حاطم، فوقعتْ به بنو لِحيانَ فقتلوه قَبْلَ أن يَستَبِلّ أبو جُنْدَب من شَكاتِه وأخذوا مَاله وقتلوا امرأته، فلما برأ أبو جُنْدَب
стр. 610
خرج حتّى قدِم مَكّة، فاستَلمَ الرُّكن وقد شُقَّ عن اْستِه، فطافَ فعرَف الناسُ أنّه يريد شرّا؛ فقال أبو جُندَب (١):
إني امرؤٌ أَبكِى على جَاريَّهْ ... أَبْكى على الكَعْبِىِّ والكَعْبِيّهْ
ولو هلكتُ بَكيَا عليَّهْ ... كانا مكانَ الثّوب من حِقْوَيَّهْ
يعني الرَّجُلَ وامرأتَه.
وقال أبو جنْدَب أيضاً (٢)
مَن مْبلغٌ مَلائكِي حُبْشِيّا ... أخَابنِي زُلَيفةَ الصُّبْحِيّا
قوله: مَلائكي رَسائلى، من الأَلوكة. وزُليْفة: من هُذَيل، وبنو صُبْح أيضاً.
стр. 611
أما تَرَوْنِي رَجلاً جُونِيِّا ... حَفَلَّجَ الرِّجْلين أفَلِجيّا (١)
حَفَلّج: أفحَجَ. والأَفْلَجِي: متباعِدُ السّاقيَن.
سَلُوا هُذَيلا وسَلوا عَليَّا ... أما أَسُلُّ الصارمَ البُصْرِيّا (٢)
جتى أموت ماجدًا وَفِيّا ... إذا رأيتُ جارَنَا مَغْشِيّا
يقول: إذا عَقدتُ للجار عَقْدا وَفَيتُ به حينَ غُشِيَ ليُقاتَل.
فلّما فرغَ من طَوافِه وقَضَى من مكّة حاجَته خرج مع الخُلعاء من بن بكرٍ وخُزاعة، فاستحاشَهمْ على بن لِحيان، فقَتل فيهم وسَبَا من نسائهم وذَراريهم، فقال أبو جُندَب (٣):
ألا ليتَ شِعرِى هل يلومنّ قومُه ... زُهَيْرًا عد ما جَرَّ من كلّ جانبٍ (٤)
زهير، من بني لحيان. جَرَّ: جَنَى علي نفسه جرائرَ من كلّ جانب.
стр. 612
بكفَّيْ زُهَيْرٍ عُصبةُ العَرْجِ منهمُ ... وَمن يَبغ (١) في الرُّكْنَيْن لَخْمٍ وغالبِ
العَرْج: بلدٌ أصابهمْ فيه. والعُصْبة: الجماعَة من الناس الّذين هلكوا أي نكفّهم من أولئك الّذين تبَّغوا السّبْي. غالب: (٢) قُرَيش.
وقال أبو جندب أيضا
فَفرّ زهَيْرٌ خِيفةً من عِقابِنا ... فليتكَ لم تَفْرِرْ فتُصبِح نادِما (٣)
فلهفَ ابنة المجنون (٤) ألّا نُصيبهَ ... فنُوفِيَه بالصاع كَيلًا غُذارِما
يقال؛ غَذْرَمَ في الكيلِ إذا جازَفَ. وقولُه: فلهفَ ابنة المجنون، يقال ذلك للمرأة إذا أصيبتْ بحميم لها.
وتَلقَى قُمَيْرا في المَكَرِّ وحَبْتَرًا ... وجارَهمُ في الفَجْرِ يَدْعُون حاطِما (٥)
حماطم: الذي قُتل
стр. 613
وما خِلتُنى لابن الأغَرِّ مثمِّرًا ... وما خِلتُنى أَجنِى عليه الجَرائما
يقول: فما خِلتُنى أثمِّر المالَ فيجيء فيأخذه. والجَريمة: الأمر يَجرِمه الرجلُ إلى أُناس.
على حَنَقٍ صبَّحتهم بمُغِيرةٍ ... كرِجْلِ الدَّبَى الصَّيْفيّ أصبَح سائما
يقول صبحتهم على حَنَق بمُغيرة، وهي خيلٌ تُغير. كرِجْل الدَّبَى، يقول: كأنّها قِطعةُ جَراد من كثرتها. وذَكَرُ الجَرادِ في الصَّيْف أسرَعُ خُروجا. وسامَ يسوم في الأرض: مَضَى فيها.
بَغيْتُهمُ ما بين حَدّاءَ والحَشَا ... وأورَدتهمْ ماءَ الأُثَيْل فعاصِما (١)
حَدّاء والحَشا: مكانان. والأُثَيل وعاصم: مكانان.
إلى مَلَح الفَيْفَا فقُنّةِ عازِبٍ ... أُجمِّعُ منهمْ جامِلا وأَغانِما (٢)
القُنّة: رأس الجبل أُجمِّع: آخُذُ منهم. الجامِل، هي الإبِل. وأغانم: جمعُ أَغنام.
стр. 614
وقال أبو جندب أيضا
لقد أَمسَى (١) بنو لِحيانَ مِنّى ... بحَمْد اللهِ في خِزْىٍ مُبينِ
جَزيتُهم بما أَخذوا تِلادِى ... بني لِحْيان كَيلَا يَحرَبونِي
تَخِذتُ غَرازَ إثرَهمُ دليلًا ... وفَرُّوا في الحِجازِ ليُعْجِزوني (٢)
غراز كقَطامِ وسَحابٍ: موضع هـ قاموس. وفَرّوا في الحِجاز، أي إلى الحِجاز كقوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾، أي إلى أفواههم.
وقد عَصّبتُ أهلَ العَرجِ منهمْ ... بأهلِ صُوائقٍ إذ عَصَّبونِي (٣)
أي لفَفْتُ هؤلاء بهؤلاء. والعَرْج: موضع.
стр. 615
وقال أبو جُنْدَب أيضا
لقد عَلمتْ هُذَيلٌ أنّ جارِى ... لَدَى أطرافِ غَيْنَا مِن ثَبيرِ (١)
أَحُصُّ فلا أُجيرُ ومن أُجِرْه ... فليس كَمن تَدلَّى (٢) بالغُرور
لكم جِيرانُكمْ ومَنعْتُ جارِى ... سَواءً ليس بالقَسْم الأَثيرِ (٣)
وقال أبو جُنْدَب أيضاً
ألا أبلِغَا سعدَ بنَ لَيثٍ وجُنْدُعًا ... وكَلْبًا (٤) أثيبوا المَنَّ غيرَ الكدَّرِ
سعد وجُنْدُع: من كنانة، أثيبوا: كانت لهم يدٌ عندهم.
стр. 616
فَنهنَهتُ أُولَى القوم عنّى بضَربةٍ ... تَنفَّسَ منهما كلُّ حَشْيَان مُجْحَرِ (١)
نهنهتُ: كففتُ عنّى هذا الذي مَنّ عليهم به. والحَشْيان: الذي به الرَّبْو، وهو أيضا الذي يَشتكي حَشاه: والمعنى تَنفّس الذي كان لا يتنفس حين ضربتُه.
ولا تحسَبنْ جارِى إلى ظِلِّ مَرْخةٍ ... ولا تَحْسبَنْه فَقْعَ قاعٍ بقَرقَر (٢)
المَرْخة: شجرةٌ ليس لها مَنَعة. والفَقْعة: الكَمْأة بالقاع تُوطأ وُتؤْخَذ. والقَرْقَر: ما استوى من الأرض.
وكنتُ إذا جارِى دَعَا لَمضُوفَةٍ ... أُشَمِّرِ حتّى يَنصُفَ الساقَ مِئْزرِى (٣)
مَضُوفة، أي أمر ضافَه، أيُّ نَزَل به وشقَّ عليه. والمُضاف: المُلْجَأ.
стр. 617
ولكنّنى جَمْرُ الغَضا مِن وَرائه ... يُخَفِّرني سَيْفى إذا لَم أُخَفَّر
جَمْر الغَضا، يريد أتحرّق من ورائه غَضَبا. يخفِّرني سَيْفى: يكون خَفِيري إذا لم يكن لي خفير.
أبَى الناسُ إلاَّ الشرَّ مني فدَعْهمُ ... وإيّاىَ ما جاءوا إليّ بمُنكَرِ (١)
إذا مَعشَرٌ يوما بَغَوْني بَغَيْتُهمْ ... بمُسْقِطة الأَحْبال فَقْماءَ قِنْطرِ (٢)
بغَوْني: أرادوني بشرّ. بمُسْقِطة الأحبال، أي بداهيةٍ تسقط النساءُ منها. فَقْماء: ليست بمستِوية، هي على الطريق. وقِنْطِر: داهية.
إذا أدركتْ أُولاهمُ أُخْرَيَاتُهمْ ... حَنَوْتُ لهمْ بالسَّنْدرِىِّ (٣) الموتَّرِ
يقول: إذا أَدركتْ أُولاهم أُخراهم فاجتمعوا فصارُوا في مكانٍ واحد. رميتُهمْ حينئذٍ بالسَّنْدَرىّ، وهو ضَرْبٌ من النَّبْل. وحَنَوْتُ: انحرفتُ وتهيأتُ للرّمي. وموتَّر: مفوَّق. فُوِّقَ الوَتَرُ إذا جُعِل في الفُوق.
стр. 618
وطَعْنٍ كَرمْح الشَّوْلِ أمستْ غَوارِزًا ... جَواذِبُها تأبَى على المتغبِّر (١)
يقول الشَّولُ إذا رُفِعت اللَّبنَ تأبى على الذي يَطلُب غُبْرَها. والغُبْر بقيّة اللَّبن. والمتغبِّر: الذي يَطلُبه، ويقال: جَذَبتْ: إذا رَفَعتْ لبنَها, وكذلك دَفْع هذه الطَّعْنة بالدّمِ كرَمْح هذه الشَّوْل.
مَننتُ على ليثِ بنِ سعدٍ وجُنْدُعٍ ... أَثِيبي بها سعدَ بنَ لَيْثٍ أو اكفُرِى (٢)
يريد أَثيبِى يا سعدُ أي اعرِفي هذا ليكون عندكِ ثَواب.
وقلتُ لهمْ قد أَدرَكتْكمْ كَتِيبةٌ ... مُفسِّدةُ الأَدبار ما لَم تُخَفَّرِ (٣)
ويروَى: ما لم تُنفَّر. قوله: "مفسِّدة" يقول: كَتيبةٌ إذا أَدركتْ دبر كتيبةٍ أفسدتْها. ما لم تخفَّر: ما لم تنفذ لها خفارتُها.
стр. 619
وقال أبو بُثَينة (١)
ألا أَبلِغْ لدَيْكَ بَني قُرَيْمٍ ... مُغَلغَلَةً يَجيءُ بها الخبَيرُ
بنو قُرَيم: من هُذَيل. ومُغَلْغَلة: رسالة تَتَغَلغل كما يتغَلْغَل الماءُ بين الشجر.
ألا يا ليتَ أُهْبانَ بنَ لُعْطٍ ... تلفَّتَ (٢) وَسْطَهم حين استُثِيروا
أستثُيروا كما تُستَثَار الغنمُ والعبَيد.
стр. 620
فيقتل أو يَرَى غَبْنا مُبينا ... وذَلك -لو علِمت به- نَصُورُ
أي ليتَه شَهِد أنِّي نَصُور.
كأنّ القومَ مِن نَبْلِ ابنِ رمحٍ (١) ... إذا القَمْراء تلفَحُهمْ سَعِيرُ
جَلبناهمْ على الوَتَرَين شَدًّا ... على أستاهِهِم وَشَلٌ غَزِيرُ
سَعَيتُ لكمْ على رَجْفٍ وَطَرٍّ ... إذا لفَحتْ وجُوهَكمُ الحَرورُ
* * *
وقال رجل من هُذَيل
يا ليتَ شِعرِى عنكِ والأمرُ عَمَمْ ... هل جاء كعباً عنكِ مِن دين النَّسَمْ
يقال: أمرٌ عَمَم، إذا عَتم، فيقول: جاء كَعْباً عنك هذا الخبر.
ما فَعلَ اليومَ أُوَيْسٌ في الغَنَم ... تاحَ لها في الرِّيح مِرِّيحٌ أَشَمْ
أُويْس: تصغير أَوْس، وهو الذِّئب. تاحَ لها: قُدِر لها. مرِّيح: مَرِحٌ رافعٌ رأسَه. أشمّ: مرتفِع متكبِّر.
فاعتامَ منها لَجُبَةً غيرَ قَزَمْ ... حاشِكَةَ الدِّرّةِ وَرْهاءَ الرَّخَمْ
اعتامَ الذئبُ منها لَجْبة، أي اختار. واللَّجبة: حين خَفّ لبنُها، وهي الّتى أَتَى عليها من نَتاجِها أربعةُ أشهر فخفّ لبنُها. غيرَ قَزَم: غيرَ لئِيمة. حاشكة الدِّرّة.
стр. 621
يقول: محفَّلة وقد وَلَّى لبنُها. وَرْهاء الرَّخَم، أي تَرْأَم وتحِبُّ حبًّا أَوْرَه من شِدّته. والأَورَه: الأحمَق. والرَّخَم: الحُبّ، يقال ألقيت عليه رَخَمتى أي حُبّى وإلفي.
أَقبلتُ لَا يشتدّ شَدِّي ذو قَدَمْ ... وفي الشِّمال سَمْحَةٌ من النَّشَمْ
سَمْحة: سهلة، يعني قَوْسا. والنَّشَم: شجرٌ تُعمَل منه القسِيّ.
ضَفراءُ من أقواسِ شَيْبانَ القُدُمْ ... تَعُجّ في الكَفِّ إذا الرامى اعتزَم
تَرنُّمَ الشارفِ في أُخْرَى النَّعَمْ ... فقلتُ خُذْها لا شَوًى ولا شَرَمْ
تَعُجّ هذه القوسُ في الكفّ كترنُّم الشارِف، وهي المُسِنّة في أخرى النَّعَم، أي هذه لا تَسير مع النَّعَم لِكبَرها. ولا شَوًى لا أَصبْتَ غيرَ المَقْتَل. ولا شَرَم (١)، يقال شَرَم إذا خَرَم (٢) ولم يَصنَع شيئا.
قد كنتُ أقسمتُ فَثنَّيتُ القَسَم ... لئن نأَيْتُ أو رَمَيْتُ مِن أَمَمْ
ثَنَّيْت، أي وكَّدتُ اليميَن. مِن أَمَم: من قَصْد، وهو موضعٌ لا قريبٌ ولا بعيد، هو بين ذلك.
* لأَخْضِبَنْ بعضَكَ من بعضٍ بدَمْ *
стр. 622
وقال عَمْرو بنُ الداخل (١)
تذكَّرَ أمَّ عبد اللهِ لمّا ... نأتْه والنوَى منها لجوجُ
يقول: إذا نَوَتْ لجّت في المُضِيّ (٢).
وما إن أحوَرُ العينين رَخْصُ الـ ... ـعظامِ تَرُودُه أُمٌّ هَدُوجُ (٣)
تَرودُه: تَرودُ حَوْلَه. والهَدوج: لها هَدْجَةٌ وصَوْت، يعني غَزَالا.
стр. 623
بأحسنَ مُقلةً (١) منها وَجِيدًا ... غَداةَ الحجْرِ مَضحكُها بَليج
بلَيج: واضح.
وهادِيةٍ تَوَجَّسُ كلَّ غَيْبٍ ... لها نَفسٌ إِذا سامَتْ نشيجُ (٢)
هادِية: بقرة. تَوَجَّس: تَسَمَّع. كلَّ غَيْب: يقول: إذا وقعتْ في مكانٍ يواريها توجَّستْ. وسامَت: سَرحَت. ولها نَشيج، من الفَزَع كأنّه يَقلعَ نَفْسَها من جَوفِها قَلعا.
تُصيخُ إلى دَوِيِّ الأرضِ تَهْوِى ... بمِسمَعِها كما نَطِفَ (٣) الشَّجيجُ
قوله: تُصيخ، تُصغِي وتَسَمَّع. وقوله: كما نَطِف الشَّجيج، والنَّطِف: أن تَهجُم الشَّجَّةُ على أمّ الدِّماغ، فإذا كان كذلك لم يقدِر أن يرفعَ رأسَه.
عَززْناها وكانت في مَصامٍ ... كأنّ سَراتَها سَحْلٌ نَسيجُ
стр. 624
ويُروَى غَرَرْناها، أي أخذْناها على غِرّة. والمَصام: مَكانُها. وسَراتُها: ظَهْرها. والسَّحْل: ثوبٌ أبيضُ.
ويُهلك نفسَه إن لَم يَنَلها ... وحُقَّ له سَحِيرٌ أو بَعيجُ
هذا الصائد يُهلِك نفسَه إن لم يَنَلْ هذه البقرة. وحُقَّ له سَحير، أي يصيب سَحْرَه ويَبعَج بطنَه، يقال للِّرئة السَّحْر، يقال سَحَرْته وبَعَجْتُه.
وأَمهَلَها (١) فلمّا وَرَّكَتْه ... شِمالًا وهي مُعْرضَةٌ تَهيجُ
ورَّكَتْهْ: جعلتْه حِيالَ ورِكَيْها. وهي مُعْرضة قد أَمكَنَتْه من عُرضِها. تَهيج: تمرّ كالرِّيح الهائجة. أَمهَلها: تركها حتى تقدم.
أُتِيحَ لها أُغَيْبِرُ ذو حَشيفٍ ... غَبىٌّ في نَجاشَتِه زَلُوجُ (٢)
لها: للبقرة صائدٌ أغبَر. حَشِيف: ثوبٌ خَلَق. والنَّجْش: حَوش الصَّيد. زَلُوج: يَزْلج يُسْرِع. غبيٌّ في قَناصتِه (٣)، أي يُخفي شخصَه.
دَلَفْتُ لها أوانَئذٍ بسَهْم ... نَحِيضٍ لم تَخَوَّنْه الشُّروجُ (٤)
стр. 625
دلفْتُ للبقرة. نَحيض: دقيق. لم تَخوَّنْه: لم تضعفه الشُّروج، وهي الشُّقوق. الدُّلوف: سيرٌ فيه بُطءٌ.
سَدِيدِ (١) العَيْرِ لَم يَدْحضْ عليه الـ ... ـغِرارُ فقِدْحُه زَعِلٌ دَرُوجُ
سَدِيد، يعني السَّهْم. لم يَدْحضْ، لم يزلق عليه الغِرار. والغِرار: المِثال الذي يضرب عليه النصل. فيقول. لم يَزْلق أحدُهما على الآخَر، فجاء مِثالٌ سَديدُ العَير، أي قاصد. والعَيرْ: الناتئُ في وَسَطِ الزُّجِّ. وزَعِل: نَشيط. ودرُوج: يدْرُج من خِفّته.
عليه من أَباهِرَ لَيِّناتٍ ... يُرِنُّ القِدْح ظُهْرانٌ دَموجُ (٢)
يُرِنّ: من الرَّنّة. وظهْران: ظهرُ الأَبهَر من الرِّيش ليس من القوادم ولا من أقصى الخَوافى. والأَبهَر من القوس: ما دون السِّيَة. وَدَموج: دامج. ظُهْران الرِّيش: القصير من الريش. والبطنُ: الجانب الطويلُ من الرِّيش.
كَمتْن الذئبِ لا نِكْسٌ قَصيرٌ ... فأُغرِقه ولا جَلْسٌ عَموجُ
стр. 626
كمَتن الذئب، يعنِي السهمَ في استوائه. قوله: لا نِكسٌ، النَّكْس: الذي قد انكَسَر نصلُه فقُلِب فجُعِل سِنْخُه نَصلا. ولا جَلْسٌ عَموج، ليس بطويلٍ (١). أُغرقُه: إذا شَرَعتُ فيه تحاوَزَ وتَثَنَّى، ومنه تَعَمُّجُ الحيّة أي تلوِّيها (٢).
يقرِّبُها لمُطعَمِها هَتوفٌ ... طِلاعُ الكَفِّ مَعْقِلُها وَثِيجُ
الكَثِيف والوَثيج واحد. يقرِّب الوحشيّةَ إلى مُطعَمِها، وهو صائدُها. هَتُوف في صَوْتها، أي قوسٌ. طِلاعُ الكَفّ، ما يَملأ الكفَّ حتى يَفْضُل عنها. ومَعقِلها وَثيج، معقِلُ كلِّ شيء حِرْزُه، فيقول: إذا جُذِبَتْ فالّذى ترجع إليه كَثيفٌ وهو الوَثيج.
كأن عِدادَها إرْنانُ ثَكْلَى ... خِلالَ ضُلوعِها وَجْدٌ وَهِيجُ (٣)
عِدادُ القوس: صَوْتُها. خِلالَ الضُّلوع: بينَها. وَهيج: من وَهَج النار.
стр. 627
وبِيضٍ كالسّلاجِمِ مُرهَفاتٍ ... كأنّ ظُباتِها عُقُرٌ بَعيجُ (١)
بِيض: يعني نَبلا. والمعنى على النِّصال. مُرهفات: مرقفات. والسَّلاجِم: الطِّوالَ. الظُّبات: حَدُّها. عُقر بَعيج: العُقر أصل النَّار.
أَحاطَ الناجِشانِ بها فجاءتْ ... مكاناً لا تَروغُ ولا تَعُوجُ (٢)
نَجَشاها فَثارت. والناجِشان: الصائدان، يَنجُشان: يَحُوشان. ومكاناً: إلى مكانٍ لا تستطيع أن تروغ ولا أن تَعُوج، أي وقعتْ بين جبلين لم يزالا يَحُوشانها حتي لجأتْ إلى هذا المكان.
فراغتْ فالتمسْتُ به حَشاها ... وخّرَّ (٣) كأنّه خُوطٌ مَريجُ
стр. 628
راغَت: البقرة. وخَرَّ السهمُ: سقَط. كأنهّ خُوطٌ أي غُصْن. مَريج، أي سَهْل، مَرِج كأنّه يَقلق من سَعةِ مَوضِعه.
كأنّ الريشَ والفُوقَيْن منه ... خلافَ النَّصْلِ سِيطَ به مَشِيجُ (١)
أى كأنّ الريش والفُوقَيْن مِن السهم. خِلافَ النَّصل: بَعدَ النَّصل. سِيطَ به مَشيج، أي خَرجَ قُذَذٌ مِن الرِّيش. ومَشيج: مُختلِط من الدّم والماء.
فظَلتُ وظَلَّ أصحابي لديهمْ ... غَرِيضُ اللَّحمِ نيءٌ أو نَضيجُ (٢)
غَريض: طريّ.
стр. 629
وقال ساعدة بنُ العَجْلان يذكر أخاه مسعودا حين قتله ضَمرْة بنُ بكر
لمّا رأيتُ عَدِىَّ ضَمرةَ فيهمُ ... وذكرتُ مَسعوداً تَبادَرَ أَدْمُعِي (١)
عَدِىّ ضَمْرة: حاملة تَعْدو على أرجلهم.
ولقد بكيتُكَ يومَ رَجْلِ شُواحِطٍ ... بمعَابِلٍ نُجُفٍ وأبيضَ مِقطعِ (٢)
ويُروَى: يومَ جِزْعِ شُواحِط. قوله: بمَعابل، أي رميتُ الّذين قَتَلوك. نُجُف: عِراض، يعني المعَابل وأَبيَض: سَيْف.
شُقَّتْ خَشِيبتَهُ وأُبْرِز أَثْرُه ... في صَفْحَتَيه كالطَّريق المَهْيعِ (٣)
شُقّت خَشِيبتُه، أي عُرَّض طَبعهُ الأَوَّل. وأُبرِز أَثْرُهُ, أي نُقيَّ حتّى ظَهَر أَثْرُه، أي فرِنْدُه. كالطريق المَهْيَع: الطريق البيِّن.
стр. 630
يَا رمْيةً ما قد رَمَيْتُ مُرِشّةً ... أَرْطاةَ ثم عَبَأْتُ لابن الأجدَعِ (١)
أراد يا رَميةً و"ما" حَشْوٌ. ومُرِشّة: بالدم. وأرْطاة: رجل. ثم عبأْتُ: أي هيأتُ له رميَةً أخرى.
ورميتُ فوقَ مُلاوَةٍ (٢) مَحْبوكَةٍ ... وأبَنْتُ للأَشهادِ حَزَّةَ أَدَّعِى
يقول: أصابت المِعْبَلةُ حَبْلَ المُلاوَة فلم تَعمل. وأَبَنْت للأشْهاد، أي بيّنْت لمِن حَضَرني. وحَزّةَ أدّعي أي حين (٣) أدْعو فأقول: أنا فلانُ ابن فلان.
بين المصعِّدِ والمصوِّبِ رأسَه ... وأقول شِقّ شِمالهِ كالأضرَعِ (٤)
يقول: رَمَيْتُه فهو بين المُشرِف صدرُه والمُطَأمِنه. والأضرَع: الخاشع.
ولَحَفْتُه منها حَليفًا نَصْلُه ... حَدِّى كحَدِّ الرُّمح ليس بِمنْزْعِ (٥)
стр. 631
لحَفْته، أي جعلتُ له لِحافا، أي ألصَقْتهُ. والحَليف: النَّصْل الحادّ. ويقال: رجلٌ حليف اللِّسان أي حادُّه. ليس بِمنْزَع، والمِنْزَع: السَّهم الّذى لا يَبْلغُ.
فَطلَعْتُ مِن شِمراخِه (١) تَيْهورَةً ... شمَّاءَ مُشرِفةً كرأسِ الأَصْلَعِ
فطَلَعْتُ من شِمْراخه، أي من رأس الجبل. تيهُورة: أصلُ التَّيهْورة المطمئن من الرمل يَشقّ على الصاعد، فأراد صعبةَ المَصعَد. شَمّاء: مُشِرفة. كرأس الأصلع: لا شيء فيها.
أَهوِى على أَشرفِها لا أَتَّقِى ... كذَفِيفِ فتخاءِ القَوادم سَلْفَعِ (٢)
فَتْخاء: عُقابْ في حَناحها فَتَخ, أي استِرْخاء. سَلْفعَ: جريئة.
تَغْدُو فتُطعِمُ ناهِضًا (٣) في عُشِّها ... صُبْحا ويُؤْرِقُها إذا لم يَشبَعِ
يُؤْرِقُها: من الأرَق. تَغدُو صُبْحا كما تقول تَغدو غُدْوَة.
وقال ساعدة بن العجلان (٤) أيضاً
ألا يا لهفَ أَفْلَتَنِي حُصَيْبٌ ... فقَلبي مِن تذكُّرِه عَمِيدُ (٥)
العَميد: المُثْبتَ الشديدُ الأمرِ من الوَجعَ.
стр. 632
فلو أنِّى ثَقِفْتُكَ (١) حينَ أَرْمِى ... لآبَكَ مُرْهَفٌ منها حَدِيدُ
آبَك: رَجَع إليك. مُرْهَف: حديد.
وَقِيعُ الكُلْيَتَيْن له شَفِيفٌ ... يَؤُمُّ بقِدْحه عَيْرٌ سَدِيدُ
الوَقيع: الّذى وُقِع بالمِيقَعة، وهى المِطْرَقة. والكُلْيتَان: ناحيتا النَّصْل من مؤخّره. له شَفِيف، أى رقّة يَكاد يُرَى ما وراءَه من رِقّته. يَؤُمُّ: يَقْصِد بِقدْحه. والعَيْرُ: الناشزُ وَسطَ النَّصل كالحَدَر.
فما لَكَ إذ مَرَرْتَ على حُنَيْنٍ ... كَظِيماً مِثلَ ما زَفَرَ اللَّهِيدُ
يقول: ما لَكَ كظيما، والمَكْظوم: الّذى أُخِذ بنَفسه. والكَظائم: الآبار. وحُنَين: ماءٌ قَريبٌ من مكّة. واللَّهيد: الّذى لَهَدَه الحِمل، أى عَصَره وضَغَطه.
وما لَكَ إذ عَرَفْتَ بنى خُثَيمٍ (٢) ... وإيّاهمْ على عَمْدٍ تَكيدُ
خُثَيم: من هُذَيل، أى مالَكَ تَرَكتَهم، وإيّاهم كنتَ تَكِيد، أى تَطلُب وتريد.
تركتَهُم وظَلْتَ بِجَرِّ يَعْرٍ (٣) ... وأنتَ كذاكَ ذو خَبَبٍ مُعيدُ
الجَرّ: ما غَلُظ من الحِبال، جرّ يَعْر: حَبل ومُعيد: مُعاِود، قَد جرّب الأمور.
стр. 633
أقمتَ به نهارَ الصيفِ حتّى ... رأيتَ ظِلالَ آخِره تَؤُودُ (١)
أي حتّى تَرَى الظِّلالَ تَؤُود، يقال: آد النهارُ إذا رَجَع. ظِلال آخِره، أي آخر النهار، ويمتدّ الظِّلّ فَيجئ الفَيْء.
غَداة شُواحِطٍ فنَجَوْتَ شَدًّا ... وثَوْبُكَ فى عَمَاقِيةٍ هَرِيدُ (٢)
عَماقِيَة: شجرة. هَرِيد: مَشْقوق. يقول: عدوتَ هارِبًا فتعلّق ثوبُك بهذه العَماقيَة، يقال: هَرَدَ ثوبَه وهَرَتَه إذا شقّه.
ولولا ذاك لاقَيْتَ المَنايا ... صُراحيَةً (٣) وما عنها مَحيدُ
صُراحية: خالصة، أي لرأيتَ المنَايا مُواجهة.
فلا تَعرِض لذِكر بنِى خُثَيم ... فإِنّهمُ لدَى الهَيْجا أُسودُ (٤)
стр. 634
هم تركوا صِحابَك بين شاصٍ ... ومُرتفِقٍ على شَزَنٍ يَميدُ (١)
ومرتفق: متّكئ على ناحية لم يوسَّد، أي لولا ما صنعت من العَدْو. ويَميدُ: يذهب ويَجئ.
وهم تركوا الطريقَ وَأسلكُوكمْ ... على شَمّاءَ مَسلَكُهَا بعِيدُ (٢)
ويُروَى مَهواها بعيد، يقول: تركوا الطريقَ لَم يَحمِلوكم عليه وأَسلَكوكمْ على ثَنيّةٍ إذا وقعُتمْ منها تكسّرتم أي حين انهزموا، يقال: سَلكتُه الطريقَ وأسلكتُه إذا أدخلتَه فيه.
ولكن حالَ دونَكَ كلُّ طِرْفٍ ... أَبانَ الخيرَ وهو إذٍ وَليدُ (٣)
طِرْف: كريم. ثم أبان الخَير وهو صغير.
стр. 635
وقال رجل من بن ظَفَر يَرثيِ من أصابت بنو صاهِلَة مِن قومِه (١):
ألا يا عَيْن بَكِّى واستجِمِّى ... شُئُونَ الرأسِ رَجْلَ بنى حَبِيبِ
مَطاعيمٌ إذا قَحَطَتْ جُمادَى ... ومَسَّاحوا المَغايِظ بالجُنوبِ (٢)
يقال مسح غَيظَه بجَنْبه إذا احتمَلهَ.
قال: وخرجتْ بنو صاهلَة من اللَّيل فَأدْرَكَهم الطَّلب وفيهم رجلٌ من بَن ظَفَر يقال له كُليَب (٣)، ف قال كليُبَ:
أنا كُلَيْبٌ ومَعِى مِجَنِّى ... بازِلُ عامَين حدِيثُ (٤) سِنِّ
أَضرِبُ رأْسَ البَطَل المِعَنِّ (٥) ... حتى يُمِيطَ في الخَلَاءَ عنّى (٦)
المِعَنّ: الذى يَدخل فيما لا يَعنيه.