شجرة ونخلة، وإنما يرخم منها ما كان مقصودا، وهو خلاف ما حكاه غيره (١).
وفي البديع:" والمبرد لا يجيز ترخيم النكرة العامة، نحو: شجرة ونخلة وإنما يرخم منها ما كان مقصودا (٢).
١٠ - قال ابن عقيل:" تقدير ثبوت المحذوف للترخيم أعرف من تقدير التمام بدونه، وقال في البديع: هو أكثر استعمالا، وأقوى في النحو .. " (٣).
وفي البديع:" الثاني - يعني من ضربي الترخيم - أن تحذف ما تحذف من الاسم، وتجعل ما بقي اسما مفردا، كأنك لم تحذف منه شيئا، ثم تضمه فتقول: يا حار، ويا جعف، ويا برث، ويا قمط، وكلا القسمين من لغة العرب والأول أكثرهما استعمالا، وأقواهما في النحو (٤).
١١ - قال ابن عقيل:" لا يكون صاحب الحال - في الغالب - نكرة ما لم يختص .. أو يسبقه نفي، نحو: (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) (٥)، قال صاحب البديع: النكرة المنفية تستوعب جميع أنواعها فنزلت منزلة المعرفة" (٦).
وفي البديع:" .. فأما قوله:
وما حل سعدي غريبا ببلدة ... فينطق إلا الزبرقان له أب
стр. 142
فإن النكرة المنفية تستدعي جميع أنواعها؛ فتنزلت منزلة المعرفة" (١).
١٢ - قال خالد الأزهري - في أثناء كلامه على بيت طرفة:
أما الملوك فأنت اليوم ألأمهم ... لؤما وأبيضهم سربال طباخ
" ف" لؤما منصوب بمحذوف، قاله صاحب البديع" (٢).
وفي البديع:" قد ألحقوا في التعجيب لفظين لهما نظير إليه - وإن لم يكونا تعجبا - وهما:" أفعل القوم" و" أفعل من القوم؛ نقول: زيد أفضل القوم، وأفضل من القوم؛ فأعطوهما بعض أحكام التعجب؛ فما لم يجز في التعجيب لم يجز فيهما؛ وإنما فعلوا ذلك لأنّ معناهما المبالغة و، والشئ يحمل على نظيره؛ ولهذا امتنع بعضهم من ظهور المصدر معه، فلا يجيز: زيد أفضل القوم فضلا، وأكرمهم كرما، وقال: ما جاء منه مظهرا فهو منصوب بفعل آخر يدل عليه المذكور، كقوله:
أما الملوك فأنت اليوم ألأمهم ... لؤما، وأبيضهم سربال طباخ" (٣)
الاتجاه النحويّ لابن الأثير
عاش ابن الأثير ﵀ في النصف الثاني من القرن السادس الهجريّ، وهو قرن ازدهرت فيه الدراسات النحويّة والصرفيّة واللغويّة، ولكنها كانت بعيدة عن التعصب للمدرستين البصريّة والكوفيّة، ولا عجب في ذلك فهو عصر تحقيق وتمحيص، وعلى الرغم من ذلك فإن المطلع على المؤلفات النحويّة في هذا القرن يظن أنّ مؤلفيها ذوو اتجاهات بصريّة، وسبب ذلك أن الأسس التي بنى عليها البصريون مذهبهم أقوى من أسس مذهب الكوفيين، ولذا نالت
стр. 143
استحسان نحاة هذا القرن، وحظيت بقبولهم، ولكن لبعدهم عن التعصب لاقت بعض آراء الكوفيين قبولا عندهم، وكانت من قبل لا يرغب فيها إلا من كان متعصبا لمدرسة الكوفة.
والمطلع على كتاب" البديع في علم العربية" - وهو الكتاب الوحيد الباقي لابن الأثير" في النحو والصرف، - سيحكم لأول وهلة أن" ابن الأثير" ذو نزعة بصريّة، ولكن من ينعم النظر فيه سيجد المؤلف - وإن بدا عليه الاتجاه نحو المدرسة البصرية - يرجّح كثيرا من آراء الكوفيين، ويرّد بعض آراء البصريين، بل قد يصمهم بالتعسف في تخريج الأدلة، وقد يرد على زعيم مدرستهم سيبويه، وهذا كله ينفي عنه صفة التعصب لمدرسة بعينها.
والمؤلف ﵀ يختار من الآراء ما يبدو له أنه الأقرب للصواب وهو كثير الاجتهاد في اختيار الأرجح، ولذا رأينا أنه قد يختار الرأي غير المشهور، ويترك رأي الجمهور، وقد سبق إيراد أمثلة لذلك (١).
وموافقته البصريّين ظاهرة في مظعم الكتاب، ويصعب حصر المسائل التي اتبعهم فيها، وأما متابعته الكوفيين فجاءت في مواضع كثيرة من الكتاب وسنكتفى بأمثلة قليلة منها:
عرضه لمذهبي البصريين والكوفيين:
لم يشذ ابن الأثير عن متأخري النحاة في ذكر آراء المدرستين الكوفية والبصرية.
ومع هذا يكاد ينفرد باتباع مسلك عجيب إزاء عرضه للمذهبين، فهو يفصل ويحدد، ويدقق تدقيقا غريبا قلّ أن يرى لغيره، ومن ذلك:
стр. 144
١ - فى باب التنازع:
يقول:" إذا اجتمع فعلان بعدهما اسم له بهما تعلق في المعنى، حمله البصريّ على الثاني؛ لأنه الأقرب، وحمله الكوفيّ على الأول؛ لأنه الأسبق تقول قام وقعد زيد، فالبصري يرفع" زيد" ب" قعد"، والكوفي ب" قام".
وتقول: ضربت وضربني زيد. فالبصريّ يرفع" زيدا"؛ لأنه فاعل والكوفيّ ينصبه؛ لأنه مفعول، وفي الأول - عند البصريّ ضمير، وفي الثاني عند الكوفيّ - ضمير.
فإذا ثنيت قلت - عند البصريّ -: قاما وقعد الزيدان، و: ضربت وضربني الزيدان، وعند الكوفيّ: قام وقعد الزيدان، و: ضربت وضربني الزيدان. ولم يحتج البصريّ - في مثل هذا - إلى تثنية ضمير المفعول؛ لأنه فضلة" (١).
٢ - في باب الحال: تقدم الحال على العامل:
يقول:" ولك أن تعمل" ها" التي للتنبيه، وإن شئت:" ذا" الذي للإشارة فإذا تساوى الأمر فيهما أعمل الكوفيّ الأول، وأعمل البصريّ الثاني.
فقياس البصري أن يمنع: ها قائما ذا زيد؛ لأن عامله بعده.
والكوفيّ لا يمنعه.
وأجمعا على منع: قائما هذا زيد.
ويجيز البصريّ إعمال الأول (٢).
موافقته البصريين:
стр. 145
١ - جعل اللام الأولى من (لعل) زائدة (١)، وهذا قول البصريين (٢) وأما الكوفيون فيجعلونها أصلية (٣)، ولم يشر ابن الأثير حين قال بزيداتها إلى أنه رأي البصريّين، كما أنه لم يذكر قول الكوفيين.
٢ - لم يجز جمع ما فيه التاء نحو: طلحة، وحمزة، وهبيرة، أعلاما لمذكرين بالواو والنون (٤)، وهذا قول البصريّين (٥)، ثم ذكر المؤلف أن الكسائيّ والفراء أجازا جمعه بالواو والنون.
٣ - جعل تعريف العدد في ثلاثة أثواب بتعريف الاسم الثاني، فيقال: ثلاثة الأثواب (٦)، وهو قول البصريين (٧). ثم ذكر المؤلف أن الكوفيّ يجيز الخمسة الأثواب. وجعل تعريف العدد المركب بتعريف الاسم الأول نحو:
الأحد عشر درهما (٨)، وهو قول البصريّين (٩)، ثم ذكر أن الكوفيّين يقولون: الأحد عشر الدرهم (١٠).
٤ - أجاز في اشتقاق اسم الفاعل مما جاوز العشرة من الأعداد: ثالث عشر
стр. 146
ثلاثة عشر (١)، والبصريّون وحدهم يجيزونه، أما الكوفيون فيمنعونه (٢)، وقد أشار المؤلف إليهم بقوله: (وبعضهم ينكره).
٥ - منع إضافة العدد إلى المعدود في العشرين وما فوقها، وحذف النون للإضافة (٣)، وهذا مذهب البصريين أما الكوفيون فيجيزونه (٤).
* من موافقته الكوفيين:
١ - أن اسم الفاعل - إذا كان للماضي - لا يعمل عند البصريين، ويعمل عند الكوفيين.
يقول ابن الأثير:" اسم الفاعل - إذا كان للماضي - لا يعمل عند البصريّ، وما جاء منه عاملا فمؤول، كقوله تعالى: (فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً) (٥)، وكقولهم: هذا معطي زيد أمس درهما.
ف (الشمس والقمر) منصوبان بفعل مضمر دل عليه" جاعل"، ومثل هذا الإضمار في القرآن كثير، وتقديره - والله أعلم - أنه لما قال: (وجاعل الليل) قيل: ماذا جعله؟ قيل: جعله سكنا، وجعل الشمس والقمر حسبانا.
وكذلك" درهما" منصوب بفعل مضمر دل عليه:" معط"، ولقد استغنى الكوفي عن هذا التعسف" (٦).
стр. 147
٢ - النصب على الصرف:
يقول ابن الأثير - في الحكم الحادي عشر من أحكام الشرط - " فأما إذا قلت: أقوم إن تقم، وعطفت عليهما بفعل، فإن كان من جنس الأول رفعته لا غير، كقولك: تحمد إن تأمر بالمعروف وتؤجر، وإن كان من جنس الثاني فيجوز فيه الجزم، عطفا على" إن"، والرفع على الاستئناف، والنصب على الصرف كقولك: تحمد إن تنه عن المنكر وتأمر بالمعروف.
فإن كان الفعل يصلح أن يكون من جنس الأول والثاني، جاز فيه الرفع عطفا على الأول، والاستئناف، والجزم، عطفا على" إن" والنصب على الصرف، كقولك: تحسن إلينا إن تزرنا وتكرمنا" (١).
وإهمال ابن الأثير ها هنا نسبة النصب على الصرف (٢) إلى الكوفيين يعد موافقة ضمنية منه للكوفيين في هذه المسألة.
ومما يؤكد موافقة ابن الأثير للكوفيين في المسألة أنه نقل كلام ابن السراج فيها نقلا حرفيا أو كالحرفي، ولكن ابن السراج قال:" وهذا النصب يسمّيه الكوفيون الصرف" (٣).
وقد أهمل ابن الأثير نقل هذه العبارة عن ابن السراج، وهذا الإهمال منه يؤكد ما ذهبنا إليه من أنه يوافق الكوفيين (٤) في المسألة.
٣ - قسّم (من) إلى استفهام، وشرط، وموصولة، وموصوفة، وزائدة عند
стр. 148
الكوفي (١)، ثم قال: (فأما كونها زائدة فقول الشاعر:
آل الزّبير سنام المجد قد علمت ... ذاك القبائل والأثرون من عددا
والتقدير: الأثرون عددا، والبصريّ يتأول ذلك، ويجعلها نكرة منصوبة الموضع على التمييز، تقديره: والأثرون رجلا يعد عددا، وفي هذا التقدير تعسف) (٢).
٤ - في التنازع: البصريّون يعملون الثاني، والكوفيون يعملون الأول، قال المؤلف: (وما يحتمل القولين قول الشاعر:
تمنّت وذاكم من سفاهة رأيها ... لأهجوها لما هجتني محارب
فإعراب «محارب» عند الفريقين واحد، والتقدير مختلف، والأولى في هذا البيت قول الكوفيّ ليعود الضمير في «لأهجوها» إليه) (٣).
٥ - جعل تصغير الكنية بتصغير الاسم الثاني منها مثل: أبو جعفر، تقول فيه:
أبو جعيفر. (٤) إلخ، وهذا مذهب الكوفيين، أما البصريون فيصغرون الأول؛ لأنه هو الذي يجمع ويثنى ويوصف (٥).
٦ - قال عن كتابة الثلاثي الذي آخره ألف أصلها ياء: (يجوز كتبه بالألف حملا على اللفظ، ولا يعتبر الانقلاب) (٦)، وهذا مذهب الفارسي والكوفيين (٧) أما البصريون فيراعون الانقلاب، فما أصله ياء لا بد أن يكتب بالياء.
стр. 149
٧ - قال في تصغير الأسماء التي تذّكّر وتؤنّث: (فإن كان الاسم يذكر ويؤنث صغره من أنثه بالتاء، ومن ذكره بلا تاء، كالذراع واللسان تقول:
ذريّعة وذريّع، ولسيّنة ولسيّن، حكاه الفراء، والبصريّ لا يعرف هذا التقسيم، إنما يصغّر الجميع بغير تاء). فيبدو أنه قد ارتضى مذهب الفراء، ومن ثم أشار إلى مذهب البصريّين (١).
٨ - ذكر أن الكوفيّين يجيزون مد المقصور، والبصريّون يمنعونه، ثم استشهد لذلك بشاهدين لجوازه (٢)، وهذا يدل على أنه يجيزه تبعا للكوفيّين.
٩ - ذكر أن الكوفيّين يجيزون ترك صرف ما ينصرف، واستشهد لذلك بشاهدين ثم ذكر أن البصريين يتأولون ما جاء منه (٣).
١٠ - جعل الواو وأو وحتّى ناصبات للفعل المضارع (٤)، وهذا قول الكوفيّين
١١ - أخذ برأي الكوفيّين في" أنّ" أن" تشبّه بأختها (ما)، فيرفع الفعل المضارع بعدها (٥).
١٢ - تابع الكوفيّين في جعل علامة للجمع في الفعل المسند إلى الجمع، فقال عن النون: إنها تزاد (علامة لجمع المؤنث نحو: يضربن الهندات) (٦) وهذا قول الكوفيين.
ولم يقف" ابن الأثير" عند تفضيل رأي الكوفيّين في بعض الأحيان فقط، بل رأيته يبّين تناقض كلام سيبويه - زعيم المدرسة البصريّة -، قال في
стр. 150
الجمع: (وقال سيبويه: لو سميت بعدة لقلت فيه: عدات، حملا على جمعهم إيّاها، وعدون وإن لم يقولوه حملا على قولهم: لدة ولدون، فخالف قوله) (١).
فجمع سيبويه عدة على (عدون)، مع أنه لم يرد عن العرب جمعها بالواو والنون، وإنما قاسها سيبويه على لدة، مع أنه رفض جمع شية على (شيون)، وظبة على (ظبون)؛ لأن العرب لم تجمعها بالواو والنون، ولم يقسها على (لدة)، وهذا تناقض.
شخصيته العلمية
كان ابن الأثير لا يكتفي بالنقل عمن سبقوه، بل كان ينقل عنهم نقل الناقد الحاذق، الذي يعرف ما يأخذ وما يدع.
وقد تأثر بعدد من كبار النحاة، شأنه في ذلك شأن كثير ممن يتأثرون بمن تلمذوا لهم، أو أخذوا عنهم.
ولم يكن يمنعه تأثره هذا أن ينتقد هذا أو ذاك.
وقد سبق أن وقفنا على انتقاده مذهب البصريين في بعض آرائهم، مع أنه كان بصرى النزعة.
كما رأينا مخالفته ابن الدهان، وميله إلى رأي ابن جنّي، مع أن الأول أبرز شيوخه في النحو، وأكثرهم تأثيرا فيه.
ويدخل في ذلك: نقده لأبي بكر بن السراج، مع أن تأثره به واضح جدا في معظم أبواب كتابه البديع".
١ - قال في باب" الحال":" وإن كان الفعل ماضيا فحكمه حكم المضارع إلا أنه يلزمه" قد" مظهرة أو مقدرة؛ لتقرّبه إلى الحال، تقول: جاء زيد
стр. 151
وقد قام عمرو، و: قدم بشر وخرج الأمير، أي: وقد خرج الأمير، وعليه قوله تعالى: (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) (١)، وقوله: (أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) (٢)، ف" قد" مقدرة في هاتين الآيتين مضمرة.
والمبرد يجعل ذلك من الدعاء عليهم، وأن ذلك من الله إيجاب، قال:"" والقراءة الصحيحة التي جلّ أهل العلم عليها إنما هي: (أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) (٣)، حكى ذلك عنه ابن السراج في" الأصول".
وهذا عجيب؛ فإن قراءة السبعة إنما هي: (حصرت صدورهم) " فكيف يزعم أن القراءة الصحيحة التي عليها جل
العلماء بخلاف ذلك، لا ينبه صاحب الأصول عليه (٤).
٢ - وقال في" النداء":" قد اختلف في العلم المنادى هل تعريفه بعد النداء باق؟ أو زال تعريفه واكتسب بالنداء تعريفا آخر كما اكتسبت النكرة المقصودة به؟
فإلى الأول ذهب ابن السراج، وإلى الثاني ذهب المبرد والفارسي، وقولهما أشبه القولين، قال المبرد: النكرة إذا قصدت اكتسبت بالقصد والنداء تعريفا، وزال ما فيها من التنكير، وكذلك التعريف العلميّ يزول بتعريف النداء، يشهد لذلك أن ما فيه الألف واللام لا ينادى إلا اسم الله تعالى؛ هربا من اجتماع تخصيص حرف النداء والألف واللام" (٥).
стр. 152
حسّه اللغويّ
وقد نشأ هذا الحس اللغوي عن اشتغاله باللغة؛ فقد كان ابن الأثير ذا قدم راسخة في الدرس اللغويّ، وكتاباه في غريب الحديث يشهدان بعلو قدره في صناعة اللغة، ونعنى بذلك:" النهاية في غريب الحديث والأثر" ومنال الطالب في شرح طوال الغرائب"، ومعلوم أن الغاية التي تغياها علماء الحديث
ولا عجب في أن ابن منظور أدار معجمه" لسان العرب" على خمسة كتب، أربعة منها معاجم لغوية، وخامسها هو" النهاية في غريب الحديث والأثر.
وها هو ذا يقول في مقدمة" اللسان":" فرأيت أبا السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزريّ قد جاء في ذلك بالنهاية، وجاوز في الجودة حد الغاية، غير أنه لم يضع الكلمات في محلها، ولا راعى زائد حروفها من أصلها؛ فوضعت كلا في مكانه، وأظهرته مع برهانه" (١).
وها هي ذي نماذج من" البديع" تؤيد وجهة النظر هذه:
١ - قال في ألفاظ التوكيد:" وأما" أكتع" و" أبصع" فمعناهما: زيادة التأكيد، مثل قولهم:" عطشان نطشان" و" حسن بسن".
ويرجع معنى" أكتع" بالتأويل إلى معنى" أجمع"؛ لأنه من: تكتعت الجلدة إذا اجتمعت وتقبّضت.
стр. 153
و" أبصع" مشتق من البصيع، وهو: العرق السائل، ولا يسيل حتى يتجمع" (١).
٢ - وقال في معاني أفعال القلوب:" وأما" حسبت" فمنقولة من الحساب العددي المتعدي إلى واحد؛ فإذا قلت: حسبت زيدا عالما، فمعناه:
أدخلته في عدد العلماء بغير علم.
وأما" خلت" فهي من الخيال الذي يخيّل لك من غير تحقيق، وأصله من الياء" (٢).
٣ - وقال في معاني بعض أخوات" كان":" وأما" ما انفك" فإن معنى فكّ الشئ: تفريق أجزائه؛ ففيه معنى النفي؛ فلما أدخلت عليه النفي صار إيجابا، واستعمل على غير وضعه، وأعطيت معنى" ما زال" و" ما برح" (٣).
٤ - وقال في أحكام" عسى" وما أشبهها من أفعال المقاربة:" الحكم الخامس: قد جاء من أمثالهم:" عسى الغوير أبؤسا" فحذفوا" أن" والفعل، وجعلوا موضعهما اسما منصوبا، وهذا يدلك على أن موضع خبرها نصب، وقد جمع المصدر، وهو شاذّ، وكان التقدير: عسى الغوير أن يبأس، و" الغوير": تصغير" غار"، و" أبؤس" جمع بؤس" أو" بأس"، فكأنّ قائل المثل لما تخيل آثار الشر قال: قارب الغوير الشدة والبأس، أي: عسى الغوير أن يأتي بالبأس".
стр. 154
أخذه بالظاهر؛ تسهيلا على المبتدئين
يميل ابن الأثير - أحيانا - إلى الأخذ بظاهر القاعدة النحوية تسهيلا على المبتدئين في الدرس النحوي، وذلك حينما
يجد أن في ذكر الحكم النحويّ المشهور صعوبة على هؤلاء المبتدئين.
وأوضح مثال على ذلك: ما ذكره في أحكام نون التوكيد؛ فالمشهور أن الفعل المضارع يبنى على الفتح إذا باشرته إحدى نوني التوكيد.
فإذا انتفت المباشرة، بأن فصل بين الفعل والنون بواو الجماعة، أو ياء المخاطبة أو ألف الاثنين أعرب، يقول ابن مالك:
وأعربوا مضارعا إن عريا ... من نون توكيد مباشر ...
ولكن ابن الأثير يرى أن الفعل المضارع المؤكد بالنون المتصل به واو الجماعة، أو ياء المخاطبة لا يعرب، بل يبنى.
وبناء المضارع المفصول من النون بالواو أو الياء مذهب طائفة من النحاة منهم الأخفش، فقد قال ابن عقيل في شرحه على الألفية:" وذهب الأخفش إلى أنه مبني مع نون التوكيد، سواء اتصلت به نون التوكيد أم لم تتصل" (١) وقال الأشموني:" وذهب الأخفش وطائفة إلى البناء مطلقا" (٢).
قال الصبان شارحا كلام الأشموني:" أي: على الفتح، حتى في المسند إلى واو الجماعة أو ياء المخاطبة، لكنه فيه مقدر، منع من ظهوره حركة المناسبة، هذا هو الأقرب وإن توقف فيه البعض" (٣).
стр. 155
ولم يوضح لنا الصبان معنى توقف البعض، ولا من المقصود بقوله:
" البعض".
ولعل ما ذهب إليه ابن الأثير يلقي الضوء على هذا التوقّف وعلى المتوقّف أيضا.
وها هو ذا نص كلام ابن الأثير:" النوع الثالث: المذكر المجموع يبنى الفعل فيه - مع التنوين - على الضم؛ فتقول: لا تذهبنّ معه، و" هل تضربنّ زيدا، الأصل فيه: تذهبون، فحذفت النون للجزم، ثم حذفت الواو بعدها؛ لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة قبلها تدل عليها، ومنه قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١).
النوع الرابع: المؤنث المفرد المخاطب، ويبنى الفعل فيه - مع النونين - على الكسر، كقولك: لا تضربنّ زيدا، و" لا تضربنّ عمرا، الأصل فيه:
تضربين، فحذفت النون؛ للجزم، وحذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين، وبقيت الكسرة قبلها تدل عليها" (٢).
وأخذه بالظاهر ها هنا يتفق مع منهجه، ويبدو - والله أعلم - أن هذا هو منهجه في تصانيفه الأخرى؛ فقد ذكر ذلك صراحة في مقدمة كتابه" النهاية في غريب الحديث والأثر"، قال:" سلكت طريق الكتابين - يقصد" الغريبين" لأبي عبيد أحمد بن محمد الهرويّ (٣)، و" المجموع المغيث" لأبي موسى
стр. 156
المديني (١) - في الترتيب الذي حوياه من التقفية على حروف المعجم .. إلا أني وجدت في الحديث كلمات كثيرة في أوائلها حروف زائدة قد بنيت الكلمة عليها حتى صارت كأنها من نفسها، وكان يلتبس موضعها الأصلي على طالبها، لا سيما وأكثر طلبة غريب الحديث لا يكادون يفرقون بين الأصلي والزائد فرأيت أن أثبتها في باب الحرف الذي هو في أولها، إن لم يكن أصليا، ونبهت عند ذكره على زيادتها؛ لئلا يراها أحد في غير بابها، فيظن أني وضعتها فيه للجهل بها فلا أنسب إلى ذلك، ولا أكون قد عرضّت الواقف عليها للغيبة وسوء الظن ومع هذا فإن المصيب في القول والفعل قليل بل عديم، ومن الذي يأمن الغلط والسهو والزلل؟ نسأل الله العصمة والتوفيق» (٢)
نسختا الكتاب
لم نعثر على أكثر من نسختين من كتاب البديع في علم العربيّة، لابن الأثير، على الرغم مما بذلنا من جهد في مراجعة فهارس المكتبات والدوريات التي تعنى بفهرسة المخطوطات، والنسختان اللتان حصلنا على صور لهما هما:
١ - نسخة في مكتبة (عاطف أفندي) بتركيا، ورقمها هناك (٢٤٤٦) ومنها مصورة في مركز إحياء التراث بمكة المكرمة تحت رقم (٤٤٨).
وهي نسخة كاملة، شملت الجزءين: الأول والثاني، وتبلغ ورقاتها ٣٦٥ في كل صفحة منها (١٩) سطرا، وتاريخ نهاية نسخها حادي عشر جمادى
стр. 157
الآخرة سنة () وقد طمست سنة النسخ، وفي كتاب نوادر المخطوطات العربيّة في مكتبات تركيا (١/ ٣٠): (كتبت في أواخر القرن السادس الهجري) وناسخها محمد بن زين العابدين المناويّ، وقد يحثنا طويلا عن ترجمة له فلم نظفر بشئ، والجزء الأول من الكتاب ينتهي في (ق ٢٠٨ أ)، وفي نهايته: (تم القطب الأول بحمد الله وحسن توفيقه ويتلوه الطقب الثاني وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم)، وعنوان الكتاب - في أغلب الظنّ بخط المؤلف أو خط أخيه عز الدين، وكاتب عنوان الكتاب هو نفسه كاتب عنوان (المرصع) و (منال الطالب).
وفي صفحة العنوان تملكات تبدأ من سنة (٦٣١ هـ)، وفيها ترجمة للمؤلف مأخوذة من وفيات الأعيان، وقد رمزنا لهذه النسخة بالحرف (ك).
٢ - نسخة مكتبة جامعة" برنستون" في الولايات المتحدة الأمريكية مجموعة يهودا، برقم (٢٣٤٥). ومنها مصورة في مركز إحياء التراث بمكة المكرمة برقم (٥٨٣)، وهي نسخة غير كاملة حوت الجزء الثاني فقط، وتبلغ ورقاتها (١٩٢)، وفي كل صفحة (١٧ سطرا)، ولم يذكر فيها تاريخ نسخها ولكنها مقروءة على المؤلف، فى عدة مجالس آخرها في رمضان سنة ثلاث وستمائة، وقد أثبت قراءتها على المؤلف أخوه على بن محمد بن عبد الكريم في آخرها، كما أن النسخة مقابلة من أولها إلى آخرها بالأصل المقروء على مصنف الكتاب.
وقد أثبت في كثير من صفحاتها ما يدل على مقابلتها بالأصل، وناسخ هذه النسخة هو: أبو أحمد بوازن بن أبي منصور سنقر بن عبد الله الروميّ الموصليّ.
وبوزان: ولد يوم الاثنين ١٢ من شهر ربيع الأول سنه (٥٧٧ هـ)،
стр. 158
بقلعة الشوش، من أعمال الموصل، سمع الحديث ببغداد والموصل وإربل، وكان يكتب حسنا، وفيه صلاح، توفي يوم الاثنين ٢١ من شهر ربيع الأول سنة ٦٢٢ هـ بالموصل، ودفن فيها (١)
وصفحة العنوان كتب عليها ثلاث مرات: (النصف الثاني من كتاب البسيط لأبي السعادات. وعليها تملكات لخليل بن أيبك الصفديّ ثم محمد بن أحمد المظفريّ، وفي هذه النسخة سقط مقداره ورقتان ابتداء" من
وبعد:
فمما تجدر الإشارة إليه أن في دار الكتب المصرية برقم (٦١٥) بلاغة كتابا يسمى (البديع لمجد الدين بن الأثير) وبعد الاطلاع عليه تبين أنه نسخة من كتاب (كفاية الطالب في نقد كلام الشاعر والكتاب)، وهناك كتاب اسمه شرح البديع لابن الأثير في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة مصور برقم (٣٧٨٦ ف) عن مخطوطة بمكتبة جستربيتي، وقد قرأنا المصورة فوجدناها لا تمت بصلة إلى البديع في علم العربية ولا إلى ابن الأثير، وانما هو كتاب مختصر شرحه مؤلفه، وهو كتاب متأخر ذكر فيه ابن الحاجب وابن مالك ولم نستطع معرفة اسم الكتاب ولا مؤلفه.
منهجنا في تحقيق الكتاب
١ - عملنا على سلامة النص من التحريف والتصحيف والزيادة والنقص
стр. 159
وحاولنا الوصول به إلى ما كانت عليه نسخة المؤلف، ولم نجعل إحدى النسختين أصلا، وإنما اخترنا النص الصحيح أنى ورد، وربما عدلنا في النسختين إلى ما نراه صحيحا، وقد نبهنا على ذلك في الهوامش، فإذا زدنا علي النص شيئا أثبتناه بين قوسين معقوفين []، وكذا فعلنا في الكلمة الساقطة من إحدى النسختين، أو الجملة، وأشرنا في الهامش إلى أنها تكملة من (ب) أو (ك).
٢ - ضبطنا بالشكل ما يحتاج إلى ضبط ولا سيما الغريب من الكلمات.
٤ - خرّجنا القرآءات من كتبها وذكرنا قراءها.
٥ - خّرجنا الأحاديث، والتزمنا باللفظ المذكور في النص، فإن لم نجده خرجّنا أقرب الألفاظ إليه، وإذا وجدنا نص الحديث في الصحيحين أو في أحدهما اكتفينا بتخريجه منها أو من أحدهما، وإن لم يكن فيها ذكرنا مصادره، ونقلنا كلام أهل الحديث عنه قبولا أو ردا.
٦ - عزونا الشواهد الشعريّة والأراجيز إلى قائليها ما وجدنا إلى ذلك سبيلا وترجمنا للشعراء ترجمة مختصرة، وذكرنا بعض مصادر ترجمتهم، ثم ذكرنا بحر البيت وتكملته إن كان ناقصا، ومطلع القصيدة وموضعه في ديوان الشاعر إن وجد، والروايات فيه، وشرحنا غريبه، ثم بينّنا الشاهد فيه ووجه الاستشهاد، ثم ذكرنا المراجع التي
يوجد فيها البيت.
٧ - خرجنا الأمثال وأقوال العرب من مظانها وبيّنا مناسبة المثل، ولأيّ شيء يضرب.
٨ - خرّجنا أقوال العلماء بإعادتها إلى كتبهم أو إلى أقدم كتب النحو واللغة إن لم نجد لهم كتبا، ولم نجل على كتب المتأخرين إلا مضطرين.
стр. 160
٩ - رجعنا الى كتاب المذكر والمؤنث لابن الأنباريّ بطبعتيه الأولى بتحقيق أستاذنا الدكتور: محمد عبد الخالق عضيمة رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته، وميزنا هذه الطبعة بتقييدها بالجزء الأول، والثانية:
بتحقيق د. طارق الجنابي، فيما لم ينشر من تحقيق د. عضيمة، ويعرف بعدم ذكر الجزء.
١٠ - رجعنا إلى كتاب الأصول في النحو لابن السراج بجزءيه المطبوعين.
والجزء الأخير الذي لم يطبع، وهو الجزء الثاني من الرسالة التى تقدم بها د. عبد الحسين الفتلي لنيل درجة الدكتوراه، وميزنا هذا الجزء بوضع حرف (ر)، بعد رقم الصفحة.
١١ - فسرنا الألفاظ الغريبة في الكتاب، ووضّحنا ما أبهم من المسائل العلمية وأشرت إلى مسائل الخلاف، ونبّهنا على ما قد يقع فيه المؤلف من وهم أو خطأ.
١٢ - حرصنا على إبراز المصادر الأساسيّة لكل باب بإعادة النصوص التى نقلها المؤلف إلى مصادرها الأصلية.
١٣ - ختمنا الرسالة بالفهارس الفنية الكاشفة.
د/ صالح العايد.
د/ فتحي عليّ الدّين.
стр. 161
البديع في علم العربية
تأليف
المبارك بن محمد الشيباني الجزري أبي السعادات مجد الدين ابن الأثير
(المتوفى سنة ٦٠٦ هـ)
تحقيق ودراسة
د. فتحي أحمد علي الدين
[المجلد الأول]
стр. 162
[مقدمة المؤلف]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله أهل الحمد والثّناء، ربّ الفضل والعطاء، الذى تنوّعت مواهبه أنواعا، وتقسّمت نعمه افتراقا واجتماعا، فمنح قوما الدنيا، وقوما الآخرة وجمع لآخرين ملابسهما الفاخرة، فمن أجلّ نعمه وأوفاها، وأفضل عطاياه وأبهاها، نعمة ازدان بها ربّها فى أولاه، وحصّل بها ما يحمد (١) عقباه، ولا سيّما نعمة كانت بالنّفوس مخصوصة، وعلى الانفراد بها منصوصة (٢) وهى نعمة العلم التى تتقاصر عن إدراكها الهمم، وتسموا إلى اكتسابها الهمم،
ويتنافس فى تحصيلها أولو الفهم (٣)، وتعلو باقتنائها مراتب القيم.
نحمده على ما أسبغ علينا من مدارعها (٤) حمدا نستمرئ (٥) به أخلاف (٦) المزيد، ونثنى عليه بثناء يدنى لنا من خفيّاتها كلّ بعيد.
ونشهد أن لا إله إلا الله، شهادة تجعل ما عرفناه له خالصا، وإليه واصلا، وما جهلناه عندنا واضحا، ولدينا حاصلا.
ونشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، شهادة تؤنس لنا (٧) وحشيّها، وتفيض
стр. 163
علينا مؤشيّها (١)، ونصلّى عليه وعلى آله صلاة تزيل عن الوصول إليها كلّ مانع وتسهّل لنا من مظانّها كل حزن (٢) شاسع.
أمّا بعد فإنك أيّها الأخ - أبقاك الله ورعاك - لمّا قرأت كتاب" بغية الراغب فى تهذيب (٣) الفصول النحويّة" ورأيته فى غاية ما يكون من الاختصار، ويمكن من الإيجاز مع ما اشتمل عليه من الشرائط، وحواه من الأحكام والضوابط، وكنت فى مزاولة هذا الفنّ من العلم ناشئا وإن كان عزمك فيه ماضيا، واطّلعت منه على مستبهم مستغلق، وسمت نفسك إلى ما هو أعلى منه قدرا وأوضح سبيلا، وأكثر منه بسطاو أقوم قيلا، ورغبت إلىّ فى جمع كتاب ينير طرق فهمه، وتتّضح مذاهب معرفته فأجبتك إلى ما سألت غير ذاهب بالإطالة إلى الإملال، ولا جانح
بالإيجاز إلى الإخلال، حسب ما طلبت أن يكون باسطا لما أو جزفيه، مبيّنا لما أغلق من ألفاظه ومعانيه تقصر عن رتبته الشروح، ولا يقصر فى البيان والوضوح، جامعا لأبواب النحو وأحكامه.
مشتملا على أنواعه وأقسامه إلا ما عسى أن يشذّ منها أو وما لا تمسّ الحاجة إليه، ولم أكد أودعه من الأدلّة إلا ما أوجب ذكره إحكامه، وافتقر إلى معرفته بيانه، وليس لى فيه إلّا اختيار أقوال الأئمّة ونقلها وما أضفت إليها من زيادة شرط فى حدّ واحتراز فى قول، وإشارة إلى نكتة غربية تقف عليها. (٤)
стр. 164
وها أنا (١) قد عرّضت نفسى لرشق سهام الملام، إجابة لسؤالك؛ فإنّ الوقت حرج، والشّواغل كثيرة، والموانع جمّة، والعهد بهذ الفنّ بعيد وللنفّس عنه صادف، والهمّة إلى غيره مصروفة، ومن الله أستمدّ حسن التوفيق والإعانة على ما كلّفتنيه وسمّيته كتاب «البديع فى علم العربيّة».
واعلم أن علم العربيّة المخصوص باسم النحو لا يعدو قسمين:
أحدهما: معرفة ذات الكلمة وبنائها وما يتعلّق بحرفها من التغيير.
والثانى: معرفة ما يطرأ عليها من الحركات والسّكون.
وكلّ واحد من هذين القسمين يدخل على الآخر فى التّبيين؛ لضرورة الإفهام، فهما متداخلان، لا يكاد ينفرد أحدهما بالذكر عن الآخر، إلّا أنّ كلّ واحد منهما يغلب ذكره على بعض الأبواب دون بعض والحكمة تقتضى أن يبدأ فى الذكر بالقسم الأول؛ لأنّ معرفة الذات قبل معرفة الصّفات، إلا أنّ العلماء عكسوا القضية، وكان الباعث على ذلك أمرين:
أحدهما: مسيس الحاجة الغالبة إلى معرفة الثانى؛ لما دخل على الألسنة من الفساد، وذلك أنّ الإنسان يتلقّف الكلم في صغره ومبدئه، لضرورة الإفهام والاستفهام، على ما يعلم من صحّة وفساد، ولّما غلبت العجمة على ألسنة النّاس تعلّموا الكلام ملحونا، فاحتاجوا إلى إصلاح ذلك، والغالب على طريقه: معرفة الحركات والسّكون.
والأمر الثانى: أن معرفة ذوات الكلم تشتمل على أشياء مشكلة كالتّصريف، والتصغير، والنّسب، ممّا يصعب فهمه على المبتدئين.
стр. 165
وكانت معرفة الحركات والسّكون أسهل مأخذا، وأقرب متناولا؛ فقدّموا ما غلبا عليه من الأبواب فى الذّكر لهذين الأمرين، وربمّا كان لغيرهما من الأمور، فاقتد ينابهم فى التقديم والتأخير، وجعلنا مدار الكتاب على قطبين:
القطب (١) الأوّل: فيما الغالب على أبوابه معرفة الحركات والسّكون وهى عوارض الكلم.
القطب الثانى: فيما الغالب على أبوابه معرفة ذات الكلم وحروفها والقطب الأوّل يشتمل على عشرين بابا:
الباب الأوّل: فى الألفاظ العامه.
الباب الثانى: فى المعرب.
الباب الثانى: فى المبنىّ.
الباب الرابع: فى الإعراب.
الباب الخامس فى البناء.
الباب السّادس: فى المبتدأ.
الباب السّابع: فى الخبر.
الباب الثامن: فى الفاعل.
الباب التاسع: فى ما لم يسمّ فاعله.
الباب العاشر: فى المفعولات.
الباب الحادى عشر: فى المشبّه بالمفعول.
الباب الثانى عشر: فى المجرورات.
стр. 166
الباب الثالث عشر: فى التوابع.
الباب الرابع عشر: فى النداء.
الباب الخامس عشر: فى العوامل.
الباب السادس عشر: فى" كم".
الباب السّابع عشر: فى نونى التوكيد.
الباب الثامن عشر: فى التقاء السّاكنين.
الباب التاسع عشر: فى الوقف.
الباب العشرون: فى الحكاية.
والقطب الثانى يشتمل على عشرين بابا:
الباب الأوّل: فى المعرفة والنكرة.
الباب الثانى: فى المذكر والمؤنث.
الباب الثالث: فى المقصور والممدود.
الباب الرابع: فى التثنية.
الباب الخامس: فى الجمع.
الباب السّادس: فى التصغير.
الباب السّابع: فى النسب.
الباب الثّامن: فى الاستفهام.
الباب التّاسع: فى الموصولات.
الباب العاشر: فى ما لا ينصرف.
الباب الحادى عشر: فى العدد.
الباب الثانى عشر: فى الهمزات.
الباب الثالث عشر: فى الإمالة.
стр. 167
الباب الرابع عشر: فى الكتابة.
الباب الخامس عشر: فى الخطاب.
الباب السّادس عشر: فى الأبنية.
الباب السّابع عشر: فى المصادر.
الباب الثامن عشر: فى التصريف.
الباب التاسع عشر: فى الإدغام.
الباب العشرون: فى جائزات الشّعر.
стр. 168
[القطب الأوّل: فيما الغالب على أبوابه معرفة الحركات والسّكون وهى عوارض الكلم .]
الباب الأول: من القطب الأوّل فى معرفة الألفاظ العامّة الأوائل
من حق هذا الباب أن يذكر فى أول القطب الثانى، وإنما بدئ به لأن مضمونه: أصل الكلام الذى مبنى هذا العلم عليه، والإشارة في الأحكام إليه، وفيه فصلان:
الفصل الأول: فى ماهيّة النحو
النّحو: القصد، نقل علما لهذا العلم المشار إليه، وهو: معرفة أوضاع كلام العرب ذاتا وحكما، واصطلاح ألفاظهم حدّا ورسما.
وطريقة: الوضع والنقل، وأدلّته: النّصّ والقياس، وفائدته: تقويم اللسان، وحكمته: تغيير المعانى بأحكام مبانى الألفاظ.
الفصل الثانى: فى أقسام الألفاظ .
وهى تنقسم بحسب الألقاب قسمين، عاما، وخاصّا.
القسم الأول: فى العامّ ،
وهو: الكلمة والكلم، والكلمات، والكلام والقول.
أمّا الكلمة: فلها حقيقة ومجاز، أمّا الحقيقة فهو: كونها عبارة عن اللفظ الواحد نحو، زيد، وقام، ومن وأمّا المجاز فهو: كونها عبارة عن الجملة من الكلام تقول العرب: لفلان كلمه شاعرة، أى: قصيدة، و" كلمة بليغة" أى خطبة.
وأمّا الكلم: فهو اسم جنس للكلمة، مفيدا وغير مفيد، يعمّها فما فوقها لأنّ ما بينه وبين واحده تاء التّأنيث جنس له،
نحو: تمرة، وتمر وشجرة وشجر.
وأمّا الكلمات: فهو جمع سلامة لها مطّردا، نحو: سلمة (١) وسلمات
стр. 169
ومعدة ومعدات وأمّا الكلام: فهو لقب لما ينطق به مركّبا مفيدا، وهو مصدر، فى قول، واسم مصدر هو التكلّم/ أو التكليم، فى قول
وأمّا القول: فهو لقب لما ينطق به، مفردا ومركّبا، مفيدا وغير مفيد؛ لأنّ أقسام الكلام المنصرف (١) إليه لفظه تدلّ على الشّدّة، وأقسام القول المنصرف (١) إليها لفظه تدلّ على الخفّة؛ فجعلوا الأشدّ لقبا للأخصّ، والأخفّ لقبا للأعمّ تعديلا، ولهذا قال سيبويه: وإنماّ يحكى بعد القول ما كان كلاما لا قولا (٢).
وذهب قوم (٣) إلى أنه لا فرق بيين القول والكلام فى الإفادة وعدمها، فالكلام أخصّ من الكلم والقول؛ لاشتراط التّركيب والإفادة فى أحد القولين، وهو فى الإفادة مثلهما فى القول الثّانى.
القسم الثانى فى الخاصّ
، وفيه خمسة فروع.
الفرع الأوّل: فى أقسام الكلمة وحدودها .
الكلمة: إمّا أن تدل على معنى بالوضع، أولا تدلّ، فالعارية من الدّلالة ملغاة، والدّالّة لا تخلو؛ أن تدلّ على معنى فى نفسها، أو معنى فى غيرها فالتى تدل على معنى فى نفسها تنقسم قسمين:
أحدهما، أن تقترن الدّلالة فيه بزمن مختصّ لفظا، والآخر أن تجرّد من الدّلالة عليه لفظا، فالأوّل: الفعل، والثانى: الاسم.
والتى تدل على معنى فى غيرها هى الحرف.
стр. 170
فإذا حدّ الاسم: كلّ كلمة دلّت على معنى فى نفسها مجرّدة من الزّمان المختص لفظا، نحو: زيد وضرب.
وحدّ الفعل: كلّ كلمة دلّت على معنى فى نفسها مقترنة بزمان مختصّ لفظا، نحو: ضرب ويضرب.
وحدّ الحرف: كل كلمة دلّت على معنى فى غيرها ولم تكن أحد جزئي الجملة المفيدة سوى النداء، نحو" من" و" إلي" فقولنا: كل كلمة، احتراز من الحروف غير المنتظمة، وقولنا: دلّت على معنى، احتراز من الملغاة، وقولنا: فى نفسها، آحتراز من الحروف، وقولنا: مجرّدة من الزّمان/ المختصّ احتراز من الفعل، وقولنا: لفظا، احتراز من صيغة الفعل؛ لأن للفعل ثلاث دلالات اثنتان بالوضع، والأولى منهما: دلالة" الضاد" و" الراء" والباء" على هذا النوع من الأفعال، والثّانية: دلالة صيغة الفعل على خصوص الزّمان نحو" فعل" للماضى، و" يفعل" للمستقبل، حتى لو عكس القضية واضعها لجازله.
والثالثة: دلالة الملازمة، وهى: اضطرار الحدث إلى زمن ما، يقع فيه، فهذه ثلاث دلالات، يوجد فى الاسم منها الأولى والثالثة وجودهما فى الفعل، وتوجد الثانية فيه من طريق الملازمة؛ من حيث إنّ الحدث لا بدّ أن يقع فى زمن مخصوص، لكنّ صيغة الاسم لا تدل عليه.
وقولنا فى الحرف: ولم يكن أحد جزّئى الجملة المفيدة، احتراز من" الذّى"، وقولنا: سوى النداء، احتراز من" يا زيد".
الفرع الثّانى: فى خواصّها ،
وفيه نوعان: النوع الأوّل: فى تعريفها.
أمّا خواصّ الأسماء فهى كثيرة، ويحصرها طريقان: أحدهما لفظىّ والآخر معنوىّ.
стр. 171
أمّا اللفظىّ، فيرد فى أوّلها وحشوها وآخرها.
فالتى ترد فى الأوّل: كالألف واللّام غالبا، احتراز من دخولهما على الفعل فى قول الشاعر (١):
يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا ... إلى ربّنا صوت الحمار اليجدّع (٢)
ويفيدانها التّخصيص نحو: الرّجل، والعلم.
وكحروف الجرّ، ويفيدها إيصال قاصر الأفعال إليها نحو هربت من زيد، ولجأت إلى عمرو.
والتى ترد فى الحشو: كألف التكسير نحو: رجال، وأحمال، وياء التصغير غالبا، احتراز من تصغير فعل التعجب
فى قول الشاعر (٣):
يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا ... من هؤلياء بين الضّال والسّمر (٤)
نحو؛ رجيل، وجعيفر.
وأمّا التى فى الآخر: فكالتّنوين غالبا، احتراز من تنوين الترنّم.
والتنوين الغالى، نحو: رجل، وزيد، وكالإضافة، وتفيدها
стр. 172
التخصيص بغيرهما: كغلام/ زيد، وسرج الدّابّة، وثوب خزّ.
وأمّا المعنوىّ: فيتعلّق بالذات، كالتعريف والتنكير، والتأنيث والتذكير والإضمار، والإخبار عنها غالبا، احتراز من قولهم" تسمع بالمعيدىّ خير من أن تراه" (١).
وأمّا خواصّ الأفعال: فكذلك ترد فى لفظها ومعناها.
أمّا اللفظ: فترد فيه أوّلا، وآخرا.
فالتى ترد أوّلا: قد، ونخصّ الماضى والحال، وتفيدهما تقليل الحال وتقريب الماضى منه نحو: قد قام، وقد يقوم، ومنه قولهم:" قد قامت الصّلاة" وكالسين وسوف، ويخصّان المستقبل، ويفيد انه البعد من الحال والسّين أقصر زمنا من سوف نحو: سيقوم زيد، وسوف يقوم بكر، وكحروف المضارعة نحو: تقوم ويقوم، إلّا أن ينقل الفعل علما نحو: تغلب ويشكر.
وأمّا التى ترد آخرا: فكتاء الضّمير نحو: قمت وقمت، وكالتاء التّى تثبت على صورتها وصلا ووقفا غالبا، احتراز
ممّن يقف على" قائمة" بالتاء، دخلت أمارة على تأنيث الفاعل، نحو قامت هند وذهبت جمل، وهاتان التاءان تخصّان الماضى الصّيغة، وكنونى التوكيد ويخصّان المستقبل، نحو:
اضربنّ واضربن.
وأمّا التى ترد فى معناها: فمنها تصرّفها فى الأزمنة نحو: قام ويقوم، إلا أن يحدث مانع كتضمّنها ما ليس لها فى الأصل، نحو: نعم وبئس، ومنها
стр. 173
الأمر المشتقّ نحو: اضرب، و: ليقم زيد، ما عدا أسماء الأفعال المعدولة نحو:
نزال، وتراك.
وأمّا الحرف: فلا خاصّة له، لأنّ عدم (١) العلامة له كالعلامة، ولأنّه فى نفسه علامة، والعلامة لا تفتقر إلى علامة.
تنبيه: هذا الاحتراز الّذى أشرنا إليه فى هذا النوع وما يرد من أمثاله إنّما هو عن الشّاذّ الخارج عن القياس. والشّاذّ فى العربيّة على ثلاثة أضرب:
ضرب شذّ عن بابه ولم يشذّ فى الاستعمال، نحو: استحوذ (٢)، واستصوب وقياسه: استحاذ/ مثل استقام.
وضرب شذّ عن الاستعمال ولم يشذّ عن القياس، نحو ماضى «يدع» فلم يستعملوا «ودع»، استغناء عنه ب «ترك» ومن قال «ودع» فهو شاذّ.
وضرب شذّ عن القياس والاستعمال، فلا يعرّج عليه إلّا فى ضرورة الشّعر، كإدخال الألف واللام على الفعل فى قوله:
صوت الحمار اليجدّع (٣)
النوع الثانى: فى أحكام هذه الخواصّ.
بعض هذه الخواصّ يتعاقب على الكلمة، لأمرين:
أحدهما: تضادّ مدلوليهما، كالألف واللام، أو الإضافة، مع التنوين لأنّ الألف واللام والإضافة تفيد تعريفا، والتنوين يفيد تنكيرا، فلا يجوز «الرّجل» ولا غلام رجل»، وكقد والسّين وسوف، لأن قد تقرّب إلى الحال والسّين وسوف يبعدان منه، فلا يجوز «قد سيقوم زيد».
стр. 174
والأمر الثّانى: تساوى مدلوليهما؛ كالألف والّلام مع الإضافة، وكالسّين مع سوف، فيقع الغناء بإحدى العلامتين عن الأخرى، فلا يجوز «الغلام رجل» ولا «سوف سيقوم زيد»، وما تجاوز هذين الأمرين فالجمع بينهما جائز، نحو حرف الجرّ مع التنوين، أو مع الألف والّلام، وكقد مع تاء التأنيث، وكسوف مع حروف المضارعة، تقول: من زيد، ومن الرّجل، وقد قامت هند، وسوف يقوم عمرو.
الفرع الثّالث: فى انقسامها:
ولها تقسيمات باعتبارات مختلفة، يرد كلّ تقسيم منها فى موضع يخصّه، ونحن نشير إليها فى هذا الفرع جملة فى ثلاثة أنواع:
النّوع الأوّل: الأسماء، وينقسم إلى جنس ونوع، ومفرد ومركّب، ومنقول ومرتجل، ولقب واسم وكنية، ومشتقّ وجامد، وجثّة وحدث، ومعرفة ونكرة، ومذكّر ومؤنّث، ومظهر ومضمر ومبهم، وواحد ومثنى ومجموع، وإلى معرب ومبنىّ، وصحيح ومعتلّ، وتامّ وناقص، وكامل ومحذوف، وممدود ومقصور، ومنصرف وغير منصرف، ومتمكّن وغير متمكّن، ومصدر وغير مصدر، وعامل وغير عامل.
النوع الثّانى: فى الأفعال، وينقسم إلى: ماض وحاضر ومستقبل، وأمر ونهى ودعاء، وتامّ وناقص، ومظهر ومضمر، ومتعدّ وقاصر، ومؤثّر وغير مؤثّر، ومتصرّف وغير متصرّف، ومعرب ومبنىّ، وصحيح ومعتل، ومسمّى الفاعل وغير مسمّاه.
النوع الثّالث: الحروف، وينقسم إلى مفرد ومركّب، وعامل وغير عامل، وأصل وفرع، ومظهر ومضمر، ومؤثّر وغير مؤثّر، فى قول.
стр. 175
الفرع الرّابع: فى اشتقاقها
أمّا الاسم: فهو مشتقّ من السّموّ، عند البصريين (١)، ووزنه فى الأصل:
سمو، ومن السّمة، عند الكوفييّن (٢)، ووزنه فى الأصل وسم؛ وإنّما سمّى اسما لسموّه على قسيميه، فإنّه يخبر به، وعنه، وليسا كذلك. والفعل مشتقّ من المصدر الذي هو الحدث، عند البصريّين، لأنّ فى الفعل زيادة على المصدر، وهى دلالته على خصوص الزّمان، والفرع، فيه ما فى الأصل وزيادة، وإنما سمّى فعلا باسم أصله، وهو الفعل فى الحقيقة وعند الكوفيّين: المصدر مشتقّ من الفعل.
والحرف مشتق من حرف الشّئ، وهو طرفه وجانبه، ولذلك سمّى حرفا؛ لأنّه يقع طرفا.
الفرع الخامس: فى المؤتلف منها
وتوجب له القسمة اثنى عشر تأليفا، تكرّر منها خمسة، وألغى ثلاثة وهى: الفعل مع الفعل، والفعل مع الحرف، والحرف مع الحرف، واستعمل فى الإفادة أربعة:
الأوّل: الاسم مع الاسم، على شريطة أن يكون للأوّل بالثّانى علقة معنى يسع مكلّفا جهله، نحو: زيد قائم، وعمرو أخوك.
الثانى: الاسم مع الفعل التامّ المتصرّف، اختراز من «كان» النّاقصة والأفعال غير المتصرّفة على هذه الشّريطة، نحو: قام زيد، وينطلق عمرو.
الثالث: الاسم مع الفعل والحرف، على هذه الشريطة، نحو: ما قام زيد، وسيقوم عمرو.
الرابع: حرف/ النداء خاصّة مع الاسم، نحو: يا زيد.
стр. 176
الباب الثّانى: من القطب الأوّل فى المعرب
وفيه مقدّمة وفصلان
المقدّمة:
المعرب من الكلم قسمان: أحدهما أصل، والثانى فرع، وذلك أنّ الإعراب معنى زائد على الكلمة، فيقتضى سببا، والموجب لوجود الإعراب:
ضبط المعانى عند اشتباه الألفاظ، وهو موجود فى الأسم دون قسيميه؛ لأنّه بدلّ بصيغة واحدة على معان مختلفة،
ألا ترى أنّ صورة واحدة من اللّفظ تدلّ على التعجّب، والنّفى، والاستفهام، باختلاف الإعراب، ولولا هو لما دلّت عليها، وذلك قولك: ما أحسن زيد، فلهذا كان الإعراب فى الأسماء أصلا.
وأمّا الفرع: فالإعراب فيه بطريق الشّبه والاستحسان، وهو الفعل المضارع.
وحدّ المعرب: كلّ كلمة يغيّر حرف إعرابها حسّا أو حكما، بحركة أو حرف، لاختلاف العوامل لفظا، أو معنى أو تقديرا، فقولنا: حسّا، نحو:
«زيد» و «يضرب» وحكما، نحو؛ «عصا»، و «يسعى»، وقولنا: بحركة، كالرّفع، والنّصب والجرّ، وقولنا: أو حرف، كالألف والواو والياء، فى الأسماء السّتّة، وفى كلا وكلتا، وقولنا: لفظا، نحو من، و «لن»، وقولنا: معنى نحو الابتداء ورافع الفعل المضارع، وقولنا: تقديرا، نحو التخدير، و «أن» المضمرة.
الفصل الأول: فى المعرب من الأسماء
وفيه فرعان
الفرع الأوّل: فى تعريفه ،
وهو: ما عرى من أوصاف ستّة فلم يشبه الحرف نحو: «الذى» أشبهته باحتياجها فى الإفادة إلى صلتها، ولم يتضمّن معناه
стр. 177
نحو «أمس». تضمّنت بعلميّتها الألف واللام، ولم تقع موقعه، نحو: «أين» فى وقوعها موقع همزة الاستفهام، ولم يقع موقع فعل الأمر، نحو «نزال» ولم يقع موقع مشاكله، نحو: «قطام»، ولم يضف إلى غير متمكّن نحو هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (١) فيمن (٢) قرأ بالفتح، فيقتضى/ له وجود هذه الأشياء فيه ضدّ ما يستحقّه من الإعراب، وهو: البناء.
وينقسم المعرب قسمين:
أحدهما: كامل أوصاف الاستحقاق، فتجرى عليه جميع أنواع إعراب الأسماء، ويسمّى متمّكنا أمكن، نحو: رجل وزيد وعلم، فاستحقّ الإعراب مطلقا؛ لمنافاة الحرف، واستحقّ كمال الإعراب؛ بانتفاء مشابهة الفعل.
والثانى: ناقص أوصاف الاستحقاق، فلم يجر كمال أنواع إعراب الأسماء عليه، ويسمّى متمكّنا غير أمكن، نحو: أحمد وفاطمة.
الفرع الثّانى: فى أنواعه ،
وهى نوعان: صحيح حرف الإعراب، ومعتلّه.
النوع الأوّل: الصّحيح حرف الإعراب، وهو: ما لم يكن حرف إعرابه ألفا ولا واوا، ولا ياء، وهو على قسمين:
القسم الأول: ما كان عاريا من مشابهة الحرف من كل وجه ومن مشابهة الفعل من وجهين مخصوصين، وهو: المتكّن الأمكن الجارى عليه جميع أنواع إعراب الأسماء وهى: الرّفع، والنّصب والجرّ، نحو رجل، تقول: هذا رجل، ورأيت رجلا، ومررت برجل، ويسمّى منصرفا، وله علامة تؤذن بصرفه، وهى تنوين التمكين؛ لأن التنوين ينقسم فى العربيّة خمسة أقسام، وسيرد بيانها فى أبنية الحروف،
стр. 178
وهذا تنوين التمكين، [و (١)] هو الدّالّ على تمكّن الاسم فى بابه وصرفه، ولهذا قال فيه سيبويه (٢): ودخل التنوين فى الكلام علامة للأخفّ عليهم والأمكن عندهم، وقال غيره (٣): دخل فرقا بين المضاف والمفرد، وهو من خواصّ الأسماء كما سبق ذكره (٤)، فإن طرأ على هذا التنوين ما يحذفه، كالألف والّلام، أو الإضافة جرى الإعراب على الاسم بحاله عند وجود مقتضيه، وجرّ المضاف إليه على كل حال، لفظا وموضعا، نحو: الرّجل، وغلام زيد، وصاحب أحمد.
القسم الثانى: ما شابه الفعل من وجهين، باجتماع علّتين فرعيّتين مخصوصتين من علل تسع، أو علّة منها تقوم مقامهما وهى: التعريف الوضعىّ، والعجمة المنقولة معرفة، والعدل، والنّعت، ووزن الفعل الّذى يغلب عليه/ أو يخصّه، والألف والنّون المضارعتان لألفى التأنيث، والتركيب والجمع المخصوص، والتأنيث، وسيرد شرح هذه العلل فى باب مفرد، وهذا هو المتمكّن غير الأمكن، ويسمّى غير منصرف، وله حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون عاريا من الألف واللام والإضافة، ويمتنع منه حينئذ التنوين مع الجرّ عند عامله، ويعوّض من الجرّ فتحة، ويدخله الرّفع والنّصب عند عاملهما، نحو: أحمد، وعمر، وإبراهيم، وأصفر، وتغلب وعثمان، وحضر موت، ومساجد، وزينب.
الحالة الثّانية: أن يكون فيه الألف واللّام أو الإضافة، وحينئذ يعود إليه الجرّ عند عامله، نحو: الأصفر، وأحمدكم، ويكون امتناع دخول
стр. 179
التنوين عليه لأنه غير منصرف، لا لإنّه يضادّ الألف واللام والإضافة، وإن كانت المضادّة سببا فى امتناعه؛ فلا يقال لما دخله الألف واللام والإضافة منها منصرف، وإن دخله الجرّ، لأنّ المنصرف: ما دخله التنوين فى حالة ما، وهو لا يدخله مع عدمها، وها هنا أحكام تحتاج إلى بيان:
الحكم الأوّل: مشابهة الفعل من وجهين، وذلك: أنّ الفعل فرع على الاسم كما سبق؛ لأنّه مشتقّ منه؛ ولأنّه لا تتمّ به الفائدة إلا مع الاسم، فهو فرع عليه من هذين الوجهين، وغير المنصرف قد صار باجتماع العلّتين الفرعيّتين فيه فرعا من وجهين، كما سيأتى فى بيان العلل (١).
الحكم الثانى: أنّ التّنوين هو المقصود أوّلا بالحذف؛ لأنّهم قسّموا المقصور إلى منصرف وغير منصرف، نحو: «عصا» و «حبلى»، ويعنون بهما: ما دخله التّنوين، وما لم يدخله، لأنّ الجرّ لا مساغ له فيه لفظا.
الحكم الثالث: إتباع الجرّ التنوين؛ لمشاركته له فى اختصاصهما بالاسم وقيامه مقامه؛ إذ عاقبه فى الإضافة، ويدلّ على ذلك عوده عند أمن التنوين، بوجود الألف واللام، أو الإضافة.
الحكم الرّابع: تعويض الجرّ فتحة، وسببه؛ كونهما (٢) فضلتين، واستواؤهما فى الكتابة (٣)، وللمعاوضة من حملهم النصب على الجرّ فى التثنية والجمع.
الحكم الخامس: بيان خصوص العلّتين، وهو: أن يكون أحدهما تعريفا، أو وصفا، أو عدلا، أو وزن فعل مخصوصين، أو تأنيثا لازما، أو جمعا مخصوصا، والأخرى واحدة من باقى العلل، ألا ترى أنّ «أذربيجان»
стр. 180
فيه خمس علل هى: التعريف، والتأنيث غير الّلازم، والعجمة، والتركيب والألف والنّون، فلا ينصرف، وإذا نكّرته صرفته؛ لعدم التعريف؟
الحكم السّادس: العلّة القائمة مقام علّتين هى: التّأنيث اللازم بألفيه المقصورة والممدودة، والجمع المخصوص،
نحو: حبلى وحمراء، ومساجد.
النوع الثانى: المعتّل حرف الإعراب، وهو ما كان حرف إعرابه ألفا أو ياء أو واوا، وينقسم إلى أربعة أضرب، ورديف:
الضّرب الأوّل: الألف إذا كانت حرف إعراب، ولا يكون ما قبلها إلّا مفتوحا؛ لتعذّر النّطق، وسمّى مقصورا؛ لأنّه قصر عنه جميع أوجه الإعراب لفظا، أى: حبس، نحو: عصا ورحى، ولا تكون الألف إلا فى الأسماء المعربة أصلا، فإذا وجدت فيها حرف إعراب فلا يخلو أن تكون منقلبة عن واو أو ياء أصلين، نحو: عصا ورحى؛ لقولهم: عصوان، ورحيان، أو منقلبة عن حرف الإلحاق، نحو: أرطى (١)، ملحقا بجعفر فى أحد القولين، أو أن تكون للتأنيث، نحو: حبلى وسكرى، أو للتكثير نحو قبعثرى (٢)، ولا يدخلها فى جميع مواضعها شيئ من الإعراب، لأنّها إذا تحرّكت عادت إلى ما قلبت عنه، أو انقلبت همزة، كما تراه فى التّصريف إن شاء الله، وإنّما يحكم على الموضع بالإعراب، تقول: هذه العصا، ورأيت العصا، ومررت بالعصا، وهو على ضربين: منصرف، وغير منصرف.
فالمنصرف: يدخله التنوين، فيجتمع مع الألف وهى ساكنة فتحذف وتبقى الفتحة قبلها تدل عليها.
وغير المنصرف: ما لا يدخله تنوين نحو: حبلى وسكرى، وتثبت