أمّا المظهر: فينقسم ثلاثة أقسام، لازم ومتعدّ، ومتردّد بينهما.
فاللّازم: ما لا يتعدّى إلى مفعول، إلّا بمعدّ، نحو: قام وقعد.
والمتعدّى: ما تعدّى بنفسه إلى المفعول، وهو أربعة أضرب.
ضرب يتعدّى إلى مفعول واحد.
وضرب يتعدّى إلى مفعولين، يجوز الاقتصار على أحدهما، وضرب يتعدّى إلى مفعولين، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما.
وضرب يتعدّى إلى ثلاثة مفعولين.
وأمّا المتردّد: فهو: ما تعدّى تارة بنفسه، وتارة بمعدّ.
وأما المضمر: فهو أفعال دلّ علمها عليها؛ فحذفت؛ اختصارا، فمنها ما يجوز إظهاره، ومنها ما لا يجوز، وقد تقدّم ذكرها فى باب (١) " المفعول به" فانحصرت
الأفعال المظهرة العاملة في ثمانية أنواع .
النّوع الأوّل: في اللّازم:
وهو كلّ فعل لا يقتضى مع فاعله مفعولا، نحو: قام وقعد، فهو يعمل الرّفع في فاعله، ويقتصر عليه، فاحتاج - في تعديته - إلى قرينة تعدّيه إلى المفعول، والقرائن ثلاث، وقيل: أربع، وقيل: خمس.
القرينة الأولى:" حرف الجرّ"، نحو: مررت بزيد، ونزلت على عمرو، ودخلت إلى الدّار، ورغبت في مودّتك، وصدفت عن بكر.
القرينة الثانية:" الهمزة"، تقول: قام زيد/، وأقام زيد عمرا، وقعد بكر، وأقعدت بكرا.
стр. 597
القرينة الثّالثة:" التّضعيف"، نحو: فرح زيد، وفرّحته، وشرف عمرو وشرّفته.
القرينة الرّابعة:" الحركة"، نحو" حزن زيد، وحزنته، وفتن الرّجل وفتنته، فالفتحة عدّت الفعل إلى" زيد" (١) بعد أن كان - مع الكسرة - قاصرا.
القرينة الخامسة:" السّين والتاء"، نحو: نطق زيد، واستنطقته، وكتب واستكتبته
والقرائن الثلاث تتعاقب على الفعل الواحد، وقد يختصّ ببعضها دون بعض، نحو: ذهبت بزيد، وأذهبته، وكرّمت عمرا، وأكرمته، وقوله تعالى:
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (٢) وأَنْزَلَ الْكِتابَ * (٣) ونَزَّلَ الْفُرْقانَ (٤).
وتجتمع كلّ واحدة من" الهمزة" و" التّضعيف" مع" حرف الجرّ" نحو:
أمررت زيدا على عمرو، وفرّحت زيدا بعمرو، ولا تجتمع" الهمزة" مع" التّضعيف"؛ لاختلاف البنائين.
وحروف الجرّ: أعمّ هذه القرائن؛ لأنّها تدخل على الثّلاثىّ فما فوقه، والباقية تختصّ بالثّلاثيّ الذى لا زيادة فيه.
وكلّ فعل عدّيته بحرف الجرّ، لا يجوز أن تحذفه منه، وتعدّيه، إلّا فى ضرورة الشّعر، أو ما اتّسعوا فيه من الأفعال، وكثر استعمالهم له؛ فصار
стр. 598
كالجائز المطّرد، نحو: دخلت البيت، فسيبويه (١) يجعله غير متعدّ، وغيره (٢) يجعله متعدّيا، قال: ومثل: ذهبت الشّام، دخلت البيت (١)، يعنى أنّه قد حذف منه حرف الجرّ، وكان الأصل: ذهبت إلى الشّام، ودخلت إلى البيت، ومثله قول الشاعر (٣):
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
وقد فعلوا ذلك فيما يتعدّى من الأفعال إلى مفعول واحد، إذا أرادوا تعديته إلى اثنين، وسيجئ ذكره (٤) فى النّوع الثالث. قال سيبويه: وليس كلّ فعل يتعدّى بحرف جرّ لك أن تحذف منه حرف الجرّ وتعدّيه؛ وإنّما يجوز فيما استعملوه، وأخذ سماعا عنهم (٥)، فأمّا ما جاء لضرورة الشّعر، فكقوله (٦):
تمرون الدّيار ولم تلمّوا ... كلامكم علىّ إذا حرام
стр. 599
يريد: على الدّيار، أو بالدّيار، ومن حذف حرف الجرّ، قوله تعالى: إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (١) وبَطِرَتْ مَعِيشَتَها (٢) وأَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً (٣) ووَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ (٤)، ومنهم من (٥) لم يجعله على حذف حرف الجرّ، ويتأوّله (٥).
النّوع الثّانى: المتردّد بين اللّازم والمتعدّى ،
وهو على ثلاثة أضرب:
الضّرب الأوّل: أفعال معدودة، استعملوها تارة متعدّية بنفسها، وتارة بحرف جرّ، نحو: شكرتك، وشكرت لك، ونصحتك، ونصحت لك، وكلته، وكلت له ووزنته، ووزنت له، فأمّا قولهم: قرأت السّورة، وقرأت بالسّورة، وسمّيته محمّدا، وسمّيته ب" محمّد"، وكنيته أبا الحسن وب" أبى الحسن"
стр. 600
فليس من هذا الباب، وإنّما هو من باب حذف الجارّ (١) وإيصال الفعل إلى المفعول، وقيل إنّ" الباء" زائدة، والفعل متعدّ بنفسه.
الضّرب الثّاني: أفعال متعدّية بنفسها أصلا، ثمّ أدخلوا عليها حرف الجرّ، على تأوّل، كقوله تعالى:" يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ (٢) وكقول الشّاعر (٣):
أريد لأنسى ذكرها فكأنّما ... تمثّل لى ليلى بكلّ سبيل
قال الخليل (٤): هو محمول على المعنى، تقديره: إرادتي لهذا، فعدّى صدره بالقرينة، كما تقول/: أعجبنى ضربك لزيد، ولا تقول: ضربت لزيد، ولو قيل: إنّ اللّام في هذا زائدة لجاز، كما جاءت زائدة في مواضع: منها قوله تعالى: عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ (٥).
стр. 601
وكقول الشاعر (١):
وملكت ما بين العراق ويثرب ... ملكا أجار لمسلم ومعاهد
أى: ردفكم، وأجار مسلما ومعاهدا.
الضّرب الثّالث: أفعال متعدّية بنفسها، فإذا أدخلت عليها القرينة صارت قاصرة، وذلك قولهم:" أقشع السّحاب"، و" قشعت الرّيح السّحاب"
و" أكبّ الرّجل و" كبيته" و" أنزفت البئر" و" نزفتها"، و" أشنقت النّاقة" (٢) و" شنقتها"، وهذه ألفاظ يسيرة، تحفظ ولا يقاس عليها.
ولك أن تجعل الهمزة - في مثل هذه الأفعال - معدّية، تقول: أقشع الله الريح السّحاب، أي: جعلها تقشعه.
وقريب من هذا الضّرب: أنّ تضعيف الفعل المتعدّي موضوع للتكثير، كقولك: ضرّبت، وقتّلت، وقد جاء عنهم بالعكس، قالوا: مجدت الإبل - مخفّفا - إذا علفتها ملء بطنها، ومجّدتها - مشدّدا - إذا علفتها نصف (٣) بطنها، وقالوا: هذا بلد قد شبعت غنمه، إذا أكلت كلّ الشّبع، وشبّعت غنمه، إذا أكلت نصف الشّبع (٤).
стр. 602
النّوع الثّالث: المتعدّي إلى مفعول واحد:
ويكون فعله مؤثّرا فيه، وغير مؤثّر، نحو:
ضربت زيدا، وقتلت بكرا، وكأفعال الحواسّ الخمس:" رأيت" و" سمعت"، و" شممت"، و" ذقت" و" لمست" إلّا أنّ" سمعت" يتعدّى إلى مفعولين، إذا كان الأوّل ممّا لا يسمع، والثّاني ممّا يسمع، نحو: سمعت زيدا يقول ذاك، وسمعت كلام زيد، فأمّا: سمعت زيدا قائلا، فلم يختره بعضهم (١)، إلّا أن يعلّقه بشئ آخر، قال: لأن قائلا موضع للذّات، والذّات ليست موضوعة للسّمع، فأمّا قوله تعالى: هَلْ/ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٢) فعلى حذف المضاف تقديره: هل يسمعون دعائكم؟ كقوله تعالى: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ (٣)، ولو جعل المضاف إلى الظرف - مغنيا عن المضاف، جاز، ومنه قول الشاعر (٤):
سمعت حمامة طربت بنجد ... فما هجت العشيّة يا حماما مطوّقة ترنّم فوق غصن
إذا ما قلت مال بها استقاما
تقديره: سمعت صوت حمامة، أو يكون" التّرنّم" هو المسموع، وأمّا قول الآخر (٥):
стр. 603
رأى برد ماء ذيد عنه وروضة ... برود الضّحى فينانة بالأصائل
فعلى حذف مضاف، أراد: أثر بردماء، أو أنّه استعار" البرد"؛ لأنّه رأى صفاء الماء، ورقّة الهواء، فأحسّ ببرد الزّمان والماء. ومن حذف المضاف قولهم: أبصرت كلامه، أي: محلّ كلامه، ومن الاستعارة قوله (١):
فلا الظّلّ من برد الضّحى تستطيعه ... ولا الفئ من برد العشيّ تذوق
وهذا النّوع المتعدّى إلي مفعول واحد، إذا عدّيته بحرف من حروف التّعدية، تعدّى إلى مفعولين، نحو: أضربت زيدا عمرا، وأشممت زيدا مسكا، وقد اتّسعوا في أفعال منه فحذفوا منها حرف الجرّ، وأوصلوا الفعل، قالوا في: اخترت من الرّجال زيدا: اخترت الرّجال زيدا، وعليه قوله تعالى:
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا (٢).
стр. 604
وقول الشاعر (١):
ومنّا الّذى اختير الرّجال سماحة ... وجودا إذا هبّ الرّياح الزّعازع
أي: من قومه (٢)، ومن الرّجال، ومثله قول الآخر (٣):
أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... ربّ العباد إليه الوجه والعمل
أى: من ذنب، والسّيرافيّ (٤) يجعل هذا مفعولا منه، قال بعضهم (٥):
هذا التقدير فى" من ذنب" غير صحيح؛ لأنّ" غفر" متعدّ، وقد نقل بالسّين والتّاء، فصار متعدّيا إلى مفعولين، فكيف يقال: إنّ" ذنبا" منصوب لحذف" من"؟ وإنما هو أحد مفعولي" أستغفر" وهذا الحكم لا يقاس عليه؛ فلا تقول: اصطفيت الرّجال زيدا، ولا أحببت الرّجال عمرا، على تقدير: من الرّجال، وإنّما تجريه (٦) فيما أجروه.
стр. 605
وهذا النّوع المتعدّي إلى مفعول واحد، منه ما يكون الفاعل فيه هو المفعول في المعنى؛ نحو: ضارب زيد عمرا، ولقي بشر بكرا، ومنه ما لا يصحّ أن يكون الفاعل فيه مفعولا، نحو: أكل زيد الخبز، ودقّ القصّار الثّوب، ومنه ما يصحّ الفاعل فيه أن يكون مفعولا، والمفعول فاعلا، لكن ينقلب المعنى، نحو:
ضرب زيد عمرا،: وضرب عمر وزيدا.
النّوع الرّابع: المتعدّى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما ،
وهو على ضربين ضرب متعدّ بنفسه إلى المفعولين، نحو: كسوت زيدا ثوبا، وضرب متعدّ إلى الأوّل بنفسه، وإلى الثّانى بقرينة، نحو: أعطيت زيدا درهما؛ لأنّه من" عطا يعطو" إذا تناول، وأعطيت، إذا ناولت، ولك أن تقتصر على أحد المفعولين، إذا لم ترد البيان عنهما، فتقول: أعطيت زيدا، وكسوت ثوبا.
ويجوز حذف المفعولين معا، فتقول: أعطيت، وكسوت، ومنه قولهم: الله يعطى ويمنع.
ولا بدّ أن يكون المفعول الثّاني في هذا النّوع غير الأوّل، وتعتبره بأنّك متى أسقطت الفعل والفاعل كان ما يبقى غير كلام، وبأنّه لا يقع موقع المفعول الثّاني فيه جملة، وبأنّ المفعول الأوّل في المعنى فاعل/ بالمفعول الثّاني، ألا ترى أنّك إذا قلت: كسوت زيدا ثوبا، فإنّ المعنى: أنّ" زيدا" اكتسى" الثوب" (١) ف" زيد" هو المفعول الأوّل، وهو الفاعل في المعنى، و" الثّوب" هو المفعول الثاني.
стр. 606
والأفعال المتعدّية إلى مفعول واحد إذا عدّيتها بقرينة صارت من هذا النوع، وقد ذكرناها.
النّوع الخامس: المتعدّي إلى مفعولين، ولا تقتصر على أحدهما ،
وفيه فرعان:
الفرع الأوّل: في تعريفه، وهو سبعة أفعال:" ظننت" و" حسبت" و" خلت" و" علمت" و" رأيت" و" وجدت" و" زعمت"، وتسمّى أفعال الشّك واليقين، وقد أضيف إليها أفعال أخرى، وهي" دريت" و" شعرت" و" توهّمت" و"
هب"، وأدخل بعضهم:" سمّى" و" كنى" و" اتخذ" و" جعل" - في أحد أقسامها - مدخلها في التّعدّي. وجعل آخرون الأفعال المتعدّية إلى ثلاثة مفعولين - إذا بنيت لما لم يسمّ فاعله - بمنزلتها، تقول: ظننت زيدا قائما، وكذلك ما تصرّف منها، نحو: أظنّ زيدا قائما، وظنّ زيدا قائما، ولا تظنّ زيدا قائما، وكذلك باقى أخواتها في جميع متصرّفها.
ومعانيها مختلفة.
أمّا" ظننت": فإنّها تكون بمعنى الشّكّ واليقين، والشّكّ أغلب عليها، وهي فيه لترجيح أحد الجائزين، والفرق بينها وبين الشّك الصّريح: أنّ الشّكّ يستوي فيه حالة الإيجاب والنّفي، والظّنّ تميل معه النفس إلى أحدهما وأمّا يقينها، فكقوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ (١)، وهو في القرآن والعربيّة كثير، وقيل: إنّها لا تكون بمعنى اليقين فيما يدرك بالحواسّ، لا تقول: ظننت الحائط مبنيا، وأنت قد شاهدّته، وإنّما يكون فيما يعلم من طريق الاستدلال.
стр. 607
وتكون بمعني التّهمة، فتتعدّى إلى مفعول واحد، تقول: ظننت زيدا،/ أى اتّهمته، ومنه قوله تعالى: (وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) (١) أى: متهم.
وأمّا" حسبت" فمنقولة من الحساب العدديّ المتعدّى إلى واحد؛ فإذا قلت: حسبت زيدا عالما، فمعناه: أدخلته في عدد العلماء، بغير علم، وقد يكون بمعنى" علمت"، وقرئ قوله تعالى: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ (٢) بالرّفع والنّصب، فمن رفع (٣) جعلها بمعنى العلم؛ لأنّ المخفّفة لا تقع إلا بعد أفعال اليقين (٤) وما قرب منها.
وفى مضارعها لغتان؛ الكسر، والفتح، والكسر أكثر، وإن كان شاذّا.
وأمّا" خلت" فهي من الخيال الّذى يخيّل لك من غير تحقيق، وأصله من الياء.
وأمّا" علمت:" فهي من علم القلب، تقول: علمت زيدا كريما، فإن كانت من علم العين تعدّت إلى مفعول واحد، تقول: علمت زيدا، أي: عرفته، ولو
стр. 608
أعطيت" عرفت" معنى" علمت" القلبيّة، لعدّيتها إلى اثنين.
وقد يأتى العلم بمعنى الظّنّ القوىّ، تقول: ما أعلم أن لا يقوم زيد، بالنّصب، ولو كانت القطعيّة، لرفعت، كما قلنا في" حسبت" ومنه قول جرير (١):
نرضى عن الله أنّ النّاس قد علموا ... أن لا يدانينا من خلقه بشر
قال سيبويه (٢): تقول: ما علمت إلا أن يقوم، إذا لم ترد أن تخبر أنّك قد علمت شيئا كائنا البتّة، ولكن تكملّت به على وجه الإشارة، كما تقول: أرى - من الرّأي - أن تقوم.
وأمّا" رأيت": فإنّها تكون بمعنى" العلم، و" الظّنّ"، تقول: رأيت زيدا عاقلا، أي: علمته كذلك، ورأيت عمرا غائبا، أى: ظننته، ومنه قوله تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً. وَنَراهُ قَرِيباً (٣)؛ أي: يظنّونه بعيدا، ونعلمه قريبا.
وتكون بمعنى الرأي والإبصار، وتتعدّى إلى مفعول واحد، تقول: فلان يرى رأي الشافعيّ، أى: يعتقده، ورأيت زيدا، أى: أبصرته، فإذا جاء في الإبصار منصوب ثان، وليس تابعا كان حالا، نحو: رأيت زيدا/ قائما.
стр. 609
وأمّا" وجدت": فإنّها بمعنى" علمت" القلبيّة، نحو" وجدت زيدا عاقلا، أي: علمته.
ول" وجدت" مواضع اخر تتعدّى فيها إلى مفعول واحد، نحو: وجدت الضّالّة: إذا أصبتها.
وأمّا" زعمت": فإنّها قول مع نوع اعتقاد، ولا يكون بمنزلة القول المجرّد، وتستعمل في موضع الكذب والقول من غير صحّة كثيرا، كقوله تعالى:
زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا (١)، ويستعمل في موضع الحقّ قليلا، كقول أميّة (٢):
نودى قيل اركبن بأهلك ... انّ الله موف للنّاس ما زعما
وأمّا" توهّمت": فمن الوهم، وهو قريب من الظّن، تقول: توهّمت زيدا عاقلا.
وأمّا" هب": فبمعنى" احسب"، ولا تدخل في هذا الباب إلا إذا كانت أمرا، كقولك: هب زيدا قائما.
وأمّا" دريت" و" شعرت": فمتقاربا المعنى، إلا أنّ ل" دريت" اختصاصا، بمعرفة القلب، ول" شعرت" اختصاصا بمعرفة الحاسّة؛ لأنّ المشاعر الحواسّ.
стр. 610
وأمّا" جعل": فإنّما تدخل في هذا الباب إذا كانت بمعنى" صيّر" (١) كقوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً (٢).
وتأتي بمعنى الظّنّ، كقولهم: اجعل الأسد ثعلبا واهجم عليه.
وإذا كانت بمعنى الخلق تعدّت إلى مفعول واحد.
وأمّا" اتّخذ": فكقوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ (٣) فكأنّها بمعنى" جعل".
وإن كانت بمعنى الاقتناء والاصطناع تعدّت إلى واحد، نحو: اتّخذت دارا.
وأمّا" سمّيت" و" كنيت": فقد سبق ذكرهما في النّوع الثّاني (٤).
وقد أعملوا فعل القول مع الاستفهام الخطابيّ خاصّة عمل الظّنّ، فقالوا: أتقول (٥) زيدا منطلقا؟ و: متى تقول عمرا ذاهبا؟ قال (٦):
أجهّالا تقول بني (٧) لؤيّ ... لعمر أبيك أم متجاهلينا
стр. 611
ومنه الحديث:" أنه مرّ برجل يقرأ فى الصّلاة ليلا فقال: أتقوله مرائيا" (١) أى: أتظنّه؟.
وبنو سليم/ يجعلون باب" قلت" في جميع تصاريفه مثل:" ظننت" (٢).
الفرع الثّاني: في أحكامها
الحكم الأوّل: إذا ذكرت مفعول هذه الافعال ثمّ حذفتها وفاعلها، بقي ما بعد الحذف كلاما تاما، بخلاف باب" كسوت"، تقول: ظننت زيدا قائما، فتحذف" ظننت"، ويبقى" زيد قائم" وهما مبتدأ وخبر، ولو حذفت" كسوت" لبقي" زيد ثوب"، وليس بكلام.
الحكم الثّاني: إذا كان فاعلها مضمرا تعدّى إلى مفعولها المضمر وكان إيّاه، بخلاف غيرها من الافعال، تقول: ظننتنى منطلقا، وحسبتنى قائما، ولا تقول: ضربتنى، ولا قتلتنى، ولكن تقول: ضربت نفسى. وقد أجرت العرب" عدمت" و" فقدت" مجراها، فقالوا: عدمتني، وفقدتني، وهو شاذّ، ومن الأوّل قوله تعالى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٣).
الحكم الثّالث: إذا ذكرت هذه الأفعال دون مفعوليها، فالظّاهر من كلام سيبويه إجازة ذلك (٤)، تقول: ظننت، وعلمت، ومنه قوله تعالى وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ
стр. 612
لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ، وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (١)، وقوله تعالى: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا (٢) فعدّاه إلى المصدر وحده، وفي المثل:" من يسمع يخل" (٣) والجرميّ (٤) لا يجيز ذلك، ويقول: هذه الأفعال لا يخلو الإنسان منها، بخلاف غيرها؛ فلا بدّ من مفعوليها، فأمّا قول الشّاعر (٥):
فما جنّة الفردوس ها جرت تبتغى ... ولكن دعاك الخبز أحسب والتّمر
فلم يعدّ: أحسب" إلى شئ.
الحكم الرّابع: لا يجوز الاقتصار على أحد مفعوليها إذا ذكرا؛ لأنّهما كان مبتدأ وخبرا، ولا بدّ لأحدهما من الآخر؛ ولانّها إنّما تؤثّر المعنى فيهما جميعا، ألا ترى أنّ الظنّ لا يخصّ" زيدا" دون" قائما"، ولا" قائما" دون" زيد" وإنّما يخصّهما معا أي: ظننت قياما متعلّقا بزيد، فأمّا قول العرب:
ظننت ذاك/ فإنّ" ذاك" إشارة إلى المصدر الذي هو الظّنّ، كأنّك قلت: ظننت ذاك الظنّ، كما كانت" الهاء" كناية عنه، ولو كان إشارة إلى غيره، لم يكن
стр. 613
من المفعول الثّاني بدّ؛ فتقول: ظننت ذاك منطلقا، ومثله قول الشّاعر (١):
ولقد نزلت - فلا تظنّي غيره - ... منّي بمنزلة المحبّ المكرم
ف" غيره" كناية عن المصدر، وكذلك قوله تعالى: وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ (٢) فلم يعدّه إلّا إلى المصدر.
الحكم الخامس: المفعول الثّاني من مفعوليها يكون جميع ما كان خبرا للمبتدأ، من المفرد والجملة والظّرف، إلا القليل، تقول: ظننت زيدا قائما، وظننت زيدا أبوه قائم، وقام أبوه، وفي الدّار، وشذّ من هذا الباب: ما كان أمرا ونهيا، فإنّه يكون خبرا للمبتدأ، ولا يكون مفعولا ثانيا لها، نحو قولك:
زيد قم إليه، وعمرو لا تضربه، وكذلك تدخل" الفاء: في خبر المبتدأ، ولا تدخل في مفعولها الثّاني، نحو قولك: الّذي يأتينى فله درهم.
ولا بدّ في المفعول الثّاني إذا كان جملة، من ضمير يعود إلى الأوّل، كما لا بدّ منه في أخبار المبتدأ، حتّى ينتظم الكلام فلا تقول: ظننت زيدا قام عمرو، حتّى تقول: إليه، أو عنده، أو نحو ذلك.
الحكم السّادس: لهذه الأفعال ثلاثة أحوال: في العمل والإلغاء
стр. 614
والتّعليق فمتى تقدّمت، ولم يكن ثمّت مانع من إعمالها عملت؛ تقول: ظننت زيدا قائما، وقد ألغيت في الشّعر، مع تقدّمها، قال (١):
أرجو وآمل أن تدنو مودّتها ... وما إخال لدينا منك تنويل
فإن توسّطت بين المفعولين كنت بالخيار في إعمالها وإلغائها؛ حيث تساوى طرفاها؛ فلم يترجّح أحدهما على الآخر؛ تقول: زيدا ظننت قائما، وزيد ظننت قائم، وقال قوم:/ إذا بنيت كلامك فى" ظننت" علي الشّكّ، فالإعمال لا غير، وإن بنيته على اليقين فالإلغاء لا غير، وعليه أنشد بيت جرير (٢):
أبا لأراجيز يا ابن اللّؤم توعدني ... وفي الأراجيز خلت اللّؤم والخور
стр. 615
وإن تأخّرت عن المفعولين.، فالإلغاء أحسن (١)؛ تقول: زيد قائم ظننت، ويجوز إعمالها، واستضعفه سيبويه (١)، وإلغاؤها متأخّرة: أحسن من إلغائها متوسّطة.
وقد قدّرت الملغاة بالظّرف؛ فقالوا: زيد قائم ظننت، بتقدير: زيد قائم في ظنّى، وهي - إذا كانت ملغاة - معتمدة على ما قبلها، وإذا كانت عاملة معتمد عليها. وقد أجاز سيبويه (٢): متى تظنّ زيد منطلق؛ لتقدّم معمول المفعول الثّاني.
وأمّا التّعليق فسيذكر حكما مفردا (٣).
الحكم السّابع: إذا عدّيت هذه الأفعال إلى المصدر وألغيتها رفعت فقلت:
زيد ظننته منطلق، على ما فيه من القبح، كما تقول: زيد ظنت منطلق؛ لأنّك إذا عدّيت الفعل إلى المصدر كان ذلك توكيدا له، وإلغاء الفعل توهين له، وذلك ينافى التوكيد؛ فالأحسن - مع الإلغاء - أن لا يعدّى الفعل إلى المصدر؛ فتقول: زيد ظننت منطلق، ولا تقول: زيد ظننته منطلق، ولا زيد ظننت ظنّا منطلق، فإن فعلت جاز على قبحه، والأولى: أن لا تلغيها متقدّمة ومتوسّطة ومتأخّرة فتقول: وظننته زيدا قائما، وظننت الظنّ زيدا قائما.
الحكم الثّامن: فى تعليقها.
هذه الأفعال لا يخلو ما بعدها من وجوه:
стр. 616
الأوّل: أن يقع بعدها «أنّ» ومعمولها، نحو قولك: علمت أنّ زيدا منطلق؛ فسيبويه (١) يقول: استغني بمعمولها عن المفعول الثانى، وطول الكلام يحسن معه ما لا يحسن مع قصره، والأخفش (٢) يدّعيه محذوفا، ويقدّره: «كائنا» أو «موجودا».
الوجه الثّاني: أن تقع بعدها «ما» النّافية، أو «لام» الابتداء، نحو قولك:
علمت ما زيد قائم (٣)، وعلمت لزيد قائم، فيبطل عملها في اللّفظ دون الموضع، فإن أدخلت «اللّام» مع «إنّ» كسرتها فقلت: علمت إنّ زيدا لقائم.
الوجه الثّالث: أن يقع بعدها حرفا الاستفهام: «الهمزة» و «أم»، أو «أيّ» الاستفهاميّة، نحو: علمت أزيد قائم أم عمرو، وعلمت أيّهم يقوم، وحكمه:
حكم الثّاني في إبطال العمل لفظا، لا موضعا.
الوجه الرابع: أن تدخل على ضمير، وذلك الضّمير: إمّا أن يكون راجعا إلى ما تقدّم، وحكمه: حكم الظّاهر في الحاجة إلى ما بعده، كقولك: زيد ظننته قائما، وإمّا أن يكون ضمير الشّأن والقصّة، وحينئذ تقع الجملة من المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، موضع المفعول الثّانى، ولا يلزم أن يكون له فيها عائد، نحو قولك: ظننته زيد منطلق، وعلمته يقوم زيد، وإمّا أن يكون ضمير مصدر، وقد ذكرناه (٤)، فإذا جاز إلغاء هذه الأفعال وإبطال عملها لفظا وموضعا فتعليقها أولى، ولا يكون التّعليق في غيرها.
стр. 617
النّوع السّادس: المتعدّى إلى ثلاثة مفعولين ،
وفيه فرعان:
الفرع الأوّل: فى تعريفه ،
وهو سبعة أفعال: «أنبأ» و «نبّأ» و «أخبر» و «خبّر» و «أرى» و «أعلم» و «حدّث»، وبعضهم (١) يدّعيها أربعة، وهى: «نبّأ» و «أنبأ» و «أرى» و «أعلم».
واختلفوا في بعض أفعال الشّكّ واليقين، إذا عدّيت بالهمزة، فسيبويه (٢) لا يلحقها بها، والأخفش (٣) يلحقها، والقياس معه، وهي: «ظننت» و «حسبت» و «خلت» و «زعمت» و «وجدت».
وقد ألحقوا بها الأفعال المتعدّية إلى مفعولين، ممّا يقتصر فيه، وما لا يقتصر، إذا عدوّها إلى الظّروف الّتى يتّسع فيها وتجعل أسماء، فتصير متعدّية إلى ثلاثة، وسيجيء بيانها فى الفرع الثّانى (٤).
وهذه الأفعال السّبعة على ضربين: ضرب منقول بالهمزة من باب «ظننت»، وهو: «أريت» و «أعلمت»، وضرب موضوع على التّعدّي، وهو باقيها، وقيل: إنّه منقول من فعل مرفوض، إلّا أنّها - فى الأصل - متعدّية إلى مفعول واحد، نحو قولك: نبّأت زيدا بكذا، وأنبأته بكذا، وقد يحذف منها
стр. 618
حرف الجرّ ويوصل الفعل؛ فيقال: أنبأته كذا، قال الله تعالى: فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا (١)، وقال تعالى: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٢) ثم قال: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٣) فجمع بين اللّغتين، ومنه قول الشّاعر (٤):
أدان وأنبأه الأوّلون ... بأنّ المدان مليّ وفيّ
إلّا أنّ هذه الأفعال الخمسة لمّا كان معناها معنى الإعلام، أجريت مجراه فى التعدّي إلى ثلاثة مفعولين؛ تقول: أنبأ الله زيدا عمرا عاقلا، وأعلم الله عمرا بشرا كريما، وحدّثت زيدا عمرا شريفا، وكذلك باقيها، ومنه قوله تعالي:
كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ (٥).
الفرع الثّانى: فى أحكامه:
الحكم الأوّل: لا يجوز إلغاء هذه الأفعال في العمل؛ لأنّها إذا ألغيت بقي ما بعدها كلاما غير مستقلّ؛ فإنّه يبقي: زيد عمرو خير النّاس، وليس كلاما.
الحكم الثّاني: لا يصلح دخولها على ضمير الشّأن والقصّة؛ لأمرين:
أحدهما: أنّه يؤدّي إلى أن نعلم غير معلم، والثّانى: أنّه يبقى ما يجب أن يكون مفسّرا غير مفيد، كما جاز ذلك فى باب «ظننت».
стр. 619
الحكم الثّالث: فى حذف مفعولاتها. أمّا الأوّل: فمنهم (١) من يجيزه؛ لأنّه فضلة، كما حذف أحد مفعولي «أعطيت» فيقول: أعلم/ الله عمرا خير النّاس، ويحذف «زيدا» ومنهم من لا يجيزه؛ لأنّه بمنزلة فاعل «ظننت»، وظاهر كلام سيبويه (٢) عليه.
وأمّا الثّاني والثّالث: فمتلازمان، ولا يجوز حذفهما وإبقاء الأوّل عند سيبويه (٢)؛ لأنّه كالفاعل فى باب «ظننت»، وهما كالمفعولين فيه، وأجازه ابن السّرّاج (٣)؛ فيقول: أعلم الله زيدا، ومتى ذكرت المفعول الثّانى، فلا بدّ من الثّالث؛ فلذلك لا يجوز حذفه إلّا مع الثانى عند ابن السّرّاج (٣).
وأمّا المفعولات الثّلاثة: فلا خلاف فى جواز حذفها.
стр. 620
ومتى بنيت هذه الأفعال لما لم يسمّ فاعله صارت متعديّة إلى مفعولين، تقول: أعلم زيد عمرا عاقلا؛ ومنه قول الشاعر (١):
وإنّ الّذي حدّثتم في أنوفنا ... وأعناقنا من الإباء كما هيا
الحكم الرّابع: المفعول الأوّل والثّاني لا يكونان إلّا اسما صريحا؛ لأنّهما المفعول والمبتدأ فى باب «ظننت»، والمفعول الثّالث يكون مفردا، وجملة كالمفعول الثاني فيه؛ تقول: أعلم الله زيدا عمرا أبوه قائم، وقام أبوه، وفي الدّار.
وتقع «أنّ» وما عملت فيه، فتسدّ مسدّ المفعول الثّاني والثّالث، كما سدّت في «ظننت» مسدّ الأوّل والثّاني؛ فتقول: أعلمت زيدا أنّ عمرا منطلق، فإن أدخلتها علي الثّالث، وكان المفعول الثّاني جثّة كسرت «أنّ»، تقول: أعلمت زيدا عمرا إنّه عاقل، فإن كان الثّاني مصدرا، فتحتها، تقول: أعلمت زيدا قدوم عمر وأنّه قريب.
стр. 621
الحكم الخامس: إذا اتّسعوا في الظّروف وجعلوها أسماء غير ظروف، وأدخلوا عليها الأفعال المتعدّية إلى مفعولين صارت من هذا النّوع؛ تقول:
اليوم ظننته زيدا منطلقا، واللّيلة كسوتها زيدا ثوبا، وأعطيت زيدا ثوبا اليوم، وسرقت عبد الله الثّوب الليلة، وصار من باب قولك: (١)
يا سارق اللّيلة أهل الدّار
ومنه قوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ (٢)، ويتّضح هذا إذا أخبرت عنه ب «الّذى»، تقول: الّذى أعطيته زيدا ثوبا اليوم؛ ف «الهاء» / ضمير «اليوم»، وهو اسم غير ظرف، ولو كان ظرفا لقلت: الذى أعطيت فيه زيدا ثوبا اليوم، وهذا الظرف المتّسع فيه لا تتعدّى إليه الأفعال المتعدّية إلى ثلاثة؛ لأنّه يخرج إلى ما لا نظر له، وهو التّعدّى إلى أربعة مفعولين.
الحكم السّادس: إذا استوفت هذه الأفعال مفعولاتها تعدّت إلى المصدر والزّمان والمكان والعلّة والحال بغير قرينة؛ فتقول: أعلمت زيدا عمرا عاقلا إعلاما اليوم عند بكر محبّة له جالسا.
خاتمة لهذا النوع: قول العرب:" أريتك زيدا ما فعل"؛ لا موضع للكاف من الإعراب عند سيبويه (٣)، وهى للخطاب، وموضعها عند الكسائىّ
стр. 622
نصب (١)، وعند الفرّاء (٢) رفع وتكون للواحد والاثنين والجميع والمؤنّث، بلفظ واحد، ولا فرق بين وجود الكاف وعدمها؛ تقول: أرأيتك زيدا ما صنع، وأ رأيت زيدا ما صنع، وليست من رؤية القلب، ولا من رؤية العين، ولها في الكلام موضعان:
أحدهما: بمعنى" أخبرني"، فلا تقع إلّا على اسم مفرد، أو جملة شرطيّة ماضية، كقوله تعالى: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ (٣)، وكقوله:
أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ (٤).
والثّانى: أن يكون بمعنى" انتبه"، كقولك: أرأيتك زيدا فإنّى أحبّه، أى: انتبه له فإنّى أحبّه، وقد يحذف جواب الشّرط تارة للعلم به، ويحذف الشرط ويؤتى بالجواب، كقوله تعالى: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي (٥) فلم يأت بالجواب (٦)، وقال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
стр. 623
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ (١) فجاء بالجواب (٢) ولم يأت بالشّرط.
النّوع السّابع: فى" كان" وأخواتها ،
وفيه فرعان.
الفرع الأوّل: في تعريفها ومعانيها
أمّا تعريفها فهى" كان" و" صار" و" أصبح" و" أمسى" و" أضحى" و" ظلّ" و" بات" و" ما زال" و" ما دام" و" ما انفكّ" و" ما فتئ" و" ما برح" و" ليس"، وما تصرف منها، إن كان متصرّفا، وما كان في معناها، ممّا يدلّ علي الزّمان العاري عن الحدث تقول: كان زيدا قائما، ويكون عمرو جالسا، وما زال خالد كريما.
ولم يذكر سيبويه (٣) إلّا" كان" و" صار" و" ما دام" و" ليس"، ثمّ قال وما كان نحوهنّ من الفعل ممّا لا يستغنى عن الخبر.
وتسمّى الأفعال النّاقصة؛ لحاجتها إلى الخبر.
وقد ألحقوا بها" آض" و" عاد" و" غدا" و" راح"، وأفعال المقاربة، وهي:" عسى" و" كاد" و" جعل" و" طفق" و" كرب"، وجعلوا" قعد" بمنزلتها في قولهم أرهف شفرته حتّى قعدت كأنّها حربة (٤).
وأمّا معانيها: فقد تقدّم القول - في تقسيم الأفعال - (٥) أنّ هذه الأفعال ليست حقيقيّة، وأنّ المقصود منها: تعيين الزّمان ماضيا وحاضرا
стр. 624
ومستقبلا، نحو:" كان" و" يكون" و" سيكون"، فإذا تعيّن الزّمان فلا حاجة إليها، ألا ترى أنّ معنى قولك: كان زيد قائما، وقع من زيد قيام فى زمن ماض؟ فلمّا كان هذا الغرض منها جرّدوها عن الحدث، وأخلصوها للأزمنة، قال الفارسىّ (١): هى دالّة على الزّمان بوضعها، وعلى الفعل الدال على الحدث والزّمان بلفظها، فأمّا تخصيص كلّ واحد منها (٢) بمعناه الموضوع له، فنحن نذكره مفصّلا.
أمّا" كان" فإنّها ترد فى الكلام على خمسة أنحاء" ناقصة وتامّة وزائدة ومضمرا فيها اسمها وبمعنى" صار".
أمّا الناقصة: فهي أمّ الباب، وهي الّتى ترفع الاسم، وتنصب الخبر، وسترد أحكامها مع أخواتها في الفرع الثّاني (٣).
وأمّا التامّة: فهى التى تكون دالّة على الحدث؛ فتستغنى عن الخبر تقول: كان زيد، أى: حدث، ووجد، ومنه قوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ (٤) وهى فيه فعل غير متعدّ.
وأمّا المضمر فيها اسمها - وهو ضمير الشّأن والحديث - فتقع الجمل بعدها أخبارا عنها، كقولك: كان زيد قائم؛ ف" زيد" مبتدأ"، و" قائم" خبره، واسم" كان" مضمر فيها، وهو ضمير الشّأن، والجملة في موضع
стр. 625
نصب؛ لأنّها الخبر، ومنه قوله تعالى: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١) فيمن قرأ بالتّاء (٢) والرّفع (٣)؛ ف" أن تعلمه" مبتدأ، و" آية" خبره، واسمها مضمر فيها، ويجوز أن تكون" آية" الاسم (٤)، و" لهم" الخبر، و" أن تعلمه" مصدر، وهو بدل من ال" آية".
ومن هذا الباب: كان من الأمر كيت وكيت؛ لأنّهما عبارتان عن جملة والجملة لا تكون اسم كان، فأمّا: كان من الأمر كذا وكذا، فهما اسم كان.
وأمّا الزائدة: فإنّها تدخل مؤكّدة؛ فلا تحتاج إلى خبر ولا تزاد إلّا إذا كانت ماضية؛ متوسّطة أو متأخّرة، نحو: مررت برجل كان قائم، وأنشد سيبويه (٥):
فكيف إذا مررت بدار قوم ... وجيران لنا كانوا كرام
стр. 626
ف" كان" عنده زائدة (١)، وخالفه المبرّد (٢)، وحكى سيبويه (٣): أنّ كان" زائدة في قولهم:" إنّ من أفضلهم كان زيدا"، وخولف (٤) فى ذلك.
وأمّا مجيئها بمعنى" صار": فكقوله (٥):
بتيهاء قفر والمطيّ كأنّها ... قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها
أي: قد صارت، وعليه تأوّل بعضهم (٦) قوله تعالى: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٧)، أى: صار، وبعضهم (٨) يجعلها زائدة، ولا يصحّ أن تكون على بابها.
стр. 627
وأمّا" صار": فإنّها تكون ناقصة، وتامّة.
أمّا النّاقصة: فمعناها الانتقال من حال إلى حال، تقول: كان زيد كريما، فصار بخيلا، ولا بدّ فيها/ من اتّساع؛ فإنّهم جعلوها تدلّ على زمن الوجود المتّصل، دون الزّمن الماضى، وسلبوها الدلالة على المصدر.
وأمّا التامّة: فإنّها تتعدّى إلى مفعول بحرف الجرّ، تقول: صرت إلى مكّة، أى: انقلبت.
وزعم قوم أنّها تزاد (١)، وليس بالمسموع.
وأمّا" أصبح": فإنّها تستعمل ناقصة، وتامة وزائدة عند الأخفش (٢)
أمّا النّاقصة: فإنّها تدلّ على الزّمان المختصّ بالصّباح، فإذا قلت:
أصبح زيد قائما، فمعناه: أتى عليه الصّباح، وهو قائم.
والفرق بينها وبين" كان": أنّ «كان» لما انقضى من الزّمان وانقطع، وأصبح وأمسى غير منقطعى الزّمان، ألا ترى أنّك تقول: كان زيد غنيّا، فلا يدلّ على أنّه غنيّ وقت الإخبار، وإذا قلت: أصبح غنيّا، فهو غنيّ وقت الإخبار، فأمّا قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * (٣) وأمثال ذلك، فالمعنى: ما زال كذلك في القدم، وصفات الله لا تنفصل عنه.
стр. 628
وأمّا التّامّة: فهى التى لا تحتاج إلى الخبر، كقولك: أصبحنا، أى:
دخلنا فى الصّباح.
وأمّا الزّائدة: فقد حكى الأخفش (١): ما أصبح أبردها، ومنهم من جعلها بمعنى" صار" (٢)، وحمل [عليه] (٣) قوله: أصبح زيد، أي: صار.
وأمّا" أمسى" فبمنزلة" أصبح" في النّقصان والتّمام والزّيادة، كقولك:
أمسى زيد قائما، وأمسى عمرو، وقولهم: ما أمسى أدفأها (١).
ومنهم من جعلها بمعنى" صار" (٤) في قولهم: أصبح زيد غنيّا وأمسى زيد فقيرا.
وأمّا" أضحى" فإنها من ضحا النّهار، وتستعمل ناقصة وتامّة.
أمّا النّاقصة: فكقولك: أضحى زيد قائما وإن كان أصلها من الضّحى فإنّها تقع على الاوقات جميعها، ليلا ونهار، وخصّها قوم (٥) بالنّهار.
وأمّا التّامّة: فكقولك: أضحى زيد، أى: دخل في الضّحى، كما تقول:
أظهر، وأفجر، وقد جعلت بمعنى" صار" فى قولك: أضحى زيد أميرا، أى:
صار.
стр. 629
وأمّا" ظلّ": فإنّها لما يعمله الإنسان نهارا، ولا تستعمل إلّا ناقصة، وفي تخصيصها/ بالنّهار نظر، ألا ترى قوله تعالى: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا (١) وقوله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٢) وهذا لا يخصّ زمانا دون زمان، ولهذا جعلها بعضهم (٣) بمعنى" صار"، وحمل الآية عليها.
وأمّا" بات": فإنّها مختصّة باللّيل دون النّهار، وتستعمل ناقصة وتامّة.
فالنّاقصة: قولك: بات زيد قائما، مثل" ظلّ" في النهار.
والتّامّة كقولك: بات زيد، فلا تريد: أنّه نام، وإنّما هو بمنزلة" أمسى" التّامّة، وجعلها بعضهم (٤) بمعنى" صار"؛ حملا على" ظلّ".
وأمّا" ما دام"، وجميع ما في أوله" ما": فإنّها يراد بها المطاولة، ولزوم الشّيء ومتابعة بعضه بعضا.
وما" في" ما دام" مع الفعل بتقدير المصدر، وهو نائب عن الزّمن، تقول: أجلس ما دمت جالسا، كأنّك قلت: أجلس زمن دوام جلوسك، كقولهم:
" آتيك خفوق النّجم" و" مقدم الحاجّ".
ولا بدّ أن يتقدّمها عامل؛ لأنّها نائبة عن الظّرف، ولا نظير لها في هذا الباب، ولا يستعمل مكانها غيرها، ولا يستعمل منها فعل، ولا يعمل فيها إلّا
стр. 630
فعل مستقبل، نحو: أقوم ما دمت قائما، ولا يجوز إدخال «إلّا» فى خبرها وخبر أخواتها، لا تقول: ما دام زيد إلّا قائما؛ لأنّ الكلام إيجاب، فإذا استثنيت منه، أدخلت إيجابا على إيجاب، كما لا تقول: مررت إلّا بك أحد؛ ولذلك خطّئ ذو الرّمّة (١) في قوله:
جراجيج لا تنفكّ إلّا مناخة ... على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا
وأمّا «ما زال»: فإنّها من" زال يزال» ضدّ ثبت، وليست من «زال يزول»؛ لأنّ هذا متعدّ وذاك قاصر، ولا من «زال يزيل»؛ لأنّ ذلك «فعل يفعل»، وهذا من «فعل يفعل»، وما فيها للنّفي، والنّفى إذا دخل على النّفي
стр. 631
صار موجبا. وقد أسقطوا منها «ما»، قال (١):
تزال حبال مبرمات أعدّها ... لها ما مشى يوما على خفّه الجمل
وأمّا «ما انفكّ»: فإنّ معني فكّ الشّئ: تفريق أجزائه؛ ففيه معني النّفى، فلمّا أدخلت عليه النّفى صار إيجابا، واستعمل على غير معنى وضعه، وأعطيت معنى «ما زال» و «ما برح».
وأمّا «ما فتئ»، و «ما برح» فبمنزلة:" ما زال" و" ما انفكّ"، ويلزمهما" ما" أو" لا" وقد أسقطوهما منهما فى القسم، كقوله تعالي: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ (٢).
وقول امرئ القيس (٣):
فقلت لها: تالله أبرح قاعدا
стр. 632
أي: ما تفتأ (١)، وما أبرح.
وقد تستعمل هذه الأفعال تامّة، وتكون" ما" فيها خالصة للنّفي، تقول:
ما دام زيد، كما تقول: لم يدم.
وأمّا «ليس»: فأكثر النّحاة يقولون: إنّها فعل غير متصرّف، وعليه ظاهر كلام سيبويه (٢) والخليل، وذهب قوم (٣) إلى أنّها حرف، وعليه جاء قولهم:
ليس الطّيب إلا المسك «برفعهما، كما يرفعان ب" ما"، وقال الفارسيّ بالمذهبين، فجعلها في «الإيضاح» (٤)، فعلا وفي «الحلبيّات» (٥) حرفا، وهى تنفى المستقبل عند ابن السّرّاج (٦)، ولهذا منعوا من قولهم: ليس زيد قد ذهب، ولا:
قد يذهب؛ لتضادّ الحكم بين «قد» و «ليس»، وقيل: معناها: نفي مضمون الجملة في الحال (٧)، تقول: ليس زيد قائما الآن، ولا تقول: ليس زيد قائما أمس، ولا غدا.
стр. 633
الفرع الثّاني: في أحكامها:
الحكم الأوّل: الفرق بين هذه الأفعال النّاقصة وبين غيرها من الأفعال الحقيّقية:
أنّ الفاعل مع غيرها غير المفعول، وهذه: مرفوعها هو منصوبها، وأنّ تلك: تبنى لما لم يسمّ فاعله، وهذه: لا تبنى له؛ لأنّ اسمها بمنزلة المبتدأ، وأنّه لا يجوز الاقتصار على فاعلها دون مفعولها، فلا تقول: كان زيد، وهي ناقصة.
الحكم الثّانى: ما تصرّف من هذه الأفعال فإنّه/ يعمل عملها في جميع متصرّفاتها؛ من ماض وحاضر ومستقبل واسم فاعل ومفعول، إذا كان للحال والاستقبال، ولا يصحّ اسم الفاعل فيما أوّله" ما"؛ تقول: كان زيد قائما، ويكون قائما، وكن قائما، وزيد كائن قائما، قالوا: ولا يكون لها مصادر (١) فلا يقولون: كان زيد قائما كونا؛ لتعرّيها من الدّلالة على الحدث، فأمّا قولهم:
أعجبنى كون زيد قائما، ونحوه، فمحمول على المعني، تقديره أعجبنى أن كان زيد قائما، وفي هذا نظر.
الحكم الثّالث: اسم هذه الأفعال وخبرها لا يخلو: أن يكونا معرفتين، أو نكرتين، أو أحدهما معرفة والآخر نكرة.
أمّا إذا كانا معرفتين: فلك الخيار، أيّما شئت جعلت الاسم، والآخر الخبر: تقول: كان زيد أخاك، وكان أخوك زيدا، فإن كان لأحدهما ميز على الآخر في التّعريف فالأولى: أن تجعل الاسم أعرفهما، كقوله تعالي: ما
стр. 634
كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا (١)، فالأولى: أن تنصب" الحجّة" وتجعل" إلّا أن قالوا" الاسم (٢)؛ لأنّ" أن" مع الفعل بمنزلة المضمر؛ حيث لا يوصف، ولا يقع حالا، والمضمر أعرف من المضاف.
فإن كان الاسم والخبر مضمرين جاز وقوع الخبر منفصلا ومتّصلا، وأولاهما: المنفصل؛ تقول: كنت إيّاه، وكان إيّاي، ويجوز: كنته، وكانني، قال الأسود (٣):
فإلا يكنها أو تكنه فإنّه ... أخوها غدته أمّه بلبانها
وأمّا إذا كانا نكرتين؛ فإن كان الكلام إيجابا لم يصحّ أن يكون الخبر إلّا ظرفا أو حرف جرّ، ويلزم تأخير الاسم وتقديم الخبر، كقولك: كان في الدّار رجل، وصار عليك دين، كما لزم تأخير المبتدأ إذا كان نكرة، وقد جاء تقديم الاسم في الإيجاب، كقولك: كان رجل من آل فلان فارسا، وتعتبر الفائدة في
стр. 635
ذلك، فلو قلت: كان رجل فارسا لم يجز؛/ لعدم الفائدة، وإن كان الكلام نفيا صحّ ذلك، اسما كان الخبر أو ظرفا، نحو: ما كان أحد، خيرا منك (١)، وما كان أحد في الدّار، فإن قلت: ما كان خير منك أحدا، كنت قد عكست القضية، أو بالغت في المدح، وإذا قلت: ما كان مثلك أحد، فكلّها نكرات، لأنّ" مثل" و" شبه" نكرة - وأن أضيف إلى المعارف -
لأنّها لا تخصّ شيئا بعينه.
وأمّا إذا كان أحدهما معرفة والآخر نكرة: فاجعل الاسم المعرفة، والخبر النكرة، وهو أكثر الكلام، تقول: كان زيد عاقلا، فأمّا جعل الاسم نكرة والخبر معرفة فلا يجوز إلّا فى الشّعر، كقوله (٢):
كأنّ سبيئة من بيت راس ... يكون مزاجها عسل وماء
وقد ورد فى الأشعار كثيرا، وهو مذهب سيبويه (٣)، وخالفه المبرد (٤) وغيره، وأوّلوا ما جاء من ذلك.