الوصفيّة فيه، كان وجها، قال شيخنا: والصّواب عندي: يا من هو الحارث أقبل، والأوّل (١) أكثر.
الحكم الخامس: إذا ناديت المضاف إلى نفسك، ففيه خمسة أوجه:
الأوّل: - وهو أفصحها - حذف الياء، وأبقاء الكسرة دالّة عليها، نحو: يا غلام.
الثّاني: إقرار الياء ساكنة؛ ليزول التباس المضاف بالمفرد، في الوقف، نحو:
يا غلامي.
الثّالث: فتح الياء/؛ حملا على كاف المخاطب، وتائه نحو: يا غلامي.
الرّابع: تقلب كسرة الميم فتحة، فتنقلب الياء ألفا، نحو: يا غلاما، فإذا وقفت قلت: يا غلاماه، ويا أباه، ويا أمّاه، منه قولهم: يا ربّ يا ربّاه.
الخامس: حذف هذه الألف المنقلبة عن الياء، والاجتزاء بالفتحة عنها، نحو:
يا غلام، وعليه قراءة عاصم (٢): يا بني (٣) بالفتح.
وقد ورد فى التنزيل حذف ياء الإضافة كثيرا، نحو: يا قَوْمِ * (٤)، يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (٥)، وأثبتت في مواضع، كقوله تعالى: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا (٦) فأمّا قوله تعالى: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ (٧) وأمثالها، فإنّ التّاء تاء
стр. 562
تأنيث عوّضت عن الياء، ألا تراهم يبدلونها هاء في الوقف؟ قال سيبويه (١):
سألت الخليل عن قولهم: يا أبه، ويا أبت لا تفعل، ويا أبتاه (٢) ويا أمّتاه، فزعم أنّ هذه الهاء بمنزلة الهاء في، عمّه، وخاله، وزعم أنّه سمع من العرب من يقول: يا أمّة لا تفعلي (١) - بالضّمّ - ويقول في الوقف يا أمّه، ويا أبه، وإنما يلزمون هذه التّاء في النداء، إذا أضفت إلى نفسك خاصّة، كأنّهم جعلوها عوضا من حذف الياء (٣)، وبعض العرب يقول: يا أمّ لا تفعلى - بالكسر - و: يا ربّ اغفر لي" ويا قوم لا تفعلوا" (٤) بالضّمّ.
فإن أضفت إلى اسم مضاف إلى نفسك فالأولى فيه إثبات الياء، نحو قولك: يا ابن أمّي، وبعضهم يقول: يا ابن أمّا،
فأما من قرأ: يا ابن أم (٥) - بالفتح - (٦) فإنّ سيبويه جعل" الأمّ" و" الابن" في منزلة اسم واحد، فبناهما على الفتح، نحو" خمسة عشر" (٧)، وأمّا المازنيّ، فقال: فيه
стр. 563
وجهان (١): أحدهما: مثل سيبويه، والآخر: أنّه قلب الياء ألفا (٢)، ثمّ حذف الألف؛ استخفافا، كما تحذف الياء من" أمّي" وعليه قول أبى النّجم (٣):
يا بنت عمّا لا تلومي واهجعي
وقول الآخر (٤):
وهل جزع أن قلت: وا بأباهما
يريد: وا بأبى هما.
فإن أضفت اسما مثنى إليك، نحو: عبدين وزيدين قلت: يا عبديّ (٥) ويا زيديّ، بالفتح، وكذلك/ الجمع، نحو: يا زيديّ، فإن كان المضاف إليه كافا لم يجز نداؤه، كقولك: يا غلامك، فإن كانت هاء المعه د جاز، كقولك - إذا ذكرت زيدا - يا أخاه.
стр. 564
الحكم السّادس: إذا ناديت منقوصا، نحو: القاضي، والدّاعي، فالخليل يثبت الياء، فيقول - إذا قصده - يا قاضي أقبل؛ لأنّه موضع لا ينوّن (١)؛ فصار كما فيه الألف والّلام، ويونس (٢) يحذف الياء، فيقول:
يا قاض؛ لأنّ النداء باب حذف، واختاره سيبويه، وكأنّه أشبه (٢). فأمّا" مري" اسم فاعل من" أري" فليس فيه إلّا إثبات الياء؛ لأنّك لو حذفتها بقيت الكلمة على حرف واحد، وهى الرّاء؛ فإنّ الميم زائدة.
الحكم السّابع: في وصف المنادى. قد انقسم المنادى - بما تقدّم من البيان - إلى: معرب ومبنيّ.
والمعرب ثلاثة أنواع: النكرة غير المقصودة، والمضاف، والطويل، وصفة هذه الأنواع تتبعها، نحو قولك: يا رجلا قائما، ويا غلام زيد الظريف، ويا قائما أبوه الكريم.
وإذا سمّيت رجلا" خيرا من زيد" - وكان نكرة؛ قصدته، أو لم تقصده وصفت الأوّل والثّاني بالمعرفة، والثالث بالنكرة؛ لأنّ الأوّل علم، والثّاني مقصود، والثالث غير مقصود.
وأمّا المبنيّ فلا يخلو أن يكون الوصف مفردا، أو مضافا.
стр. 565
فإن كان مفردا فلك فيه الرّفع على اللّفظ، والنّصب على الموضع، نحو:
يا زيد الظريف و: الظّريف، ويا رجل الكريم، والكريم، ويا زيد وعمرو الطويلان، والطويلين، وقد خرج عن هذا العموم أمران:
أحدهما: أن يكون المنادى مبنيّا - في الأصل - علي غير الضّمّ، فلا يجوز فيه الحمل على اللّفظ، تقول: يا هؤلاء الظريفون.
والثّاني:" أيّ" جعلوا صفتها تابعة للفظها، نحو: يا أيّها الرّجل، فالرّجل، وإن كان هو المنادى حقيقة، فإنه صفة" أيّ"، وأجاز المازنيّ فيه (١) النّصب على الموضع، ولك أن تقيم الصّفة فيه مقام الموصوف، فتقول: يا أيّها الطّويل، فإن وصفت الصّفة بمضاف، فهو مرفوع، كقوله (٢):
يا أيّها الجاهل ذو التّنزّي
فوصف" الجاهل" ب" ذو"، ويجوز النّصب على البدل من" أيّ".
ولا توصف" أيّ" إلا بما فيه الألف واللّام، كالرّجل والغلام، أو بأسماء الإشارة، نحو: يا أيّهذا الرّجل، ولك فيه حذف الموصوف، فتقول: يا هذا الطّويل، كما قلت: يا أيّها الطويل، فإن جعلت اسم الإشارة سببا إلى نداء الرّجل، كان حكمه حكم" أيّ"، فتقول: يا هذا الرّجل أقبل، وإن لم
стр. 566
تجعله سببا إلى نداء الرّجل، وقدّرت الوقوف عليه، رفعت صفته، ونصبتها فقلت: يا هذا الطويل، والطويل.
ولا توصف أسماء الإشارة إلّا بما فيه الألف واللّام، أنشد سيبويه (١):
يا صاح يا ذا الضّامر العنس ... والرّحل والأقتاب والحلس
وإن كان الوصف مضافا، فليس فيه إلّا النّصب؛ حيث لم يكن فى المنادى المضاف إلّا النّصب، نحو قولك: يا زيد غلام عمرو؛ فحملوا الصفة المضافة على المنادى المضاف، كأنّك ناديته ابتداء، ولم يحملوها على اللفظ؛ لمخالفة المضاف المفرد، وإنّما جاز: يا زيد الحسن الوجه، بالرّفع؛ لأنّ إضافته غير حقيقيّة، ألا ترى اجتماع الألف واللام مع الإضافة فيه.
وسيبويه (٢) لا يجيز صفة" اللهمّ"، فأمّا قوله تعالى: اللَّهُمَّ رَبَّنا (٣) واللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (٤)؛ فهو على ندائين (٥) أو البدل
стр. 567
والمبرّد (١) يجيزه.
فإن وصفت العلم المضموم ب" ابن" أو" ابنة" وأضفته إلى علم أو كنية ففيه مذهبان:
أحدهما: أن تجعل المنادى والوصف كالشّيء الواحد، وتبنيهما على الفتح، نحو: يا زيد بن عمرو (٢)، ويا زيد بن أبي خالد، كذا قال الفارسيّ (٣) وقال غيره: الفتحة في" زيد" فتحة بناء وكذلك تقول في الخبر: هذا زيد بن عمرو، فتحذف التنوين، وفتحة" ابن" فتحة إعراب، فغلبت حركة البناء حركة الإعراب، وفي جعل فتحة" ابن" فتحة بناء (٤) إشكال؛ لأجل الإضافة.
والمذهب الثّاني: أن تقرّ المنادى، على حاله مضموما؛ لأنّه منادى مفرد والابن بحاله منصوبا؛ لأنّه وصف مضاف.
فإن أضفت" الابن"/ إلى غير العلم، لم يكن فيه إلّا المذهب الثّاني، (٥) نحو قولك: يا زيد ابن أخينا، ويا عمرو بن صاحب المال.
وما عدا العلم المضموم فحكم صفته ب" ابن" و" ابنة" حكم غيرهما من الصفات.
стр. 568
الحكم الثامن: التّوكيد، إذا أكّدت المنادى، أجريته مجرى الوصف مفردا، ومضافا، تقول في المفرّد: يا تميم أجمعون، وأجمعين، فترفع وتنصب، وتقول في المضاف: يا تميم كلّكم، وكلّهم، ويا زيد نفسك، ونفسه بالنّصب لا غير.
فإن أكدت مضافا بمفرد أو مضاف، فالنّصب؛ تقول: يا غلماننا أجمعين، ويا إخواننا كلّهم، وكلّكم.
الحكم التّاسع: عطف البيان، وهو كالوصف، مفردا ومضافا؛ تقول:
يا رجل زيد، وزيدا، ويا زيد أبو محمّد، وأبا محمّد، وتقول - في أسماء الإشارة -: يا هذا زيد وزيدا، ويا هذان زيد وعمرو، وزيدا وعمرا.
الحكم العاشر: البدل؛ ولا يخلو: أن يكون مفردا أو مضافا، من مفرد أو مضاف، فإن كان مفردا من مفرد، تبعه فى الّلفظ، نحو: يا زيد زيد، وإن كان مفردا من مضاف، أو مضافا من مفرد أو مضاف، فالنّصب لا غير نحو: يا زيد أخانا، ويا أخانا زيدا، ويا أخانا غلام زيد؛ لأنّ البدل في حكم تكرير العامل؛ فكأنّك قلت: يا زيد يا زيد، ويا زيد يا أخانا، وتقول: يا هؤلاء الطّوال - على الوصف - والأجود: البدل من الموصوف المحذوف، فإن قلت يا هؤلاء الرّجال، فالوصف.
الحكم الحادى عشر: العطف: ولا يخلو المعطوف: أن يكون مفردا، أو مضافا.
فالمضاف: ليس فيه إلّا النّصب على الموضع، واللّفظ؛ تقول - يا زيد وعبد الله، ويا رجل وأبا بكر، ويا غلام زيد وصاحب عمرو، ويا رجلا وأبا محمد، وكذلك إن عطفته على المنادى الموصوف، نحو: يا زيد الطّويل وذا
стр. 569
الجمّة، قال المازنيّ (١): فإن عطفته على الطويل، رفعته وقلت: وذو الجمّة، والنحاة على خلافه.
وأمّا المفرد: فلا يخلو: أن يكون فيه ألف ولام، أو بغير ألف ولام.
فإن لم يكن فيه ألف ولام، فحكمه حكمه لو ابتدئ به؛ تقول: يا زيد وعمرو، ويا عبد الله وزيد، ويا زيد أو عمرو، ويا زيد لا عمرو، وقد جوّز المازنّي (١) والأخفش (٢) فيه النّصب.
وإن كان المعطوف بألف ولام كنت مخيّرا في الرّفع - على اللّفظ - والنّصب - على الموضع - نحو: يا زيد والفضل، والفضل، وقد قرئ بهما قوله تعالى: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ (٣)، واختار سيبويه (٤) الرّفع، (٥) وكان المبرّد (٦) يختار الرّفع في مثل" الحارث"، والنصب فى" الرّجل" (٧)
стр. 570
ويدخل فى هذا الحكم: إذا ناديت جماعة من العدد، وعطفت عليها جماعة من العدد أخرى - وليس فيها ألف ولام - رفعتهما (١)، نحو: يا ثلاثة وثلاثون، وإن كان فيهما ألف ولام فلك فيه الرّفع (١) والنّصب، نحو: يا ثلاثة والثّلاثون، والثّلاثين، فتبنى الثلاثة على الضّمّ؛ لأنّها نكرة مقصودة؛ وترفع" الثلاثين" على الّلفظ، وتنصبها على الموضع، فإن لم تقصد الثّلاثة نصبتهما معا، وإن أظهرت حرف النداء فالرّفع لا غير، نحو: يا ثلاثة ويا ثلاثون.
الحكم الثاني عشر: إذا كرّرت الاسم المنادى، وأضفت الثاني منهما فلك فيه مذهبان:
أحدهما: ضمّ الأوّل ونصب الثّاني، وهو الجيّد، كقولك: يا قريش قريش هاشم.
والثّاني: نصب الأوّل، نحو: يا زيد زيد عمرو، كأنّك قلت: يا زيد عمرو زيد عمرو، ومنه قول جرير (٢):
يا تيم تيم عديّ لا أبا لكم ... لا يلقينّكم في سوءة عمر
الحكم الثّالث عشر: قد استقبح جماعة من النّحاة الحال في المنادى
стр. 571
منهم المازنّى (١)؛ فلا تقول: يا زيد قائما، وأجازه آخرون، منهم المبرّد، (٢) وقال (٣): أناديه قائما ولا أناديه قاعدا، وأنشد (٤):
يا بؤس للحرب ضرّارا لأقوام
الحكم الرّابع عشر: قد أدخلوا على المنادى" لام" الاستغاثة، وتدخل في المستغاث به والمستغاث إليه، ويسمّيان" المدعوّ، والمدعوّ إليه"؛ فالمستغاث به تفتح معه، نحو: يا لزيد، وتكسر مع المستغاث إليه، نحو: يا للعجب؛ وتجمع بينهما مقرّين على حالهما فتحا وكسرا؛ فتقول: يا لزيد للعجب، ويا لزيد للخطب الجليل، ويا للقوم للماء.
стр. 572
فإن عطفت على المستغاث به مستغاثا به كسرت" لامه"؛ لأنّ اللّبس قد زال بحرف العطف، نحو: يا لزيد ولعمر وللعجب، قال (١):
يدعوك ناء بعيد الدّار مغترب ... يا للكهول وللشّبّان للعجب
ويحذف المستغاث به، فتقول: يا للعجب، ويا للماء؛ كأنّك قلت: يا لقوم للعجب، ويا لقوم للماء.
ولا بدّ - مع هذه اللام - من أمر متعجّب منه، ومدعوّ إليه، لفظا أو تقديرا، ولا بدّ من وجود" يا" معها، دون سائر أخواتها، ولا يجوز دخولها على من هو قريب منك ومقبل عليك، قال سيبويه: إنّها بمنزلة الألف التى يبيّن بها إذا أردت أن تسمع بعيدا، ومن أمثالهم:" يا للعجب (٢)، ويا للماء" لمّا رأوا عجبا، أو ماء كثيرا، كأنّهم قالوا: تعال يا عجب، وياء ماء؛ فإنّه زمانك، ومثله: يا للدّواهي، أي: تعالين؛ فإنّه لا يستنكر مجيئكنّ (٣)، وكلّ ما لا يصحّ نداؤه حقيقة، يجري هذا المجرى، كقوله تعالى: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ (٤) كأنّه قيل: يا حسرة تعالى؛ فهذا وقتك، فأمّا قولهم
стр. 573
" يا ويل لك"، و" يا ويح"، فكأنّه نبّه إنسانا، ثمّ جعل الويل له، ومثله قوله (١):
يا لعنة الله والأقوام كلّهم ... والصّالحين على سمعان من جار
كأنّه قال: يا قوم، لعنة الله على فلان، فحذف المنادى.
الحكم الخامس عشر: قد اختصّ النداء بأشياء لا تكون فى غيره؛ قالوا يا لكع، ويا فسق، للرّجل، ويا لكاع ويا فساق، للمرأة، عدل عن" فاعل"، و" فعلاء" إلى" فعل" و" فعال"؛ للمبالغة (٢)، ولم يستعملوه إلّا فى النّداء وهو فيه معرفة، فإن لم ترد العدل، قلت: يا ألكع، ويا لكعاء، وقد جاء فى غير النّداء شاذا في الشّعر، قال (٣):
أطوّف ما أطوّف ثمّ آوي ... إلى بيت قعيدته لكاع
وقد جاء العدل في غير النداء، قال ﷺ فى أشراط السّاعة -:" حتّى ترى أسعد النّاس/ بالدّنيا لكع ابن لكع" (٤) يريد: اللّئيم
стр. 574
أحد ابنيها فقال:" أثمّ لكع" (١).
يريد: الصّغير. وقالوا - في النّداء - يا هناه، أي: يا رجل، فزادوا الهاء وحرّكوها، وقياسها السّكون، وقالوا: يا فل أقبل، يريدون: يا فلان، وليس ترخيما ل" فلان"، ولكنّه اسم مرتجل، ولم يجئ - في غير النّداء - إلّا في الشّعر، في قوله (٢):
في لجّة أمسك فلانا عن فل
يريد: عن فلان، فإن عنوا امرأة، قالوا: يا فلة أقبلى.
وقد زادوا في آخر الاسم المنادى" ألفا"، إذا أردت أن تسمع بعيدا، نحو: يا زيدا أقبل، ويا قوما تعالوا، فإن وقفت زدت" هاء" فقلت:" يا زيداه،" خاتمة لباب النّداء:
قد أجرت العرب أشياء على طريقة النداء، وأرادت به الاختصاص، لا النّداء؛ حيث كان النّداء مختصا، وذلك قولهم:
أمّا أنا فأفعل كذا وكذا أيّها الرجل، و" نحن نفعل كذا وكذا أيّها القوم"، و" اللهمّ اغفر لنا أيّتها العصابة" قال سيبويه (٣): أراد أن يؤكّد؛ لأنّه قد اختصّ، إذ قال:" أنا"، قال ابن
стр. 575
السّرّاج: (١) ولكنّه أكّد، كما تقول لمن هو مقبل عليك: كذا كان الأمر يا أبا فلان، ولا تريد نداءه؛ فجعلوا" أيا" مع صفته دليلا على الاختصاص، ولم يريدوا ب" الرّجل" و" القوم" و" العصابة" إلّا أنفسهم، كأنّه قال: أمّا أنا فأفعل متخصّصا بذلك من بين الرّجال، ونحن نفعل متخصّصين من بين الأقوام، واغفر لنا مخصوصين من بين العصائب.
ولا يدخل حرف النّداء في هذا الباب؛ لأنّك ليس تنبّه غيرك.
ومن هذا الباب: إنّا معشر العرب نفعل كذا، و: إنّا معشر الصّعاليك لا قوّة بنا على المروءة، ونحن العرب أقرى النّاس للضّيف و: بك الله نرجوا الفضل، ولا يجوز أن تقول: اللهمّ اغفر لهم أيّتها العصابة، قاله المبرّد. (٢)
стр. 576
الفصل الثّاني من باب النّداء: في التّرخيم وفيه ثلاثة فروع:
الفرع الأوّل: في تعريفه .
الترخيم - في اللّغة - الرأفة والإشفاق، وقيل: التسهيل والتّليين، وو هو - فى العربيّة - حذف يلحق أواخر بعض
الأسماء المناداة؛ تخفيفا. وهو من خواصّ الأسماء، وخصّوا به النداء؛ لكثرته في كلامهم؛ لأنّ الحذف يتطرّق كثيرا إلى ما يتكرّر في كلامهم، حتّى استغنوا بالحرف عن الكلمة، كقول الشّاعر: (١):
قلنا لها قفى قالت قاف
تريد: أقف، ومثل هذا في الكلام كثير.
وأمّا شروطه: فهي - في الغالب - سبع.
الأوّل: أن يكون منادى، فلا يرخّم غير المنادى، إلا شاذا، أو فى الشّعر.
الثّانى: أن يكون مفردا؛ فلا يرخّم المضاف؛ لأنّ الترخيم يصير حشوا، ولا يلحق المضاف إليه؛ لأنّه غير منادى، ولا يرخّم المشابه للمضاف؛ لأنّ معموله من تمامه، ولا مستغاث به؛ لأنّه كالمضاف، وإنّه معرب.
الثّالث: أن يكون علما، إلّا أن يكون مؤنّثا بالتّاء؛ فلا يفتقر إلى التّعريف،
стр. 577
فضلا عن العلميّة، وقد شذّ قولهم: يا صاح، فرخّموه نكرة غير مؤنّث، يريدون: يا صاحب، ولقد كثرت هذه الكلمة في كلامهم حتّى لم تكد تسمع إلا مرخّمة، وحتّى حذفوا معها حرف النداء.
الرّابع: أن يكون مبنيا فى النّداء؛ لأنّ الحذف تغيير، والبناء تغيير، فأشبهه.
الخامس: أن يكون الاسم على أكثر من ثلاثة أحرف؛ ليبقى بعد الحذف على مثال الأصول، إلّا أن يكون مؤنّثا، والفرّاء (١) يرخّم منه. ما كان متحرّك الأوسط، نحو: عمر.
السّادس: أن لا يكون مندوبا؛ لأجل زيادته؛ فيكون ذلك نقضا للغرض منها.
السّابع: أن لا يكون اسم إشارة، نحو" هؤلاء" إذا كان ممدودا؛ لأنّه ليس للنّداء فيه عمل؛ وكان يلتبس ممدوده بمقصوره.
الفرع الثّاني: في تقسيمه .
الترخيم/ يدخل فى الكلام على ضربين:
أحدهما: أن تحذف آخر الاسم وتدع الباقي على ما كان عليه قبل الحذف من الحركة والسّكون، نحو: يا حار، ويا
جعف، يا برث، ويا قمط فى: حارث، وجعفر، وبرثن، وقمطر.
الثّاني: أن تحذف ما تحذف من الاسم، وتجعل ما بقي اسما مفردا، كأنّك لم تحذف منه شيئا، ثمّ تضمّه، فتقول: يا حار، ويا جعف، ويا برث ويا قمط، وكلا القسمين من لغة العرب، والأوّل: أكثرهما استعمالا، وأقواهما فى النّحو.
стр. 578
والحرف المحذوف منه مراد؛ لأنّك إذا وصفته، رفعت الصّفة فقلت: يا حار الظريف، وقد منع بعضهم وصف: (١) المرخّم، ولم يبالوا بما بقي منه بعد الحذف؛ أله نظير؟ أم لا؟
وأمّا الضّرب الثّاني، فلا بدّ أن يبقى له بعد الحذف نظير، وهو أشكل القسمين في النحو؛ ولذلك يدخله الاعتلال، من القلب والرّدّ والحذف كما سنذكره.
وقد يشترك القسمان في اللّفظ، ويختلفان في التقدير، نحو: يا برث؛ فإنّ ضمّة" الثّاء" في الأوّل هى ضمّة الكلمة، وفي الثّاني ضمّة النداء.
وأكثر ما ورد الترخيم من الأسماء في:" حارث" و" مالك" و" عامر" قاله سيبويه (٢)، وإن كان في غيرها من الأعلام جائزا، وزعم الكسائيّ (٣) أنّه لم يسمع علما مرخّما سوى هذه الثلاثة، إلّا ما فيه زائد أو" هاء" التأنيث، وهذا يدلّ على أنّ الحذف إنّما يقع فيما كثر من كلامهم.
الفرع الثالث: في أحكامه .
الحكم الأوّل: إذا كان في آخر الاسم زائدتان زيدتا، حذفتهما في التّرخيم معا، نحو قولك: يا عثم، ويا مرو، في: مروان، وعثمان، وهذا النّوع من الزّيادة يقع في الكلام، في نحو: غضبان وعثمان، وسرحان
стр. 579
وعليان (١)؛ وبالألف والنّون في التّثنثية، والواو والنّون في الجمع، والياء والنون فيهما، والألف والتاء في جمع المؤنّث، وألفي التّأنيث في نحو:
صحراء، ويائي النّسب.
فإن حذفتهما وبقي الاسم على أقلّ من ثلاثة أحرف، أو لم تكن الكلمة قد استعملت على حرفين اقتصرت على حذف الآخرة منهما، وذلك لو رخّمت" بنون" اسم رجل، قلت - في الّلغة الثّانية - يا بنى، فحذفت" النّون" وحدها وقلبت الواو" ياء" على ما يوجبه التّصريف، وأبقيتها بحالها في الأولى، ولو رخّمت" يدان" علما، حذفتهما معا وإن بقيت الكلمة على حرفين (٢)؛ لأنّها قد استعملت كذلك، ومنهم من (٣) حذف النون وحدها، وقال:
يا يدا.
وإن كانت الكلمة - بعد الحذف - لا تبقى على مثال الأصول، لم ترخّم، نحو" طيلسان" (٤) علما، فيمن كسر اللّام؛ لأنّه يبقى على" فيعل" بكسر اللام، وليس في الصّحيح من كلامهم، وإنّما جاء فى المعتل؛ نحو" سيّد" و" ميّت".
стр. 580
فإن رخّمت" قاضون" علما، حذفت" الواو" و" النّون"، وأعدت" الياء" الّتي كنت حذفتها من واحده، فقلت: يا قاضي، ونحو منه ترخيم:" رادّ" و" محمارّ"، تحذف الحرف الأخير؛ للتّرخيم، ثمّ تعيد الحركة المحذوفة لالتقاء السّاكنين؛ فتقول: يا راد أقبل، ويا محمار أقبل (١).
فأمّا" حولايا" (٢) و" بردرايا": فلا تحذف سوى" الألف" الآخرة؛ لأنّ الياء قبلها متحرّكة، ويدخل في هذا الحكم
لبس، نحو:" زيدون" و" زيدىّ" فإنّه يلتبس ب" زيد" غير مرخّم.
الحكم الثّاني: إذا كان قبل آخر الاسم الصّحيح حرف مدّ زائد ساكن؛ حذفت الأصليّ، والزّائد في التّرخيم، إن كان الباقي ثلاثة أحرف فصاعدا، نحو" منصور"، و" عمّار"، و" مسكين" تقول: يا منص، و: يا عمّ، و:
يا مسك، وقد خرج من هذا الحكم أسماء معدودة، نحو" سنّور" (٣)، وبرذون" (٤)؛ لأنّ" الواو" للإلحاق، وأمّا نحو" عطوّد" (٥) فقويت" الواو" بالحركة؛ فأشبهت الصّحيح. فأمّا نحو" مختار" فإنّه لم يحذف منه الألف؛ لأنّها منقلبه عن عين الكلمة.
وقولنا: إذا كان الباقي بعد الحذف ثلاثة أحرف فصاعدا، احتراز من
стр. 581
مثل:" عمود" و" نصيب" و" سراج" أعلاما؛ لأنّها - مع الحذف - يبقى منها حرفان؛ فلا تحذف منه إلّا الحرف الأخير كذلك/؛ فتقول في ترخيمه على القسم الأوّل: يا عمو، ويا نصي، ويا سرا، وعلى الثّاني: مثله إلّا في" عمو" فإنّك تقول فيه: يا عمي، تقلب الواو ياء، والضّمّة قبلها كسرة، كما فعلت ب" أدل" جمع" دلو"، والفراء يحيز حذف الحرفين (١).
الحكم الثّالث: إذا كان في الاسم الثلاثي" هاء" تأنيث ثالثة، جاز ترخيمه، سواء كان معرفة أو نكرة؛ تقول في" ثبة": يا ثب ويا ثب أقبل، ومنه قوله (٢) في المعرفة:
قفي قبل التفرّق يا ضباعا
стр. 582
وفي النكرة (١):
يا ناق سيرى عنقا فسيحا
وحذف" الهاء" في العلم أكثر في كلامهم، قال سيبويه (٢): وأكثر العرب يلزمون الاسم المرخّم - إذا حذفت منه التاء - هاء في الوقف؛ لبيان الحركة، فتقول: يا سلمه، ويا طلحه، ولم يجعلوا المتكلّم بالخيار، في حذف الهاء عند الوقف، فإن اضطرّ شاعر حذفها، ويجعل مدّة القافية بدلا منها، كقوله (٣)
كادت فزارة تشقى بنا ... فأولى فزارة أولى فزارا
والمبرّد (٤) لا يجيز ترخيم النكرة العامّة، نحو شجرة، ونخلة، وإنما
стр. 583
يرخّم منها ما كان مقصودا، وسيبويه (١) لا يجيز ترخيم النكرة العامّة، على القسم الثّاني؛ لئلّا يلتبس بالمذكّر، وأجازه في موضع (٢) آخر، وأنشد (٣):
يدعون عنتر والرّماح كأنّها
بالرّفع. وقوم يقولون (٤) - في الوصل - يا طلحة، بالفتح، كأنّهم رخّموا، ثمّ أقحموا التاء غير معتدّ بها، وفتحوها؛ إتباعا، وعليه أنشدوا (٥):
كلينى لهمّ يا أميمة ناصب
الحكم الرّابع: قد تقدّم أنّ القسم الثاني يدخله الاعتلال بالقلب، والرّد والحذف.
стр. 584
أمّا القلب: فتقول في ترخيم" نزوان" و:" غليان": علمين: يا نزا ويا غلا.
وأمّا الرّدّ: فتقول في ترخيم" شية" علما: يا وشي؛ في قول سيبويه (١)، ويا وشي، في قول الأخفش (٢)؛ لأنّ المحذوف لمّا عاد، أعاد الكلمة إلى أصلها.
وأمّا الحذف: فتقول - في ترخيم" بلهنية (٣) علما - يا بلهني، بحذف فتحة" الياء.
الحكم الخامس: من قال بالضّرب الأوّل لم يجز له أن يرخّم في الشّعر في غير النداء"، لأنّه اعتبر المحذوف، إلّا سيبويه (٤)، وأنشد (٥):
ألا أضحت حبا لكم رماما ... وأمست منك شاسعة أماما
فرخّم في غير النداء، على هذه الّلغة. ومن قال بالضّرب الثّانى، جاز
стр. 585
له أن يرخّم في الشّعر، في غير النّداء؛ لأنّه ألغى المحذوف من الاسم.
الحكم السّادس: إذا رخّمت المركّب، حذفت الاسم الآخر منه لا غير؛ تقول في،" معدى كرب": يا معدي، وفي" خمسة عشر" علما: يا خمسة، وإذا وقفت وقفت بالهاء، فلا تحذف مع المركب غيره، فأمّا نحو" تأبّط شرّا"، و:" برق نحره" فلا يرخّم.
الحكم السّابع: إذا رخّمت اسما مدغم الآخر، وما قبل السّاكن ساكن؛ فإن كان للسّاكن حظّ في الحركة (١) أعدتها إليه، نحو" محمارّ" تقول - على الأوّل - يا محمار، ولو رخّمت:" مفرّا" و" مردّا" قلت: يا مفر (٢)، ويا مرد، وإن لم يكن للسّاكن حظّ في الحركة، حرّكته بما يقاربه من الحركات، تقول في" إسحارّ" (٣) علما: يا إسحار (٢)، فتفتح.
خاتمة لباب الترخيم:
في ذكر أمثلة منه مشكلة، تقول في ترخيم" كروان" علما - على الأول -: يا كرو، وعلى الثاني: يا كرا، تقلب" الواو" ألفا؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فأمّا قولهم: أطرق كرا (٤)، فيمن يريد: يا كروان، فشاذّ من وجهين:
حذف" يا" وهو نكرة، وترخيمه وهو نكرة، وقيل: إنّ" كرا" اسم ذكر الكروان.
стр. 586
وتقول في ترخيم" ترقوة" [" وعرقوة"] (١)، على الأوّل: يا ترقو، ويا عرقو، وعلى الثّاني: يا ترقى، ويا عرقي، «تقلب الواو ياء» والضمّة قبلها كسرة؛ لأنّه ليس في الكلام اسم آخره" واو" قبلها ضمّة إلّا الأسماء السّتّة.
فأمّا ترخيم" سعود" علما فلا يصحّ عند سيبويه (٢) - على الضّرب الثّاني - لأنّه يصير إلى" سعي"، وليس عنده في أمثله/ الأسماء" فعل"، ويجيزه الأخفش (٣).
وتقول في ترخيم" شقاوة" و" عباية" - على الأوّل - يا شقاي، ويا عباى، وعلى الثّاني: يا شقاء، ويا عباء، تبدل" الواو" و" الياء"" همزة"؛ لوقوعهما طرفا بعد" ألف" زائدة.
وتقول في ترخيم" حبليان" - تثنية حبلى - أو" حبلويّ" - منسوبا إلى" حبلى" - يا حبلي، ويا حبلو، فتحذف" الألف" و" النّون" و" يائي" النّسب، ولا يجوز ترخيمهما على الضّرب الثّاني؛ لما يؤدىّ إليه من القلب، فتصير" ألف"" فعلى" - الّتي لم تعهد إلّا للتّأنيث - منقلبة، وهذا لا يوجد مثله.
وتقول في ترخيم" شاة" على الأول - يا شا، وعلى الثاني: يا شاه فتعيد" الهاء" التي هي" لام" الكلمة، ولو رخّمت" عدة"، لم تعد شيئا؛
стр. 587
لأنّ في الكلام ما هو على حرفين، مثل" غد"، وليس فيه اسم معرب على حرفين ثانيهما حرف مدّ.
وتقول في ترخيم" طائفة" و" مرجانة" علمين يا طائف (١)، و: يا مرجان؛ فلا تحذف مع" تاء" التأنيث غيرها.
وتقول في ترخيم" سفرجل" علما: يا سفرج، ولا ترخّمه على الضّرب الثّاني؛ لأنّه يصير بوزن" فعلّ" وليس هذا في أمثلة الأصول، وكذلك:
" قذعمل" (٢) و" هندلع" (٣) عند سيبويه (٤).
стр. 588
الفصل الثّالث: في النّدبة
وفيه ثلاثة فروع:
الفرع الأوّل: في معناها
، النّدبة: الاسم من قولك: ندب الميّت يندبه، إذا اتفجّع عليه وذكر خلاله الجميلة؛ في معرض المدح، وإظهار اللجزع وقلّة الصّبر على فقده، وتعلّلا بمخاطبة الميّت خطاب الحيّ، وإعلاما من النادب بما آلت حاله إليه.
وأكثر ما يتكلّم بها (١) النساء؛ لأنّهنّ أرقّ قلوبا، وأكثر جزعا، وأقلّ في عاقبة الأمر نظرا.
وهي مستندة إلى أصل؛ وذلك: أنّ من شأن العرب مخاطبة/ الدّيار والرّسوم، ونداء الأطلال والأشجار وغيرها من الجمادات، ممّا لا يسمع، ولا يجيب، وعلى نحو من ذلك جاءت النّدبة، بل هي أقرب حالا؛ فإنّ الميّت وإن لم يجب، فقد كان للإجابة أهلا
الفرع الثّاني: في حروفها
وهي أربعة، ولها موضعان:
أحدهما: في أوّل الاسم المندوب، وهما:" يا" و" وا".
والثّاني: في آخره، وهما" الألف"، و" الهاء".
أمّا" الأوّلان" فلا بدّ من أحدهما، ولا يجوز حذف واحد منهما، كما جاز في بعض الأسماء المناداة و" وا" أخصّ بالنّدبة من" يا"؛ لاشتراكها مع النّداء في" يا".
стр. 589
وأمّا الآخران: فإنّ «الألف» زادوها لمّا أرادوا بعد الصّوت وامتداده في النّدبة، كما زادوها في نداء البعيد، ولا بعيد أبعد من المندوب، ويجوز حذفها؛ استغناء بحرف النّدبة في أوّل الاسم، وأحسن ما انحذف: مع" وا" كيلا يلتبس بالمنادى. وأمّا" الهاء" فزادوها بعد" الألف" في حالة الوقف؛ كيلا يستهلكها؛ لأنّها هوائيّة لطيفة، فإذا وصلت أزلتها؛ لنيابة الكلمة التي بعد الألف عن الهاء.
الفرع الثّالث: في أحكامها .
الحكم الأوّل: لمّا كانت النّدبة تدلّ على الجزع وقلّة الصّبر، تعيّن على النادب أن يذكر شيئا يكون له عذرا عند السّامع؛ فلا يندب إلا بالاسم الّذي يعرف بذكره خلال المندوب، من كرم أو فضل أو شجاعة أو حسن أو ذكاء ونحو ذلك، وهذا إنّما يكون بأشهر أسماء المندوب، كقولك: وا حاتماه، ويا عنتراه، ويا يوسفاه؛ فلا تندب نكرة، ولا مبهما؛ فلا تقول: وا رجلاه، وا هذاه؛ لأنّه لا يقوم به عذر النّادب، اللهمّ إلّا أن تريد بقولك:" وا رجلاه" الشّجاعة
والرّجوليّة، كما يقولون: وا جبلاه؛ نظرا إلى الوصفية.
فإن قرنت بالمجهول ما يقوم به/ العذر، جاز ندبته، نحو قولك «يا من حفر بئر (١) زمزماه» (١) «وامن بنى الكعبتاه (١)».
الحكم الثّاني: إذا ندبت مضافا أوقعت «ألف» النّدبة على المضاف إليه، نحو قولك: وا أمير المؤمنيناه، وا غلام زيداه؛ لأنّ الثانى من تمام الأوّل. وإن
стр. 590
ندبت موصوفا؛ أوقعت" الألف" على الموصوف، عند الخليل (١)؛ لأنّ الصّفة فضلة، نحو: وا زيداه الظّريف، وأوقعتها على الصّفة، عند يونس (٢)؛ لأنّها مع الموصوف كالشئ الواحد، نحو: وا زيداه الظريفاه.
الحكم الثّالث: إذا وقفت على المندوب فلك فيه ثلاثة أوجه:
الأوّل: أن تقف على" الهاء" فتقول: وا زيداه.
الثّاني: أن تحذف" الهاء" وتقف على" الألف" فتقول: وا زيدا، وعليه جاء قوله (٣):
حمّلت أمرا عظيما فاضطلعت به ... وقمت فينا بحقّ الله يا عمرا
الثّالث: أن تحذف" الألف" و" الهاء" وتقف على الأصليّ، فتقول: وا زيد.
فإن وصلت فلك فيه وجهان:
أحدهما: إسقاط" الهاء" من الأوّل، وإثباتها في الثّاني، نحو قولك:
وا زيدا وا زيداه.
والآخر: إسقاط" الألف" و" الهاء" من الأوّل، وإثباتهما في الثّاني، نحو: وا زيد وا زيداه.
ومن العرب من ينّون الأوّل، ومنهم من يثبت" الهاء" في الوصل ويحرّكها
стр. 591
بالضّمّ والكسر والفتح، وأجاز بعضهم (١): وا زيد، بالفتح حسب، ويجوز - في الشعر - إثبات" الألف" و" الهاء" مع (٢) الوصل.
الحكم الرّابع:" الألف" لا يكون ما قبلها إلّا مفتوحا، فإن أدّت النّدبة إلى لبس جعلت" الألف" تابعا للحركة؛ تقول - إذا ندبت غلام امرأة مخاطبة - وا غلامكيه؛ كيلا يلتبس بالمخاطب المذكّر، وإذا ندبت" غلامه" قلت:
وا غلامهوه؛ كيلا يلتبس بالمؤنّث، وإذا ندبت" غلامهم" قلت: وا غلامهموه؛ (٣) لئلّا يلتبس بالمثنّى، قال بعضهم: كلّ حركة كانت فارقة فإتباع الألف/ لها واجب (٤)، وإن كانت غير فارقة كنت مخيّرا فى إتباع" الألف" لها، وإتباعها" الألف"؛ تقول - في الأوّل - وا غلامكيه؛ لأنّ كسرة" الكاف للمؤنّث وفتحها للمذكّر، وتقول - في الثّاني - وا قطاماه، ووا قطاميه (٤) و: وا غلام الرّجلاه، والرّجليه (٤)، وجعل حركة المضاف غير فارقة حكاه ابن السّرّاج (٤).
وإذا ندبت المثنى حذفت" ألف" التثنية، وأبقيت" ألف" النّدبة؛ لالتقاء السّاكنين؛ فتقول: وا غلامهماه (٤)، فإن ندبت رجلا اسمه" مثنّى" حذفت" ألفها" وأثبتّ" ألف" النّدبة، ولم تقلبها، فقلت: وا مثنّاه (٥).
الحكم الخامس: في ندبة المضاف إلى المتكلّم، وهي تترتّب على أقسام
стр. 592
ندائه، فمن حذف" الياء" وقنع بالكسرة قبلها، قال: يا غلاماه، ففتح" الميم" ل" الألف"، ومن حرّك" الياء" لم يجز له إلّا إثباتها؛ لتحصّنها بالحركة، فقال: وا غلامياه، ومن أسكن" الياء"، فله وجهان: حذفها؛ لالتقاء السّاكنين، فتقول: وغلاماه (١)، كالأوّل، وتحريكها بالحركة التي كانت لها في الأصل، فتقول: وا غلامياه، كالثّاني، وأجاز سيبويه: وا غلاميه (٢)، فيبيّن الحركة ب" الهاء".
فإن ندبت مضافا إلى مضاف إليك أثبتّ الياء" عند سيبويه (٣) وحرّكتها فقلت: وا غلام غلامي، فإن ألحقت" الألف"
و" الهاء" قلت: وا غلام غلامياه، ووانقطاع ظهرياه، فإن كان لغائب قلت: وا انقطاع ظهرهيه، ووا انقطاع ظهرهوه (٤)، على كسر" هاء" الضّمير، وضمّها فإن وافقت" ياء" الإضافة" الياء" السّاكنة (٥)، فتحوا" ياء" الإضافة، ولم يكسروا ما قبلها؛ كراهية للكسرة في" الياء"، فإذا ندبته، فأنت في إلحاق" الألف" بالخيار؛ تقول: وا غلاميّاه (٦)، وا قضيّاه، ووا غلاميّ (٦)، ووا قاضيّ، فإن وافقت «ياء» الإضافة «ألفا»، أثبتّ «الياء» مفتوحة، فتقول: وا مثنّاياه، و: وا مثنّايّ (٦).
стр. 593
الباب الخامس عشر في العوامل
وفيه مقدّمة، وثلاثة أقسام.
أمّا المقدّمة: ففي تعريفها وتقسيمها.
العامل: ما أثّر في غيره شيئا لم يكن لولا هو، من حركة، أو سكون أو حذف؛ وضعا أو اصطلاحا؛ نحو: قام زيد، وضربت عمرا، ومررت بجعفر، ولن يخرج عمرو، ولم يضرب بكر، ولم يرم خالد.
وللعوامل انقسامات، باعتبارات:
الأوّل: أنّها تكون أسماء، وأفعالا، وحروفا؛ نحو:" ضرب" و" ضارب" و" إنّ".
الثّانى: أنّها تنقسم إلى أصل فى العمل، وفرع.
فالأصل: الفعل.
والفرع: الاسم والحرف.
الثّالث: أنّها تكون معنويّة، ولفظيّة.
فالمعنويّة: الابتداء، ورافع الفعل المستقبل.
واللّفظيّة: ما تقدّم من الأمثلة.
الرّابع: أنّ محلّ عملها الأسماء والأفعال، ولاحظّ فيها للحروف.
فقد عرفت بهذا التقسيم موارد العوامل جملة، وأنّ مدار اللّفظيّة منها على أقسام الكلم ثلاثتها، فلنورد كلّ واحد منها في فصل يخصّه، ولنبدأ بالأفعال؛ لأنّها الأصليّة، ثمّ بالأسماء، ثمّ بالحروف، إن شاء الله تعالى.
стр. 594
القسم الأوّل: في الأفعال
وفيه: مقدّمة، وثمانية أنواع
المقدّمة:
الفعل النّحوىّ له انقسام باعتبارات.
الاعتبار الأوّل: الأفعال على ضربين: ضرب يلاقى شيئا، ويؤثّر فيه أثرا لفظيا، وضرب لا يلاقى شيئا فيؤثّر فيه؛ فسمّوا المؤثّر متعدّيا، والّذي لا يؤثر غير متعد.
أمّا الّذي يتعدّى: فكلّ حركة كانت ملاقية لغيرها من أفعال الحواسّ والنّفس، نحو: نظرت وشممت، وضربت وأحببت، وفاعلت: من هذا القبيل؛ لأنّك تكون قد فعلت به مثل ما فعل بك.
وأمّا الذي لا يتعدّى: فهو الّذي لم يلاق مصدره مفعولا، نحو: قام وطال؛ ويكون خلقة، نحو: اسودّ واحمرّ، وطال وقصر، وهيئة، نحو: قام وقعد وتحرّك وسكن، وفعلا نفسيّا، نحو: كرم وظرف ورضى وغضب.
الاعتبار الثّاني: الفعل ينقسم قسمين: حقيقى وغير حقيقىّ.
أمّا الحقيقىّ: فينقسم قسمين:
أحدهما: أن لا يتعدّى الفاعل إلى غيره، نحو: قام وقعد، ويسمّى قاصرا ولازما.
والثّاني: يتعدّى الفاعل إلى مفعول، وهو على ضربين.
ضرب يؤثّر فيه أثرا حقيقيّا، نحو: ضربت زيدا، وأكلت خبزا.
وضرب لا يؤثّر فيه، نحو: مدحت عمرا، وذممت بكرا، ومن هذا الضّرب" ظننت" وأخواتها؛ لأنّها غير مؤثّرة في المفعول.
وأمّا غير الحقيقىّ. فعلى ثلاثة أضرب:
стр. 595
الأوّل: أفعال مستعارة للاختصار (١)، وفيها بيان أنّ فاعلها، فى الحقيقة، مفعول نحو: مات زيد، ومرض عمرو.
الثّاني: أفعال دالّة على الزّمان فقط دون الحدث، وهي: كان وأخواتها، وفيها خلاف (٢).
الثّالث: أفعال منقولة، يراد بها غير الفاعل الّذي جعلت له، نحو: لا أرينّك هاهنا، فالنّهي إنّما هو للمتكلّم، كأنّه ينهى نفسه فى الّلفظ، والمعني للمخاطب، فكأنّه قال: لا تكوننّ هاهنا؛ فإنّ من حضرني رأيته ومثله قوله تعالي: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٣)، وقوله فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها (٤).
الاعتبار الثّالث: الأفعال تنقسم إلى متصرّفة، وغير متصرّفه
فالمتصرّفة: ما تنقلّب في الأزمان، والفاعل والمفعول والمصدر، نحو:
ضرب يضرب/ ضربا، فهو ضارب، ومضروب.
وغير المتصرّفة: أفعال معدودة، وهي: ليس وعسى ونعم وبئس وحبذا وفعل التعجّب.
الاعتبار الرّابع: الفعل النحويّ ينقسم - في عمله - إلى قسمين، مظهر ومضمر.
стр. 596
أمّا المظهر: فينقسم ثلاثة أقسام، لازم ومتعدّ، ومتردّد بينهما.
فاللّازم: ما لا يتعدّى إلى مفعول، إلّا بمعدّ، نحو: قام وقعد.
والمتعدّى: ما تعدّى بنفسه إلى المفعول، وهو أربعة أضرب.
ضرب يتعدّى إلى مفعول واحد.
وضرب يتعدّى إلى مفعولين، يجوز الاقتصار على أحدهما، وضرب يتعدّى إلى مفعولين، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما.
وضرب يتعدّى إلى ثلاثة مفعولين.
وأمّا المتردّد: فهو: ما تعدّى تارة بنفسه، وتارة بمعدّ.
وأما المضمر: فهو أفعال دلّ علمها عليها؛ فحذفت؛ اختصارا، فمنها ما يجوز إظهاره، ومنها ما لا يجوز، وقد تقدّم ذكرها فى باب (١) " المفعول به" فانحصرت
الأفعال المظهرة العاملة في ثمانية أنواع .
النّوع الأوّل: في اللّازم:
وهو كلّ فعل لا يقتضى مع فاعله مفعولا، نحو: قام وقعد، فهو يعمل الرّفع في فاعله، ويقتصر عليه، فاحتاج - في تعديته - إلى قرينة تعدّيه إلى المفعول، والقرائن ثلاث، وقيل: أربع، وقيل: خمس.
القرينة الأولى:" حرف الجرّ"، نحو: مررت بزيد، ونزلت على عمرو، ودخلت إلى الدّار، ورغبت في مودّتك، وصدفت عن بكر.
القرينة الثانية:" الهمزة"، تقول: قام زيد/، وأقام زيد عمرا، وقعد بكر، وأقعدت بكرا.
стр. 597
القرينة الثّالثة:" التّضعيف"، نحو: فرح زيد، وفرّحته، وشرف عمرو وشرّفته.
القرينة الرّابعة:" الحركة"، نحو" حزن زيد، وحزنته، وفتن الرّجل وفتنته، فالفتحة عدّت الفعل إلى" زيد" (١) بعد أن كان - مع الكسرة - قاصرا.
القرينة الخامسة:" السّين والتاء"، نحو: نطق زيد، واستنطقته، وكتب واستكتبته
والقرائن الثلاث تتعاقب على الفعل الواحد، وقد يختصّ ببعضها دون بعض، نحو: ذهبت بزيد، وأذهبته، وكرّمت عمرا، وأكرمته، وقوله تعالى:
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (٢) وأَنْزَلَ الْكِتابَ * (٣) ونَزَّلَ الْفُرْقانَ (٤).
وتجتمع كلّ واحدة من" الهمزة" و" التّضعيف" مع" حرف الجرّ" نحو:
أمررت زيدا على عمرو، وفرّحت زيدا بعمرو، ولا تجتمع" الهمزة" مع" التّضعيف"؛ لاختلاف البنائين.
وحروف الجرّ: أعمّ هذه القرائن؛ لأنّها تدخل على الثّلاثىّ فما فوقه، والباقية تختصّ بالثّلاثيّ الذى لا زيادة فيه.
وكلّ فعل عدّيته بحرف الجرّ، لا يجوز أن تحذفه منه، وتعدّيه، إلّا فى ضرورة الشّعر، أو ما اتّسعوا فيه من الأفعال، وكثر استعمالهم له؛ فصار
стр. 598
كالجائز المطّرد، نحو: دخلت البيت، فسيبويه (١) يجعله غير متعدّ، وغيره (٢) يجعله متعدّيا، قال: ومثل: ذهبت الشّام، دخلت البيت (١)، يعنى أنّه قد حذف منه حرف الجرّ، وكان الأصل: ذهبت إلى الشّام، ودخلت إلى البيت، ومثله قول الشاعر (٣):
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
وقد فعلوا ذلك فيما يتعدّى من الأفعال إلى مفعول واحد، إذا أرادوا تعديته إلى اثنين، وسيجئ ذكره (٤) فى النّوع الثالث. قال سيبويه: وليس كلّ فعل يتعدّى بحرف جرّ لك أن تحذف منه حرف الجرّ وتعدّيه؛ وإنّما يجوز فيما استعملوه، وأخذ سماعا عنهم (٥)، فأمّا ما جاء لضرورة الشّعر، فكقوله (٦):
تمرون الدّيار ولم تلمّوا ... كلامكم علىّ إذا حرام
стр. 599
يريد: على الدّيار، أو بالدّيار، ومن حذف حرف الجرّ، قوله تعالى: إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (١) وبَطِرَتْ مَعِيشَتَها (٢) وأَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً (٣) ووَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ (٤)، ومنهم من (٥) لم يجعله على حذف حرف الجرّ، ويتأوّله (٥).
النّوع الثّانى: المتردّد بين اللّازم والمتعدّى ،
وهو على ثلاثة أضرب:
الضّرب الأوّل: أفعال معدودة، استعملوها تارة متعدّية بنفسها، وتارة بحرف جرّ، نحو: شكرتك، وشكرت لك، ونصحتك، ونصحت لك، وكلته، وكلت له ووزنته، ووزنت له، فأمّا قولهم: قرأت السّورة، وقرأت بالسّورة، وسمّيته محمّدا، وسمّيته ب" محمّد"، وكنيته أبا الحسن وب" أبى الحسن"
стр. 600
فليس من هذا الباب، وإنّما هو من باب حذف الجارّ (١) وإيصال الفعل إلى المفعول، وقيل إنّ" الباء" زائدة، والفعل متعدّ بنفسه.
الضّرب الثّاني: أفعال متعدّية بنفسها أصلا، ثمّ أدخلوا عليها حرف الجرّ، على تأوّل، كقوله تعالى:" يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ (٢) وكقول الشّاعر (٣):
أريد لأنسى ذكرها فكأنّما ... تمثّل لى ليلى بكلّ سبيل
قال الخليل (٤): هو محمول على المعنى، تقديره: إرادتي لهذا، فعدّى صدره بالقرينة، كما تقول/: أعجبنى ضربك لزيد، ولا تقول: ضربت لزيد، ولو قيل: إنّ اللّام في هذا زائدة لجاز، كما جاءت زائدة في مواضع: منها قوله تعالى: عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ (٥).